الطالب: (...) العلم.
الشيخ: لا، ما حاجة هذه؛ حتى الإنسان العادي يقول كذا؛ لأنك إذا
قلت هذه، صارت هذه خاصة بمثل مقام سليمان وليس كذلك، حتى الإنسان اللي (...) نفسه،
يقول: إن الله ما أعطاني هذه إلا ليبلوني أأشكر أم أكفر.
طالب: كفر نعمة الله، ما هو كفر مطلق، وإنما..؟
الشيخ: قلناها قبل قليل، الشكر والتوبة والكفر والإيمان كل هذه
تتبعض وتكمُل، مطلق شيء وشيء مطلق.
الطالب: لا أقصد، هل
هي..؟
الشيخ: لا، هنا المراد بها كفر النعمة.
الطالب: كفر النعمة واحد، ما فيه قسم واحد.
الشيخ: معلوم، فيه قسمان (...).
طالب: شيخ، من فضل الله جل وعلا على عباده إنما هو لأجل فطوره
(...) طيب قول بعض السجع: فهو الخالق وإن لم يوجد المخلوق؟!
الشيخ: كان الله خالقًا؛ بمعنى هذه الصفة صفة له قبل أن يوجد
المخلوق.
الطالب: وإن لم يوجد المخلوق.
الشيخ: قصدهم قبل أن يخلق، كما أنه سبحانه متصف بالكلام مع أنه
يتكلم بمشيئته، فهو متصف بالخلق مع أنه يخلق بمشيئته (...).
لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: ٤٠].
أولًا، في هذه الآية من الفوائد: التحدث بنعمة
الله سبحانه وتعالى بإضافة النعمة إليه؛ لقوله: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي، وهذا هو الواجب شرعًا والمقتضى عقلًا؛ لأن إضافة النعم إنما
تكون إلى مُسْدِيها ومُولِيهَا، وفي هذا دليل على إثبات التعليل لأحكام الله سبحانه
وتعالى الكونية كما ثبت ذلك في الأحكام الشرعية، من أين يؤخذ؟
طالب: لِيَبْلُوَنِي.
الشيخ: نعم، منين؟
طالب: من اللام،
للتعليل.
الشيخ: من اللام، للتعليل.
وفيه: دليل على تعليل أحكام الله الكونية، كما أن أحكامه
الشرعية كذلك معللة؛ ففيه ردٌّ على الجهمية الذين يقولون: إن فعل الله سبحانه
وتعالى ليس معلَّلًا، إنما يفعل لمجرد المشيئة، إذا شاء فعل لحكمة ولغير
حكمة.
وفيه: دليل على اختبار المرء فيما يُظْهِر
حقيقةَ أمره؛ لقوله: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ.
وفيه أيضًا، ننظر ها الفائدة
الآتية: إنه يجوز اختباره، وإن كان المختبِر يعلم مآله، هل يمكن أن يؤخذ
هذا؟ أو نقول: إن هذا خاصٌّ فيما يتعلق بالله، أنك تختبر إنسانًا لو إنك تعلم مآله،
وأما بالنسبة لله فهذا أمر واقع، لكن بالنسبة للإنسان تختبر الإنسان وأنت تعرف
مآله، هذا يُنْظَر فيه إلى المصلحة، قد يكون محرَّمًا، كما لو أردت أن تُظْهِر ضعفه
أمام الناس وتُخَجِّلُه، وقد يكون واجبًا كما لو كان إنسانًا داعية إلى ضلالة وأردت
أن تختبره ليتبين أمره للناس، وأنت تعرف أن ما عنده جواب لما اختبرتَه به، لكن تريد
أن تظهر للناس أمره، فهو بالنسبة لله سبحانه وتعالى ممدوح كله؛ لأن الله يعلم
المآل، لكن بالنسبة للإنسان، فاختباره عما يعلم مآله على حسب المصلحة
والفائدة.
وفيه إشكال؛ حيث قد يقال: أليس الله تعالى يعلم فيما يؤول إليه الأمر؟
فالجواب: بلى، إذن ما فائدة الاختبار، وهو يعلم؟
الطالب: ابتلاء الخلق بهذا العاصي، مثل ما فعل في إبراهيم؛ لما
أمره بذبح ابنه، هو يعلم أنه لن يحصل هذا وهو أنه سيذبحه، لكن أمره
ليبتليه.
الشيخ: ليترتب الجزاء على ظاهر الحال؛ لأن
الله لو جازى الإنسان على ما يعلم من حاله قبل أن يبلوه لكان ذلك ظلمًا في ظاهر
الحال، فإذا ابتلاه فأطاع أو عصى تبيَّن الأمر، فيكون هنا الفائدة عظيمة وهي ظهور
أثر هذا الشيء للناس، وأنه ليس بظلم من الله سبحانه وتعالى للعباد، (...) وظهور
أيضًا نعمة الله على العبد العامل إذا أطاع حيث يشكر الله سعيه.
فالحاصل: أن
الابتلاء في مثل هذه الأمور فائدته أن يجري الجزاء على ظاهر الحال لا على علم
الله.
وهل يؤخذ منه أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لأنه إذا كان الله سبحانه
وتعالى وهو أحكم الحاكمين لا يحكم بمجرد العلم حتى تظهر الآثار، فالقاضي من باب
أولى؟ ولهذا ذكر أهل العلم أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه، لقول النبي صلى الله
عليه وسلم: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا
أَسْمَعُ» .
هذه
قد يقال: إنها تؤخذ، وقد يقال: إن هذا توسُّع في الاستدلال وأنها لا تؤخذ من هذه
الآية، وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يخاطب نفسه بما تقتضيه الحال؛ لقوله:
أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ؛ فإننا ذكرنا أن قوله: أَمْ أَكْفُرُهذه العبارة شديدة من أجل أن يَرْدَع نفسه عن
ممارسة كفر النعمة.
وفي هذا دليل على: أن الإنسان
الذي يشكر الله ليس يُسْدِي إلى الله سبحانه وتعالى نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، وإنما
هو إذا شكر فإنما يشكر لنفسه، المصلحة لنفسه، ليست لله.
وفيها أيضًا دليل على: أن الشاكر يثاب؛ لقوله: فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، ولم يقل: عن نفسه، بل قال:
لنفسه، فدل ذلك على أن للشاكر ثوابًا يُجازى به، وهو كذلك.
وفي هذا دليل -في قوله: فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ- دليل على أن العامل عملُه له وليس لغيره، إلَّا أنه
قد يؤخذ منه مقاصَّة كما جاء في الحديث الصحيح في المفلس الذي
يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من
حسناته وهذا من حسناته ، وإلَّا فثوابك لك، ما
يمكن أحد يعتدي عليه أبدًا أو يأخذه، فهو مدخَّر عند الله سبحانه وتعالى.
طالب: الصدقة عن الميت؟
الشيخ:
الصدقة عن الميت من عملك؛ لأنك أنت الذي اخترت أن يتحوَّل إلى هذا إنما ما يؤخذ
منك، وأما إذا أنت أردته فهذا من عملك؛ لأن عملك قد يكون تريده لك أو لغيرك، وهذا
أيضًا مقيَّد بما جاءت به السنة.
وقوله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌما قال: ومن كفر فإنما يكفر على نفسه كما
قال: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ؛
لأن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وإلا فالحقيقة أن من كفر فعلى نفسه، مثلما قال الله
تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: ٤٦] لكن أحيانًا يكون السياق يقتضي خلاف ذلك، فهنا
يقول: من كفر فإنه لا يضرُّ الله شيئًا؛ لأن الله تعالى غنيٌّ عنه وعن شكره، وهو مع
ذلك كريم، قد يجود على الكافر في الإمهال لعله يشكر؛ ولهذا قال: فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ.
قال الله
تعالى..
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم؛ إضافة الفعل إلى العبد.
الطالب: (...)؟
الشيخ: على
أيش؟
الطالب: (...)؟
الشيخ:
لا، هو على الجَبْري واضح، لأنه أضاف الشكر إلى نفسه.
الطالب: لِيَبْلُوَنِي(...)؟
الشيخ: لِيَبْلُوَنِيهذا من فعل الله.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي، لكن هو
الآن العطاء من فضل الله سبحانه وتعالى، وما هو بيتحدث عن عمله، ما قال: إن عملي من
الله، قال: هذا العطاء الذي تفضل الله به هو من الله سبحانه وتعالى.
الطالب: (...)؟
الشيخ: على الجبري،
نعم، اللهم إلا في قوله: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّيمع
أن الذي قال: أنا آتيك به، هو الذي عنده علم من الكتاب، لكن حتى ما يستقيم؛ لأن
الذي عنده علم من الكتاب ما جاء به بنفسه.
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ [النمل: ٤١].
يستفاد من هذا
أيضًا: امتحان الغير بما يُعْرف به ذكاؤه وفطنته؛ لقوله: نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَاوقد سبق أن المراد بتنكيره تغييره؛
والعلة في ذلك قوله: نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَأَتَهْتَدِيأتعرف
أم تكون من الذين لا يعرفون، وكيف تعرف أو لا تعرف؟
لأنه لو بقي العرش على ما هو
عليه لعرفته، ولو غُيِّر نهائيًا لكان لها العذر في أن لا تعرفه، ولكنه إذا غُيِّرت
صفته وبقي أصله حينئذٍ يعرف به ذكاؤها هل تعرفه، والمقام في الحقيقة هنا مقام مدهش،
ليس مقامًا عاديًّا طبيعيًّا؛ لأنها هي سوف تستبعد أن يُؤْتَى بعرشها وهو محفوظ في
مكانه ومحروس ثم يؤتى به إلى سليمان.
ثم أيضًا لعلها حسب الطبيعة والعادة تستبعد
جدًّا أن يسبقها العرش، مع أن الظاهر أنها أتت إلى سليمان بأسرع ما يمكن من
السير.
فعلى كل حال، هذا التنكير سوف يدل على دهائها وعقلها، والأمر سيأتي بيانه
إن شاء الله قريبًا.
وقوله: أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَمثل قوله للهدهد: أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَما قال: أم لا تهتدي، بل قال: أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ.
وفيه أيضًا:
في هذا الامتحان إشارة إلى أنها إذا كانت تعرف عرشها مع تغييره فكيف لا تعرف أن
الذي يستحق العبادة هو الله؟ لأنها هي وقومها يسجدون للشمس من دون الله، كما مر،
فإذا كانت هي تعرف عرشها مع تنكيره فإنه لا شك أن معرفتها بأن الله تعالى هو
المستحق للعبادة من باب أولى، فهذا وجه من أوجه الاختبار في هذه القصة.
أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ.
طالب: سليمان قال: إذا عرفت عرشها..؟
الشيخ: فهي أولى أن تعرف أنه مستحق للعبادة.
الطالب: تمهيد لها بأن تعرف.
الشيخ:
إي نعم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، هنا ما في؟ لأنه ما في مخاطبة الله، لكن تغيير ها
العبارة مثل الأول، وإلَّا ما هو يخاطب، يخاطب قومه، يخاطب الملأ من قومه.
قال
الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْأظن ما قرأنا كلام
المفسِّر؟
الطالب: حتى الآية: نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا.
الشيخ: (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِيإلى معرفته أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَإلى معرفة ما يُغَيِّر عليهم،
قصد بذلك اختبار عقلها).
طالب: (...).
الشيخ: للمصلحة، يجوز للمصلحة، لمصلحة الغير؛ لأن هذا لمصلحتها
هي، وقد يقال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام تصرف فيه بناء على أنها لم تظهر
إسلامها بعد، وأنها إلى الآن وهي في حرب، ما بعد استقر الأمر.
طالب: (...)؟
الشيخ: إلى الآن ما علم
ولا تحقق، وإن كان هو يقول: قبل أن يأتوني مسلمين، لكن قد يكونوا مسلمين لله أو
مستسلمين له.
وعلى كل حال إلى الآن ما بعد ما يُحكَم عليها حتى الآن إلا بعد أن
تظهر إسلامها.
(قيل له: إن فيه شيئًا فغيروه بزيادة أو نقص أو غير
ذلك).
{فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ} لها أَهَكَذَا عَرْشُكِأي: أمثل هذا عرشك؟
قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَأي:
فعرفته.
فَلَمَّا جَاءَتْيعني: إلى سليمان،
ونظرت إلى العرش قيل لها: أَهَكَذَا عَرْشُكِ، والقائل
إما سليمان أو أحد جنوده، ولم يبيَّن؛ لأن المقصود معنى هذا القول دون
قائله.
وقوله: أَهَكَذَا عَرْشُكالاستفهام هنا على
حقيقته، والمراد به: الاستخبار، و (الهاء) للتنبيه، و (الكاف) حرف جر حالت بين هاء
التنبيه واسم الإشارة، مع أن هاء التنبيه تقترن باسم الإشارة، لكن الكاف تحول بينها
وبين اسم الإشارة لمباشرة حرف الجر للمجرور أَهَكَذَا عَرْشُكِ، ولكن أيضًا هو خاصٌّ بالكاف، لو أنك أتيت بحرف جر سوى الكاف ما
جاز أن تفصل بينه وبين اسم الإشارة؛ لو قلت مثلًا: ألهذا حضرت؟ ما يصح تقول: أهلذا
حضرت، ما يصلح، يعني: ما يفصل بين اسم الإشارة وبين هاء التنبيه بأي حرف من حروف
الجر إلا بالكاف فقط.
إذن نقول: أَهَكَذَا عَرْشُكِالجار والمجرور خبر مقدم، وعَرْشُكِ: مبتدأ مؤخر،
وتقديم الخبر هنا جائز ولّا واجب؟ واجب لأجل الاستفهام؛ لأن له الصدارة.
وهنا ما
قالوا: أهذا عرشك، بل قالوا: أهكذا عرشكِ؟ يعني: هل عرشكِ مثل هذا؟ هي أجابت بمثل
ما سئلت عنه، فقالت: كَأَنَّهُ هُوَو(كأن) للتشبيه،
ولم تقل: إنه هو، ولم تنف؛ السبب أنه مشابه لعرشها من حيث الأصل ومخالف له من حيث
الصفة لأنه غُيِّر، وهذا أيضًا من ذكائها أنها لما وقع في نفسها أنه عرشها لكن
تغيرت صفته قالت: كأنه هو، والجواب مطابق للسؤال.
والمؤلف سلك في هذا مسلكًا
غريبًا، قال: (أي: فعرفته وشبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ إذ لم يقل: أهذا عرشكِ،
ولو قيل هذا قالت: نعم).
ما ندري هل تقول: نعم أو تقول كأنه هو، إنما جوابها
مطابق للسؤال ومطابق لمقتضى الحال؛ أما مطابقته للسؤال فلأنه قيل لها: أهكذا؟ يعني:
أهو مثل هذا، فكان الجواب: كأنه هو، وأما مطابقته لمقتضى الحال فلأن المرأة رأت أن
العرش قد غُيِّر، فلم تجزم بنفيه ولم تجزم بإثباته، إن نُظِر إلى أصل الكرسي أو
العرش فهو هو، وإن نُظِر إلى صفته فليس إياه، لذلك كان جوابها جيدًا جدًّا وليس فيه
تشبيه كما قال المؤلف، هذا ما فيه تشبيه.
ولو قالوا: أهذا عرشك؟ ما ندري هل
تقول: نعم أو تقول: كأنه هو، وجزم المؤلف بأنها تقول: نعم ليس بصحيح، لأن المرأة
ذكية جدًّا، والإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال هل يجزم بأن ما شاهده هو ما كان
يعرفه من قبل؟ ما يجزم، بل إن مقتضى الحزم والتحرز أن يقول؟ ويش كان يقول؟
طالب: كأنه.
الشيخ: كَأَنَّهُ هُوَ، هذا مقتضى الحزم، لا سيما مع القرائن التي
تبعد أن يكون إياه كما في هذه القصة، فإنه عرش محوط محروس من مكان بعيد، فيبعُد أن
يمثل أمامها في هذه الحال.
المهم يا جماعة الآن أننا نأخذ من جوابها هذا نأخذ
منه ذكاءها من وجهين:
أولًا: أنها أجابت بجواب مطابق للسؤال، هذا
واحد.
وثانيًا: أنها أجابت بجواب مطابق لمقتضى الحال؛ إذ الجزم بهذا تسرُّع،
ونفيه تباطؤ أيضًا، واحتمال أن يكون إياه.
قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَكأن للتشبيه.
طالب: ليس في كلامها
تشبيه؟
الشيخ: لا، هو يقول: شبَّهت عليهم؛ يعني: لبست
عليهم، ما قال: شبهته.
ثم قال: (قال سليمان لما رأى لها معرفة وعلمًا:
وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ).
وجه ارتباط هذا الجملة بما سبق أنه أراد أن يتحدث سليمان
بما أنعم الله به عليهم من العلم، العلم يشمل العلم الشرعي، ويشمل العلم بقواعد
الملك ومثبتاته، وما أشبه ذلك؛ يعني: كأنهم أو كأن الملأ من قومه لما رأوا ما رأوا
من ذكائها ومعرفتها وتحرزها وتثبُّتها رأوا أمرًا عظيمًا، فأراد سليمان صلى الله
عليه وسلم أن يذكِّرهم بما هو أعظم من ذلك، وهو ما آتاهم الله تعالى من العلم
السابق والإسلام: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ.
ويرى بعض المفسرين أن قوله: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَامن قول المرأة، يعني:
كأنه هو وأوتينا العلم، وأن المسألة متصلة، يصير مِنْ قَبْلِهَاأي: مِن قبل هذه القضية، أي: أننا عندنا علمًا من قبل هذه القضية
فلا تعجب من علمنا بهذا فإن لنا علمًا سابقًا، ولكن هذا الاحتمال -وإن ذُكر- ضعيف،
والصواب: أن هذا من قول سليمان عليه الصلاة والسلام؛ يتحدث فيه بنعمة الله سبحانه
وتعالى عليه وعلى قومه السابق لمعرفة هذه المرأة.
طالب:
لا بد (...) فعل القول (...).
الشيخ: وين؟
الطالب: من قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟
الشيخ: (...) لا، ما يتعين، من قوله:
وَأُوتِينَالأنه قد يقولها أحد جنوده، ثم هو يتكلم بعد
ذلك بعدما تحصل المشاهدة هذه يقول: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا.
طالب: (...)؟
الشيخ: يجوز (...) عليها (...).
قال: وَصَدَّهَاعن عبادة الله مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِإذن مَافي قوله: مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِإعرابها أنها فاعل، يعني: صدها الذي كانت تعبد من دون الله، ويحتمل أن تكون (ما)
مصدرية، أي: وصدها كونها تعبد من دون الله، لكنه وإن كان سائغًا لغة لكنه ليس له
محل هنا، فـ (ما) هذه اسم موصول.
وقوله: مَا كَانَتْ تَعْبُدُما هو الذي تعبد من دون الله؟
طالب:
الشمس.
الشيخ: الشمس، والعائد على (ما) الموصولة محذوف،
التقدير: ما كانت تعبده من دون الله.
و(صد): بمعنى صرف، ومناسبة هذا لما سبق،
أنه يقال: إذا كانت هذه المرأة بهذا الذكاء وهذه المعرفة فلماذا لم تعبد الله مع
ظهور أن العبادة لله وحده؟
بيَّن أن الذي صدَّها عن عبادة الله أنها اشتغلت من
أول أمرها بعبادة غير الله، لأنها كانت من قوم كافرين، فنشأت في بيئة كافرة واشتغلت
بعبادة المخلوق عن عبادة الخالق، فكأن هذه المرأة مع كونها ذكية وفاهمة وعندها
احتراز وتحفظ كأنها مع ذلك إنما عدلت عن عبادة الله مع ظهورها ووضوحها بسبب
انشغالها بالباطل، والنفس لا بد أن تكون مشغولة إما بالحق وإما بالباطل، ولا بد أن
تكون كاسبة: إما كاسبة حرامًا أو حلالًا؛ إن أخذت ما لا حق لها فيه فهي كاسبة
حرامًا، وإن أخذت ما لها حق فيه فهي كاسبة حلالًا.
فهنا نقول: مناسبة قولها
لقوله: وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِأنه كالجواب عن سؤال مقدَّر، وأيش السؤال المقدر؟ لماذا لم تعبد
الله؟ فقال: إنه صدها عن عبادة الله ما كانت تعبد من دون الله وكانت من قوم كافرين،
فقد نشأت من أول أمرها في بيئة كافرة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن «كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ
يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» .
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِوقيل: إن
(صدها) الفاعل يعود على سليمان؛ أي: أن سليمان منعها ما كانت تعبد من دون الله، أي:
منعها عما كانت تعبد من دون الله بسبب ما رأت من الملك العظيم الذي لسليمان عليه
الصلاة والسلام، ولكن الأول أولى بالسياق: أن مَا كَانَتْ تَعْبُدُفاعل، لكن هنا لا بأس أن نذكر الاحتمال؛ لأنه ربما يكون عند
التأمل يظهر أن هذا الاحتمال صحيح.
قال الله تعالى: إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَيعني: بيئتها منذ نشأت وهم كافرون بالله
سبحانه وتعالى يعبدون الشمس، فلهذا اشتغلت بعبادة غير الله عن عبادة
الله.
وسيأتي إن شاء الله ما في هذه الجملة من الفوائد.
(قِيلَ لَهَاأيضًا، ادْخُلِي الصَّرْحَ) والقائل -كما قلنا- مبهم؛
إما سليمان أو غيره.
وهذا الصرح يقول المؤلف: (هو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته
ماء عذب جار، فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي
الحمار).
أما قوله: إنه (سطح من زجاج أبيض) هذا صحيح، سطح من زجاج
أبيض، والأصل في الصرح أنه البناء العالي، كما قال فرعون لهامان: ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ [غافر: ٣٦]
لكنه يُطلَق على السطح وإن لم يكن عاليًا، وهذا عبارة عن سطح من زجاج وتحته
ماء.
يقول المؤلف: (إنه جارٍ)، وأخذ كونه جاريًا من قوله: حَسِبَتْهُ لُجَّةً؛ لأن اللُّجَّة هي أمواج البحر المترددة،
لأن كل شيء متردد يُسمى لَجَّة، ومنه اللَّجَّة تردد الأصوات وارتفاعها، فالظاهر أن
المؤلف أخذ الجريان -وإلا ما في الآية ما يدل على أنه جريان- أخذه من قوله: حَسِبَتْهُ لُجَّةً.
وقوله: (فيه سمك) هذا ما هو
بشرط، ليس فيه شرط أن يكون فيه سمك؛ لأن اللجة قد تكون فيها سمك وقد لا تكون، وقد
يكون فيها سمك بعيد لا يُرى.
وكذلك أيضا قوله: (إنه ماء عذب) ما في دليل
على أنه عذب ولا أنه ملح، فلا ندري، المهم أنه ماء، بدليل ما يأتي.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، لأن العذب
قد يبقى فيه السمك ما شاء الله.
طالب: (...)؟
الشيخ: صحيح.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ويبقى فيه حتى هذا، بس أنه ما يعيش العيشة الكاملة،
اللهم إلا كان فيه مثلما قال الإخوان: فيه أسماك خاصة في الملح، ما يكفي.
المهم
على كل حال، كل هذا لا داعي له، حتى لو قال قائل: إنه ليس تحته ماء.
لو قال
قائل: وأن الزجاج هذا يعطي كأنه ماء، بسبب مثلًا أضلاع فيه ولّا شيء، لو قيل بهذا
لم يكن بعيدًا، لأنه ما يتعين أن يكون تحته ماء، ما هو متعين، على كل حال، ما هو
متعين، لكن نحن إن تنازلنا وقلنا: إن قوله: حَسِبَتْهُ لُجَّةًخله زجاج شفاف وتظنه بحرًا.
وأما قوله: (لما قيل له: إن
ساقيها وقدميها كقدمي الحمار) يقولون: إن الجن لما أنَّ سليمان أعجبته هذه
المرأة هَمَّ أن يتزوجها فحسدوها على ذلك، فقالوا له: إن قدميها وساقيها قدما دابة
وساقا دابة، وحطوها بعد حمار؛ لأنه أقبح وهذا ليس بصحيح.
وإنما المقصود من هذا
الصرح اختبار المرأة أيضًا، لأنه لما قيل: ادْخُلِي الصَّرْحَهي في الحقيقة إذا كانت تحسبه لُجَّة، إذا كانت جبانة تدخل ولّا
ما تدخل؟ ما تدخل أصلًا، وإذا كانت مغفلة دخلت وثيابها نازلة، وإذا كانت حازمة
وشجاعة دخلت ورفعت عن ساقيها، دخلت هذا ورفعت عن ساقيها.
ثم هي أيضًا من ذكائها:
أنها تعلم أنها ما أُكرمت وقيل لها: ادخلي الصرح وهي ستُدخل في بحر لُجِّيٍّ
يغرقها، فعلمت أن هذا البحر أن غاية ما فيه أن يصل إلى ركبتها أو نحو ذلك، وأنه لا
يمكن أن يكون بحرًا لجيًا عميقًا، لماذا؟ لأنها قيل لها على سبيل الإكرام: ادْخُلِي الصَّرْحَ.
فالمهم أن هذا أيضًا اختبار ثان
لذكائها وحزمها وشجاعتها، وأما أن رجلها رجل حمار فهذا كذب بلا شك، والأصل فيها
أنها امرأة مثل بنات آدم ليس فيها شيء من هذا.
الطالب:
(...)؟
الشيخ: ما ندري عن شريعة مَنْ سبق
(...).
قال: (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةًمن الماء وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا) وهذا لا شك أنه يدل على حزمها وقوتها وشجاعتها، لأن الإنسان
الغريب إذا حصل له مثل هذا الأمر قد يقول: ما أدري، يمكن يخدعونني ربما أطب في هذا
وأموت، لكنها قويَّةً وحازمة أيضًا، أقدمت على الدخول لكن مع الاحتراز عن
الأذِيَّة؛ حيث رفعت عن ساقيها.
والرفع عن الساقين (إبراهيم) يقول: يؤخذ منه
جواز إظهار المرأة للساقين، ونحن نقول: أولًا: لا يؤخذ منه ذلك، لأنه هنا فعلته
للحاجة، وكشف المرأة ساقيها للحاجة لا بأس به حتى في شريعتنا، إذا احتاجت المرأة
إلى كشف ساقيها في مثل هذه الحال فلا حرج فيه، لأن ما حُرِّم تحريم الوسائل تبيحه
الحاجات كما هو مقرر في علم الأصول، المحرم تحريم وسائل تبيحه الحاجات؛ ولهذا يجوز
النظر إلى العورة لأدنى حاجة، حتى إنهم قالوا: يجوز أن يحلق عانةَ مَنْ لا يُحْسِن
حلْقَ عانته، وهذا بالضرورة سوف يكشف العانة لتُحْلق.
فالحاصل أننا نقول: إن
كانت شريعة سليمان تبيح مثل ذلك فلا دلالة فيه، وإذا كانت لا تبيحه فإنه أيضًا لا
يخالف شريعتنا، لأن الحاجة هنا تدعو إليه.
(وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَالتخوضه، وكان
سليمان على سريره في صدر الصرح فرأى ساقيها وقدميها حسانًا) اطمأن الآن الرجل،
اطمأن، ولكنها ليست كما قال المؤلف، ما هو الغرض من هذا أن يَتَبَيَّن لسليمان هل
رجلها رجل حمار ولّا رجل آدمية؟
لا، الغرض أن يعرف بهذا ذكاءها وفطنتها
وشجاعتها، وكل ما تدل عليه هذه الصورة من معنىً يعود إلى المرأة فإنه يريده سليمان
عليه الصلاة والسلام.
الطالب: (...)؟
الشيخ: بيجي أكيد.
(قَالَلها إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌمملس مِنْ قَوَارِيرَأي: زجاج).
هذه
الجملة أيضًا تفيد أنه قُصِد به مع اختبارها وامتحانها إظهار عظمة ملك سليمان مثلما
قُصِدَ بإحضار العرش هذا المقصد.
قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَفتبين بذلك أمران؛ أحدهما: عظمة ملك سليمان؛ حيث
إن الزجاج يصنع له حتى يكون كالبحر اللجي، وثانيًا: الإشارة إلى أن هذه المرأة وإن
كانت ذكية وعاقلة وحازمة فإنها يَخْفَى عليها الأمر، ولّا لا؟ لأنها حسبت أن هذا
الزجاج لُجَّة من الماء مع أنه ليس كذلك، ففيه نوع من إظهار ضعفها أيضًا؛ حيث إنه
ظَنَّت الأمر على خلاف ما هو عليه.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في هذا من فوائد
الآيات ما..
الطالب: (...) صرح ممرد من قوارير أنه ليس
به ماء؟
الشيخ: (...) ما يستبعد؛ لأن وجود الماء تحتها
مثل ما قلتُ ما هو بلازم.
قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَحينئذٍ عرفت مكانها وعرفت مكانة سليمان.
وقوله:
(ودعاها إلى الإسلام) ليس في الآية ما يدل عليه، بل إن الظاهر ألجأها ما
شاهدته إلى أن تُسْلِم؛ لأنها شاهدت أمورًا؛ منها إتيان عرشها، ومنها: هذا الصرح
العظيم الممرد من القوارير.
طالب: (...)؟
الشيخ: هي قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ.
ومنها أيضًا: أن سليمان عليه الصلاة والسلام أخبرها بعظمته وقوته؛
حيث إن هذا صرح ممرد من القوارير وليس ماءً، حينئذٍ اعترفت (فقالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِيبعبادة
غيرك).
وعبادة غير الله من أعظم الظلم، قال الله تعالى عن لقمان لما قال
لابنه: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]؛ لأن أعظم الظلم أن تتسلط على من حقه أبين
وأوضح، ولا أبين وأوضح من حق الله على العباد؛ لهذا كان الشرك أظلم الظلم.
عندما
تخاصم إنسانًا وأنت تعرف أن الحق له لا لك تُعَدُّ ظالمًا، عندما يشتبه عليك الأمر
بحيث ترجح ثمانين في المئة أنه له وعشرين في المئة أنه لك، يكون هذا الظلم أخف من
الأول، عندما يكون خمسين في المئة لك وخمسين في المئة له يكون أخف من الثاني، عندما
ترجح ثلاثين في المئة له وسبعون لك يكون أخف، وهكذا.
فالمهم أن الظلم يكون أقبح
وأشنع بحسب ظهور الحق وبيانه، وأظهر الحقوق وأبينها: عبادة الله سبحانه وتعالى،
فيكون أظلم الظلم الإشراك مع الله، أن تشرك مع الله أحدًا؛ ولهذا تقول: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي.
إذن: النفس عندك أمانة يجب
عليك أن تسعى لها بما فيه خيرها، فأنت يجب أن تسعى لنفسك بما هو خير لها؛ فإن تجرأت
على ما ليس لك فقد ظلمت نفسك، أو فرطت فيما يجب عليك فقد ظلمت نفسك، وإذا كنت لا
تستطيع أن تتصرف في بدنك بما تريد فكيف تستطيع أن تتصرف في فعلك بما تريد؟!
لو
أن إنسانًا قال لشخص: أنا بأعطيك إصبعي، اقطع إصبعي وحطه (...) اللي ناقص باصبعك
بيجوز؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، لو قال: بقلع عيني لك وحطها بعينك اللي ما تشوف
يجوز؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إذا كان هذا لا يمكن في جسم مآله إلى الفناء
فكيف يكون ذلك في الأفعال التي عليها مدار سعادة العبد؟ فلا يجوز أن تتصرف في
أفعالك فيما يعود على نفسك بالضرر، فإن فعلت فأنت ظالم.
قالت: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(أَسْلَمْتُكائنةً مَعَ سُلَيْمَانَ).
أفاد المؤلف بتقدير كائنة
أن الظرف في قوله: مَعَ سُلَيْمَانَفي موضع الحال،
يعني: أسلمت حالة كوني مع سليمان، لمن؟ لله رب العالمين، هنا تعتبر مسلمة ولّا
لا؟
طالب: نعم (...).
الشيخ: إي، إذا قال الرجل: أسلمت، لو ما قال: أشهد أن لا إله إلا
الله وأن محمدًا رسول الله فقد أسلم، قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤]
فإذا عَبَّر الإنسان عن العمل بما يدل عليه من فعل؛ حُكِم عليه به، ولهذا لو قال
قائل لإنسان: حلفت عليك أن تفعل كذا صار يمينًا، لو ما قال: والله، أو حلفت لا أفعل
كذا، صار يمينًا وإن لم يقل بالله، لأن هذا هو الفعل.
إذا قال: أسلمت صار
إسلامًا، وإن لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
طالب: (...).
الشيخ: يستعمل كثيرًا،
إذن نقول: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَفيها أنها أسلمت إسلامًا كاملًا؛ حيث أقرت بألوهية الله في
قولها: لِلَّهِ، وبربوبية العامة في قولها: رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قال المؤلف: (وأراد تزوجها فكره
شعر ساقيها، فعملت له الشياطين النُّورَة فأزالته) والله الحقيقة أنها مشكلة
هذه.
طالب: (...)؟
الشيخ:
(...) عملت له الشياطين النورة، والنورة تزيل الشعر، ويقال: إن أول من عملت له
النُّورَة ساق بلقيس بأمر سليمان حيث إن الشياطين عملتها له، وكل هذا كذب.
ويجب
أن يُنَزَّه كلام الله عن مثل هذه الأشياء، وموقفنا مع مثل هؤلاء العلماء أن نسأل
الله لهم العفو، وأن الله يسامحهم؛ لأن كونهم يضعون في كلام الله مثل هذه الأمور
هذا من الأشياء التي يتنقص بها الإنسان كلام الله عز وجل، وأكثر ما وردت هذه كما
قال ابن كثير في هذا الموضع عن رجلين وهما: كعب الأحبار ووهب بن منبه، فإنهما أدخلا
كثيرًا من الإسرائيليات في كلام الله وغيره مما ينقلون نسأل الله أن يعفو
عنهم.
قال: (فأزالته فتزوجها وأحبَّها وأقرَّها على ملكها، وكان يزورها في كل
شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام) إقامة المتزوج بالثيب (...).
ذكرنا في
قوله: نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَافائدة الاختبار؛
اختبار الشخص لمعرفته وذكائه مثل هذا اللي حصل.
وقوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ.
يستفاد منه: التورية في الكلام، وهو أن يُظْهِر الإنسان
شيئًا غير ما يريد، فإن قولهم: أَهَكَذَاتورية؛ لأن
حقيقة الأمر أن العرش الذي بين أيديهم هو عرشها، فكان مقتضى الاستفهام أن يقولوا:
أهذا عرشك؟ لكن أتوا بصيغة التورية لإبعاد الأمر؛ لأن كونها عرشها قد تتسرع وتقول:
لا؛ لأنها تستبعد أن يكون حضر في هذه المدة وعليه الحرس وعليه المغاليق، فقيل لها:
أهكذا عرشكِ؟
وقولها: قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَفيه
دليل على: أن الجواب ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال، لأنها قالت: كَأَنَّهُبالتشبيه، ولم تقل: هو.
وفيه دليل على: ذكاء هذه المرأة واحترازها مما يخشى أن يكون
خطأً؛ لأنها لو قالت: لا، فقد يكون هو، ولو قالت: نعم، فقد يكون غيره؛ فقالت: كَأَنَّهُ هُوَفاختارت هذا للسببين اللذين ذكرناهما في وقت
التفسير.
وفي هذا دليل على: أنه ينبغي للإنسان أن
يتحدث بنعمة الله تبارك وتعالى عليه؛ لقوله: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ؛ لأن الصحيح أن هذه الجملة
من كلام مَن؟ من كلام سليمان، وإن كان بعضهم يطرح احتمال أنه من كلامها، لكن الصحيح
أنه من كلام سليمان.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، الله ما يصف نفسه بأنه مسلم، وَأُوتِينَا الْعِلْمَما قال: آتينا.
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ.
يستفاد من هذه
الجملة: أن الإنسان لا بد أن يُشْغِل نفسه، أو لا؟ فلا بد أن تكون النفس
مشغولة إما بحق وإما بباطل، فهذه المرأة اشتغلت بالباطل عن الحق، وقد قيل من
الحِكَم: إن لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل.
وقيل أيضًا: الوقت كالسيف إن لم
تقطعه قطعك، وهذا صحيح، وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّكُمْ حَارِثٌ، وَكُلُّكُمْ هَمَّامٌ» فلا
بد للإنسان أن يهمَّ ويعملَ، لكن إما بخير أو بغيره.
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وفي هذا دليل على: أن البيئة لها
تأثير؛ لقوله: إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَفهؤلاء القوم أَثَّروا عليها فصارت كافرة تعبد مع الله غيره.
وفيه: التحذير من مصاحبة الأشرار؛ لقوله: إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَحتى لو كانوا من
أقاربك فلا ينبغي أن تصاحبهم، وإذا كان لهم حق عليك بالقرابة فأعطهم حقهم الذي لهم،
ولكن لا تكن مخالطًا لهم ومصاحبًا لهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يروى
عنه: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» وهو حديث حسن
«فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» ،
«الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ
مَنْ يُخَالِلُ» وهذا شيء واقع يشهد له التاريخ السابق والحديث.
الطالب: البيئة عذر للإنسان؟
الشيخ:
ما تعتبر عذرًا، الواجب على الإنسان أن يفارق هذه البيئة؛ ولهذا وجبت الهجرة على من
استطاع أن يهاجر، ولكن الرسول لما يقول: «فَأَبَوَاهُ
يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» يُخْبِر، والخبر
لا يلزم منه الجواز، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» وهذا
خَبَر، هل معناه أنه يجوز أن نفعل؟ وأخبر قال: «وَاللَّهِ
لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَقُومَ الظَّعِينَةُ مِنْ صَنْعَاءَ
إِلَى حَضْرَمَوْتَ» فهل معنى ذلك أنه
يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم؟ لا، فما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما
يقع لا يلزم منه الجواز.
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَاإلى
آخره.
فيه دليل على: عظمة ملك سليمان وتسخير الله
له، ففي ذلك الوقت حسب علمنا ليس هناك أفران تَصْهَر الزجاج ويفعل بها الإنسان كما
يشاء، ولكن لا شك أن الزجاج موجود، قد يكون مستخرجًا من البحر تستخرجه الشياطين،
وقد يكون هناك أيضًا مصاهر وأفران حسب حالهم، ولهذا قال الله عن الشياطين: إنهم
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ: ١٣] جِفَانٍجمع جفنة وهي الصحفة.
كَالْجَوَابِالْجَوَابما
هي؟
طالب: الجابية.
الشيخ:
جمع جابية وهي البِركة، يعني كبيرة.
وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍيعني: ما تُنْقَل لكبرها وعِظمها.
فالحاصل أنا نقول: إن هذا
فيه دليل على عظمة ملك سليمان؛ حيث سُخِّر له الجن والإنس يعملون له ما
يشاء.
وفيه دليل على: جواز اختبار المرء كما
سبق.
وهذه القصة فيها عدة اختبارات؛ لقوله: ادْخُلِي الصَّرْحَليرى هل تهاب فلا تدخل، أو تغامر فتدخل بدون تحرُّز، أم ماذا
تصنع؟ فالمرأة لذكائها دخلت ولكن مع التحفظ والاحتراز كشفت عن ساقيها، أي: رفعت
ثوبها حتى بان الساقان.
وفي هذا دليل على: أن
المرأة من قديم الزمان زينتها التَّسَتُّر؛ لأن قوله: وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَادليل على أن الأصل أنها مستورة،
وهو كذلك، بخلاف الرجل، فإن «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ فَوْقَ
نِصْفِ سَاقِهِ» أو قال: «نِصْفُ سَاقِهِ» ، نسيت
اللفظ، الآن أصبح الأمر بالعكس عند كثير من المسلمين مع الأسف، فأصبح الرجال ثيابهم
مسبلة، والنساء ثيابهن قصيرة، وهذا خلاف الفطرة التي فطر الله عليها
الخلق.
وفي هذا دليل على: أن الرؤية قد تكذب، وأن
ما يدرك بالحواس ليس على الأمر الواقع مئة بالمئة، لقوله: حَسِبَتْهُ لُجَّةًفإن هذا كما هو الواقع صرح ممرد من قوارير
وتنظر إليه نظر العين ومع ذلك تحسبه لجة، فدل هذا على أن ما يُدرك بالحواس قد يقع
فيه الخطأ، أليس كذلك؟ قد يرى الإنسان الشيء المتحرك ساكنًا والساكن متحركًا،
والأبيض أسود، والرجل امرأة، بل قد يتخيل له في بصره شيء وليس له حقيقة، وكذلك
بالنسبة للسمع، وبهذا نعلم أن الشهادات وروايات الأخبار وغيرها كلها يمكن أن يقع
فيها الخطأ وليست معصومة مئة بالمئة، ولكن لا شك أنه كلما تواردت الأخبار وتكاثرت
فإنه يدل على أن الأمر متأكد، ولكن نفي احتمال الخطأ مهما بلغ الرائي أو السامع من
القوة والأمانة، فإن الخطأ عرضة فيما رأى أو فيما سمع، بل في الملمس الآن، قد تلمس
الشيء فتظنه ليِّنًا أو أملس وبالعكس، الرجل الفلاح يلمس الشيء الخشن فيظنه أملس،
والناعم يلمس الخشن البسيط جدًّا فيجده كالشوك.
فالحاصل أن المسألة حتى في
الأمور الحسيَّة الخطأ يمكن أن يقع، فما بالك بالأمور العقلية؟ من باب أولى وأعظم،
وبه نعرف ضعف الإنسان، وأنه بحاجة ماسَّة إلى علم الشرع والوحي، مهما بلغ فإنه
بحاجة إلى هذا الأمر.
طالب: (...) الحواس من
القطعيات؟
الشيخ: نعم.
الطالب: (...) يصبح خطأ؟
الشيخ: لا،
ما هو به، هذا شك، هو من القطعيات، لكنها باعتبار الفكر واعتبار العقل صحيح في مثل
هذا إنما الوهم قد يقع فيها.
وفيه أيضًا في قوله:
إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ: دليل على
أنه ينبغي تأكيد الكلام في موضعه، ما قال: هذا صرح، قال: إنه صرح، و(إِنَّ)
للتوكيد، والتوكيد هنا في محله؛ لأنها هي وإن لم تكن منكرة لكن حالها حال المنكر؛
حيث ظنته لُجَّة وكشفت عن ساقيها.
وفي هذا دليل؛ في
قوله: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِيدليل على
أن الله تبارك وتعالى قد يَهَب المرء ما يوجب له أن يسلم، بل قد يُيَسِّر له
الأسباب التي توجب إسلامه بكل سهولة، هذه المرأة حسب القصة ما وجدنا أنها دُعِيت
وأُكِّد عليها وبُيِّن لها الخطأ إلا في قوله في أول القصة: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَلكن لما
شاهدت ما شاهدت من عظمة ملك سليمان وقوته عرفت أنه لا بد أن تسلم، فهكذا إذا يسَّر
الله تعالى للعبد ما به الهداية فإنه يكون الأمر عليه يسيرًا، وإذا لم تُيَسَّر له
أصبح كل مانع يمنعه من الاهتداء، وإن لم يكن مانعًا قويًا.
وفي هذا دليل على: أن المرأة آمنت بسليمان، لم تُسْلِم
إسلامًا مطلقًا؛ لأنه قال: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَفدل هذا على أنها آمنت به، لأن (مع) للمصاحبة، فكانت من أصحابه
المؤمنين به.
طالب: (...)؟
الشيخ: الأخير هذ ا؟ (...)لم تؤمن إيمانًا مطلقًا؛ يعني ما قالت:
إني أسلمت لله فقط، بل صرَّحت بأنها تابعة لسليمان.
الطالب: (...)؟
الشيخ: أقول هذا؛
لقولها: مَعَ سُلَيْمَانَيعني مثلًا ما آمنت بنبيٍّ
آخر أو بشريعة أخرى، آمنت بشريعة سليمان فكانت من قومه مع أنها كانت في سبأ في
اليمن وسليمان في الشام.
وفي هذا دليل في قوله: إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِيدليل على أن المعاصي ظلم للنفس، وسبق وجه ذلك، وأن
الإنسان مؤتمن على نفسه من حيث السلوك والسير، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في
ماله، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في بدنه؛ ولهذا نُهي عن إضاعة المال، ونهي عن
قتل النفس: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]، وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]، وأُمِر بالدواء: «تَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا
بِحَرَامٍ» ، وأُمِر بالأكل
وبالشرب وباللباس وبالوقاية من الحر والوقاية من البرد، كل هذا من أجل حفظ النفس
التي هي أمانة عنده، فالإنسان ليس حرًّا يتصرف كما يشاء في بدنه أو كما يشاء في
سلوكه أو كما يشاء في ماله، لا، هو مقيَّد.
الطالب:
(...) هي الأمارة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: وهنا نُسب الفاعل.
الشيخ: إي
نعم؛ لأن الإنسان فيه نفسان، وقيل: ثلاثة أنفس: أمارة، ومطمئنة، ولوَّامة، والصواب:
أن اللوامة من صفات الثنتين، ولكن فيه أمارة وهي التي تأمر بالشر وتنهى عن الخير،
وفيه مطمئنة وهي التي تأمر بالخير، إذا ظلمت نفسي التي يقوله المطمئن.
وفي هذه الآية: إثبات عموم ربوبية الله؛ لقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَولا أحد له الربوبية العامة الشاملة سوى
الله عز وجل، الإنسان قد يكون ربًّا لبيته، وقد يكون ربًّا لدابته، وقد يكون ربًّا
لمملوكه، كما في الحديث الصحيح: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ
رَبَّهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ» .
وتقدم
لنا في التفسير أن ما ذكره المؤلف من هذه الإسرائيليات أنه لا يجب التصديق به، بل
ما كان منها مخالفًا للقرآن أو لا يليق بحال النبي فإنه يجب تكذيبه، وما كان منها
ليس مخالفًا ولا منافيًا لما يليق بالنبي فإنه لا يصدَّق ولا يكذَّب.
الطالب: ولا يُكْتَب؟
الشيخ: نعم؟
ولا يُكْتَب، ولا ينبغي أن يكتب في التفسير؛ لأنه إذا حسب في التفسير معناه أنه
صُدِّق حيث جُعِلَ تفسيرًا لكلام الله.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [النمل: ٤٥].
طالب: بالنسبة لبلقيس كيف أسلمت بهذه السرعة عندما رأت
ماله؟
الشيخ: رأت عظمة سليمان وجنوده؛ وهي تذكر كتابه
الذي قال: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينتذكر أن هذا الرجل لا بد إما أن تسلم وإما أن يقضي
عليك.
الطالب: (...)؟
الشيخ: ولكنها أسلمت.
الطالب:
(...)؟
الشيخ: نرى هذا مشهورًا، لكن ما نختاره، الظاهر
أنه من الأشياء التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب، لكنه لا بأس، لاشتهارها ما في
مانع.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ
أَخَاهُمْ صَالِحًا} تقدم أن مثل هذا التعبير هذه الجملة فيها ثلاثة مؤكدات:
القسم واللام وقد.
أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًاأَخَاهُمْ: مفعول أَرْسَلْنَا، وصَالِحًا: عطف بيان
له، عطف بيان وليس بدلًا؛ لأن كونه عطف بيان أوضح؛ إذ إنه يبين المبهم في قوله:
أَخَاهُمْ.
يقول المؤلف: يقول الله تعالى: إِلَى ثَمُودَثمود هذه قبيلة موجودة في مكان يُسَمَّى
الآن..
طالب: مدائن.
الشيخ:
مدائن صالح، ويُسَمَّى الحِجْر، ويُسمَّى ديار ثمود، هذه القبيلة يسَّر الله تبارك
وتعالى لها من أسباب العمران في السهل والجبل ما برزت به على غيرها، كما قال لهم
نبيهم مذكِّرًا لهم: تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ [الشعراء: ١٤٩] أرسل الله إليهم صالحًا، وآتاهم بآية عجيبة وهي
ناقة لها شِرْب وللقوم شِرْب، يعني: أن هذه البئر التي تشرب منها الناقة وهي أوسع
الآبار وأغزرها ماء أُذِن لهم بأن يشربوا منها يومًا، وأُمِروا بأن يدعوها يومًا
للناقة تشرب منه وتذهب في اليوم الثاني للرعي، وفي اليوم الذي تشرب منه قيل: إنهم
يأتون إليها، ومن سقاها دلوًا أعطته دلوًا من اللبن، هذا من الأمور الإسرائيلية
اللي ما تصدق ولا تكذب، لكنه مع هذه النعمة العظيمة في هذه الناقة كفروها والعياذ
بالله فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ [القمر: ٢٩] وعقروا هذه الناقة وكفروا بهذه النعمة العظيمة.
يقول: أَخَاهُمْ صَالِحًا(أَخَاهُمْمن القبيلة)، ليش قال: (من
القبيلة)؟ احتراز من الدِّين؛ لأنه ليس أخًا لهم إلا نفرًا يسيرًا آمنوا
معه.
صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ(أي: بأن
اعبدوا الله) أفادنا المؤلف أن (أن) هنا مصدرية، ولكن يجوز فيها وجه آخر: أن
تكون تفسيرية؛ لأن أرسلنا يتضمن أوحينا، والوحي فيه معنى القول دون حروفه، وهذا هو
دلالة (أن) التفسيرية أن يسبقها فعل فيه معنى القول دون حروفه.
إذا قلنا: إنها
تفسيرية ما صح أن نقدر الباء، أي: بأن، بل نقدر أن بمعنى: أي، (أي اعبدوا الله)،
يعني: أوحينا إليه أي اعبدوا الله.
اعْبُدُوا اللَّهَقال: (وحدوه)، وهذا مأخوذ من تفسير ابن عباس -فيما أظن-
لقوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] قال: ليوحدون، فجعل العبادة هي التوحيد، ولكن
الصحيح أن العبادة: التذلل لله سبحانه وتعالى بالطاعة؛ لأن هذه المادة العين والباء
والدال تدل على الذُلّ، ومنه قولهم: طريق معبَّد أي: مذلَّل لسالكيه، فعبادة الله
معناها: الذلُّ له بالطاعة؛ ومنه، بل من أعظم ذلك توحيده.
فالصواب أن المراد
بالعبادة: التذلل لله سبحانه وتعالى بالطاعة أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي، هو الغالب أن التزلف على هذا، التعظيم بلا شك والمحبة
معه.
قال: فَإِذَا هُمْ(الفاء) حرف عطف، و (إذا)
فجائية، يعني: فما الذي حصل بعد إرساله؟ إذا هم، المفاجأة بالتفرق.
(فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَفي
الدين، فريق مؤمنون من حين إرساله إليهم، وفريق كافرون).
الطالب: (...)؟
الشيخ: (من
حين) يكون أحسن؛ لأن (إذا) فجائية.
انقسم قومه إلى قسمين؛ قسم آمنوا به،
وقسم آخر كفروا به.
مَنِ الذين آمنوا به؟ المستضعفون، كما قال الله تعالى في
سورة الأعراف..
الطالب:(...)؟
الشيخ: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ [الأعراف: ٧٥] شوف ما
قال: أتؤمنون به، أتعلمون.
فماذا قال هؤلاء؟ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَيعني: لسنا نعلم فقط، بل نعلم ونؤمن،
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الأعراف: ٧٦] ما قالوا: إنا به كافرون، بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِبإظهار المضادة لهم والمعاندة،
يعني: ما دام آمنتم أنتم فأنتم الضعفاء (...) ضدكم على طول إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، وهذا أبلغ ما
يكون -والعياذ بالله- من المضادة والمحادة والاستكبار أيضًا، كأنهم يقولون: أنتم
الذين تؤمنون به هذا نكفر به، هؤلاء الفريق آمنوا وفريق كفروا.
فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَيعني: يجري بينهم
خصام، وهذا الخصام الذي جرى بين قوم صالح جرى أيضًا في قوم الرسول صلى الله عليه
وسلم، وكل الناس قومه ولا بد: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان: ٣١] لا بد من هذا، ولا
يمكن أن يتمحص الحق إلا بظهور العدو؛ لأن العدو يورد والوحي يجيب حتى يتمحص الحق
بيِّنًا ظاهرًا، حتى في الأمور الواقعية، حتى في الانتصار وفي الخذلان يحصل هذا
أيضًا.
فالله تبارك وتعالى ذكر من فوائد الخذلان في أحد: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤١] فلا يتبيَّن الحق تمامًا إلا بظهور عدوٍّ له
يناقضه ويعاديه حتى يظهر الحق على الباطل.
فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ.
(قَالَللمكذبين يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِأي: بالعذاب قبل الرحمة؛ حيث قلتم: إن كان ما أتيتنا به
حقًّا فأتنا بالعذاب).
لِمَ تَسْتَعْجِلُونَالاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ والتعدد؛ يعني: أنه يوبخهم وينكر عليهم هذا الأمر
ويتعجَّب من حالهم؛ لأن حال العاقل أن يستعجل بالحسنة قبل السيئة، لا أن يستعجل
بالسيئة قبل الحسنة، لكن السفيه –والعياذ بالله- سفيه، مثلما قالت قريش: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢] ما قالوا: (إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه)، أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً [الأنفال: ٣٢]، وهذا -نسأل الله
العافية- في غاية ما يكون من الاستكبار والاستفساق.
هؤلاء يستعجلون بالسيئة قبل
الحسنة ويقولون: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [العنكبوت: ٢٩].
وهذا التحدي من أعداء الرسل للرسل يدل
على تماديهم في العناد، وأنهم غير مؤمنين، ولكن هذا الأمر لا يجابون إليه، وإن كان
في ذلك نصر للرسول لكنهم لا يجابون إلى ذلك؛ لأنه إذا أجيبوا إليه صار معناه: أنهم
يجابون على اقتراحاتهم، مثلما قالوا لما قيل لهم عن البعث قالوا: ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية: ٢٥]
فيقال لهم: الرسل ما قالوا لكم إنكم تبعثون الآن، تبعثون متى؟ يوم القيامة، لو
قالوا تبعثون الآن كان يقول: نعم، جيبوا آباءنا، لكن هم قالوا: تبعثون يوم القيامة،
وانتظروا يوم القيامة وستجدون آباءكم.
نقول: يقول الله عز وجل حكاية عن صالح:
لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ(من الشرك)
(لولا) بمعنى: هلَّا، وهذا من معاني لولا؛ أن تكون للتحضيض، ولها معانٍ أخرى أيضًا
ويش هي؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، ويقال فيها: حرف؟
الطالب:
امتناع.
الشيخ: حرف امتناع لوجود، لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ [الحج: ٤٠] أيش اللي امتنع؟
الطالب:
تهديم الصوامع.
الشيخ: تهديم الصوامع لدفع الله سبحانه
وتعالى الناس بعضهم لبعض، ما الذي يُعَيِّن هذا المعنى من هذا المعنى؟
الطلبة: السياق.
الشيخ: يُعَيِّنُه
السياق، وبهذا وبكثير من أمثاله يتبين أن الكلمات ليس لها معنىً ذاتيّ بمعنى أنها
خلقت له، وإنما هي قوالب وثياب للمعنى الذي يدل عليه السياق، فأي ثوب يركبه لمعنى
يدل عليه السياق فهو فهو، وبهذا التقرير أيضًا يَتَبَيَّن أن ما ذهب إليه شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أنه لا مجاز في اللغة العربية أنه أمر صحيح، وأن كل
كلمة استُعملت في مقامها فهي حقيقة فيه، وكل مثلًا ما تُعرف في هذا اللفظ إلا لذاك
المعنى الذي لم تُسْتَعمل فيه ما يدل على أن ذاك هو معناها الذاتي؛ لأننا نقول: ليس
للكلمات معنىً ذاتي، والله أعلم.
***
ذكر الله سبحانه وتعالى أنه أرسل إلى ثمود أخاهم صالحًا وأكد هذا الخبر.فيستفاد منه: أنه ينبغي أو يجب أحيانًا تأكيد الأخبار المهمة ليكون المخاطب على يقين منها، ولا تقل: أنا لست ملزومًا ولا يهمني صَدَّق أم كذَّب، بل إن مقتضى النصح أن تؤكد ما ينبغي تأكيده للمخاطَب.
والفائدة الثانية: دليل على أن الرسل السابقين رسالتهم خاصة، ليست عامة؛ لقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَما قال: إلى الناس جميعًا، إِلَى ثَمُودَ، وهذا ثبت به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
الفائدة الثالثة: أنه يصح إطلاق الأُخُوَّة النَّسَبِيَّة بين المسلم والكافر، فلا يقال: إذا انتفت الأخوة الإيمانية انتفت الأخوة النسبية، بل كلٌّ منهما إذا انتفى يبقى الآخر، لقوله..
طالب: أَخَاهُمْ صَالِحًا.
الشيخ: أَخَاهُمْ صَالِحًا.
وفي الآية أيضًا الفائدة الرابعة: أن الذي أُرسِلَت به الرسل هو ما خُلِقَ له البشر، بل الجن والإنس: وهو عبادة الله؛ لقوله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، والعبادة سبق معناها.
طالب: (...).
الشيخ: أي: هي عبادة الله، أن الذي أُرسل به الرسل هو ما خُلِق له الخلق وهو عبادة الله.
الفائدة الخامسة: انقسام الناس إلى فريقين في مقابلة الرسل أو في مواجهة الرسل: مؤمن وكافر، وهذا لتحقيق الحكمة الابتدائية، والغائية في خلق الله، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢] لو كانوا كلهم مؤمنين ما صار منهم كافر ومؤمن هذه حكمة ابتدائية بالخلق منذ خُلِق.
أيضًا: لتتم الحكمة الغائية، الحكمة الغائية: هو أن الله تعالى خلق جنة ونارًا، وخلق لكلٍ منهما أهلًا، فلو كان الناس كلُّهم مؤمنين لم يكن لخلق النار فائدة؛ ولهذا قال الله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨، ١١٩] هذا ابتداء.
ثانيًا: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩] هذا الغاية، إذ لو لم يكن مؤمن وكافر هل تتم كلمة الله في ملء جهنم؟ ما تتم.
إذن فالفائدة الخامسة: انقسام الناس في مجابهة الرسل إلى قسمين: مؤمن، وكافر، والحكمة من ذلك: هو تمام حكمة الله تبارك وتعالى ابتداء وغاية، ابتداء حيث خلق الناس منهم مؤمن ومنهم كافر، وغاية، عليكم هذا؟
الطالب: (...) وخلق (...).
الشيخ: نعم، ولولا ذلك لم يكن لخلق النار فائدة، ولما تمت كلمة الله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩].
الفائدة السادسة: وقوع الخصام بين المؤمنين والكافرين، وأنه أمر لا بد له، حتى أنه ربما يصل إلى الصدام المسلح، وهذا واضح فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ، وقال تعالى في هذه الأمة: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩] الخصام لا بد منه مع آباء الرسل وأولياء الرسل وربما يصل ذلك إلى الصدام المسلح والقتال وهذا أمر مشاهد نستفيد من هذه الفائدة السادسة.
الفائدة السابعة: وهو أن كل متصدٍّ للدعوة إلى الله فلا بد أن يجد خصومًا، كل متصدٍّ للدعوة إلى الله لا بد أن يجد خصومًا؛ لأنه إذا كانت الدعوة في ابتدائها مع من جاء بها وهو الرسول تلاقي ذلك فما بالك بانتهائها.
وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان: ٣١] قد نتوسع في معناها ونقول: لكل نبيٍّ لا لشخص النبي ولكن لدعوة النبي؛ بدليل أن النبي قبل أن يُبعَث هل له عدو؟ لا، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُسمَّى الأمين عند قريش قبل أن يُبعَث وكانوا يقدِّرونه ويعظِّمونه ويُحِبُّونه، وبعد أن بعث وصار نبيًّا قامت الحرب بينهم وبينه.
إذن ممكن أن نقول: إن قول الله سبحانه وتعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ [الفرقان: ٣١] أي: من حيث الدعوة، وعلى هذا فما بقيت هذه الدعوة سوف يكون لها عدوٌّ من المجرمين.
نأخذ أيضًا من الفائدة التي استشهدنا بها: أعظم مؤيِّد للداعي إلى الله نأخذ منها أعظم تأييد للداعي إلى الله حيث وصف الله خصومه بالإجرام.
إذن ما دام الداعي معتقدًا وواثقًا من نفسه أنه على بصيرة فليبشر بالتأييد ولو بالعاقبة؛ لأن خصومه وصفهم الله تعالى بالإجرام، والله تبارك وتعالى لا يصلح عمل المجرمين.
ثم قال: قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
يستفاد من هذه الآية: الإنكار على من استعجل بالسيئة قبل الحسنة ولّا لا؟
والاستعجال على نوعين؛ أحدهما: استعجال بالقول، بأن يقولوا: أْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الأعراف: ٧٠]، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ [الأنفال: ٣٢].
واستعجال بالفعل والحال: بأن يسلكوا مسلكًا يكون به العذاب، وذلك بالمعاصي، فإن المعصية استعجال بالعذاب بلا شك، الذين يعصون الله سبحانه وتعالى معناه أنهم استعجلوا عذابه؛ حيث إنه سبحانه وتعالى أخبر بأن المعاصي سبب للعقوبة والعذاب فإذا صار الإنسان يمارس هذه المعاصي فإنه يقول بلسان حاله أين العذاب؟ وعلى هذا فإذا رأيت الأُمَّة على معصية الله، وإن لم تقل: أين عذاب الله؟ وأين ما وعدتم به؟ فإنها في الحقيقة تستعجل عذاب الله سبحانه وتعالى.
إذن يؤخذ منه الإنكار على من استعجل عذاب الله والاستعجال يكون بالقول وبالفعل اللي هو الحال يعني بقول الإنسان وحاله.
أما القول فأن يقول: أين عذاب الله؟ ائتنا بعذاب الله وما أشبه ذلك.
وأما الحال فإن المعصية استعجال بالعذاب؛ لأن الله تعالى رتَّب العذاب عليها ففاعلها يقول: هات؛ لأن فاعل السبب أيش يريد؟ يريد وقوع المسبب.
وفي هذا يستفاد منه فائدة تاسعة أظن؛ يستفاد من ذلك: نصح الرسل لأممهم؛ لأن إنكار صالح على قومه ماذا يريد منهم؟
يريد منهم أن يستقيموا على أمر الله؛ ولهذا قال: لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ.
وفي هذا دليل على: أن الاستغفار سبب لرفع العقوبة (...)؛ لقوله: لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ.
وهو كذلك فإن الاستغفار سبب لرفع العقوبة.
وفيه دليل على: أن الاستغفار سبب لجلب الرحمة، وهو أمر فوق دفع العقوبة؛ لقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وقد قال نوح لقومه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: ١٠ - ١٢] وهذه رحمة من الله عز وجل نتيجة الاستغفار؛ إذن فالاستغفار سبب لاندفاع النِّقَم وجلب النِّعَم، وما هو الاستغفار؟
طالب: الاستغفار طلب التوبة.
الشيخ: لا.
طالب: الاستغفار مأخوذة من المغفر.
الشيخ: لا مش معناه.
الطالب: معناه..
الشيخ: طلب أيش؟
الطالب: معناه ستر الذنب مع التجاوز.
الشيخ: لكن ويش طلب؟ طلب المغفرة.
الطالب: طلب المغفرة.
الشيخ: يعني أخطأ بقوله: طلب التوبة، طلب المغفرة، والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه وطبعًا يستلزم طالب المغفرة يستلزم طلبه للمغفرة إذا كان حقيقة أن يقلع عن الذنب لأنه كيف يقول: أستغفر الله من الربا، وهو يقع في الربا، ما يصلح هذا، فطالب الشيء لا بد أن يسعى بأسبابه.
إذا قلت: اللهم ارزقني ولدًا صالحًا، قال: ما أنا متزوج، إن شاء الله يقدِّر لي ولدًا صالحًا، بييجي؟
يصلح؟ تستغفر الله وأنت لم تفعل أسباب المغفرة؟ ما ينفع، فلا بد من فعل أسباب المغفرة بالاقلاع عن المعصية، ثم طلب أن يغفر الله لك.
وإذا كان الاستغفار سببًا لجلب الرحمة فإنه من أسباب الفتح على المرء فتح العلم؛ أن الله يفتح عليه علمًا لم يكن يعلمه من قبل، يقول الله عز وجل: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٠٥، ١٠٦].
وكان بعض أهل العلم إذا سئل عن مسألة قدَّم بين يدي إجابته الاستغفار فقال: استغفر الله استغفر الله حتى يفتح له وهذا ظاهر؛ لأن الذنوب تحول بين المرء وبين العلم وبين المرء وبين الفهم فإذا غُفِرَت زال هذا الحجاب؛ قال الله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: ١٣] الأول باختيارهم وهو التحريف، والثاني بغير اختيارهم وهو النسيان؛ فالمعاصي سبب للحرمان من العلم والفهم، والاستغفار رفع للمعاصي وآثارها، فيقتضي العلم والفهم، ومناسبته من الآية التي سقناها من آية النساء واضحة إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٠٥، ١٠٦] فتعقيب الحكم بين الاستغفار دليل على أنه من أدوات الحكم بالحق الاستغفار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الاستغفار حتى إنه ليستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة .
ويُحْصَى له في المجلس الواحد أكثر من مئة مرة: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت أسباب المغفرة في حقِّه أكثر من غيره.
ومن أسباب المغفرة أن يستغفر بلسانه وهو عليه الصلاة والسلام يعلم أن الأشياء بأسبابها علم أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فجعل يكثر من أسباب مغفرته هذه بالاستغفار بلسانه، وكذلك أيضًا بفعل أسباب المغفرة بأفعاله، وهكذا ينبغي للإنسان إذا مَنَّ الله عليه بشيء أن يحقق ذلك الشيء بفعل الأسباب ولا يتكل، لولا تتقون الله.
وفي هذا الآية من الفوائد أيضًا: إثبات الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَالرحمة لها سبب، وكون الله تبارك وتعالى يُقْرِن أفعاله بأسبابها يدل على كمال الحكمة؛ لأن من يفعل أفعالًا عنجهية ليس لها أسباب..





