تفسير سورة النمل - 13
عدد الزيارات 2372

عناصر المادة :
تفسير الآيات (76-81)

لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» ، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا» (...).
من قوله: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [النمل: ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا، ثم انتقل فقال: بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ، فيكون بالإضافة إلى قوله: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، ثم قال: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَانتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب.
طالب: (...).
الشيخ: الرابع أعلاها.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه.
طالب: (...) هذه المراتب.
الشيخ: هذه المراتب، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَهذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى.
يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب.
ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه.
الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر.
الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ(...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: بَلْ هُمْ مِنْهَا، ما قال: عنها عمون، مِنْهَاأي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.
ثم قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل: ٦٧].
يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي.
المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها.
الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: أَإِذَا كُنَّاللإنكار.
الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟
طلبة: يوم القيامة.
الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية: ٢٥] فنقول لهم (...).
طالب: (...).
الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ائْتُوا بِآبَائِنَاقلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم.
الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَيعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن.
الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النمل: ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له.
وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟
طالب: نعم (...).
الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟
طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟
الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص ، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله.
ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات.
ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور.
الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير.
طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟
الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر: ١٧] ويقول: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [المؤمنون: ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما.
طلبة: (...) نعم.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...).
طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...).
الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].
قال الله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [النمل: ٦٩]
يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [المائدة: ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه.
الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص.
الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: فَانْظُرُوا كَيْفَوالأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِيخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم.
الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: فَانْظُرُوا كَيْفَو(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...).
الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة.
الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَفإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها صلى الله عليه وسلم ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته..
طالب: (...).
الشيخ: غير الشيكات لا، فيه..
طالب: (...).
الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف.
وقال تعالى: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النمل: ٧٠].
يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه.
الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول صلى الله عليه وسلم بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠].
الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر.
النبي صلى الله عليه وسلم جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله ، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه ، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام.
ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي صلى الله عليه وسلم بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ» .
إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة.
ثم قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [النمل: ٧١].
يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ.
يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي.
قال الله عز وجل: قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [النمل: ٧٢].
يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: عَسَى أَنْ يَكُونَ، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟
طلبة: (...).
الشيخ: ليش؟
طلبة: (...).
الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل.
الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِيبَعْضُدون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِيلا كل الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ.
ثم قال: وَإِنَّ رَبَّكَ [النمل: ٧٣].
طالب: (...).
الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠].
قال: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ [النمل: ٧٣].
يستفاد من هذه الآية:
أولًا: بيان فضل الله على عباده.
ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر.
ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...).
ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [النمل: ٧٤، ٧٥].
يستفاد من هذه الآية الكريمة:
أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء.
ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل.
الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: مَا تُكِنُّوَمَا يُعْلِنُونَ، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء.
الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [النمل: ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟
طالب: (...).
الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ.
والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة.
الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون.
فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا.
والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.

***

تفسير الآيات (76-81)
00:36:46

ثم قال الله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَالموجودين في زمن نبينا أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل: ٧٦] أي: ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا).
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ: هَذَا الْقُرْآنَيعني المنزّل على النبي صلى الله عليه وسلم.
و(قرآن) إما مصدر بمعنى اسم المفعول وإما اسم فاعل.
المعنى الأول: قرآن: مصدر بمعنى المفعول؛ فلأنه مقروء، أي يقرأ، وهو أيضًا: مقروء من القرء بمعنى: الجمع. فهو مجموع وهو متلو؛ بمعنى الجمع والتلاوة.
وأما على أنه مصدر: فإن فُعلان تأتي مصدرًا، مثل: الغُفران والشُّكران، فهو في الحقيقة مصدر بمعنى اسم المفعول، وإما مصدر مطلق، كالغفران والشكران.
ما (...) اسم فاعل بمعنى أنه جامع لأحكام الكتب السابقة (...)، هذا وجه أيضًا ثالث: أن يكون قرآن بمعنى جامع، وقد ذكر الله تعالى أن القرآن مهيمن على الكتب السابقة.
وقوله: يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَالقص بمعنى: التحدث بالشيء، التحدث بالشيء هو القص، فهذا القرآن يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَالموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أيش يقص عليهم؟ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَوسيأتي إن شاء الله أمثلة لهذا.
قال: يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَبَنِي إِسْرَائِيلَ: الذكور منهم ولّا والإناث؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم. لأن الابن إذا كان المراد به القبيلة فهو شامل للذكر والأنثى، وإذا لم يرد به القبيلة فهو خاص بالذكور، فإذا قال قائل مثلًا: هذا وقف على بني محمد، محمد شخص، هذا وقف على بني محمد، من يختص به؟
طلبة: الذكور.
الشيخ: الذكور، فإذا كان القبيلة كلها تسمى بني محمد فهو للذكور والإناث، بنو تميم: إذا كان الإنسان موقفًا على بني تميم حين وجود تميم قبل أن يكونوا قبيلة، حين وجود الجد، اللي هو تميم؟ فهو خاص بالذكور، وبعد أن كانوا قبيلة يكون عامًّا للذكور وللإناث. إذن بنو إسرائيل هنا المراد بهم القبيلة ولّا لا؟ نعم القبيلة، فيعم الذكر والأنثى.
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهم أبناء عم للعرب؛ لأن العرب أبوهم إسماعيل بن إبراهيم، وهؤلاء أبوهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعني جدهم إسحاق اللي هو أخو إسماعيل، هؤلاء القوم ينسبون إلى أبيهم، و وإسرائيل بمعنى عبد الله.
بعض الناس اليوم يقولون: كيف نسمي الدولة اليهودية إسرائيل؟ كيف يكون باسم إسرائيل؟ ويش الجواب؟
الجواب أن هذا نسبة إلى أبيهم، ألسنا نسمي العرب قريشًا؟ نسبة إلى من؟ إلى جدهم قريش، ما نقول: بنو قريش، نقول: قريش. فهنا تسمى القبيلة باسم أبيها، وإن كان بلا شك أن الأنسب أن تسمى بما سماها الله به، وهم بنو إسرائيل، على أننا أيضًا نشك بأن هؤلاء اليهود الموجودين من بني إسرائيل، ما ندري، لعلهم من أوربا ومن غيرها من البلاد التي ليست من بني إسرائيل.
لكن على كل حال، مثل ما أن العرب الآن يعتبرون العروبة بالعربية، ويقولون: من نطق بالعربية فهو عربي، وإن كان أصله أعجميًّا، أولئك أيضًا يقولون: من نطق بالعبرية فهو إسرائيلي، وإن لم يكن من بني إسرائيل، ولهذا نحن الآن نجزم أن الطائفة الآن التي تسمى اليهود ليست كلها من بني إسرائيل، بل إنما ينتمون إلى هؤلاء القوم باعتبار أن الجامع بينهم اللغة.
يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: أَكْثَرَ الَّذِي: ما قال: كل الذي، قال: أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، فما الذي يخرج من الأكثر؟ يخرج بالأكثر؟
طالب: الأقل.
الشيخ: يخرج الأقل؛ وذلك أن القرآن إنما قص عليهم ما فيه مصلحة، أما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يقصه؛ لأن القرآن كما تعلمون هدى، وكل ما فيه فإنه له معنى ومقصود. فالشيء الذي لا فائدة منه ما يقصه عليهم الذي اختلفوا فيه. مثلًا: اختلفوا في لون الكلب لأصحاب الكهف، هل فيه زيادة فائدة؟ ما فيه فائدة. كذلك اختلفوا في أشياء كثيرة من هذا النوع ما قصها القرآن، البقرة التي أمروا بذبحها اختلفوا من هي له، فقيل: إنها لإنسان بار بابنه، وقيل: إنها لشيخ كبير، وقيل أشياء كثيرة، لكن هذا هل منه فائدة؟ لا، لا فائدة منه، فـأَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَمما في ذكره فائدة يقصه هذا القرآن ليحكم بينهم.
يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَلأي شيء يقص ذلك؟
لأجل أن يصدقوا بالقرآن؛ لأنه إذا جاء هذا القرآن قاصًّا عليهم ما سبق مما فعلوه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد عُلم بأنه ما درس التوراة، ولا درس على اليهود، عُلم أن ما جاء به فهو حق، وهذه هي الحكمة من كونه يقول: يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، مع أن هذا القصص لبني إسرائيل ولغيرهم، لكن بني إسرائيل عندهم من علم الكتاب ما ليس عند العرب، فلهذا بُين لهم لإقامة الحجة عليهم.
طالب: (...).
الشيخ: هو إقامة الحجة عليهم؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلم العرب.
الطالب: (...).
الشيخ: إي؛ لأن عندهم كتابهم ويعلمون، فإذا نزل هذا القرآن حاكمًا بينهم، ويقص عليهم ما كانوا يختلفون فيه، دل هذا على أنه حق.
طالب: القَصص (...).
الشيخ: القَصص مصدر، وقَصصٌ مصدر، والقِصص: جمع قصة.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) بمعنى جمع قصة. ويصلح فقط بمعنى قص، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: ٣].
طالب: (...).
الشيخ: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام: ٣].
الطالب: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ(...).
الشيخ: (...).
(...) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
قال: أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَيعني: لا كله، والذي يقص عليهم ما كان فيه فائدة لهم ولغيرهم، ومن ذلك: ما قص عليهم في شأن عيسى؛ فإن عيسى كما تعرفون اختلف فيه بنو إسرائيل، فمنهم من كذبه وأنكره وزعم أن أمه بغي وقتله، ومنهم من غلا فيه وقال: إنه ابن الله، أو إنه إله، وكذلك أيضًا: خلافهم في السب وغير ذلك مما قص الله علينا في القرآن، فالقرآن قص أكثر الذي هم فيه يختلفون، وأما ما لا فائدة من قصه فتركه.

***

قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ-أي القرآن- لَهُدًىمن الضلالة وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل: ٧٧] من العذاب).
إِنَّهُ لَهُدًى: هذه الجملة مؤكدة بـ(إن) واللام، إِنَّهُ لَهُدًى، والهدى معناه الدلالة؛ فإن القرآن هدًى، يعني دلالة، ولكنه لا ينتفع به إلا المؤمنون، كما قيده به في قوله: لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقوله: وَرَحْمَةٌ: أي سبب لها، سبب للرحمة؛ لأن الإنسان إذا اهتدى به نال رحمة الله سبحانه وتعالى، فيكون رحمة لكن للمؤمنين، والتقييد بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به.
وقد ذكر الله في القرآن أنه هدًى للعالمين، وأنه هدًى للمؤمنين وللمتقين، والجمع بينهما أنه في حالة العموم معناه: دال وموضع دلالة، وفي حالة التقييد: أنه ما انتفع به ووُفق للاهتداء به إلا من قُيد به، هذه الآية من المطلق ولّا من المقيد؟
طالب: من المقيد.
طالب آخر: المقيد.
الشيخ: (...).
الطالب: لِلْمُؤْمِنِينَ.
الشيخ: لِلْمُؤْمِنِينَإي نعم.
إذن هُدًىهذا العلم، والرحمة: العمل والتوفيق؛ لأنه سبب الرحمة.

***

(إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْكغيرهم يوم القيامة بِحُكْمِهِأي عدله وَهُوَ الْعَزِيزُالغالب الْعَلِيمُ [النمل: ٧٨] بما يحكم به فلا يمكن أحدًا مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
قال: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْأي بين بني إسرائيل؛ لأن السياق فيهم، ولهذا قال: أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَوالمختلفون يحتاجون إلى من يحكم بينهم أيهم على الصواب، فحكم الله بينهم في الدنيا، ويحكم بينهم يوم القيامة، بماذا حكم بينهم في الدينا؟ بما أنزله في القرآن المستفاد من قوله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَويحكم بينهم يوم القيامة بالحكم العدل: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ.
وقول المؤلف: (يَقْضِي بَيْنَهُمْكغيرهم يوم القيامة): لا يتعين أن يكون هذا القضاء يوم القيامة، بل قد يكون في الدنيا أيضًا؛ فإن القضاء كما يكون يوم القيامة يكون أيضًا في الدنيا، وقد قضى بينهم في الدنيا بما أنزله في كتابه وبيّن الذين على حق والذين على باطل من بني إسرائيل، وهذا نوع من القضاء، ويوم القيامة يقضي بينهم قضاءً يترتب عليه الثواب؛ الثواب إما بالعقوبة وإما بالإحسان.
فالحاصل أن قول الله عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْلا يتعين أن يكون يوم القيامة كما قيده به المؤلف؛ لأن القضاء كما يكون في الآخرة يكون في الدنيا.
وقول المؤلف: (كغيرهم): يفيد أن القضاء يوم القيامة ليس بين بني إسرائيل فقط، بل بينهم وبين غيرهم، وهذا أمر لا شك فيه، ولا حاجة إلى تقديره؛ لأنه ما دام السياق في بني إسرائيل فإن (غيرهم) لا ينبغي أن تقحم في هذه الآية؛ لأنك إذا أقحمت (كغيرهم) يكون كالاعتراض على القرآن؛ لأن معناه أن المقام يقتضيه ولكنه لم يُبَيّن، فنقول هنا: لا حاجة إلى تقدير (كغيرهم)، بل هو يقضي بينهم، والآية هنا لم تتعرض للقضاء العام، وأما القضاء العام فمستفاد من آيات أخرى.
بِحُكْمِهِأي: بعدله، وهنا أضاف الحكم إلى الله سبحانه وتعالى لأمرين:
الأمر الأول: أنه حكم متضمن للعدل، والأمر الثاني: أنه حكم لا يُعَقَّب، بخلاف حكم غيره فإنه عرضة للخلل من الناحيتين، من ناحية أنه قد يكون غير عادل، ومن ناحية أنه قد يكون غير منفذ، أما حكم الله فإنه متضمن للأمرين: للعدل، والثاني؟
طلبة: أنه لا يعقب.
الشيخ: أنه لا يعقب، بل لا بد من أن ينفذ.
إن ربك يقضي بحكمه: (أي عدله)، وهذا طرف أو جزء مما يدل عليه قوله: بِحُكْمِهِ؛ إذ إنه يدل على الأمرين اللذين ذكرنا.
بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُالْعَزِيزُيقول المؤلف: (الغالب).
طالب: (...).
الشيخ: هذا قد شايفها (...).
الطالب: (...).
الشيخ: لا (...).
الْعَزِيزُ: يقول: (الغالب)، وقد مر علينا في شرح الأسماء الحسنى أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ، وهي؟
طالب: عزة القهر وعزة..
الشيخ: القدر.
طالب: القدر، وعزة الامتناع.
الشيخ: وعزة الامتناع، وأن (العزيز) معناه الممتنع عن كل نقص، الذي لا يلحقه نقص، وأنه غالب، وأنه ذو قدر عظيم، وغالبًا ما يفسر المؤلف وغيره العزيز بالغالب؛ لأنه أظهر معانيه، ولأنه يكون أحيانًا في سياق يقتضي أن يكون الغلبة أخص به من غيره.
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ(بما يحكم به).
وهذان الأمران من شروط الحكم؛ لأن مَن حَكم بغير علم أصاب حكمه الخلل، ولّا لا؟ ومن حكم بغير عزة أصاب حكمه الخلل أيضًا.
فالأول اللي هو فوات العلم: يحصل به خلل الحكم في إصابة الصواب؛ لأن من حكم بغير علم فإصابته للصواب من باب المصادفة.
الثاني: الغلبة: إذا فاتت العزة حصل الخلل للحكم، لا من ناحية الصواب، ولكن من ناحية التنفيذ، فإنه إذا كان ليس له عزة وحكم بأمر فقد يُخالَف في هذا الأمر، فلهذا قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُليتبين الأمران.
فإذا قال قائل: كيف يقدم الْعَزِيزُعلى العلم، والعلم سابق من حيث الترتيب الحكمي؛ إذ إنه يعلم ثم يحكم ثم ينفذ.
قلنا: لأن المقام هنا يقتضي بيان قوة حكم الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحكم لا بد أن ينفذ لكونه صادرًا عن عزيز، ويش قلنا في تقدير الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ؟
طالب: أين؟
الشيخ: يعني الحكمة في أنه ختم قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ؟
طالب: باسم العليم (...) بدون علم، فإن (...) حكمه من قبيل المصادفة.
الشيخ: إصابته للصواب من قبيل..
طالب: إصابته من قبيل المصادفة.
الشيخ: إي نعم.
طالب: وأما إذا كان عليمًا وبدون عزة فإن حكمه لا ينفذ (...)..
الشيخ: فيكون الخلل خللًا حكميًّا في فوات هذا وهذا (...) فصار الخلل الآن -الخلل في الحكم- يكون إما من فوات العلم، وإما من فوات العزة. ففي فوات العلم يحصل الخلل من جهة الإصابة؛ لأن الجاهل إذا حكم توفيقه للصواب من باب المصادفة. وفي فوات العزة أيش؟ خلل في التنفيذ؛ لأن الضعيف اللي ما عنده عزة لا ينفذ. ولهذا كان الحكم يفتقر إلى الوسطين جميعًا، وهما العزة والعلم.
أوردنا إشكالًا وهو تقديم الْعَزِيزُعلى الْعَلِيمُمع أن العزة تتعلق بالتنفيذ والتنفيذ بعد الحكم، والعلم يتعلق بالحكم والحكم سابق على التنفيذ، فما هي الحكمة أنه يقدم العز هنا على العلم؟
قلنا: لأن المقام يقتضيه، مقام التنفيذ وقضاء، فكان من المناسب أن تقدم العزة على العلم.
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُقال: (فلا يمكن أحدًا مخالفته كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
الحكم في الدنيا كما قال المؤلف: يخالف. والمراد الحكم الشرعي يخالف، أما الحكم الكوني فلا يمكن أن يخالف لا في الدنيا ولا في الآخرة، ما أحد يقدر يخالف الله. والحكم الشرعي يمكن مخالفته في الدنيا كما هو كثير، بل أكثر الناس يخالفون الحكم الشرعي في الدنيا؛ لأن بني آدم منهم تسعمئة وتسعة وتسعون من الألف كلهم مخالفون للحكم الشرعي، وواحد في الألف موافق للحكم الشرعي. (...).
طالب: (...) في دليل عليه.
الشيخ: إي نعم، فيه الدليل، حديث آدم أن الله يناديه يوم القيامة فيقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ» هذا نص.
ابن القيم يقول في النونية:
يَا سِـــــــلْعَةَ الـــــــرَّحْمَنِ لَــــــــيْسَ يَنَالُهَـــــــــا فِي الْأَلْـــــــفِ إِلَّا وَاحِــــــــدٌ لَا اثْنَــــــــانِ

إي نعم، واضح؟

***

قال: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [النمل: ٧٩]: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِثق به إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِأي: الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار).
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والأمر هنا للوجوب، والتوكل نصف الدين، قال الله تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣]، وقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]، ولا استعانة إلا باعتماد، ولهذا يقولون: إن الدين عبادة وتوكل؛ عبادة: يفعل بها الإنسان، وتوكل: يعتمد به على الله، يعتمد به على الله سبحانه وتعالى.
هنا قال المؤلف: (تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِثق به)، وفسره غيره بأن التوكل والاعتماد على الله مع الثقة، فلا بد من اعتماد وثقة، وبه يكون التوكل، إذا قد تعتمد على غير الله مثلًا، لكن لا تثق به، تعتمد على إنسان في أن يشتري لك شيئًا، ولكنك مع هذا لا تثق به، قد تثق بالإنسان في أمانته، ولكنك لا تعتمد عليه لضعفه، والأول: إما لضعفه أو خيانته.
أما الله عز وجل فيجب عليك أن تعتمد عليه واثقًا به، ولا يمكن تحقيق التوكل إلا بهذا، إذن التوكل على الله: الاعتماد عليه مع الثقة به، فلا بد من الأمرين من اعتماد وثقة.
والأمر بالتوكل لا ينافي فعل الأسباب؛ فعل الأسباب الصحيحة التي تؤثر في المسبَّبات، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بلا شك كان سيد المتوكلين، ومع ذلك فكان يفعل الأسباب التي تحصل بها المنافع وتندفع بها المضار؛ كان يأكل ويشرب ويلبس، وكان أيضًا يتخذ ما يقي من الضرر، حتى إنه في أُحد ظاهر بين درعين ، يعني لبس درعين، كل ذلك تقوية للأسباب التي تندفع بها الأضرار.
فإذن التوكل على الله لا يعني ألا تأخذ بأسباب النجاح، بل خذ بالأسباب، مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى والثقة به أن ينفع بهذا السبب. ولما حج قوم من أهل اليمن وليس معهم زاد قالوا: نحن نحج، ونحن المتوكلون. أيش قيل لهم؟ قيل لهم: أنتم المتواكلون.
ففرق بين التواكل والتوكل؛ الإنسان الذي يريد أن تأتيه الأمور بدون فعل أسبابها هذا متواكل، وليس عنده ولا عقل، حتى العقل ما عنده عقل، البهائم والحشرات وغيرها هي تفعل الأسباب ولّا ما تفعل الأسباب؟ تفعل الأسباب، مع أن الذي قام برزقها وتكفل به هو الله سبحانه وتعالى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: ٦] ومع ذلك تجدها تفعل الأسباب.
بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» ، ما قال: تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، قال: «تَغْدُو»: تذهب في الصباح في الغدو، «خِمَاصًا» يعني جائعة، «وَتَرُوحُ» في آخر النهار «بِطَانًا» ملآنة بطونها.
فالإنسان المتوكل هو الذي يأخذ بالأسباب النافعة.
أما عن الأسباب التي لا تنفع فإن الأخذ بها نوع من الشرك، كل من أخذ بسبب ليس بنافع، يعني ما دل على نفعه حس ولا الشرع فإنه مشرك، قد فعل نوعًا من الشرك، ولهذا التمائم والتعوذات والتِّولة وما أشبه ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تفعل وهي لا تفعل، جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من الشرك ؛ لأننا نقول في تقرير هذا: كل من اتخذ سببًا غير نافع -يعني لا يدل على نفعه شرع ولا حس، وإن شئت قل: شرع ولا قدر- فإنه مشرك. كيف يكون مشركًا، ما وجه كونه مشركًا؟
أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله تعالى هنا في تقديره؛ لأن مقدر الأسباب وجاعل الأسباب سببًا هو الله، هذا إلى الله، فأنت إذا قلت: هذا سبب، وهو ليس بسبب فقد أشركت مع الله، جعلت نفسك شريكًا مع الله سبحانه وتعالى.
طالب: قوله تعالى (...) للوجوب هذا الأمر؟
الشيخ: نعم، للوجوب أو الاستحباب، ما كان بقدر الكفاية فهو للوجوب، وما زاد فهو للاستحباب.
طالب: (...) يتخذ سببًا محرمًا.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني يتخذ سببًا محرمًا (...) هل يعد من الشرك؟
الشيخ: لا، هذا ما يعد من الشرك؛ لأن هذا السبب حسي، كونه سبب الرزق سبب حسي، لكن محرم شرعًا.
الآن مثلًا: اللي يرابي، هل اتخذ وسيلة تحقق له الربح قدرًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أسألك، الإنسان المرابي اتخذ وسيلة تكون للربح قدرًا، معروف الواحد (...) ويأخذ اثني عشر، هذا سبب للربح ولّا لا؟ لكنه سبب شرعي ولا قدري؟
طالب: (...).
الشيخ: قدري ولّا لا؟ أيش تقولون؟
طلبة: (...).
الشيخ: قدري، الله ما أذن فيه شرعًا، لكن إذا وقع علمنا أنه أذن فيه قدرًا، هذا ما يكون نوعًا من الشرك، هذا ليس بشرك؛ لأنه سبب قدري، إنما هو محرَّم؛ لأنه منهي عنه شرعًا.
طالب: يا شيخ (...) في قوله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُما يمكن لأحد مخالفته، ولكن الحكم الذي حكم به غير الذي يمكن لأحد مخالفته.
الشيخ: لا، قصده في كل أحكامه.
الطالب: شيخ، هنا الحكم مثلًا في الآخرة.
الشيخ: بما في الآخرة وفي الدنيا على الصحيح، الآية عامة، في الآخرة وفي الدنيا.
الطالب: (...) سياق الآية، هي في الآخرة وفي الدنيا (...) سياق الآية.
الشيخ: سياق الآية ويش سياق الآية؟ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [النمل: ٧٧ - ٧٨] من جملة ما قص الله علينا في القرآن أن قضى بين بني إسرائيل، فبنو إسرائيل اختلفوا مثلًا في أشياء؛ كاختلافهم في المسيح عليه الصلاة والسلام وغيره، فحكم الله بينهم بالقرآن، والحكم الذي يترتب عليه الثواب والجزاء يكون يوم القيامة، فهنا الحكم بالدنيا ما يتبين به الحق من الباطل، وأما في الآخرة فهو ما يترتب عليه الثواب أو العقاب.
طالب: يا شيخ، يصح أن تقول: إن من الناس من أعتمد عليك في إنجاز هذا العمل؟
الشيخ: إي ما فيه مانع؛ لأن الاعتماد على الأسباب الحقيقة جائز، لكن مع اعتقاد أنه سبب؛ لأنه مستقل.
طالب: يا شيخ (...) بني إسرائيل بعدما (...) كيف (...)؟
الشيخ: لا، يحكم بينهم بأن هؤلاء مصيبون وهؤلاء مخطئون، وبين أن اليهود أخطؤوا، والنصارى أخطؤوا أيضًا، والمعتدلون من النصارى أصابوا.
طالب: قول العوام: وكل الله.
الشيخ: وكل الله.
طلبة: (...) وكل الله.
الشيخ: الظاهر أن معنى (وكل الله) عندهم معناه: اعتمد على الله، ما هو معناه أن اجعل الله وكيلًا لك، أو معناه: اجعل الله وكيلًا لك معناه يعني أن الله تعالى يكون شاهدًا عليك، ولّا مو بيقتضي أني أنا في قيامي بأمرك مثل قيام الله بأمرك. ما يقصد هذا بلا شك.
طالب: (...) توكل على الله..
الشيخ: إي، إن قصده توكل على الله يعني معناه: اعتمد على الله، ووكله عليَّ شهيدًا، يعني الآن لو أردنا نشوف ظاهر اللفظ: إني أنا لك بمنزلة الله. العوام ما يريدون هذا، ما يريدون هذا أبدًا، يريدون وكل الله يعني معناه اجعله شهيدًا علي، إي نعم. أو معناه: وكل: بمعنى: اعتمد على الله.
طالب: (...).
الشيخ: (...) على الله ما فيها شيء، هذه صحيحة وطيبة، أيضًا (الله وكلك) ما فيها شيء.
طالب: (...).
الشيخ: و(اتكل عليه) ما فيها شيء.
طالب: ما تقتضيه الأخبار من (...).
الشيخ: لا؛ لأن الله وكله بلا شك، إذا وقع الأمر فهو بقضاء الله، الشيء اللي واقع ما يحتاج (...) قضاء الله، (الله وكلك) يعني جعلك وكيلًا لي، بالصيغة التي نطقت بها مثلًا.
طالب: (...).
الشيخ: ما فيها شيء، بشرط أنه يكون حقيقة مما يمكن أن يعتمد عليك فيه (...).
إذن التوكل على الله ما هو؟ الاعتماد على الله مع الثقة به؛ ما هو مجرد الاعتماد، بل مع الثقة، ولا ثقة إلا برجاء، ثم إن التوكل قلنا: لا ينافي فعل الأسباب التي جعلها الله تعالى سببًا شرعًا أو قدرًا.
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(أي: الدين البين).
فسر المعلق الْحَقِّبالدين، والْمُبِينِبالبين.
وليس هذا بجيد؛ لأن الدين منه حق وباطل أو لا؟ أليس كذلك؟ ولهذا قال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣] وهذا هو الدين الباطل. دين الحق يظهر على الدين كله، أي: على الدين الباطل، فتفسير المؤلف الحقَّ بالدينِ قصورٌ بلا شك، بل الحق هنا: الثابت بصدق أخباره وعدل أحكامه. هذا معنى الحق أنه ثابت، وذلك بالصدق في أخباره والعدل في أحكامه.
وأما قوله: الْمُبِينِففسره بالبين، وعلى هذا جعل (أبان) من المتعدي ولّا اللازم؟
طالب: المتعدي.
الشيخ: لا، من اللازم. جعله من اللازم؛ لأن (بان يبين فهو بين) و(أبان يُبين فهو مبين).
هنا ما تصلح أن تكون بمعنى مُظهِر؟
الجواب: لا. بيّن هنا أنسب من مُظهر، فهذا الحق بيِّن ظاهر.
وفي قوله: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِتثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم على أن يبقى على ما هو عليه معتمدًا على الله تبارك وتعالى؛ لأن الإنسان إذا علم أنه على حق فإنه يثبت وترسخ قدماه، وإذا كان شاكًّا أو مترددًا فإنه لا يثبت، فأمره أن يعتمد عليه، وبين له أن ما كان عليه من هذا الدين فهو حق بين ظاهر.
إعراض هؤلاء عنه، إعراض المعرضين عنه، هل يقدح في كونه بينًا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يقدح؛ لأن البلاء ليس من القرآن، البلاء منهم، ولهذا أعقبه بقوله: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَإلى آخره [النمل: ٨٠].
فالحاصل الآن أمَر الله نبيه أن يعتمد على الله، وبيّن له الحالة التي كان عليها، وأن هذا الدين أيش؟ وأن هذا الدين حق بين إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ.
ثم بين سبحانه وتعالى أن إعراض من أعرض عنه ليس لقصور في بيان هذا الدين وظهوره، ولكن لقصور في هؤلاء المعرضين؛ لأن الدين هنا بالنسبة إليهم لم يصادف محلًّا. وأنتم تعرفون أن الأمر إذا لم يصادف محلًّا لم يثبت، إذا لم يصادف محلًّا قابلًا فإنه لم يثبت، حتى إن الإنسان ليقرأ آية على مريض فيشفى، ويقرؤها على مريض آخر بنفس المرض فلا يشفى؛ لأن المريض الأول قابل مؤمن بتأثيرها، والثاني ليس مؤمنًا بتأثيرها فلا تنفعه، فلا بد في الأمور من قابلية، يعني محلًّا يقبل هذا الشيء، وإذا لم يقبل إذن فلا يمكن أن يلائمه، وهذا كما أنه في الأمور الشرعية، كذلك أيضًا في الأمور القدرية؛ لو أننا زرعنا قلبًا في إنسان ونفر منه الجسم هل يبقى؟ ما يبقى، يموت، أو زرعنا كلية في إنسان ونفر منها الجسم فإنها لا تبقى، تعفن ويموت، فكل شيء لا بد أن يكون المحل قابلًا له، فإن لم يقبله فلا مكان له، هؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن ليس معناه النقص في القرآن؛ فالقرآن حق بين واضح، لكن البلاء منهم.
قال الله تعالى: إِنَّكَأي: (الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار، ثم ضرب أمثالًا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي، فقال: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى).
طالب: يستفاد من الآية أن الموتى لا يسمعون.
الشيخ: ما بعد وصلناها، ما وصلناها الآن، ولا وصلنا الفوائد.
يقول: (ضرب لهم أمثالًا بالموتى وبالصم وبالعمي فقال: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) وهذا مثل كما قال المؤلف؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما خرج إلى المقابر يدعو أهل القبور حتى يقال له: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى، وإنما دعا الأحياء، دعاء الأحياء انقسم الناس في هذه الدعوة إلى قسمين:
قسم قبِلها واطمأن إليها: فهو حي، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ [يس: ٧٠] على من؟ ولّا على الموتى؟
طالب: عَلَى الْكَافِرِينَ.
الشيخ: عَلَى الْكَافِرِينَ، لا، عَلَى الْكَافِرِينَليتبين أن المراد بالحياة هنا حياة القلب، حياة الإيمان، لا الحياة الجسدية؛ لأن مقابلة الشيء بالشيء تفيد معناه، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّاحياة جسم؟
طلبة: لا، القلب.
الشيخ: لا، لو كانت حياة جسم لقال: ويحق القول على الموتى، ولكن قال: عَلَى الْكَافِرِينَ، وبهذا عرفنا أن كل حياة في مثل هذا السياق فالمراد بها حياة القلب، لا حياة الجسم.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى: الْمَوْتَىجمع ميت، والمراد به هنا ميت القلب، أو نقول: إن المراد به ميت الجسد ويكون هنا تشبيهًا، أي أن هؤلاء الذين تدعوهم ولم يؤمنوا كالموتى، لو أتيت إلى ميت وقلت: يا فلان، اعبد الله، وآمن بالرسول عليه الصلاة والسلام، واتق الله، ينتفع؟ ما ينتفع، كالحجر لا ينتفع. ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرر الحق على الذين ألقوا في قليب بدر وقال لهم: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقال: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» لكن هذا على سبيل التوبيخ، لا على سبيل الدعوة؛ لأن هؤلاء مهما كان لا يمكن أن يجيبوا في هذه الحال إجابة دعوة، ولهذا الكافر ما ينتفع انتفاع ثواب بما يسمع عند قبره من تلاوة أو ذكر ما ينتفع بها.
به نعرف بدعة هؤلاء الذين ابتدعوا القراءة عند القبور أو على القبور، يظنون أن الميت ينتفع، فنقول: إنه انتفاع الثواب لا يمكن أن ينتفع انتفاع ثواب، أما انتفاع تخفيف عقاب فهذا ربما ينفع، لكن لما لم يرد صار من البدع، وإلا فهم يزعمون أن ذلك يخفف العذاب لأن الرسول قال في الجريدتين: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» ، وقالوا: إن العلة في ذلك أنها قبل اليبس تسبح الله، فيخفَّف عنه لكونه يُسبح عند قبره، ولكن هذا ليس بصحيح، إذن لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىيحتمل أن يراد بالموتى هنا موتى القلوب، وحينئذ فالآية ليس فيها تشبيه، أو أنه موتى الأجسام، فيكون هؤلاء مشبهين بالموتى.
طالب: (...) قرأت القرآن (...) يتعذب به، إن كان عاملًا به (...)، وإن كان لم يعمل (...).
الشيخ: ما عرفت هذا، ما أظن (...).
قال: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ.
وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّولّا (الصمُّ)؟
طالب: (...).
الشيخ: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ.
الطالب: (...).
الشيخ: وين فاعل تُسْمِعُ؟
طالب: أنت.
طالب آخر: ضمير مستتر.
الشيخ: وجوبًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وجوبًا. وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ: إذن الصُّمَّمفعول أول، والدُّعَاءَمفعول ثان.
وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ: يعني ما تخلي الصم اللي ما يسمعون ما تخليهم يسمعون دعاءك، والمراد بالدعاء: الطلب، ما هو بدعاء الله، يعني لو دعوت أصم وقلت: يا فلان، يا فلان، هل يسمع ولّا ما يسمع؟
طالب: لا يسمع.
الشيخ: ما يسمع، وبهذه المناسبة في (...) تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَهو دعاء الله، يعني أنك إذا دعوت ما يسمعون، أو الدعاء طلبهم، نعم طلبهم. المراد لو دعوتهم ما سمعوك، قال الله تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣]: يعني دعوتكم إياه ودعوته إياكم. يشمل الأمرين على القول الصحيح.
المعنى أن هذا لَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ.
أيضًا: إذا صاروا الصم، إذا كانوا صمًّا وولوا مدبرين، يكون هذا أبلغ؛ لأن الأصم إذا كان مقابلًا لك، ربما يفهم الخطاب بحركات الشفتين ولّا لا؟ لكن إذا ولى مدبرًا ما عاد أبدًا، لو ترمي المدافع خلفه ما يسمع، ولهذا قال: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَفهذا غاية ما يكون من البعد، من بعد السمع، والله تبارك وتعالى يبين هؤلاء، الحقيقة أن هؤلاء حالهم كحال هؤلاء الصم المدبرين أو لا؟ لأن هؤلاء معرضون عن الحق، غير قابلين له، فلذلك صار هذا التشبيه بهم من أبلغ ما يكون، فهم صم غير سامعين، ومع ذلك غير مقبلين؛ لأن الأصم إذا أقبل عليك كما قلت ربما يفهم منك بعض الشيء، ولّا لا؟ لكن إذا كان مدبرًا ما فيه رجاء ولا أمل.
وقول المؤلف: الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَايقول: فيها قراءتان (بتحقيق الهمزتين) كيف أقرؤها؟
طالب: الدُّعَاءَ إِذَا.
الشيخ: الدُّعَاءَ إِذَا.
أو (تسهيل الثانية بينها وبين الياء)، يعني تسهل الهمزة الثانية حتى تكون بين الهمزة والياء مثل: {الدُّعَاءَ اذَا}: خلها لا هي بياء خالصة ولا همزة خالصة.
إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَوَلَّوْا: والتولي هو الإدبار، وعلى هذا فتكون مُدْبِرِينَحالًا مؤكِّدة للعامل ولّا لصاحب الحال؟ للعامل (...) ولى؛ لأن التولي نفس التولي إدبار. مثلها كقوله تعالى: وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة: ٦٠]، وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، المفسدين: حال من الواو، وهي مؤكدة لأيش؟ للعامل؛ لأن العثو هو الفساد، هنا: إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَحال من الفاعل، لكن ليست مؤكدة للفاعل؛ لأن تأكيد الفاعل لو جاءت في سياق أجمعين فإن الواو دالة على الجمع، لو جاءت بلفظ أجمعين صارت مؤكدة، لكن جاءت بلفظ مُدْبِرِينَفهي مؤكدة لأي شيء؟ للعامل وَلَّوْا، فيكون هذا في حقيقة التأكيدين التولي والإدبار، أو لا؟ مع أن التولي هو الإدبار، لكن قد يكون من المتولي فيه رجاء وأمل، يتولى وهو يمسك الثقل ببيته، لكن إذا كان مدبرًا؟ (...) إدبار جسدي وقلبي، وهو أصم، يكون هنا فيه ثلاثة موانع للقبول أو للسماع، وهي الصمم، والتولي، والإدبار إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ.
وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ [الروم: ٥٣] نعم.
طالب: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ(...) لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى(...).
الشيخ: لا، هذه نعم، هذا أقرب، ما لها التمثيل والتشبيه، يعني شبههم برجل أصم ولى مدبرًا.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: إي نعم (...).
الشيخ: وَلَّوْا مُدْبِرِينَعلى كل حال يصلح، لكن بس هنا، كونها تشبيهًا أقرب، ولّا هم يجوز أن نقول: إنهم صم، وإنه انتفى السماع عنهم لانتفاء فائدته. فيكون هنا نفي السمع عنهم لانتفاء فائدته، والشيء قد ينفَى لانتفاء فائدته: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢٠، ٢١].
ثم قال: وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِبالكسر؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم. هذه فيها إشكال من الناحية النحوية، قال: بِهَادِ الْعُمْيِ، ما هي بِهَادِاسم فاعل؟
طالب: (...).
الشيخ: واسم الفاعل يعمل عمل الفعل، وهنا ما نصب العمي.
طالب: بالإضافة.
الشيخ: بالإضافة، إذن هو مضاف إلى مفعوله معنى، وليس كقوله: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ [البقرة: ٢٥١]؛ لأن دَفْعُ اللَّهِمضافة إلى فاعلها، هنا مضافة إلى مفعولها.
الإشكال الثاني: قوله: الْعُمْيِبالكسر، وإحنا قلنا: إن الاسم إذا كان منقوصًا فإنه لا يظهر عليه إلا الفتح، (...) الفتح؟ وهنا ظهرت الكسرة على الياء؟
طالب: جمع.
الشيخ: إي (...) الجمع؟ (...) جمع، لا فرق بين الجمع وبين غير الجمع، هذا مثل المنقوص؟
طالب: (...) هَادِ الْعُمْيِساكنة.
الشيخ: إي نعم، إذن ليس منقوصًا، هذا ليس منقوصًا؛ لأن المنقوص كل اسم معرب آخره ياء لازمة أيش بعد؟
طالب: (...).
الشيخ: مكسور ما قبلها، وهذه ساكن ما قبلها، واضح؟ إذن ليس منقوصًا.
بِهَادِ الْعُمْيِ: جمع أعمى.
عَنْ ضَلَالَتِهِمْقوله: عَنْ ضَلَالَتِهِمْ: هي متعلقة بالعمي ولّا بِهَادِ؟ بِهَادِبلا شك.
وقال بعضهم: متعلقة بالعمي، وتكون عَنْهذه للمجاوزة؛ كقوله: وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ [هود: ٥٣]، أي: أنهم عمي بسبب ضلالتهم، ولكنه ليس بصحيح.
بل عَنْ ضَلَالَتِهِمْمتعلق بِهَادِ، ويصير (هاد) بمعنى صارف؛ لأن الهداية تتضمن أمرين، الصرف عن الضلال أيش بعد؟
طالب: والدلالة (...).
الشيخ: والدلالة على الحق، فيقول: ما أنت بصارف هؤلاء عن ضلالتهم إلى الحق، لماذا؟
(إِنْما تُسْمِعُسماع إفهام وقبول إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَاالقرآن فَهُمْ مُسْلِمُونَمخلصون لله تعالى بتوحيده).
قوله: ما تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ، إِنْأي بمعنى: ما.
وإحنا ذكرنا لكم قبل أن (إن) تأتي لعدة أمور. فتأتي؟
طالب: للشرط.
الشيخ: تأتي شرطية، أيش بعد؟
طالب: (...) نافية.
الشيخ: وتأتي نافية
الطالب: بعد (إلا).
الشيخ: إذا وقعت بعد (إلا) للتوكيد، وهي المخففة من الثقيلة، الرابع؟
طالب: تكون زائدة.
الشيخ: تكون زائدة، فتكون زائدة.
الزائدة كقوله:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْ أَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُ الْخَــــــــــــــزَفُ

قوله: (ما إن أنتم) أي: ما أنتم.
نعم، ولهذا قال ابن مالك:
إِعْمَالُ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) مَـــــــــــعَ بَقَــــــــا النَّــــــفْيِ، وَتَـــــــــــرْتِيبٍ زُكِـــــــــنْ

إعمال (ما) دون (إن): يَقِصد بـ(إن) الزائدة، يُمثَّل لها بهذا البيت:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْ أَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُ الْخَــــــــــــــزَفُ

طالب: (...).
الشيخ: لا، هذه تخفيف كأن، هذه كأن مخففة (...) إلا، نعم، طيب.
يقول: إن..