تفسير سورة القصص - 2
عدد الزيارات 3412

عناصر المادة :
تفسير الآيات (11-13)
تفسير الآية (14)
تفسير الآية (15)

..الآية أن الوحي ينقسم أو يطلق على ثلاثة إطلاقات.
طالب: إما بشرع، شرعًا (...).
الشيخ: وحيٌ بشرع.
الطالب: والثاني: إمَّا وحي إلهام.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: يعني لو صار الوحي ينزل على..
الشيخ: أولًا: وحي بشرع. ثانيًا؟
الطالب: ثانيًا: (...) إما وحي..
الشيخ: وحي منام.
الطالب: وإما أن يكون وحي .. يعني شخص (...).
الشيخ: نعم، أو وحي إلهام.
الطالب: (...).
الشيخ: يعني: أو وحي إلهام، كذا؟
طيب، مثال الأول: الوحي بالشرع؟
طالب: الوحي للأنبياء.
الشيخ: كقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا، من يقرأ الآية؟
طالب: قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [النساء: ١٦٣].
الشيخ: زين، إلى آخره، هذا وحي بالشرع.
القسم الثاني: وحي الإلهام، مثاله؟
طالب: (...).
طالب آخر: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل: ٦٨]، وهذه الآية أيضًا.
الشيخ: وهذه الآية: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧]، طيب، نعم الآية هذه فيها احتمال ثانٍ. ووحي منام.
طالب: منام كقوله تعالى: (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: وقوله تعالى: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات: ١٠٥].
الشيخ: نعم.
الطالب: وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ».
الشيخ: «جُزْءٌ».
الطالب: «مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» .
الشيخ: إي، وهذه الآية على قول؛ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَىبعضهم يقول: وحي منام.
في هذه الآية: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَىفيها أمران ونهيان وخبران؟
طالب: أمران: لَا تَخَافِي.
الشيخ: لا، وَلَا تَخَافِيهذا أمر ولَّا نهي؟!
الطالب: أمران: أَنْ أَرْضِعِيهِ.
الشيخ: أَنْ أَرْضِعِيهِ، نعم.
الطالب: أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ.
الشيخ: أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ.
الطالب: والنهيان: لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي.
الشيخ: نعم.
الطالب: والبشارتان: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٧].
الشيخ: نعم، صح، تمام؟
في هذه الآية يقول: إِنَّا رَادُّوهُ، جماعة، والله واحد، شنو؟
طالب: يعني أن الله واحد.
الشيخ: هو يقول: إِنَّا رَادُّوهُجماعة؟
طالب: (...).
الشيخ: لكن كيف الله واحد سبحانه وتعالى ويقول: إِنَّا رَادُّوهُ؟
الطالب: يعني الله (...).
طالب آخر: هذا الجمع للتعظيم؛ تعظيم الله.
الشيخ: هذا الجمع للتعظيم، الله تبارك وتعالى يخبر عن نفسه بصيغة التعظيم.
قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨]، الْتَقَطَهُ، ولم يقل: أخذه؟
طالب: يا شيخ ما فهمت السؤال.
الشيخ: السؤال: التعبير بـالْتَقَطَهُدون أخذه؟
الطالب: (...).
طالب آخر: (...).
الشيخ: نحن قلنا: إن الالتقاط يختص بِمَن؟ بالآدميِّين، الْتَقَطَهُ، مثلما يقول العلماء؛ يسمُّونه: اللقيط، فاللقيط خاصٌّ بالآدمي، فاللقيط هو عبارة عن الطفل المنبوذ أو الطفل الضائع، هذا هو التعبير، وقد يقال مثل ما قال الإخوان أنه (التقطوه) بمعنى أخذوه؛ يعني: بدون أي عوض وعلى سبيل الانتهاب، كأنه غنيمة أخذوها.
اللام في قوله: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا؟
طالب: اللام للعاقبة.
الشيخ: اللام للعاقبة. لماذا لا تكون للتعليل؟
الطالب: لأنه لم يلتقطوه لكي يكون عدوًّا لهم، ولكن العاقبة كانت كذلك.
الشيخ: ولكن العاقبة كانت كذلك، معلوم، لو أنهم علموا بكونه عدوًّا وحزنًا كان قتلوه، إي نعم.
هل أحدٌ من أهل العلم قال بخلاف ذلك؟
الطالب: (...) في علم الله.
الشيخ: إي، في علم الله، ولكن الصحيح؟
الطالب: للعاقبة.
الشيخ: أنه للعاقبة، لا أنه تعليل للفعل (...) الْتَقَطَهُ.
قوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَهذا التعليل، الجملة هذه تعليلية، أين المعلَّل؟ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص: ٨].
طالب: جملة تعليلية؟
الشيخ: إي.
الطالب: المعلَّل؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨].
الشيخ: نعم، هذا التعليل تعليلٌ لما قبله، ما أبغي الالتقاط، يعني: يكون عدوًّا وحزنًا لأنهم خاطئون.
طيب، قوله تعالى: أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا [القصص: ١٠]، من أيٍّ؟
طالب: (...).
الشيخ: هذا (...)، أنا ما أقول: لماذا كان فارغًا؟ أقول: فارغ من أيٍّ؟
الطالب: من الحزن.
طالب آخر: من كل شيء سوى موسى.
الشيخ: إي، نعم، فارغًا من ذِكْر كل شيء، ما في قلبها إلا موسى، واضح؟
طيب، قوله: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [القصص: ١٠]، إِنْهذه، ويش هي إِنْ؟
طالب: (...).
الشيخ: إِنْنافية!
الطالب: (...).
الشيخ: ويش (...)؟ (...)، إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١] يعني: ما هذا إلا ملكٌ كريم.
طالب: قاربت لتبدي به (...).
الشيخ: يعني: ما قاربت لتبدي به! لما جبنا دليلًا رأينا فيه احتمالًا.
الطالب: (...).
الشيخ: هذا (...) نعم.
طالب: (...) مخفَّفة من الثقيلة.
الشيخ: ولا يجوز أن تكون نافية؟
الطالب: لا يجوز أن تكون نافية.
الشيخ: ويش المانع؟
الطالب: وجود اللام، اللام (...) الفارقة.
الشيخ: نعم، ويش بعد؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي، يعني فيها مانعان: أحدهما لفظي وهو اللام اللي أنت قلت.
الطالب: والثاني معنوي: أنها كادت لتبدي به، وليس (...)، فقاربت أن تبدي به لولا أن الله سبحانه وتعالى ربط على قلبها.
الشيخ: إي، هذا المعنى، أين الدليل المعنوي؟
الطالب: الدليل المعنوي لأن الله سبحانه وتعالى يريد أنها كادت تبدي به، (...) تبدي به.
الشيخ: ما في الموضع دليل معنوي، يعني من سياق الآية؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي، طيب.
طالب: قوله في آخر الآية: لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا [القصص: ١٠].
الشيخ: إي، زين، والربط يقتضي أنه (...)؟
طالب: (...).
الشيخ: زين.

***

نأخذ الفوائد الآن، يُستفاد من هذه الآيات:
أولًا: من الآية الأولى؛ قول الله تبارك وتعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧]، وفيها دليل على كرامة الله سبحانه وتعالى لأمِّ موسى بهذا الإلهام.
ومن فوائدها أيضًا: عناية الله تعالى بموسى، نعم.
وفيها أيضًا: دليل على أن الأنبياء كغيرهم من البشر يحتاجون إلى الغذاء؛ لقوله؟
طالب: أَنْ أَرْضِعِيهِ.
الشيخ: لقوله: أَنْ أَرْضِعِيهِ.
وقد يستفاد منها: وجوب الإرضاع، إذا جعلْنا الأمرَ للوجوب لا للإرشاد، ولكن القواعد الشرعية ويش تقتضي؟ تقتضي وجوب الإرضاع وإنقاذ المعصوم.
ومن فوائد الآية: قوة إيمان أمِّ موسى، ويكون هذا من مناقبها، كيف ذلك؟ بإلقائها إيَّاه في اليم، مع أنه ابنها، وهذا شيءٌ لا يقع إلا من مؤمنٍ حقًّا.
ومن فوائد الآية: ذَكَرنا إكرامَ الله لأمِّ موسى، يُؤخذ من عدَّة أوجهٍ في الحقيقة، من هذا الوحي والإلهام، ومن تطمينها في قوله: وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي، ومن بشارتها بأنه سيُردُّ إليها ويجعله من المرسلين.
ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله عز وجل؛ أن هذا الولد الذي أُلقِيَ في اليم، واليم مَهْلكة، ولَّا لا؟ حَفِظه الله عز وجل، وبقي وصار آخر أمرِهِ من الرسل.
ومن فوائد الآية: أنه ينبغي تطمين المحزون ببشارته بمستقبله؛ لأنه يقول: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
فيها: إثبات الرسالة أيضًا لموسى، ولَّا لا؟ إثبات الرسالة لموسى؛ لقوله: جَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
ثم قال الله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًاإلى آخره [القصص: ٨].
من فوائد هذه الآية أولًا: أن أتباع الرجل وحاشيته من آله؛ لقوله: آلُ فِرْعَوْنَ، وقد علمتم أن المؤلف فسرها بقوله: (أعوان فرعون).
ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان مهما بلغ في العُتُوِّ والاستكبار فإنه لا يعلم المستقبل، من أين تؤخذ؟ من أن آل فرعون ما علموا أن هذا الطفل سيكون عدوًّا لهم وحَزَنًا.
ومن فوائدها: أن المؤمنين أعداءٌ للكفار؛ لقوله: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا، وأنهم أيضًا حَزَنٌ لهم، وهذا أمرٌ ظاهرٌ، فالمسلمون أعداءٌ للكفار وهم أيضًا حَزَنٌ لهم، لا شكَّ أنهم يُساؤون بما يَسُرُّهم، وبالعكس.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإنسان قد يسعى بما فيه حَتْفُه؛ لأن هؤلاء سعَوْا بما فيه حَتْفُهم، التقطوا هذا الطفل الذي سيكون عدوًّا لهم وحَزَنًا.
ومن فوائدها: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى بأن هذا الصبي أو الطفل الذي كانت بنو إسرائيل تُقتل أبناؤها، أين تربَّى؟ في حجر فرعون، في بيته، مع أن فرعون يدوِّر على الأولاد من بني إسرائيل ليقتلهم، فقال الله عز وجل -يعني بلسان الحال -: هذا الذي أنت تَقتل أبناءَ بني إسرائيل -وهذا من (...)- سوف يعيش في حجرك، وهذه من أكبر الأدلة على قدرة الله عز وجل، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يعتمد على الأسباب المادية؛ فإن الله تعالى يُخلِف.
ومن فوائدها: بيان أن فرعون وهامان وجنودهما كانوا على باطل؛ لقوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص: ٨]، وفَرْقٌ بين الخاطئ والمخطئ؛ الخاطئ: الذي يرتكب المعصية عن عمد، والمخطئ: الذي يرتكبها عن غير عمد؛ عن جهل.
وفي هذه الآية دليلٌ على أن لهامان -وهو وزير فرعون- سُلطة كبيرة في مملكة آل فرعون؛ لقوله: وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ، ففي عدة آيات يُضيف الله الجنودَ إلى فرعون وحده، وباعتبار أن فرعون هو المرجع لهؤلاء الجنود يُضاف إليه وحده، وباعتبار أن هامان له تأثيرٌ لأنه وزير، ما أدري وزير داخلية ولَّا خارجية.
طالب: وزير خارجية.
الشيخ: كلهم الظاهر، وزير في كل شؤونه، فهو وزير والوزير عادةً يتصرَّف فيما جُعِل وزيرًا فيه.
من فوائد الآية التي بعدها:
أولًا: بيان فضيلة امرأة فرعون؛ من قولها: لَا تَقْتُلُوهُ [القصص: ٩].
وفيها أيضًا: دليلٌ على فِراستها؛ لأنها توقَّعت أن ينفعهم، ولكنه ما حصل ما توقَّعتْ من كل الوجوه؛ نَفَع مَن؟ نَفَعها هي، ولكنه ضَرَّ فرعون.
وفيها أيضًا: دليلٌ على ما قيل: (إن البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق)، والتفاؤل كذلك؛ لأنه بالنسبة لامرأة فرعون قالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَفتفاءلتْ به خيرًا، فحصل لها ذلك وصار قُرَّة عين.
وفيها أيضًا: دليلٌ على أنه ينبغي أن يستعمل الأساليب التي تُحقِّق المقصود؛ لقوله: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا، فإن هذا القول منها سواءٌ كانت تتوقع ذلك أو لا تتوقعه لا بدَّ أن يكون سببًا في موافقة فرعون لِمَا طلبتْ.
ومن فوائدها: أنها تدلُّ على أن فرعون هَمَّ بقتل موسى، من أين تؤخذ؟ من قولها: لَا تَقْتُلُوهُ، فالظاهر أنه هَمَّ به، نعم.
ومن فوائدها أيضًا: قصور علم الإنسان مهما بَلَغ في علوه واستكباره؛ لقوله: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.
ويؤخذ منها جواز التبني؟ هل يؤخذ منها جواز التبني؟
طالب: (...).
الشيخ: (...)، نشوف هل يثبت هذا ولَّا لا من الآية؟
طالب: (...).
الشيخ: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، أو يقال: إن معنى أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًايعني مِثْل الولد في البيت عندنا وفي الإكرام، وأن عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا [القصص: ٩] مثل الخادم؟
على كل حال إنْ كان المقصود بالآية: نَتَّخِذَهُ وَلَدًانتبنَّاه، فإن هذا العمل نُسِخ، كان في أول الإسلام ثم نُسخ، وإن كان المراد نَتَّخِذَهُ وَلَدًاأي: بمنزلة الولد في الإكرام بدون أن نستخدمه، فهذا ما يدل على التبني، وهو محتمل.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، بس أنا قصدي أنه معروفٌ التبني عندهم، هل هذا هو المقصود بالآية وأن التبني عندهم معروف ولَّا لا؟
ثم قال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [القصص: ١٠].
من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يكون له حالٌ عند نزول البلاء غَيْرُها قبل نزوله. أنتم فاهمون الفائدة هذه؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: أن الإنسان إذا نزل به البلاء قد تتغير حاله، منين؟
طالب: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا.
الشيخ: أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًامع أنها كانت في الأول عندها طمأنينة، ولهذا جعلتْه في التابوت وألقتْه في اليمِّ، وهذا غاية ما يكون من الطمأنينة، لكن الآن صار قلبها فارغًا، قلقة، ما كأنَّ في الدنيا سوى ابنها، وهذا هو الواقع أنَّ الإنسان له حالٌ قبل نزول البلاء وله حالٌ بعد نزوله، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يُعرِّض نفسَه للبلاء.
يُذكَر أن سحنونًا أحد أصحاب مالكٍ كان رحمه الله على غاية من الرضا بقضاء الله و(...) العبادة و... إلى آخره، وأنه قال يومًا من الأيام بيتًا لكن لا أحفظ إلا معناه، لا يحضرني إلا معناه، قال بيتًا معناه: إنني صابرٌ، فكيفما شئتَ فامتحنِّي. فأُصِيبَ بعُسر البول، صار ما يبول إلا بتعب شديد، فكان يمرُّ على الصبيان في الكُتَّاب في مدارسهم ويقول: ادعوا لعَمِّكم الكذاب. لأن الأطفال أطفالٌ يُرجَى إجابةُ دعوتهم. فالمهم أن الإنسان قبل البلاء له حال، وبعد البلاء تتغيَّر حاله.
وهكذا أيضًا في الأمور الشرعية؛ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ لَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يُهْلِكَهُ» ، وهذا هو الواقع أن الإنسان يجب أن يتحرَّز من البلاء.
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَا يُهِنْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ». قالوا: كيف يُهين نفسَه؟ قال: «يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ» . هذا معنى الحديث، فالحاصل أن الإنسان له حالٌ قبل وجود البلاء وله حال بعده.
وفيه أيضًا: دليلٌ على أن الطبيعة البشرية لا يؤاخَذ بها المرء، ما تقتضيه الطبيعة البشرية ما يؤاخذ به المرء؛ وجهُ ذلك أنَّ فؤاد أمِّ موسى كان ينبغي ألَّا يكون فارغًا من ذِكر الله عز وجل ومن الدار الآخرة، لكنه أصبح فارغًا ما فيه شيء أبدًا لذِكْرٍ سوى ذِكْر موسى، وهذا مقتضى الطبيعة البشرية؛ لأن الأمور العظيمة التي تنزل بالمرء تُنسيه كلَّ شيء.
وفيه أيضًا: دليلٌ على فضيلة أمِّ موسى رضي الله عنها لكونها لم تُبْدِ ما في قلبها لأحد؛ لقوله: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا.
وفي الآية: دليلٌ على أن المرء مفتقِرٌ إلى الله سبحانه وتعالى في كلِّ أحواله، ولا سيَّما عند نزول الحوادث؛ لقوله: لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا، فالإنسان مفتقِر إلى الله سبحانه وتعالى، ولولا معونة الله ما فعل الإنسانُ شيئًا، لا صَبَرَ على بلاءٍ ولا شَكَرَ عند الرخاء.
وفيه أيضًا: دليلٌ على إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
مَن الذي يُنكر الأسباب والعلل؟
طالب: الجهمية.
الشيخ: الجهمية والأشاعرة أيضًا، حتى الأسباب الظاهرة الحسية يُنكرونها ويقولون: إن الشيء يحدث عنده لا به، حتى لو أخذت حجرًا وضربت به الزجاج وانكسر، ما يقولون: إن الزجاج انكسر بالحجر، لكن: انكسر عنده، نعم، مع أنك لو تحطُّ الحجر على الزجاج؛ فوقه، ما هو بعنده، فوقه، ينكسر ولَّا لا؟ ما ينكسر، لو تحطُّه فوقه ما ينكسر، لكن تضربه به ينكسر.
طالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: إي إي، نعم، يقول: حصل الألم عند ضربك لا به، إنما (...).
طالب: المثال الأوضح يا شيخنا لمشايخهم أن مَن تناولَ دواءً وكان مريضًا يدعو ويقول: اللهم اجعلْ شفائي عنده لا به.
الشيخ: إي، إي نعم، بناء على إنكارهم للأسباب، نسأل الله العافية.
وفي قوله: لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَدليلٌ على أن الإيمان والكمال في الرجال أكثر؛ لأنه لم يقل: لتكون من المؤمنات. ثم يدلُّ على ذلك أيضًا قوله تعالى في مريم: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم: ١٢]، ولهذا جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» ، ولا ريب أن الإيمان في الرجال أَكْثرُ وأثْبَتُ وأَزْيد؛ ففي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِن إِحْدَاكُنَّ» . وإنما قرَّرنا هذا من أجل أنه يجب على المرء مراعاةُ المرأة، يجب على الرجل مراعاةُ المرأة، وأنها محتاجةٌ إلى الرعاية، وأيضًا محتاجةٌ إلى ألَّا تُجاب على كل ما تطلب؛ لأنها ناقصة عقلٍ وناقصة دينٍ كما وَصَفها النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.
وفيها أيضًا؛ في الآية: دليلٌ على إثبات القضاء والقدر، منين نأخذه؟
طالب: لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا.
الشيخ: لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا، فإن هذا من قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره.
طيب، هل يُشتق من هذا الفعل اسمٌ لله بحيث نسمِّي الله: الرَّابط؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ما يشتق؛ لأن الأفعال، كل شيء في الكون فهو من فِعْل الله وتقديره، كل شيء في الكون فإنه من فعل الله وتقديره، فهل نشتق لكل شيء في الكون نشتق منه اسمًا لله؟ لا، ما يمكن، ولكن أفعال الله سبحانه وتعالى متنوعة وأنواعها كثيرة، والفعل غير الاسم، ولهذا ما نشتق مثلًا من وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٠]، ما نقول: إن الله يُسمَّى ماكرًا، ولا نشتق من قوله: وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢] أن الله يُسمَّى خادعًا، ولا نشتق من اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥] أنه مستهزئ، يعني هذه كلها أفعال مقيَّدة في أنواعها؛ يصلح أن نقول: إن الله مستهزئٌ بالمنافقين، إن الله خادعٌ للمنافقين، إن الله ماكرٌ بالماكرين، وما أشبه ذلك. قال: (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: ١٠] المصدِّقينَ بوعدِ الله).
وينبغي ألَّا نفسِّر الإيمان بالتصديق، بل نجعله أعمَّ من ذلك، يعني المصدقة الثابتة على ما طُلب منها.
(وجواب لَوْلَادلَّ عليه ما قبلها) وين لَوْلَا؟
طالب: لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا.
الشيخ: لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا، ويش تقديره؟ لأبدتْ به، ولهذا قال المؤلف: إنه (دَلَّ عليه ما قبلها)، ولم يقل: إنه ما قبلها، ولكن: دلَّ عليه، أخذتم بالكم يا جماعة؟
وقد سبق لنا أن مثل هذا التعبير هل يحتاج إلى جواب أو لا يحتاج، فذكرنا أن بعض العلماء يقول: لا يحتاج إلى جواب؛ لأنك لو أتيتَ بالجواب لكان الكلامُ ركيكًا، إذَنْ لا يحتاج إلى جواب.
(أكرِم الطالبَ إن كان مجتهدًا) إذَن هذا ما يحتاج إلى جواب، نعم؛ لأنك لو أجبت: (أَكْرِم الطالبَ إن كان مجتهدًا فأكرِمه) يكون هذا كلامًا ليس بسليم، هذا كلام ركيك، وهذا المعنى الذي ذكرناه أشار إليه ابن القيم في كتابه التبيان في أقسام القرآن.
تفسير الآيات (11-13)
00:33:15

{وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}
[القصص: ١١].
قَالَتْ لِأُخْتِهِيقول المؤلف: (مريم). ومريم .. نقول للمؤلف: من أين لك أن اسمها مريم؟
طالب: يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم: ٢٨] (...).
الشيخ: ما هي بهذه، هذه ما هي بمريم؛ لأن اللي ذكرتَ مريم أم عيسى، وبينه وبين موسى أزمانٌ طويلة.
على كل حال هذه من الأخبار الإسرائيلية، وتعيين اسمها لو كانت الفائدة تترتَّب عليه لكان الله تبارك وتعالى يُبيِّنه، لكن ما يهمنا تعيين الاسم، المهم نعرف صلة هذه المرأة بأم موسى وبموسى أيضًا، فهي أخت موسى وتكون بالنسبة لأم موسى؟
إذا صارت هذه أختًا لموسى، فما صِلتها بأم موسى؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، أنت ما فهمت كلامي؟ فهمت السؤال؟ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِأخت مَن؟
الطالب: أخت موسى.
الشيخ: أخت موسى، إذا صارت هذه المرأة أختًا لموسى فما صلتها بأم موسى؟ ترى السؤال ما هو (...).
الطالب: (...).
الشيخ: ويش هي لأم موسى؟
الطالب: يعني قرابة؟
الشيخ: إي، قرابة لأم موسى.
الطالب: قرابة لأم موسى.
الشيخ: إي، ويش هي؟
الطالب: (...) مرضعتها.
الشيخ: ما هذا؟! طيب، ويش (...)؟
طالب: (...) أمها (...).
الشيخ: إذا صارت أختًا لموسى صلتها بأم موسى أيش؟
الطالب: أنها أمها.
الشيخ: أمها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يقينًا؟
الطالب: نعم يقينًا.
الشيخ: لا شك بعد؟
الطالب: (...).
الشيخ: إما أمها؟
الطالب: أو خالتها.
الشيخ: أو ..
الطالب: ظاهر الآية: أمها.
الشيخ: طيب، ويش الظاهر؟
الطالب: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ.
الشيخ: طيب، أخته.
الطالب: أم موسى يعني قالت لأخت موسى.
الشيخ: طيب، أخت موسى من أبيه، ما يمكن؟
الطالب: ظاهر (...).
الشيخ: (...) من الظاهر.
الطالب: (...).
الشيخ: أيش وجه الظاهر؟
الطالب: ما قال: (...) لأخته من أبيه.
طالب: وجه (...).
الشيخ: لا، الظاهر .. هو على كل حال قد يكون كلامكم صحيحًا، بمعنى أنه لو كانت من أبٍ أو كانت من أمٍّ أيضًا، لو كانت من أبيه أو من أمِّه لقُيِّدت، وعند الإطلاق تكون الأُخُوَّة مطلقة وهي من الأم والأب، مع أن فيه احتمالًا أن تكون من أمه أو من أبيه، لكن الظاهر كما قلتم أنه ما دام أُطلِقتْ فتُحمَل على الأكمل من الأُخُوَّة، وهي الشقيقة.
قالت: قُصِّيهِأي: (اتَّبعي أَثَره حتَّى تعلمي خبره).
القَصُّ معناه: تتبُّع الأثر، يعني تتبَّعي أثره وابحثي عنه.
قال الله عز وجل: فَبَصُرَتْ بِهِأي: (أبصَرَتْهُ). ذهبت الأخت، وظاهر الآية الكريمة: فَبَصُرَتْ، الفاء للترتيب والتعقيب، أنها ما ذهبتْ بعيدًا حتى رأتْه.
وقوله: عَنْ جُنُبٍ(مِن مكانٍ بعيد). جُنُبٍبمعنى بعيد، وعلى هذا فالموصوف محذوف والتقدير: عن مكانٍ بعيدٍ، بعيدٍ منها، لكنها عرفت أن هذا أخوها.
(اختلاسًا) يقول: (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍمِن مكانٍ بعيدٍ اختلاسًا). أيش معنى الاختلاس؟ المسارَقة؛ يعني أنها ما جعلتْ تُحِدُّ النظر فيه؛ لأنه لو أنها جعلتْ تُحِدُّ النظر فيه وأقبلتْ إليه بسرعة وظهر منها علامات على أنه مقصودها لكانوا يُحسُّون بذلك، ولكنها ما جعلت تنظر إليه نظرًا يشعرون به، كانت تختلس النظر، تختلسه اختلاسًا، وهذا واضح، وإن كان ما في الآيات دليل عليه لكنه واضح أنه لا بد أن يكون؛ لأنه لو كانت (...) رأتْه ذهبتْ إليه وجعلتْ تنظر وما أشبه ذلك لكانوا يشكُّون في هذا الأمر ويمسكونها، ولكنها بصرت به عن جُنُبٍ تختلس النظر.
(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَأنها أخته وأنها تَرْقُبُه). مَن هم اللي لَا يَشْعُرُونَ، مَن؟ آل فرعون، ما علموا، لكن المرأة فيها ذكاء، جعلتْ تنظر من بعيد حتى وصلت إليه، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَبأنها أخته أو تراقبه؛ لأنها لم تُبْدِ حركاتٍ تدل على ذلك.
وقوله: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، الجملة موضعها من الإعراب؟
طلبة: حال.
الشيخ: حال منين؟ من فاعل بَصُرَتْ، يعني: والحال أنهم لا يشعرون (...)، والجملة الحالية ما يُشترط أن تكون وصفًا لصاحب الحال، ولهذا تقول: جاء زيدٌ والشمسُ طالعةٌ، فالجملة هذه حاليَّة مع أنها ليست من صفات زيد.
فهنا: بَصُرتْ به وهم لا يشعرون، لو قال قائل: كيف تجعلونها حالًا من فاعل (بصُرت) مع أنها ليست من صفاتها؟ قلنا: لكن الجملة الحالية يُكتفى فيها بأدنى ملابسة.
قال الله تعالى: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص: ١٢].
طالب: (...).
الشيخ: (...)، الطفل في الحقيقة صار يقلق ويبكي يريد الرَّضاع، ولعلهم خرجوا به يطلبون مُرضعةً، فصادف أن رأته أخته.
الطالب: إي، هذا قبل أن يحصل طلب الرضاعة.
الشيخ: يعني كيف فَبَصُرَتْ بِهِ؟
الطالب: قبل طلب الرضاعة، حينما طلب الرضاعة.
الشيخ: ويش دليلك؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما فيه دليل.
طالب: نقول: هذه الآية هي تدل على قول المؤلف: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىلَمَّا علمتْ بالتقاطه).
الشيخ: يعني كان (...) أن تقصه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: (...).
طالب: أرسلتها إلى (...).
الشيخ: لولا أرسلتها ما (...) في البلد.
طالب: هي موقنة بالبشارة أمه (...).
الشيخ: ما فيه شك أنها موقنة، وإلا لو ما موقنة ما ألقته في اليم، هي أمرتها أن تخرج تطلب أن ترضعه؛ لأنها عرفت أنه لا بد أن يرجع إليها.
طالب: (...).
الشيخ: إي، لا، (...).
قال: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُأي: قَبْل رَدِّه إلى أُمِّه).
قوله: حَرَّمْنَاأي: منعْنا، والتحريم في اللغة: المنع، ومنه (...).

***

قوله: لِأُخْتِهِعيَّنها المؤلف بأنها مريم، ما تقول في هذا التعيين؟
طالب: (...) هو لا يصح.
الشيخ: إي، والجهل به لا يضر.
ما معنى قُصِّيهِ؟
طالب: أي: اتبعي أثره.
الشيخ: اتبعيه أو تتبَّعيه؟
الطالب: يعني: تتبَّعي أثره.
الشيخ: تتبَّعي أثره؛ يعني: اطلبيه واتبعيه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، قوله: فَبَصُرَتْ بِهِ، أيش معنى بَصُرَتْ بِهِ؟
الطالب: يعني أبصرتْه.
الشيخ: طيب، معنى عَنْ جُنُبٍ؟
طالب: من مكان بعيد.
الشيخ: مكان بعيد. وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ؟
الطالب: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَيعني: لم يعلموا بأنها تتتبَّعه وتترقَّبه.
الشيخ: إي، وهو في محل نصب؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، قوله تعالى: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ، أيش معنى حَرَّمْنَا؟
طالب: قبل ردِّه، (...) منعناه أن يرضع من ثدي، وهذا تحريم قَدَري يا شيخ.
الشيخ: تحريمٌ قدريٌّ.
التحريم ينقسم إلى قسمين؟
طالب: تحريم شرعي، وتحريم كوني قَدَري.
الشيخ: نعم.
الطالب: الشرعي ما كان من الشرع.
الشيخ: متعلق الشرعي أيش؟
الطالب: (...) الشرع.
الشيخ: إي، ويش متعلقه؟ يعني ويش يتعلق به التحريم الشرعي؟
الطالب: بالأحكام الشرعية.
الشيخ: بالأحكام الشرعية، والقَدَري بالأحكام الكونية.
طيب، هل هناك (...)؟
طالب: القدري (...).
الشيخ: لا، غيرها، نحن ذكرنا غير هذه مثالين؟
طالب: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [الأنبياء: ٩٥].
الشيخ: طيب، والمثال الثاني؟
طالب: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً [المائدة: ٢٦].
الشيخ: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ، يعني تحريمًا قدريًّا.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...).

***

عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ [القصص: ١٢]، ولم تقل: على أهله، طبعًا، لو قالت: على أهله اتَّضح الأمر وأمسكوها هي وهو وأهله، بل قالت: عَلَى أَهْلِ بَيْتٍمُنَكَّر، كأنهم لا يعرفونه، مع أنها أو أهل البيت أمُّه؛ أمُّ موسى.
عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ(أَهْلِ بَيْتٍلَمَّا رأتْ حُنُوَّهم عليه). (لَمَّا رأتْ حُنُوَّهم) أي: حُنُوَّ آل فرعون على هذا الطفل وأنهم يحبون أن يجدوا مَن يقوم بكفالته وإرضاعه قالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ.
(يَكْفُلُونَهُ لَكُمْبالإرضاع وغيره)، والكَفْل معناه القيام بحضانة الطفل، القيام بحضانة الطفل يسمَّى كَفْلًا، كما في قوله تعالى: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: ٣٧]، وفي قراءة ثانية: {وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ}، المعنى: أنا بأدلكم على أهل بيتٍ يقومون بحضانته على أتمِّ قيام، بدليل قولها: وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ، الفعل جاء بالفعل، والنية جاءت بالجملة الاسمية، يَكْفُلُونَهُلأن الكفالة فعل، وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَالنصيحة مبنية على النية في القلب.
ومعنى نَاصِحُونَأي: مخلصون، وأصل النصح: إخلاص الشيء من الشوائب، ومنه قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم: ٨] أي: خالصةً من الشوائب، لله وحده.
إذَن نَاصِحُونَويش معنى النصح؟ الخلوص من الشوائب، أي: إنهم مخلصون له إخلاصًا كاملًا، وهي صادقة في قولها ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، صادقة بلا شك.
وقوله: وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ، الضمير في لَهُيعود إلى هذا الطفل، بلا ريب أنه يعود إلى هذه الطفل، وإذا كان يعود إلى هذا الطفل فإذا قال قائل: ما فائدة آل فرعون بنصح أهل هذا البيت له؟
نقول: فائدة آل فرعون بذلك لأنهم أحبُّوا هذا الطفل وودُّوا مَن يقوم بكفايته وبكفالته على الوجه الأتمِّ، ولهذا..
طيب، يقول المؤلف: (وفَسَّرتْ ضمير لَهُبالملِكِ جوابًا لهم فأُجِيبتْ). هذا مبني على قصة إسرائيلية؛ أنها لما قالت: وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَكأنهم استشكوا وقالوا: ما الذي أدراكِ أنهم ينصحون له؟ فقالت: أريد أنهم ينصحون للمَلِك. مَن الملِك؟ فرعون، يعني: وهم للمَلِك ناصحون. وهذه القصة لا شك أنها بعيدة من الصواب، بل ليست بصواب، وإنما المراد لَهُللطفل، وليس هناك .. يعني ما فيه ما يمنع أن يكون الضمير عائدًا إليه، ولا حاجة أيضًا إلى تفسيره بالملِك؛ لأنهم هم يحبون – أي: آلُ فرعون- يحبون مَن ينصح له، فليسوا بسائلين عن هذا الشيء، نعم، فتقدير المؤلف هذا لا داعي له.
يقول: (فجاءتْ بأُمِّه فقَبِلَ ثديَها، وأجابتْهم عن قبوله بأنها طيِّبة الرِّيح طيِّبة اللبن، فأُذِن لها في إرضاعه في بيتها، فرجعتْ به كما قال تعالى: فَرَدَدْنَاهُ).
هذا التقرير الذي ذكره المؤلف أيضًا لا دلالة في الآية عليه، ومن يقول: هي اللي جاءت، وقَبِل ثديها أمام الناس، واتُّهمتْ به، ودافعتْ عن التهمة بأن ثديها طيب الريح ولبنها طيب، كل هذا لا أصل له.
والصواب أنهم لما قالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَقالوا، ويش قالوا؟ قالوا: نعم دُلِّينا. فالقصة واضحة جدًّا؛ دُلِّينا، فدَلَّتْهم، فجاؤوا به إلى أمِّه، وهذا أبلغ في المعجزة والآية أنَّ أمَّه في بيتها أمرتْ أختَه أن تخرج في طلبه، فما رجعت أختُه إلا به إلى أمِّه، أمَّا أن الأم راحتْ، وأنها ألقمتْه الثديَ، وأنها اتُّهِمتْ به ودافعتْ بأنها طيبة الريح أو طيبة اللبن، فهذا ليس بصحيح، ومثل هذه الأمور ما يلزم أن يكون لها أسبابٌ حسيةٌ معلومةٌ؛ لأنها من خوارق أيش؟ من خوارق العادات، وخوارق العادات ما نحتاج أننا نوجه لها أشياء تناسب العادات، بل هي فوق العادة.
فعلى هذا نقول: المسألة سائرة على حسب ما جاء في القرآن الكريم، ولم تأتِ الأم، الله ما ذَكَر أن الأم هي التي أتتْ، بل قال: فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ [القصص: ١٣].
رَدَدْنَاهُأي: موسى (إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَابلقائه).
تَقَرَّسبق أنها مأخوذة إمَّا من القَرِّ وهو البرودة، وإمَّا من القرار وهو السكون، ولعله يشمل المعنيين، مأخوذة من القرار تسكن العين وتبرد، نعم.
كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَاوكَيْهنا حرف تعليل، وهي مصدرية تَنصِب الفعل المضارع، ولهذا تَقَرَّمنصوبة، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة على القاف.
طالب: على الراء.
الشيخ: على آخره؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والقاف (...).
طالب: ألأصل.
الشيخ: هذا الأصل، نعم؛ لأنها من: قَر يقَر، وليست من: قَر يقِر.
(كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَابلقائه وَلَا تَحْزَنَحينئذٍ). يعني: لا تحزن على ما مضى، بل يزول عنها الحزن، تقر العين ويزول عنها الحزن.
(وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِبرَدِّه إليها حَقٌّ). هذا أيضًا.. ثلاث فوائد: تَقَرَّ عَيْنُهَا، وَلَا تَحْزَنَ، والثالث: وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
أمَّا الأُوليان فظاهر أنها تقرُّ عينُها برجوعه وأنها لا تحزن، يزول عنها الحزن، لكن قوله: وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّفإن هذه العلة قد سبقت؛ لأنها منذ أن ألقتْه في اليم قد علمتْ بأن وعد الله حقٌ، ولولا عِلمها ويقينها بأن وعد الله حق ما ألقتْه، فيكون هنا المراد بالعلم عِلم اليقين ولَّا عين اليقين؟
الطلبة: عين اليقين.
الشيخ: عين اليقين، أو حق اليقين إن شئتم؛ عِلمها بالأول علمٌ عن الشيء خبرًا، وعلمها الثاني علمٌ عن الشيء وقوعًا. وفرقٌ بين علم الإنسان بالشيء خبرًا وبين علمه به وقوعًا، ولهذا قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» ، فالحاصل أن قوله: وَلِتَعْلَمَيعني علمَ الشيءِ بعد وقوعه، وأمَّا علمها به خبرًا فقد تقدَّم، ولولا أنها واثقة بالأول ما فعلتْ.
وقوله: وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّوَعْدَذكروا أن الوَعْد هو الوَعْد بما يَسُرُّ، والوعيد بما يُحْزِن؛ يعني: الوعد بالخير، والوعيد بالشر. كذا؟ وأن الشرَّ من (أَوْعَدَ) والخير من (وَعَد) فقالوا: أوعده؛ أي: بالشر، ووعده بالخير.
طالب: بالنسبة لقوله: كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ [القصص: ١٣]، معروف أن الإنسان لو قرت عينُه ينسى الحزن ويُسَرُّ.
الشيخ: إي، لكن ذاكر، نفي الحزن هنا لأجل أن يبيِّن أن القرَّ كامل؛ لأنه قد تقرُّ عينه مع شيء من الحزن.
طيب، الوعد معناه، ويش قلنا؟ الوعد يتعلَّق بما يَسُر، والوعيد بما يسوء، فهل الوعد والحق دون الوعيد أو كلاهما؟
طالب: كلاهما.
طالب آخر: لا، الوعيد قد يتخلَّف.
طالب آخر: الوعيد (...).
الشيخ: هو حق، الوعيد والوعد حق؛ لأننا لو قلنا: إن الوعيد ليس بحق، لزم أن يكون في خبر الله كذبٌ، وهذا غير ممكن، لكن الوعيد قد لا يُنفَّذ تفضُّلًا من الله عز وجل؛ لأنه حقُّه، الوعيد حق الله، والله تبارك وتعالى قد يتجاوز عنه، ولَّا لا؟ أما الوعد فإنه حقٌّ لمن؟ للموعود، ولهذا لا يمكن أن يتخلَّف، قال الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي

لأن الوعد حقٌ للموعود، والوعيد حقٌ للمُوعِد.
أضرب لكم مثلًا: إذا قلت لهذا الرجل: إن فعلتَ كذا أعطيتُك مئة دينار، هذا ما هو؟
طالب: وعد.
الشيخ: وعد ولَّا وعيد؟
طالب: وعد.
الشيخ: لأنه؟
طالب: لأنه في (...).
الشيخ: لأنه في الخير، نعم. هذا فَعَل ما قلتُ، يجب عليَّ أن أوفيه؛ لأن الحق له. لكن قلتُ لولدي مثلًا: إن فعلتَ كذا حبستُك. ثم فَعَله، ولكني عفوتُ عنه، هذا جائز ولَّا ما هو بجائز؟
طالب: جائز.
الشيخ: هذا جائز ويكون فضلًا، لا سيَّما إذا عفا عنه مع القدرة؛ قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء: ١٤٩]، أما العفو مع العجز فهذا ما هو مدح.
الحاصل: إن وعد الله ووعيده كلاهما حقٌّ، لكنَّ وعده لما كان حقًّا للموعود صار لا بدَّ من وقوعه، ووعيده لما كان حقًّا له إن شاء عفَا عنه تكرُّمًا وتفضُّلًا حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى.
طالب: قوله جل وعلا: قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الأعراف: ٤٤] هذا وعيد أُطلِق على الوعد.
الشيخ: نعم، هذا صحيح، أُطلِق عليه وعْد، إمَّا لأنه في المقابلة؛ يعني مع (...) بهذا صار مشاكِلًا له، أو أنه يُطلق عليه أحيانًا.
قال: وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، حَقٌّهنا بمعنى: ثابت، وأظن أننا قلنا: إن الحق في كذا له معنًى، والحق في كذا له معنًى. هذا من أيِّ المعنيين؟
طلبة: من الصدق.
الشيخ: من الصدق، نعم؛ إن الحق إذا تعلَّق بالأخبار فمعناه الصدق، وفي الأحكام معناه العدل، وعلى هذا فيكون هنا بمعنى الصدق؛ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّأي: صِدْق، ولا يمكن أن يتخلَّف؛ لأن تخلُّف الوعد إمَّا أن يكون عن كَذِب الواعد أو عن عجزه عن تنفيذه، وكِلا الأمرين في حق الله مستحيلٌ، فلا كذبَ في قوله ولا عجزَ في فعله، ولهذا عبادُ الله سبحانه وتعالى يختمون الدعاء بقولهم: إنك لا تُخلِف الميعاد، نعم.
قال: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْأي: الناس لَا يَعْلَمُونَبهذا الوعد ولا بأنَّ هذه أخته).
المؤلف خصَّ الآية، والحقيقة أن الآية عامة، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون؛ أي: ليس عندهم علمٌ ينفعهم بوعد الله، فنفي العلم هنا إما لإثبات الجهل أو لنفي العلم النافع، أكثر الناس لا يعلمون بهذا، لا يعلمون بأن وعد الله حق.
طالب: أَكْثَرَهُمْ.
الشيخ: إي، أَكْثَرَهُمْأي: الناس، أقول: أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حقٌّ إما لجهلهم، وإما لعدم انتفاعهم بهذا العلم، ونفي الشيء لنفي الانتفاع به ثابتٌ في القرآن؛ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١]، ودائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقلَ عن الناس أو السمعَ عن الناس وما أشبه ذلك لعدم انتفاعهم بذلك، فأكثر الناس لا يعلمون، المؤلف خصَّ هذه بقصة موسى، والآية عامة، أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حقٌّ، أقول: إما للجهل بذلك لكونهم لا يعرفون من أسماء الله وصفاته ما هو اللائق به، وإما لكونهم لا ينتفعون بهذا العلم، الذين لا يحرصون على فعل الخير أو على تجنُّب الشر في الحقيقة هم كالجاهلين بأن وعد الله حقٌّ؛ إذ إن الطبيعة البشرية والعقل يقتضيان أنك ما دُمتَ مؤمنًا بهذا الشيء سواء كان وعدًا أو وعيدًا فلا بدَّ أن تسعى له بمقتضى إيمانك، إذا كنتَ تعلم أن الإنسان سيموت، وأن المؤمن إذا مات سيجد الخير فيكون في الجنة وينجو من النار، هذا حق ولَّا لا؟
طلبة: حق.
الشيخ: حق، لكن الذي لا يسعى لهذه الجنة وينهمك بسعيه للدنيا الفانية، هل هذا في الحقيقة عالِمٌ بأن وعد الله حقٌّ أو منتفعٌ بعلمه؟
طالب: لم ينتفع.
الشيخ: ما انتفع به، ما انتفع بعلمه، ولو انتفع به ما فوَّت هذه الفرصة العظيمة.
طيب، إنسان يعرف أن المعصية سببٌ لدخول النار، يعرف هذا، ويعرف أن وعد الله حقٌّ، لكن مع ذلك يتجرَّأ على المعاصي، نقول: إن علمه هنا ناقصٌ؛ إذ لو آمن بذلك حقًّا لكان يتجنَّب هذا الشيء، فصدق معنى قوله تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
حلَّل المؤلف رحمه الله الآية هذه يقول: (لَا يَعْلَمُونَبهذا الوعد) يعني بما وعد الله أمَّه من ردِّه إليها (ولا بأنَّ هذه أخته)، وعلى هذا فيكون الضمير في أَكْثَرَهُمْيعود على آل فرعون.
(وهذه أمُّه، فمكث عندها إلى أن فَطَمتْه، وأُجرِيَ عليها أُجرتُها لكلِّ يومٍ دينارٌ).
كان غاليًا الرضاعُ ذاك الوقت. أمَّا كونه بقي عندها إلى أن فطمتْه هذا واضح؛ لأنه ما دام أنه محتاج للرضاع فسوف يبقى عندها، وأمَّا (أُجرِيَ عليها أُجرتُها) فهذا أيضًا صحيح، فإنه جُعل لها أُجرة، وصاروا يرسلون إليها بالهدايا والتحف ويكرمونها؛ لأنها كافلة هذا الطفل الذي قالوا: إنه قُرَّتُ عَيْنٍوعَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، ولهذا رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في الذي يُحسن الصَّنعة ويتخذ عليها أجرًا: «إِنَّهُ كَأُمِّ مُوسَى؛ تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا» ، وهذا من آيات الله، يجيئها ولدها وتُرضعه وتُكرَم عليه، ما ظنُّكم لو لم تفعل هكذا ولا تُلقيه في اليمِّ ولا يلتقطه آل فرعون؟ كانت تبقى خائفة وَجِلة ولا يحصل لها أُجرة ولا إكرام ولا إعزاز من هؤلاء الطغاة.
وأما قوله: (لكُلِّ يومٍ دينار) فهذا غير مُسَلَّم؛ لأن طريقنا في مثل هذه الأمور أن نقول: ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مقبول، وما لم يثبت من أخبار بني إسرائيل فإننا نتوقَّف فيه، ولا ينبغي أن نجزم به هذا الجزم، نعم، نُحدِّث به ولكننا ما نجزم به.
يقول: (لكلِّ يومٍ دينار)، شوف عاد بعده جاب إشكالًا: (وأخذتْها لأنَّها مال حربِيٍّ)، سبحان الله العليِّ العظيم! يعني ذهاب وَهْم بعض العلماء غريب؛ أخذتْها لأنها مال حربيٍّ أو أخذتْها لأنها أُجرة على إرضاعها؟
أُجرة، ما فيها إشكال، أمَّا كونها تأخذ أُجرة لأنه مال حربيٍّ فهذا لا وجه له، ليس له وجه؛ لا يقال مثلًا: إن أمَّ موسى لما لم يقبل ثدي غيرها كان إرضاعُها إياه فرضًا عليها، والفرض لا يجوز أخْذ العوض عليه، يصير أخْذ العوض هنا على أنه مال حربيٍّ.
نقول: حتى مال الحربي إذا جاء بصيغة عقد يجوز أخْذه ولَّا لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا، لا يجوز، إنما تأخذه بمقتضى العقد، والمعاقدة بينك وبين الحربيِّين مثل الاستئمان، بل هي استئمان في الواقع، فالصواب أنها أخذتْها لأنها أُوجرتْ عليها على كفالته وإرضاعه.
طالب: الخدمة، (...).
الشيخ: ما يخالف، هي لو لم تأخذ لكان في ذلك بلاء، لعُلِم أنها قريبةٌ له أو ما أشبه ذلك، فهي أخذتْ لأنهم هم يعتقدون أنها ليست أُمَّه، ويعتقدون أن هذا الطفل سوف يكون لهم.
طالب: لا يجوز (...)، لو جاز ظاهرًا ما جاز الأخذ بالباطن.
الشيخ: يجوز باطنًا لأجْل كفالتها بالنسبة لهم.
يقول المؤلف: (فأتتْ به فرعونَ فتربَّى عنده كما قال الله تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء: ١٨]).
تربَّى عند فرعون في بيت الملِك، وكان يركب كمراكب الملوك، ويلبس لباس الملوك، فبَدَلًا من أنه لو كان عند أمِّه ما حصل له هذا الشيء بلا شك، أمَّا الآن فأصبح معزَّزًا مكرَّمًا، وذلك من تسخير الله سبحانه وتعالى له.
طالب: (...) ما ورد أن موسى اتصل بأمِّه (...).
الشيخ: اتصل بها؟
الطالب: (...).
الشيخ: هو على كل حال يتردد عليها؛ لأنها أمه.
الطالب: لأنه عندما انتهى من الفطام ترجع إلى..
الشيخ: تربَّى عند فرعون ولكن يجيء إلى أمه؛ لأنه يقول: هذه أمي من الرضاع، ولا يستنكر (...) أمه، لا يُستنكر أنه ذهب إليها لأنها أمه من الرضاع.
الطالب: هو ما يعلم الحقيقة؟
الشيخ: ما يعلمون هم.
الطالب: موسى؟
الشيخ: لا، علم الحقيقة، لا بد أنه علم وأعلمتْه أمُّه أيضًا.
الطالب: الدليل؟
الشيخ: الدليل لأنها هي لما كفلتْه وكبِر فإنه سيكون في حضانتها دائمًا؛ يعني يأتي إليها، بالضرورة تكون تُعلمه.
الطالب: لا، قد لا (...).
الشيخ: أبدًا (...)؛ لأنه هو بيخاف على نفسه مثلما تخاف عليه هي، أبدًا، ما فيه خوف أبدًا، ما دام أن الرجل يخشى على نفسه ما يمكن (...).
طالب: التسمية يا شيخ منها أو من آل فرعون؟
الشيخ: التسمية (...) يحتمل أنها منها سمَّته بذلك، أو من آل فرعون، (...) آل فرعون ويش يدريهم أنها سمته؟
الطالب: تسمية عبرية يعني.
الشيخ: إي نعم، اللهم إلا أن يكون مثلًا هذا من إكرام الله له حيث سَمَّوه بما سمَّته به أمه، ما أدري والله.
يقول: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء: ١٨]) فبقي الرجل عند الملِك مكرَّمًا معزَّزًا.
تفسير الآية (14)
01:11:33

(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ [القصص: ١٤] وهو ثلاثون سنةً أو وثلاث)
، هكذا عندكم؟
طلبة: إي.
الشيخ: الأَشُدُّ قيل: إنه ثلاث وثلاثون سنةً، وقيل: ثلاثون سنةً، وقيل: قريبٌ من أربعين؛ وذلك أن الله يقول: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف: ١٥]، فدلَّ هذا على أن بلوغ الأشُدِّ غير الأربعين؛ لأنه قال: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، على أنه يحتمل أن بلوغ الأشُدِّ معناه كمال العقل، ولا ينافي أن يكون كمال العقل عند تمام الأربعين.
ويقول: (وَاسْتَوَىأي: بلغَ أربعين سنة). لا، اسْتَوَىبمعنى كَمُل، والاستواء في اللغة العربية بمعنى الكمال، ومنه قولهم: استوت الثمرة؛ أي: كملت، وهو في كل موضعٍ بحسبه، ولكنه إذا عُدِّي بـ(إلى) فهو بمعنى القصد، وإذا عُدِّي بـ(على) فهو بمعنى العلو والاستقرار؛ لأن ذلك هو الكمال.
(آتَيْنَاهُ حُكْمًاحكمةً وَعِلْمًافقهًا في الدين قبل أن يُبعث نبيًّا).
آتَيْنَاهُبمعنى أعطيناه، وهذا الإيتاء كوني ولَّا شرعي؟
طالب: كوني.
طالب آخر: شرعي.
طالب آخر: لا، كوني.
طالب آخر: كوني؛ لأنه ما هو بوحي.
طالب آخر: شرعي، لكن (...).
الشيخ: الإيتاء يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا؛ فإن كان متعلِّقًا بالقضاء والقدر فهو كوني، وإن كان متعلِّقًا بالشرع فهو شرعي؛ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ [التوبة: ٥٩] هذا الإيتاء شرعي؛ لأنه يتعلق بالشرع والقَسم، وهنا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا [القصص: ١٤] هذا كوني؛ لأنه يتعلق بالقضاء والقدر.
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور: ٣٣]؟
طالب: (...) شرعي.
الشيخ: لا، آتُوهُمْشرعًا، لكن الَّذِي آتَاكُمْقَدَرًا؛ الذي قدَّره لكم، فالإتيان إذَن يكون شرعيًّا ويكون كونيًّا بحسب متعلَّقه.
وقول المؤلف: (حُكْمًا) فسره بـ(حِكمة)، وقال: (وَعِلْمًاأي: فقهًا).
لماذا فسر الحكْم بالحِكمة؟ لأن العلم هو علم الأحكام، فإذا فسَّرنا الحكم بأنه الحكم الذي هو مقتضى خطاب الشرع صار فيه نوعٌ من التَّكرار؛ لأنه العلم. ولكنه يجوز أن نقول: آتَيْنَاهُ حُكْمًاأي: علمًا بالأحكام الشرعية وَعِلْمًابالأخبار والأسرار، وحينئذٍ ما يكون في الآية تكرار، ولا نلجأ إلى تفسير الحكم بالحكمة؛ لأنه معروف أن الحكم غير الحكمة، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فالحكم هو مقتضى خطاب الشرع المتعلِّق بأفعال المكلَّفين، والحكمة هي عِلَّة ذلك الحكم.
وقوله: وَلَمَّا بَلَغَ... آتَيْنَاهُ، وَلَمَّاويش إعرابها؟
طالب: شرطية.
الشيخ: شرطية؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: شرطية.
الشيخ: شرطية هنا، بدليل أنه جاء لها.. في عِلَّة وجواب: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ، فهي إذَن شرطية، وهي ترِدُ في اللغة العربية شرطية كما هنا، وترِدُ بمعنى (إلا)؛ مثل قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أي: إلا عليها حافظ، وترد ظرفًا: جئتُك لَمَّا عرفتُ أنك مستيقظٌ، مثلًا؛ أي: حين عرفتُ، والذي يُعيِّن هذه المعاني هو؟
طالب: السياق.
الشيخ: السياق، نعم.
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا.
قال المؤلف: (وَكَذَلِكَكما جزيناه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَلأنفسهم).
قوله: (كما جزيناه) يفيد أن الإشارة هنا إلى هذا الإعطاء الذي أعطاه الله؛ يعني: ومثلَ ذلك. والكاف هنا -وهي كثيرة (...) في القرآن- نُعربها بأنها مفعولٌ مطلق بمعنى "مِثْل"؛ أي: مِثْلَ ذلك الجزاء نجزي المحسنين، إذا كانت مفعولًا مطلقًا بمعنى "مِثْل" فهي اسم؛ قال ابن مالك:
شَبِّهْ بِكَـــــــــــــــــافٍ وَبِهَا التَّعْلِيــــــــــــــــلُ قَدْ يُعْـــــــــــــــــنَى وَزَائِدًا لِتَـــــــــــــــــــــــوْكِيدٍ وَرَدْ
وَاسْتُعْمِلَ اسْمًا وَكَذَا (عَنْ) وَ(عَلَى) مِنْ أَجْلِ ذَا عَلَيْهِمَا (مِنْ) دَخَلَا

فالكاف تأتي بمعنى "مِثْل"، وتُعرب على أنها اسمٌ لا حرف جر.
وقوله تعالى: نَجْزِيأي: نكافئ، وقوله: الْمُحْسِنِينَيقول: (لأنفسهم)، كذا؟
طالب: ما هو بصحيح.
طالب آخر: ما يجوز.
طالب آخر: ما هو بمقيَّد.
الشيخ: إي نعم، الْمُحْسِنِينَفي الواقع يشمل الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، الدليل على هذا أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، فَقَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، هذا الإحسان، هذا إحسانٌ في أيش؟ في عبادة الله.
«تَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» وهذه عبادة الطلب، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، وهذه عبادة الهرب والخوف، ولا شك أن العابد بالمعنى الأول أكمل من العابد بالمعنى الثاني؛ لأن العابد الأول مرتبته عُليا؛ يعبد الله كأنه يراه، فهو يقصد الله عز وجل وله شوقٌ كبيرٌ إلى ربه سبحانه وتعالى، أمَّا الثاني فإنه يعبد الله كأن الله يراه، فهو خائفٌ من ربه، فعبادته عبادة الهرب، والأول عبادة الطلب.
طيب، الإحسان بالنسبة إلى الخلْق ويش نفسِّره به؟
طالب: إرادة الخير لهم.
الشيخ: لا، ما يكفي، الإرادة ما تكفي.
الطالب: (...).
الشيخ: لو أراد ما يكفي، بعضهم قال: إنها بَذْلُ الندى وكَفُّ الأذى، هذا الإحسان للناس، الندى بمعنى العطاء، وكفُّ الأذى واضح، فالإحسان إذَن له شِقَّان: بَذْل الندى سواء كان ذلك يتعلَّق بالمال أو بالجاه أو بالبدن، وكفُّ الأذى القولي والفعلي، وقد يتخلَّف أحدهما ويكون الإنسان محسنًا من وجهٍ غيرَ محسنٍ من وجه، ويكون مسيئًا إذا تخلَّف كفُّ الأذى.
طالب: (...) بَذْل الندى؟
الشيخ: إي، كالعطاء.
الطالب: (...) المال.
الشيخ: كيف؟! إحنا قلنا: يشمل المال والبدن والجاه، وتعليم العلم من إحسان البدن.
طالب: والنصيحة؟
الشيخ: تدخل؛ لأن اللي ينصحك باذلٌ لك أفضلَ ما يكون.
طيب، على كل حال إذَن الإحسان -أرى أن هذه العبارة من أحسن ما يكون- هو بَذْل الندى وكفُّ الأذى؛ أنك ما تؤذي الناس فتكون مسيئًا، ولا تحرمهم خيرك فلا يكون فيك إحسان، ما فيه إحسان إذا لم تبذل الندى.
طيب، قوله: الْمُحْسِنِينَإذَن المحسنين في عبادة الله، أيش بعد؟ وإلى عباد الله، يشمل هذا وهذا، فأمَّا الإحسان في عبادة الله فقد فسَّره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، وأمَّا الإحسان إلى عباد الله فهو بَذْل الندى وكف الأذى.
تفسير الآية (15)
01:22:05

طيب، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ [القصص: ١٥]، بعد بلوغ الأشُدِّ ولَّا لا؟
طالب: بعده.
الشيخ: إي، بعده، بعد بلوغ الأشُدِّ؛ لأن الأصل أن ما تقدَّم ذِكْرًا فهو متقدِّمٌ وقوعًا وعملًا؛ هذا الأصل: ما تقدَّم ذِكْرًا فهو متقدِّم وقوعًا إن كان في الأخبار، وعملًا إن كان في الأحكام، ولهذا أقبل النبيُّ عليه الصلاة والسلام على الصفا فقال: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِأَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ، وقال العلماء: إن الفقراء أشدُّ حاجةً من المساكين؛ لأن الله بدأ بهم في قوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠]، فهنا نقول لما ذكر اللهُ: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًاوَدَخَلَعلِمْنا أن دخوله المدينةَ بعد أن بلغ أشُدَّه.
وقوله: (الْمَدِينَةَمدينة فرعون، وهي مَنْف) أو (مُنْف) ما أدري بضم الميم، المهم بسكون النون (بعد أن غاب عنه مدة). تعيين المدينة بأنها مدينة فرعون في نفسي من هذا شيء؛ لأن الرجل قد تربَّى عند مَن؟
الطلبة: عند فرعون.
الشيخ: عند فرعون في نفس مدينته وفي نفس مكانه، اللهم إلا أن يُقال: إن فرعون كان في مصر، وإن (منف) هذه بلد خارجة عن القاعدة اللي هي قصبة البلد، وأنه خرج من يوم من الأيام فدخلها. والأحسن في هذا في مثل هذا المقام إذا لم تَرِدْ عن النبي عليه الصلاة والسلام، الأحسن أن نقول: مدينة من مُدُن مصر، ويسكنها أقباط وإسرائيليُّون، بدليل القصة.
دَخَلَ الْمَدِينَةَ(عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَاوقتَ القيلولة).
قوله: عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَابعض العلماء يقول: المراد عَلَى حِينِ غَفْلَةٍزمنًا؛ يعني أنهم في زمنٍ يغفل الناس فيه. بعضهم يقول: عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَاأي: كلامًا، بمعنى أنهم نسوا موسى وقصته، وطال الزمن، فدخل على حين غفلةٍ من التحدُّث في هذا الأمر. ولكن المعنى الأول أظهرُ أنَّه دخلها في وقتٍ أهلُها غافلون.
هل يتعيَّن أن يكون وقت القيلولة؟ ما يتعيَّن؛ يكون وقت القيلولة، يكون مثلًا بالليل، يكون في المغرب، الله أعلم، إنما في وقتٍ أهل البلد غافلون.
(فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِأي: إسرائيليٌّ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِأي: قبطيٌّ).
وَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِالاقتتال بمعنى المنازعة والمخاصمة والمضاربة أيضًا، وليس المراد فيما يبدو أنهما يريدان أن يقتل بعضهما بعضًا.
لكنْ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِشيعةُ الرجل معناه: أتباعه؛ قال الله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ [الصافات: ٨٣]، وقيل: إن الشيعة مَن يُناصرك، كلُّ مَن يُناصرك فهو شيعةٌ لك سواء كان متَّبعًا لك أو غير متَّبع، وعلى كل حال فهُنا المراد بالشيعة يعني أنه من قبيلته، ولهذا قال المؤلف: (أي: إسرائيليٌّ).
وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِمن عدوِّ موسى من آل فرعون، وهم الأقباط.
(أي: قبطيٌّ يُسَخِّر إسرائيليًّا ليحمل حطبًا إلى مطبخ فرعون) واللهِ عجائب! من يقول هذا؟!
على كل حال يَقْتَتِلَانِكعادة الناس الأعداء، الأعداء يخاصم بعضهم بعضًا دائمًا ويُقاتل بعضهم بعضًا، وقد ذكر شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره بأن هذا يدلُّ على قوة شعب بني إسرائيل؛ بعد أن كانوا أذِلَّةً يُقَتَّل أبناؤهم ويُستحيَا نساؤهم أصبحوا الآن يجعلون أنفسهم أندادًا لمن؟ لآل فرعون الأقباط؛ لأنهم يعرفون أن موسى منهم، وأن موسى في منزلةٍ عظيمةٍ عند فرعون، فهم استقوتْ ظهورهم بهذا الشيء، وهذا واضح أنهم سوف يَقْوَون بهذا الشيء ويرون أنفسهم أندادًا لآل فرعون.
أمَّا أنه يريد أن يُسَخِّره ليحمل الحطب إلى المطبخ، فهذا ما هو بظاهر، ومحتاج إلى دليل بَيِّن، ولا دليل في المسألة، ثم شرح الموقف على قوله: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا.
طالب: يَقْتَتِلَانِ؟
الشيخ: يَقْتَتِلَانِيعني: يتخاصمانِ ويتنازعانِ، وربما يحصل بينهما ضَرْب.