تفسير سورة القصص - 4
عدد الزيارات 2664

عناصر المادة :
تفسير الآيات (29-31)

الشيخ: أصل وجوب طاعة ولي الأمر، ولم يوجد ما يمنع هذا الأصل؛ إذ إنك لا تدري هل هو ظالم أم لا، ولأنه من المشقة أن الجندي مثلًا إذا أمره مَن فوقه أن يضرب أو يحبس، أن يقول: ليش أضرب؟ وليش أحبس؟ ولأن هذا يؤدي إلى الفوضى وتفكك الحُكومة والدولة، نعم، فلهذا يقول: يجب عليك التنفيذ ما لم تعلم أنه معصية، نعم.
وقال بعض أهل العلم بالتفصيل، وهو أنه إذا كان الآمر معروفًا بالظلم، فإنه لا يجوز الإقدام على موافقته، إلا إذا علمتَ انتفاء الظلم في هذه القضية المعينة، تقديمًا للظاهر على الأصل، أيش هو الظاهر؟
طالب: أنه ظالم.
الشيخ: ظاهر هذا الأمير مثلًا أنه ظالم، فيُقَدم على الأصل، وهو عدم الظلم ووجوب الطاعة. وهذا التفصيل لا بأس به، نعم، فيه ثقل أيضًا؛ لأنه وإن كان ظالمًا فقد لا يظلم في كل شيء.
ومعلوم أن -يعني نسأل الله ألا يبتلينا ولا إياكم- أن الجندي يصعب عليه جدًّا أن يقول لآمره: ما وجه ضربه؟ ما وجه حبسه؟ ولهذا مِن قواعد الدِّراسة عندهم في الجندية وفي الجيش: أن الصغير يُطيع مَن فوقه طاعة عمياء، حتى إنَّ بعضهم يرى أنه يجب طاعته ولو في معصية الله. ولكن هذا غير مُسلَّم، إنما أقصد أنهم يطيعون طاعة عمياء، كأن الإنسان أصم أعمى.
فعلى كل حال، هذه المسألة، مَن أخذ بالقول بوجوب الطاعة مُطلقًا ما لم تعلم أنه ظلم، فقد أخذ بالأصل وكان معه سعة، ومن أمكنه أن يستفهم عند أمر الأمير عن هذا الأمر، الأمير الذي ظاهره الظلم، والعادل اللي لم (...) ظالم، تجب طاعته، ولا يحتاج إلى التفصيل، فهذا لا بأس به.
المهم أننا نأخذ من هذه الآية: أن جنود الظالم ظلمة، نعم، طبعًا إذا وافقوه على بينة نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٥].
طالب: هل يجوز للإنسان أن يكون جنديًّا لإنسان معروف بالظلم؟
الشيخ: إي نعم يجوز، بل قد يجب أحيانًا، إذا كان وجوده في هذا يخفف بعض الأشياء.
الطالب: قال تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود: ١١٣]؟
الشيخ: نعم، وَلَا تَرْكَنُوالا تميلوا إليهم بمساعدتهم في الظلم، أما أنا أصير جنديًّا لأخفف من ظلمهم، هذا ما فيه شيء، وأما الإنسان ينضم إليهم ليساعدهم أو يُقَوِّي جانبهم ولو معنويًّا، هذا ما يجوز.
الطالب: إذا لم يكن (...)؟
الشيخ: كلهم (...) قلَّ من يكون عمله لله، أكثر الناس يريدون الدنيا والمال.
طيب، قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٥].
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦].
يُستفاد من هذا: جواز تَكلم المرأة بحضور الأجنبي، انتبهوا إلى هذه الفائدة، هل نوافق على هذا ولَّا لا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، (...)، لا، هو الحال من حاله، لكن بس موسى إلى الآن ما كان نبيًّا ولَّا لا؟ فشريعته لم تكن قائمة.
طالب: (...).
الشيخ: (...)، هذا خبر لأنه بعد ذكر المشركون وغيرهم كلامه.
طالب: نقول: تكلمت بحضرة موسى يعني؟
الشيخ: إي هو الظاهر، الظاهر أنه في حياة موسى، ولهذا قال: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ [القصص: ٢٧] في الحال.
فهذه قد لا نُسلم أن هذا دليل على الجواز؛ لأن شريعة موسى في ذلك الوقت لم تكن قائمة، نعم إن كان شعيب على دِين، وأقول هذا لأننا لا نوافق مَن قال: إن المراد به شعيب النبي، وأقول: إن كان صاحب مدين -أحسن بعدُ من كلمة شعيب- إن كان صاحب مدين على دِين، فنعم يمكن يستفاد من هذا جواز كلام المرأة بحضرة الأجنبي (...)، مع أن هذه المسألة لا إشكال فيها من الناحية الشرعية في شريعتنا: أن المرأة يجوز أن تتكلم بحضور الرجال، النساء (...) الرسول صلى الله عليه وسلم بحضور الرجال، ما لم يُخش أيش؟
طالب: الفتنة.
الشيخ: الفتنة، إن خُشيت الفتنة، فالفتنة ممنوعة حتى في الأمور المباحة.
طالب: هذا يرد عليه أن (...)؟
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: (...).
الشيخ: مثل أيش؟ (...)، مثل أي شيء؟
الطالب: مثل (...) أنه من باب تصدير الدعاء بالربوبية، مثل اللي قاله موسى، بجواز الاقتصار في الدعاء (...).
الشيخ: هذا من فعل موسى، والله سبحانه وتعالى ذكرها على وجه الثناء عليه، ما ذكرها هكذا فقط. ثم هذا أيضًا جاءت به السنة من دليل آخر (...).
كذلك أيضًا يُستفاد من هذه الآية: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص: ٢٦] يمكن يُستفاد أنه مشورة الأدنى للأعلى؛ لقولها: اسْتَأْجِرْهُ؛ لأن الأمر هنا ليس للإلزام، ولكن للمشورة والعرض، فقد يكون الأدنى أعلم من الأعلى في بعض الأمور، ولَّا لا؟ كما أن المفضول قد يكون أفضل من الفاضل في بعض الأمور.
ويُستفاد من الآية الكريمة: الرجوع في الأعمال إلى هذين الوصفين، وهما: القوة والأمانة.
ويستفاد منها أيضًا: أنه ينبغي أن يتحرى الإنسان في جميع أحواله مَن كان قويًّا أمينًا؛ لقولها: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦]. والقوة هنا القوة في العمل بحسَبه، فالقوة على الأعمال البدنية معناها قوة البدن، والقوة في الأمور الفكرية قوة الفكر في هذا الشيء، والقوة في الأمور الحربية نفس الحرب، فكل شيء قوته بحسَبه، وباختلال أحد الوصفين يختل العمل، إذا اختلت القوة وصار الإنسان ضعيفًا ما أمكنه أن يقوم بالعمل ولو كان مِن آمن الناس، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «إِنَّكَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ، فَلَا تَوَلَّيَنَّ إِمَارَةً وَلَا عَلَى مَالِ يَتِيمٍ» ، فقوله: «إِنَّكَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ»، هنا الضعف هو ضد الأمانة ولّا لا؟ أو ضد القوة؟
طالب: ضد القوة.
الشيخ: ضد القوة، الرجل أمين، لكنه ضعيف في تولي الأعمال.
فعليه نقول: إن الإنسان قد تختلط فيه القوة أو الأمانة، والكمال وجود القوة ووجود الأمانة.

***

قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص: ٢٧]
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، قد (...).
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ [القصص: ٢٧]، الآن مدين يتكلم: أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ، هل هذا عقد نكاح ولَّا وعد بعقد نكاح؟
طالب: وعد.
الشيخ: أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَوليس عقدًا، وعلى هذا فلا يكون فيه دليل على جواز العقد على المبهَمة؛ لأنه يقول: أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَومعنى أُنْكِحَكَ: أُزوجك؛ لأن (النكاح) أصله الضم والجمع، فمعنى أُنْكِحَكَ: أزوجك؛ لأن الرجل يضم زوجته إليه ويجتمع إليها.
وقوله: إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ.
قوله: إِحْدَى ابْنَتَيَّهذا مبهم، ما ندري هي الكبرى أو الصغرى، ولهذا يقول: (وهي الكبرى أو الصغرى).
وقوله: ابْنَتَيَّأصلها: (ابنتين لي)، فحُذفت النون من أجل الإضافة. ولهذا نقول: إن ابْنَتَيَّمجرورة بالياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحُذفت النون من أجل الإضافة.
وقوله: هَاتَيْنِاسم إشارة لتعيين البنتين، فهمنا من ذلك أن له بنات أخريات؛ لأن الإشارة تخرج مَن عداهما، أو أن المعنى أن موسى عليه الصلاة والسلام قد لا يعلم أن هاتين البنتين له، قد يقول: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّولا يدري هو مِن بين بناته إلا ليست هنا. وهذا هو الأفضل؛ لأن تعيينهما بالإشارة لئلا يَتوهم المخاطَب بأن له بناتٍ أخرى، نعم، وليس المعنى أنه يعيِّن هاتين ليُخرج بقية البنات. والغريب أن بعض المفسرين قال: إن هذا لإخراج بقية البنات، وأن البنات سبع، وهاتان أخرجهما بالتعيين. فيقال: ليس كذلك، وليس في الآية ما يدل عليه، ولكن لما قال.. الآن لو أقول لشخص: أنا أريد أن أنكحك إحدى ابنتي، وعندي امرأتان، هل يفهم أنهما منهن؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يفهم حتى أقول: هاتين، فيَفهم أن هذه بناتي، فهنا نقول: هَاتَيْنِعلى هذا المعنى.
عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي [القصص: ٢٧]، تَأْجُرَنِييعني: تأجرني نفسك ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص: ٢٧] (تكون أجيرا لي في رعي غنمي ثَمَانِيَ حِجَجٍأي: سنين)، وهي جمع؟
طالب: حِجة.
الشيخ: حِجة، و(فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًاأي رعي عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص: ٢٧] التمام) يعني: وليس بواجب.
أخبره أنه يريد أن يزوجه إحدى ابنتيه، ويكون المهر على أن يرعى الغنم ثماني سنين. فمن أين يُعرف أن المراد رعي الغنم؛ إذ قد يقول له: تأجرني نفسك لأجل تكون بنَّاءً عندي أو حرَّاثًا أو ما أشبه ذلك؟
طالب: من سؤال البنات (...).
الشيخ: إي، مِن سياق القصة: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦]، والقضية كلها العمل الذي أمامه الآن هو رعي الغنم، فعُلم بذلك أنه أراد -أي: صاحب مدين- أن يستأجر موسى صلى الله عليه وسلم لرعي الغنم ثماني سنوات، فإن أتم عشرًا فمن عنده، يعني: السنتان تكونان تبرعًا، والعقد على ثماني سنوات.
قوله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ [القصص: ٢٧] باشتراط العشر)، هذا فيه نظر ظاهر؛ لأن اشتراط العشر لو قبِله موسى فيه مشقة؟
طالب: لا.
الشيخ: ما فيه مشقة، وإلا لقلنا: إن اشتراط الثماني بدل الست فيه مشقة، ولكن وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَفي حال معاملتك في تنفيذ العقد. يعني معناه: أني سأتساهل لو فات يوم ولَّا أيام ما رعيت أو ما أشبه ذلك، أو حصل عليك خطر من مال أو غيره، فإنني لا أشق عليك بهذا، فتكون عدم المشقة في أي شيء؟ في تنفيذ الإجارة، أما في زيادة المدة فليس هذا بمشقة (...)، وإلا لو قلنا: إن الثماني بالنسبة للست تكون مشقة، فالصواب بلا ريب: لا أريد أن أشق عليك حال تنفيذ العمل؛ لأن بعض الناس يقول: عندك مشقة في المعاملة، في حال تنفيذ العقد تجده مثلًا ما يسمح له ليتأخر، وإذا حصل له مرض يُلزِمه أو يقول: عوضني عن هذا اليوم أو أسقط لي من الأجرة أو ما أشبه ذلك.
فهو يقول: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، ولهذا قال: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، فوعده في قوله: سَتَجِدُنِيالآن ولَّا في المستقبل؟
طالب: في المستقبل.
الشيخ: في المستقبل؛ لأن السين هذه تُحَوِّل المضارع إلى المستقبل، وهي -كما مر علينا- تفيد التحقيق والتقريب، ففيها ثلاث فوائد إذا دخلت على المضارع: تحويله إلى مستقبل، وتحقيقه، وتقريبه. فهمتم؟
وقوله: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، من (وجَد يجِد) إذا أدرك الشيء.
ولكنه قال: إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، وهذا يدل على أن صاحب مدين مؤمن؛ لأن كلامه هذا يدل على إيمانه وأنه على ملة.
وقوله: إِنْ شَاءَ اللَّهُتعليق، فهل هو تعليق يُراد به حقيقته؟
يقول المؤلف: إنه (للتبرك)، والذي حمل المؤلفَ على ذلك هو أن قوله: سَتَجِدُنِيوعد منه، والوعد إذا عُلِّق لم يكن مجزومًا به؛ فلهذا قال: (إِنْ شَاءَ اللَّهُللتبرك) لئلا ينافي الوعد.
ولكنه في الحقيقة لا ينبغي أن نحمله على التبرك، بل نحمله على التعليق الحقيقي بالمشيئة؛ لأن عزم الإنسان على الشيء مجزوم به، لكن تنفيذ الشيء ما يستطيع أن يجزم به الإنسان أبدًا مهما كان العمل: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فالذي نرى أن هذا التعليق على حقيقته ليس للتبرك، لماذا؟ لأن تنفيذ هذا الشيء ليس بيد صاحب مدين، أو لا؟ ليس بيده، فإن الأمور قد تُطلق.
وقوله: إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، هذه جملة محلها من الإعراب يسمونها جملة مُعترضة بين الفعل ومفعوله؛ لأن سَتَجِدُنِيتنصب مفعولين؛ المفعول الأول الياء، والمفعول الثاني مِنَ الصَّالِحِينَالجار والمجرور، وهنا جاءت الجملة المعترضة بين الفعل ومفعوليه.
وقوله: (مِنَ الصَّالِحِينَالوافين بالعهد)، نعم؛ لأن صلاح كل شيء بحسبه، فهنا المسألة عقد إجارة، والصلاح فيها يكون بالوفاء، وفي كل موضع بحسبه، الصلاح في الدين هو القيام بطاعة الله، وصلاح الطعام ألا يكون متغيرًا برائحة كريهة أو (...)، فالصلاح في كل موضع بحسبه.
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ [القصص: ٢٨].
(قَالَموسى ذَلِكَالذي قلته بَيْنِي وَبَيْنَكَشوف: ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَفي الحقيقة أن هذا القبول؛ لأنه عندنا كل عقد يحتاج إلى إيجاب وقبول، إيجاب من الباذل وقبول من الآخذ، أو لا؟ إيجاب من الباذل سواء بايع أو مُؤَجِّر أو مزوج أو ما أشبه ذلك، وقبول من الآخذ، الإيجاب من صاحب مدين قوله: أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي، والقبول من موسى: ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، معناه: إني موافق وقابِل.
مع أنه بالأول صاحب مدين يقول: أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ عَلَى، ولَّا قال: (أنكحتك على أن تأجرني)، مما يدل أيضًا على أن العقود تنعقد بما دل عليها؛ لأن الإرادة عن الشيء ليست هي الشيء، إرادة الشيء ليست هي الشيء، ولذلك لو قال الرجل لامرأته: أريد أن أُطَلِّقك أو أبغي أطلقك، صار طلاقًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الإرادة غير الفعل.
لكنَّ هذا يدل على.. القول الراجح في هذه المسألة التي نتعرض لها إن شاء الله في ذكر الفوائد، وهي أن العقود تنعقد بما دل عليها، ما لها صيغة معينة، نعم، حتى إنها ربما تنعقد بالفعل كما في انعقاد البيع بأيش؟ بالمعاطاة.
قال: (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ [القصص: ٢٨] الثمان أو العشر، و(ما) زائدة، أي: رعيه).
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [القصص: ٢٨]، يقول المؤلف: إن (ما) زائدة للتوكيد، وعليه فـ(أيَّ) مفعول مقدم لـقَضَيْتُ، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولا تصح من باب الاشتغال؟ ما تصح؛ لأن باب الاشتغال لا بد أن يكون في العامل ضمير، إذا لم يكن فيه ضمير فالسابق مفعول، تقول مثلًا: (زيدٌ أكرمتُه) هذا من باب الاشتغال؛ لأن فيه ضميرًا، لكن (زيدًا أكرمتُ) بدون ضمير، هذا من باب المفعول المقدم وليس من باب الاشتغال، الذي معنا الآن يناسب (زيدًا أكرمتُ) ولا يناسب (زيدٌ أكرمتُه)؟
طالب: يناسب (زيدًا أكرمتُ).
الشيخ: يناسب (زيدًا أكرمتُ)؛ لأنه قال: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ، ولم يقل: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِقضيتُه، فليست المسألة من باب الاشتغال، لكنها من باب المفعول المقدم.
وقوله: الْأَجَلَيْنِ، يقول المؤلف: (أي رعيه) لأنه نعم، في الحقيقة هذا ما فيه حاجة إلى تقديره؛ لأنه معروف من السياق، فموسى سيقضي الأجلين ولَّا سيقضي الرعي؟
طالب: الرعي.
الشيخ: ويش هو عمله؟
طالب: الرعي.
الشيخ: الرعي، إذن سيقضي الرعي في الأجلين؛ ولهذا قال المؤلف: (أي رعيه).
لكن هذا صائر في اللغة العربية، وكثير أنه يُطلَق الأجل على العمل، نعم، فالمعنى: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [القصص: ٢٨]، يعني: المدتين قضيتها بالرعي. فالصواب أن يبقى (...) على ظاهره، ويقال: إن أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُبالرعي، فيكون (بالرعي) حُذف لأنه معلوم. أما أن نقدر أن المفعول (رعيه)، وإن هذا على سبيل التوسع والمجاز، ففيه نظر.
وقوله: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ، الأجلان عندنا الآن ثماني سنين، وهي واجبة، وعشر، وهي نفلٌ لموسى، ولهذا قال: فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص: ٢٧].
قال: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُبه، أي: فرغت منه).
القضاء بمعنى الفراغ من الشيء، ومنه قوله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [فصلت: ١٢]، أي: أتمهن وانتهى منهن، وهذا هو معناها في اللغة العربية.
وأما في الاصطلاح فإن القضاء ما فُعل بعد فواته، عند الفقهاء: القضاء ما فعل بعد فواته، ولهذا يقولون: الرجل إذا صلى الصلاة بعد الوقت تُسمى قضاءً، والرجل إذا فاته بعد الصلاة مع الإمام وقام يُتَمِّم، يسمونه قضاء، ولهذا يقولون: إنه يقرأ فيه سورة مع الفاتحة ويستفتح ويتعوذ كأنه الآن دخل في صلاة. ولكن الصواب أن القضاء بمعنى الإتمام والانتهاء من الشيء، وتكون مسألة الصلاة يُفسره قول الرسول صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى: «مَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» .
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ. (لا) نافية؟
طالب: لا، ناهية.
الشيخ: ناهية؟! تأمَّل.
الطالب: (...).
الشيخ: ويش تقول؟
طالب: (لا) نافية.
الشيخ: ناهية؟
الطالب: نافية.
الشيخ: أيش يدل أنها نافية؟
الطالب: لأن (لا) (...) الفعل.
الشيخ: إي نعم، (لا) الناهية تختص بالأفعال. وهذه أيضًا (ما) نافية فقط، نافية للجنس، ولهذا بُيِّن اسمها معها، فقال: فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ.
ومعنى العدوان: الظلم والاعتداء، يعني: فإذا قضيت هذه الأشياء فإنه لا عدوانَ عليَّ بذلك؛ لأنني أتممتُ العقد، ومَن أتم العقد فإنه لا اعتداء عليه.
لكن ما الذي تتصورون من العدوان في مثل هذا العقد؟
طالب: (...).
الشيخ: المؤلف يقول: (بطلب الزيادة عليه)، وهذا صحيح، أن يقول له المستأجر: زِد، هذا عدوان. كذلك فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّفي إلزامي بما لا يستطيعه العقل، كما لو طَلَب منه مثلًا أن يرعى الغنم ليلًا ونهارًا. كذلك لا عدوان عليه بمماطلته في الأجرة، نعم، فإذا قضيت الأجل يَتم العقد.
فالمهم أن العدوان لا يختص بطلب الزيادة فقط، بل بكل ما يتصور مما ينافي مطلق العقد.
(وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُأنا وأنت وَكِيلٌ [القصص: ٢٨] حفيظ أو شهيد، فتم العقد بذلك).
قوله: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، وَاللَّهُمبتدأ، ووَكِيلٌخبره، والمراد بالوكالة هنا: الحفظ والشهادة جميعًا، فقوله: (أو شهيد) هذه للتنويع وليست للشك، ولكن الأصح أنها عامة؛ لأن وكالة الله سبحانه وتعالى للشيء معناها: الحفظ والشهادة.
طالب: ما هي حفيظ بمعنى (...)؟
الشيخ: وشهيد (...) طيب، هنا عندي بـ(أو).
وقوله هنا: عَلَى مَا نَقُولُ، تقديمُها على عاملها -وهو وَكِيلٌ- المعروف أنه يفيد الحصر، ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء وكيل، ما هو على ما نقول فقط، ولكنه حُصِر في هذا لزيادة الاهتمام به، وإلا فلا شكَّ أن الله وكيل على كل شيء، ولكن كأنه يقول: لو لم يكن الله شاهدًا على شيء لكان شاهدًا على ما نقول من العقد الذي جرى بيننا.
وفي هذا دليل على أن موسى صلى الله عليه وسلم كان عارفًا بالله وعنده الفطرة، وإن لم يكن قد نُبِّئ الآن؛ لأن قوله: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: ٢٨] هذا اعتراف منه بالله سبحانه وتعالى وبما له من الصفات، بكونه سبحانه وتعالى وكيلًا على كل شيء.
ظاهر الحال أنه ما فيه شهود؟
طالب: نعم.
الشيخ: أو لا؟ لأنه قال: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، يعني ما عندهم شهود يُثبتون هذا العقد، فهل مثلًا يكفي مثله في شرعنا وأن نتفق مع شخص ونكتب: وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ أو شهيد، يكفي ولَّا ما يكفي؟
طالب: ما يكفي.
الشيخ: ما يكفي، ولهذا بعض الناس الآن يحتج عليك ويقول: الله شاهد على هذا. نقول: نعَم، الله شاهد، ونِعْم الشاهد، لكن خله يدلي بشهادته في آية تدل على صدق ما قلتَ، أو لا؟ نحن نقول: نعم الله سبحانه لا شك أنه نِعْم الشاهد؛ لأن شهادته فوق كل شيء: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ [الأنعام: ١٩]، ولكننا نقول: أين الآية من الله سبحانه وتعالى التي تشهد بأنه حصل كذا وكذا؟ دائمًا حينما مثلًا بما أنه يأتينا بعض الزكوات يجينا مثلًا فقير يقول: أنا والله ما عندي شيء، الله شاهد على ذلك أنه ما عندي شيء، ما (...)، يقول: والله شاهد على ذلك، يقول: ما تقبل الله؟ أيش الجواب؟
طالب: بلى.
الشيخ: أقبله، أقبل الله، لكن هات آيةً تدل على أن الله شاهد بذلك، أما مُجرد كلامك فهذا غير موجود، كل واحد يقول: الله الشاهد، نعم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ، فأنت هات مثلًا إذا أنزل الله وحيًا بهذا أو جاءتك آية تدل على صدقك، فنحن نقبل شهادة الله، وهي فوق كل شهادة، أما أنك تقول: إن هذا في ظنك، فهذا ما يصلح.
قال: (فتم العقد بذلك، وأمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، وكانت عصي الأنبياء عنده، فوقع في يدها عصا آدم من آس الجنة، فأخذها موسى بعلم شعيب).
هذه من الإسرائيليات اللي ما تُصدق. هل نأخذ من الآية أن موسى عليه الصلاة والسلام أخذ عصا؟ ما في الآية دليل أنه أخذ عصا ولا شيء، تم العقد بهذا وصار يعمل له.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، شرطية.
الطالب: (...).
الشيخ: هي قَضَيْتُ [القصص: ٢٨] متعد، مفعولها (أي)، مثل قوله تعالى: أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء: ١١٠]، أَيًّا مَا تَدْعُوا، لكن هنا (ما) ما ندري نفي؟ ما ندري.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما قال: مفعول الآن، مفعولها (أي).
طالب: فيه كذلك أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [القصص: ٢٨]؟
الشيخ: ما بعد جاءت الآية: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ [القصص: ٢٩]، ما بعد وصلنا إليها، تجيئنا إن شاء الله.
طالب: (...)؟
الشيخ: بيجينا في الفوائد إن شاء الله. وهل يجوز أنه يشرط المهر من الأب، أو نقول: إن هذا حقيقته عائد على البنت؛ لأنه حصل لها فائدة، وهي أن تسلم من رعي الغنم والتعب فيه.
(...)
الشيخ: ..على الألف منع من ظهورها التعذر.
طيب، يقول: هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة: ٥٢]، ما قال: إلا إحدى الحسنيين. نعم، واضح هذه المسألة ما فيها إشكال.
طيب، قوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ [القصص: ٢٦] (...) تعيين لأي فعل؟
طالب: فعل لقوله: اسْتَأْجِرْهُ [القصص: ٢٦].
الشيخ: اسْتَأْجِرْهُ.
قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ [القصص: ٢٧]، هل هذا عقد أو وعد به؟ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّهل هو عقد أو وعد بالعقد؟
طالب: وعد بالعقد.
الشيخ: وعد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ويش الدليل أنه وعد وليس عقدًا؟
الطالب: ما قال: إني أَنْكَحْتُ إحدى ابنتي.
الشيخ: إني أنكحتك؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: بل قال: أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ، والمُريد للشيء قد يفعله.
الطالب: إي، وقد لا يفعله.
الشيخ: وقد لا يفعله، كذا؟ إذن فليس في الآية أنه عَقَدَ له.
طيب، لكن قوله: ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ [القصص: ٢٨]، ما يدل على العقد؟
الطالب: يدل على القبول.
الشيخ: على أنه قَبِل أن يزوجه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، ما الفائدة من قوله: هَاتَيْنِ [القصص: ٢٧]؟
طالب: (...) فإذا قال مثلًا: هَاتَيْنِ.
الشيخ: تَعَين المراد في الحاضرتين.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لئلا يُظن أن هاتين ما هما من بناته.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، وقوله: ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص: ٢٧]، ما هي الحجج؟
طالب: يعني (...).
الشيخ: حِجَجٍيعني من الحج إلى بيت الله الحرام؟
الطالب: لا، (حِجَّة) يعني سنة.
الشيخ: سنة؟ إذن ثَمَانِيَ حِجَجٍ، يعني ثماني؟
الطالب: سنين.
الشيخ: ثماني سنين.
طيب، قوله: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ [القصص: ٢٧]، بماذا؟
طالب: (...).
الشيخ: إذا قلنا هكذا يمكن أن نقول بعد: إن الثماني بالنسبة للست مشقة.
الطالب: قوله: أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ(...).
الشيخ: إي نعم، أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَفي التنفيذ، وليس المعنى في زيادة السنين؛ لأن هذا ينتقض بأن الثماني بالنسبة للست زيادة، وأيضًا العشر قَبِلَها موسى.
طالب: ما يرد عليه أنه (...).
الشيخ: إي، ما شق عليه، ما دام (...) موسى ما فيه مشقة من الأصل.
قوله: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ [القصص: ٢٧]، هذا التعليق ما المراد به؟
طالب: قد نعلق أن المراد به الإخبار يعني بأنه (...)، لكن الصحيح أنه على ظاهره؛ لأن الإنسان لا يدري هل يتم أمره ولَّا ما يتم.
الشيخ: نعم، إي نعم.
قوله: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [القصص: ٢٨]، أيش إعراب أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ؟ (...) ما المراد بـالْأَجَلَيْنِ؟
طالب: العشر أو الثماني.
الشيخ: العشر أو الثماني، و(ما) في قوله: أَيَّمَانافية ولَّا زائدة؟
الطالب: زائدة للتوكيد.
الشيخ: زائدة للتوكيد، ويكون التقدير: (أيَّ الأجلين)؟
الطالب: قَضَيْتُ.
الشيخ: و(أي) هنا شرطية ولَّا استفهامية؟
الطالب: شرطية.
الشيخ: شرطية.
قوله: عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: ٢٨]، ما المراد بالوكالة هنا؟
طالب: الوكالة: الحفظ.
الشيخ: الحفظ. والشهادة؟
الطالب: والشهادة.
الشيخ: طيب، تقديم المعمول يدل على الحصر: عَلَى مَا نَقُولُ.
الطالب: نعم.
الشيخ: مع أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء وكيل.
الطالب: نعم، يكون أبلغ في الوكالة هنا، ومعلوم أن الله على كل شيء وكيل لكن أبلغ.
الشيخ: أبلغ في المحافظة على العقد.
الطالب: إي.
الشيخ: إي، أبلغ في المحافظة على العقد، كأنه يقول: لو لم يكن الله وكيلًا لكان وكيلًا على ما نقول.
نعم، نرجع الآن إلى الفوائد.
قوله تعالى: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص: ٢٦]، نعم؟
طالب: هل الزواج وقع في أول العقد أو في آخر العقد؟
الشيخ: في أوله.
الطالب: في أول العقد؟
الشيخ: إي نعم.
يُستفاد من الآية الكريمة أولًا: بيان أن مشورة الإنسان على أبيه لا تُعد من التَنَقُّص له؛ لقولها: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ.
ويُستفاد منه: تلطف هذه المرأة في مخاطبة أبيها؛ لقولها: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، ولهذا قالوا: ما ينبغي للإنسان أن ينادي والده باسمه، فيقول مثلًا: يا عبد الرحمن، يا عبد العزيز، وما أشبه ذلك، حتى إن بعضهم يقول: إذا نادى أباه باسمه يُعَزَّر؛ لأنه نوع من الاحتقار له. وأما الخبر عنه باسمه فلا بأس، الخبر عنه باسمه مثل أن يقول: (قال فلان) فلا حرج، ولهذا كثيرًا ما نسمع في الأحاديث ابن عمر يقول: قال عمر، فقال عمر، وما أشبه ذلك، هذا لا بأس به. بخلاف النداء، فالنداء له حال والخبر له حال أخرى.
ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي في القائم على الشيء سواءٌ كان متبرعًا أو بأجرة، المهم كل قائم على عمل ينبغي أن يُراعى فيه هذان الوصفان، وهما القوة والأمانة.
طالب: (...).
الشيخ: إي، ما فيه شك، يمكن يجيء، هذا إن كان ما كتبناه بالأول تكتبوه.
طالب: ذكرنا (...).
الشيخ: إي.
يستفاد من هذا: أنه ينبغي أن يُراعَى في القائم على الشيء هذان الأمران: القوة والأمانة؛ لأن بالقوة القدرة على التنفيذ، وبالأمانة الإتمام والإكمال.
ويُستفاد من الآية الكريمة: أن موسى صلى الله عليه وسلم كان متصفًا بهذين الوصفين: القوة والأمانة؛ لأنا قلنا: إن الجملة هذه تعليل لقولها: اسْتَأْجِرْهُ [القصص: ٢٦].
ثم قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص: ٢٧].
طالب: (...)؟
الشيخ: ما أعرف، لكنه لا ينبغي أن يناديه إلا بوصف الأبوة.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) الذي ينبغي أنه يناديه باسمه، مع أنه أهون من أن ينادى بالاسم، كذلك النداء باللقب فلا بأس به، مثل أن يقول: يا أمير المؤمنين مثلًا، هذا لا بأس به.
طالب: بعضهم يقول: الشايب، جاء الشايب، راح الشايب؟
الشيخ: إي، هذا غلط في الحقيقة؛ لأن هذا نوع من الاحتقار، هو خبر لا بأس، لكن فيه نوع من الاحتقار بوصفه بالشايب.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) هذه، لكن الظاهر أنه عند البادية ما تعتبر عقوقًا.
الطالب: لا ما تعتبر، تعتبر يعني تشريفًا.
الشيخ: عجيب!
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي.
الطالب: يعتبر الشايب يعني...
الشيخ: كبير القوم.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب.
الطالب: أو (...) أبي فلان يعني مثل واحد من أخوالي أبغي أقول له: يا أبا فلان.
الشيخ: هي الكنية اللي جابها، هي اللي سأل عنها، أنا أقول: إن الكنية أهون من الاسم.
طيب، أقول: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص: ٢٧].
يُستفاد من هذه الآية الكريمة: نُصْح هذا الوالد لبناته؛ لأنها لما وصفته بالأمانة والقوة اختاره، وهكذا ينبغي للإنسان أنه يختار لبناته مَن يتصف بالقوة والأمانة.
ويُستفاد من هذا: جواز خِطبة الزوج، يعني أنك أنت تخطب الزوج لبنتك، مع أن العادة العكس، لكن هذا جائز، ويدل له أيضًا أن أمير المؤمنين (...) تعدى على نشاطه من أنه كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها، فلم يشأ أن يتقدم بين يديه، تعرفون، ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم . المهم أن خطبة الإنسان الرجل لابنته، هذا أمر مشروع ومعروف فيما سبق وفي هذه الأمة.
ويستفاد من هذا أيضًا: كرم هذا الرجل، ووجهه أنه خَيَّر موسى، خَيَّره بالبنتين، قال: اختر إحداهما. وهذا من الكرم؛ لأنه في الحقيقة أن التخيير أوسع للإنسان وأطيبُ لنفسه بحيث يختار ما يراه أنسب. لكن لو قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ هذه البنت، فقد يكون الرجل لا رغبة له فيها، أما إِحْدَى ابْنَتَيَّفالتخيير يدل على الكرم، وأنه جعله في سَعَة.
ويستفاد من ذلك: جواز العقد على المبهمة إيجابًا، لا قَبُولًا، يعني معناه أنه يقول: زوجتك إحدى ابنتي، فيقول الزوج: قبلت نكاح فلانة. وهذه المسألة لها ثلاث صور: إما أن يحصُل التعيين بالإيجاب والقبول، فيقول: زوجتك بنتي عائشة، فيقول: قبلت، هذا.
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: لا، ما فيه خلاف، هذا تعيين في الإيجاب وفي القبول، فالإيجاب: الولي قال: زوجتك بنتي عائشة، عَيَّنها، والزوج قال: قبلت زواج هذه المرأة.
وإما أن يكون الإبهام في الإيجاب والقبول، فلا يصح، مثل أن يقول: زوجتك إحدى ابنتيّ، فيقول: قبلت نكاح إحداهما. فهنا لا يجوز، لا ينعقد النكاح؛ لأننا ما ندري أيتهما التي انعقد نكاحها.
وإما أن يكون التعيين في الإيجاب دون القبول، فيقول مثلًا: زوجتك بنتي عائشة، فيقول الزوج: قبلت نكاحَ إحدى بناتك، أيش الحكم؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لا ينعقد.
بقينا في الصورة الرابعة، قلنا: ثلاث صور، والواقع أنها أربع صور.
الصورة الرابعة أن يقول: زوجتك إحدى بناتي، فيقول: قبلت نكاح فلانة، يُسَمِّيها، فهنا الإبهام في الإيجاب، والتعيين في القبول، فهل يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: يَصح.
الشيخ: المذهب: لا يصح؛ لأنه لا بد أن يكون التعيين في الإيجاب والقبول، ولكن الذي يظهر أنه يصح؛ لأنه لما قال: زوجتك إحدى بناتي، فقال: قبلت عائشة، معناه حصل التعيين ولَّا لا؟ حصل، لكن الموجِب اللي هو الولي أراد أن يفسح له المجال في الاختيار، فهذا الظاهر صحة العقد، لا سِيَّمَا إذا قال: زوجتك إحدى بناتي هؤلاء، وعَيَّنَهم، وقال: قبلت عائشة، وهي من المعينات، فهذا أيضًا أقرب إلى الصِّحة؛ لأنه هنا حصل تعيين بأي شيء؟ بالإشارة، ثم عَيَّن واحدةً منهن بالقبول. هل نقول: في القصة هذه دليل على هذه المسألة؟ إِحْدَى ابْنَتَيَّ [القصص: ٢٧]، وموسى على كل حال بيقبل إحداهما، هو قبل (...)، فهل في القصة دليل؟
طالب: لا، ما فيها دليل.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: حصلت قبل أن يكون نبيًّا.
الشيخ: ولأنه لم يعقد، قال: أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ [القصص: ٢٧]، يعني: فتخير، وربما يكون العقد وقع بعد ذلك عقد جديد، وقد تقدم لنا قبل قليل أن الإرادة للشيء غيرُ فعل الشيء.
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة أن الزوج يملك العقد على ابنته بدون رضاها؟
طالب: الأب.
الشيخ: قصدي الأب إي، الأب يملك العقد على ابنته بدون رضاها؟
طالب: نعم يجوز.
الشيخ: اصبر، الآية ما فيها دليل، الآية نفسها ما فيها دليل؛ إذ من الممكن أن يكون الأب قد استأذن منهما قبل ذلك، أو أنه فَهم منهما الرضا لكونها عَرضَتْ عليه ووصفتْه بالقوة والأمانة. وعلى كل تقدير، حتى لو فرضنا احتمال أنه لم يستأذن، فإن شريعتنا وردت بخلاف ذلك: أنه لا يجوز للإنسان أن يُزوِّج ابنته بدون رضاها، وأن العقد إذا زَوَّج ابنته بدون رضاها يعتبر باطِلًا ليس بصحيح.
ويستفاد من الآية الكريمة: جواز اشتراط الأب شيئًا من الصَّداق له، يجوز؟ جائز ولَّا لا؟
طالب: في شرع من يا شيخ؟
الشيخ: لا، نريد: هل يستفاد من الآية أنه يجوز للأب أن يشترط شيئًا من المهر له؟
طالب: (...).
الشيخ: الغنم لمن هي؟
الطالب: للأب.
الشيخ: للأب، ورعيها؟
الطالب: له.
الشيخ: له، وهنا بِيزَوِّجه على أن يأجره ثماني حجج برعي الغنم، فيكون فيه دليل على أنه يجوز أن يَشترِط الأبُ مهر ابنته له. وهذا فيه إشكال بالنسبة لشريعتنا؛ لأن الله يقول: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ [النساء: ٤]، وقال: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة: ٢٣٧]. وهاتان الآيتان تدلان على أن المهر لمن؟ للزوجة، وهي التي تملك التصرف فيه بالعفو والإعطاء، وليس للأب حق في ذلك، وهو الذي دلت عليه السنة أيضًا: أن ما كان من شرط أو حِبَاء قبل العقد فهو للزوجة، وما كان بعده فأحق ما يُكرم عليه المرء ابنته وأخته .
فالمهر الذي قبل العقد كله يجب أن يكون للزوجة، وهذا القول هو الصحيح: أن المهر لمن؟ للزوجة، لا يُشاركها فيه أحد؛ لأنه في مُقَابلة بضعها، فيكون لها، وليس للأب أن يشترط منه لنفسه شيئًا، نعم للأب إذا ملكته الزوجة أن تملك.
طالب: تعطيه.
الشيخ: لا، هي لم تعطه، تعطيه (...) أن يتملك منها؛ لأن الأب له أن يتملك من مال ولده ما لا يحتاجه ولا يضره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، فأما أن يشترط منه شيئًا لنفسه فكَلَّا، فإن الشرع لا يُجيزه، وهو أيضًا سبب للفساد وملاحظة الأب للمهر، يبغي يزوِّج من يشترط له أكثر، وإن لم يكن كفئًا، ويمنع من لا يشترط له، وإن كان كفئًا فالمصلحة والشرع كلاهما يقتضي أنه لا يجوز للأب أن يشترط لنفسه شيئًا من المهر.
طيب والأم والأخ؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، الآن البادية -والعياذ بالله- على خلاف هذا، يَشترِط الأب له شيئًا، والأم شيئًا، والأخ شيئًا، والمُرضعة شيئًا، والكلب شيئًا، والحمار اللي عندهم شيئًا... وهكذا، ويبقى للمرأة ما من المهر مثل ما للحمار والكلب، فهذا ما يجوز، حرام، يجب أن يكون المهر كله لمن؟ للزوجة، ولا لأحدٍ عليه سلطة، إلا الأب فله سلطة عليه، متى؟
طالب: بعدما تملكه.
الشيخ: بعدما تَملِكه، ويدخل في مُلكها، فللأب أن يتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه.
طيب هذه الآية استدل بها بعض العلماء على أنه يجوز للإنسان أن يشترط من مهر ابنته شيئًا، المهرَ كلَّه أو بعضَه. نقول له: لا يصح هذا؛ لأن شرعنا ورد بأيش؟
طالب: بخلافه.
الشيخ: بخلافه، استدل به بعض العلماء أيضًا على أنه يجوز أن يكون المهر منفعة تستحلها الزوجة من زوجها، يعني أن يكون يعمل لها بناء، يبني لها بيتًا، يأتي لها بشيء غائب، والاستدلال واضح ولَّا لا؟
طالب: (...).
الشيخ: لأن رعي الغنم منفعة عنها؛ إذ لو لم يرعها موسى مَن يقوم برعيها؟ هاتان البنتان، فهو في الحقيقة منفعة لها. ثم إن شرعنا ورد بوفاقه، قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي لم يجد عنده شيئًا: «زَوَّجْتُكَهَا» بأيش؟ «بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» ، وهذا منفعة. لكن لو اشترطَت عليه أن يخدمها، أن يكون مهرها خدمتها، مثلًا هذه امرأة عجوز كبيرة خطبها إنسان ما عنده مال أو عنده مال، وقالت: المهر أنك تخدمني، تشيلني مثلًا لأتوضأ، وكذلك أيضًا (...) حذائي وتغسل ثوبي وما أشبه ذلك، يجوز ولَّا لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: فيه خلاف بين أهل العلم، منهم من يقول: إنه لا يجوز؛ لأن مقام الزوج أن يكون أعلى من مقام الزوجة، فإن الزوج سيد كما قال الله تعالى: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: ٢٥]، والزوج رجل، فهو قوَّام على المرأة: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء: ٣٤]، والمرأة أسير عند الزوج، أسيرة: «اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» ، وإذا قلنا: إنه يجوز أن يكون المهر خدمتها انعكست القضية، صار الأعلى هو الأسفل، فلا يجوز. ولكنَّ المذهب جوازُ ذلك، مذهبنا جواز هذا الشيء؛ لأنها منفعة، وكما يجوز أن تتزوجه على أن يبني بيتها ويرعى غنمها، فكذلك أن يقوم بخدمتها، والتعليل هذا لا يمنع، نعم، يكون زوج يخدمها فيما اشترطت عليه، وتخدمه فيما يجب عليها، فتكون خادمة مَخدُومة، كحرف الجر يعمل فيه الفعل وهو يجر الاسم، هو عامل معمول.
طالب: (...)؟
الشيخ: يمكن عندها مال ويترقب أنها تموت قبله ويرثها!
الطالب: نعم (...).
الشيخ: المهم.
الطالب: قد يموت هو قبلها؟
الشيخ: نعم، قد يموت قبلها، لكن حسب الحال، هذا رجل شاب وفقير، وهذه امرأة عجوز كبيرة عندها أموال عظيمة وقال: ربما إنها تموت قبلي فأرثها، ما يخالف أنا أخدمها.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: جواز اشتراط الأب.
الشيخ: وقد يكون أيضًا لغير هذا السبب، قد يكون لرفع حسبه؛ أن هذه امرأة مثلًا من قبيلة مشهورة ويحب أن يرتفع حسبه؛ لأنه عند الناس مثلًا قد يكون عند الناس غير قبيلي، فإذا تزوج هذه المرأة المعروفة بأنها من قبيلة معينة عُلِم بذلك، المهم فيه اعتبار.
الطالب: جواز اشتراط الأب شيئًا من مهر ابنته.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما هو يرد عليه أنه (...)؟
الشيخ: (...) ما هو بصحيح، لأن غنمها الآن إذا تزوجت المرأة (...) لزوجها الرعي تضيع الغنم، المهم الحمد لله أنه في شرعنا يخالف هذا لا يجيزه.
ويستفاد من هذه الآية: أنه يجوز أن يجعل الإنسان العمل عملين؛ عملًا واجبًا وعملًا تبرعًا، يجوز؟ يعني يقول: أبغي أستأجر منك هذه السيارة عشر سنوات، واثنتا عشرة سنة من عندك، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، ما فيه مانع، يقول: أؤجر لك بيتي خمس سنين هذه المدة (...) خمس سنوات، والسنة السادسة تبرُّع: إن شئتُ أعطيتك إياها وإن شئت طَلَّعْتك، فلا بأس به.
ونظيره من بعض الوجوه أن يقول القائل لشخص: خذ هذا الشيء بعه بمئة، وما زاد فلك، فإن هذا جائز بشرط أن يكون عند كل من الطرفين معرفة بالسعر، لئلا ينخدع أحدهما، أخذتم بالكم؟ واحد مثلًَا عنده حاجة يبغي يبيعها، وجاء إلى الدلَّال وقال: خذ هذه الحاجة بعها بمئة وما زاد فهو لك، يجوز؟ نقول: نعم جائز، يبيعها بمئة وعشرين يأخذ عشرين، بمئة وخمسة يأخذ الخمسة، بمئة وعشرة يأخذ العشرة، ولكنه يُشترط في هذا أن يكون لدى كلٍّ من الوكيل والمُوَكِّل علمٌ بالسعر، لئلا ينخدع أحدهما. أفهمتم يا جماعة؟
طالب: أي سعر؟
الشيخ: سعر هذه السلعة، يعرف أنها مثلًا تساوي مئة قد تزيد قليلًا وقد تنقص قليلًا، أما أنه ما يدري، ويش تسوى؟ يقول: بعه بمئة، يقوم يروح ذاك يبيعها بأربع مئة مثلًا، يكون سعرها أربع مئة وهو ما يدري، أو يكون مثلًا يعرف أن سعرها ما تساوي خمسين، والوكيل ما يدري، مَن الذي يغتر هنا؟ الوكيل، وفي المسألة الأولى المُوكِّل (...)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: زين.
الطالب: طيب، لو الوكيل إذا شرط (...)؟
الشيخ: إي معلوم.
الطالب: الإعلال على ظاهره.
الشيخ: المهم أنه إذا صار السعر معروفًا، أنها هي قيمتها من المئة تزيد قليلًا أو تنقص قليلًا ما يخالف، يعرفون هذا، لكن إذا قُدر أن الوكيل ما يدري عن السعر، والمُوكِّل يدري أن ها السلعة ما يمكن تصل إلى المئة، وجاء يبغي (...) ها الرَّجَّال قال: تعال خذ هذه بعها بمئة والزود لك، ذاك ما يدري المسكين يحسب أنها بتجيب أكثر من مئة، فأخذها وتعب في الحراج عليها وباعها، ما بيعت إلا بثمانين أو بتسعين مثلًا، يكون في هذا؟
الطالب: غرر على المُوَكِّل.
الشيخ: على الوكيل.
الطالب: إي، على الوكيل.
الشيخ: على الوكيل. وبالعكس: إذا كان المُوَكِّل ما يعرف ويش القيمة، نعم، وقال له الوكيل: أنا ببيعها لك بمئة واللي يزيد لي. هذا بحسب أنه (...)، فوافق على هذا فإننا نقول: لا يجوز؛ لأن فيه تغريرًا بمن؟ بالمُوَكِّل.
ويستفاد من هذه الآية: حُسن معاملة صاحب مدين من وجهين؛ أولًا: أنه فسح له في الأجل، ويش قال؟ ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص: ٢٧]. وثانيًا: أنه وعده بالتيسير في المعاملة؛ حيث قال: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، فهذان دليلان على أنه كان سمحًا في معاملته.
ويستفاد من قوله: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَأنه لا ينبغي للمرء أن يَعْزِم على فعل الشيء إلا مقرونًا بالمشيئة؛ لقوله: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بل إن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه أن يعزِم على فعل الشيء بدون قرنه بالمشيئة، فقال تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
والقرن بالمشيئة يا جماعة فيه فائدتان:
الفائدة الأولى: تفويض المرء الأمرَ إلى الله، وهذا هو تحقيق التوكل.
والثاني: تيسير الأمر له، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة سليمان: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ» ، فهمتم يا جماعة؟ وترى هذا إذا كان الإنسان يريد أن يُخبِر عن الفعل، أما إذا كان يريد أن يُخبر عن عزيمته على الفعل فلا يلزمه قوله: إن شاء الله، إذا كان يخبر عن العزيمة أنه سأفعل غدًا، يعني هذه نيتي وعزيمتي، فإنه لا يلزمه القرن بالمشيئة، ليش؟ لأن العزيمة حاصلة، فقد شاءها الله، وإذا كانت حاصلة وقد شاءها الله ما حاجة أن يقول: إن شاء الله؛ لأن الله شاءها.
ففرق بين أن يقول الإنسان: سأزورك غدًا، وهو يريد وقوع الفعل، وبين أن يقول: سأزورك غدًا، وهو يريد أن يخبر عما في قلبه من النية والعزيمة. هل ما بينهما فرق؟
بينهما فرق، ففي الأولى لا بد أن يقول: إن شاء الله، وفي الثانية لا يحتاج أن يقول: إن شاء الله، والفرق بينهما أن العزيمة أمر واقع، وأما الفعل فأمر مُسْتَقبَل قد يقع وقد لا يقع.
طالب: لكن ما يُستحب في العزيمة؟
الشيخ: ما أظن، ما يستحب، إلا إذا كان على سبيل التعليم فلا بأس، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» مع أنه محقق، وقال الله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧].
ويستفاد منه، من قوله: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القصص: ٢٧]، يستفاد منه: أن صاحب مدين مؤمن؛ لأن مثل هذه الصيغة ما تأتي إلا من مؤمن ملتزم بالشريعة سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.
ويستفاد منها: أن الصلاح في كل موضع بحَسَبه، ففي العبادة ويش الصلاح في العبادة؟
طالب: الإخلاص والمتابعة.
الشيخ: إي، القيام بما يجب من الإخلاص والمتابعة لله وترك المنهيات وفعل المأمورات، والصلاح في المعاملة: الوفاء بما يقتضيه العقد، هذا الصلاح في المعاملة: الوفاء بما يقتضيه العقد.
هنا سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، أي الأمرين أليق؛ صلاح العبادة ولَّا المعاملة؟
طالب: لا، المعاملة.
الشيخ: المعاملة؛ لأن المسألة جاءت تعقيبًا على عقد.
قال الله تعالى بعده: قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: ٢٨].
يستفاد من هذه الآية: أن العقود ليس لها صيغ معينة، فتنعقد بما دل عليها، العقود تنعقد بما دل عليها، وكذلك الفسوخ، وكذلك الولايات، كل التصرفات من عقود وفسوخ وولايات فإنها تكون تنعقد بما دل عليها، فإنها تصح، ما هو بتنعقد، تصح بما دل عليها، فهمتم؟ ولا يُشترَط لها لفظ معين، ما يُنسب لها لفظ معين، بل تُجرَى على ما يتعارفه الناس بينهم، حتى عقد النكاح؟
طالب: نعم.
الشيخ: حتى عقد النكاح على القول الراجح، ما يُشترط له صيغة معينة، يقول: زوجتك، لو قال: زوجتك، أنكحتك، ملكتك، جوزتك، عقدتُ لك على بنتي، كل هذا يَنعقِد به النكاح، ما دام أن الأمر معروف في عُرف الناس أن هذه الكلمة تدل على هذا العقد، فهمتم؟
الأوقاف، الوقف والسبيل وما أشبه ذلك، مثله؟
طالب: نعم.
الشيخ: تسبيل الإنسان بيته مثلًا مثله، ينعقد بما دل عليه، فإذا كان الأمر مُحتمِلًا لأن يَدُل على العقد أو لا يدل، حينئذٍ نرجع إلى اللفظ اللغوي؛ لأنه إذا لم يكن هناك عُرْف رجعنا إلى الحقيقة اللغوية، كما ذكروا في الأَيمان وغيرها، فإذا كان هذا اللفظ إن قال: والله الناس أحد يريد به هذا وواحد ما يريد، نرجِع إلى مقتضاه في اللغة العربية ما لم يكن بين المتعاقدَين نية مُسبقة بأنهما يريدان هذا العقد، فإذا كان بينهما نية معروفة واتفقا عليها عُمِل بها.
الفقهاء رحمهم الله استثنوا بعض العقود وجعلوا لها صيغًا مُعينة، النكاح قالوا: ما ينعقد إلا بلفظ: زوجتك أو أنكحتك، فلما قيل لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوَّج صَفِيَّةَ وجعل عِتْقَها صَدَاقَها ؛ قال: أعتقتُكِ وجعلتُ عِتقَكِ صَدَاقَكِ، قالوا: هذه المسألة تُستثنَى، فيقال لهم: ما الدليل على الاستثناء؟ بل هذه المسألة تدل على أن النكاح ينعقد بما دل عليه.
منين أخذنا من هذه الآية أن العقود تنعقد بما دل عليها؟
من قوله: ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ [القصص: ٢٨]، ما قال: قبلت النكاح، ولا قال: قبلت الإجارة، ولا شيء، ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ.
ويستفاد من إشارة قوله: بَيْنِي وَبَيْنَكَ: أن العقود عهود في الحقيقة، وهو كذلك؛ لأن كل إنسان يعقد مع شخص فقد التزم ألا يخونه، والتزم أن يفيَ له بمُقتضى هذا العقد، فيكون بذلك عهدًا. في سورة الإسراء يقول الله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٤]، قبل هذه الآية (...) أيش يقول؟
طالب: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: ٣٤].
الشيخ: إي، وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٤]. الولاية على اليتيم نوع من العقد، وجعلها الله تعالى عهدًا، فقال: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن موسى صلى الله عليه وسلم قبِل ما جعله له صاحبُ مدين من اختيار أحد الأجلينِ، حينما قال: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ [القصص: ٢٨]. وبقي العقد مفتوحًا ولَّا معينًا؟ مفتوحًا، يعني: إن أتممت العشر ما تقول لي: روح اطلع عني، ما تعتدي علي بإخراجي من بيتي وطردي عن عملي إن أردت العشر، وإن أوفيتُ بالثمان ما تلومني وتقول: هذا الرجل ما وفى. وهذا معنى قوله: فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ، يعني: لا اعتداء علي، إن أتممتُ ما تقول: اطلع، خلاص كمل الثماني، روح في أمان الله، وإن اقتصرتُ على الثماني ما تقول: هذا الرجل ما وفى وتكلم فيَّ بين الناس فلا تعتد علي. وهذا في الحقيقة يتوجه؛ لأنه ربما يسأل سائل ويقول: كيف يقول: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ؟ كيف يسري عليه عدوان والرجل وفَى بما عاهد عليه؟
نقول: ربما أنه يكون عدوان، بمعنى أنه إذا أراد الإتمام للعشر يقول له: لا (...)، أو أنه إذا اقتصر على التمام يبدأ يتكلم به في المجالس. والمؤلف يقول: (فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّبطلب الزيادة عليه)، وهذا تقدم أنه ما هو بصحيح؛ لأن أصل طلب الزيادة غير وارد.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى حفيظ على كل أحد؛ لقوله: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: ٢٨].
ويستفاد منه: جواز تخصيص العموم لغرض، يعني: جواز تعليق الشيء العام بأمر خاص بغرض.
من أين يؤخذ؟
طالب: عَلَى مَا نَقُولُ.
الشيخ: من قوله: عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ؛ فإن هذا يقتضي تخصيص وكالة الله سبحانه وتعالى بما قالاه فقط. ولكن الأمر ليس كذلك، إنما خُصِّص هذا لغرض العناية به.
هل يستفاد منه جواز إشهاد الله على العقد والاقتصار عليه؟
طالب: لا.
الشيخ: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ؟
طالب: لا يا شيخ (...).
الشيخ: لا، الشهادة لله، نقول: تشهد لله لا لغرض آخر.
هي في الحقيقة شرعًا ما يُكتفى به، لكن باطنًا فيما بينهما وبين الله يُكتفى به، وفائدة ذلك إذا أشهد الله أو جعله الوكيل الحفيظ المراقب، فائدته كأنه يقول: ينتقم الله تعالى ممن نقض العهد، ويكون هذا فيه عُرضة عظيمة للعقوبة عند نقض هذا العقد. لاحظ أنك إذا جعلت الله شاهدًا ثم خنت، فهذه استهانة بالله ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: استهانة بالله، مثل ما لو جعلت واحدًا من المخلوقين شاهدًا ثم خنت، فهذا استهانة بشهادته وتحدٍّ لله.
طالب: الله شاهد لو ما قيل: إنه شاهد.
الشيخ: إي، لكن استشهاده أعظم، وإلا الله شاهد سواء قلنا ولَّا ما قلنا، لكن استشهاده أعظم، والتزام الإنسان بمقتضى هذه الشهادة يكون أعظم، فيكون إذن فيه التوكيد للعقد ولَّا لا؟ إذا قلنا: الله شاهد علينا (...) أن الله سبحانه وتعالى هو الشاهد، إذا وافق هذا يكون أبلغ في التأكيد؛ لأن مخالفته عُرضة للعقوبة، ولهذا قَلَّ من يحلف بالله كاذبًا إلا أُصيب، كل إنسان يحلف بالله كاذبًا في (...) فإنه يصاب في الدنيا قبل الآخرة، في الآخرة إصابته واضحة، وهو أنه يلقى الله وهو عليه غضبان والعياذ بالله، لكن الغالب أنه سبحان الله تُعجل له العقوبة في الدنيا.
والقصص على هذا كثيرة: حدثني إنسان أنه كان بينه وبين شخص في الخَرْج خصومة، فتخاصموا عند القاضي، وأنكر حقه وحلف المُدَّعى عليه، لكنه في اليوم التالي خرَج هو وعائلته إلى الرياض، فحصل عليهم حادث، وماتت العائلة كلها، ما بقي إلا هو، أعوذ بالله، وهذا واضح، عقوبة معجلة والعياذ بالله.
وقد ذكر بعض السلف أن اليمين الغموس تدع الديار بلاقِع، بلاقع يعني: خالية من أهلها، تدمر وتهلك والعياذ بالله.
(...)
وإنما قال المؤلف: (أي رعيه)؛ لأن نفس الأجل -وهو الزمان- ليس بيد موسى، بل الذي بيده هو الرعي، يرعى. لما قضى الرعي في أجله، وقَضَى [القصص: ٢٩] بمعنى: فرغ، قال الله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [فصلت: ١٢]، أي: فرغ منهن.
تفسير الآيات (29-31)
01:22:43

{فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ}
[القصص: ٢٩].
(أل) هذه للعهد، يعني: الأجل الذي بينه وبين صاحب مدين، وقد علمنا أن بينهما أجلين: أجلًا واجبًا وهو ثماني سنوات، وأجلًا تبرعًا من موسى وهو عشر سنوات، فأيما الأجلين قضى؟ أيهما؟ هل هو الواجب أو التبرع؟
يقول المؤلف رحمه الله: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ [القصص: ٢٩] وهو ثمان أو عشر سنين وهو المظنون به).
الضمير في قوله: (وهو المظنون به) يعود على العشر، يعني الذي يُظَن بموسى أنه أتم عشرًا، ولكن الآية محتمِلة، فترجيح العشر بناء على المعلوم من حال موسى صلى الله عليه وسلم من الكرم والوفاء، وترجيح أنه ثمان لأنه هو الواجب عليه، وموسى كان في اشتياق إلى بلاده بمصر، وهو قد قال فيما سبق معتذرًا: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ [القصص: ٢٨]. وهذه جملة قد تشير إلى أنه يريد أن يقتصر على الأجل الواجب، وإلا فمن المعلوم أنه إذا قضى الأجل الأول فإنه لا أحدَ يلومه أو يعتدي عليه، فلكل منهما وجه، وموقفنا نحن من هذه القصة أن نُبهِم ما أبهمه الله سبحانه وتعالى، فنقول: قضى الأجل والله أعلم أيهما قضاه.
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ.
طالب: يا شيخ، المروي عن ابن عباس أن موسى عليه الصلاة والسلام قضى (...)؟
الشيخ: إي نعم، هو مروي عن ابن عباس وأكثر المفسرين( )، لكن ما فيه شيء يرجحه، كل واحد.
الطالب: (...).
الشيخ: لا (...) الصحيح أن تفسير الصحابي ليس له (...) مطلقًا، لا سيما إذا كان من الصحابة ممن عُرف بنقله للإسرائيليات مثل ابن عباس رضي الله عنهما.
قوله: وَسَارَ بِأَهْلِهِ، السير معناه: المشي، سار بأهله من عند صاحب مدين وأهله، يقول: (زوجته بإذن أبيها نحو مصر).
أما قوله: (زوجته)، فهذا صحيح أن الزوجة تسمى أهلًا، وأما قوله: (بإذن أبيها) فهذا لا دليل عليه، ولا يحتاج الزوج إذا أراد أن يسافر بزوجته إلى إذن أبيها. لماذا؟ لأنه إذا تزوج المرأة صارت مُلكًا له، يسير بها حيث شاء، اللهم إلا إذا سار بها إلى أمر لا يجوز شرعًا، فلها أن تمتنع ولأبيها أيضًا أن يمنعها، وإلا فالحق له.
طيب، لو شُرِطَ عليه ألا يُسافر بها؟
طالب: يلزمه.
الشيخ: يلزمه الوفاء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، يلزمه الوفاء، ولكن لو أَذِنتْ وأبى أبوها، وقد شُرِطَ عليه، فهل الحق لها فتسافر، أو لأبيها فلا؟ الحق لها، الحقيقة أن الحق لها؛ لأن هذا يتعلق بها شخصيًّا، وقد ترى أنه من الأفضل لها أن تسافر مع زوجها.
(آنَسَ [القصص: ٢٩]أبصر من بعيد).
آنَسَ، أصل آنَسَمُشتقة من الأنس، وهو زوال الوحشة، ولكنها تأتي بمعنى الإبصار بالشيء؛ لأنك إذا أبصرتَ الشيء وعرفته زال عنك ما تخشاه، فمعنى آنَسَأبصر.
مِنْ جَانِبِ الطُّورِ [القصص: ٢٩] بالضم: جبل، وجانب الشيء أيش معناه؟
طالب: طرفه.
الشيخ: جهته، يعني: من جهة الطُّور، آنَسَ نَارًا [القصص: ٢٩]، وهذه النار ليست نارًا حقيقية، ولكنها نور وتُشبه النار، لما أبصر هذه النار وكان الزمنُ زمنَ شتاء، والظاهر والله أعلم أن الليلة كانت مغيمة، وأن موسى عليه الصلاة السلام عنده نوع من الاشتباه في الطريق كما تدل عليه القصة.
آنس نارًا فـ(قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا [القصص: ٢٩] هنا).
لِأَهْلِهِ امْكُثُوا، كان رأي المؤلف قبل قليل أن المراد بأهله الزوجة، وهنا قال: لِأَهْلِهِ امْكُثُوا، وامكثوا خطاب لجماعة ولَّا لواحدة؟
طالب: لجماعة.
الشيخ: لأنه لو كان لواحدة لقال: امكثي، فهو لجماعة. فما هو المخرج من هذا الإشكال إذا قلنا بأن الأهل هي الزوجة فقط؟
قال بعض المفسرين: إنه اصطحب معه خادمًا، وقال بعضهم أيضًا: إنه وُلد له منها، بناءً على أنه سُلِّمت له من أول العقد وبقيت معه كم؟ ثماني أو عشر سنين فولَدتْ، فعلى هذا يكون الخطاب امْكُثُوالجماعة مطابقًا للواقع، نعم؛ لأن معه زوجة وخادمًا وولدًا، ولَّا لا؟ لأنهم جماعة، وهذا ليس ببعيد؛ إذ إنه جرت العادة أن الإنسان إذا سافر -لا سِيَّما في مثل هذه الحال- أن يصطحب معه من يخدمه.
وقوله: (امْكُثُواهُنَا)، منين نأخذ إنها (هنا) يعني في المكان؟