تفسير سورة القصص - 9
عدد الزيارات 3561

عناصر المادة :
تفسير الآية (55)
تفسير الآية (56)
تفسير الآيتين (57-58)
تفسير الآية (64-66)

الشيخ: في هذا النهي، قال: هذا النفي نفي للحق، يعني للمعبود الحق، فإنه لا إله إلا الله بحسبه.

............................ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً وَمِـــنْ إِسَاءَةِ أَهْــلِ السُّــوءِ إِحْـــسَـانَا
فَلَيْــــــتَ لِي بِهِمُ قَــــــــــوْمًا إِذَا رَكِبُــــوا شَنُّــــوا الإِغَــــــــــــارَةَ فُرْسَــــــــانًا وَرُكْـــبَانَا

الآن (...)؟
طالب: بلى.
الشيخ: (...) (يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة).
طالب: (...).
الشيخ: للعجز، فهنا درءُ السيئة بالحسنة ممدوح إذا كان على سبيل العِز، أما إذا كان على سبيل الضعف فهذا ما هو ممدوح، لو واحد جاءه قاطع طريق وقال: يللا أعطني ثيابك. قال: أعطيك ثيابي والعصا اللي معي على البعير! ويش يصير هذا؟ أو لما قال: يللا أعطني رحل البعير، قال: اصبر اصبر، هلا أكفيك، خلني أفكه لك لأجل ما تتعب وأحمله على بعيرك، هذا طيب ولَّا لا؟
طالب: لا، ما هو طيب.
الشيخ: هذا ما هو طيب، هذا ضعف، ولهذا قال الرسول لما سأله الرجل عن إنسان يأتي ليأخذَ مالك قال: «لَا تُعْطِهِ»، قال: أرأيت إن قاتلني، قال: «قَاتِلْهُ» . المهم أننا نقول: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ(منهم) الصواب أن نجعلها أعم، فـوَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [القصص: ٥٤] منهم في معاملتهم مع الله، ومن غيرهم في معاملتهم مع مَن؟ مع الخلق.
قال: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [القصص: ٥٤] يتصدقون)، ويُهدون أيضًا، ما هم لازم يتصدقون؛ لأن الهدية قد تكون محمودة إذا كان الغرض منها جلب المودة: «تَهَادُوا تَحَابُّوا»، «تَهَادَوْا» أو «تَهَادُوا»؟
طالب: «تَهَادُوا».
طالب: «تَهَادَوْا».
الشيخ: طيب، تهادَى الرجلان يتهادَيان؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: فإذن «تَهَادَوْا تحابُّوا» .
طيب، الشاهد أن قوله: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ [القصص: ٥٤]، رَزَقْنَاهُمْبمعنى: أعطيناهم، فالرِّزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨]، أي: أعطوهم، فالرزق: العطاء.
وقوله: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ، (مِن) هنا هل هي لبيان الجنس أو للتبعيض؟
طالب: (...).
الشيخ: الأَوْلَى أن نجعلها لبيان الجنس؛ لأنه في بعض الأحيان يكون إنفاق المال كلِّه من الأمور المحمودة، فقد حث النبيُّ عليه الصلاة والسلام ذات يوم على الصدقة، فقال عمر: الآن أسبق أبا بكر. فأتى بنصف ماله، ولكن أبا بكر أتى؟
طالب: بماله كله.
الشيخ: بمالِه كله ، فالإنفاق إذا جعلنا (مِن) لبيان الجنس فهو أوْلَى، أيش (...) يشمل؟
طالب: بذل المال كله.
الشيخ: يشمل بذل المال كله أو بعضه، يعني قد يكون من الخير بذله كله، وقد يكون من الخير بذل بعضه، حسب الحال الذي أُنفِق فيها. فـ(مِن) الأوْلَى أن نجعلها لبيان الجنس.
وقوله: يُنْفِقُونَ [القصص: ٥٤]، الإنفاق بمعنى البذل، لا بمعنى الصدقة، لكن الذي أوجَب للمؤلف أن يخصَّه بالصدقة؛ لأن المقام مقام ثناء، ولكن الأولى أن نجعلَه على عمومه، ونجعل يُنْفِقُونَأي: يبذلون ويُعطُون؛ لأنه قد يكون البذل تصدقًا خيرًا، وقد يكون البذل توددًا خيرًا أيضًا، قد يكون أفضل من الصدقة في بعض الأحيان، وعلى هذا فنقول الأَوْلى أن يجعل الإنفاق في معنى الإعطاء والبذل، سواء كان صدقة أو كان هدية أو كان هبة، وتعرفون الفرق بين الأمور الثلاثة، ويش الفرق بين الهبة والهدية والصدقة؟
طالب: الهدية (...).
الشيخ: إي، والصدقة تتصدق عليه.
الطالب: الصدقة يتصدق على...
الشيخ: على إنسان.
الطالب: على (...).
الشيخ: إي.
الطالب: الهدية.
الشيخ: والهبة؟
الطالب: (...).
الشيخ: والهبة؟ من يعرف الفرق بينها، بين الثلاثة؟
طالب: الهدية هي إعطاء المساوي أو الأخ للإنسان بقصد التودد والتقرب، والصدقة إعطاء الأدنى بقصد الإنفاق.
الشيخ: إي.
الطالب: وأما...
الشيخ: الهبة.
الطالب: الهبة إعطاء المساوي، يعني ما هو بالدون بقصد الإعطاء.
الشيخ: لا، الفرق بينهما: الصدقة ما أُرِيد بها وجه الله، يتقرب بها إلى الله، ما يهمه تقرب إليها بمعطى أم لا. والهدية ما قُصِد به التودد للمعطى، يعني يريد أن يتقرب إلى المُعطى ويتقرب منه المعطى. والهِبة ما قُصِد به وجه الموهوب فقط، ما قُصِد به أنه يتقرب إلى هذا الموهوب له ولا أن يتقرب إلى الله بذلك، قَصَد به نفعه، فهذه تُسمى هبة. وكلها محمودة في الواقع، لكن هل بعضها أفضل من بعض؟ هذا على حسب الحال.
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [القصص: ٥٤] إلى آخره.
طالب: الترجيح في مذهب البصريين في التجوز بالفعل؟
الشيخ: لأنه يتضمن معنيين؛ معنى (...) الفعل موجود، ومعنى (...)، وذاك ما يتضمن إلا معنى واحدًا فقط، وهو تحويل معنى الحرف إلى المعنى الجديد.
الطالب: شيخ، ألا يكفي هذا (...)؟
الشيخ: لا، زيادة معنى ما فيه شك أنه أولى، زيادة معنى فائدة.
الطالب: عندنا فعل واحد.
الشيخ: ما يخالف، فعل واحد يُشرَب معنى الفعل الثاني الذي يتعدى بهذا الحرف الموجود، (...) إذا صارت الجملة تدل على معنيين أكمل من أن تدل على معنى واحد.
الطالب: في مثل: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا [الإنسان: ٦]، ما عندنا الرواء، نقول: الشرب فقط.
الشيخ: إي، لكن أصله الشرب قد يكون شربًا لا يروى به العبد.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وقد يكون شربًا يروى به.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أهل النار يشربون من الحميم شُربَ الهِيم ولا يروون، ويش الفائدة من الشرب؟ لكن هؤلاء يشربون من هذه العين ويروون بها، فتضمنت الآن معنى الشرب ومعنى الرِّي. ومنين فهمنا معنى الرِّي؟ مِن تعدي هذا الفعل بالحرف الذي يُنَاسِب الرِّي.
الطالب: ألا يحسن أنه يتعدى الفعل (...)؟
الشيخ: ويش؟ هذا أنسب ما يكون؛ لأن الشرب يناسبه الرِّي، ما يناسبه الشِّبَع مثلًا، ما يمكن أن تقول: يَشْرَبُ بِهَايعني: يشبع بها، ما يناسب.
الطالب: يرِد عليه أنه ما يتعين، كنا ذكرنا...
الشيخ: لا، يرد عليه أنه يتعين من المقام، ولا بد يُقدَّر فعل يناسب الفعل الثاني، مِثل أن يكون سببًا له أو متفرعًا عنه وما أشبه ذلك (...) المهم أن التضمين يُفيد معنيين، والتضمين بالحرف يفيد معنًى واحدًا.
طالب: فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [الواقعة: ٥٥] أيش تعني؟
الشيخ: الْهِيمِالإبل العطاش.
الطالب: ما (...)؟
الشيخ: إلا، هو الماء.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، الهيام نوعان: هيام على الأكل، وهيام على الشرب.
الطالب: الهيام يروى؟
الشيخ: إلا، يروى أو لم يرو، (...) اللي يشرب ولا يروى ويش؟ سليم ولَّا مريض؟ اللي يشرب ولا يَروى سليم ولَّا مريض؟
الطالب: لا، مريض.
الشيخ: هذه، نعم.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، (...) القرآن الكريم، وفيه بعض العامة يستنكر من بعض السائلين اللي يسأل: ارزقني ريالًا، يقول: هذا مشرك والعياذ بالله!! نعم، (...)، الرزق بمعنى العطاء. (...)

***

يستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لم يُخلِ الأرض من الوحي؛ لأن التوصيل معناه وَصْل الآخِر بالثاني.
ويُستفاد منه: أن الوحي مشتمِل على غاية البيان؛ لأننا قلنا: إن (وَصَّل) مُضَمَّن معنى: بَيَّن.
ويستفاد منه: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بإيصال القول إليهم وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ [القصص: ٥١].
ويستفاد منه أيضًا، يستفاد منها: أن الحكمة من الوحي هو التذكُّر والاتعاظ؛ لقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: ٥١].
ويستفاد منه: إثبات العِلَّة في أحكام الله الكونية والشرعية، وأنه ما يفعل شيئًا ولا يشرعه إلا لحكمة.
قلنا: يستفاد منه: تعليل أفعال الله وأحكام الله الكونية والشرعية، والذي خالف في ذلك؟
طالب: الأشاعرة.
الشيخ: وغيرهم؟ الجهمية هم الأصل، قالوا: أفعال الله ما هي تُعَلَّل، وأحكامه لا تعلل.
ثم قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [القصص: ٥٢].
يستفاد من هذا، أولًا: أن اليهود والنصارى فيهم مَن آمَن بالقرآن؛ لقوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ.
ويستفاد منه أيضًا: أن حُكْم الفرد قد يتناول جنسَه، أيش معنى هذا؟ معناه: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ، لو نظرنا إليها وجدنا أنها عامة تشمل كُلَّ الذين أوتوا الكتاب. وهل هي عامة؟ هل كلُّ الذين أوتوا الكتاب من قبل آمنوا بالقرآن؟ أبدًا، فيه نصارى بقوا على نصرانيتهم وفيه يهود بقوا على يهوديتهم، ولكن مِن هؤلاء مَن آمَن، يكون معنى ذلك أننا أعطينا الجنس حكم الفرد، أو ما فهمتم هذا؟ يعني كأنه يقال: إيمان عبد الله بن سلام وإيمان النجاشي مثلًا، ما هو (...) أن هذا اسمه عبد الله بن سلام، وهذا اسمه النجاشي، لكن لأنهم أُوتُوا الكتاب، فهُم آمَنوا لا لأسمائهم، ولكن لِمَا علموا من كتبهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيُبْعث، وهذا يقتضي أن يكون كل هذا الجنس، يجب أن يكون مُؤْمنًا وإن لم يؤمنوا كلهم.
والمهم أنه يستفاد من هذه الآية: إعطاء الجنس حكمَ الفرد، ما دام أن هذا الحكم سببُه يشمَل جميع الجنس. مثلًا: ما سبب إيمان عبد الله بن سلام؟ عِلْمُه بما في التوراة مِن صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا العِلم يختَصُّ به ولَّا يشمل جميع اليهود؟ يشمل جميع اليهود، إذن فهنا أعطينا الجنس حكم الفرد؛ للعلة التي تشمله وغيرَه، وإلا قد يقول قائل: ما نرى أن الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، ما كلهم آمنوا، لكن نقول: ما آمن إلا بعضهم، لكن هذا الإيمان مِن بعضهم حمَلَه عليه العِلَّة الشاملة لجميع الجنس.
فنستفيد من هذا: أننا نُعطي الجنس حكمَ الفرد إذا كان علة هذا الحكم شاملةً للجميع، إذا كانت علة هذا الحكم شاملةً للجميع فإنه يُعطَى الجنس حكم الفرد.
يستفاد من هذه الآية أيضًا: الثناء البالغ على الذين آمنوا بالقرآن وبالكتب السابقة؛ لقوله: هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ.
ويستفاد منه: أن صفةَ النبي صلى الله عليه وسلم موجودة فيما سبق مِن الكتب: التوراة والإنجيل، وهذا صريح في آية الأعراف في قوله: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ...إلى آخره [الأعراف: ١٥٧].
ثم قال: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص: ٥٣].
يُستفاد من هذا أيضًا، من هذه الآية: زيادة الثناء على هؤلاء بأنهم يُؤمنون بكل ما يُتلى عليهم، ما هم ما آمنوا بالقرآن جملة فقط، ولكن جملةً وتفصيلًا، وأخذنا ذلك من قوله: وَإِذَا يُتْلَى، ويُتْلَىفعل مضارع يدل على الحدوث والاستمرار، نعم، يدل على التجدد والحدوث، وأن هذا شأنُهم كلما تُلِي عليهم.
ويستفاد مِنه أيضًا، مِن الآيات الكريمة: أنهم آمنوا لا لِمُجرد الهوى، ولكن آمنوا إيمانًا مبنيًّا على اقتناع. منين يؤخذ؟ من قولهم: آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا، ما آمنوا هكذا تبعًا للناس، ولكن آمنوا عن اقتناع: إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا.
ويستفاد منه أيضًا: بأن القرآن مِن عند الله؛ لقوله: مِنْ رَبِّنَا.
ويستفاد منها: كمالُ عقلِ هؤلاء الذين آمنوا، حيثُ عبروا هنا بالربوبية: مِنْ رَبِّنَادون الألوهية؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فإن الرب له حُكم، يحكم بما يشاء كونًا وشرعًا.
ويستفاد من هذا أيضًا: أن هؤلاء كانوا مؤمنين مسلمين منقادين للكتب السابقة؛ لقوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ.
ويستفاد منه: جواز ثناء المرء على نفسه بالصفات المحمودة، بشرط أن يكون في ذلك مصلحة، وألا يكون فيه افتخار وعُلو على الغير؛ لقوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ، وهذا أمر واقع من الرسول صلى الله عليه وسلم ومِن الصحابة ومن أهل العلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«أَنَا النَّبِيُّ لَا كَــــــذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»

وقال ابن مسعود: لو أعلم أن أحدًا تبلغه الإبل أعلمُ بكتاب الله مني لذهبتُ إليه ، فهذا ثناء على نفسه، لكن لمصلحة. والعلماء دائمًا إذا كتبوا في كتاب يُثنون عليه بما يقتضي هذا الكتاب مِن أوصاف الثناء، ومعلومٌ أن الثناء على الكتاب ثناء على مصنِّفه، لو أنك أثنيت على هذا البناء وقلتَ: ما شاء الله هذا بناء جيد ومحكم وجميل، من أثنيتَ عليه في الواقع؟ أثنيتَ على الباني، إي نعم، على الباني. فهذه المسألة يجوز للإنسان أن يُثنِي على نفسه بصفات الحمد، بشرط ألا يُريد بذلك الافتخار على غيره، والشرط الثاني أيضًا: أن يكون في ذلك مصلحة. أما الشرط الأول فوجهُه ظاهر؛ لأنه إذا قَصد بذلك الافتخار والعلو على الناس فهذا قصد محرم، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ» .
وكذلك أيضًا اشتراط أن يكون فيه مصلحة؛ لأنه إذا لم يكن فيه مصلحة كان لغوًا من القول على أقل ما نقول فيه، كان لغوًا من القول؛ لأنه ليش الإنسان يمدح نفسه بدون مصلحة؟ إلا أنه لولا أنه يريد أن يُبرِز صفاته لِيفتخرَ بها على غيره ما فعل ذلك، حتى لو قال: أنا ما أريد الفخر، نقول: إذن لماذا؟ نعم.

***

قال الله تعالى: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [القصص: ٥٤].
طالب: (...)؟
الشيخ: مصلحتُهم أنّه يحثهم على الأخذ منه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لكن، طيب، إذا بينا أنه يحفظ كذا وكذا، فأنا مثلًا قد تكون هذه الأشياء ليست عندي فأحرِص عليها، أو أعرف مثلًا أنه أحفظ مني فأرجع إليه في المسائل. المهم ما يُعتقد بأهل العلم -لا سِيَّما المشهورون بالفضل- أنه يريد بس مجرد إظهار صفاتهم الحميدة، فهذا معنى ليس بسليم أبدًا، لكن هم يقصِدون مصلحة، والمصلحة هذه تختلف باختلاف الأحوال.
الطالب: يعني يا شيخ ما نقول: إن الأصل (...)؟
الشيخ: لا، نقول: الأصل أن هذا لغو من القول؛ إذ لا فائدة منه، والرسول يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ، فما دام ما فيها خير... ثم إنها تؤدي إلى مفسدة؛ لأنه إذا فرضنا أن هذا الرجل مئة بالمئة ما قصده الافتخار، لكن يفتح بابًا لغيره، يفتح بابًا لآخرين، يفتخِرون بذلك.
وقوله تعالى: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [القصص: ٥٤].
يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين مِن أهل الكتاب لهم أجران؛ الأجر الأول: الإيمان بكتابهم، والثاني: الإيمان بالقرآن.
ومن فوائدها: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، حيث لم يُضيِّع أجرهم الأول بالأجر الثاني، ولا الأجر الثاني بالأجر الأول.
يستفاد من ذلك أيضًا: أن الثواب على قدر العمل، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]، هؤلاء كان ثوابهم مرتين؛ لأنهم عمِلوا كم؟
طالب: مرتين.
الشيخ: مرتين.
ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب والعلل؛ لقوله: بِمَا صَبَرُوا.
ومن فوائدها: فضيلة الصبر، ما دام أن الصبرَ سبب للأجر، فلا شك أنه صفة حميدة وفاضلة، نعم، وأظن أننا في التفسير ذكرنا أن الصبر ينقسم إلى ثلاثةِ أقسام:
طالب: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
الشيخ: المؤلمة، وأن أفضلها أولها، ثم الثاني، ثم الثالث.
ويستفاد منها أيضًا: أن الحسنات يذهبن السيئات؛ لقوله: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ.
ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي مقابلة المسيء بالإحسان؛ لأن الآية كما قُلنا عامة لدرئهم سيئاتهم بحسناتهم، ودرئهم سيئات غيرهم بالإحسان إليهم، وأتينا لذلك بشاهد من القرآن. ولكن هذا الدرْء ثقيل على المرء، درءُ سيئات الغير بالإحسان إليه هذا ثقيل على المرء جدًّا، ولهذا قال الله تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٥]، أكثرُ الناس يقول: والله لأكِيلَنَّ له الصاع بالصاعين، والصفعة بالصفعتين، لكن الأمر ليس كذلك: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُأيش النتيجة؟ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤]، وشوف أتى بـ(إذا) الفجائية؛ للدلالة على أنَّ هذا الأمر يتحول بسرعة، هذا العدو يتحول بسرعة يكون كأنه ولي حميم، يعني: صديق قريب لك.
إذن نقول: إنه يستفاد منه أيش؟ أن الحسنات يذهبن السيئات، وأنه ينبغي مقابلة الإساءة بالإحسان، إلا أننا ذكرنا أن هذا ينبغي ألا يكون مظهر عجز في المرء، فإن كان مظهر عجز في المرء فلا ينبغي؛ لأن الله يقول: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤١].
طالب: ولو كان فاسقًا؟
الشيخ: إي نعم، ولو كان فاسقًا، هذا بالنسبة لحقك الخاص.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أما بالنسبة لحق الله لا، فيعامل بما يقتضيه الشرع.
طالب: (...)؟
الشيخ: بالنسبة لـ(...): إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤].
الطالب: (...)؟
الشيخ: نعم ربما تُذْهِب السيئات الحسنات بالمقابلة، بطريق المقابلة؛ لأن الحسنات والسيئات تُوزَن يوم القيامة، فإذا رَجَح أحدهما صار الحكم له.
ويستفاد من هذه الآية أيضًا: فضيلة الإنفاق من رزق الله؛ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ.
ويستفاد منها أيضًا: أن المنفِق لم يُنفِق مِما صنعه أو اكتسبه بنفسه، ولكنه ينفِق منين؟ مِن رزق الله، فالله هو الذي رزقك، وهو الذي أمرك، فأنت في الحقيقة خادم عبد متصرِّف حسبَ أمر سيدك، قال لك: اكتسِب فاكتسبتَ، قال لك: أنفِق فأنفقْتَ.
طيب، قوله: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [القصص: ٥٤]، كيف نجمع بين ما هنا وبين قولِه في وصفِ عباد الرحمن: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: ٦٧]، وبين قولِه: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩]؟
نقول: نَجمَع بينهما بأنّ غالبَ أحوال الناس ألا ينفقوا جميع أموالهم؛ لأن إنفاق جميع المال قد يكون مضرًّا به، لكن في بعض الأحيان يكون إنفاق جميع المال محمودًا، فلهذا قال: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَفلا تنفق، وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِفتنفِق كل ما عندك، لكن النصوص الأخرى تدل على أن المسألة مبنية على أي شيء؟ على تغيُّر الحكم بتغيِّر الأحوال، فقد يكون مثلًا الأفضل إنفاق جميع المال، وقد يكون مِن الأفضل إبقاء بعضه.
ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا قوله: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَأنَّ الإنفاق مِن رزق الله تبارك وتعالى محمود، والرزق كما عرَفنا في باب العقيدة، الرزق: ما يَنفع من حلال وضدِّه، يقول (...) والرزق ما ينفع من حلال وضدِّه، وهو ويش ضدُّه؟ الحرام، فهل يُحمد الإنسان إذا أنفق مِن حرام؟ لا؛ لأنه ما يُثاب عليه، والواجب عليه أنه يرد الشيء ويتخلص منه، هذا الواجب عليه، لكن المراد هنا الرزق الذي يُحمد على الإنفاق منه إذا كان زرقًا حلالًا، أما مَن اكتسب شيئًا حرامًا فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه إن أنفقه لم يُبَارك له فيه، وإن تصدق به لم يُقبَل منه، وإن خَلَّفه كان زاده إلى النار، وهذا يدل على أن الإنفاق من المحرم لا ينفع المرء، لكن ينفعه متى؟ إذا أنفقه يريد التخلص منه فإنه ينفعه بمعنى أنه لا يلحقه شيء من جَرَّائِه وينفعه؛ لأن إنفاقه للتخلص منه توبة، والتوبة تنفع العبد، فمثلًا: إذا كان الإنسان عنده مئة ألف درهم اكتسبها من حرام وأنفقها للتخلص منها، هل يُعطى أجر مَن تصدق بها؟ لا، لكن يُعطى أجرًا على التوبةِ من هذا الذنب الذي فعله، وأما ما (...)، لكن لو أنه اكتسبها من حلال وأنفقها، أُعْطِيَ الأجر بقدره، وعلى حسب المضاعفة التي جاء بها النص.

***

قال الله تبارك تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ [القصص: ٥٥].
طالب: (...)؟
الشيخ: إذا كان... ما يفيد الإنسان؛ لأن العاجز ترك الشيء لعجزه عنه، فما هو مقام (...)، ولهذا قال الله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء: ١٤٩]، فمدح نفسه بأنه عافٍ مع القدرة، أما من عفا لعجزِه، ويش الفائدة؟ واحد مثلًا يضربه جندي وهو ما يقابل الجندي، يقول: (...) جزاك الله خيرًا، الله يحسن إليك. نعم، فنقول: هذا عاجز، لكن لو يضربه واحد من (...) ويش يسوي له؟ يمكن يعطيه عن الصاع صاعين.
تفسير الآية (55)
00:32:39

قال: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: ٥٥].
وَإِذَا سَمِعُوا، يجب أن نعرف الفرق بين (سمِع) و(استَمع)، فالسامِع هو الذي أدرك الصوت بدون قصد، والمستمِع: هو الذي أدركه بقصْد، أدرك الصوت بقَصْد. ولهذا نقول: يُسَن سجود التلاوة لمن؟ للمستمع دون السامع.
فهنا قال: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ، دل على أن هؤلاء القول ليسوا يستمعون إليه، ولكن يسمعونَه، فقوله تعالى: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان: ٧٢]، مَرُّوابه، ما يقفون عنده، لكن إذا مَرُّوابه.
فهؤلاء أيضا: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ، يقول المؤلف: (الشتم والأذى من الكفار)، أيضًا هذا تخصيص لِما هو أعم، فإن اللغو يشمل ما قاله المؤلف: (الشتم والأذى)، ويشمل أيضًا كلَّ كلام لا خيرَ فيه، سواء كان فيه شر أم لم يكن فإنه مِن اللغو. فهؤلاء في غاية ما يكون من الجد وحفظ الوقت، لا يستمعون إلى كلام لغو، والله تبارك وتعالى مدح الذين لا يستمعون اللغو، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ» ويش بعده؟
طلبة: «فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
الشيخ: «فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ، «فَلْيَقُلْ خَيْرًا»، والمقابل للخير ويش بعد؟ الشر، ويش بعد؟ وما لا خير فيه ولا شر وهو اللغو.
فالأصح أنه يشمل وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَيشمل كلَّ كلام لا خير فيه، سواءٌ كان فيه أذية وشر أم لم يكن.
وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: ٥٥]، أَعْرَضُوا عَنْهُبأبدانِهم؟ أو بأبدانهم وقلوبهم؟ أو بقلوبِهم فقط؟ الأصل القلوب، لكن قد تشمل الأبدان أيضًا، بحيث إذا سمعوا كلامًا لا خير فيه قاموا وتركوا المكان، ولو كان غير حرام. أما إعراض البدن مع إحضار القلب، فهذا ينفع؟ ما ينفع.
فالمقام هنا أربعة أنواع، المقام عند اللغو أربعة أنواع:
تارَةً يُقبِل عليه بجسمِه وقلبه، فحينئذ يكون مشاركًا لأهله.
وتارة يُعرِض عنه بجسمه وقلبه، بحيث ما يستمع إليه ويقوم.
وتارة يعرض بقلبه دون جسمه.
وتارة يعرض بجسمه دون قلبه.
والتركيز هنا على أي شيء؟ الإعراض بالقلب.
أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [القصص: ٥٥]، كأنه يقول: إذا قيل لهم: ليش تقومون؟ لِماذا لا ترُدُّون؟ لماذا لا تنصَاعون لأذاهم؟ يقولون: لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ، فنحن لا نُسأل عما تعملون، وأنتم لا تُسألون عما نعمَل، ولا نوافقكم على هذا العمل. وليس يعني ذلك أنهم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر؛ لأن الكلام هنا عن اللغو، وهو الكلام المنافي للخير، أما المنكر فإنهم لا شك أنهم ينهون عنه ويأمرون بالمعروف.
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ [القصص: ٥٥]، يسلِّمون عليهم سلام تحية ولَّا سلام غير تحية؟
المؤلف يقول: (سلام متاركة، أي: سَلِمْتُم مِنَّا مِن الشتم وغيره)، وليس يسلمون سلام تحية، فهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا وقاموا وقالوا لهؤلاء: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، يعني: سَلَامٌ عَلَيْكُمْمِنَّا، ما هو مِن الله، سَلَامٌ عَلَيْكُمْمِنَّا فأنتم سالمون، لا نقابِلُكم بِما تفعلون بنا. وهذا من المؤلف بناء على أن المراد بقوله: اللَّغْوَيعني الأذى والشتم من الكفار.
أما إذا قلنا بالعموم، فإنه يحتمِل أن يكون المراد بالسلام هنا سلامًا من الله، أي: سلام تحية؛ لأنه يُشرع لِمن قام مِن مجلس أن يُسَلم، ويحتمل أن يكون سلام متاركة، وإن شئنا جعلناه موزعًا، فقلنا: إن قلنا باللغو: إنه الشتم والأذى، فالسلام هنا سلام متاركة، بمعنى أنكم أنتم سالمون منا ونحن سالمون منكم، وإذا قلنا: إن المراد باللغو الكلام الذي لا خير فيه، وإن لم يكُن سبًّا ولا شتمًا فهو سلام تحية؛ لأن هؤلاء لم يُسِيئوا إلى المعرضين حتى يقولوا لهم: سلام عليكم منا، وهذا أيضًا جائز أن نَحمل السلام - أي: معنى السلام - هل هو متاركة أو سلام تحية على معنى اللغو.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، مثله، نعم.
قال: (لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٥] لا نصحبهم)، وهذا التفسير مِن المؤلف قاصر، أظنه قاصرًا، نشوف هل توافقون على هذا ولَّا لا؟ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ، يقول: (لا نصحبهم
طالب: قاصر.
الشيخ: ولو كان الأمر كذلك لقال: لا نصحب الجاهلين، لكن: لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ، الابتغاء بمعنى الطلب، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا [المائدة: ٢] أي: يطلبون، فمعنى لَا نَبْتَغِيلا نطلب، وإذا انتفى طلبُ الجاهلين، فانتفاء صحبتِهم؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أَولى؟ تقول هذا لأن هذه أسطوانة دائمًا نقولها، ولّا تقولها على اقتناع؟
الطالب: (...).
الشيخ: إذا انتفى طلب الجاهلين انتفت الصحبة من باب أَولى؛ لأنهم هم ما يطلبون الجاهلين ولا يُدوِّرونهم، فضلًا عن كونهم إذا وجدوهم صحِبوهم، فأيهما أبلغ: تفسير المؤلف أو ظاهر الآية؟
طالب: ظاهر الآية.
الشيخ: ظاهر الآية أَولى وأبلغ، يعني: نحن لا نطلب الجاهلين فضلًا عن صحبتهم؛ وذلك لأنهم ذوو علم وبصيرة، والإنسان من ذوي العلم والبصيرة ما يطلب الجاهلين فيكون معهم، بل لا يصحبون إلا الأخيار ذوي العلم والمروءة والشرف والدِّين، أما الجاهلون فإنهم لا يبتغونهم ولا يطلبونهم ولا يريدونهم أيضًا.
والجاهل هنا المُراد به السَّفيه، أو مَن ليس بعالِم؟ السفيه، نعم، المراد به السفيه حتى لو كان عالِمًا؛ لأنه إذا أساء التصرف ولو كان عالِمًا فهو بمنزلة الجاهل، بل أشد مِن الجاهل؛ لأن مَن خالف عن عِلم أشد مِمن خالف عن جهل، ويُسمى مَن خالف عن علم يسمى سفيهًا ويسمى جاهلًا مركبًا، نعم إذا ادعى أنه يعلم، بخلاف الإنسان الجاهل الذي لم يأتِه العلم أصلًا، فإن هذا قد يستقِيم إذا عَلِم.
طيب إذن الْجَاهِلِينَهنا ليسوا مَن لا يعلمون، بل السفهاء.
وإذا قال قائل: ما الذي يدل على أن الجهل يأتي بمعنى السَّفه؟
قلنا: قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١٧]، فإن قوله: بِجَهَالَةٍبلا شك أن المراد أيش؟ بِسفه؛ لأن مَن يعمل السوء جاهلًا بغير علم فهذا لا ذنب عليه حتى نقول: إنه يتوب. فالجهل هنا بمعنى السفه لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٥] أي: السفهاء الذين يعملون بجهالة.
طيب، الجاهل اللي غير عالِم هل يبتغيه المرء؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ربما يبتغيه يطلبه لأجل يعلمه، رُبما يطلبُه لِيعلِّمه، ما دام جاهلًا، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرِض نفسَه على القبائل في موسم الحج ، يجيء إلى قبيلة (...) عليهم ويدعوهم إلى الله، فهو يطلب هؤلاء الجهال لِيعلِّمهم. لكن المراد بالجهل هنا هو السفه؛ لأن السفيه فعلُه في الحقيقة كفعل الجاهل تمامًا؛ إذ إنه يخالف الحق ولا يعمل به، لكنه أشد من الجاهل؛ لأنه غير معذور، و(...) إلى آخره.
طيب نحن الآن وإياكم (...) هذه الصفات، فهل المراد أن نقرأها للعِلم ولّا للعمل؟
للعلم والعمل؛ لأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه يتعلم عشر آيات تعلموها وما فيها من العلم والعمل، وأكثر الناس إذا قرأ مثل هذه الآيات قال: يللا (...) ما أحسن صفاتهم! وما أجمل أفعالهم! وهذا غاية ما يستفيد من الآية، ولكن هذا ما يكفي، المقصود من ذِكر هذه الأوصاف الحميدة سواءٌ كانت عن سبيل الإخبار عن الحال، أو عن سبيل القصص، الغرض منها هو الاعتبار، أن الإنسان يعتبِر بما حَصل، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]، ونسأل الله أن يعيننا جميعًا على فَهم كتابه والعمل بالوحي.
(...)
على مَن أعرض عن اللغو؛ لقوله: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: ٥٥].
وثانيًا: أنه ينبغي الإعراض عن اللغو، وهو الكلام الذي لا فائدة فيه ولا خير فيه، والفعل يقاس عليه ولّا لا؟ يُقاسُ عليه، فلا ينبغي للإنسان أن يُمضي وقته في أفعال لا خيرَ فيها.
واعلم أن الخيرية ذاتية وعرَضية، بمعنى أنه قد يكون الشيء خيرًا في ذاته، وقد يكون خيرًا لغيره لعارض يعرِض له، فمثلًا الصلاة خيرُها ذاتي، والسعيُ إليها خيرُه عرَضي؛ لأن مجرد المشي ليس بقُربة حتى يكون وسيلة إلى قربة أخرى. فعلى هذا لو أن الإنسان تحدث بحديث ليس مِن الذِّكر ولا مِن العلم ولا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنّه حديث يقصِد به إدخال السرور على مُجالسيه، يكون خيرًا هذا ولَّا لا؟ نعم يكون خيرًا، لكنه ليس خيرًا ذاتيًّا بهذا الكلام، بل هو خيرٌ عرضي، أي: عرض له بسبب القصد الحسن فيه، وهذا في الحقيقة على هذا التقدير (...).
واضح؟ ولاحِظوا أيضًا أنه لا سواء بين الخير العرَضي والخير الذاتي؛ لأن الخير العرضي يَفقِد خيره إذا زال السبب، والخير الذاتي خيره ثابت دائم.
إذن نقول: يستفاد منه أن ترك اللغو مما يُثنى عليه. أظن ذكرنا هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: الثناء على ترك اللغو.
طالب: لكن (...)؟
الشيخ: إي نعم، لا، ما دُمْنا قُلنا: إنه خير عرضي (...) ما دُمنا قلنا: إنه خير عرضي، فهذا إذا انتهى وزال السبب الذي من أجله تحدث، يكون الباقي لغوًا ما فيه فائدة، يكون من الأحسن تركه: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» .
الطالب: نعم، يعني هذا بالنسبة لجلسات أخرى، أو في نفس الجلسة؟
الشيخ: في نفسِ هذه الجلسة، أما في الجَلَسات الأخرى فكل جَلسة لها حكمها، كل جلسة لها حكمها، لكن حتى بالنسبة لهذه الجلسة إذا زال السبب الذي من أجله أتحدث إليهم زالت الخيرية، فيمكن أن ينتقل بهم إلى حديث آخر مفيد أو نحو ذلك، الإنسان الحقيقة البصير يستطيع يعمل.
ومن أحسن ما يكون أن بعض الأقوام إذا صحِبوا أحدًا ربما يوجه إليه أسئلة مفيدة في الدين مثلًا؛ لأجل أنه يشغل الناس عن الكلام اللغو الذي لا فائدة منه، ويشدهم أيضًا إلى البحث؛ لأنه قد يكون عند الإنسان سؤال ناسيه، وإذا انفتح الباب تذَكَّره، هذا من أحسن ما يكون، لا سِيَّما طلبة العلم الذي ينبغي أن يكونوا مفيدين للناس في جلساتهم، يعني فلا ينبغي أن طالب العلم تكون جلسته كجلسة العامي، بل يحرِص على الفائدة ما أمكن.
ويستفاد من الآيات الكريمة: أنه ينبغي التبرؤ من أصحاب اللغو وعدم مجالستهم؛ لقولهم: لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [القصص: ٥٥].
ويستفاد منه: مشروعية السلام عند الانصراف؛ لقوله: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ [القصص: ٥٥]، وهذا يتوجه على تفسير المؤلف لها ولَّا لا؟
طالب: لا، (...).
الشيخ: إي، أنا أريد القاصي.
طيب؛ لأن معنى كلام المؤلف ما تستقيم هذه الفائدة على تفسير المؤلف؛ إذ إنه يرى أن السلام هنا سلام مُتاركة، لا سلام تحية، وعلى هذا فلا تُؤخذ هذه الفائدة، وهو إنما حمله على سلام المتاركة بناءً على تفسيره اللغو بأنّه الشتم والقذف، والحقيقة أن هذا تفسير ناقص؛ لأن السب والشتم قد لا يُقال: إنه لغو فقط، بل لغو وعدوان، نعم، فهو أخص من كونه لغوًا.
طالب: الفائدة (...)؟
الشيخ: الفائدة هذه (...) مشروعية السلام.
الطالب: (...).
الشيخ: (...)؛ لأن إحنا رجحنا أنها عامة، إي نعم.
الطالب: يا شيخ ما تخالف (...)؟
الشيخ: ما تخالف الآية؛ لأن قوله: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ [القصص: ٥٥] الكلام اللي لا خير فيه واللي فيه الشر، والكلام الذي لا خير فيه يمكن أن (...) الإنسان عنهم، ويقول: سَلَامٌ عَلَيْكُمْسلام تحية؛ لأنه ما هو محرم.
ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للعاقل طلبُ السفهاء، فضلًا عن الجلوس معهم؛ لقوله: لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٥]؛ لأن طلبهم في الحقيقة يؤدي إلى الجلوس معهم، والجلوس مع الجاهلين إثم كما قال الله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٦٨]، فلا ينبغي للإنسان أن يتطلب أهل السفه ويجلس إليهم، أو على الأقل يأنس بما يفعلون، فإن هذا من الصفات التي ليس عليها أهل الخير والإيمان.

***

تفسير الآية (56)
00:50:40

ثم قال الله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦].
قال المؤلف: (ونزل في حرصه صلى الله عَليه وسلم على إيمان عمه أبي طالب).
أبو طالب هو أبو علي رضي الله عنه، وهذا العم آوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودافع عنه، وناصره، ولكن والعياذ بالله حِيل بينه وبين الإيمان بسبب ما كَتب الله له من الشقاوة.
وفيه حكمة عظيمة: عدمُ إيمانه؛ لأنه لو آمن ما تمكن من الدفاع الذي حصل منه للرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو آمن لكان هو محلَّ إيذاء للمشركين، لكن لما بقي على ملتهم كانوا يحترمونه بعض الاحترام، فكان في بقائه على الكفر مِن حكمة الله ما هو ظاهرٌ، وإلا ما استطاع أن يحمي الرسول عليه الصلاة والسلام تلك الحماية.
وهذا الرجل له فضل على الإسلام بسبب دفاعه عنه، ولهذا أذِن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يشفع له، مع أن غيره من الكفار ما يمكن يشفع لأحد، ما شُفع ولن يُشفع لأحد من الكفار إلا هذا الرجل؛ لما له من الفضل على الإسلام من حماية الرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه. ولكن الشفاعة هذه ما نفعته نفعًا كاملًا، يعني ما يمكن تنفعه (...)، إنما نفعته أنه كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وهو يرى أنه أشد أهل النار عذابًا، وهو أهونهم والعياذ بالله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ، «لَوْلَا أَنَا» يعني أني شفعت له، أو أنه أيضًا عمِل ما عمِل في حماية الرسول صلى الله عليه وسلم.
هذا العم حرص النبي عليه الصلاة والسلام غاية الحرص على أن يؤمنَ، حتى إنه في سياق الموت يقول له: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»، فكان يقول آخِرَ ما قال: إنه على ملة عبد المطلب. والعياذ بالله، وإنه لن يدع طريقة الأشياخ، الأشياخ الكبار أهل الجاهلية .
طالب: ما عنده (...)؟
الشيخ: إي، عنده رجلان من المشركين يلقنانه: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان والعياذ بالله خُتِم له بخاتمة الشقاء، فلم تنفعه هذه المحاولة من الرسول صلى الله عليه وسلم.
ندِم النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الأمر، وقال: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» ، فنُهِي عنه وقيل له: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة: ١١٣].
أما بالنسبة لندمِه على عدم إيمانه، فسلَّاه الله تعالى بهذا الأمر: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] هدايتَه).
إِنَّكَيا محمد، الخطاب له، وغيره من باب أولى؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، غيرُ الرسول من باب أولى، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أشرف الخلق عند الله وأعظمهم جاهًا، ما يستطيع أن يهدي أحدًا، فكيف يستطيع غيرُه.
وقوله: لَا تَهْدِيالمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، بمعنى: لا تضَعُ الهداية في قلوب الناس. وليست هدايةَ الدلالة والإرشاد، فإنّ هداية الدلالة والإرشاد ثابتة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]، ولكنّ هداية التوفيق، وهي إلقاءُ الهدى في القلوب هذا لِمَن؟ هذا لله سبحانه وتعالى وحدَه.
وقوله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، المؤلف قدّره بقوله: (هدايته(مَنْ أَحْبَبْتَهدايته)، والصواب: من أحببته، إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْأحببته.
لماذا عدل المؤلف إلى: (أَحْبَبْتَهدايته)؟
قال: لأن الرسول ما يمكن يحب أبا طالب وهو كافر، فإن المؤمن ما يُحِب الكافرين، ولكننا نقول: الحب الطبيعي هذا لا ينافي الإيمان، فالإنسان يحب مثلًا قريبَه ولو كان كافرًا، لكنَّها محبة طبيعية كما تُحِب الأمُّ ولدها، نعم المحبة الدينية هذه لا تجوز بين المؤمن والكافر: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ [المجادلة: ٢٢].
أيضًا المؤلف يقول: (مَنْ أَحْبَبْتَهدايته)، في الحقيقة لو أننا حملناها على ما قال المؤلف لكانت هذه تعم كلَّ الناس؛ لأن الرسول يحِب أن يهدي كلَّ الناس، ما هو بس عمه أبو طالب. لكن (من أحببته) هذا يختص بأبي طالب مثلًا أو غيره من أقاربه.
أيضًا لو أننا قلنا كما قال المؤلف، لكان في الآية إضمار. أيش الإضمار على تقدير المؤلف؟
طالب: إضمار الهداية.
الشيخ: إضمار الهداية؛ لأن الأصل في ضمير الصلة أن يعود إلى نفس الصلة، وإِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ، (من) هذا اسم موصول، يعود على مَن؟ على أبي طالب، وعائدُ الصلة يعود على نفس الصلة.
وبهذا تبيَّن أن الراجح (من أحببته) من وجوه ثلاثة: وجه معنوي ووجهان لفظيان، الوجه المعنوي: أنّ الآية نزلت في أبي طالب، ولو قلنا: (مَنْ أَحْبَبْتَهدايته) لكانت عامة؟
الوجهان اللفظيان أننا إذا قدرنا (هدايته)، لزم أن يكون في الآية شيء محذوف، والأصل عدم الحذف.
والوجه الثاني من الوجهين اللفظيين: أن عائد الصلة يعود إلى أيش؟
طالب: إلى الصلة.
الشيخ: لا، ما هو إلى الصلة، عائد الصلة يعود إلى الموصول، فإذا عاد إلى مَنْفي قوله: مَنْ أَحْبَبْتَ، صار المراد: مَن أحببته هو.
وأما ما لاحظ المؤلف، فيما يظهر لي أن المؤلف لاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يحب أبا طالب، فالجواب عليه أن المحبة نوعان: محبة طبيعية ومحبة شرعية، فالمحبة الطبيعية لا تنافي المحبة الشرعية، قد تجتمع معها وقد تنفرد، فإذا كان المؤمن قريبًا لك اجتمع فيه؟
طالب: المحبتان.
الشيخ: المحبتان، وإذا كان بعيدًا منك وُجِد فيه محبة واحدة وهي الشرعية، وإذا كان قريبًا وهو غير مؤمن ففيه محبة واحدة وهي المحبة الطبيعية.
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦]، لِمَن الهداية إذن؟
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]، يَهْدِيهداية أيش؟
طالب: هداية التوفيق.
الشيخ: هدايةَ التوفيق.
مَنْ يَشَاءُأي: من يشاء أن يهديه، (...)، من يشاء هدايته؛ لقوله: يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.
وقوله: يَهْدِي مَنْ يَشَاءُعَلَّق الفعل بالمشيئة يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وكلُّ فعل يعلقه الله بالمشيئة من أفعاله فإنه مقرونٌ بالحكمة؛ إذ إن أفعالَ الله كلَّها مبنية على الحكمة. إذن مَنْ يَشَاءُهدايته ليس الأمر اعتباطيًّا، ولكنَّ الأمر على حكمة: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: ٥٦] ما يهدي من يهدي إلا وهو أهل للهداية، قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، وكذلك هو أعلم حيث تكون هذه الرسالة، فمن كان أهلًا للرسالة أُرْسِل، ومن كان أهلًا للقيام بواجب الرسالة هُدِي لذلك.
فإذن الإطلاق في قوله: يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، أيش؟ على وفق الحكمة، نعم.
قال: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: ٥٦]، قال المؤلف: (أي: عالمٌ بِالْمُهْتَدِينَ).
غريب المؤلف، نحن ذكَرْنا أننا ننتقض المؤلف، ننتقِضُه من وجهين؛ الوجه الأول: أن هذا تحريف للقرآن أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: حيث حوَّل أَعْلَمُالدال على الكمال في العلم والأفضلية فيه، إلى (عالِم) الذي لا يمنعُ مشاركةَ غيره له في هذه الصفة، أليس كذلك؟ فأنا أقول: محمد عالِم وزيد عالِم وبكر عالِم... إلى آخره، ولَّا لا؟ لكن لو قلت مثلًا: (زيد أعلَم) معناه أنه ما ساواه أحد في علمه.
فالمؤلف الآن حرَّف القرآن حيث أيش؟ حيث فَسَّر أَعْلَمُبـ(عالم)، ففَسر ما يَدُل على الكمال بما يدُل على المشاركة.
الوجه الثاني، أننا نقول: إنَّ وصف الله بأنه أعلم أكمل من وصفه بأنه عالِم، أكمل بلا ريب، فما الذي يمنع أن نقول الأكمل؟ هو كأنه يريد أنه يقول: ما يمكن أن نقول: الله أعلم، فنجعل لله مشاركًا في العلم.
فنقول: ما جعلتَ لله مشارِكًا مساويًا، جعلت لله مشاركًا نازلًا عن علم الله، فالله أعلم. لكن إذا قلت: إن الله عالِم، قيل لك: جعلتَ لله عِلمًا قد يساويه غيرُه فيه. فالصواب أن أعلم اسم تفضيل وأنها على بابها.
وقوله: أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، بالمهتدين فعلًا أو بمَن يستحق أن يكونَ من المهتدين؟
إذا قلنا: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، أو بِمَن هو قابل للهداية؛ لأن الكلام الآن على إنشاء الهداية في قلب المرء، فيكون أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَما معناها: الذين اهتدوا، بل أعلم بِمَن يستحق أن يقبل الهدى، ولهذا فسره بعضُهم بالمهتدين في علم الله؛ أي: مَن علِم الله أنهم سيكونون مهتدين.
فعلى كل حال المهتدي معناه: مَن كان قابلًا للهداية، ومعناه من اهتدى بالفعل، والمراد بالآية الأول ولَّا الثاني؟ الأول، يعني: أعلم بمن يقبَل الهداية فيهديه، نعم.
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
طيب (المهتدين) هنا الذين اهتدوا، بمعنى قَبِلوا الهُدى وتمسكوا به.
الجمع بين هذه الآية وبين الآية التي أشرنا إليها قبل قليل: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]، أن المُثبت غير المنفي ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ، إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ؟
فنقول: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍالمراد بها هداية الدلالة؛ كقوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧]، فَهَدَيْنَاهُمْمعناه: دَلَلناهم على الهدى، ولكنهم والعياذ بالله استحبوا العمى عليه فلم يهتدوا. وأما الهداية هنا فهي هداية التوفيق، وهذه ليست لأحد، ما هي إلا لله سبحانه وتعالى.
هذه الآية في الحقيقة سنستفيد منها أن الإنسان إذا جَدَّ واجتهد في دعوة الناس إلى الهُدى فلم يهتدوا، فإن عليه أن يتسلى بهذه الآية، وهي: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وإلا كثير من الناس الآن عندهم أقارب؛ إما معهم في البيوت أو خارج البيوت يدعونهم إلى الهدى فلا يهتدون، فنقول: الحمد الله أنَّ الله سبحانه وتعالى بَيَّن أن هذا الأمر ليس إلينا، إنما هو إليه، إن اهتدوا فلهم ولنا ثواب دلالتهم، وإن لم يهتدوا فلنا ثواب الدلالة والدعوة وعليهم وزر الغَيّ.
طالب: أَعْلَمُ(...)؟
الشيخ: لا، أصله، نحن قلنا: إنه يجوز حذف المبتدأ والخبر، فيه أيضًا ما هو بلازم اسم التفضيل ما ينصب الفعل؛ لأن اسم التفضيل ما يمكن ينصب المفعول أبدًا، فهمت؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويمكن يرفع الفاعل بشروط تأتينا إن شاء الله في شروط اسم التفضيل، في باب عمل اسم التفضيل. إي نعم.
طالب: (...) اللَّهُ أَعْلَمُ؟
الشيخ: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
الطالب: نعم اللَّهُ أَعْلَمُ(...)؟
الشيخ: لا، فيها عَلِيمٌ: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [النور: ٤١].
طالب: إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ.
الشيخ: إي، إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ [فاطر: ٣٨]، وهذا ما يستقيم: (أعلم غيب السماوات)، (إن الله أعلم غيب السماوات) ما يستقيم.

***

تفسير الآيتين (57-58)
01:06:34

يقول: (وَقَالُوا [القصص: ٥٧] أي: قومُه) قوم مَن؟ قوم الرسول صلى الله عليه وسلم، وَقَالُوايعني قريشًا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص: ٥٧]، أعوذ بالله.
سواء قالوا ذلك عن عقيدة أو عن غير عقيدة، هذا القول كذب: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ، المعية هنا للمصاحبة والتبعية، يعني إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىونكون مَعَكَفيما تدعو إليه، والمراد بالهدى: ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي قوله: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَإقرارٌ بأن ما مع الرسول هدى، وهذا غريب منهم أنهم يقولون: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ، فيعترفون بأنه هدى، ثم بعد ذلك يكفرون، ويش يحصل؟
إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، يعني يقول المؤلف: (أي نُنْتَزَعُ مِنها بسرعة)، الخطف: نَزْع الشيء بسرعة، يعني يتخطفنا الناس، يتخطفونا ويكونون علينا؛ لأننا خالفنا ما كانوا عليه مِن الشرك والأوثان، فهم يَقضُون علينا بسرعة.
وهذا كقوله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [آل عمران: ١٧٥]، فالشيطان يخوِّف المؤمنين الكفار، يقول: ترى إن آمنتم حصل كذا وكذا، إن تمسكتم بدينكم حصل كذا وكذا، إن كان أنكم ألزمتم الناس باتِّباع الإسلام ظاهرًا وباطنًا ثار الناس عليكم، الناس ثلاثة أرباعهم يريدون الفسوق، فأنتم إذا ألزمتموهم بالدِّين فإنهم يثورون عليكم. هذا لا ريب أن الشيطان يلقيه في قلوب الناس: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ، ولكن أيش الواجب علينا نحو هذا المقام؟ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥]، الواجب ألا نخاف، ما دمنا نرى أننا نسير على حق فإننا لن نخاف أحدًا، بل إننا نعلم علم اليقين أننا لو صِرنا على الحق لخافنا الناسُ ولم نخَف منهم، ولَّا لا؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ [الأنعام: ٨٢]، الأمن منين؟
طالب: من الله.
الشيخ: الأمن مِن الله، لكن الأمن منين؟ الأمن من الخوف، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: ٤]. لَهُمُ الْأَمْنُمن الخوف، لا مِن الله ولا من غيره، يعني ما يخافون عقاب الله؛ لأنهم آمنوا إيمانًا صريحًا (...).
وكذلك أيضًا يُؤَمِّنُهم الله مما يخافون، وهو أحد التفسيرين في قوله تعالى: الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ [الحشر: ٢٣]، أنّ المؤمن الذي يُؤَمِّن عبادَه الطائعين له مما يخافون، عرفتم؟ بس هذا يبغي إيمانًا في الواقع، يبغي إيمانًا حقيقيًّا، فإذا وُجِد الإيمان الحقيقي ثم نُفِّذَت الشريعة فأنا ضامن أن يحصُل الأمن التام، أكثر مما يحصُل بالدبابات والرشاشات وغيره، هذه الأحوال التي نسمعها الآن، ولا سِيَّما في هذا العام مِن الاغتيالات والانفجارات وغيرِها، هذه هل إن الدول اللي حصل فيها هذا الأمر ما عندها سلاح تردع الناس؟ عندها سلاح قوي أقوى من سلاح هؤلاء المُخَرِّبين، ولكن ما عندهم إيمان يحصل به الأمن، فمهما قوي (...) فإنه لن يحصل به الأمان، الأمان حقيقة بالإيمان، الإيمان والأَمان مقترنان.
هنا يقول هؤلاء الكفار: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص: ٥٧]، هذا قول صحيح ولَّا غير صحيح؟ هذا غير صحيح، وسواء قالوه لدفع ما يدعوهم إليه الرسول عليه الصلاة والسلام من غير عقيدة أو قالوه عن عقيدة، فالأمر غير واقع، الدليل: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص: ٥٧]، نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًايعني معناه نَجعل لهم مكانًا، نعم، مثل: إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج: ٤١] أي: جعلنا لهم مكانًا يتمكنون فيه، وهنا: نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًايعني نجعل لهم مكانًا هو ذلك الحرم الآمن.
وقوله: حَرَمًا، حَرَمًاعلى وزن بَطَل، فهو صفة مشبَّهة، أي: مِن الحُرمة، يعني مكانًا حرمًا، أي ذا حرمة. ولا ريب أن مكة المكرمة لها حُرْمة عظيمة في نفوس الناس حتى في الجاهلية.
وقوله: آمِنًا، هنا كلمة (آمِن) اسم فاعل، وهل الحرم هو الآمن، أو مَن فيه هو الآمن؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: كيف كلاهما؟
الطالب: يعني نفس الحرم (...).
الشيخ: المؤلف يقول: (يأمنون فيه من الإغارة والقتل الواقعَيْن من بعض العرب على بعض)، فجعل (آمن) أي آمنًا أهلُه، يعني فسر آمِنًابقوله: (يأمنون)، فيكون المعنى: آمنًا أهلُه.
وعندي أن الوصف هنا للحرم؛ لأن المؤلف (...) الآن وصف سببي، وأنا أرى أنه وصف حقيقي، عندهم نعت يسمونه نعتًا سببيًّا ونعتًا حقيقيًّا، فالنعت الحقيقي: ما كان صفةً للمنعوت، والسببي: ما كان صفةً لغيره مما يتصِل به، نعم، فإذا قلت: (عندي رجل صائم)، النعت هذا حقيقي، (صائم) يعود على (رجل)، (عندي رجل صائمٌ أبوه) هذا النعت سببي؛ لأن الوصف (صائم) هو يعود على المنعوت ولَّا على ما له به صلة؟ ما له به صلة، نعم.
المؤلف (...) من باب النعت السببي، يعني الآمن أهلُه، وعندي أنه نعت حقيقي، وأنه - أي: وأن الحرم - هو الآمِن، وإذا أمِن المكان بلا ريب مَن فيه سوف يأمَن، فهذا المكان آمن، وكما قال محمد: هو آمن ما أحد يعتدي عليه، حتَّى مَن أراده بسوء أتلفه الله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥].
طيب، هذا الحرم الآمن نفسُ العرب معَ كفرهم مهما فعلت قريش ما يمكن يغزون هذا البيت أبدًا، ثم إن أهل هذا البيت هم سادة العرب حتى في الجاهلية، فكيف يقولون: نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص: ٥٧]؟! هذا غير ممكن؛ لأن الحرم آمِن فهم آمنون فيه، ما يُمكن أن يُتخَطفوا فيه، ثم مع ذلك هذا البلد مع كونه آمنًا، هو أيضًا عيْش رغد ما يلحق أهلَه ضيقٌ، ولهذا قال: يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص: ٥٧].
يُجْبَىيقول المؤلف: (بالفوقانية والتحتانية).
طالب: (...).
الشيخ: (...) (بالفوقانية والتحتانية
طالب: يُجْبَىو{وتُجْبَى}.
الشيخ: يُجْبَىو{وتُجْبَى} قراءتان سبعيتان، ومعنى يُجْبَىأي: يُجمع، مِن الجباية وهي الجمع.
وقوله: إِلَيْهِيعني معناه (...) يُجْبَىبمعنى يؤتى أيضًا، يُجمع الثمرات من كل أرض وتأتي إليه، تأتي إلى هذا البلد، وهذا هو الواقع، قال إبراهيم: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ [إبراهيم: ٣٧]، فكانت الثمرات تأتي إلى هذا البلد في كل أوان، من المكان القريب كالطائف وغيرِه، ومِن المكان البعيد.
الطالب: فعل البرامكة (...)؟
الشيخ: (...) بالبيت؟ ما ينافيه، سنذكره إن شاء الله بعدُ.
وقوله: (مِنْ كل أَوْب) يعني: مِن كل صَوْب، (أوب) أي صوب، والصَّوْب والأَوْب بمعنى الناحية، أي من كل ناحية (رِزْقًالهم مِنْ لَدُنَّا).
رِزْقًاهذه معناها؟ أيش معناها؟ أيش معنى الرزق؟
طالب: العطاء.
الشيخ: العطاء، الرزق العطاء، وهو منصوب على أنه مفعول من أجله أو مصدر أو مفعول مطلق لقوله: يُجْبَى، يُجْبَىعطاء.
وقوله: مِنْ لَدُنَّا [القصص: ٥٧] أي: مِن عندِنا، وليس لهم به حول ولا قُدرة، بل الأمر من الله عز وجل هو الذي جعل هذه الثمرات تُجبى إليهم.
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [القصص: ٥٧] أن ما تقوله حق).
قوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، المعلوم هنا محذوف في الآية، ما قال: لَا يَعْلَمُونَكذا وكذا، ولكن المؤلف خصَّه بقوله: (لَا يَعْلَمُونَأن ما تقوله حق). وعندي أن الأمر أعم وأشمل؛ لأن حذف المفعول يدُل على العموم، فعليه نقول: (لَا يَعْلَمُونَأن ما تقوله حق)، ولا يعلمون العاقبة أيضًا؛ فإن العاقبة أنَّه إذا كان هذا الحرم آمِنًا في حال الكفر، وتُجبى إليه الثمرات في حال الكفر، فما بالك في حال الإيمان؟ كيف وقد قال إبراهيم: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: ١٢٦]، فإذا كان أهلُ هذا البلد مؤمنين فإن أمنَه يكون أشدَّ؛ من جِهة أن نفس المكان آمِن، ومن جهة أن المؤمن الذي في هذا المكان آمنٌ أيضًا، فإذا كان هذا الأمنُ مع كون هؤلاء مِن المشركين؛ فإنهم إذا كانوا مؤمنين يكون أكثر. ولهذا لمَّا حصل من المسلمين ما حصل من انتهاك هذا البلد العظيم، فإنه سُلِّط عليهم مَن سُلِّط مِن الظلمة، مثل قضية البرامكة، ومثلما سيكون في آخر الزمان؛ حيث يُسَلَّط على البيت رجل من الحبشة، فيأتي إليه وينقضُه حجرًا حجرًا. ولهذا نحن في الحقيقة نخاف خوفًا عظيمًا مما نراه في مكة مِن الفسوق والمعاصي، نخاف أن يكون هذا بدايةً لانتهاك الحرم انتهاكًا بالغًا حتى يُسَلَّط عليه هذا الخبيث. ولكننا لا نعلم ماذا يكون في المستقبل، إنما المعاصي في الحرم لها أثرٌ عظيم إما على نفس الحرم أو على مَن حوله.
طيب، يقول: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [القصص: ٥٧]، إذن نقول: لَا يَعْلَمُونَليس خاصًّا بأنّ ما جاء به (...) الحق، بل هو عام حتى في النهاية وفي الغاية مما لو آمنوا.
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا [القصص: ٥٨].
هذه فائدة ذِكر إهلاك القرى السابقة؛ لأجل أن يُقال لقريش: الكفرُ لا يمنَع الخوفَ ولا يمنَع العقوبة، بل إنه سبب العقوبة، فأنتم تقولون: إننا إذا آمنا تخطفنا الناس، هذا ليس بالحقيقة، بل العكس هو الحقيقة، ولهذا قال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا، فكأن الله يُدلِّل لتكذيب هؤلاء بأن الكفر لا يُنْجي بما أهلك به الأمم السابقة التي بطِرَت معيشتَها.
طيب، كلام هؤلاء الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص: ٥٧]، أبطلَه الله تعالى بالسلب والإيجاب، أما الإيجاب فقال: إننا مكنا لهم حرمًا آمنًا، ما يمكن أن يكون هذا البلد خائفًا، فإذا كان آمنًا في حال الكفر، ففي حال الإيمان من باب أوْلَى.
أما السَّلْب فقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا، فالكفر لا يُؤَمِّن صاحبَه، بل هو السبب في أيش؟ في إهلاكه، فأنتم بقاؤُكم على الكفر ليس الذي ينجيكم من أن يَتخطفكم الناس، بل هو سببُ هلاكِكم، وهذا هو الواقع، خرَج صناديد قريش وزعماؤُهم إلى بدر ليهلِكُوا ولَّا لا؟ الحرم آمِن ما جاءه شيء، لكنَّهم هم الذين خرجوا لِهلاكهم، فقُتِلوا في بدر.
فالحاصل أن الله يقول: نحن نُكذِّب ما قلتم لِأمرين؛ أحدهما: أمر إيجابي، وهو أن هذا الحرم آمن، والناس هم الذين يُتَخَطَّفون من حولِه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧]، وثانيًا: أن الكفر ليس سببًا للبقاء أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أيش الدليل؟ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا، فأنتم آمِنُوا لتكونوا في أمن وفي مكان آمِن.
وقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ [القصص: ٥٧]، الهمزة هنا ويش معناها؟ معناها التقرير، يعني: قد مكَنَّا، كما هي في قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، أي: قد شرحنا لك.
وقوله: أَوَلَمْأظنه قد مر علينا كثيرًا من مثل هذا التعبير، وقلنا: إن لعلماء النحو في ذلك مذهبين؛ المذهب الأول: أن الهمزة داخلة على شيء مُقدَّر، والواو أو الفاء حرف عطف على ذلك المقدر، والمذهب الثاني: أن الهمزة بعدَ الواو محلُّها، لكن قُدِّمت لأنها للاستفهام، وأصلُها (وألم يروا).
طالب: ما المقدَّر في الآية؟
الشيخ: المقدر بحسب ما يناسب المقام، وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص: ٥٧]، نعم، أتُخُطِّفوا يعني: هل هم تُخطفوا ولم نمكن لهم حرمًا آمنًا؟
طالب: (...).

***

تفسير الآية (64-66)
01:24:24

الشيخ:
طيب، قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥].
قوله: مَاذَا أَجَبْتُمُإعرابها؟
طالب: (...).
الشيخ: ما تعرف الإعراب؟ (...).
طالب: يعني إعراب (...)؟
الشيخ: مفردات، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟
الطالب: إعراب مَاذَاأم كله؟
الشيخ: كله.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟
الطالب: (ما) اسم (...).
الشيخ: طيب.
الطالب: أَجَبْتُمُ...
الشيخ: و(ذا)؟
الطالب: (ذا) اسم إشارة.
الشيخ: اسم إشارة؟! ما هذا أَجَبْتُمُيعني؟
الطالب: لا، (ذا) اسم موصول.
الشيخ: اسم موصول؟ يعني: ما الذي أجبتم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، استمر.
الطالب: (أجاب) فعل ماضٍ، والتاء فاعل، والميم علامة الجمع، والْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥] مفعول به.
الشيخ: وأَجَبْتُمُمحلُّها من الإعراب؟
الطالب: أَجَبْتُمُصلة الموصول (ذا).
الشيخ: صلة الموصول. طيب، والموصول أيش محله من الإعراب؟
الطالب: والموصول مع صلته خبر (...).
الشيخ: خبر أيش؟
الطالب: خبر المبتدأ.
الشيخ: أي مبتدأ؟
الطالب: اسم الاستفهام (ما).
الشيخ: اسم الاستفهام. طيب، هل لك شاهد على هذا الإعراب من كلام ابن مالك؟
الطالب: (...).
الشيخ: نحن درسنا (...) ولَّا لا؟ من يعرف (...)؟
طالب:
وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْــــغَ فِي الْكَــــــــلَامِ

الشيخ:
وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْــــغَ فِي الْكَــــــــلَامِ

طيب قوله: (إذا لم تُلْغ) معناه يشير إلى وجه آخر، وهو إلغاؤها في الكلام، وعليه فنجعل (ماذا) جميعًا اسم استفهام، نجعل اسم الاستفهام مبتدأ.
طالب: هنا في الآية؟
الشيخ: هنا، نعم.
طيب، قوله: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ [القصص: ٦٥]، ذكرنا أنه في السؤال الأول: أَيْنَ شُرَكَائِيَ [القصص: ٦٢] سأل عن التوحيد، وهذا سأل عن الرسالة، فيكون المسؤول عنه الآن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أو أن عيسى أو موسى، حسب الأمم التي تُسأل.
قوله تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ [القصص: ٦٦]، أيش معنى فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ؟
طالب: فَعَمِيَتْأي: انطمست.
الشيخ: انطمست عليهم فلم يجدوا؟
الطالب: (...).
الشيخ: فلم يجدوا جوابًا، يعني (...) طلبوا شيئًا ما وجدوه.
قوله: فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ [القصص: ٦٦]، أيش لون لَا يَتَسَاءَلُونَليش؟ من يعرف؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، زين، فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَعن هذه الأخبار وعن الجواب؛ إما لعجزهم وعدم تمكنهم، أو لأنهم لو سألوا ما يأتيهم خبر.
طيب، وقال بعضهم: إن معنى لَا يَتَسَاءَلُونَيعني معناه لا يتنادون في القَرابة كما كانوا يفعلونه في الدنيا، إذا ضاقت على الإنسان الحيل صار ينادي قرابته: (وا قرابتاه!) وما أشبه ذلك، وهناك في الآخرة ما يكون.
قوله: يَوْمَئِذٍ؟
طالب: يوم القيامة.
الشيخ: يوم القيامة.
طيب، إعرابه يَوْمَئِذٍ؟
الطالب: (...).
الشيخ: (يوم) منصوب، طيب، منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الفتح (...).
طيب، (ئذٍ)؟
طالب: (يوم) مضاف و(ئذٍ) مضاف إليه.
الشيخ: (يوم) مضاف و(ئذٍ) مضافة إليه. طيب، لماذا نُوِّن؟ التنوين هذا ويش هو؟
الطالب: تنوين التوكيد.
الشيخ: تنوين التوكيد؟! ما يأتي تنوين التوكيد. التنوين هنا ويش معنى التنوين؟
طالب: التنوين عن عوض.
الشيخ: عوض عن أيش؟
الطالب: عن جملة.
الشيخ: عن جملة؟ ويش التقدير؟
الطالب: التقدير: يوم..