تفسير الآية (76)
تفسير الآية (77)
| أَفَادَتْكُـــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
(يدي) وهذا جارح، (ولساني) وهذا قول اللسان، (والضمير المحجبا) وهذا اعتراف القلب.
إذا قال قائل: ذكرتم أن الشكر باللسان هو الثناء على الله سبحانه وتعالى سواء كان يتعلق بهذه النعمة أو بغيرها، هل يدخل في هذا قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]؟
طالب: نعم، يدخل.
الشيخ: نعم، يدخل في هذا: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ، فيكون داخلًا في هذه الآيات الكريمة.
إذا قال قائل: هذا يوجب الافتخار؟ قلنا: لا، ليس هذا على سبيل الافتخار، بل هو على سبيل التواضع لله، وأن هذه النعم من الله، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» .
ثم قال تعالى: (وَاذكر يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ [القصص: 74]) أفادنا المؤلف بتقدير (اذكر) أن الظرف وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْمتعلق بمحذوف تقديره (اذكر).
وقوله: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْأي: الله، وذلك يوم القيامة فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص: ٦٢]، أظنه مرت علينا هذه؟ إي، مرت قريبًا، وهذا تكرار للتحذير من الشرك؛ معناه: اذكروا أيضًا النداء مرة ثانية وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص: ٦٢].
ومعنى شُرَكَائِيَيعني: الذين جعلتموهم شركاء لي في الخلق والرزق والتدبير، أو في العبادة؟
طالب: في العبادة.
الشيخ: نعم، الذين أشركوا حين بُعث الرسول في العبادة، وهم يُقرُّون بأن الله منفرد بالخلق والرزق، لكن من الناس من ينكر ذلك أيضًا ويقول: لا رب، أو يقول: إن هذه الأشياء أوجدتها الطبيعة المحضة، هذا أيضًا نوع من الشرك، والأول تعطيل محض؛ اللي ينكر الإله مطلقًا هذا مُعطل محضًا، والثاني مشرك.
وقوله: الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، قال المؤلف: (ذُكِر ثانيًا ليُبْنى عليه وَنَزَعْنَاأخرجنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [القصص: ٧٥]، وهو نبيهم يشهد عليهم بما قالوا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْعلى ما قلتم من الإشراك فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ [القصص: ٧٥] أي: الألوهية لله) إلى آخره.
نقف على هذا (...).
طالب: (...)؟
الشيخ: لا؛ لأنه قول، هو من الجوارح بلا شك لكنه قول، فلهذا كان (...).
حقيقية ثابتة لله على وجه الكمال، ولا تشبه رحمة المخلوقين.
(...)
فمثلًا إذا قيل: إن الرحمة تقتضى الضعف والرقة وما أشبه ذلك، قلنا: هذا بالنسبة للمخلوق، فهو رحمة حقيقية لا تشبه رحمة المخلوق.
ومنها، من فوائدها: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى بتعاقب الليل والنهار وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [القصص: ٧٣].
ومنها: أن الليل للسكن والنهار لطلب المعاش؛ لقوله: لِتَسْكُنُوا فِيهِفي الليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص: ٧٣] في النهار.
ويتفرع على هذه المسألة فائدة، وهي: ما ذكره الأصحاب -رحمهم الله- في القسم بين الزوجتين، إذا كان للإنسان زوجتان، وأراد أن يقسم بينهما، فإن مدار القسم الليل ولّا النهار عماده؟ عماده الليل لمن معاشه في النهار، والنهار لمن معاشه في الليل، فإذا أشكل علينا الأمر فالعماد هو الليل بأنه محل سكن.
ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أن الليل هو محل السكن، فالسكون فيه في النوم، فالراحة أفيد للبدن من ذلك في النهار.
ومنها أيضًا: إثبات الأسباب؛ حيث قال: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِلتطلبوا، فالرزق ما يأتي من السماء ينزل، بل لا بد فيه من طلب، إذا لم تفعل هذا السبب الذي تحصل به على الرزق ما حصل الرزق؛ لأن الله تعالى حكيم، ربط الأسباب بمسبباتها، ففي الآية وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِإثبات الأسباب، وأن الأمور بأسبابها.
ومنها: أن الرزق منة من الله عز وجل وفضل وعطاء وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص: ٧٣]، فليس حاصلًا بمجرد كد الإنسان وكدحه، وكم من إنسان يكد ويكدح ومع ذلك يكون رزقه ضيقًا، وكم من إنسان يفعل أسبابًا أقل مما فعله الأول ثم يوسع له في الرزق.
ومن فوائد الآية: أهمية الشكر؛ لقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص: ٧٣].
ومنها، من فوائد الآية: أنه ينبغي للمرء أن يكون ذا بصيرة فيما سخر الله له، حتى يشكر الله عليه، فإن الله سخر لنا الليل والنهار، والشمس والقمر، فلنأخذ من هذا عبرة نتوصل بها إلى شكر الله سبحانه وتعالى على ذلك.
***
ثم قال الله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص: ٧٤].يؤخذ من فوائدها ما سبق في الآية الأولى، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما مرت علينا هذه الآية بلفظها؟ نعم، مرت علينا بلفظها، فتحال فوائدها على ما سبق.
قال الله تعالى: وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [القصص: ٧٥].
وَنَزَعْنَاالنزع بمعنى الإخراج، نزع الشيء من الشيء: أخرجه منه، وَنَزَعْنَاأي: (أخرجنا) مِنْ كُلِّ أُمَّةٍوالمراد بالأمة هنا الطائفة، ولكنها ليست مجرد الطائفة، الطائفة التي كانت على منهاج واحد، فهذه الأمة، إذا كانت طائفة على منهاج واحد فإنها تُسمى أمة، ولهذا جاءت فيها (الميم) الدالة على الجمع والاجتماع، فالدولة ذات الأحزاب تكون أمة ولّا لا؟ ما هي أمة في الواقع؛ لأنها مختلفة، لكن الأمة هي الطائفة التي اجتمعت على منهاج واحد، فمثلًا أُمة الإسلام على دين واحد، أمة الكفر على دين واحد.
وقوله: وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، شَهِيدًابمعنى شاهدًا، ولكنه أتى بصيغة المبالغة أو بصيغة الصفة المشبهة باسم الفاعل.
ومن المراد بالشهيد؟ يقول المؤلف: (وهو نبيهم، يشهد عليهم بما قالوا)، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقال بعض العلماء: المراد بالشهيد: العريف، مثل ما نقول: العريف؛ يعني: زعيمهم وكبيرهم ننزعه من بينهم، ثم نسأله هذا السؤال المبني على التحدي: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ [القصص: ٧٥]، وهذا ما ذهب إليه شيخنا عبد الرحمن في تفسيره، أن المراد بالشهيد هنا: الكبير من الأمة الذي يُعتبر بمنزلة العريف؛ وذلك لأن الكبير من الأمة نائب عن الأمة، وأيًا كان فالأقرب -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخنا: أن المراد بالشهيد من يكون شهيدًا بينهم ومُعتبرًا بينهم، فهو بمنزلة العريف.
(فَقُلْنَالهم هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ)، من القائل؟ الله سبحانه وتعالى.
هَاتُوا بُرْهَانَكُمْالبرهان: الدليل، أي: هاتوا الدليل (على ما قلتم من الإشراك)، يجيبون دليلًا ولّا لا؟
طالب: ما يجيبون.
الشيخ: طبعًا، ما عندهم دليل.
وقوله: هَاتُوافعل أمر، والمقصود به التحدي والتوبيخ أيضًا، التحدي؛ لأنه طلب ما لا يمكن، والتوبيخ؛ لأنه سوف يلحقهم من الخزي والعار أمام الناس في ذلك المجمع ما لا يستطيعون دفعه.
وقوله: فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ [القصص: ٧٥]، متى علموا أن الحق لله؟ لما لم يأتوا بدليل وبرهان على إشراكهم، علموا أنه لا حق لهم في هذا الإشراك، وأن الحق لمن؟ الْحَقَّ لِلَّهِوحده، وأن هذه الأصنام ليس لها حق في العبادة، كذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: هذه الأصنام ليس لها حق في العبادة، أَنَّ الْحَقَّيعني في العبادة لِلَّهِوحده.
وهذا العلم ينفعهم في ذلك الوقت ولّا لا؟ ما ينفعهم؛ لأنهم في ذلك اليوم يوم المجازاة، ينفعهم لو أنهم عملوا به في الدنيا لنفعهم، لو علموا أن الحق لله في الدنيا ثم عملوا لكان ذلك نافعًا لهم، أما بعد أن شاهدوا العذاب فيعلمون أن الحق لله فإن ذلك لا ينفعهم.
لكن فيه فائدة عظيمة، الفائدة العظيمة في ذلك: هي إقامة الحجة عليهم كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: ٨ - ١٠]، فالفائدة من ذلك من كونهم يتحدون حتى يتبين لهم أن الحق لله هو أنهم يعرفون أنهم لم يُظلموا شيئًا.
فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا [القصص: ٧٥] نعم، (أَنَّ الْحَقَّفي الإلهية لِلَّهِلا يشاركه فيه أحد).
(وَضَلَّغاب عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [القصص: ٧٥] في الدنيا من أن معهم شريكًا تعالى الله)، (شريكًا) أيش بعدها؟
طالب: (تعالى عن ذلك).
الشيخ: (تعالى عن ذلك)؟
وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا، وَضَلَّيقول المؤلف: (بمعنى غاب)، ولكن (ضل) أبلغ من (غاب)؛ لأن (ضل) يقتضي كأنه أمر مطلوب، يُطلب ولكنهم عجزوا عنه، كالضالة، الإنسان إذا ضلت بعيره مثلًا أو شاته يتطلبها فلم يجدها، ويكون ذلك أشد عليه حسرة، فهنا وَضَلَّ عَنْهُمْكأنما هو شيء مفقود عزيز عليهم، ولكنهم لم يتمكنوا منه.
وقوله: مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [القصص: ٧٥]، مَاويش إعرابها؟
طالب: موصول.
الشيخ: اسم موصول فاعل (ضل) أو لا؟ فاعل (ضل)؟ إي نعم، فاعل (ضل)، وأين العائد؟
الطالب: محذوف.
الشيخ: والتقدير؟
الطالب: يفترونه.
الشيخ: ما كانوا يفترونه.
وقول المؤلف: (في الدنيا)؛ لأن كَانُوافعل ماض، فـمَا كَانُوا يَفْتَرُونَفي الدنيا من أن مع الله شريكًا، يضل عنهم هذا الشريك يوم القيامة، ولا يستطيعون أن يقوموا ببرهان عليه.
***
تفسير الآية (76)
00:15:18
قال الله تعالى: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى [القصص: ٧٦].
قَارُونَاسم رجل غني من بني إسرائيل، وكَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىقال المؤلف: (من أقاربه)، فسر القَوم هنا بالأقارب، فقال: (إنه ابن عمه وابن خالته)، كيف (ابن عمه وابن خالته)؟ ويش يصير؟ صورها لي؟
طالب: أخوان يتزوجان أختين.
الشيخ: تزوجا أختين، أخوان تزوجا أختين، فأتى كل واحد منهما بولد، يكون هذان الولدان ابني عم وابني خالة، ولكن هذا دعوى ما ندري عنها هل تصح ولّا لا؟ إنما قيل بها أنه كان ابن عمه، وقيل: إنه كان من قومه؛ أي: من بني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل هم قوم موسى، ونحن لا يهمنا أن يكون قريبًا من موسى أو بعيدًا منه، المهم هو قصته التي وقعت، وأن هذا الرجل كان من قوم موسى.
(وآمن به فَبَغَى عَلَيْهِمْبالكبر والعلو وكثرة المال) الباء للسببية، فَبَغَى عَلَيْهِمْأي: اعتدى واستطال عليهم، على من؟ على قوم موسى، كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ [القصص: ٧٦] أي: على هؤلاء القوم؛ وذلك بما أعطاه الله تعالى من المال صار طاغيًا، وهذا هو شأن الإنسان من حيث هو إنسان، قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧]، فهذا الإنسان إذا كثر ماله ورأى أنه في غنًى عن غيره يطغى، والعياذ بالله.
وَآتَيْنَاهُ.
طالب: وين (...)؟
الشيخ: الباء في قوله: (بالكبر).
قال: وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ [القصص: ٧٦]، وَآتَيْنَاهُأعطيناه مِنَ الْكُنُوزِأي: من كنوز المال، وهو جمع كنز، والكنز ما يحتفظ به ويغلق عليه، ويشمل جميع أنواع المال من ذهب وفضة وزمرد وجواهر ونقود وغير ذلك.
هذه الكنوز مَا إِنَّ، مَااسم موصول وهي المفعول الثاني لـ(آتيناه)، ومفعولها الأول؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الضمير، الهاء في وَآتَيْنَاهُ.
وقوله: مَاأي الذي إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ [القصص: ٧٦].
إِنَّحرف توكيد تنصب المبتدأ والخبر، و(مفاتح) اسمها، وجملة لَتَنُوءُخبرها، والجملة من إِنَّواسمها وخبرها صلة الموصول مَايعني: الذي إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ، المفاتيح تنوء أي: تثقل به، إِنَّ مَفَاتِحَهُ، و(مفاتح) جمع مفتح، وهو اسم للمفتاح.
قال المؤلف: (لَتَنُوءُتثقل بِالْعُصْبَةِالجماعة أُولِيأصحاب الْقُوَّةِأي: تثقلهم، فالباء للتعدية).
الباء في قوله: بِالْعُصْبَةِلتعدية الفعل إلى مفعوله بحرف الجر، وإنما احتاج المؤلف إلى هذا؛ لأن (ناء، ينوء) يتعدى بنفسه أو بحرف الجر، وهنا تعدى بحرف الجر.
(أي: تثقلهم، فالباء للتعدية، وعدتهم قيل: سبعون، وقيل: أربعون، وقيل: عشرة، وقيل غير ذلك) عدة العصبة، ولا ريب أن العصبة هي الجماعة التي يعصب بعضها بعضًا، والعصب في اللغة: الشد، ومنه سموا القرابة عصبة؛ لأنهم يشدون أزر قريبهم.
فهم الجماعة ذوو القوة، بعض العلماء يقول: من ثلاثة إلى سبعة، بعضهم يقول: إلى عشرة، وبعضهم -كما قال المؤلف: (سبعون) و(أربعون)، والمسألة فيها خلاف، ولكن الظاهر لنا أنهم هم الجماعة الذين يشد بعضهم بعضًا، ولا بد أن يكونوا ذوي كثرة، ولا حاجة إلى حدهم.
لكن مع هذا، مع كونهم جماعة مجتمعين، هم أولو قوة أقوياء، فاجتمع هنا في حقهم أمران: القوة بالكيفية، والعدد في الكمية، فصار عندهم كمية وكيفية، هؤلاء الجماعة لو اجتمعوا على حمل المفاتيح فقط، بس المفاتيح، لكانت المفاتيح تثقلهم، نقول مثلًا: هذا ما يشيله عشرة، مفاتيحه ما يشيلها العشرة أصحاب القوة، إذا كان هكذا فما بالك بالخزائن؟! هذه مفاتيح الخزائن، فما بالك بما في هذه الخزائن؟! يعني (...) كثير جدًا أعطاه الله سبحانه وتعالى.
إِذْ قَالَ لَهُ: (اذكر إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُالمؤمنون من بني إسرائيل لَا تَفْرَحْ [القصص: ٧٦] بكثرة المال فرح بطر).
إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُالناصحون له، وهم كما قال المؤلف: (المؤمنون)؛ لأنه لا ينصح بمثل هذه النصيحة إلا رجل مؤمن.
وكلمة: إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ، الإضافة تفيد بيان أن هؤلاء على جانب كبير من النصح؛ لأن من كان من قومك فإنه يبعد أن يغشك، ولا بد أن يكون ناصحًا لك.
وقوله: لَا تَفْرَحْ، لَانافية أو ناهية؟
طالب: ناهية.
الشيخ: ويش الدليل؟
الطالب: جزم.
الشيخ: جزم الفعل، نعم، لَا تَفْرَحْ، والفرح ينقسم إلى قسمين: فرح يكون سرورًا لا يحمل على الأشر والبطر، بل يكون حاملًا للإنسان على رضاه بنعمة الله سبحانه وتعالى وقيامه بما أوجب الله عليه فيها، والثاني: فرح بطر وترفُّع وعدوان وبغي، وهذا هو الفرح الذي نهى عنه هؤلاء القوم قارونَ.
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَوهذه الجملة هل المراد: لا يحب ولّا يكره؟ أو أنه إذا نفى المحبة ثبت ضدها؟ نعم، هو من ناحية السبر والتقسيم؛ إما أن يفرح أو لا يفرح أو يكره؛ يعني قصدي: يحب أو لا يحب أو يكره، ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الإنسان إما أن يحب الشيء، أو يكره الشيء، أو لا يحب ولا يكره، فإذا قال الله تعالى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٣]، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦]، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: ٢٠٥]، هل المعنى نفي المحبة فقط ويكون هذا الأمر الذي نفيت المحبة فيه ليس محبوبًا ولا مكروهًا عند الله، أو المراد إثبات ضد ذلك؟
طالب: إثبات ضد ذلك.
الشيخ: الظاهر -والله أعلم- أن المراد إثبات ضده، وإن كانت القسمة العقلية لا تقتضي ذلك، لكن السياق يقتضيه؛ لأن كل شيء نفى الله أنه يحبه نجد أنه مما يكرهُهُ الله، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤]، لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: ٢٠٥]، لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان: ١٨]، لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: ١٤١]، لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦]، فالظاهر من السياقات أن المراد أيش؟ إثبات الكراهة، لكنه أتى بنفي المحبة؛ لأن المحبة محبوبة، فكأن هذا الذي أحب الفساد أو أحب الفرح وما أشبه ذلك يُقابل بنقيض قصده.
وقوله: (الْفَرِحِينَبذلك) المشار إليه كثرة المال، (بذلك) أي: بكثرة المال، والمراد بالفرح الذي نفى الله محبته فرح البطر والأشر.
فإذا قال قائل: ما الجمع بين قوله تعالى هنا: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦]، وقوله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨]؟
قلنا: إن المراد بقوله: بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، الفرح بفضل الله: الدين، العلم، والإيمان، ولهذا قال: هُوَ خَيْرٌمنين؟ مِمَّا يَجْمَعُونَمن الدنيا، فدل هذا على أن الفرح الذي أمر به أن يفرح الإنسان بما أنعم الله به عليه من العلم والإيمان، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ» ، أما الفرح الذي لا يُحمد صاحبه، فهو الفرح بالدنيا على وجه البطر والأشر.
الفرح في الدنيا على وجه أنه حصل للإنسان ما يسره لا بطرًا؟ هذا لا بأس به، قال عمرو بن سلمة الجرمي لما كساه قومه ثوبًا، قال: فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي بمثل هذا الثوب ، أو قال: بهذا الثوب، ولّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: وقالت عائشة: لأن أكون استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة -يعني في الدفع من مزدلفة- أحب إليَّ من مفروح به .
فالفرح الطبيعي الذي ما يحمل على الأشر والبطر والكبرياء هذا أمر لا يُذم الإنسان عليه، بل إذا فرح به؛ لأنه وسيلة إلى مقصود شرعي كان بذلك محمودًا مأجورًا عليه، مثل: أن يفرح بما جاءه من المال؛ لأنه يحب أن يبذله في سبيل الله أو في طلب العلم أو في بناء المساجد أو في التصدق على الفقراء، يكون هذا الفرح محمودًا.
تفسير الآية (77)
00:27:54
(وَابْتَغِاطلب فِيمَا آتَاكَ اللَّهُمن المال الدَّارَ الْآخِرَةَ [القصص: ٧٧] بأن تنفقه في طاعة الله).
وَابْتَغِأي: اطلب فِيمَا: في الذي آتَاكَ اللَّهُيعني: أعطاك، منين؟
طالب: من المال.
الشيخ: من المال، من هذه الكنوز العظيمة التي مفاتحها تنوء بالعصبة، اطلب بها الدَّارَ الْآخِرَةَ، والمراد بـ: الدَّارَ الْآخِرَةَالجنة هنا، نعم تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣]، وكيف يطلب به الدَّارَ الْآخِرَةَ؟
قال المؤلف رحمه الله: (بأن تنفقه في طاعة الله)، وحينئذ يكون ذلك أيش؟ ذخرًا لك عند الله في الدار الآخرة، وإذا عود الإنسان نفسه على ذلك ورغبها عليها، على هذا الأمر، صار هذا الأمر سجية له يفرح به ويُسَر وتنعم به نفسه، ولذلك الكريم أحب شيء إليه هو العطاء، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أن الإنفاق لله سبحانه وتعالى، الإنفاق لله في الله؛ يعني في حدود الشرع، يقول: إنه من أكبر أسباب انشراح الصدر، وهذا أمر معلوم، تجد أكثر الناس انشراحًا في الصدور هم الكرماء، وأنه إذا أعطى إنسانًا عطية يجد بذلك سرورًا وانشراحًا.
فهو لو أنه استعمل هذا وابتغى به الدَّارَ الْآخِرَةَ [القصص: ٧٧]، فإن ذلك لا يضيع عليه عند الله، ثم مع ذلك يقول الناصحون له: (وَلَا تَنْسَ [القصص: ٧٧] تترك)؛ لأن النسيان يطلق على أمرين؛ أحدهما: الذهول عن الشيء المعلوم اللي كان (...) ثم ذهلت عنه، والثاني: الترك، فهنا وَلَا تَنْسَأي: ولا تترك، ومنه أيضًا قوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]، أيش معنى نسوه؟ تركوه فلم يقوموا بحقه، فَنَسِيَهُمْ: تركهم سبحانه وتعالى فلم يثبهم، ومنه قوله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَأي: تركوه، فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر: ١٩] أي: جعلهم ينسونها ويغفلون عنها ويتركونها بدون رعاية لحقها.
وأما قوله تعالى: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦]، المراد بالنسيان الذهول عن شيء معلوم، فالله تعالى أحصاه لكن هؤلاء نسوه.
فهنا إذن من هذين الشاهدين من القرآن الكريم يتبين لنا أن النسيان يطلق على معنيين؛ أحدهما: الترك، والثاني: الذهول عن شيء معلوم. أيهما الذي أصح أن يوصف الله به؟
طالب: الترك.
الشيخ: الترك، أما الذهول فقد نفاه الله عن نفسه، فقال تعالى: فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه: ٥٢]، هذا نسيان أيش، ذهول ولّا؟
طالب: ذهول.
الشيخ: ذهول وليس تركًا؛ لأن الله يترك من شاء من عباده ممن يستحقون الترك.
قوله تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥]، من أي النوعين؟
طالب: الذهول.
الشيخ: الذهول، أو الترك؟
طالب: لا، الترك يا شيخ.
الشيخ: يعني هل آدم صلى الله عليه وسلم حين أكل من الشجرة كان ناسيًا؟
الطالب: لو كان ناسيًا ما أُبعد عنها، ما آخذه الله عليها.
الشيخ: إي، ما آخذه الله عليها، ما تقولون؟ هذه المسألة فيها قولان لأهل العلم؛ منهم من قال: إن قوله: فَنَسِيَ [طه: ١١٥] أي: ترك عن عمد، فيكون مستحقًا للعقاب، وعلى هذا الرأي فلا إشكال في المسألة، كونه يعاقب على أمر تركه من غير ذهول، تركه وهو عالم به، ويكون ملومًا ولّا لا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يكون ملومًا، ولهذا قال: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥].
ومنهم من قال: إن المراد بالنسيان الذهول، وهؤلاء قصدوا بذلك تجنب وصف آدم بتعمد المعصية؛ لأنه إذا تركه عن نسيان -يعني: عن ذهول- يُلام ولّا ما يُلام؟
طالب: ما يُلام.
الشيخ: ما يُلام، وهؤلاء يحتاجون إلى الجواب عن سقوط الإثم بالنسيان، ويقولون: إن هذا من خصائص هذه الأمة، سقوط الإثم بالنسيان؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ» ، فقوله: «عَنْ أُمَّتِي» يدل على أن الأمم السابقة مؤاخذة به، وكون الأمم السابقة أيضًا مؤاخذة، في الحقيقة هذا لا يرجح أحد القولين، لكن الذي يرجح أنه نسيان ترك لا نسيان ذهول، قوله تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: ١٢١]، وهذان الوصفان -معصية وغي- يدلان على أنه فعل ذلك عن عمد، لكنه اغتر بغرور إبليس: فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ [الأعراف: ٢٢]، لما قاسمهما إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١]، وقال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى [طه: ١٢٠]، فاغتر آدم وفعل ما فعل.
المهم أن النسيان هنا، قوله: وَلَا تَنْسَ، من أي النوعين؟ تترك.
وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص: ٧٧]، وإنما قال: وَلَا تَنْسَ، كأنهم يقولون: اجعل انهماكك فيما تريد في الآخرة، حتى كأن ما تريده للدنيا يغيب عنك، ولكن لا تنساه.
وقوله: (نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَاأي: أن تعمل فيها للآخرة)، يشير المؤلف إلى أن المراد بنصيبه من الدنيا أنه عائد على قوله: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ [القصص: ٧٧] يعني: وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص: ٧٧] بإمهالك، فما دمت قد أُعطيت مهلة فلا تنس هذه المهلة أن تنفق المال في طاعة الله، فيكون المراد بالنصيب من الدنيا هنا المراد العيش في الدنيا؛ يعني: لا تنس أن تغتنم الفرصة في هذه الدنيا فتنفق، فتكون الجملة هنا عائدةً على الجملة الأولى في المعنى؛ يعني: اطلب الدار الآخرة فيما تنفق حتى لا يضيع عليك الوقت فيضيع نصيبك من الدنيا.
ولهذا قال: (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَاأي: أن تعمل فيها للآخرة)، كأنه يقول: اغتنم هذه المدة التي هي نصيبك من الدنيا، اغتنمها للآخرة، فتكون الجملة الثانية عائدةً على الجملة الأولى.
ويحتمل -وهو الأقرب- وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَاأننا لا نأمرك بأن تنفق جميع مالك في الآخرة، بل اطلب الآخرة فيه، وخذ نصيبًا من الدنيا لك، فنحن لا نريد أن تنخلع من مالك، ولكننا نريد أن تبتغي به الدَّارَ الْآخِرَةَ، ومع ذلك فخذ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَامن طيب المأكل ونظافة المنزل والثياب والزوجات وما أشبه ذلك، وهذا المعنى أقرب وأصح؛ لأننا على المعنى الذي ذهب إليه المؤلف تكون الآية فيها شيء من التكرار.
ثم هل هي تكون سببًا لجلبه وقبوله النصيحة، أو نقول: إنه إذا قيل له: اطلب الآخرة ولا تنس حظك من الدنيا، أن هذا أقرب إلى قبول النصيحة؟
طالب: الأخير.
الشيخ: الأخير أقرب؛ لأنه لو قيل: هذا المال العظيم الذي مفاتحه تنوء بالعصبة كله ابتغ به الدار الآخرة يمكن ما يقبل، لكن إذا قيل: ابتغ به الآخرة وتمتع في الدنيا بنصيب؛ هذا يكون أدعى للقبول، وهو أيضًا من الأساليب الحسنة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» ، لا تقل: إني أقوم الليل وأصوم النهار ما عشت، هذا خطأ، «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا» بعبادته، ولكن «لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» بإعطائها الراحة، فالصواب هو هذا.
وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا، (...)؟
الشيخ: ما ندري هل هذه النصيحة قبل، لما كان فرعون موجودًا أو بعد، الله أعلم.
الطالب: بس كون (...)؟
الشيخ: إي، ما يمنع أن هذا الرجل كفر واتصل بفرعون فصار له المال العظيم، ما فيه مانع.
قال: (وَأَحْسِنْللناس بالصدقة كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ).
هنا المؤلف خص الإحسان، قال: (أحسن للناس في الصدقة)، ولكن الصحيح أن المراد ما هو أعم؛ أي: أحسن في عبادة الله، وفي معاملة عباد الله.
وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧]، الكاف هنا للتشبيه ولّا للتعليل؟
طالب: للتعليل.
الشيخ: للتعليل، ولا تكون للتشبيه؛ لأنه ما يمكن الإنسان يحسن مثل ما أحسن الله إليه، إحسان الله إليه أكمل وأعظم، فالتشبيه ممتنع، فيكون الكاف هنا للتعليل.
وقد جاءت الكاف للتعليل في عدة مواضع من القرآن، مثل قوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [البقرة: ١٩٨] أي: واذكروه لهدايتكم، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمِّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» ، فإن الكاف هنا للتعليل وليست للتشبيه، وهذا المعنى الذي ذكرناه نسلم به من الإيراد الذي أورده بعض الناس على هذا الحديث، وهو أنه من العادة أن المشبه أقل شأنًا ورتبة من المشبه به، ومحمد صلى الله عليه وسلم لا شك أنه ليس أقل من إبراهيم، ولّا لا؟ فكيف قيل: «صَلِّ عَلَى مُحَمِّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»؟ من العلماء من أجاب قال: إن المراد «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، أنه تشبيه للصلاة على واحد بالصلاة على جماعة: إبراهيم وآدم، وهذا يصح أنه يُعطى محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطي هؤلاء كلهم، ولكن لا حاجة إلى هذا التأويل، بل نقول: إن المعنى أنك يا رب كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وأن هذا من شأنك ومن عادتك التكرم، فمُنَّ أيضًا على محمد صلى الله عليه وسلم، فتكون هذه الجملة: «كَمَا صَلَّيْتَ» للتعليل، وهي في الحقيقة للتوسل؛ يعني: أننا نتوسل إليك بما فعلت من قبل في إبراهيم وآله، أن تفعل ذلك في محمد صلى الله عليه وسلم وآل محمد.
كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ [القصص: ٧٧] وقوله: كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، بماذا أحسن الله إليه؟
طالب: بالمال.
الشيخ: بالمال العظيم الذي مفاتحه تنوء بالعصبة.
وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ [القصص: ٧٧]، الْفَسَادَبأي شيء؟ أولًا بالبغي، حيث قال تعالى: فَبَغَى عَلَيْهِمْ [القصص: ٧٦]، فلا تبغ الفساد في الأرض بالبغي.
كذلك أيضًا إن كان هذا الرجل يعمل بماله لمعصية الله، فيكون هذا من الفساد في الأرض، وهذا هو الغالب؛ أن من آتاه الله مالًا وليس عنده إيمان، فإن يجعل من ماله وسيلة إلى الفساد في الأرض؛ لقوله: الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، الرجل هذا هل هو يروح مثلًا يفجر السدود ويهدم الجدران ولّا كيف الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ؟
طالب: بالمعاصي.
الشيخ: المعاصي؛ لأن المعاصي في الحقيقة هي سبب الفساد في الأرض ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [البقرة: ٤١]، ولهذا ما من شيء يكون في الأرض من فتن وحروب وقتال وذبح وغيره إلا بسبب المعاصي، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر: ٤٥].
فهذه الآن، هذا الهرج الذي كثر في هذا العصر ولا سيما في هذا العام، ويش أسبابه؟ ما تكاد تفتح الإذاعة إلا وتسمع من أول النشرة إلى آخرها حروب في كل مكان، واغتيالات، وتفجيرات، وفساد، كل ذلك بسبب المعاصي التي تُفعل، فهي عقوبة للعصاة الذين أُصيبوا بهذه، وإنذار للآخرين؛ فإنك قد ترى البلاد الآمنة المطمئنة التي يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، ويُجلب الناس إليها من كل مكان، تجد أنها دُمِّرت الآن، دمرت مساكنها وبيوتها وأمنها ورخاؤها، بسبب أيش؟ بسبب المعاصي، فهو إنذار للآخرين..





