تفسير الآيات من سورة القصص آية (87) إلى سورة العنكبوت آية (3)�
تفسير الآيات (4-8)
تفسير الآيات من سورة القصص آية (87) إلى سورة العنكبوت آية (3)
00:00:06
فحذفت عين الفعل أو لا؟ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ [النمل: ٧٠]، تَكُنْالنهي هنا أثَّر ولا ما أثَّر؟ وَلَا تَكُنْأثَّر بالفعل، ويش اللي أثر به؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، حذف منه الواو اللي هي عين الفعل، وَلَا تَكُنْ.
هنا ما حذفت الواو التي هي عين الفعل، لماذا؟ قال: (لبنائه)؛ لأنه مبني على الفتح، وأصل حذف عين الفعل من أجل السكون، وَلَا تَكُنْ(كن) أصلها: (تكون)، لو أننا أبقينا الواو وسكَّنا النون التقى ساكنان، وهذا غير جائز في اللغة العربية، وإذا التقى ساكنان والأول منهما حرف لين حُذف؛ ولهذا حذفت الواو التي هي عين الفعل.
أما هنا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [القصص: ٨٧] فلم تحذف يقول المؤلف: (لبنائه).
وقوله: مِنَ الْمُشْرِكِينَالشرك -كما مر علينا كثيرًا- ينقسم إلى: أكبر مخرج عن الملة، وإلى أصغر لا يخرج من الملة، فالأكبر أن يشرك مع الله أحدًا في عبادته أو ربوبيته، فمن أشرك مع الله في ربوبيته أو في عبادته فهو مشرك، وما دون ذلك مما أطلق عليه الشرك فهو شرك أصغر.
والغالب أن الشرك الأصغر يكون؛ إما لأنه وسيلة للأكبر، كما في مسألة الرياء، فإن الرياء إنما كان شركًا؛ لأن اللي يعمل العبادة ويحسنها للناس قد يؤدى به الأمر إلى أن يعمل أصل العبادة للناس، فيكون بذلك مشركًا شركًا أكبر، وقد يكون الشرك الأصغر ليس وسيلة إلى الشرك الأكبر وإنما يتعلق بأمور أخرى ما تتعلق بالكفر.
ولكن على كل حال الشرك الأكبر هو أن يعتقد الإنسان لله شريكًا في ألوهيته أو ربوبيته.
طالب: وما الدليل أن الشرك الأكبر كفر على من يطلق عليه نسميه كفرًا؟
الشيخ: هو كفر، لكن نوع هذا الكفر أنه شرك؛ لأن الكفر عام؛ جنس يشمل أنواعًا.
(وَلَا تَدْعُ [القصص: ٨٨] تعبد) (لا) ناهية، و(تدع) فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف الواو، والضمة قبلها دليل عليها، مَعَ اللَّهِ إِلَهًامفعول (تدع)، والإله بمعنى المألوه؛ أي: المعبود، آخَرَفإن هذا غير ممكن؛ أن يكون مع الله إله آخر حق؛ وذلك لأن الآلهة التي سوى الله كلها باطل، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان: ٣٠].
وفي هذه الآية: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَسمى الله تعالى ما يعبد إلهًا؛ وذلك لأن الإله (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ أي: معبود.
لا إِلَهَ إِلَّا هُوَهذه الجملة كالتعليل للنهي السابق؛ يعني: فإنه لا إله إلا هو، وهذا النفي نفي للحق؛ يعني: للمعبود الحق، فإنه لا إله إلا الله، وحينئذٍ لا يكون بينها وبين ما سبقها منافاة؛ إذ إن ما سبقها -كما ترون- يثبت آلهة مع الله، لكن ينهى أن تدعى هذه الآلهة، والثاني يقول: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَينفي أن يكون هناك إله.
والجمع بينهما أن يقال: الإله الحق الذي عُبِدَ وهو يستحق أن يعبد هذا ليس إلا الله، وأما الإله الباطل الذي عُبِدَ وهو لا يستحق أن يعبد فهذا ثابت لغير لله، وهذا هو الصحيح في النفي.
مع أنه يحتمل أن يكون نفيًا بمعنى النهي؛ أي: لا تعبد إلا الله، والنفي بمعنى النهي يرد في القرآن، كما قالوا في قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢] قالوا: المعنى -بعض المفسرين- لا رَيْبَ فِيهِأي: لا ترتابوا فيه، فجعلوا النفي بمعنى النهي.
ولكن الأولى أن يبقى النفي على ظاهره، وأن يجعل نفيًا حقيقةً، ويكون النفي أبلغ من النهي؛ لأن النفي إثبات صفة، وأما النهي فإنه نهي عنها، قد يمكن الامتثال وقد لا يمكن، يعني قد يحصل الامتثال وقد لا يحصل، أما إذا كانت نفيًا فهي أعظم وأولى.
فعليه نقول: هذا النفي لا يتعارض مع ما قبله؛ لأن ما قبله باعتبار أنها آلهة باطلة، والثاني باعتبار أنها آلهة حق، فلا إله حق إلا الله.
لا إِلَهَ إِلَّا هُوَكلمة (هو) ضمير يعود على الله وليس هو اسمًا مستقلًا؛ بمعنى أنه ليس من أسماء الله (هو)، خلافًا للصوفية المبتدعة الضالة، فإنهم يجعلون (هو) من أسماء الله، ويقولون: (لا إله إلا هو) مثل (لا إله إلا الله)، فيقولون في أذكارهم الباطلة: هُو، هُو، هُو، يكررونها، ويقولون: هذا هو التوحيد، فنقول: الضمير هو ليس اسم علم لله، وإنما هو ضمير يعود على الله، مَعَ اللَّهِهذا الاسم لا إِلَهَ إِلَّا هُوَأي: إلا الله المذكور السابق.
قال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌبمعنى زائل ومضمحل ومعدوم بعد الوجود، هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُقال المؤلف: (إلا إياه) يعني: إلا الله، فإنه سبحانه وتعالى ليس بهالك، كما قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].
وقوله: إِلَّا وَجْهَهُفسره المؤلف بقوله: (إلا إياه) ردًّا على قول أهل الباطل الذين قالوا: إن الله يفنى إلا وجهه، والعياذ بالله، وجعلوا الوجه هنا لم يعبر به عن الذات، بل جعلوه معبرًا به عن صفة الوجه فقط، وقالوا: إن الله يفنى إلا وجهه، وهذا لا شك أنه كلام باطل، وأن المراد بالوجه هنا الذات كلها؛ كل الذات العلية، لكنه عبر بالوجه كسائر التعبيرات اللغوية؛ حيث يعبر بالوجه عن الشيء كله.
طالب: (...)؟
الشيخ: إن كانت (...) هذه أنه لا إله إلا هو؛ يعني إلا الله، ولكن الأولى أن يقول: لا إله إلا الله، إذا ما سبق شيء يعود عليه الضمير فالأولى أن يذكر الله باسمه العلَم؛ ولهذا بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا هو؛ لا إله إلا الله.
قال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُفقول المؤلف: (إلا إياه) صحيح باعتبار الرد على من يقولون: إنه يهلك إلا وجهه، لكنه قد يوهم معنًى باطلًا وهو إنكار الوجه، لكن المؤلف ما أظنه يريد ذلك، ومعروف أن الأشاعرة ينكرون الوجه حقيقة، فنحن نقول: إن لله وجهًا حقيقيًّا بلا شك، وهذه الآية يستدل بها؛ ولهذا قال: إِلَّا وَجْهَهُ، لكنه يقول عبَّر بالوجه عن الذات، كسائر أساليب اللغة العربية.
وقيل: إن المعنى: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه، فيكون هذا عائدًا على الأعمال؛ يعني: جميع الأعمال مردودة وغير مقبولة إلا ما أريد به وجه الله.
واستدل هؤلاء بأن قوله: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَهذا من أعمال الإنسان، ثم قال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُكأنه قال: إن الشرك هالك وتالف وغير نافع للمرء إلا ما أريد به وجه الله -وهو الخالق لهم- فإنه يبقى للمرء.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، الهلاك بمعنى أنها ما تفيد الإنسان، معنى (هالك) يعني: لا تفيده، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
ولكنا نقول: إن المعنى الأول أقوى؛ أن المراد: كل شيء فانٍ وتالف إلا وجه الله، وهو كالتعليل لقوله: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَيعني فكأنه يقول: هذه الأصنام المعبودة من دون الله تبقى ولَّا ما تبقى؟ ما تبقى، والله تعالى هو الذي يبقى، فكان هو الذي يستحق أن يعبد.
طالب: (...) نقول: إنه من باب التأويل؟
الشيخ: لا، ما هو من باب التأويل، على الحقيقة؛ لأنه يعبر بالوجه عن الذات دائمًا، فيقال مثلًا: وجهك الكريم، مع أنه الكريم هو الله، والتعبير بهذا عن النفس شيء مطرد في اللغة العربية، ما فيه تأويل.
وقوله: لَهُ الْحُكْمُهذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر؛ الخبر لَهُمقدم، والْحُكْمُمبتدأ مؤخر، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، والمعنى: له وحده الحكم.
والْحُكْمُيقول المؤلف: (القضاء النافذ)، وفسره بالحكم الكوني، والصحيح أنه يشمل الحكم الكوني والشرعي، فله القضاء النافذ على كل أحد، وله أيضًا الفصل بين الخلق في الأحكام الشرعية، فالحكم شامل للأمرين؛ الحكم الكوني والشرعي.
وقد مر علينا أن من أمثلة الحكم الشرعي قوله تعالى في سورة الممتحنة: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة: ١٠]، وأن من الحكم الكوني قوله تعالى عن إخوة يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يوسف: ٨٠].
وقوله: لَهُ الْحُكْمُذكرنا أن الجملة فيها اختصاص؛ أن الحكم لله وحده مع أن غيره له حكم؛ ولهذا يقال: الحاكم الشرعي، وحاكم البلد، وما أشبه ذلك.
والجواب عن هذا أن يقال: حكم هؤلاء تابع لحكم الله، والحكم المطلق التام الشامل هو لله وحده، فكون هؤلاء حكامًا هو من باب التبعية؛ إذ إن هذا الحاكم لا يحكم بغير بما أنزل الله، فإن حكم لم ينفذ حكمه.
(وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَبالنشور من قبوركم إليه)؛ أي: إلى الله ترجعون فيجازيكم على أعمالكم، وذلك بالنشور إذا نشركم من القبور، فلا مرجع إلا إلى الله، ويحتمل أن يكون الرجوع هنا أعم مما ذكر المؤلف بحيث يكون المعنى: وإليه ترجعون حتى في أحكامكم، فإنما ترجعون إلى الله؛ ولهذا يُرَدُّ الحكم بين الناس إلى من؟ إلى الله عز وجل.
***
ثم قال الله تعالى: الم [العنكبوت: ١] (سورة
العنكبوت مكية وهي تسع وستون آية)، (...) آية مستقلة يؤتى بها في ابتداء السور
ما عدا سورة براءة.
المقال المؤلف: (الله أعلم بمراده بذلك)، وهذا حق فيما لو جعلنا هذه الكلمة لها معنًى، ولكن الصواب أنه لا معنى لها، كما قاله مجاهد وغيره، هي في حد ذاتها ما لها معنًى؛ وذلك لأن القرآن نزل باللغة العربية، والحروف المركبة الهجائية ما لها معنى، فإن (أ، ب، ت، ث، ج) ما لها معنى، ولكن هذه لها مغزى وهو الإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجزكم معشر العرب وأعجز غيركم لم يأت بحروف جديدة ما تعرفونها، وإنما أتى بحروف تعرفونها وتركبون منها كلامكم، ومع ذلك أعجزكم؛ ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وجدت بعدها ذكر القرآن أو ما هو من خصائص القرآن؛ شوف: الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: ١، ٢]، الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ١ - ٣]، المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف: ١، ٢]، الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، تجد أيضًا: حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية: ١، ٢]، الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة: ١، ٢]، وهكذا.
هذه الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا [العنكبوت: ١، ٢] ما فيها ذكر القرآن، لكن فيها ذكر ما هو من لازم القرآن وهو قوله: أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ؛ فإن من آمن بالقرآن لا بد أن يفتن.
قوله: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّاقوله: أَنْ يَقُولُواهذا محل الاستفهام؛ يعني: أيظن الناس أن يتركوا إذا قالوا: آمنا بدون أن يختبروا؟ هذا أمر لا يكون، بل لا بد من الاختبار، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان اختباره أكثر؛ فإن الله تعالى يبتلي الناس، يبتلى الصالحون الأمثل فالأمثل، حتى ينظر في دينه هل فيه قوة أو هو دين ضعيف.
وقوله: أَحَسِبَ النَّاسُ(حسب) بمعنى (ظن)، وقوله: النَّاسُيشمل من؟ المؤمنين وغير المؤمنين؛ وذلك لأن قوله: إني مؤمن يكون من المؤمن حقًّا ويكون من المنافق، والمنافق لا يصح أن يسمى مؤمنًا على الإطلاق، بل إنما يقال: مؤمن بلسانه كافر بقلبه.
أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا(أي: بقولهم: آمَنَّا)؛ يعني: يظن الناس أن يتركوا بلا فتنة إذا قالوا: آمنا، (وَهُمْ لا يُفْتَنُونَيختبرون بما يتبين به حقيقة إيمانهم)، وهذا الاستفهام للتقرير ولَّا للإنكار؟ للإنكار؛ يعني: لا تظنوا هذا؛ أنكم إذا قلتم: آمنا تركتم بلا فتنة، بل لا بد من فتنة واختبار، والله سبحانه وتعالى يبتلي المرء تارة بأفعاله التي يفعلها به سبحانه وتعالى، وتارة بأفعال غيره التي يسلطون بها عليه.
أما بأفعاله فإن الله تعالى قد يبتلي الإنسان بمصائب يختبر بها إيمانه؛ مصائب مالية أو أهلية أو بدنية، فإن من الناس من إذا أصابته هذه المصائب -والعياذ بالله- عجز أن يصبر، وربما يرتد بعد إسلامه ويكفر، والعياذ بالله، ومن الناس من يصبر ويحتسب.
كذلك قد يبتلى المرء بأمر يسلطه الله عليه، ما هو من فعل الله، مثل أن يسلَّط عليه قوم يؤذونه بالقول أو بالفعل أو بهما جميعًا، مثل ما حصل لمن؟ حصل للصحابة رضي الله عنهم، حصل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أوذي إيذاءً عظيمًا من قومه ومن غير قومه، وكذلك أصحابه أوذوا إيذاءً عظيمًا ولَّا لا؟ ومع ذلك صبروا واحتسبوا؛ فإن عمار بن ياسر وآله حصل لهم إيذاء عظيم، وكذلك غيرهم من المؤمنين؛ منهم من يؤذى بالقول، ومنهم من يؤذى بالفعل، ومنهم من يؤذى بالقول وبالفعل.
وقوله: وَهُمْ لا يُفْتَنُونَيقول: (نزل في جماعة آمنوا فآذاهم المشركون).
مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت: ١٠] ثم يرتد، والعياذ بالله، كذلك من الناس الآن -وخصوصًا من الشباب المتجهة إلى الدين- من يؤذيه أولئك الفسقة ويسبونه ويقولون: أنت مطوع، وأنت رجعي، وما أشبه ذلك، هذا ابتلاء من الله وامتحان؛ ليعلم سبحانه وتعالى هل يصبر هذا على دينه أو ينحسر ثم يرجع خوفًا من أذية هؤلاء.
ومن الناس أيضًا من يؤذى بالتحلي بأخلاق المؤمنين، كحلق اللحية مثلًا، فيؤذى بذلك؛ إما بالقول والاستهزاء والاستخفاف، وإما بالفعل، فيضرب عليها أو يحبس، فتجده يحلق لحيته خوفًا من هذا الأمر، وهذا لا يجوز؛ لأن الواجب أن تصبر، نعم إن أكرهت على هذا؛ غلت يدك وأتي بالموسى وحلقت، هذا أمر ليس إليك، لكن ما دام الأمر إليك فإنه لا يجوز لك أن تفعل المعصية خوفًا من الناس، المعاصي يجب أن الإنسان ما يفعلها خوفًا من الناس أبدًا، يجب أن يصبر ويحتسب، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ.
طالب: (...) مثل القاعدة أن المشقة تجلب التيسير (...) ما دام أكره؟
الشيخ: ما أكره، هذا غاية ما هنالك أنه بيضرب، أو يحبس يقول: احلقها مثلًا، ما أفعل المعصية أنتم إذا ضربتموني اضربوني.
طالب: بس هذا يجلب المشقة؟
الشيخ: ما في مشقة، المشقة تزول، فليصبر وليحتسب على دينه، ولا يرد على هذا قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: ١٠٦] فإنه ما عليه شيء؛ لأن ذاك بعض العلماء يقول: هذا في الإيمان القولي الذي مصدره اللسان، وإن كان الصحيح أنه حتى في الكفر الفعلي شامل؛ يعني: الآية عامة، حتى مثلًا لو أكره على السجود، وما أشبه ذلك.
أما التخلي عن الأمر الشرعي فهذا لا يمكن أن يتخلى عنه، ففرق بين الفعل الذي تجبر على فعل معصية، مثلًا على كفر، هذا تعذر به، أما إنه في ترك واجب وهو وجوب إعفاء اللحية، فهذا ما يجوز، لو قيل لك: اترك الصلاة مثلًا؟
طالب: كفر.
الشيخ: إي، ما يمكن تتركها، صَلِّ ولو أوذيت بالضرب والحبس، ما في مانع.
طالب: طيب ويش الفرق بين هذا المحرم هذا (...) ترك المحرم، كأكل الميتة؟
الشيخ: حتى أكل الميتة، الميتة إذا اضطررت إليه؛ لأنك إذا أكلت منه بقيت حياتك، أما هذا فليس كذلك، هذا قد تهدد بالضرب ولا تضرب، وقد تضرب وتصبر وتحتسب، هذه هي الفتنة التي ذكر الله، إذا أنت تطبقها على هذا فمتى تكون الفتنة؟ ما دام قلنا: إن الإنسان إذا أوذي في الله يجوز أن يدع ما أمر الله به ما صار للفتنة فائدة، فلا بد من فتنة واختبار.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوافي إيمانهم علم مشاهدة، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: ٣] فيه).
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْفتَنَّابمعنى اختبرنا الذين من قبلهم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من فتنة من قبلنا: أنَّ الرجل يُمشَط بأمشَاط الحدِيد ما بين عظْمِه وجِلْدِه ، ومع ذلك فإنه يصبر ويحتسب؛ يعني يؤتى بأمشاط الحديد ويخرع به اللحم ويمشط، ومع ذلك يصبر على دينه ولا يرتد، فإذا كان هذا فيمن قبلنا فإن هذه الأمة أولى بالصبر على هذا الأمر العظيم، لا سيما إذا كان المقام مقام جهاد، مثل ما وقع للإمام أحمد رحمه الله في أيام المحنة؛ فإنه كان يضرب بالسياط ويجر بالبغال ليقول: إن القرآن مخلوق، ومع ذلك أبى أن يقول: إن القرآن مخلوق؛ لأنه لو قال: إن القرآن مخلوق، ما هي بالمسألة تنقضي عليه هو، لكنه يترتب على ذلك فساد الأمة كلها.
ولهذا من أكره على الكفر وكان كفره يستلزم كفر غيره وفساد الملة، فإنه لا يجوز له أن يوافق ولو أكره؛ لأن المقام في حقه ويش المقام؟ مقام جهاد، والإنسان يجب أن يجاهد في سبيل الله ولو تعرض للقتل، أما إذا كانت المسألة إكراهًا شخصيًّا على الكفر، فإن هذا يجوز بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان.
فعلى هذا: هذا رجل -مثلًا- قدوة وإمام في الناس أكره على أن يفعل معصية أو أن يفعل كفرًا، فعله لها ليس مجرد أن يتخلص من الأذية، ولكن يفسد به أمة من الناس، فهذا نقول له: لا تفعل، لا توافق ولو أكرهت ولو ضربت؛ لأن المقام مقام جهاد في سبيل الله.
وإنسان آخر لا يؤبه به، ولا ينظر الناس إليه، ولا يقتدون به، أكره على أن يفعل شيئًا من الكفر أو ما دونه، فله أن يفعل بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان، مثل ما قال الله سبحانه وتعالى.
وقوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواويش معنى صَدَقُوا؟ الصدق: مطابقة القول للواقع أو مطابقة الفعل للواقع، فالذين صدقوا في قولهم: إنهم مؤمنون، فمن كان صادقًا في إيمانه فإنه يسلم بذلك، ومن كان كاذبًا فإنه -والعياذ بالله- ينخدع بهذه الفتنة وينقلب على وجهه، فيخسر الدنيا والآخرة.
وقول المؤلف: (علم مشاهدة) يشير إلى أن قوله تعالى: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُمستقبل، بدليل دخول نون التوكيد عليه، وبدليل أنه جملة قَسَمية، والجملة القَسَمية تكون في المستقبل، فهو فعل مضارع واقع في جملة قَسَمية مؤكد بالنون، فيكون للمستقبل، والله تبارك وتعالى يعلم ذلك قبل أن تحصل الفتنة، أليس هكذا؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: فكيف الجواب عن قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُالدال على أن العلم ما يكون إلا بعد الفتنة؟
المؤلف قال: (علم مشاهدة)؛ وذلك لأن علم الله تعالى بالأشياء ينقسم إلى قسمين: علم بأنها ستقع، وعلم بأنها وقعت، فالأول: علم لما لم يكن، والثاني: علم لما كان، وهذا هو الذي ينزَّل عليه مثل هذه الآيات؛ مثل: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ [محمد: ٣١] والمراد: علم مشاهدة، وأما العلم بمن سيكون مجاهدًا فهذا سابق، ولكنه علم بأنه سيكون.
فمتعلق العلم الآن؛ إما مستقبل يعلمه الله بأنه سيكون، وإما واقع عَلِمَ الله بأنه قد كان، هذا جواب.
والجواب الثاني: أن العلم ينقسم إلى قسمين: علم يترتب عليه الجزاء، وعلم لا يترتب عليه الجزاء؛ فعلم الله في الأزل قبل وقوع الشيء علم لا يترتب عليه الجزاء، وعلم الله تعالى بعد الوقوع هو علم يترتب عليه الجزاء، فيكون العلم الذي يجعله الله تعالى مرتبًا على الوقوع المراد به علم المجازاة؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فهذان جوابان عن مثل هذه الآية.
ولا يقال: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، كما قال ذلك غلاة القدرية؛ فإن غلاة القدرية يقولون: إن الله ما يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه، ويستدلون بهذا المتشابه من القرآن، ولكننا نقول: هؤلاء في قلوبهم زيغ؛ لأنهم اتبعوا ما تشابه منه، ولو رجعوا إلى قول الله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠] لتبين لهم أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون.
وقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَالكاذبون في أيش؟ في قولهم: إنهم مؤمنون، فالله تعالى إذا فتن الخلق علم من كان صادقًا في قوله ومن كان كاذبًا، وفي هذا التحذير تحذير المرء عند وقوع الفتن أن يرتد عن إيمانه، فيكون بذلك كاذبًا.
طالب: (...) بخلق القرآن؟
الشيخ: الإمام أحمد اشتهر بها.
طالب: الكناني هو اللي ناظره (...).
الشيخ: إي، لكن بس مناظرته لبشر هذه خاصة، لكن المناظرة العامة التي ثبت عليها الإمام أحمد أمام العالم..
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، المقصود أن لها معنى لكن ما نعلم ويش أراد بها، هذا معناه.
(...) اللام في قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُوقوله: وَلَيَعْلَمَنَّاللام هذه للتوكيد، وهي أيضًا موطئة للقسم، فتكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.
وقوله: لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُلأيش مفتوح الفعل مع أنه ما فيه ناصب؟
طالب: لاتصاله بنون التوكيد.
الشيخ: إذن مبني وليس منصوبًا أو لا؟ مبني على الفتح في محل رفع وليس منصوبًا.
المقال المؤلف: (الله أعلم بمراده بذلك)، وهذا حق فيما لو جعلنا هذه الكلمة لها معنًى، ولكن الصواب أنه لا معنى لها، كما قاله مجاهد وغيره، هي في حد ذاتها ما لها معنًى؛ وذلك لأن القرآن نزل باللغة العربية، والحروف المركبة الهجائية ما لها معنى، فإن (أ، ب، ت، ث، ج) ما لها معنى، ولكن هذه لها مغزى وهو الإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجزكم معشر العرب وأعجز غيركم لم يأت بحروف جديدة ما تعرفونها، وإنما أتى بحروف تعرفونها وتركبون منها كلامكم، ومع ذلك أعجزكم؛ ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وجدت بعدها ذكر القرآن أو ما هو من خصائص القرآن؛ شوف: الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: ١، ٢]، الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ١ - ٣]، المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف: ١، ٢]، الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، تجد أيضًا: حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية: ١، ٢]، الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة: ١، ٢]، وهكذا.
هذه الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا [العنكبوت: ١، ٢] ما فيها ذكر القرآن، لكن فيها ذكر ما هو من لازم القرآن وهو قوله: أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ؛ فإن من آمن بالقرآن لا بد أن يفتن.
قوله: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّاقوله: أَنْ يَقُولُواهذا محل الاستفهام؛ يعني: أيظن الناس أن يتركوا إذا قالوا: آمنا بدون أن يختبروا؟ هذا أمر لا يكون، بل لا بد من الاختبار، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان اختباره أكثر؛ فإن الله تعالى يبتلي الناس، يبتلى الصالحون الأمثل فالأمثل، حتى ينظر في دينه هل فيه قوة أو هو دين ضعيف.
وقوله: أَحَسِبَ النَّاسُ(حسب) بمعنى (ظن)، وقوله: النَّاسُيشمل من؟ المؤمنين وغير المؤمنين؛ وذلك لأن قوله: إني مؤمن يكون من المؤمن حقًّا ويكون من المنافق، والمنافق لا يصح أن يسمى مؤمنًا على الإطلاق، بل إنما يقال: مؤمن بلسانه كافر بقلبه.
أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا(أي: بقولهم: آمَنَّا)؛ يعني: يظن الناس أن يتركوا بلا فتنة إذا قالوا: آمنا، (وَهُمْ لا يُفْتَنُونَيختبرون بما يتبين به حقيقة إيمانهم)، وهذا الاستفهام للتقرير ولَّا للإنكار؟ للإنكار؛ يعني: لا تظنوا هذا؛ أنكم إذا قلتم: آمنا تركتم بلا فتنة، بل لا بد من فتنة واختبار، والله سبحانه وتعالى يبتلي المرء تارة بأفعاله التي يفعلها به سبحانه وتعالى، وتارة بأفعال غيره التي يسلطون بها عليه.
أما بأفعاله فإن الله تعالى قد يبتلي الإنسان بمصائب يختبر بها إيمانه؛ مصائب مالية أو أهلية أو بدنية، فإن من الناس من إذا أصابته هذه المصائب -والعياذ بالله- عجز أن يصبر، وربما يرتد بعد إسلامه ويكفر، والعياذ بالله، ومن الناس من يصبر ويحتسب.
كذلك قد يبتلى المرء بأمر يسلطه الله عليه، ما هو من فعل الله، مثل أن يسلَّط عليه قوم يؤذونه بالقول أو بالفعل أو بهما جميعًا، مثل ما حصل لمن؟ حصل للصحابة رضي الله عنهم، حصل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أوذي إيذاءً عظيمًا من قومه ومن غير قومه، وكذلك أصحابه أوذوا إيذاءً عظيمًا ولَّا لا؟ ومع ذلك صبروا واحتسبوا؛ فإن عمار بن ياسر وآله حصل لهم إيذاء عظيم، وكذلك غيرهم من المؤمنين؛ منهم من يؤذى بالقول، ومنهم من يؤذى بالفعل، ومنهم من يؤذى بالقول وبالفعل.
وقوله: وَهُمْ لا يُفْتَنُونَيقول: (نزل في جماعة آمنوا فآذاهم المشركون).
مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت: ١٠] ثم يرتد، والعياذ بالله، كذلك من الناس الآن -وخصوصًا من الشباب المتجهة إلى الدين- من يؤذيه أولئك الفسقة ويسبونه ويقولون: أنت مطوع، وأنت رجعي، وما أشبه ذلك، هذا ابتلاء من الله وامتحان؛ ليعلم سبحانه وتعالى هل يصبر هذا على دينه أو ينحسر ثم يرجع خوفًا من أذية هؤلاء.
ومن الناس أيضًا من يؤذى بالتحلي بأخلاق المؤمنين، كحلق اللحية مثلًا، فيؤذى بذلك؛ إما بالقول والاستهزاء والاستخفاف، وإما بالفعل، فيضرب عليها أو يحبس، فتجده يحلق لحيته خوفًا من هذا الأمر، وهذا لا يجوز؛ لأن الواجب أن تصبر، نعم إن أكرهت على هذا؛ غلت يدك وأتي بالموسى وحلقت، هذا أمر ليس إليك، لكن ما دام الأمر إليك فإنه لا يجوز لك أن تفعل المعصية خوفًا من الناس، المعاصي يجب أن الإنسان ما يفعلها خوفًا من الناس أبدًا، يجب أن يصبر ويحتسب، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ.
طالب: (...) مثل القاعدة أن المشقة تجلب التيسير (...) ما دام أكره؟
الشيخ: ما أكره، هذا غاية ما هنالك أنه بيضرب، أو يحبس يقول: احلقها مثلًا، ما أفعل المعصية أنتم إذا ضربتموني اضربوني.
طالب: بس هذا يجلب المشقة؟
الشيخ: ما في مشقة، المشقة تزول، فليصبر وليحتسب على دينه، ولا يرد على هذا قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: ١٠٦] فإنه ما عليه شيء؛ لأن ذاك بعض العلماء يقول: هذا في الإيمان القولي الذي مصدره اللسان، وإن كان الصحيح أنه حتى في الكفر الفعلي شامل؛ يعني: الآية عامة، حتى مثلًا لو أكره على السجود، وما أشبه ذلك.
أما التخلي عن الأمر الشرعي فهذا لا يمكن أن يتخلى عنه، ففرق بين الفعل الذي تجبر على فعل معصية، مثلًا على كفر، هذا تعذر به، أما إنه في ترك واجب وهو وجوب إعفاء اللحية، فهذا ما يجوز، لو قيل لك: اترك الصلاة مثلًا؟
طالب: كفر.
الشيخ: إي، ما يمكن تتركها، صَلِّ ولو أوذيت بالضرب والحبس، ما في مانع.
طالب: طيب ويش الفرق بين هذا المحرم هذا (...) ترك المحرم، كأكل الميتة؟
الشيخ: حتى أكل الميتة، الميتة إذا اضطررت إليه؛ لأنك إذا أكلت منه بقيت حياتك، أما هذا فليس كذلك، هذا قد تهدد بالضرب ولا تضرب، وقد تضرب وتصبر وتحتسب، هذه هي الفتنة التي ذكر الله، إذا أنت تطبقها على هذا فمتى تكون الفتنة؟ ما دام قلنا: إن الإنسان إذا أوذي في الله يجوز أن يدع ما أمر الله به ما صار للفتنة فائدة، فلا بد من فتنة واختبار.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوافي إيمانهم علم مشاهدة، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: ٣] فيه).
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْفتَنَّابمعنى اختبرنا الذين من قبلهم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من فتنة من قبلنا: أنَّ الرجل يُمشَط بأمشَاط الحدِيد ما بين عظْمِه وجِلْدِه ، ومع ذلك فإنه يصبر ويحتسب؛ يعني يؤتى بأمشاط الحديد ويخرع به اللحم ويمشط، ومع ذلك يصبر على دينه ولا يرتد، فإذا كان هذا فيمن قبلنا فإن هذه الأمة أولى بالصبر على هذا الأمر العظيم، لا سيما إذا كان المقام مقام جهاد، مثل ما وقع للإمام أحمد رحمه الله في أيام المحنة؛ فإنه كان يضرب بالسياط ويجر بالبغال ليقول: إن القرآن مخلوق، ومع ذلك أبى أن يقول: إن القرآن مخلوق؛ لأنه لو قال: إن القرآن مخلوق، ما هي بالمسألة تنقضي عليه هو، لكنه يترتب على ذلك فساد الأمة كلها.
ولهذا من أكره على الكفر وكان كفره يستلزم كفر غيره وفساد الملة، فإنه لا يجوز له أن يوافق ولو أكره؛ لأن المقام في حقه ويش المقام؟ مقام جهاد، والإنسان يجب أن يجاهد في سبيل الله ولو تعرض للقتل، أما إذا كانت المسألة إكراهًا شخصيًّا على الكفر، فإن هذا يجوز بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان.
فعلى هذا: هذا رجل -مثلًا- قدوة وإمام في الناس أكره على أن يفعل معصية أو أن يفعل كفرًا، فعله لها ليس مجرد أن يتخلص من الأذية، ولكن يفسد به أمة من الناس، فهذا نقول له: لا تفعل، لا توافق ولو أكرهت ولو ضربت؛ لأن المقام مقام جهاد في سبيل الله.
وإنسان آخر لا يؤبه به، ولا ينظر الناس إليه، ولا يقتدون به، أكره على أن يفعل شيئًا من الكفر أو ما دونه، فله أن يفعل بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان، مثل ما قال الله سبحانه وتعالى.
وقوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواويش معنى صَدَقُوا؟ الصدق: مطابقة القول للواقع أو مطابقة الفعل للواقع، فالذين صدقوا في قولهم: إنهم مؤمنون، فمن كان صادقًا في إيمانه فإنه يسلم بذلك، ومن كان كاذبًا فإنه -والعياذ بالله- ينخدع بهذه الفتنة وينقلب على وجهه، فيخسر الدنيا والآخرة.
وقول المؤلف: (علم مشاهدة) يشير إلى أن قوله تعالى: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُمستقبل، بدليل دخول نون التوكيد عليه، وبدليل أنه جملة قَسَمية، والجملة القَسَمية تكون في المستقبل، فهو فعل مضارع واقع في جملة قَسَمية مؤكد بالنون، فيكون للمستقبل، والله تبارك وتعالى يعلم ذلك قبل أن تحصل الفتنة، أليس هكذا؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: فكيف الجواب عن قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُالدال على أن العلم ما يكون إلا بعد الفتنة؟
المؤلف قال: (علم مشاهدة)؛ وذلك لأن علم الله تعالى بالأشياء ينقسم إلى قسمين: علم بأنها ستقع، وعلم بأنها وقعت، فالأول: علم لما لم يكن، والثاني: علم لما كان، وهذا هو الذي ينزَّل عليه مثل هذه الآيات؛ مثل: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ [محمد: ٣١] والمراد: علم مشاهدة، وأما العلم بمن سيكون مجاهدًا فهذا سابق، ولكنه علم بأنه سيكون.
فمتعلق العلم الآن؛ إما مستقبل يعلمه الله بأنه سيكون، وإما واقع عَلِمَ الله بأنه قد كان، هذا جواب.
والجواب الثاني: أن العلم ينقسم إلى قسمين: علم يترتب عليه الجزاء، وعلم لا يترتب عليه الجزاء؛ فعلم الله في الأزل قبل وقوع الشيء علم لا يترتب عليه الجزاء، وعلم الله تعالى بعد الوقوع هو علم يترتب عليه الجزاء، فيكون العلم الذي يجعله الله تعالى مرتبًا على الوقوع المراد به علم المجازاة؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فهذان جوابان عن مثل هذه الآية.
ولا يقال: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، كما قال ذلك غلاة القدرية؛ فإن غلاة القدرية يقولون: إن الله ما يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه، ويستدلون بهذا المتشابه من القرآن، ولكننا نقول: هؤلاء في قلوبهم زيغ؛ لأنهم اتبعوا ما تشابه منه، ولو رجعوا إلى قول الله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠] لتبين لهم أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون.
وقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَالكاذبون في أيش؟ في قولهم: إنهم مؤمنون، فالله تعالى إذا فتن الخلق علم من كان صادقًا في قوله ومن كان كاذبًا، وفي هذا التحذير تحذير المرء عند وقوع الفتن أن يرتد عن إيمانه، فيكون بذلك كاذبًا.
طالب: (...) بخلق القرآن؟
الشيخ: الإمام أحمد اشتهر بها.
طالب: الكناني هو اللي ناظره (...).
الشيخ: إي، لكن بس مناظرته لبشر هذه خاصة، لكن المناظرة العامة التي ثبت عليها الإمام أحمد أمام العالم..
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، المقصود أن لها معنى لكن ما نعلم ويش أراد بها، هذا معناه.
(...) اللام في قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُوقوله: وَلَيَعْلَمَنَّاللام هذه للتوكيد، وهي أيضًا موطئة للقسم، فتكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.
وقوله: لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُلأيش مفتوح الفعل مع أنه ما فيه ناصب؟
طالب: لاتصاله بنون التوكيد.
الشيخ: إذن مبني وليس منصوبًا أو لا؟ مبني على الفتح في محل رفع وليس منصوبًا.
***
قوله تعالى: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ [القصص: ٨٧].
من فوائد هذه الآية: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التأثر بمعارضة أولئك المشركين؛ لقوله: وَلَا يَصُدُّنَّكَ.
ثانيًا: تثبيت الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وذلك من وجهين: أحدهما قوله: عَنْ آيَاتِ اللَّهِيعني: فإنك الآن على حق.
والثاني: من قوله: بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ، وهذا لا شك أن فيه تثبيتًا؛ حيث يرى أن الذي معه من آيات الله، والذي يعلم أن الذي معه من آيات الله سيكون أقوى، والثاني قوله: بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَيعني: فأنت الآن موحًى إليك، فعليك ألَّا تتأثر بمعارضتهم.
ومن فوائد الآية: أن القرآن الكريم من آيات الله، الكونية أو الشرعية؟
طالب: الشرعية.
الشيخ: الشرعية.
ومنها: أن القرآن منزل غير مخلوق؛ لقوله: بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ.
ومن فوائدها: إثبات علو الله؛ لأن النزول يكون من أعلى.
ومنها: إثبات نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام، من أين؟ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ، وهذا يدل على نبوته، بل على رسالته؛ لقوله: وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ.
ومن فوائد الآية: وجوب الدعوة إلى الله؛ لقوله: وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ، وأنه لا يكفي للإنسان أن يؤمن ويصلح نفسه فقط، بل يجب أن يدعو إلى الله.
ومنها: وجوب الإخلاص في الدعوة، من أين تؤخذ؟ من قوله: إِلَى رَبِّكَأن يكون دعوتك إلى الله، ما هو إلى نفسك.
ومنها أيضًا: أن التمسك بالإسلام يوصل العبد إلى الله، وهذا هو أكبر غايات الإنسان أن يصل إلى ربه.
ومنها: تحريم الشرك، من أين تؤخذ؟ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
ومنها: جواز وقوع النهي عما لا يكون شرعًا؛ لقوله: وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فإن الرسول شرعًا لا يمكن أن يكون من المشركين، وأما قدرًا فإنه ممكن، لكنه بعد أن كان نبيًّا لا يمكن.
طالب: الفائدة (...)؟
الشيخ: فائدته أن النهي عن الشيء قد ينهى عنه المرء وإن كان لا يمكن أن يقع منه شرعًا، فائدته تقبيح هذا الأمر؛ يعني حتى ولو لم يقع لا تفكر أن تكون منهم.
وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
يُستفاد مِن هذه الآية أيضًا: تحريم دعاء غير الله، سواء كان دعاء مسألة أو دعاء عبادة.
يشكل على هذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» .
طالب: ما هو دعاء عبادة.
الشيخ: ما هو دعاء عبادة، إحنا قلنا: هناك دعاء عبادة ودعاء مسألة.
طالب: هذا دعاء تقرب، دعاء مسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما فيما يقدر عليه المخلوق فيجوز.
الشيخ: يعني يجوز دعاء الإنسان بما يقدر عليه؟
طالب: نعم.
الشيخ: كما لو قلت مثلًا: أعطني مالًا، هو دعاء، الرسول قال: «إِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» سماه دعاءً.
طالب: (...).
الشيخ: نقول مثلًا: إن دعاء التعظيم الذي يرى الإنسان نفسه مفتقرًا إلى هذا المدعو غاية الافتقار، وأن المدعو في كمال الغنى، فهذا شرك، وأما الدعاء الذي يدعو الإنسان غيره مما يستطيعه مع اعتقاده أن هذا الغير لا ينفرد بالإجابة، فهذا لا بأس به، مع أنه يجب ألَّا يكون بصفة الدعاء، مثلًا لو تمد إيديك وتقول: يا فلان أعطني، أعطني، جزاك الله خيرًا، مثلًا، ما يصلح بهذه الصفة؛ لأنه مشابهة فعلية.
طالب: «وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ»، ما معنى «إِذَا دَعَاكَ»؟
الشيخ: إلى وليمة، وهو دعاك قال: يا فلان احضر لي، احضر عندي، مثلًا، هذه ما فيها بأس.
إذن إحنا قلنا: إن الدعاء الذي منهي عنه وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَقلنا: دعاء مسألة ودعاء عبادة؛ فدعاء العبادة: أن تتعبد له وتركع وتسجد وتخضع، ودعاء المسألة: أن تطلب منه شيئًا، فنقول: دعاء المسألة إذا كان الإنسان اتخذه هذا الداعي بمنزلة الرب أنه قادر فاعل، فهذا لا يجوز، وإن دعاه بناء على أنه سبب ولم يتذلل له تذلل المخلوق للخالق، فإن هذا لا بأس به.
ومن فوائد الآية: إثبات وجود الآلهة مع الله وإن كانت باطلة، من أين نأخذه؟ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، فأثبت الله ألوهيتها لكنها ألوهية باطلة؛ لأن الإله بمعنى المعبود، سواء كان بحق أو بباطل، لكن معلوم أن المعبود بباطل لا وجود له ولا حقيقة له، فإنه يعبد بغير حق، فهو باعتبار نظر الشرع لا حقيقة له، ولا وجود له شرعًا وإن كان موجودًا واقعًا.
ومنها أيضًا: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؛ لأن هذا يدل على انفراده بالألوهية.
وهل بين أول الآية وآخرها تناقض؛ لأنه قال: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَثم قال: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَبالأول يثبت وبالثاني ينفي؟
طالب: في الأول يثبت باعتبار الواقع، والثاني ينفي باعتبار الشرع.
الشيخ: الحقيقة الشرعية؛ يعني معناه: أن الإله الباطل موجود، والإله الحق غير موجود، فيصير آخر الآية لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَباعتبار كونه إلهًا حقًّا، والأول باعتبار كونه مطلق إله؛ أي: أنه معبود لكنه بباطل.
ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن كل شيء يفنى إلا الله؛ لقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
فإذا قال قائل: يرد على هذا الجنة والنار وما فيها من الحور والنعيم، فما رأيكم؟
نقول: هذا من العام الذي خُصِّص، ما في مانع، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، فالآية هذه عامة، وما سواها مما ثبت به النص يكون أيضًا مستثنى.
طالب: ما يقال: كل ما له روح؟
الشيخ: لا؛ لأنا إذا قلنا: كل ما له روح معناه أننا حولنا الآية من العموم إلى الخصوص؛ يعني يكون عامًّا أريد به الخاص، ولعل -والله أعلم- أن الذين قالوا: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُأي: كل شيء من الأعمال باطل إلا ما أريد به وجهه، لعلهم -والله أعلم- فروا من هذا، من أين؟ من أنه يوجد أشياء ما تهلك بل تبقى.
طالب: قول بعض أهل العلم: إن النار تفنى، هل له وجه؟
الشيخ: لا، ما له وجه، لكن حتى لو فرضنا أنه على قول هؤلاء أنها تفنى يبقى عندنا الجنة، والأرواح أيضًا ما تفنى، والعرش ما نعلم أنه يزول.
طالب: (...)؟
الشيخ: وأنت إذا أردت قلت: كل شيء فيه روح أو كل شيء في الدنيا حولت الآية بعمومها الكامل إلى خاص؛ لأن اللي فيه الروح بالنسبة إلى غيره قليل جدًّا، وكذلك الدنيا بالنسبة للآخرة أيضًا قليلة.
على كل حال نحن نقول: هذه الآية إن كان الله تعالى يريد بها ما يتصور فناؤه أو ما قضى عليه بالفناء أنه يكون عامًّا أريد به الخاص، فالمسألة واضحة ما في إشكال، وإن كان الله أراد بها العموم فإنه قد ورد التخصيص بما ذكرناه.
(...) على أن قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦] يخصص قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، ويكون المراد: كل شيء مما على الأرض، لكن يتعين أنه إذا قلنا بهذا القول أن نجعل قوله: إِلَّا وَجْهَهُاستثناء منقطعًا؛ لأنه ليس على الأرض؛ لأن الله تعالى في السماء، فإذا ذهبنا إلى هذا المذهب قلنا: الآية يراد بها الخصوص؛ عام يراد به الخصوص، وهو كل من على الأرض، كل شيء مما على الأرض هالك، وعلى هذا فيكون قوله: إِلَّا وَجْهَهُاستثناء منقطعًا؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى ليس على الأرض.
طالب: يرد عليه أن الأرواح مما في الأرض؟
الشيخ: إذن الأحسن نقول: هذا العموم خص بأشياء غير هذا الاستثناء.
طالب: نقول: تفنى أو لا؟
الشيخ: لا، ما تفنى، تفارق البدن فقط، تفارق البدن لكن تبقى، هي تفارق البدن؛ لأن الموت مفارقة الروح للبدن وليس عدمًا؛ لأن الروح تبقى، والبدن كذلك ربما يبقى، فإن أرواح الأنبياء تأكلها الأرض؟ ما تأكلها الأرض.
على كل حال المسألة واضحة لنا وهو أننا كيف نخرج من هذا العموم مع وجود أشياء تبقى سوى وجه الله سبحانه وتعالى؟
قلنا: الجواب من وجهين: إما أن تكون الآية عامة يراد بها الخصوص، وإما أن تكون الآية عامة مخصوصة بما دل النص على بقائه، وهذا الأخير أولى من الأول؛ لأن الأصل بقاء العموم على ما كان عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الوجه لله؛ لقوله: إِلَّا وَجْهَهُ.
ومن فوائدها أيضًا -إذا جعلنا الاستثناء متصلًا-: أن الله يطلق عليه اسم شيء؛ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ؛ لأنه لولا دخوله في قوله: كُلُّ شَيْءٍما كان للاستثناء وجه؛ لأنه إذا لم يكن داخلًا ما حاجة لاستثنائه.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، يخبر عنه بأنه شيء ولا يسمى به، ما هو من أسمائه، لكن مثل ما نقول: مريد، ومتكلم، ومخبر، ومحدث، ولا نسميه بهذه الأسماء، مما يخبر به عنه ولا يسمى به.
طالب: يجوز نقول: إن الله شيء؟
الشيخ: نعم، إن الله شيء عظيم، إحنا ذكرنا في سورة الأنعام واضحة جدًّا: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ [الأنعام: ١٩]، وهذا واضح، ولكن لاحظوا أنه ما يسمى به؛ لأن الله يقول: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠]، فأسماء الله لا بد أن تكون متضمنة لأكمل الوجوه وأحسنها، أما ما يحتمل هذا وهذا فهذا ما يمكن أن يسمى الله به، فالألفاظ ثلاثة أقسام:
ألفاظ موهمة للنقص، هذا لا يمكن أن يخبر به عنه ولا يسمى به، كالظالم مثلًا والجائر، كل ما يوهم النقص هذا لا يمكن أن يسمى به ولا يخبر به عنه.
والثاني: ما تضمن لأكمل الأمور والوجوه، فهذا يسمى به، ومع ذلك ما يمكن أن نقيس نحن؛ لأن أسماء الله توقيفية.
والثالث: ما لا يتضمن نقصًا ولا مدحًا ولكنه حسب ما يضاف إليه، فهذا يخبر به عنه ولا يسمى به.
ومن الألفاظ ما يكون نقصًا باعتبار وكمالًا باعتبار، فلا يوصف الله به إلا على وجه الكمال، مثل المكر، والخداع، والاستهزاء، وما أشبه ذلك.
وعلى هذا فتكون الألفاظ أربعة أقسام: كمال محض، ونقص محض، وكمال باعتبار ونقص باعتبار، والثالث ما لا يتضمنهما، فالأول: الكمال المحض يسمى به، والثاني: النقص المحض..
طالب: لا يسمى به.
الشيخ: ولا يخبر به عنه مطلقًا بأي وجه من الوجوه.
والثالث: ما يتضمن كمالًا ونقصًا يخبر به عنه في حال الكمال؛ يعني في الحال التي يكون بها كمالًا، مثل أن تقول: إن الله تعالى يمكر بالكافرين، يستهزئ بالمنافقين، وما أشبه ذلك.
والرابع: ما لا يتضمن مدحًا ولا نقصًا، فهذا يخبر به عنه ولا يسمى به، مثل المريد، والجائي، والمتكلم، والشيء، والموجود، وما أشبه ذلك، هذه يخبر بها عنه ولكن ما يسمى بها؛ ولهذا ما يجوز تقول: يا موجود اغفر لي، مثلًا؛ لأن كلمة (الموجود) في موجود على وجه الخير، وموجود على وجه الشر؛ ولهذا لا يسمى به، المتكلم يتكلم بالخير ويتكلم بالشر؛ ولهذا لا يسمى به، ولكن يقال: يخبر به عنه.
طالب: (...) أقول: ممكن يصير في حالة من حالات النقص؛ مثلًا السمع قد يسمع الإنسان ما فيه الخير وما فيه الشر؟
الشيخ: هذا منفصل، المسموع منفصل عن صفة السمع بائن منه، والسامع ما يتكلم بشيء أو فعل شيئًا، والمسموع منفصل وبائن، أنا مثلًا إذا سمعت شرًّا هل ينسب إليَّ شيء؟ لكن المتكلم يتكلم بالشر مثلًا أو بالسوء فينسب إليه.
الطالب: بس السمع ملك الإنسان يقدر يسمع ويقدر ما يسمع؟
الشيخ: لا، ما هيقدر ما يسمع.
الطالب: لو راح عنه ما يسمع..؟
الشيخ: المهم أن هذا الشيء هو إن استمع يذم، وأما مجرد السمع لا ما يكون ذم؛ ولهذا لا يعاقب الإنسان على ما سمع من آلات اللهو وشبهها بدون استماع إليها.
الطالب: بس شو الفرق بين القسمين الأخيرين؟
الشيخ: الفرق أنك لو قلت: شيء، كلمة (شيء) هل فيها ما يدل على الكمال؟
الطالب: لا.
الشيخ: لكن كلمة (سميع) فيها دلالة على الكمال.
الطالب: و(المتكلم) كذلك من الكمال.
الشيخ: (المتكلم) من الكمال، صحيح، لكن لما كان قد يتكلم بالشر ما صار من أسماء الله تعالى.
الطالب: طيب صفة المجيء قد تكون حسنة وقد تكون سيئة، قد يأتي الإنسان إلى خير وقد يأتي إلى شر؟
الشيخ: ولهذا نقول: يخبر بها عنه ولا يسمى بها، ما نسميه الجائي، ولكن نخبر عنه بأنه يجيء ويأتي.
طالب: (...)؟
الشيخ: يقول: رجل جاءه بطاقة دعوة زواج هل يجب عليه الإجابة ولَّا لا؟
طالب: (...) وليمة يجب على الإنسان أن يحضرها.
الشيخ: إذا كانت وليمة يجب حضورها.
الطالب: (...).
الشيخ: هذا الزوج كتب بطاقات وأرسلها لنا، أو إذا قلنا بإجابة الدعوة مطلقًا، كما هو مذهب الظاهرية.
طالب: اختلفت الطرق للدعوة ولكن الغاية واحدة.
الشيخ: هي لا شك أنها دعوة، لكن هل نقول: إنه يراد بها الحقيقة؛ لأنه أحيانًا ترسل هذه البطاقات مجاملة فقط؛ يعني حتى نفسه الداعي ما هو بعلى يقين أن هذا الرجل بيحضر، يعني دائمًا البطاقات يجي للواحد عشرين بطاقة، ويدلك على أن ما هي الدعوة حقيقية ما هو بيجي بيقول: هل أنت بتيجي ولَّا عندك وعد؟ مجرد توجيه فقط للإكرام.
فهذه أنا أشك في وجوب الإجابة إليها، اللهم إلا رجلًا له حق عليك خاص، كقريب مثلًا، فإن إجابته من صلة الرحم؛ لأنك ممكن ما تعرفه، يكتبون مثلًا خمس مئة بطاقة ويوزعونها، بس من طرأ على فكره قال: يللا أرسلوا البطاقة، أظن هذا ما يجب.
طالب: ما يستطيع (...)؟
الشيخ: هو في الحقيقة لو ردت إليه لكان هو ما يريد من هؤلاء إلا نفرًا قليلًا اللي دعوتهم حقيقية؛ ولهذا يؤكد عليهم يقول: جاءتكم البطاقة اللي أرسلنا لكم؟ ويشوفهم على نية الحضور أم لا، فالظاهر لي -والله أعلم- أن هذه مجرد مجاملات فقط؛ ولهذا هم نفس اللي يرسلون أحيانًا يقولون: فلان بن فلان وعائلته، وهم ما يعرفون العائلة ولا بينهم وبينهم صلة؛ لا قرابة ولا صحبة ولا شيء.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هو -سلمك الله- أصله لو عينك تعيينًا قال: يا فلان أنا أبغيك تحضر عندي، ودعوة حقيقية، وأنت تعلم أن عنده محرم ما تستطيع إزالته فهو ما يجوز لك الحضور، هذه واضحة، حتى لو عينك شخصيًّا، فهذه أنا عندي أشبه ما لها الجفلة، والجفلة -كما تعرفون- ما تجب الإجابة، مثلًا إذا قال: أيها الناس تفضلوا، وقف على باب المسجد ويقول: يا جماعة تفضلوا، ما يجب على كل واحد أنه يجيب، أما إذا عين فحسب القول بأنها تجب مطلقًا أو تجب في وليمة العرس.
طالب: (...)؟
الشيخ: ربما إنك -إن شاء الله- تنصحهم وتعظهم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: هم على كل حال يستعدون بأكثر، مسألة الاستعداد يستعدون بأكثر وهم في قرارة (...).
من فوائد هذه الآية: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التأثر بمعارضة أولئك المشركين؛ لقوله: وَلَا يَصُدُّنَّكَ.
ثانيًا: تثبيت الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وذلك من وجهين: أحدهما قوله: عَنْ آيَاتِ اللَّهِيعني: فإنك الآن على حق.
والثاني: من قوله: بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ، وهذا لا شك أن فيه تثبيتًا؛ حيث يرى أن الذي معه من آيات الله، والذي يعلم أن الذي معه من آيات الله سيكون أقوى، والثاني قوله: بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَيعني: فأنت الآن موحًى إليك، فعليك ألَّا تتأثر بمعارضتهم.
ومن فوائد الآية: أن القرآن الكريم من آيات الله، الكونية أو الشرعية؟
طالب: الشرعية.
الشيخ: الشرعية.
ومنها: أن القرآن منزل غير مخلوق؛ لقوله: بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ.
ومن فوائدها: إثبات علو الله؛ لأن النزول يكون من أعلى.
ومنها: إثبات نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام، من أين؟ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ، وهذا يدل على نبوته، بل على رسالته؛ لقوله: وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ.
ومن فوائد الآية: وجوب الدعوة إلى الله؛ لقوله: وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ، وأنه لا يكفي للإنسان أن يؤمن ويصلح نفسه فقط، بل يجب أن يدعو إلى الله.
ومنها: وجوب الإخلاص في الدعوة، من أين تؤخذ؟ من قوله: إِلَى رَبِّكَأن يكون دعوتك إلى الله، ما هو إلى نفسك.
ومنها أيضًا: أن التمسك بالإسلام يوصل العبد إلى الله، وهذا هو أكبر غايات الإنسان أن يصل إلى ربه.
ومنها: تحريم الشرك، من أين تؤخذ؟ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
ومنها: جواز وقوع النهي عما لا يكون شرعًا؛ لقوله: وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فإن الرسول شرعًا لا يمكن أن يكون من المشركين، وأما قدرًا فإنه ممكن، لكنه بعد أن كان نبيًّا لا يمكن.
طالب: الفائدة (...)؟
الشيخ: فائدته أن النهي عن الشيء قد ينهى عنه المرء وإن كان لا يمكن أن يقع منه شرعًا، فائدته تقبيح هذا الأمر؛ يعني حتى ولو لم يقع لا تفكر أن تكون منهم.
وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
يُستفاد مِن هذه الآية أيضًا: تحريم دعاء غير الله، سواء كان دعاء مسألة أو دعاء عبادة.
يشكل على هذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» .
طالب: ما هو دعاء عبادة.
الشيخ: ما هو دعاء عبادة، إحنا قلنا: هناك دعاء عبادة ودعاء مسألة.
طالب: هذا دعاء تقرب، دعاء مسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما فيما يقدر عليه المخلوق فيجوز.
الشيخ: يعني يجوز دعاء الإنسان بما يقدر عليه؟
طالب: نعم.
الشيخ: كما لو قلت مثلًا: أعطني مالًا، هو دعاء، الرسول قال: «إِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» سماه دعاءً.
طالب: (...).
الشيخ: نقول مثلًا: إن دعاء التعظيم الذي يرى الإنسان نفسه مفتقرًا إلى هذا المدعو غاية الافتقار، وأن المدعو في كمال الغنى، فهذا شرك، وأما الدعاء الذي يدعو الإنسان غيره مما يستطيعه مع اعتقاده أن هذا الغير لا ينفرد بالإجابة، فهذا لا بأس به، مع أنه يجب ألَّا يكون بصفة الدعاء، مثلًا لو تمد إيديك وتقول: يا فلان أعطني، أعطني، جزاك الله خيرًا، مثلًا، ما يصلح بهذه الصفة؛ لأنه مشابهة فعلية.
طالب: «وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ»، ما معنى «إِذَا دَعَاكَ»؟
الشيخ: إلى وليمة، وهو دعاك قال: يا فلان احضر لي، احضر عندي، مثلًا، هذه ما فيها بأس.
إذن إحنا قلنا: إن الدعاء الذي منهي عنه وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَقلنا: دعاء مسألة ودعاء عبادة؛ فدعاء العبادة: أن تتعبد له وتركع وتسجد وتخضع، ودعاء المسألة: أن تطلب منه شيئًا، فنقول: دعاء المسألة إذا كان الإنسان اتخذه هذا الداعي بمنزلة الرب أنه قادر فاعل، فهذا لا يجوز، وإن دعاه بناء على أنه سبب ولم يتذلل له تذلل المخلوق للخالق، فإن هذا لا بأس به.
ومن فوائد الآية: إثبات وجود الآلهة مع الله وإن كانت باطلة، من أين نأخذه؟ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، فأثبت الله ألوهيتها لكنها ألوهية باطلة؛ لأن الإله بمعنى المعبود، سواء كان بحق أو بباطل، لكن معلوم أن المعبود بباطل لا وجود له ولا حقيقة له، فإنه يعبد بغير حق، فهو باعتبار نظر الشرع لا حقيقة له، ولا وجود له شرعًا وإن كان موجودًا واقعًا.
ومنها أيضًا: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؛ لأن هذا يدل على انفراده بالألوهية.
وهل بين أول الآية وآخرها تناقض؛ لأنه قال: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَثم قال: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَبالأول يثبت وبالثاني ينفي؟
طالب: في الأول يثبت باعتبار الواقع، والثاني ينفي باعتبار الشرع.
الشيخ: الحقيقة الشرعية؛ يعني معناه: أن الإله الباطل موجود، والإله الحق غير موجود، فيصير آخر الآية لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَباعتبار كونه إلهًا حقًّا، والأول باعتبار كونه مطلق إله؛ أي: أنه معبود لكنه بباطل.
ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن كل شيء يفنى إلا الله؛ لقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
فإذا قال قائل: يرد على هذا الجنة والنار وما فيها من الحور والنعيم، فما رأيكم؟
نقول: هذا من العام الذي خُصِّص، ما في مانع، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، فالآية هذه عامة، وما سواها مما ثبت به النص يكون أيضًا مستثنى.
طالب: ما يقال: كل ما له روح؟
الشيخ: لا؛ لأنا إذا قلنا: كل ما له روح معناه أننا حولنا الآية من العموم إلى الخصوص؛ يعني يكون عامًّا أريد به الخاص، ولعل -والله أعلم- أن الذين قالوا: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُأي: كل شيء من الأعمال باطل إلا ما أريد به وجهه، لعلهم -والله أعلم- فروا من هذا، من أين؟ من أنه يوجد أشياء ما تهلك بل تبقى.
طالب: قول بعض أهل العلم: إن النار تفنى، هل له وجه؟
الشيخ: لا، ما له وجه، لكن حتى لو فرضنا أنه على قول هؤلاء أنها تفنى يبقى عندنا الجنة، والأرواح أيضًا ما تفنى، والعرش ما نعلم أنه يزول.
طالب: (...)؟
الشيخ: وأنت إذا أردت قلت: كل شيء فيه روح أو كل شيء في الدنيا حولت الآية بعمومها الكامل إلى خاص؛ لأن اللي فيه الروح بالنسبة إلى غيره قليل جدًّا، وكذلك الدنيا بالنسبة للآخرة أيضًا قليلة.
على كل حال نحن نقول: هذه الآية إن كان الله تعالى يريد بها ما يتصور فناؤه أو ما قضى عليه بالفناء أنه يكون عامًّا أريد به الخاص، فالمسألة واضحة ما في إشكال، وإن كان الله أراد بها العموم فإنه قد ورد التخصيص بما ذكرناه.
(...) على أن قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦] يخصص قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، ويكون المراد: كل شيء مما على الأرض، لكن يتعين أنه إذا قلنا بهذا القول أن نجعل قوله: إِلَّا وَجْهَهُاستثناء منقطعًا؛ لأنه ليس على الأرض؛ لأن الله تعالى في السماء، فإذا ذهبنا إلى هذا المذهب قلنا: الآية يراد بها الخصوص؛ عام يراد به الخصوص، وهو كل من على الأرض، كل شيء مما على الأرض هالك، وعلى هذا فيكون قوله: إِلَّا وَجْهَهُاستثناء منقطعًا؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى ليس على الأرض.
طالب: يرد عليه أن الأرواح مما في الأرض؟
الشيخ: إذن الأحسن نقول: هذا العموم خص بأشياء غير هذا الاستثناء.
طالب: نقول: تفنى أو لا؟
الشيخ: لا، ما تفنى، تفارق البدن فقط، تفارق البدن لكن تبقى، هي تفارق البدن؛ لأن الموت مفارقة الروح للبدن وليس عدمًا؛ لأن الروح تبقى، والبدن كذلك ربما يبقى، فإن أرواح الأنبياء تأكلها الأرض؟ ما تأكلها الأرض.
على كل حال المسألة واضحة لنا وهو أننا كيف نخرج من هذا العموم مع وجود أشياء تبقى سوى وجه الله سبحانه وتعالى؟
قلنا: الجواب من وجهين: إما أن تكون الآية عامة يراد بها الخصوص، وإما أن تكون الآية عامة مخصوصة بما دل النص على بقائه، وهذا الأخير أولى من الأول؛ لأن الأصل بقاء العموم على ما كان عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الوجه لله؛ لقوله: إِلَّا وَجْهَهُ.
ومن فوائدها أيضًا -إذا جعلنا الاستثناء متصلًا-: أن الله يطلق عليه اسم شيء؛ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ؛ لأنه لولا دخوله في قوله: كُلُّ شَيْءٍما كان للاستثناء وجه؛ لأنه إذا لم يكن داخلًا ما حاجة لاستثنائه.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، يخبر عنه بأنه شيء ولا يسمى به، ما هو من أسمائه، لكن مثل ما نقول: مريد، ومتكلم، ومخبر، ومحدث، ولا نسميه بهذه الأسماء، مما يخبر به عنه ولا يسمى به.
طالب: يجوز نقول: إن الله شيء؟
الشيخ: نعم، إن الله شيء عظيم، إحنا ذكرنا في سورة الأنعام واضحة جدًّا: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ [الأنعام: ١٩]، وهذا واضح، ولكن لاحظوا أنه ما يسمى به؛ لأن الله يقول: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠]، فأسماء الله لا بد أن تكون متضمنة لأكمل الوجوه وأحسنها، أما ما يحتمل هذا وهذا فهذا ما يمكن أن يسمى الله به، فالألفاظ ثلاثة أقسام:
ألفاظ موهمة للنقص، هذا لا يمكن أن يخبر به عنه ولا يسمى به، كالظالم مثلًا والجائر، كل ما يوهم النقص هذا لا يمكن أن يسمى به ولا يخبر به عنه.
والثاني: ما تضمن لأكمل الأمور والوجوه، فهذا يسمى به، ومع ذلك ما يمكن أن نقيس نحن؛ لأن أسماء الله توقيفية.
والثالث: ما لا يتضمن نقصًا ولا مدحًا ولكنه حسب ما يضاف إليه، فهذا يخبر به عنه ولا يسمى به.
ومن الألفاظ ما يكون نقصًا باعتبار وكمالًا باعتبار، فلا يوصف الله به إلا على وجه الكمال، مثل المكر، والخداع، والاستهزاء، وما أشبه ذلك.
وعلى هذا فتكون الألفاظ أربعة أقسام: كمال محض، ونقص محض، وكمال باعتبار ونقص باعتبار، والثالث ما لا يتضمنهما، فالأول: الكمال المحض يسمى به، والثاني: النقص المحض..
طالب: لا يسمى به.
الشيخ: ولا يخبر به عنه مطلقًا بأي وجه من الوجوه.
والثالث: ما يتضمن كمالًا ونقصًا يخبر به عنه في حال الكمال؛ يعني في الحال التي يكون بها كمالًا، مثل أن تقول: إن الله تعالى يمكر بالكافرين، يستهزئ بالمنافقين، وما أشبه ذلك.
والرابع: ما لا يتضمن مدحًا ولا نقصًا، فهذا يخبر به عنه ولا يسمى به، مثل المريد، والجائي، والمتكلم، والشيء، والموجود، وما أشبه ذلك، هذه يخبر بها عنه ولكن ما يسمى بها؛ ولهذا ما يجوز تقول: يا موجود اغفر لي، مثلًا؛ لأن كلمة (الموجود) في موجود على وجه الخير، وموجود على وجه الشر؛ ولهذا لا يسمى به، المتكلم يتكلم بالخير ويتكلم بالشر؛ ولهذا لا يسمى به، ولكن يقال: يخبر به عنه.
طالب: (...) أقول: ممكن يصير في حالة من حالات النقص؛ مثلًا السمع قد يسمع الإنسان ما فيه الخير وما فيه الشر؟
الشيخ: هذا منفصل، المسموع منفصل عن صفة السمع بائن منه، والسامع ما يتكلم بشيء أو فعل شيئًا، والمسموع منفصل وبائن، أنا مثلًا إذا سمعت شرًّا هل ينسب إليَّ شيء؟ لكن المتكلم يتكلم بالشر مثلًا أو بالسوء فينسب إليه.
الطالب: بس السمع ملك الإنسان يقدر يسمع ويقدر ما يسمع؟
الشيخ: لا، ما هيقدر ما يسمع.
الطالب: لو راح عنه ما يسمع..؟
الشيخ: المهم أن هذا الشيء هو إن استمع يذم، وأما مجرد السمع لا ما يكون ذم؛ ولهذا لا يعاقب الإنسان على ما سمع من آلات اللهو وشبهها بدون استماع إليها.
الطالب: بس شو الفرق بين القسمين الأخيرين؟
الشيخ: الفرق أنك لو قلت: شيء، كلمة (شيء) هل فيها ما يدل على الكمال؟
الطالب: لا.
الشيخ: لكن كلمة (سميع) فيها دلالة على الكمال.
الطالب: و(المتكلم) كذلك من الكمال.
الشيخ: (المتكلم) من الكمال، صحيح، لكن لما كان قد يتكلم بالشر ما صار من أسماء الله تعالى.
الطالب: طيب صفة المجيء قد تكون حسنة وقد تكون سيئة، قد يأتي الإنسان إلى خير وقد يأتي إلى شر؟
الشيخ: ولهذا نقول: يخبر بها عنه ولا يسمى بها، ما نسميه الجائي، ولكن نخبر عنه بأنه يجيء ويأتي.
طالب: (...)؟
الشيخ: يقول: رجل جاءه بطاقة دعوة زواج هل يجب عليه الإجابة ولَّا لا؟
طالب: (...) وليمة يجب على الإنسان أن يحضرها.
الشيخ: إذا كانت وليمة يجب حضورها.
الطالب: (...).
الشيخ: هذا الزوج كتب بطاقات وأرسلها لنا، أو إذا قلنا بإجابة الدعوة مطلقًا، كما هو مذهب الظاهرية.
طالب: اختلفت الطرق للدعوة ولكن الغاية واحدة.
الشيخ: هي لا شك أنها دعوة، لكن هل نقول: إنه يراد بها الحقيقة؛ لأنه أحيانًا ترسل هذه البطاقات مجاملة فقط؛ يعني حتى نفسه الداعي ما هو بعلى يقين أن هذا الرجل بيحضر، يعني دائمًا البطاقات يجي للواحد عشرين بطاقة، ويدلك على أن ما هي الدعوة حقيقية ما هو بيجي بيقول: هل أنت بتيجي ولَّا عندك وعد؟ مجرد توجيه فقط للإكرام.
فهذه أنا أشك في وجوب الإجابة إليها، اللهم إلا رجلًا له حق عليك خاص، كقريب مثلًا، فإن إجابته من صلة الرحم؛ لأنك ممكن ما تعرفه، يكتبون مثلًا خمس مئة بطاقة ويوزعونها، بس من طرأ على فكره قال: يللا أرسلوا البطاقة، أظن هذا ما يجب.
طالب: ما يستطيع (...)؟
الشيخ: هو في الحقيقة لو ردت إليه لكان هو ما يريد من هؤلاء إلا نفرًا قليلًا اللي دعوتهم حقيقية؛ ولهذا يؤكد عليهم يقول: جاءتكم البطاقة اللي أرسلنا لكم؟ ويشوفهم على نية الحضور أم لا، فالظاهر لي -والله أعلم- أن هذه مجرد مجاملات فقط؛ ولهذا هم نفس اللي يرسلون أحيانًا يقولون: فلان بن فلان وعائلته، وهم ما يعرفون العائلة ولا بينهم وبينهم صلة؛ لا قرابة ولا صحبة ولا شيء.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هو -سلمك الله- أصله لو عينك تعيينًا قال: يا فلان أنا أبغيك تحضر عندي، ودعوة حقيقية، وأنت تعلم أن عنده محرم ما تستطيع إزالته فهو ما يجوز لك الحضور، هذه واضحة، حتى لو عينك شخصيًّا، فهذه أنا عندي أشبه ما لها الجفلة، والجفلة -كما تعرفون- ما تجب الإجابة، مثلًا إذا قال: أيها الناس تفضلوا، وقف على باب المسجد ويقول: يا جماعة تفضلوا، ما يجب على كل واحد أنه يجيب، أما إذا عين فحسب القول بأنها تجب مطلقًا أو تجب في وليمة العرس.
طالب: (...)؟
الشيخ: ربما إنك -إن شاء الله- تنصحهم وتعظهم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: هم على كل حال يستعدون بأكثر، مسألة الاستعداد يستعدون بأكثر وهم في قرارة (...).
من فوائد الآية: أن الحكم لله وحده؛ لقوله: لَهُ الْحُكْمُ، وهو شامل للحكم الكوني والشرعي.
ومن فوائد الآية أيضًا: أنه لا يجوز لأحد أن يخالف أحكام الله الشرعية؛ لأنه يكون منازعًا لله في حكمه، المخالف يكون منازعًا لله تعالى في حكمه، سواء خالف في التشريع أو خالف في المعصية؛ لأنه منازع لله تعالى في حكمه.
ومن فوائد الآية: إثبات الحشر يوم القيامة؛ لقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
أما سورة العنكبوت ففيها فوائد؛ منها: الحكمة في ابتداء السور بالحروف الهجائية، وقد تقدم لنا الحكمة في هذا.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى يختبر المؤمنين؛ ليعلم بذلك صدق إيمانهم من عدمه.
ومنها: أن هذا الاختبار ليس خاصًّا بهذه الأمة، بل لهم ولغيرهم؛ لقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
ومنها: أنه كما قيل: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وأنه لا يعرف حقيقة المرء إلا بامتحانه، فإذا امتحن وثبت كان ذلك دليلًا على صدقه، وإن انحرف كان ذلك دليلًا على كذبه وعدم صدقه.
ومنها: إثبات العلم لله سبحانه وتعالى في قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا.
ومن فوائد الآية: انقسام الناس في الإيمان إلى صادق وكاذب، فمن هو الصادق؟ الذي يثبت على إيمانه عند الامتحان، والكاذب الذي لا يثبت.
ومن فوائد الآية أيضًا: أنه لا يجوز لأحد أن يخالف أحكام الله الشرعية؛ لأنه يكون منازعًا لله في حكمه، المخالف يكون منازعًا لله تعالى في حكمه، سواء خالف في التشريع أو خالف في المعصية؛ لأنه منازع لله تعالى في حكمه.
ومن فوائد الآية: إثبات الحشر يوم القيامة؛ لقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
أما سورة العنكبوت ففيها فوائد؛ منها: الحكمة في ابتداء السور بالحروف الهجائية، وقد تقدم لنا الحكمة في هذا.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى يختبر المؤمنين؛ ليعلم بذلك صدق إيمانهم من عدمه.
ومنها: أن هذا الاختبار ليس خاصًّا بهذه الأمة، بل لهم ولغيرهم؛ لقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
ومنها: أنه كما قيل: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وأنه لا يعرف حقيقة المرء إلا بامتحانه، فإذا امتحن وثبت كان ذلك دليلًا على صدقه، وإن انحرف كان ذلك دليلًا على كذبه وعدم صدقه.
ومنها: إثبات العلم لله سبحانه وتعالى في قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا.
ومن فوائد الآية: انقسام الناس في الإيمان إلى صادق وكاذب، فمن هو الصادق؟ الذي يثبت على إيمانه عند الامتحان، والكاذب الذي لا يثبت.
***
تفسير الآيات (4-8)
01:02:07
قال الله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [العنكبوت: ٤] الشرك والمعاصي، أَنْ يَسْبِقُونَايفوتونا فلا ننتقم منهم).
قوله: أَمْ حَسِبَ(أم) هذه منقطعة؛ لأن (أم) تأتي في اللغة العربية على قسمين: متصلة ومنقطعة، فالفرق بينهما أن المتصلة بمعنى (أو)، وأنها تأتي بعد همزة التسوية، وأنها تأتي بين متقابلين، ثلاث علامات لها، مثالها قوله تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ [البقرة: ٦] فهنا تجدون أن (أم) بمعنى (أو)؛ يعني: هذا وهذا سواء، وثانيًا تجدون أنها بعد همزة التسوية: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ، وتجدون أنها بين متقابلين (أنذرتهم، لم تنذرهم).
ومثلها قوله تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المنافقون: ٦]، ومنها أيضًا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا [إبراهيم: ٢١]، فلها أمثلة متعددة.
أما المنقطعة فهي التي تأتي بمعنى (بل)، ما هي بمعنى الواو، ولا تقع بعد همزة التسوية، ولا بين متقابلين.
فهنا أَمْ حَسِبَبمعنى: بل أَحَسِب، وهذا الإضراب إضراب انتقال وليس إبطالًا؛ يعني بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى وأنكر على الذين حسبوا أن يتركوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يفتنون انتقل سبحانه وتعالى إلى ذكر صنف آخر من الناس وهم الذين لم يقولوا: آمنا ولم يؤمنوا، بل هم يعملون السيئات ويظنون أن الله تعالى لن يحيط بهم.
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِيعني: يعملون الأعمال السيئة، والسيئ ما يسوء فاعله، وكل عمل محرم فإنه سيئ؛ لأنه يسوء صاحبه بما يجد فيه من العقوبة الحاضرة والمستقبلة.
وقوله: (الشرك والمعاصي) أفادنا المؤلف أن السيئات هنا تعم الصغائر والكبائر؛ الكبائر اللي أعلاها الشرك، والصغائر ما دون الكبائر وهي المعاصي، فهي تشمل كل ما يسوء فاعله من معصية الله تعالى بالشرك فما دونه.
أَنْ يَسْبِقُونَاهذا مفعول حَسِبَ، أَنْ يَسْبِقُونَا(يفوتونا فلا ننتقم منهم)، والسبق بمعنى الفوات، كما تقول: سبقت فلانًا؛ يعني: فُتّه فلم يدركني، فهؤلاء يظنون -الذين يعملون السيئات- أن الله سبحانه وتعالى لا يدركهم، وأن الله لا ينتقم منهم، وهذا بلا شك سوء ظن بالله تبارك وتعالى؛ ولهذا قال: سَاءَ مَا يَحْكُمُونَأي: ساء حكمهم هذا؛ وهو حسبانهم بأن الله تعالى لن يدركهم.
يقول: (سَاءَبمعنى بئس)، و(بئس) فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم، فيحتاج إلى فاعل ويحتاج إلى مخصوص، والمخصوص دائمًا يحذف استغناء عنه، أو بعبارة: لدلالة الفاعل عليه؛ ولهذا قال المؤلف: سَاءَبمعنى (بئس).
(ما) بمعنى (الذي)، فهي اسم موصول، (يحكمونه) قدَّر المؤلف الهاء؛ لتكون عائدًا إلى الموصول؛ ساء الذي يحكمونه، إذن (الذي) فاعل، أين المخصوص؟ قال المؤلف: (حكمهم هذا) هذا هو المخصوص، وكل فعل من الأفعال الجامدة التي للذم أو للمدح تحتاج إلى فاعل وتحتاج إلى مخصوص، تقول مثلًا: نِعْمَ دار المتقين الجنةُ، أين الفاعل؟ (دار)، (الجنة) هي المخصوص بالمدح.
و(الجنة) هذه إعرابها لك فيه وجهان: أحدهما أن تجعلها مبتدأ مؤخرًا، والجملة خبر مقدمًا، والثاني: أن تجعلها خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هي الجنة، أما الأول: نعم دار المتقين فهي فعل وفاعل على ما هي عليه.
يقول: بئس ما يحكمون حكمهم هذا، ولا ريب أن ما حكموه وظنوه لا ريب أنه ظن سوء لا يليق بالله؛ فإن الله تعالى يقول في آيات كثيرة: وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ [الزمر: ٥١]، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [فاطر: ٤٤]، فهؤلاء الذين استمروا في عمل السيئات وظنوا أن الله تعالى لا يقدر عليهم ولا ينتقم منهم أضافوا -والعياذ بالله- شرًّا إلى شرهم.
قال تعالى: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [العنكبوت: ٥] (فليستعد له، وَهُوَ السَّمِيعُلأقوال العباد، الْعَلِيمُبأفعالهم)، قال: مَنْ كَانَ يَرْجُومَنْهذه شرطية، وجواب الشرط على رأي المؤلف محذوف تقديره: فليستعد له، وسنناقشه في هذا الأمر.
قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يَرْجُووقال المؤلف في تفسير يَرْجُو: (يخاف)، وهذا صرف للفظ عن ظاهره، والرجاء غير الخوف؛ الرجاء أي الأمل، وهذا هو الصواب، المعنى يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِأي: يأمل أن يلقى الله عز وجل راضيًا عنه، فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، كما في قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠]، وليس هناك ما يوجب صرف اللفظ عن ظاهره، بل إن المعنى: أيُّ إنسان يرجو لقاء الله وأنه يلقاه وهو راضٍ عنه فإن الأمر ليس ببعيد.
فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِأي: المدة التي جعلها الله سبحانه وتعالى حائلًا بينك وبين لقائه سوف تأتي؛ يعني سوف يأتي ذلك.
ويحتمل أن قوله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِأي: المدة التي قدرها للقاء، وهذا أحسن، المدة التي قدرها للقائه لا بد أن تأتي، (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِبه) أي: باللقاء؛ يعني: اللقاء مؤجل، كل شيء مؤجل لأجل معلوم.
لَآتٍاللام ويش إعرابها؟ هذه مرت علينا في الألفية.
طالب: واقعة في جواب..
الشيخ: لا، اللام للتوكيد؛ لأنها واقعة في خبر (إن)، فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍفهي للتوكيد، وقد ذكرنا لكم ونحن نشرحها في الألفية أن محلها أن تكون في أول الجملة، ولكنهم أخروها؛ لأن (إن) للتوكيد، فكرهوا أن يجتمع مؤكدان متواليين وزحلقوا اللام إلى مكانها في الخبر.
فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍو(آت) قلت: إنها خبر (إن)، ومع ذلك فهي مكسورة، والمعروف أن خبر (إن) يكون مرفوعًا، فكيف صح ذلك؟
نقول: إن (آتٍ) اسم ناقص أو منقوص؟ منقوص؛ لأن الاسم إما منقوص، أو مقصور، أو ممدود، أو صحيح الآخر. فهنا نقول: لأنها منقوصة، أصلها (لآتي) بالياء، فحذفت الياء وعوض عنها التنوين لَآتٍ، وعلى هذا فنقول: آتٍخبر (إن) مرفوع بها، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره؛ على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين.
وَهُوَ-أي: الله سبحانه وتعالى- (السَّمِيعُلأقوال العباد الْعَلِيمُبأفعالهم) السَّمِيعُيعني: ذو السمع الذي لا يخفى عليه شيء، كل شيء من المسموعات فإن الله تعالى مدركه، كما أن السمع -كما مر علينا- ينقسم إلى قسمين: سمع إدراك، وسمع إجابة، فالأول مثل قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ [المجادلة: ١]، والثاني مثل قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]، ومثل قول المصلي: سمع الله لمن حمده، فإن المعنى أنه استجاب.
وذكرنا فيما سبق أن سمع الإدراك ينقسم إلى أقسام: منها ما يقتضي التهديد، ومنها ما يقتضي النصر والتأييد، ومنها ما يقصد به مجرد الإدراك، فمثال الأول الذي للتهديد؟
طالب: قوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦].
الشيخ: لا، نبغي شيئًا واضحًا ما يحتاج بالنسبة لكذا وبالنسبة لكذا.
طالب: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران: ١٨١].
الشيخ: نعم، هذا المراد به التهديد، ومثال المراد به النصر والتأييد؟
طالب: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦].
الشيخ: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، إي نعم.
ومثال للمقصود به مجرد الإدراك الذي يراد به مجرد بيان أن الله تعالى محيط بالشيء سامع له؟
طالب: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ [المجادلة: ١].
الشيخ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ.
وكونه تعالى سميعًا هل يلزم منه إثبات الأذن؟ الجواب: لا يلزم، كما أن كونه بصيرًا لا يلزم منه إثبات العين، ولكن العين ثبتت بدليل آخر، لولا أن الله أثبتها لنفسه بدليل آخر ما أثبتناها، فالسميع ما نقول: يلزم من كونه سميعًا أن يكون له أذن، كما لا يلزم من كونه متكلمًا أن يكون له لسان وشفتان، وما أشبه ذلك، فإننا نعلم أن الأرض تحدث أخبارها، ولا تحدث إلا بعد سماع، وهل لها أذن؟ ما لها أذن -فيما نعلم- ليس لها أذن، وهل لها لسان؟ ما نعلم أن لها لسانًا، فعلى هذا نقول: لا يلزم من إثبات السمع إثبات الأذن.
فإذا قال قائل: إنه ثبت في الحديث الصحيح: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ إِذْنَهُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» ؟
فالجواب: أن معنى (ما أذن له) أي: ما استمع له، ولا يلزم من هذا أيضًا إثبات الأذن؛ لأنه ما هو صريح، والصفات ما يمكن أن نثبتها بالاحتمال، لا بد من أن تكون المسألة واضحة وصريحة.
طالب: (...) ما أذن (...)؟
الشيخ: لا، (ما أذن) بمعنى قدَّر، لا، معناها استمع؛ لأنه معلق بصوت؛ «لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ»، إن الله أذن للناس من جهة الإذن الشرعي مثلًا أنه رخص لهم أو أباح لهم ما هو أعظم من هذا، فإن التوحيد وغيره مما هو أكبر من قراءة القرآن لا شك أنه يأذن به أكثر.
وقوله: الْعَلِيمُيقول المؤلف: (بأفعالهم)، والحقيقة أن العلم يتعلق بالأفعال والأقوال أيضًا، فتخصيصه بالأفعال هذا فيه نظر؛ لأن الذي يختص بالأفعال إنما هو الرؤية، أما العلم فإنه أعم؛ يتعلق بالأفعال، يتعلق بالأقوال، ويتعلق بحديث النفس، ويتعلق بالجهر، بكل شيء.
يقول تعالى: وَمَنْ جَاهَدَقال المؤلف: (جهاد حرب أو نفس).
نسيت أن أقول: أين جواب مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ؟ المؤلف قدَّره بقوله: (فليستعد له) وجعله محذوفًا، وعندي أنه لا بأس أن نقول: إن جواب الشرط هو قوله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، ويكون المعنى: أن الذي يرجو لقاء الله فإنه سيحصل له، ولا حاجة أن نقدر شيئًا محذوفًا؛ لأن الأصل عدم الحذف، وهذا الذي قدَّره المؤلف مثل ما قدَّره في قوله تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ [البقرة: ٩٧]، قد تقدم أن المؤلف قدَّره بقوله: (فليمت غيظًا)، وذكرنا هناك أنه لا حاجة لهذا التقدير.
طالب: (...)؟
الشيخ: يؤمل، لكن الأمل مبني على المحبة، أنت ما تؤمل الشيء إلا وأنت تحبه، فرجاء الشيء بمعنى الأمل على حصوله.
قال: (وَمَنْ جَاهَدَ [العنكبوت: ٦] جهاد حرب أو نفس) أفادنا المؤلف من هذه العبارة أن الجهاد ينقسم إلى قسمين: جهاد حرب؛ وذلك بجهاد الأعداء، وجهاد نفس بأن تجاهد نفسك على فعل الطاعات وعلى ترك المحرمات.
وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِقال في معناها: (فإن منفعة جهاده له لا لله)، فالذي يجاهد -والجهاد بذل الجُهد في الشيء- لا يجاهد لله وإنما يعمل لنفسه، كقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [فصلت: ٤٦].
وقول المؤلف: (فإن منفعة جهاده له لا لله)، نعم له؛ لأنه مأجور، سواء جاهد نفسه أو جاهد غيره، مع أنه إذا جاهد غيره قد تكون المنفعة أيضًا للغير، فإن هذا الغير بالجهاد ربما يدخل في دين الله، وحينئذٍ يحصل له منفعة.
المهم أن الله سبحانه وتعالى لا ينتفع بهذا الجهاد؛ ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَهذا كالتعليل لقوله: فإنما يجاهِدُ لنفسه، فالله تعالى غني عنه؛ لا ينتفع بطاعته ولا يتضرر بمعصيته.
وقوله: (غني عنهم) ويش معنى الغني؟ معناه: الذي لا يحتاج إليهم لما عنده من الجود والسعة والتدبير للأمور، فهو لا يحتاج إلى العالمين كلهم، قال المؤلف: (الْعَالَمِينَالإنس والجن والملائكة) أيش بعده؟
طالب: (وعن عبادتهم).
الشيخ: (وعن عبادتهم) إي نعم، غني عنهم لا يحتاج إليهم، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات: ٥٦، ٥٧].
كذلك غني عن عبادتهم؛ لأن عبادتهم إنما تكون لهم، أما الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينتفع بطاعة الطائعين، ولا يتضرر بمعصية العاصين.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّالجملة هنا مؤكدة بكم مؤكد؟ باثنين وهما: (إن) واللام؛ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ [العنكبوت: ٧] بعمل الصالحات، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَبمعنى (حسن)، ونصبه بنزع الخافض؛ الباء، الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَوهو الصالحات).
قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِهذا في مقابل أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا، أما هنا فيقول: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِوالإيمان -كما تقرر كثيرًا- هو التصديق مع القبول والإذعان، وليس مجرد التصديق.
وقوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِهذا في أعمال الجوارح، فالإيمان في القلب، وعمل الصالحات في الجوارح، والعمل يتناول الفعل والقول؛ ولهذا ليس قسيمًا للقول، كما يظنه بعض الناس فيقول: قول وعمل، بل إن قسيم القول هو الفعل، أما العمل فإنه يشمل القول ويشمل الفعل أيضًا، فـعَمِلُوا الصَّالِحَاتِإذن يتناول الأفعال؛ مثل الركوع والسجود والصلاة والقيام والقعود فيها، ويتناول الأقوال؛ كقراءة القرآن والتكبير والتحميد، وغير ذلك.
وقوله: الصَّالِحَاتِيعني: الأعمال الصالحات، فهو صفة لموصوف محذوف تقديره: الأعمال الصالحات، والعمل الصالح هو الذي جمع كم شرطًا؟
طالب: الإخلاص والمتابعة.
الشيخ: نعم، العمل الصالح هو الذي جمع شرطين هما: الإخلاص والمتابعة؛ فالإخلاص أن تقصد بعملك وجه الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة، والمتابعة أن تكون في ذلك متبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم، ضد الأول الإشراك، وضد الثاني البدعة، فلا تكون مشركًا ولا مبتدعًا.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمهنا قال: لَنُكَفِّرَنَّوالجملة جواب لقسم مقدر تقديره: واللهِ لنكفرن، فهي إذن مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم واللام والنون.
وقوله: لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمالتكفير بمعنى الستر، ومنه الكُفُرَّى، وهي القشرة التي تستر طلع النخلة، فمعنى (نكفر عنهم سيئاتهم) أي: نسترها، والمراد بالستر لازمه وهو العفو، لكن نكفر عنهم سيئاتهم بماذا؟ بإيمانهم وعملهم الصالح؛ لأن الإيمان يهدم ما قبله، والعمل الصالح يقول الله فيه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: ٣١].
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، هذه سترها؛ لأنها مأخوذة من الكفر وهو الستر.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، صحيح، ومنه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ؛ لأنها مأخوذة من التغطية، وتغطية السيئات معناها: إزالتها وعدم المؤاخذة عليها.
وقوله: لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِم، قال المؤلف: (بعمل الصالحات)، فأعمالهم الصالحة تكون مكفرة للسيئات، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» ، فالأعمال الصالحة تكون بمنزلة الغلاف على الأعمال السيئة حتى لا يظهر لها أثر.
قال: لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَنجزينهم، الجزاء بمعنى: المكافأة على الشيء، وقوله: لَنَجْزِيَنَّهميقال فيها بالنسبة للتوكيد ما قيل في قوله: لَنُكَفِّرَنَّ.
وقوله: أَحْسَنَقال المؤلف: (بمعنى حسن)، وكأنه فرَّ من إشكال قد يورد وهو: أن الآية تدل على أنهم يجزون أحسن الذي كانوا يعملون، والحسن يعني: العمل الصالح حسن وأحسن، فإذا كانت الآية أحسن ما كانوا يعملون معناه أن الحسن يجازون عليه ولَّا لا؟ ما يجازون؛ فلهذا أوَّل المؤلف (أحسن) بمعنى (حسن)؛ حسن ما كانوا يعملون، ولكن نحن نرى أنه لا حاجة إلى التأويل وأن ما دلت عليه الآية أولى مما قدره المؤلف؛ وهو أن الله يقول: لنجزينهم أحسن جزاء الذي كانوا يعملون، فهي على تقدير محذوف: لنجزينهم أحسن جزاء.
وأحسن الجزاء بيَّنه الله تعالى في قوله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٦١]، فهذا الجزاء أحسن جزاء ولَّا لا؟ أحسن جزاء؛ لأن الجزاء غايته أن يكون مثل ما فعل الفاعل، لكن هنا يجازى بأحسن وأعظم، وعلى هذا فيكون (أحسن) ليس منصوبًا بنزع الخافض كما قال المؤلف: (ونصبه بنزع الخافض؛ الباء) بل هو مفعول ثانٍ لقوله: (نجزي)، والمفعول الأول هو الهاء، والنون في قوله: لَنَجْزِيَنَّهُمْللتوكيد.
هذا هو معنى الآية الكريمة؛ يعني: أن الله وعدهم بأمرين: بتكفير السيئات بالأعمال الصالحة، وبالجزاء على هذه الأعمال شنو به؟ أحسن جزاء يعطون، وذلك أن تكون الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
وقوله: أحسن الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَمن أين يقول المؤلف: (وهو الصالحات)، فهذه الأعمال الصالحة التي يعملونها يجازيهم الله عليها أحسن جزاء يجازون به.
ثم قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت: ٨] لما ذكر سبحانه وتعالى مجمل حقه وما توعد به المخالفين وما وعد به الموافقين قال: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِوصيناه بهم؛ أي: عهدنا إليه بهم، والوصية إنما تكون في الأمور الهامة، وقوله: بِوَالِدَيْهأي: أمه وأبيه.
حُسْنًاقال المؤلف: (أي: إيصاء ذا حسن)، فعلى رأيه يكون قوله: حُسْنًاوصفًا لمحذوف؛ أي: إيصاء حسنًا، و(حُسن) -كما تعرفون- مصدر وليست حَسَنًا، فإذا كانت مصدرًا فإنه يجب أن يقدر لها مضاف، وهو: ذا حسن، هكذا قال المؤلف، ويحتمل احتمالًا قويًّا أن حُسْنًاهذه منصوبة بنزع الخافض؛ أي: عهدنا إليه بحسن، وأن الحُسن هنا بمعنى الإحسان، كما قال تعالى في آية أخرى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا [الأحقاف: ١٥]، وهذا أقرب من تقدير المؤلف، والله أعلم.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، هذا هو الظاهر بعينه، كما قال تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤] أي: بمرأى منا بأعيننا.
طالب: الدليل من السنة (...)؟
الشيخ: على من ظن أن الله تعالى لا يقدر على الانتقام منه بعمل السيئات؛ لقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا.
ويستفاد منها أيضًا: تهديد عامل السيئات بأخذ الله لهم وأنهم لن يعجزوا الله.
ويستفاد من هذا: تحريم ظن السوء بالله؛ لقوله: سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ، فإن من ظن أن الله عاجز عن إدراكه..





