تفسير الآيتين (12-13)
تفسير الآية (14)
تفسير الآية (15)
(...) ثم قال تعالى: مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت: ٥].
من فوائد هذه الآية: تطْمِينُ أولئك الذين يرجون لقاءَ الله بأنَّ ما رَجَوْه فسيأتي.
ثانيًا، من فوائدها: إثبات الجزاء.
وثالثًا: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ.
ومن فوائدها: إثبات اسْمَي السَّمِيعُ الْعَلِيمُلله.
ومن فوائدها: إثبات ما تضمَّناه من صفةٍ؛ فالأوَّل تضَمَّن صفة السمْع، والثاني تضمَّن صفة العِلم.
وهُنا الذي أُخِّرَ الشرطُ ولَّا القَسَم؟ الشرطُ، فحُذِف جوابُه لدلالة جواب القَسَم عليه.
(وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌللمؤمنين مِنْ رَبِّكَفَغَنِمُوا) لَيَقُولُنَّهذه جماعة ولَّا واحد؟
الطلبة: جماعة.
الشيخ: لَيَقُولُنَّجماعة، فعاد الضمير على مَنْفي قوله تعالى: مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِباعتبار المعنى، وعاد إليه بالأول -مَنْ يَقُولُولم يَقُلْ: مَن يقُولون- باعتبار اللفظ، وقد مَرَّتْ علينا هذه القاعدة غيرَ مرَّةٍ وقُلنا: إنه إذا جاء اسم الموصول أو اسم الشرط العامُّ للواحد والجماعة فإنَّه يجوز في ضميره أنْ يكون مجموعًا وأنْ يكون مفردًا، فإن رُوعِيَ اللفظ صارَ مفردًا، وإنْ رُوعِيَ المعنى صار بحسَب ما يُرادُ به في المعنى، وسواء كان ذلك في أسماء الشرط أو في الأسماء الموصولة. اللِّي عندنا الآن في الاسم الموصول.
في أسماء الشرط قال الله تعالى في سورة الطلاق: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارهذا راعَى اللفظَ خَالِدِينَ فِيهَاراعَى المعنى أبدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ [الطلاق: ١١] راعَى اللفظَ؛ ففي هذه الآية مراعاةُ اللفظِ ثم مراعاةُ المعنى ثم مراعاةُ اللفظِ مرةً ثانيةً.
قال: (لَيَقُولُنَّحُذِفَتْ منه نونُ الرفعِ لتوالي النوناتِ، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين) وبَقِيَتْ الضمَّة -لَيَقُولُنَّ- دالَّةً على الواو المحذوفة.
(إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْفي الإيمان، فأشرِكونا في الغنيمة). أعوذ بالله، هؤلاء إذا أُوذُوا في الله ارتَدُّوا على أدبارهم ووافقوا مَن آذاهم، ولكنَّهم إذا أصاب المؤمنين نصرٌ قالوا: إنَّا كُنَّا معكم؛ يعني فنريد أن يَحْصُل لنا ما حَصَل لكم من الغنيمة. قال الله تعالى ردًّا عليهم: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَويش الجواب؟ بلى.
وقوله: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَقال المؤلِّف: (أي: بعالِمٍ). وسبق لنا أنَّ قوله هذا لا يُعتبَر تفسيرًا، ولكنَّه تحريف؛ لأنَّ (أعلم) أَبْلَغ من (عالِم)، فكيف يرُدُّها إلى (عالِم) وهو أنقص!
وقوله: بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَالمراد بما في صدورهم أي: قلوبهم؛ يعني: أَعْلم بقلوب الناس؛ لأنَّ القلب محلُّه الصَّدْر، والقلب مَحَلُّ الإرادة، وفي هذا إن شاء الله دليلٌ على أنَّ مَحَلَّ التصديق والتكذيب هو القلب.
وقوله: (بما في قلوبهم من الإيمان والنفاق) الجواب: (بلى).
وعلى هذا فنقول لهذا الذي قال: إني معكم؛ نقول: لسْتَ معهم في الحقيقة؛ وذلك لأنَّك كافرٌ بالله عز وجل حينما ارتدَدْتَ لَمَّا أوذِيتَ.
قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا [العنكبوت: ١٢] دِيننا). يعني: طريقنا، السبيل بمعنى الطريق، وهذه من الدعايات والدعوة إلى الباطل؛ يقول الكفار للمؤمنين الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَاأي: طريقنا، وهو الشرك.
وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْاللام لام الأمر، والمراد به الخبر؛ يعني: ونحن نَحمِل خطاياكم. وإنما جعلوا الخبر بصيغة الأمر لإظهار الالتزام لهم بذلك، إظهار التزام مَن؟ الكافرين للمؤمنين بذلك؛ يعني بَدَل ما يقولون: ونحن نحمل، كأنَّهم يقولون: ونُلْزِم أنفسَنا بذلك، نلزِمُها فنوجِّه الأمرَ إليها.
وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْالخطايا جمع خطيئة، وهي ارتكاب الإثم؛ يعني أنَّ ارتكابكم الإثمَ نحن نتحمَّله.
(وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْفي اتِّباعنا إنْ كانت، والأمر بمعنى الخبر).
وقوله: (إنْ كانت) إنما قدَّرها المؤلِّف لأنَّ هؤلاء المشركين الذين دعَوْا إلى متابعتهم لا يعتقدون أنهم على خطأ، فهُمْ يقولون للمؤمنين: اتَّبعوا سبيلنا، وإنْ كان لكم خطايا بهذا الاتِّباع فإننا نتحمَّلها. فالتقدير الذي ذكره المؤلِّف واضحٌ من الآية؛ لأنهم لو كانوا يعتقدون أنهم إذا رجعوا إلى الشرك أو إذا دخلوا في الشرك كانوا مُخْطئين لكانوا ما دعَوْا إلى الشرك، فقولهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْيعني: إن كان لكم خطايا بدخولكم في الشرك فإننا نتحمَّله.
تَضَمَّنَ هذا الكلام دَعْوةً ودِعايةً؛ الدعوة: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا، والدِّعاية بتزيين هذا الأمر لهم؛ قولهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْيعني: ما عليكم شيء.
قال الله تعالى مكذِّبًا لما ادَّعَوْه: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ.
وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ(ما) نافيةٌ، وهي هنا حجازيَّة، ودخلتْ الباء في خبرها على حدِّ قول ابن مالك:
فهُنا بعد (ما) قال: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ، وإنما أتى بالباء الزائدة إعرابًا لتأكيد النفي؛ أي أنَّ هذا أمرٌ مُؤَكَّد؛ مَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ.
وقوله: مِنْ شَيْءٍمِنْحرف جرٍّ زائدٌ أيضًا، وفائدة زيادتها تأكيد العموم؛ سواء كان هذا الشيءُ قليلًا أو كثيرًا.
وأمَّا قوله: مِنْ خَطَايَاهُمْفإنَّه في موضع نصْبٍ على الحال مِن شَيْءٍ؛ لأنَّ الوصفَ إذا سَبَقَ النَّكِرة صار حالًا منها، وإنْ تأخَّر صار نعتًا.
يقول: مَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍأي: ما هُمْ حاملِينَ شيئًا من خطاياهم، وهلْ هذا خَبَرٌ عن حُكمٍ شرعيٍّ أو عن حُكمٍ شرعيٍّ قَدَريٍّ؟
أمَّا كَوْنُه عنْ حُكمٍ شرعيٍّ فنَعَمْ؛ ما يُمْكِن يحمِل هؤلاء من خطايا هؤلاء شيئًا لقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤]، وأمَّا كَوْنُه عنْ حُكمٍ قَدَريٌّ أيضًا فلأنَّ هؤلاء لو قالوا لهم فهُمْ كاذبون؛ لو قالوا: نَحمِل خطاياكم، فإنَّهم كاذبون في ذلك؛ لقوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: ١٦٦]، فهُمْ لو قالوا ما هُمْ بحاملين، فكأنَّ الله تعالى يُكذِّبُهم؛ يقول: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَأي إنهم ما يَصْدقون فيما قالوا، فصارتْ الآن هذه الآية متضمِّنةً للنفي حُكمًا شرعيًّا وللنفي حُكمًا واقعيًّا؛ فهُمْ في الشرع لا يَحمِلون أوزارهم، وهُمْ في الواقع لا يَحمِلون أوزارهم أيضًا، لو قالوا ما صَدَقوا، ما هُمْ بحاملين من خطاياهم، ولكنْ يريدون أن يخدعوهم ويغرُّوهم، وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء، ولهذا قال: إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، إنَّهم لكاذبون في أيش؟ في قولهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ، كاذبون في هذا، لو قالوا ما يَصْدقون، كما أنَّه بالنسبة إلى الله عز وجل ما يُمْكِن أن يُحَمِّل أوزار هؤلاء لهؤلاء؛ قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤].
الشيخ:
نعم، هذه قرأتها كَم من مرة هذا الأسبوع فقط.
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١] كسرناها.
اللَّين: الواو أو الألِف أو الياء؛ فإنَّه يستحقُّ الحذفَ (فحذفَه استحق).
طالب: النصارى يحملون (...).
الشيخ: لا، الرسول صلى الله عليه وسلم احترَزَ؛ قال: «مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» .
طالب: (...).
الشيخ: إي، يدخلون في هذا (...).
الطالب: (...).
الشيخ: (...) هذه نَذكُرها في الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم.
طالب: يا شيخ، القاعدة في طاعة الوالدين.
الشيخ: القاعدة: ألَّا تكون في معصية الله وأنْ تكون من الإحسان إليهما.
طالب: وألَّا يكون عليه مَضَرَّة.
الشيخ: إي نعم، وألَّا يكون عليه مَضَرَّة.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [العنكبوت: ١٤] اللام موطِّئة للقَسَم، و(قد) للتحقيق، والجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات، وإنما أكَّد الله ذلك وإنْ كان الخطاب لغير مُنْكِرٍ، لكنْ تقدَّم لنا أنَّ الأمور الهامَّة تؤكَّد وإنْ لم يُخاطَب بها مَن يُنْكِر أو يَترَدَّد، كُلّ الأمور الهامَّة فإنها تُؤكَّد.
وقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًاأي: بعثناه برسالة، وكان هذا بعد مُدَّة طويلة من آدم؛ إذْ كان الناس بعد آدم على مِلَّةٍ واحدةٍ بدون رسالة؛ لأنَّ آدم نبِيٌّ وليس برسولٍ؛ إذْ إنَّه ليس هناك أحدٌ يُرسَل إليه، وإنما أُوحِي إليه بشرعٍ وجَعَل يتعبَّدُ به واتَّبعه بنوه على ذلك، ولكنْ لما كثُرَ بنو آدم اختلفَتْ آراؤهم وأهواؤهم فاحتاجوا إلى الرسالة؛ قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣]، فبَيَّن سبحانه وتعالى أنَّ الرُّسُل أُرْسِلوا متى؟ بعد أن اختلف الناس، ولهذا فيه قراءة: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) وهذه القراءة دَلَّ عليها آخِر الآية: لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فأرسل الله نوحًا، وهو أوَّل رسولٍ أُرسِل إلى البَشَريَّة.
طالب: (...).
الشيخ: نعم رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكنَّه ما نَعْلم هل هذا صحيحٌ أو لا؛ لأنَّ ابن عباس مِمَّن تَلَقَّى عن بني إسرائيل.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِقال: (وعُمْره أربعون سَنَةً أو أكثر). (...) لو أكثر هان الأمر، فنحن لا نعلم بالتحديد كَمْ عمرُه، ما نعلم، لكنَّنا نعلم عِلم اليقين أنَّ الله أرسله وعُمْره قابلٌ لأنْ يكون أهلًا للرسالة سواء كان أربعين سنةً أو أكثر، ولا أظنُّه يكون أقلَّ.
وقوله: إلي قومِههذا فيه شاهِدٌ للحديث الصحيح: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
قال: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًايدعوهم إلى توحيد الله فكذَّبوه).
لَبِثَ فِيهِمْأي: في دعْوتهم إلى دين الله.
أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًاكم؟ تسعَ مئةٍ وخمسين سنةً يدعوهم إلى عبادة الله، عُمْرٌ طويلٌ، وهو معهم في صِراعٍ، وفي سورة نوحٍ يقول الله تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْلِئَلَّا يسمعوا ما أقول وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْتَغَطَّوْا بها لِئَلَّا يرَوْني -أعوذ بالله- يعني معناه أنهم يسُدُّون كُلَّ منافذ الوعي: السمْعَ والبصرَ وَأَصَرُّواعلى ما هُمْ عليه من الباطل؛ من المعاصي وَاسْتَكْبَرُواعن الواجبات اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح: ٢ - ٩] شوف مراحل الدعوة العظيمة، ومع ذلك ما استفادوا شيئًا، ما آمَنَ معه إلا قليلٌ، فالـمُدَّة طويلةٌ، والدعوة متنوِّعةٌ، والمضادَّة والمحادَّة لنوحٍ شديدةٌ عظيمةٌ، يمرُّون به وهو يصنع السفينة ويسْخَرون منه، لكنه مؤمن بالله عز وجل ويقول: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيم [هود: ٣٨، ٣٩]، هذه الْمُدَّة الطويلة يقول الله تعالى في سورة هود: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠]، حتى أحدُ أولاده ما آمَنَ، وهذا يُوجِب لنا أن نصبر ونحتسب.
الإنسان مِنَّا إذا دعا الناسَ لمدَّة ساعة ولم يستجِب أحدٌ زعِل وترك الدعوة، قال: ما فيه فائدة. هذا لَبِث ألْفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا ومع ذلك ما آمَنَ معه إلا قليلٌ.
يقول الله عز وجل: فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ(...) لأن القصة تكون أحيانًا مختصَرة يُذكَر فيها السببُ والأثَرُ بدون تفصيل، إرسالٌ ومُكْثٌ طويلٌ، وبَعْد ذلك أَخْذٌ، لكنْ أخْذٌ بسببٍ وهو قوله: وَهُمْ ظَالِمُونَ.
قال تعالى: فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُأَخَذَهُمُأبلَغُ مِن قوله: فأغرقهم. والأخْذُ يكون في مقابلة عمَلٍ، فهو جزاء.
(الطُّوفَانُأي: الماء الكثير طافَ بهم وعَلاهم فغرقوا). طافَ بهم من كُلِّ جانبٍ والعياذ بالله، وقد ذكر الله تعالى شأنَ هذا الأمر فقال سبحانه وتعالى: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: ١١، ١٢] شوف أَبْوَابَ السَّمَاءِكُلّ أبواب السماء فُتِّحت، إذا فُتِّحت أبواب السماء ستكون مثل القِرَب. بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍيعني نازِل بشِدَّة وقوَّة. وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًاالأرض كُلّها تفجَّرتْ عيونًا، حتى قال تعالى: وَفَارَ التَّنُّورُ [هود: ٤٠] وهو موضع النار البعيد عن الرطوبة. فَارَبدأ يفور عيونًا. ويش رأيكم يعني سيكون الماء بين ساعاتٍ فوق قِمَم الجبال، وهكذا كان بإذْن الله، كان كذلك؛ الأرضُ كلُّها تَبُثُّ عيونًا، والسماء مُنهَمِرةٌ بالمياه العظيمة. فَالْتَقَى الْمَاءُماءُ الأرض وماءُ السماء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَمَن ينجو مِن هذا؛ وَرَدَ في الحديث أنَّه لو أَنْجَى اللهُ أحَدًا لَأَنْجَى أمَّ الصَّبِيِّ؛ امرأة معها صَبِيٌّ كُلَّما وَصَلَها الماء صعِدَتْ في الجبل، وكُلَّما وَصَلَها صعِدَتْ، حتى وَصَلَتْ إلى قِمَّة الجبل، فلمَّا ألْجَمَها الماءُ حملَتْ ولَدَها فوق لأجْلِ أن تَغْرَق قبْل ابنها ، ولكنْ -والعياذ بالله- رحمةُ الله تعالى ما تدرك الكافرين بعد أن يروا العذاب؛ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٥] المهم..
طالب: السماء الحقيقية؟
الشيخ: السماء اللِّي فوق، ما عَلاك فهو سماء.
(فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُأي: الماء الكثير طافَ بهم وعَلاهم فغرقوا).
وَهُمْ ظَالِمُونَ، جُمْلةُ وَهُمْ ظَالِمُونَفي موضع نَصْبٍ على الحالِ مِن الهاء في قوله: فَأَخَذَهُمُ؛ يعني: والحال أنَّهم ظالمون؛ أي: مُقيمون على الظُّلْم، ما آمَنوا؛ لأنه مَا آمَنَ مع نوحٍ إلا نفرٌ قليلٌ.
(فَأَنجَيْنَاهُ [العنكبوت: ١٥] أي: نوحًا) مِن هذا الطوفانِ العظيمِ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِوَأَصْحَابَ(أصحاب) ويش المعطوف عليه؟ على الهاء في قوله: أَنجَيْنَاهُ؛ يعني وأنجينا أيضًا أصحاب السفينة؛ يعني أهلَها؛ أي: (الذين كانوا معه فيها)، وهُم المؤمنون، أهْل نوحٍ كُلّهم إلا ابنَه الكافر. والمؤمنون مِن قومه وكذلك أيضًا الحيوانات مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود: ٤٠] كُلّ اللي على وجه الأرض يعيش مِن الحيوانات حُمِل في هذه السفينة، لأن (...) كُلّ شيءٍ على الأرض، هؤلاء أصحاب السفينة نجَوْا.
وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَجعلْنَاها عِبرةً للعالَمين. جَعَلْنَاهَاالضمير في جَعَلْنَاهَاأي: القِصَّة، أو جَعَلْنَاهَاأي: السفينة.
طالب: (...).
الشيخ: إذ هو يؤيِّد أنَّها السفينة؛ أنها لأقْربِ مذكورٍ، ويؤيِّد العموم أنَّ العِبرة ليستْ في السفينة فقط بلْ في السفينة وفي القصة؛ حيث إنَّه بقي هذه المدَّةَ الطويلةَ ولم يؤمن معه إلا قليلٌ، وحَصَل هذا الغَرَق العظيم الذي لا نَظِيرَ له فيما نعلم، فهي آيةٌ للعالَمين.
وأمَّا أنَّها السفينةُ فإنَّ الله تعالى يقول: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس: ٤٢] وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِأي: مِن مِثْل الفُلْك المشحون الذي نجا به نوحٌ مَا يَرْكَبُونَ، فصارَ أوَّل من صنع السُّفُن نوح ثمَّ أخذها الناسُ منه، وتأمل الحكمة في قوله تعالى: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر: ١٣] ولا قال: حملْناه على السفينة، ليش؟ تنبيهًا على الموادِّ التي يُسمُّونها الموادَّ الخام في صُنْع السفينة. ويش هي؟ الألواح والدُّسُر؛ يعني المسامير، يعني معناه أنها تُصنَع من الألواح والمسامير علشان يعرف الناس ذلك، وهذا هو الواقع، كُلُّ الناس عرفوا بها، وتطورت الصنعة إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
وقوله: وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَبعض العلماء يقول: جَعَلْنَاهَاأي السفينةَ عينًا، وأنَّ هذه السفينة بقِيَتْ في الأُمَم حتى أدرَكَتْها آخرُ الأُمَم وهُم أوَّل هذه الأُمة، فيُقَال: إنَّ أجزاء هذه السفينة بقِيتْ موجودةً إلى أن أدرَكها أوَّلُ هذه الأُمَّة على الْجُودِيِّ الذي استَوَتْ عليه. وهذا فيه نظر.
والقول الثاني أنَّ الهاء في قوله: وَجَعَلْنَاهَايعود على السفينة باعتبار الجنس لا باعتبار الشَّخْص؛ فالضَّمِير يعود إليها باعتبار جنسها كقوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَاجَعَلْنَاهَاأي: الشُّهُب التي تَخرُج من هذه المصابيح رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥]، وكما في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً [المؤمنون: ١٢، ١٣] جَعَلْنَاهُهذا الضمير يعود على الإنسان باعتبار جنسه أو باعتبار شخصه؟
طالب: باعتبار جنسه؛ لأن الأول آدم ..
الشيخ: لا تُعَلِّل (...)، مَن يوافق أو يخالف؟
طالب: باعتبار الجنس.
الشيخ: باعتبار الجنس، إي نعم، ما يصِحُّ أن يكون باعتبار الشخص؛ لأنه ما هو بـ(آدم)، هو اللِّي نُطْفة في الأرحام، هل آدم الذي خُلِق من سلالةٍ من طينٍ يكون في الأرحام نطفةً في قرارٍ مَكينٍ؟ لا، ولكن ثُمَّ جَعَلْنَاهُأي الإنسانَ باعتبار جنسه، فالضمير يعود إلى الإنسان باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص، فعلى هذا يكون قوله تعالى هنا: وَجَعَلْنَاهَاأي: السفينةَ باعتبار جنسها ولَّا باعتبار شخصها؟ يعني: نفس السفينة ولَّا جنس السفينة؟
فيه قولان للعلماء؛ أنا قلتُ لكم: بعض العلماء يقول: إنها بقيتْ هذه السفينة؛ شَخصُها بقي حتى أدركَتْه آخِرُ الأُمَم هذه الأُمَّة، وعلى هذا يكون جَعَلْنَاهَاأي: السفينةَ عينَها.
وبعضهم يقول: لا، سفينةُ نوحٍ لها قرون عظيمة، تكسَّرتْ وأتلفتْها الرياحُ والشمسُ والناسُ، راحتْ، لكنْ جَعَلْنَاهَاأي: السفينةَ باعتبار الجنس.
طالب: (...).
الشيخ: (...)، نحن نتكلم عن السفينة، هي التي نتكلم عليها، إي نعم.
طالب: نقول يمكن (...).
الشيخ: على كل حالٍ المسألةُ فيها قولان لأهل العلم: إما باعتبار الشخص، وإما باعتبار الجنس.
وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَالمراد بـ(العالَمين) هنا مَنْ بَعْدهم مِن الناس كما قال المؤلِّف: (لِمَنْ بَعْدهم مِن الناس إن عَصَوْا رُسُلهم). وهذا مِن المؤلِّف؛ كأنه يقول: إنَّ الضمير في جَعَلْنَاهَايعود على القِصَّة كلِّها وأنَّها عِبرة للعالَمين، إنْ عَصَوْا رُسُلَهم فسيَحِلُّ بهم من العقوبة ما حَلَّ بقوم نوحٍ.
وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ(لِمَنْ بَعْدهم من الناس إنْ عَصَوْا رُسُلهم. وعاش نوحٌ بَعْد الطوفانِ ستين سنة). يصير أربعون سنةً قبْل البعثة وستون سنةً بعد الطوفانِ مئةَ سنةٍ، وتسع مئةٍ وخمسون: ألف وخمسون سنة، لكنْ عاد المؤلِّف قال: (ستين سنةً أو أكْثَر حتى كَثُر الناس). يعني أنَّه ما جَزَم بأنَّه ما بقي إلا ستين سنةً بعد الطوفانِ.
ونحن نقول: ليس لنا فائدة من معرفة كَمْ لَبِثَ قبْل الرسالة ولا مِن معرفة كَمْ لَبِثَ بعد الطوفانِ؛ لأنَّ المهم ما هي؟ المهم هو القصة.
إن هذا أوَّل الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومع ذلك وجد من قومه من المعارضات والاستكبار ورَدِّ دعْوته ما لم يجِدْه نبيٌّ مِثْله؛ لأننا ما نعلم أن نبيًّا بقي في قومه ألْف سنةٍ إلا خمسين عامًا إلَّا نوحًا، وأمَّا المثل العامِّي عند الناس يقول: (عسى عُمْرك عُمْر شعيب) هذا مشهورٌ عندنا، ما أدري، معروفٌ عندكم؟ إذا بغوا يَدْعون الناس بطول العُمْر قالوا: (عسى عُمْرك عُمْر شعيب) يظنُّون أن عُمْر شُعَيب أطول الأعمار، ولكن هذا غير صحيحٍ، الآن اللِّي بَلَغَنَا مِن كتاب الله سبحانه وتعالى أنَّ أطولَ الناسِ عُمْرًا نوح، هذا الذي بَلَغَنا، فهُمْ لو قالوا: عسى عُمرك عُمر نوح، كان معقول، لكن (عسى عُمرك عمُر شعيب) (...) .
طالب: (...).
الشيخ: ما أدري هم يظنون هذا الظن أو أنه شعيب أخو مدين.
طالب: (...).
الشيخ: ما أدري، الله أعلم.
في قصة نوحٍ يقول الله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، والله يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِما فيه تعدُّد، نوحٌ واحد، أيش لونه؟
طالب: باعتبار الجنس؛ يعني: كذَّبوا الرسول فكذَّبوا الرُّسُل.
الشيخ: إي نعم، يعني أنَّ الذي يُكذِّب رسولًا من الرُّسُل مُكذِّبٌ للجميع؛ لأنه ويش الفرق بين نوح وهود وصالح؟! كلُّهم من بني آدم، كونك تكذِّب واحدًا قامتْ البيِّنة على أنه رسول كأنَّما كذَّبْتَ جميعَ الرسل، مثلما أنَّ مَن آمَنَ ببعض الرسالة وكَفَر ببعضٍ فقد كَفَر بالجميع؛ أحدٌ يقول: أنا أومِن بأنَّ الصلاة مفروضةٌ لكن ما أومِن بأنَّ الزكاة فرضٌ. نقول: الآن كذَّبْتَ بهذا وبهذا؛ لأن إيمانك بأنَّ الصلاة مفروضةٌ دون الزكاةِ عن هَوى ولَّا عن هُدى؟ عن هوى، لو كان عن هُدى لآمَنْتَ بهذا كما آمَنْتَ بهذا، فأنت إذَنْ لسْتَ بمؤمن لا بهذا ولا بهذا.
من فوائد هذه الآية: تطْمِينُ أولئك الذين يرجون لقاءَ الله بأنَّ ما رَجَوْه فسيأتي.
ثانيًا، من فوائدها: إثبات الجزاء.
وثالثًا: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ.
ومن فوائدها: إثبات اسْمَي السَّمِيعُ الْعَلِيمُلله.
ومن فوائدها: إثبات ما تضمَّناه من صفةٍ؛ فالأوَّل تضَمَّن صفة السمْع، والثاني تضمَّن صفة العِلم.
وقوله تعالى: وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: ٦]
.
من فوائد هذه الآية: أنَّ الإنسان لا بد أن يَحْصُل له مَشَقَّةٌ في القيام بما يجب عليه؛ لأنَّ الجهاد معناه بذْلُ الجهد لإدراك أمْرٍ شاقٍّ.
ومن فوائدها: أنَّ مَن جاهَدَ في العمل الصالح فإنَّ جهاده لنفسه لا ينتفع الله به.
ومن فوائدها: إثبات غِنَى اللهِ سبحانه وتعالى عن خلْقِه؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
ومن فوائدها: أنَّ مَن لم يُجاهِد فإنَّ ضرره على نفسه؛ لأنَّه إذا كانت منفعةُ الجهاد لك فمضرَّةُ ترْكِهِ عليك.
وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٧] .
من فوائد الآية هذه: فضيلة الإيمان والعمل الصالح.
ومن فوائدها: أنه تُكَفَّرُ به السيئات، والمراد بالسيئات الصغائر ولَّا لا؟ الصغائر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» .
طالب: (...).
الشيخ: ما تُكَفَّر عنه بعمل الصالحاتِ، فلا بُدَّ فيها من توبة.
ومنها: أنَّ جزاءَ الله تعالى أفضلُ مِن عَمَلِ المؤمن وأحسنُ؛ لقوله: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ.
ومن فوائدها: أنَّه لا بُدَّ في العمل من أنْ يكون صالحًا، والصالح ما جمع شرطينِ: الإخلاصَ لله عز وجل، والمتابعةَ للرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإذا لم يكنْ مُخْلَصًا فهو فاسدٌ، وإذا لم يكنْ على وَفْقِ الشريعة فهو أيضًا فاسدٌ؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
طالب: (...).
الشيخ: التصديق مِن الإيمان.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) الإخلاص والمتابعة.
الطالب: (...).
الشيخ: التصديق؟ ما يمكن إخلاص إلا بالتصديق، وما يمكن متابعة إلا بالتصديق، الإيمان سابق على..
الطالب: (...).
الشيخ: أنَّ الإيمان بمعنى التصديق؟
طالب: (...).
الشيخ: القَبول لا بُدَّ مِن الإيمان، الإيمان شرطٌ في القَبول؛ أيُّ إنسانٍ غير مؤمنٍ ما يُقْبَل منه عَمَلٌ، لا بُدَّ من التصديق السابق على العمل الصالح، ثم الإخلاص؛ ما يكون إخلاصٌ إلا بالتصديق، كيف تُخْلِص لِمَن لا تُصَدِّقُ به؟! أو كيف تَتَّبِع من لا تُصَدِّق به؟! فالإخلاص والمتابعة متضمِّنانِ للتصديق.
طالب: (...).
الشيخ: المعروف عند أهل العلم شرطان، ولا يوجد شرطٌ ثالثٌ، شرطان فقط.
من فوائد هذه الآية: أنَّ الإنسان لا بد أن يَحْصُل له مَشَقَّةٌ في القيام بما يجب عليه؛ لأنَّ الجهاد معناه بذْلُ الجهد لإدراك أمْرٍ شاقٍّ.
ومن فوائدها: أنَّ مَن جاهَدَ في العمل الصالح فإنَّ جهاده لنفسه لا ينتفع الله به.
ومن فوائدها: إثبات غِنَى اللهِ سبحانه وتعالى عن خلْقِه؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
ومن فوائدها: أنَّ مَن لم يُجاهِد فإنَّ ضرره على نفسه؛ لأنَّه إذا كانت منفعةُ الجهاد لك فمضرَّةُ ترْكِهِ عليك.
وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٧] .
من فوائد الآية هذه: فضيلة الإيمان والعمل الصالح.
ومن فوائدها: أنه تُكَفَّرُ به السيئات، والمراد بالسيئات الصغائر ولَّا لا؟ الصغائر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» .
طالب: (...).
الشيخ: ما تُكَفَّر عنه بعمل الصالحاتِ، فلا بُدَّ فيها من توبة.
ومنها: أنَّ جزاءَ الله تعالى أفضلُ مِن عَمَلِ المؤمن وأحسنُ؛ لقوله: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ.
ومن فوائدها: أنَّه لا بُدَّ في العمل من أنْ يكون صالحًا، والصالح ما جمع شرطينِ: الإخلاصَ لله عز وجل، والمتابعةَ للرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإذا لم يكنْ مُخْلَصًا فهو فاسدٌ، وإذا لم يكنْ على وَفْقِ الشريعة فهو أيضًا فاسدٌ؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
طالب: (...).
الشيخ: التصديق مِن الإيمان.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) الإخلاص والمتابعة.
الطالب: (...).
الشيخ: التصديق؟ ما يمكن إخلاص إلا بالتصديق، وما يمكن متابعة إلا بالتصديق، الإيمان سابق على..
الطالب: (...).
الشيخ: أنَّ الإيمان بمعنى التصديق؟
طالب: (...).
الشيخ: القَبول لا بُدَّ مِن الإيمان، الإيمان شرطٌ في القَبول؛ أيُّ إنسانٍ غير مؤمنٍ ما يُقْبَل منه عَمَلٌ، لا بُدَّ من التصديق السابق على العمل الصالح، ثم الإخلاص؛ ما يكون إخلاصٌ إلا بالتصديق، كيف تُخْلِص لِمَن لا تُصَدِّقُ به؟! أو كيف تَتَّبِع من لا تُصَدِّق به؟! فالإخلاص والمتابعة متضمِّنانِ للتصديق.
طالب: (...).
الشيخ: المعروف عند أهل العلم شرطان، ولا يوجد شرطٌ ثالثٌ، شرطان فقط.
***
قال: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت: ٨] الوصِيَّة معناها العهدُ بالشَّيءِ المهِمِّ؛ فمعنى
وصَّيْناه أي: عهِدْنا إليه بأمرٍ مُهِمٍّ ليقوم به.
وقوله: بِوَالِدَيْهِأي: أُمِّه وأبيه.
وقوله: حُسْنًامفعولٌ لـوَصَّيْنَا، أو منصوبٌ بنزع الخافض؛ أي: عَهِدْنا إليه بِحُسنٍ؛ أي بإحسانٍ إليهما، ولا حاجةَ إلى ما قاله المؤلِّف رحمه الله: (أي: إيصاءً ذا حُسْنٍ بأنْ يَبَرَّهما). بلْ إنَّ الموصَى به ما هو؟ نفس الْحُسْنِ، وليس الْحُسْنُ هنا وصْفًا للإيصاء، بلْ هو وَصْفٌ للمُوصَى به. المؤلِّف يريد مِن تقديره أن يكون الْحُسْن وصْفًا لإيصاء الله، والصواب أنه وَصْفٌ لأيِّ شيء؟ للموصَى به؛ أي: وصَّيْناه بأمْرٍ ذي إحسان؛ كما قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا [الأحقاف: ١٥].
وقول المؤلِّف: (بأنْ يَبَرَّهما) ما هو البِرُّ؟
البِرُّ هو الإحسانُ (...) يُحْسِنُ إليهما بالقول وبالفعل وبالمال، والمالُ في الحقيقة من الفعل، فيُحسِن إليهما بالقول لقوله تعالى: وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء: ٢٣]، وبالفِعْل: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَة [الإسراء: ٢٤]، وبالمال: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ [الإسراء: ٢٦]؛ فمثلًا إذا كان الإنسان يُحْسِن على والديه بالمال ولا (...) عليهما (...) أبدًا، قد أَغْرقَهما إغراقًا بالمال، لكنَّه مُجْنِفٌ عنهما مِن قِبَل الكلام، شَكِسٌ عليهما، عَبُوسٌ في وجههما، هل يكون قد قام بالبِرِّ؟ لا، كذلك لو كان ضَحُوكًا إليهما وليِّنًا معهما بالقول مُغْدِقًا لهما بالمال، لكنْ لا يخدِمُهما بنفسِه إذا دَعَتِ الحاجة إلى ذلك؛ فإنَّه ليس بِبَارٍّ؛ فالبِرُّ لا بُدَّ أنْ يكون بالقول والفعل والمال.
قال: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا [العنكبوت: ٨].
إِنْ جَاهَدَاكَأي: بَذَلا جُهْدَهما، وتعرفون أنَّ الجهاد معناه: الإلزام والإرغام والإحراج.
جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِييعني أمَرَاك بالشِّرك وبَذَلا الجهد في ذلك بالتلْزِيم عليك والإحراج؛ تارةً بمدح الشِّرك، وتارةً بذَمِّ التوحيد، وتارةً بالإلزام والإرغام، وتارةً بالتَّوَعُّد بالقطيعة، إذا جاهدَاك على هذا يقول الله تعالى: فَلا تُطِعْهُمَا. لِماذا؟ لأنَّ حقَّ الخالق مُقَدَّمٌ على حقِّ المخلوق، والإشراك بالله ظُلْمٌ في حقِّ الخالق كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، فلا يجوز أن تُفَرِّطَ في حقِّ الله من أجْلِ حقِّ هؤلاء.
وقوله: جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِيهو مثل قوله: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي [لقمان: ١٥].
وقوله: لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ(أي: بِإشْراكِهِ) عِلْمٌيقول المؤلِّف: (موافَقةٌ للواقع، فلا مفهوم له).
لاحظ الآية لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌهلْ يقول قائل: فإنْ جاهَدَاك على أنْ تُشرِك بي ما لك به عِلْم فأطِعْهُما؟
لو أخذْنا بظاهر الآية لقُلنا: إنَّها تدُلُّ على أنَّ الإشراك بالله ينقسم إلى قِسْمين: إشراك ليس به عِلم، وإشراك به عِلم؛ فالإشراك الذي به عِلم يجوز، والإشراك الذي ليس به عِلم لا يجوز.
قلنا: ليس الأمر كذلك، ولكنَّ هذا بيانٌ للواقع أنَّ كلَّ شِرك بالله فإنه لا عِلمَ به عند الإنسان؛ قال الله تعالى: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف: ٣٣]، ومعلومٌ أنَّ الله تعالى ما جَعَل شِركًا فيه سلطانٌ، كُلُّ الشرك ليس فيه سلطانٌ، بلْ إنَّ الشرك قد قامَ السلطانُ والعلمُ الصحيح على أنَّه باطلٌ ولَّا لا؟ على أنَّه باطلٌ، فصار معنى قوله: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌمعناه أنَّه موافقٌ للواقع، فيكون كالتعليل لتحريم الشِّرك؛ كأنَّه يقول: على أنْ تُشرك بي والحالُ أنَّ الشِّرك ليس لك به عِلم؛ فإنَّ الشِّرك قطْعًا لا يُمْكن أن يقومَ الدليلُ على وجوده، بلْ إنَّ الدليلَ الصحيحَ على انتفائه؛ فإنَّ الله تعالى لا شريك له.
(فَلا تُطِعْهُمَافي الإشراك). لو قال الوالدُ والوالدةُ مثلًا: إذا لم تُشرك فإنَّنا نُقاطِعك ولا نكلِّمك ولا نأتي إلى بيتك. ما تقول في هذا؟
الطلبة: ما يُطاعون.
الشيخ: ما يُطاعون مَهْمَا كان الأمر؛ لأنَّ هذا هو معنى قوله: وَإِنْ جَاهَدَاكَ.
فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَمعناه: ولا تظُنّ أنك بمعصيتك لهما يَلحَقُك إثمٌ في هذا؛ فإنَّ مَرجعكم إليَّ، متى؟ يومَ القيامة.
فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَوالمراد بالإنباء هنا لازمُهُ، وهو المعاقَبة والمؤاخَذة؛ فأنت بقِيتَ على التوحيد فتُجازَى جزاءَ الموحِّدِ، وهما بَقِيَا على الشرك فيُجازَيانِ جزاءَ المشرك، بل أَبْلَغ مِن ذلك يُجازَيانِ جزاءَ المشرك الداعي إلى الشِّرك؛ يعني هما ما جاهَدَاهُ على الإشراك إلا وهما مُقِيمانِ عليه ومُصِرَّانِ عليه، فيكون عليهما عقوبتانِ: إحداهما عقوبةٌ على إشراكهما، والثانية عقوبة على دعْوتهما إلى الشرك، بلْ ليس دعوة فقط؛ مجاهدةٌ للولد على أن يُشرك.
إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْيعني: أنت وهُما.
فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَأُخْبركم، والمراد بالإخبار لازِمُهُ، ولهذا قال المؤلِّف: (فأُجازيكم به).
وقوله: بِوَالِدَيْهِأي: أُمِّه وأبيه.
وقوله: حُسْنًامفعولٌ لـوَصَّيْنَا، أو منصوبٌ بنزع الخافض؛ أي: عَهِدْنا إليه بِحُسنٍ؛ أي بإحسانٍ إليهما، ولا حاجةَ إلى ما قاله المؤلِّف رحمه الله: (أي: إيصاءً ذا حُسْنٍ بأنْ يَبَرَّهما). بلْ إنَّ الموصَى به ما هو؟ نفس الْحُسْنِ، وليس الْحُسْنُ هنا وصْفًا للإيصاء، بلْ هو وَصْفٌ للمُوصَى به. المؤلِّف يريد مِن تقديره أن يكون الْحُسْن وصْفًا لإيصاء الله، والصواب أنه وَصْفٌ لأيِّ شيء؟ للموصَى به؛ أي: وصَّيْناه بأمْرٍ ذي إحسان؛ كما قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا [الأحقاف: ١٥].
وقول المؤلِّف: (بأنْ يَبَرَّهما) ما هو البِرُّ؟
البِرُّ هو الإحسانُ (...) يُحْسِنُ إليهما بالقول وبالفعل وبالمال، والمالُ في الحقيقة من الفعل، فيُحسِن إليهما بالقول لقوله تعالى: وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء: ٢٣]، وبالفِعْل: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَة [الإسراء: ٢٤]، وبالمال: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ [الإسراء: ٢٦]؛ فمثلًا إذا كان الإنسان يُحْسِن على والديه بالمال ولا (...) عليهما (...) أبدًا، قد أَغْرقَهما إغراقًا بالمال، لكنَّه مُجْنِفٌ عنهما مِن قِبَل الكلام، شَكِسٌ عليهما، عَبُوسٌ في وجههما، هل يكون قد قام بالبِرِّ؟ لا، كذلك لو كان ضَحُوكًا إليهما وليِّنًا معهما بالقول مُغْدِقًا لهما بالمال، لكنْ لا يخدِمُهما بنفسِه إذا دَعَتِ الحاجة إلى ذلك؛ فإنَّه ليس بِبَارٍّ؛ فالبِرُّ لا بُدَّ أنْ يكون بالقول والفعل والمال.
قال: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا [العنكبوت: ٨].
إِنْ جَاهَدَاكَأي: بَذَلا جُهْدَهما، وتعرفون أنَّ الجهاد معناه: الإلزام والإرغام والإحراج.
جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِييعني أمَرَاك بالشِّرك وبَذَلا الجهد في ذلك بالتلْزِيم عليك والإحراج؛ تارةً بمدح الشِّرك، وتارةً بذَمِّ التوحيد، وتارةً بالإلزام والإرغام، وتارةً بالتَّوَعُّد بالقطيعة، إذا جاهدَاك على هذا يقول الله تعالى: فَلا تُطِعْهُمَا. لِماذا؟ لأنَّ حقَّ الخالق مُقَدَّمٌ على حقِّ المخلوق، والإشراك بالله ظُلْمٌ في حقِّ الخالق كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، فلا يجوز أن تُفَرِّطَ في حقِّ الله من أجْلِ حقِّ هؤلاء.
وقوله: جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِيهو مثل قوله: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي [لقمان: ١٥].
وقوله: لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ(أي: بِإشْراكِهِ) عِلْمٌيقول المؤلِّف: (موافَقةٌ للواقع، فلا مفهوم له).
لاحظ الآية لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌهلْ يقول قائل: فإنْ جاهَدَاك على أنْ تُشرِك بي ما لك به عِلْم فأطِعْهُما؟
لو أخذْنا بظاهر الآية لقُلنا: إنَّها تدُلُّ على أنَّ الإشراك بالله ينقسم إلى قِسْمين: إشراك ليس به عِلم، وإشراك به عِلم؛ فالإشراك الذي به عِلم يجوز، والإشراك الذي ليس به عِلم لا يجوز.
قلنا: ليس الأمر كذلك، ولكنَّ هذا بيانٌ للواقع أنَّ كلَّ شِرك بالله فإنه لا عِلمَ به عند الإنسان؛ قال الله تعالى: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف: ٣٣]، ومعلومٌ أنَّ الله تعالى ما جَعَل شِركًا فيه سلطانٌ، كُلُّ الشرك ليس فيه سلطانٌ، بلْ إنَّ الشرك قد قامَ السلطانُ والعلمُ الصحيح على أنَّه باطلٌ ولَّا لا؟ على أنَّه باطلٌ، فصار معنى قوله: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌمعناه أنَّه موافقٌ للواقع، فيكون كالتعليل لتحريم الشِّرك؛ كأنَّه يقول: على أنْ تُشرك بي والحالُ أنَّ الشِّرك ليس لك به عِلم؛ فإنَّ الشِّرك قطْعًا لا يُمْكن أن يقومَ الدليلُ على وجوده، بلْ إنَّ الدليلَ الصحيحَ على انتفائه؛ فإنَّ الله تعالى لا شريك له.
(فَلا تُطِعْهُمَافي الإشراك). لو قال الوالدُ والوالدةُ مثلًا: إذا لم تُشرك فإنَّنا نُقاطِعك ولا نكلِّمك ولا نأتي إلى بيتك. ما تقول في هذا؟
الطلبة: ما يُطاعون.
الشيخ: ما يُطاعون مَهْمَا كان الأمر؛ لأنَّ هذا هو معنى قوله: وَإِنْ جَاهَدَاكَ.
فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَمعناه: ولا تظُنّ أنك بمعصيتك لهما يَلحَقُك إثمٌ في هذا؛ فإنَّ مَرجعكم إليَّ، متى؟ يومَ القيامة.
فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَوالمراد بالإنباء هنا لازمُهُ، وهو المعاقَبة والمؤاخَذة؛ فأنت بقِيتَ على التوحيد فتُجازَى جزاءَ الموحِّدِ، وهما بَقِيَا على الشرك فيُجازَيانِ جزاءَ المشرك، بل أَبْلَغ مِن ذلك يُجازَيانِ جزاءَ المشرك الداعي إلى الشِّرك؛ يعني هما ما جاهَدَاهُ على الإشراك إلا وهما مُقِيمانِ عليه ومُصِرَّانِ عليه، فيكون عليهما عقوبتانِ: إحداهما عقوبةٌ على إشراكهما، والثانية عقوبة على دعْوتهما إلى الشرك، بلْ ليس دعوة فقط؛ مجاهدةٌ للولد على أن يُشرك.
إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْيعني: أنت وهُما.
فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَأُخْبركم، والمراد بالإخبار لازِمُهُ، ولهذا قال المؤلِّف: (فأُجازيكم به).
***
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٩] بَيَّن الله فيما سبق
أنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يُكَفِّر الله عنهم سيِّئاتهم ويجزيهم أحسنَ الذي
كانوا يعملون، هُنَا جزاءٌ آخرُ وهو أنَّه يُدخِلهم في الصالحين، واللام في قوله:
لَنُدْخِلَنَّهُمْموطِّئةٌ للقَسَم، والنون للتوكيد،
فالجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات.
وقوله: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَأليسوا هم صالحين؟
الجواب: بلى هُم صالحون الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لكن المراد بالصالحين: الذين سبقوهم ودَلُّوهم إلى الخير، وهُم الأنبياء، والأنبياء بلا شَكٍّ من الصالحين؛ كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقابِلون النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المعراج ويقولون: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ» . فوصفوه بالصلاح، وكذلك أيضًا في سورة الأنبياء قال: كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ [الأنبياء: ٨٥، ٨٦]، ولا شكَّ أن أَخَصَّ الناس بوصْفِ الصلاح هم الأنبياء؛ لأنهم صالحون مُصلِحون عليهم الصلاة والسلام.
قال المؤلِّف رحمه الله: (فِي الصَّالِحِينَالأنبياء والأولياء، بِأنْ نحشرهم معهم). قوله: (والأولياء) فيه نظرٌ؛ لأنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الأولياء؛ قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]، وقال سبحانه وتعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢]، وقال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَإلى آخره [المائدة: ٥٥]، لكنْ لنُدخِلنَّهم في الأنبياء؛ لأنَّ مرتبة الأنبياء أعلى من مرتبة الأولياء.
طالب: الآية يا شيخ قال الله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ..
الشيخ: وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩].
الطالب: (...)؟
الشيخ: (...) لأنَّ هؤلاء هُم أَوْلى، ولا ذَكَر اللهُ في هذه الآية أربعةَ أصنافٍ، ما ذَكَر إلَّا صِنفًا واحدًا فقط (...) الصالحين؛ الأنبياء، والأصناف -صحيح- أربعةٌ؛ الذين أَنْعَمَ الله عليهم: النبيُّون ويدخل فيهم الرُّسُل، والصِّدِّيقون، والشهداء، والصالحون، الصالحون هذه عامَّة لعموم المؤمنين، لكن اعلمْ أنَّ كُلَّ صالِحٍ فهو وَلِيٌّ.
طالب: (...).
الشيخ: إي، لأنَّ الولاية أَعَمُّ، حتى الأنبياء من الأولياء بالمعنى العام.
طالب: (...).
الشيخ: الحالُ أنَّه يقول المؤلِّف: إنهم يحشرون معهم؛ يعني أنهم يومَ القيامة يُحشَرون مع الأنبياء، ما هو معناه أنهم يَلْحَقون بدرجتهم؛ فالأنبياء أعلى منهم؛ كما قال الله فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء: ٦٩] والنبي عليه الصلاة والسلام معه اللواء يُحشَر في زُمْرته كُلُّ مَن آمن به.
وقوله: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَأليسوا هم صالحين؟
الجواب: بلى هُم صالحون الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لكن المراد بالصالحين: الذين سبقوهم ودَلُّوهم إلى الخير، وهُم الأنبياء، والأنبياء بلا شَكٍّ من الصالحين؛ كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقابِلون النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المعراج ويقولون: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ» . فوصفوه بالصلاح، وكذلك أيضًا في سورة الأنبياء قال: كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ [الأنبياء: ٨٥، ٨٦]، ولا شكَّ أن أَخَصَّ الناس بوصْفِ الصلاح هم الأنبياء؛ لأنهم صالحون مُصلِحون عليهم الصلاة والسلام.
قال المؤلِّف رحمه الله: (فِي الصَّالِحِينَالأنبياء والأولياء، بِأنْ نحشرهم معهم). قوله: (والأولياء) فيه نظرٌ؛ لأنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الأولياء؛ قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]، وقال سبحانه وتعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢]، وقال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَإلى آخره [المائدة: ٥٥]، لكنْ لنُدخِلنَّهم في الأنبياء؛ لأنَّ مرتبة الأنبياء أعلى من مرتبة الأولياء.
طالب: الآية يا شيخ قال الله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ..
الشيخ: وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩].
الطالب: (...)؟
الشيخ: (...) لأنَّ هؤلاء هُم أَوْلى، ولا ذَكَر اللهُ في هذه الآية أربعةَ أصنافٍ، ما ذَكَر إلَّا صِنفًا واحدًا فقط (...) الصالحين؛ الأنبياء، والأصناف -صحيح- أربعةٌ؛ الذين أَنْعَمَ الله عليهم: النبيُّون ويدخل فيهم الرُّسُل، والصِّدِّيقون، والشهداء، والصالحون، الصالحون هذه عامَّة لعموم المؤمنين، لكن اعلمْ أنَّ كُلَّ صالِحٍ فهو وَلِيٌّ.
طالب: (...).
الشيخ: إي، لأنَّ الولاية أَعَمُّ، حتى الأنبياء من الأولياء بالمعنى العام.
طالب: (...).
الشيخ: الحالُ أنَّه يقول المؤلِّف: إنهم يحشرون معهم؛ يعني أنهم يومَ القيامة يُحشَرون مع الأنبياء، ما هو معناه أنهم يَلْحَقون بدرجتهم؛ فالأنبياء أعلى منهم؛ كما قال الله فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء: ٦٩] والنبي عليه الصلاة والسلام معه اللواء يُحشَر في زُمْرته كُلُّ مَن آمن به.
***
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [العنكبوت: ١٠] مِنهذه للتبعيض، وهي خَبَرٌ مقدَّم،
ومَنمبتدأ مؤخَّر مَنْ يَقُولُ.
وقوله: مَنْ يَقُولُ آمَنَّامعناه أنَّه يقوله بلسانه، ولكنَّه لم يرسخ الإيمان في قلْبه، ولهذا فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ، فهو يقول بلسانه: آمَنَّا بالله، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِأي: لَحِقَتْه أَذِيَّةٌ فِي اللَّهِأي: في دِين الله في الدين الذي كان يعتنقه، ويحتمل أن تكون فِيللسببية؛ أي: بسبب الله؛ أي: بسبب قيامه بِدِينِ الله، والمعنى واحدٌ سواء قلنا للظرفية أو للسببية.
فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِهذا شَرْطٌ، الجواب: (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِأي: أذاهم له كَعَذَابِ اللَّهِفي الخوف منه فيُطِيعهم فينافق). يجعل فتنةَ الناس؛ يعني: إيذاءَهم له؛ لأنَّ إيذاء المؤمن مِن غيرِه فتنةٌ يُخْتَبَر به المرءُ؛ فإنَّ بعض الناس-نسأل الله العافية- إذا أُوذِيَ في الله ما يصبر، بعض الناس إذا كان مؤمنًا وحَصَل له أَذِيَّةٌ ما صبر وارتَدَّ، وبعض الناس -الذي في إيمانه قوَّة- لو أُوذِيَ يصبر ويزدادُ قوَّة في إيمانه، لكن هذا الذي قال: آمنَّا بالله، ما عنده إيمانٌ في القلب راسِخ؛ إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِفي الخوف منه، فيجعل هذا عذابًا، ماذا يكون له؟ يرتدُّ بسبب هذا الإيذاء ويقول: هذه عقوبة، فأنا أرجع عمَّا أنا عليه، وحينئذٍ يُنافِق، ولكنَّه مع هذا يدَّعِي أنَّه مؤمن، متى يدَّعي أنه مؤمن؟
وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْلاحِظ أنَّه وَلَئِنْ جَاءَيقول المؤلِّف: إنها لام القَسَم و(إنْ) ويش هي (إن)؟ شرطية، وجَاءَفِعْل الشرط، وجملة لَيَقُولُنَّجواب؟
طالب: جواب الشرط.
الشيخ: لا، ما هي جوابه، جوابُ القَسَم، ولهذا أُجيبتْ باللام؛ لَيَقُولُنَّ، فإذا اجتمع قَسَمٌ وشرْطٌ فابن مالك يقول:
وقوله: مَنْ يَقُولُ آمَنَّامعناه أنَّه يقوله بلسانه، ولكنَّه لم يرسخ الإيمان في قلْبه، ولهذا فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ، فهو يقول بلسانه: آمَنَّا بالله، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِأي: لَحِقَتْه أَذِيَّةٌ فِي اللَّهِأي: في دِين الله في الدين الذي كان يعتنقه، ويحتمل أن تكون فِيللسببية؛ أي: بسبب الله؛ أي: بسبب قيامه بِدِينِ الله، والمعنى واحدٌ سواء قلنا للظرفية أو للسببية.
فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِهذا شَرْطٌ، الجواب: (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِأي: أذاهم له كَعَذَابِ اللَّهِفي الخوف منه فيُطِيعهم فينافق). يجعل فتنةَ الناس؛ يعني: إيذاءَهم له؛ لأنَّ إيذاء المؤمن مِن غيرِه فتنةٌ يُخْتَبَر به المرءُ؛ فإنَّ بعض الناس-نسأل الله العافية- إذا أُوذِيَ في الله ما يصبر، بعض الناس إذا كان مؤمنًا وحَصَل له أَذِيَّةٌ ما صبر وارتَدَّ، وبعض الناس -الذي في إيمانه قوَّة- لو أُوذِيَ يصبر ويزدادُ قوَّة في إيمانه، لكن هذا الذي قال: آمنَّا بالله، ما عنده إيمانٌ في القلب راسِخ؛ إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِفي الخوف منه، فيجعل هذا عذابًا، ماذا يكون له؟ يرتدُّ بسبب هذا الإيذاء ويقول: هذه عقوبة، فأنا أرجع عمَّا أنا عليه، وحينئذٍ يُنافِق، ولكنَّه مع هذا يدَّعِي أنَّه مؤمن، متى يدَّعي أنه مؤمن؟
وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْلاحِظ أنَّه وَلَئِنْ جَاءَيقول المؤلِّف: إنها لام القَسَم و(إنْ) ويش هي (إن)؟ شرطية، وجَاءَفِعْل الشرط، وجملة لَيَقُولُنَّجواب؟
طالب: جواب الشرط.
الشيخ: لا، ما هي جوابه، جوابُ القَسَم، ولهذا أُجيبتْ باللام؛ لَيَقُولُنَّ، فإذا اجتمع قَسَمٌ وشرْطٌ فابن مالك يقول:
| وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ | جَــــــوَابَ مَــــــا أَخَّــــرْتَ فَهْـــوَ مُلْتَـــــــــزَمْ |
وهُنا الذي أُخِّرَ الشرطُ ولَّا القَسَم؟ الشرطُ، فحُذِف جوابُه لدلالة جواب القَسَم عليه.
(وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌللمؤمنين مِنْ رَبِّكَفَغَنِمُوا) لَيَقُولُنَّهذه جماعة ولَّا واحد؟
الطلبة: جماعة.
الشيخ: لَيَقُولُنَّجماعة، فعاد الضمير على مَنْفي قوله تعالى: مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِباعتبار المعنى، وعاد إليه بالأول -مَنْ يَقُولُولم يَقُلْ: مَن يقُولون- باعتبار اللفظ، وقد مَرَّتْ علينا هذه القاعدة غيرَ مرَّةٍ وقُلنا: إنه إذا جاء اسم الموصول أو اسم الشرط العامُّ للواحد والجماعة فإنَّه يجوز في ضميره أنْ يكون مجموعًا وأنْ يكون مفردًا، فإن رُوعِيَ اللفظ صارَ مفردًا، وإنْ رُوعِيَ المعنى صار بحسَب ما يُرادُ به في المعنى، وسواء كان ذلك في أسماء الشرط أو في الأسماء الموصولة. اللِّي عندنا الآن في الاسم الموصول.
في أسماء الشرط قال الله تعالى في سورة الطلاق: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارهذا راعَى اللفظَ خَالِدِينَ فِيهَاراعَى المعنى أبدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ [الطلاق: ١١] راعَى اللفظَ؛ ففي هذه الآية مراعاةُ اللفظِ ثم مراعاةُ المعنى ثم مراعاةُ اللفظِ مرةً ثانيةً.
قال: (لَيَقُولُنَّحُذِفَتْ منه نونُ الرفعِ لتوالي النوناتِ، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين) وبَقِيَتْ الضمَّة -لَيَقُولُنَّ- دالَّةً على الواو المحذوفة.
(إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْفي الإيمان، فأشرِكونا في الغنيمة). أعوذ بالله، هؤلاء إذا أُوذُوا في الله ارتَدُّوا على أدبارهم ووافقوا مَن آذاهم، ولكنَّهم إذا أصاب المؤمنين نصرٌ قالوا: إنَّا كُنَّا معكم؛ يعني فنريد أن يَحْصُل لنا ما حَصَل لكم من الغنيمة. قال الله تعالى ردًّا عليهم: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَويش الجواب؟ بلى.
وقوله: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَقال المؤلِّف: (أي: بعالِمٍ). وسبق لنا أنَّ قوله هذا لا يُعتبَر تفسيرًا، ولكنَّه تحريف؛ لأنَّ (أعلم) أَبْلَغ من (عالِم)، فكيف يرُدُّها إلى (عالِم) وهو أنقص!
وقوله: بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَالمراد بما في صدورهم أي: قلوبهم؛ يعني: أَعْلم بقلوب الناس؛ لأنَّ القلب محلُّه الصَّدْر، والقلب مَحَلُّ الإرادة، وفي هذا إن شاء الله دليلٌ على أنَّ مَحَلَّ التصديق والتكذيب هو القلب.
وقوله: (بما في قلوبهم من الإيمان والنفاق) الجواب: (بلى).
وعلى هذا فنقول لهذا الذي قال: إني معكم؛ نقول: لسْتَ معهم في الحقيقة؛ وذلك لأنَّك كافرٌ بالله عز وجل حينما ارتدَدْتَ لَمَّا أوذِيتَ.
***
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت: ١١] لَيَعْلَمَنَّ اللَّهفي المستقبل ولَّا في الماضي؟ في
المستقبل؛ لأنَّ المضارع إذا دخلتْ عليه نون التوكيد جعلَتْهُ للمستقبل، والجملة
هذه مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات؛ وهي القَسَم واللام ونون التوكيد، والمراد بالعِلم
هنا الذي أكَّده الله وجعله مستقبلًا، أيش المراد بالعلم وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ؟
طالب: عِلم المشاهدة.
الشيخ: إي نعم، علم المشاهدة والْمُجازاة؛ لأنَّ الله تعالى عالِمٌ بالمنافق وبالمؤمن من قبْلِ هذا، لكن عِلمه السابق عِلمٌ بأنَّ هذا سيقع، وعِلمه اللاحِق عِلمٌ بأنَّه واقع، وثانيًا: عِلمُه السابق لا يترتَّب عليه الْمُجازاة؛ إذْ لا مُجازاة إلا بعد الاختبار، وعِلمه اللاحِق يترتَّب عليه الْمُجازاة، إذَنْ فكُلَّما رأينا أنَّ الله تعالى عبَّر في القرآن عن عِلْمه بالمستقبل فإننا نَحمِلُه على أيش؟ على عِلْم المشاهدة والمجازاة وليس على العلم السابق في الأَزَل؛ لأنَّ العِلْم السابق في الأَزَل هذا ثابِتٌ قبْل أنْ يُخْلَقَ الناسُ فضلًا عن كونه قبْل أن يعملوا، ولكنَّ العلم الذي يترتَّب عليه الْمُجازاة والمشاهدة ما كان بعد ذلك ووقع.
(وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوابقلوبهم). قال المؤلِّف: (بقلوبهم) يعني: لا بألْسنتهم، والذي سبَقَ ذكره وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِهذا إيمانٌ باللسان، ولكنَّ هذا الإيمان باللسان لا ينفعهم عند الله، صحيحٌ أنه ينفع في الدنيا، ولهذا لم يَقتُل النبيُّ صلى الله عليه وسلم المنافقين مع عِلمه بهم، لكنَّه امتنع من ذلك لأنَّ ظاهِرهم الإسلام، ولو أنَّه قتلهم لكان في ذلك وسيلة إلى أن يُقتل المسلمُ بِحُجَّة أنه منافق، مع أنَّ قلْبه لا يعلمه إلَّا الله، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» . والحمد لله أنَّ هذا مقتضى الشرع؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان كلُّ واحدٍ من الوُلاةِ الظَّلَمةِ في عصرنا هذا يرى شخصًا متديِّنًا يقول: إنه مُنافِق ومُراءٍ وهو كافرٌ في الباطن. ثم يقتله، ولكن مِن نعمة الله سبحانه وتعالى أنَّ الشرع جَعَل الحكْم في هذه الدنيا على الظواهر، أمَّا في الآخرة فعلى السرائر.
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ(فيُجازِي الفريقين). المؤمن يُجازيه جزاءَ المؤمنِ، والمنافق يُجازيه جزاءَ المنافق، وجزاءُ المنافق أنَّه في الدَّركِ الأسفلِ من النار والعياذ بالله؛ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء: ١٤٥].
قال: (واللام في الفِعْلينِ لام قَسَمٍ). أين الفعلان؟ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا؛ لَيَعْلَمَنَّ، وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَالثانية، فهي لامُ قَسَمٍ، فالجملة على هذا مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّداتٍ.
طالب: معنى قوله تعالى: جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ(...)؟
الشيخ: يحتمل هذا أو كعذاب الله الذي يعلمه الله، يعني جعلوه كأنَّه عذاب، وإنْ كانوا هم ما يُصدِّقون بهذا.
طالب: عِلم المشاهدة.
الشيخ: إي نعم، علم المشاهدة والْمُجازاة؛ لأنَّ الله تعالى عالِمٌ بالمنافق وبالمؤمن من قبْلِ هذا، لكن عِلمه السابق عِلمٌ بأنَّ هذا سيقع، وعِلمه اللاحِق عِلمٌ بأنَّه واقع، وثانيًا: عِلمُه السابق لا يترتَّب عليه الْمُجازاة؛ إذْ لا مُجازاة إلا بعد الاختبار، وعِلمه اللاحِق يترتَّب عليه الْمُجازاة، إذَنْ فكُلَّما رأينا أنَّ الله تعالى عبَّر في القرآن عن عِلْمه بالمستقبل فإننا نَحمِلُه على أيش؟ على عِلْم المشاهدة والمجازاة وليس على العلم السابق في الأَزَل؛ لأنَّ العِلْم السابق في الأَزَل هذا ثابِتٌ قبْل أنْ يُخْلَقَ الناسُ فضلًا عن كونه قبْل أن يعملوا، ولكنَّ العلم الذي يترتَّب عليه الْمُجازاة والمشاهدة ما كان بعد ذلك ووقع.
(وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوابقلوبهم). قال المؤلِّف: (بقلوبهم) يعني: لا بألْسنتهم، والذي سبَقَ ذكره وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِهذا إيمانٌ باللسان، ولكنَّ هذا الإيمان باللسان لا ينفعهم عند الله، صحيحٌ أنه ينفع في الدنيا، ولهذا لم يَقتُل النبيُّ صلى الله عليه وسلم المنافقين مع عِلمه بهم، لكنَّه امتنع من ذلك لأنَّ ظاهِرهم الإسلام، ولو أنَّه قتلهم لكان في ذلك وسيلة إلى أن يُقتل المسلمُ بِحُجَّة أنه منافق، مع أنَّ قلْبه لا يعلمه إلَّا الله، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» . والحمد لله أنَّ هذا مقتضى الشرع؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان كلُّ واحدٍ من الوُلاةِ الظَّلَمةِ في عصرنا هذا يرى شخصًا متديِّنًا يقول: إنه مُنافِق ومُراءٍ وهو كافرٌ في الباطن. ثم يقتله، ولكن مِن نعمة الله سبحانه وتعالى أنَّ الشرع جَعَل الحكْم في هذه الدنيا على الظواهر، أمَّا في الآخرة فعلى السرائر.
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ(فيُجازِي الفريقين). المؤمن يُجازيه جزاءَ المؤمنِ، والمنافق يُجازيه جزاءَ المنافق، وجزاءُ المنافق أنَّه في الدَّركِ الأسفلِ من النار والعياذ بالله؛ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء: ١٤٥].
قال: (واللام في الفِعْلينِ لام قَسَمٍ). أين الفعلان؟ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا؛ لَيَعْلَمَنَّ، وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَالثانية، فهي لامُ قَسَمٍ، فالجملة على هذا مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّداتٍ.
طالب: معنى قوله تعالى: جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ(...)؟
الشيخ: يحتمل هذا أو كعذاب الله الذي يعلمه الله، يعني جعلوه كأنَّه عذاب، وإنْ كانوا هم ما يُصدِّقون بهذا.
***
(...) أولًا: وجوب الإحسان إلى الوالدَيْنِ في
القول والفعل والمال.
ثانيًا: إثبات رحمة الله سبحانه وتعالى؛ حيثُ وصَّى الإنسانَ بوالديه.
ثالثًا: أنَّ للوالدَيْنِ حقًّا وإنْ كانا كافرَيْنِ، من أين نأخذه؟
طالب: جَاهَدَاكَ.
الشيخ: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا، فهُمَا مشركانِ ويجاهدانِ أيضًا بأن يُشرِك، ومع ذلك أوجَبَ اللهُ لهما الإحسانَ.
ومن فوائدها: أنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق؛ لقوله: فَلَا تُطِعْهُمَا.
ومن فوائد الآية: وجوب طاعتهما في غير المعصية؛ لأنَّه إنما نهى عن طاعتهما في المعصية.
وهنا انتبهوا يا جماعة؛ لأنَّ هذه قد تحتاج إلى مناقشة؛ يُقال نُهِيَ المرءُ عن طاعة الوالدَينِ في الشِّرك وسُكِتَ عن طاعتهما في غير الشِّرك.
خلُّونا نجعلها المعصية أعمّ؛ نُهِيَ عن طاعتهما في المعصية وسُكِتَ عن طاعتهما في غير المعصية، أو لا؟ المنهي عنه (...) يا جماعة، المنهي عنه طاعتهما في المعصية، طاعتهما في غير المعصية مسكوتٌ عنها؛ نشوف:
طاعتهما في الواجب واجبة؛ لأنَّ الله أوجبها؛ مثل إذا قال والدك لك: قم صَلِّ مع الجماعة. وجَبَ عليك أن تصلي.
طاعتهما فيما ليس فيه طاعةٌ ولا معصيةٌ هلْ تدُلّ الآيةُ على الوجوب أو ما تدلُّ على الوجوب؟
ما تدلُّ على الوجوب، ولكن إنْ كان في طاعتهما إحسانٌ إليهما فإنَّ الآية تدُلُّ على الوجوب؛ لقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا، فإنْ لم يكنْ في طاعتهما إحسانٌ إليهما فالآية لا تدُلُّ على الوجوب، ولهذا قال شيخ الإسلام: إنَّ طاعة الوالدَيْنِ إنَّما تجب فيما لهما فيه منفعةٌ وليس عليه فيه مَضَرَّةٌ. الآية تدُلُّ على ما قاله الشيخ؛ لأنَّ الله نهى عن طاعتهما في المعصية وسكتَ عن طاعتهما في غير المعصية.
نشوف؛ طاعتهما في غير معصيةٍ إنْ كانتْ تتضمَّن الإحسانَ إليهما فهي واجبة؛ لقوله: وبالوالدين إحسانًا، فإذا أمَرَك أبوك مثلًا أن تذهب وتشتري من السوق حاجةً كان ذلك واجبًا عليك؛ لأنه من الإحسان إليه، فيجب عليك أن تفعل.
إذا أمَرَك أبوك ألَّا تُصاحِبَ فلانًا لأنَّه مستقيم، يجب عليك ولَّا ما يجب؟
الطلبة: ما يجب.
الشيخ: ما يجب؛ لأن في ذلك مَضَرَّة أو على الأقل عدم (...) لكن ليس فيه منفعةٌ له.
إذا قال: لا تُصاحِبْ فلانًا. لأنَّ فلانًا بينه وبينه عداوةٌ شخصيةٌ، وأنت ما لك منفعة من مصاحبته ولا عليك مَضَرَّة، تجب طاعته؟ نعم، تجب طاعته؛ لأنَّ مصاحبتك لعدوِّ أبيك هذا تغيظ أباك، فيكون في ذلك منفعة.
فالمهم الآن أننا نقول: القاعدة في هذا الأمر أنَّهما إذا أمَرَاك بمعصية تطيعهم ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: طيب، لو قال لك أبوك: لا تَحُجَّ هذا العام. وأنت قادِرٌ على الحج بمالك وبَدَنِك ولم تؤدِّ الفريضةَ، تطيعه ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما تطيعه، يجب عليك وجوبًا أنْ تحجَّ ولو كان لا يرضى.
طالب : (...).
الشيخ: إذا كان محتاجًا فهُنا يُنظَر؛ إذا كان ما فيه أحدٌ يقوم مقامَك وهو مُضطرٌّ إليك فارجع؛ لأنَّ الحجَّ يسقط عنك في هذا الحال.
إذا أمَرَك بألَّا تحُجَّ هذا العامَ حَجَّ نفْلٍ وهو ما له مصلحةٌ من هذا، بس يقول: يا ولدي الْحُجَّاج كثير (...). ما تجب الطاعة، لكن تجوز الطاعة؛ لأنَّها ما هي بفريضةٍ، وإذا قُلنا: تجوز ولا تجب، فحينئذٍ ينبغي للإنسان أن ينظر ماذا يترتَّب على سَفَره، قد يكون الوالد ما يستطيع أن يستقِرَّ وولدُه قد سافر إلى هذا الجمْع الكثير ويبقى قلِقًا مُدَّة غياب ولده، فهُنا ويش يترجح؟ الطاعة وعدم السفر، أمَّا إذا علِمْنا أنه لا يُبالِي ولكنه مثلًا من باب المشورةِ ولَّا ما هو متأثر، فحينئذٍ ما تجب طاعته في هذا الأمر، إلا أنَّه ينبغي مُداراته ما أَمْكن.
طالب: إذا قال: طلِّقْ زوجتَك.
الشيخ: إذا قال: طلِّقْ زوجتَك، ما يجب عليك أن تجيبه إلَّا إذا كان في ذلك مصلحةٌ شرعيَّةٌ؛ مثل أنْ يكون الأب اطَّلَع على أمْرٍ ما يتحمَّل أن تبقى زوجتك معك من أجْله.
طالب: (...).
الشيخ: بينه وبينها عداوةٌ شخصيَّةٌ، ما يجب عليك، لكنْ مثل هذا تستطيع تُدارِيه بنقْلها إلى مكانٍ آخر، تبعد عنه ويستريح هو وتستريح هي.
وأمَّا فِعْل ابن عمر مع أبيه فهذا أُورِدَ على الإمام أحمد لَمَّا سأله رجلٌ عن الرجل يأمر أو أنَّ أباه أمَرَه بأن يُطَلِّق زوجتَه، قال: لا تُطَلِّقْها. قال: أليس عُمَر أمَرَ ابنَ عُمَر أنْ يُطلِّق زوجتَه فأمَرَه النبي صلى الله عليه وسلم بتطليقها؟! قال: بلى، حَصَلَ هذا، ولكنْ هل أبوك عُمَر؟
ويش قال؟ لا ولا أيوه؟ طبْعًا: لا، ليس هو عُمَر.
إذَنْ الآية الكريمة تدُلُّ على تحريم طاعتهما في المعصية، وسكتَتْ عن طاعتهما في غير المعصية، وعلى هذا فلا تجبُ طاعتُهما إلَّا إذا كان داخلًا في أوَّل الآية، ويش هو؟ إذا كان إحسانًا إليهما؛ إذا كان في ذلك إحسانٌ إليهما كانت واجبة بقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، ما يجب عليه الإجابة (...).
يُستفاد من هذه الآية: وجوب طاعتهما في غير معصية الله إنْ كان ذلك من الإحسان إليهما.
من فوائد الآية: أنَّ حقَّ الله أَعظمُ من جميع الحقوق. وهلْ يدخُل في ذلك حقُّ نبِيِّه؟ نعم، يدخل فيه؛ فحقُّ النبي عليه الصلاة والسلام عليك أَعظمُ من حقِّ والِدَيْك.
ومن فوائد الآية: أنَّ الإشراك بالله ما يُمْكن أن يقومَ عليه دليلٌ، بلْ الأدلَّة كلها على خِلافِه وبُطْلانه.
ومنها: إثبات البعث والرجوع إلى الله؛ لقوله: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ.
ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ الإنسان مجازًى بعَمَلِه؛ لقوله: فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
ومنها: إثبات عِلْم الله. من أين نأخذه؟ فَأُنَبِّئُكُمْ؛ لأنَّ الإنباء هو الإخبار، ولا يكون إخبارٌ إلا عن عِلْم.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ.
من فوائد الآية: فضيلة الإيمان والعمل الصالح.
ومن فوائدها: أنَّه يُتوصَّل بهما إلى اللُّحُوق في الصالحين؛ لقوله: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ.
ومن فوائدها: أنَّ الإيمان وحده لا يَكْفي في اللُّحوقِ بالصالحين.
ومنها: أنَّ العمل لا ينفع إلَّا إذا كان صالحًا، وهو ما جَمَع شَرْطَيِ الإخلاص لله والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ.
من فوائدها: أنَّ الإيمان باللسان لا ينفع.
ومنها: حِكْمةُ الله تعالى في ابتلاء المرْءِ بإيذاء الناس له بإيمانه.
ومن فوائد الآية: أنَّ الابتلاء هو الْمَحَكُّ الذي يتبيَّن به الصادق مِن غيره، وإلَّا لكان كلُّ الناس يقول: أنا مؤمن.
ومنها: أنَّ مَن لم يرسخ الإيمان في قلْبه رجَعَ عنه إذا أُوذِي فيه.
ومنها: أنَّ المنافقينَ يَدَّعون مشاركة المؤمنينَ عند الرَّخاء ويُفارقونهم في الشدائد.
طالب: عند الرخاء (...).
الشيخ: عند الرخاء عام (...) مِن باب أَوْلَى، ويُفارقونهم عند الشدائد؛ إذا أُوذُوا في الله ارتدُّوا.
ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ النصر من عند الله.
ومنها: التحذير من النفاق؛ لقوله: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ.
ثانيًا: إثبات رحمة الله سبحانه وتعالى؛ حيثُ وصَّى الإنسانَ بوالديه.
ثالثًا: أنَّ للوالدَيْنِ حقًّا وإنْ كانا كافرَيْنِ، من أين نأخذه؟
طالب: جَاهَدَاكَ.
الشيخ: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا، فهُمَا مشركانِ ويجاهدانِ أيضًا بأن يُشرِك، ومع ذلك أوجَبَ اللهُ لهما الإحسانَ.
ومن فوائدها: أنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق؛ لقوله: فَلَا تُطِعْهُمَا.
ومن فوائد الآية: وجوب طاعتهما في غير المعصية؛ لأنَّه إنما نهى عن طاعتهما في المعصية.
وهنا انتبهوا يا جماعة؛ لأنَّ هذه قد تحتاج إلى مناقشة؛ يُقال نُهِيَ المرءُ عن طاعة الوالدَينِ في الشِّرك وسُكِتَ عن طاعتهما في غير الشِّرك.
خلُّونا نجعلها المعصية أعمّ؛ نُهِيَ عن طاعتهما في المعصية وسُكِتَ عن طاعتهما في غير المعصية، أو لا؟ المنهي عنه (...) يا جماعة، المنهي عنه طاعتهما في المعصية، طاعتهما في غير المعصية مسكوتٌ عنها؛ نشوف:
طاعتهما في الواجب واجبة؛ لأنَّ الله أوجبها؛ مثل إذا قال والدك لك: قم صَلِّ مع الجماعة. وجَبَ عليك أن تصلي.
طاعتهما فيما ليس فيه طاعةٌ ولا معصيةٌ هلْ تدُلّ الآيةُ على الوجوب أو ما تدلُّ على الوجوب؟
ما تدلُّ على الوجوب، ولكن إنْ كان في طاعتهما إحسانٌ إليهما فإنَّ الآية تدُلُّ على الوجوب؛ لقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا، فإنْ لم يكنْ في طاعتهما إحسانٌ إليهما فالآية لا تدُلُّ على الوجوب، ولهذا قال شيخ الإسلام: إنَّ طاعة الوالدَيْنِ إنَّما تجب فيما لهما فيه منفعةٌ وليس عليه فيه مَضَرَّةٌ. الآية تدُلُّ على ما قاله الشيخ؛ لأنَّ الله نهى عن طاعتهما في المعصية وسكتَ عن طاعتهما في غير المعصية.
نشوف؛ طاعتهما في غير معصيةٍ إنْ كانتْ تتضمَّن الإحسانَ إليهما فهي واجبة؛ لقوله: وبالوالدين إحسانًا، فإذا أمَرَك أبوك مثلًا أن تذهب وتشتري من السوق حاجةً كان ذلك واجبًا عليك؛ لأنه من الإحسان إليه، فيجب عليك أن تفعل.
إذا أمَرَك أبوك ألَّا تُصاحِبَ فلانًا لأنَّه مستقيم، يجب عليك ولَّا ما يجب؟
الطلبة: ما يجب.
الشيخ: ما يجب؛ لأن في ذلك مَضَرَّة أو على الأقل عدم (...) لكن ليس فيه منفعةٌ له.
إذا قال: لا تُصاحِبْ فلانًا. لأنَّ فلانًا بينه وبينه عداوةٌ شخصيةٌ، وأنت ما لك منفعة من مصاحبته ولا عليك مَضَرَّة، تجب طاعته؟ نعم، تجب طاعته؛ لأنَّ مصاحبتك لعدوِّ أبيك هذا تغيظ أباك، فيكون في ذلك منفعة.
فالمهم الآن أننا نقول: القاعدة في هذا الأمر أنَّهما إذا أمَرَاك بمعصية تطيعهم ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: طيب، لو قال لك أبوك: لا تَحُجَّ هذا العام. وأنت قادِرٌ على الحج بمالك وبَدَنِك ولم تؤدِّ الفريضةَ، تطيعه ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما تطيعه، يجب عليك وجوبًا أنْ تحجَّ ولو كان لا يرضى.
طالب : (...).
الشيخ: إذا كان محتاجًا فهُنا يُنظَر؛ إذا كان ما فيه أحدٌ يقوم مقامَك وهو مُضطرٌّ إليك فارجع؛ لأنَّ الحجَّ يسقط عنك في هذا الحال.
إذا أمَرَك بألَّا تحُجَّ هذا العامَ حَجَّ نفْلٍ وهو ما له مصلحةٌ من هذا، بس يقول: يا ولدي الْحُجَّاج كثير (...). ما تجب الطاعة، لكن تجوز الطاعة؛ لأنَّها ما هي بفريضةٍ، وإذا قُلنا: تجوز ولا تجب، فحينئذٍ ينبغي للإنسان أن ينظر ماذا يترتَّب على سَفَره، قد يكون الوالد ما يستطيع أن يستقِرَّ وولدُه قد سافر إلى هذا الجمْع الكثير ويبقى قلِقًا مُدَّة غياب ولده، فهُنا ويش يترجح؟ الطاعة وعدم السفر، أمَّا إذا علِمْنا أنه لا يُبالِي ولكنه مثلًا من باب المشورةِ ولَّا ما هو متأثر، فحينئذٍ ما تجب طاعته في هذا الأمر، إلا أنَّه ينبغي مُداراته ما أَمْكن.
طالب: إذا قال: طلِّقْ زوجتَك.
الشيخ: إذا قال: طلِّقْ زوجتَك، ما يجب عليك أن تجيبه إلَّا إذا كان في ذلك مصلحةٌ شرعيَّةٌ؛ مثل أنْ يكون الأب اطَّلَع على أمْرٍ ما يتحمَّل أن تبقى زوجتك معك من أجْله.
طالب: (...).
الشيخ: بينه وبينها عداوةٌ شخصيَّةٌ، ما يجب عليك، لكنْ مثل هذا تستطيع تُدارِيه بنقْلها إلى مكانٍ آخر، تبعد عنه ويستريح هو وتستريح هي.
وأمَّا فِعْل ابن عمر مع أبيه فهذا أُورِدَ على الإمام أحمد لَمَّا سأله رجلٌ عن الرجل يأمر أو أنَّ أباه أمَرَه بأن يُطَلِّق زوجتَه، قال: لا تُطَلِّقْها. قال: أليس عُمَر أمَرَ ابنَ عُمَر أنْ يُطلِّق زوجتَه فأمَرَه النبي صلى الله عليه وسلم بتطليقها؟! قال: بلى، حَصَلَ هذا، ولكنْ هل أبوك عُمَر؟
ويش قال؟ لا ولا أيوه؟ طبْعًا: لا، ليس هو عُمَر.
إذَنْ الآية الكريمة تدُلُّ على تحريم طاعتهما في المعصية، وسكتَتْ عن طاعتهما في غير المعصية، وعلى هذا فلا تجبُ طاعتُهما إلَّا إذا كان داخلًا في أوَّل الآية، ويش هو؟ إذا كان إحسانًا إليهما؛ إذا كان في ذلك إحسانٌ إليهما كانت واجبة بقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، ما يجب عليه الإجابة (...).
يُستفاد من هذه الآية: وجوب طاعتهما في غير معصية الله إنْ كان ذلك من الإحسان إليهما.
من فوائد الآية: أنَّ حقَّ الله أَعظمُ من جميع الحقوق. وهلْ يدخُل في ذلك حقُّ نبِيِّه؟ نعم، يدخل فيه؛ فحقُّ النبي عليه الصلاة والسلام عليك أَعظمُ من حقِّ والِدَيْك.
ومن فوائد الآية: أنَّ الإشراك بالله ما يُمْكن أن يقومَ عليه دليلٌ، بلْ الأدلَّة كلها على خِلافِه وبُطْلانه.
ومنها: إثبات البعث والرجوع إلى الله؛ لقوله: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ.
ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ الإنسان مجازًى بعَمَلِه؛ لقوله: فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
ومنها: إثبات عِلْم الله. من أين نأخذه؟ فَأُنَبِّئُكُمْ؛ لأنَّ الإنباء هو الإخبار، ولا يكون إخبارٌ إلا عن عِلْم.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ.
من فوائد الآية: فضيلة الإيمان والعمل الصالح.
ومن فوائدها: أنَّه يُتوصَّل بهما إلى اللُّحُوق في الصالحين؛ لقوله: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ.
ومن فوائدها: أنَّ الإيمان وحده لا يَكْفي في اللُّحوقِ بالصالحين.
ومنها: أنَّ العمل لا ينفع إلَّا إذا كان صالحًا، وهو ما جَمَع شَرْطَيِ الإخلاص لله والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ.
من فوائدها: أنَّ الإيمان باللسان لا ينفع.
ومنها: حِكْمةُ الله تعالى في ابتلاء المرْءِ بإيذاء الناس له بإيمانه.
ومن فوائد الآية: أنَّ الابتلاء هو الْمَحَكُّ الذي يتبيَّن به الصادق مِن غيره، وإلَّا لكان كلُّ الناس يقول: أنا مؤمن.
ومنها: أنَّ مَن لم يرسخ الإيمان في قلْبه رجَعَ عنه إذا أُوذِي فيه.
ومنها: أنَّ المنافقينَ يَدَّعون مشاركة المؤمنينَ عند الرَّخاء ويُفارقونهم في الشدائد.
طالب: عند الرخاء (...).
الشيخ: عند الرخاء عام (...) مِن باب أَوْلَى، ويُفارقونهم عند الشدائد؛ إذا أُوذُوا في الله ارتدُّوا.
ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ النصر من عند الله.
ومنها: التحذير من النفاق؛ لقوله: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ.
من فوائد الآية في قوله: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ: أنَّ الحكمة من الامتحان إظهار
المؤمن من المنافق.
ومنها: إثباتُ النِّفاق؛ لقوله:
وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ.
ومنها: أنَّ المنافقين ليسوا بمؤمنين، من أين نأخذه؟
جَعَل المنافقين قَسِيمًا للمؤمنين، وقَسِيمُ الشيء خلاف الشيء.
ومنها: إثبات عِلم الله سبحانه وتعالى بما في
القلوب.
ومنها: أن الإيمان محلُّه القلب وليس
الجوارح؛ إذ لو كان الجوارحَ لكان المنافقون مؤمنين، الإيمان محلُّه القلب.
***
تفسير الآيتين (12-13)
قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا [العنكبوت: ١٢] دِيننا). يعني: طريقنا، السبيل بمعنى الطريق، وهذه من الدعايات والدعوة إلى الباطل؛ يقول الكفار للمؤمنين الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَاأي: طريقنا، وهو الشرك.
وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْاللام لام الأمر، والمراد به الخبر؛ يعني: ونحن نَحمِل خطاياكم. وإنما جعلوا الخبر بصيغة الأمر لإظهار الالتزام لهم بذلك، إظهار التزام مَن؟ الكافرين للمؤمنين بذلك؛ يعني بَدَل ما يقولون: ونحن نحمل، كأنَّهم يقولون: ونُلْزِم أنفسَنا بذلك، نلزِمُها فنوجِّه الأمرَ إليها.
وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْالخطايا جمع خطيئة، وهي ارتكاب الإثم؛ يعني أنَّ ارتكابكم الإثمَ نحن نتحمَّله.
(وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْفي اتِّباعنا إنْ كانت، والأمر بمعنى الخبر).
وقوله: (إنْ كانت) إنما قدَّرها المؤلِّف لأنَّ هؤلاء المشركين الذين دعَوْا إلى متابعتهم لا يعتقدون أنهم على خطأ، فهُمْ يقولون للمؤمنين: اتَّبعوا سبيلنا، وإنْ كان لكم خطايا بهذا الاتِّباع فإننا نتحمَّلها. فالتقدير الذي ذكره المؤلِّف واضحٌ من الآية؛ لأنهم لو كانوا يعتقدون أنهم إذا رجعوا إلى الشرك أو إذا دخلوا في الشرك كانوا مُخْطئين لكانوا ما دعَوْا إلى الشرك، فقولهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْيعني: إن كان لكم خطايا بدخولكم في الشرك فإننا نتحمَّله.
تَضَمَّنَ هذا الكلام دَعْوةً ودِعايةً؛ الدعوة: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا، والدِّعاية بتزيين هذا الأمر لهم؛ قولهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْيعني: ما عليكم شيء.
قال الله تعالى مكذِّبًا لما ادَّعَوْه: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ.
وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ(ما) نافيةٌ، وهي هنا حجازيَّة، ودخلتْ الباء في خبرها على حدِّ قول ابن مالك:
| وَبَعْدَ (مَا) وَ(لَيْسَ) جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ | ............................ |
فهُنا بعد (ما) قال: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ، وإنما أتى بالباء الزائدة إعرابًا لتأكيد النفي؛ أي أنَّ هذا أمرٌ مُؤَكَّد؛ مَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ.
وقوله: مِنْ شَيْءٍمِنْحرف جرٍّ زائدٌ أيضًا، وفائدة زيادتها تأكيد العموم؛ سواء كان هذا الشيءُ قليلًا أو كثيرًا.
وأمَّا قوله: مِنْ خَطَايَاهُمْفإنَّه في موضع نصْبٍ على الحال مِن شَيْءٍ؛ لأنَّ الوصفَ إذا سَبَقَ النَّكِرة صار حالًا منها، وإنْ تأخَّر صار نعتًا.
يقول: مَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍأي: ما هُمْ حاملِينَ شيئًا من خطاياهم، وهلْ هذا خَبَرٌ عن حُكمٍ شرعيٍّ أو عن حُكمٍ شرعيٍّ قَدَريٍّ؟
أمَّا كَوْنُه عنْ حُكمٍ شرعيٍّ فنَعَمْ؛ ما يُمْكِن يحمِل هؤلاء من خطايا هؤلاء شيئًا لقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤]، وأمَّا كَوْنُه عنْ حُكمٍ قَدَريٌّ أيضًا فلأنَّ هؤلاء لو قالوا لهم فهُمْ كاذبون؛ لو قالوا: نَحمِل خطاياكم، فإنَّهم كاذبون في ذلك؛ لقوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: ١٦٦]، فهُمْ لو قالوا ما هُمْ بحاملين، فكأنَّ الله تعالى يُكذِّبُهم؛ يقول: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَأي إنهم ما يَصْدقون فيما قالوا، فصارتْ الآن هذه الآية متضمِّنةً للنفي حُكمًا شرعيًّا وللنفي حُكمًا واقعيًّا؛ فهُمْ في الشرع لا يَحمِلون أوزارهم، وهُمْ في الواقع لا يَحمِلون أوزارهم أيضًا، لو قالوا ما صَدَقوا، ما هُمْ بحاملين من خطاياهم، ولكنْ يريدون أن يخدعوهم ويغرُّوهم، وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء، ولهذا قال: إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، إنَّهم لكاذبون في أيش؟ في قولهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ، كاذبون في هذا، لو قالوا ما يَصْدقون، كما أنَّه بالنسبة إلى الله عز وجل ما يُمْكِن أن يُحَمِّل أوزار هؤلاء لهؤلاء؛ قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤].
ولَمَّا كان قوله: إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَقد
يُوهِم أنهم لن يُحَمَّلُوا شيئًا من أوزارهم؛ أي: لن يُحَمَّل الدعاةُ شيئًا من
أوزار المدْعُوِّين، قال: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت: ١٣] وَلَيَحْمِلُنَّالفاعل مَن؟ الدُّعاة أو المدعُوُّوُن؟
الدُّعاة؛ ولَيَحْمِلُنَّ، والجملة هذه مؤكَّدة
بالقَسَم واللام والنون.
(أَثْقَالَهُمْ: أوزارهم)؛ يعني عُقُوبة الذنوب وسُمِّيَت الأوزار أثقالًا؛ لأنها تُثْقِلُ -والعياذ بالله- صاحبَها، وقوله: أَثْقَالَهُمْالضمير في (هم) يعود إلى الدَّاعين أو إلى المدعُوِّين؟ إلى الدَّاعين؛ يعني: لَيَحْمِلَنَّ هؤلاء الدُّعاة أثقالَ أنفسِهم، أيضًا وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْأثقالًا أُخْرى مع أثقالهم، ويش الأثقال الأخرى؟ أثقال دَعْوتِهم؛ قال الله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] فهُمْ يحملون أثقالهم كاملةً، أمَّا أثقال المدعُوِّين ما يحملونها كاملةً، لو حملوها كاملةً ما بقي للمدعُوِّين شيءٌ، ولهذا هنا قال: وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْأَثْقَالًابالنكرة، وفي الآية الثانية قال: وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ؛ وذلك لأنَّ الدَّاعي لا يتحمَّل وِزْر المدعُوِّ كاملًا، لو تحمَّله كاملًا ما بقي للمدعُوِّ شيءٌ، ولكنَّه يكون لهذا ولهذا والعياذ بالله.
وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْلدعْوتِهم إلى الضلال، وكلُّ مَن دعا إلى ضلالة فله مثلُ وِزْر مَن عمِل بها مِن غير أن ينقُص من أوزارهم شيء.
(وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْبقولهم للمؤمنين: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا، وإضلالِهم مقلِّديهم). ويش المقَلِّدون؟ الذين اتَّبعوهم؛ لأنَّ الكفار رؤساء ومقلِّدون؛ قال الله تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص: ٤١]، والإمام له مأمومٌ أو لا؟ له مُؤْتَمٌّ به يتبَعُه، فالكفار لهم رؤساء ولهم مقلِّدون، فهؤلاء المقلِّدون يَحمِل الرؤساء من أوزارهم ما يتحمَّلونه، وكذلك من أوزار الذين يدْعونهم بغير عِلم، لكنْ إذا دَعَوْا شخصًا ولم يَقْتدِ بهم فإنهم يحملون أوزار الدعوة فقط دون وِزْر العَمَل، والسبب لأنَّه ما فيه عَمَل.
وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [العنكبوت: ١٣]
لَيُسْأَلُنَّمَنْ يسألهم؟ الله سبحانه وتعالى.
يَوْمَ الْقِيَامَةِيعني: في الآخرة، وقد تقدَّم أنه سُمِّي بذلك لأمورٍ ثلاثة وهي: قيامُ الناس من قبورهم، وإقامة العدل، وقيام الأشهاد؛ فإنَّ الأشهاد يقومون في ذلك اليوم، ويُقام فيه العدلُ، ويقوم الناس من قبورهم.
طالب: ما المقصود بالأشهاد.
الشيخ: الأشهاد: الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام، وكذلك غيرُ الرُّسُل من العلماء، وكذلك الجُلُود والألْسُن.
وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَأيش معنى يَفْتَرُونَ؟ (يَكْذبون على الله)؛ لأنَّهم قالوا: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْوهم كاذبون في هذا ولَّا لا؟ كاذبون، فسيُسْألون عن هذا الكذب، وكذلك كلُّ دَجَّالٍ يدعو إلى باطله بالكذب سيُسْأل عن هذا الكذب.
عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَقال المؤلِّف: (سؤال توبيخ). ولَّا سؤال استخبار؟
الطلبة: توبيخ.
الشيخ: سؤالُ توبيخٍ، نَعَم؛ لأَجْل أنْ يُقِرُّوا؛ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌويش الجواب؟ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِير [الملك: ٨ - ١١].
قال المؤلِّف: (واللامُ في الفِعْلَيْنِ لامُ قَسَمٍ، وحُذِفَ فاعلُهما الواوُ ونونُ الرفع).
اللام في الفعلين؟
طالب: لَيُسْأَلُنَّ.
الطلبة: (...).
الشيخ: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ، والثاني ولَيُسْأَلُنَّ؛ فاللام لام القَسَم، والقَسَم مقدَّر، والنون للتوكيد، فصار التأكيد بكَمْ؟ بثلاثة، وحُذِف فاعلُهما الواو ونون الرفع، نون الرفع حُذِفت ليش؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما فيه جزم. يقولون: لتوالي الأمثال؛ لأنَّ ثلاث نونات اجتمعْنَ وكُلُّهنَّ زائدات ما يصير، فحُذِفتْ النون الأُولى لتوالي الأمثال، ولم تُحذَف نون التوكيد لأنه جِيءَ بها لِمعنًى، فكان الحذف لنون الرفع التي جَرَت العادة أن تُحذَف.
وقد عَلِمْتم أنَّ الأفعال الخمسة تُحذَف نونها وجوبًا في حال النصْب والجزم، وجوازًا بكثرةٍ في حال النفي، وجوازًا بقِلَّة في حال الإثبات.
الواو لماذا حُذِفتْ؟
طالب: للتخفيف.
الشيخ: للتخفيف؟! خطأ.
طالب: لالتقاء الساكنَيْنِ.
الشيخ: وين الساكنان؟ النون المشدَّدة أوَّلها ساكنٌ، والواو ساكنة، فحُذِفتْ الواو لالتقاء الساكنَيْنِ، فنون الرفع حُذِفتْ لتوالي الأمثال، والواو حُذِفتْ لالتقاء الساكنَيْنِ على حدِّ قول ابن مالك في الكافية، كرَّرْناه عِدَّة مرَّات، البيت مَن الذي يحفظه؟
طالب:
(أَثْقَالَهُمْ: أوزارهم)؛ يعني عُقُوبة الذنوب وسُمِّيَت الأوزار أثقالًا؛ لأنها تُثْقِلُ -والعياذ بالله- صاحبَها، وقوله: أَثْقَالَهُمْالضمير في (هم) يعود إلى الدَّاعين أو إلى المدعُوِّين؟ إلى الدَّاعين؛ يعني: لَيَحْمِلَنَّ هؤلاء الدُّعاة أثقالَ أنفسِهم، أيضًا وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْأثقالًا أُخْرى مع أثقالهم، ويش الأثقال الأخرى؟ أثقال دَعْوتِهم؛ قال الله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] فهُمْ يحملون أثقالهم كاملةً، أمَّا أثقال المدعُوِّين ما يحملونها كاملةً، لو حملوها كاملةً ما بقي للمدعُوِّين شيءٌ، ولهذا هنا قال: وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْأَثْقَالًابالنكرة، وفي الآية الثانية قال: وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ؛ وذلك لأنَّ الدَّاعي لا يتحمَّل وِزْر المدعُوِّ كاملًا، لو تحمَّله كاملًا ما بقي للمدعُوِّ شيءٌ، ولكنَّه يكون لهذا ولهذا والعياذ بالله.
وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْلدعْوتِهم إلى الضلال، وكلُّ مَن دعا إلى ضلالة فله مثلُ وِزْر مَن عمِل بها مِن غير أن ينقُص من أوزارهم شيء.
(وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْبقولهم للمؤمنين: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا، وإضلالِهم مقلِّديهم). ويش المقَلِّدون؟ الذين اتَّبعوهم؛ لأنَّ الكفار رؤساء ومقلِّدون؛ قال الله تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص: ٤١]، والإمام له مأمومٌ أو لا؟ له مُؤْتَمٌّ به يتبَعُه، فالكفار لهم رؤساء ولهم مقلِّدون، فهؤلاء المقلِّدون يَحمِل الرؤساء من أوزارهم ما يتحمَّلونه، وكذلك من أوزار الذين يدْعونهم بغير عِلم، لكنْ إذا دَعَوْا شخصًا ولم يَقْتدِ بهم فإنهم يحملون أوزار الدعوة فقط دون وِزْر العَمَل، والسبب لأنَّه ما فيه عَمَل.
وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [العنكبوت: ١٣]
لَيُسْأَلُنَّمَنْ يسألهم؟ الله سبحانه وتعالى.
يَوْمَ الْقِيَامَةِيعني: في الآخرة، وقد تقدَّم أنه سُمِّي بذلك لأمورٍ ثلاثة وهي: قيامُ الناس من قبورهم، وإقامة العدل، وقيام الأشهاد؛ فإنَّ الأشهاد يقومون في ذلك اليوم، ويُقام فيه العدلُ، ويقوم الناس من قبورهم.
طالب: ما المقصود بالأشهاد.
الشيخ: الأشهاد: الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام، وكذلك غيرُ الرُّسُل من العلماء، وكذلك الجُلُود والألْسُن.
وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَأيش معنى يَفْتَرُونَ؟ (يَكْذبون على الله)؛ لأنَّهم قالوا: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْوهم كاذبون في هذا ولَّا لا؟ كاذبون، فسيُسْألون عن هذا الكذب، وكذلك كلُّ دَجَّالٍ يدعو إلى باطله بالكذب سيُسْأل عن هذا الكذب.
عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَقال المؤلِّف: (سؤال توبيخ). ولَّا سؤال استخبار؟
الطلبة: توبيخ.
الشيخ: سؤالُ توبيخٍ، نَعَم؛ لأَجْل أنْ يُقِرُّوا؛ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌويش الجواب؟ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِير [الملك: ٨ - ١١].
قال المؤلِّف: (واللامُ في الفِعْلَيْنِ لامُ قَسَمٍ، وحُذِفَ فاعلُهما الواوُ ونونُ الرفع).
اللام في الفعلين؟
طالب: لَيُسْأَلُنَّ.
الطلبة: (...).
الشيخ: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ، والثاني ولَيُسْأَلُنَّ؛ فاللام لام القَسَم، والقَسَم مقدَّر، والنون للتوكيد، فصار التأكيد بكَمْ؟ بثلاثة، وحُذِف فاعلُهما الواو ونون الرفع، نون الرفع حُذِفت ليش؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما فيه جزم. يقولون: لتوالي الأمثال؛ لأنَّ ثلاث نونات اجتمعْنَ وكُلُّهنَّ زائدات ما يصير، فحُذِفتْ النون الأُولى لتوالي الأمثال، ولم تُحذَف نون التوكيد لأنه جِيءَ بها لِمعنًى، فكان الحذف لنون الرفع التي جَرَت العادة أن تُحذَف.
وقد عَلِمْتم أنَّ الأفعال الخمسة تُحذَف نونها وجوبًا في حال النصْب والجزم، وجوازًا بكثرةٍ في حال النفي، وجوازًا بقِلَّة في حال الإثبات.
الواو لماذا حُذِفتْ؟
طالب: للتخفيف.
الشيخ: للتخفيف؟! خطأ.
طالب: لالتقاء الساكنَيْنِ.
الشيخ: وين الساكنان؟ النون المشدَّدة أوَّلها ساكنٌ، والواو ساكنة، فحُذِفتْ الواو لالتقاء الساكنَيْنِ، فنون الرفع حُذِفتْ لتوالي الأمثال، والواو حُذِفتْ لالتقاء الساكنَيْنِ على حدِّ قول ابن مالك في الكافية، كرَّرْناه عِدَّة مرَّات، البيت مَن الذي يحفظه؟
طالب:
| إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ | ............................ |
الشيخ:
| إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ | وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُ اسْتَحَـــــــــــقْ |
نعم، هذه قرأتها كَم من مرة هذا الأسبوع فقط.
| إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ | ........................... |
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١] كسرناها.
| ............................ | وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُ اسْتَحَـــــــــــقْ |
اللَّين: الواو أو الألِف أو الياء؛ فإنَّه يستحقُّ الحذفَ (فحذفَه استحق).
طالب: النصارى يحملون (...).
الشيخ: لا، الرسول صلى الله عليه وسلم احترَزَ؛ قال: «مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» .
طالب: (...).
الشيخ: إي، يدخلون في هذا (...).
الطالب: (...).
الشيخ: (...) هذه نَذكُرها في الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم.
طالب: يا شيخ، القاعدة في طاعة الوالدين.
الشيخ: القاعدة: ألَّا تكون في معصية الله وأنْ تكون من الإحسان إليهما.
طالب: وألَّا يكون عليه مَضَرَّة.
الشيخ: إي نعم، وألَّا يكون عليه مَضَرَّة.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَاإلى آخره.
يُستفاد من هذه الآية الكريمة: حِرْصُ الكافرين على إغواء المؤمنين؛ لقولهم: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا.
ومن فوائد الآية: أنَّ أولئك الضالِّين يستعملون أساليبَ الدِّعاية الباطلة؛ من قولهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ؛ فإنَّ هذا من الدِّعاية الباطلة.
ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء الدُّعاة إلى الضلال كاذبون فيما التزموا به من حَمْل الخطايا؛ لقوله تعالى: إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
ومن فوائد الآية: أنَّ مَن كَفَر هان عليه ما دُون الكُفر، هؤلاء كفروا فهان عليهم الكذب أن يقولوا: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ.
ومن فوائد الآية: الحذر من دعوة أهل الضلال ودعايتهم، وأقصد بالدعاية تزيينَ ما دَعَوْا إليه وتسهيلَه في نفوس المدعُوِّين، فيجب علينا أن نَحْذر من هؤلاء.
ومن فوائد الآية أيضًا: تقرير قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى؛ لقوله: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ.
ومن فوائد الآية: إثبات عِلم الله؛ لقوله: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ؛ لأنَّه خَبَرٌ عن أمرٍ واقعٍ في المستقبل.
ومنها أيضًا: إثبات عدل الله؛ حيث لا يُحَمِّلُ أحدًا خطيئةَ أحد.
أمَّا قوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ.
ففيه دليلٌ على أنَّ الدُّعاة إلى الشر عليهم من أوزار المدعُوِّين؛ لقوله: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ.
ومنها: أنَّ الدُّعاة إلى الخير لهم مثل أجر المدعُوِّين، منين نأخذه؟
لأنَّه إذا كان الداعي إلى الشر يناله من العقوبة -وهذا من العدل- فإنَّ الداعي إلى الخير يناله من الأجر؛ لأنَّ الله تعالى ذو الفضل العظيم، فإذا كان الله يعاقب مَن دعا إلى ضلالة فكيف لا يُثِيب مَن دعا إلى هُدى؟!
ومنها: خطورة الدعوة إلى الضلال؛ حيث إنَّ كُلَّ مَن تأثَّر بهذه الدعوة فإنَّ على الداعي مثلَ وِزره، أو مِن وِزره؛ كما قال الله تعالى: وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: ٢٥].
ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: وَلَيُسْأَلُنَّ.
ومنها: إثبات سؤال هؤلاء عن أعمالهم السيِّئة؛ لقوله: عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ، وقد عرفتم الجمع بين قوله تعالى: وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [القصص: ٧٨] وبين قوله هنا: وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ.
ومنها: أنَّ الكذب يُعاقَب عليه المرء؛ لقوله: عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ؛ يعني: عن الذي كانوا يفترونه، إلَّا الكذب المباح، الكذب المباح ما عليه عقوبة، لكن الكذب غير المباح عليه عقوبة.
وهناك مَن يقول من الناس: إنَّ الكذب نوعان: أبيض وأَسْود؛ فالأسود هو اللي عليه العقوبة، والأبيض لا عقوبة عليه. والحقيقة أنَّ الكذب كُلَّه أَسْود ما فيه أبيض، هم يقولون: الأَسْود ما فيه أكْلُ مالٍ للغير أو اعتداءٌ عليه أو انتهاكٌ لعِرضه؛ يعني ما فيه مَضَرَّة على الغير، فهذا أَسْود، وأمَّا ما فيه الترويح عن النفس والإصلاح وما سوى ذلك فهذا أبيض. هذا ما هو بصحيح، بلْ وَرَدَ الوعيد على مَن كَذَب ليُضحِك به القوم ، الإنسان يجب عليه أن يتجنَّب الكذب كُلَّه، والأصل أنه حرامٌ.
طالب: قلنا الآن: إن الداعين إلى الضلالة (...) المدعُوِّين (...)، يكون للداعين مثله.
الشيخ: نعم، مِمَّا تأثَّروا به من دعوتهم، أمَّا الأعمال السيِّئة الأخرى ما عليهم منها شيء.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، عليهم من وِزرهم، لكنْ لو عمِلوا شيئًا ما له دخْلٌ في الدعوة ما يصير على أولئك شيء.
يُستفاد من هذه الآية الكريمة: حِرْصُ الكافرين على إغواء المؤمنين؛ لقولهم: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا.
ومن فوائد الآية: أنَّ أولئك الضالِّين يستعملون أساليبَ الدِّعاية الباطلة؛ من قولهم: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ؛ فإنَّ هذا من الدِّعاية الباطلة.
ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء الدُّعاة إلى الضلال كاذبون فيما التزموا به من حَمْل الخطايا؛ لقوله تعالى: إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
ومن فوائد الآية: أنَّ مَن كَفَر هان عليه ما دُون الكُفر، هؤلاء كفروا فهان عليهم الكذب أن يقولوا: وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ.
ومن فوائد الآية: الحذر من دعوة أهل الضلال ودعايتهم، وأقصد بالدعاية تزيينَ ما دَعَوْا إليه وتسهيلَه في نفوس المدعُوِّين، فيجب علينا أن نَحْذر من هؤلاء.
ومن فوائد الآية أيضًا: تقرير قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى؛ لقوله: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ.
ومن فوائد الآية: إثبات عِلم الله؛ لقوله: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ؛ لأنَّه خَبَرٌ عن أمرٍ واقعٍ في المستقبل.
ومنها أيضًا: إثبات عدل الله؛ حيث لا يُحَمِّلُ أحدًا خطيئةَ أحد.
أمَّا قوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ.
ففيه دليلٌ على أنَّ الدُّعاة إلى الشر عليهم من أوزار المدعُوِّين؛ لقوله: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ.
ومنها: أنَّ الدُّعاة إلى الخير لهم مثل أجر المدعُوِّين، منين نأخذه؟
لأنَّه إذا كان الداعي إلى الشر يناله من العقوبة -وهذا من العدل- فإنَّ الداعي إلى الخير يناله من الأجر؛ لأنَّ الله تعالى ذو الفضل العظيم، فإذا كان الله يعاقب مَن دعا إلى ضلالة فكيف لا يُثِيب مَن دعا إلى هُدى؟!
ومنها: خطورة الدعوة إلى الضلال؛ حيث إنَّ كُلَّ مَن تأثَّر بهذه الدعوة فإنَّ على الداعي مثلَ وِزره، أو مِن وِزره؛ كما قال الله تعالى: وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: ٢٥].
ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: وَلَيُسْأَلُنَّ.
ومنها: إثبات سؤال هؤلاء عن أعمالهم السيِّئة؛ لقوله: عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ، وقد عرفتم الجمع بين قوله تعالى: وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [القصص: ٧٨] وبين قوله هنا: وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ.
ومنها: أنَّ الكذب يُعاقَب عليه المرء؛ لقوله: عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ؛ يعني: عن الذي كانوا يفترونه، إلَّا الكذب المباح، الكذب المباح ما عليه عقوبة، لكن الكذب غير المباح عليه عقوبة.
وهناك مَن يقول من الناس: إنَّ الكذب نوعان: أبيض وأَسْود؛ فالأسود هو اللي عليه العقوبة، والأبيض لا عقوبة عليه. والحقيقة أنَّ الكذب كُلَّه أَسْود ما فيه أبيض، هم يقولون: الأَسْود ما فيه أكْلُ مالٍ للغير أو اعتداءٌ عليه أو انتهاكٌ لعِرضه؛ يعني ما فيه مَضَرَّة على الغير، فهذا أَسْود، وأمَّا ما فيه الترويح عن النفس والإصلاح وما سوى ذلك فهذا أبيض. هذا ما هو بصحيح، بلْ وَرَدَ الوعيد على مَن كَذَب ليُضحِك به القوم ، الإنسان يجب عليه أن يتجنَّب الكذب كُلَّه، والأصل أنه حرامٌ.
طالب: قلنا الآن: إن الداعين إلى الضلالة (...) المدعُوِّين (...)، يكون للداعين مثله.
الشيخ: نعم، مِمَّا تأثَّروا به من دعوتهم، أمَّا الأعمال السيِّئة الأخرى ما عليهم منها شيء.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، عليهم من وِزرهم، لكنْ لو عمِلوا شيئًا ما له دخْلٌ في الدعوة ما يصير على أولئك شيء.
***
تفسير الآية (14)
قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [العنكبوت: ١٤] اللام موطِّئة للقَسَم، و(قد) للتحقيق، والجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات، وإنما أكَّد الله ذلك وإنْ كان الخطاب لغير مُنْكِرٍ، لكنْ تقدَّم لنا أنَّ الأمور الهامَّة تؤكَّد وإنْ لم يُخاطَب بها مَن يُنْكِر أو يَترَدَّد، كُلّ الأمور الهامَّة فإنها تُؤكَّد.
وقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًاأي: بعثناه برسالة، وكان هذا بعد مُدَّة طويلة من آدم؛ إذْ كان الناس بعد آدم على مِلَّةٍ واحدةٍ بدون رسالة؛ لأنَّ آدم نبِيٌّ وليس برسولٍ؛ إذْ إنَّه ليس هناك أحدٌ يُرسَل إليه، وإنما أُوحِي إليه بشرعٍ وجَعَل يتعبَّدُ به واتَّبعه بنوه على ذلك، ولكنْ لما كثُرَ بنو آدم اختلفَتْ آراؤهم وأهواؤهم فاحتاجوا إلى الرسالة؛ قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣]، فبَيَّن سبحانه وتعالى أنَّ الرُّسُل أُرْسِلوا متى؟ بعد أن اختلف الناس، ولهذا فيه قراءة: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) وهذه القراءة دَلَّ عليها آخِر الآية: لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فأرسل الله نوحًا، وهو أوَّل رسولٍ أُرسِل إلى البَشَريَّة.
طالب: (...).
الشيخ: نعم رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكنَّه ما نَعْلم هل هذا صحيحٌ أو لا؛ لأنَّ ابن عباس مِمَّن تَلَقَّى عن بني إسرائيل.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِقال: (وعُمْره أربعون سَنَةً أو أكثر). (...) لو أكثر هان الأمر، فنحن لا نعلم بالتحديد كَمْ عمرُه، ما نعلم، لكنَّنا نعلم عِلم اليقين أنَّ الله أرسله وعُمْره قابلٌ لأنْ يكون أهلًا للرسالة سواء كان أربعين سنةً أو أكثر، ولا أظنُّه يكون أقلَّ.
وقوله: إلي قومِههذا فيه شاهِدٌ للحديث الصحيح: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
قال: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًايدعوهم إلى توحيد الله فكذَّبوه).
لَبِثَ فِيهِمْأي: في دعْوتهم إلى دين الله.
أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًاكم؟ تسعَ مئةٍ وخمسين سنةً يدعوهم إلى عبادة الله، عُمْرٌ طويلٌ، وهو معهم في صِراعٍ، وفي سورة نوحٍ يقول الله تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْلِئَلَّا يسمعوا ما أقول وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْتَغَطَّوْا بها لِئَلَّا يرَوْني -أعوذ بالله- يعني معناه أنهم يسُدُّون كُلَّ منافذ الوعي: السمْعَ والبصرَ وَأَصَرُّواعلى ما هُمْ عليه من الباطل؛ من المعاصي وَاسْتَكْبَرُواعن الواجبات اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح: ٢ - ٩] شوف مراحل الدعوة العظيمة، ومع ذلك ما استفادوا شيئًا، ما آمَنَ معه إلا قليلٌ، فالـمُدَّة طويلةٌ، والدعوة متنوِّعةٌ، والمضادَّة والمحادَّة لنوحٍ شديدةٌ عظيمةٌ، يمرُّون به وهو يصنع السفينة ويسْخَرون منه، لكنه مؤمن بالله عز وجل ويقول: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيم [هود: ٣٨، ٣٩]، هذه الْمُدَّة الطويلة يقول الله تعالى في سورة هود: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠]، حتى أحدُ أولاده ما آمَنَ، وهذا يُوجِب لنا أن نصبر ونحتسب.
الإنسان مِنَّا إذا دعا الناسَ لمدَّة ساعة ولم يستجِب أحدٌ زعِل وترك الدعوة، قال: ما فيه فائدة. هذا لَبِث ألْفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا ومع ذلك ما آمَنَ معه إلا قليلٌ.
يقول الله عز وجل: فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ(...) لأن القصة تكون أحيانًا مختصَرة يُذكَر فيها السببُ والأثَرُ بدون تفصيل، إرسالٌ ومُكْثٌ طويلٌ، وبَعْد ذلك أَخْذٌ، لكنْ أخْذٌ بسببٍ وهو قوله: وَهُمْ ظَالِمُونَ.
قال تعالى: فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُأَخَذَهُمُأبلَغُ مِن قوله: فأغرقهم. والأخْذُ يكون في مقابلة عمَلٍ، فهو جزاء.
(الطُّوفَانُأي: الماء الكثير طافَ بهم وعَلاهم فغرقوا). طافَ بهم من كُلِّ جانبٍ والعياذ بالله، وقد ذكر الله تعالى شأنَ هذا الأمر فقال سبحانه وتعالى: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: ١١، ١٢] شوف أَبْوَابَ السَّمَاءِكُلّ أبواب السماء فُتِّحت، إذا فُتِّحت أبواب السماء ستكون مثل القِرَب. بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍيعني نازِل بشِدَّة وقوَّة. وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًاالأرض كُلّها تفجَّرتْ عيونًا، حتى قال تعالى: وَفَارَ التَّنُّورُ [هود: ٤٠] وهو موضع النار البعيد عن الرطوبة. فَارَبدأ يفور عيونًا. ويش رأيكم يعني سيكون الماء بين ساعاتٍ فوق قِمَم الجبال، وهكذا كان بإذْن الله، كان كذلك؛ الأرضُ كلُّها تَبُثُّ عيونًا، والسماء مُنهَمِرةٌ بالمياه العظيمة. فَالْتَقَى الْمَاءُماءُ الأرض وماءُ السماء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَمَن ينجو مِن هذا؛ وَرَدَ في الحديث أنَّه لو أَنْجَى اللهُ أحَدًا لَأَنْجَى أمَّ الصَّبِيِّ؛ امرأة معها صَبِيٌّ كُلَّما وَصَلَها الماء صعِدَتْ في الجبل، وكُلَّما وَصَلَها صعِدَتْ، حتى وَصَلَتْ إلى قِمَّة الجبل، فلمَّا ألْجَمَها الماءُ حملَتْ ولَدَها فوق لأجْلِ أن تَغْرَق قبْل ابنها ، ولكنْ -والعياذ بالله- رحمةُ الله تعالى ما تدرك الكافرين بعد أن يروا العذاب؛ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٥] المهم..
طالب: السماء الحقيقية؟
الشيخ: السماء اللِّي فوق، ما عَلاك فهو سماء.
(فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُأي: الماء الكثير طافَ بهم وعَلاهم فغرقوا).
وَهُمْ ظَالِمُونَ، جُمْلةُ وَهُمْ ظَالِمُونَفي موضع نَصْبٍ على الحالِ مِن الهاء في قوله: فَأَخَذَهُمُ؛ يعني: والحال أنَّهم ظالمون؛ أي: مُقيمون على الظُّلْم، ما آمَنوا؛ لأنه مَا آمَنَ مع نوحٍ إلا نفرٌ قليلٌ.
***
تفسير الآية (15)
(فَأَنجَيْنَاهُ [العنكبوت: ١٥] أي: نوحًا) مِن هذا الطوفانِ العظيمِ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِوَأَصْحَابَ(أصحاب) ويش المعطوف عليه؟ على الهاء في قوله: أَنجَيْنَاهُ؛ يعني وأنجينا أيضًا أصحاب السفينة؛ يعني أهلَها؛ أي: (الذين كانوا معه فيها)، وهُم المؤمنون، أهْل نوحٍ كُلّهم إلا ابنَه الكافر. والمؤمنون مِن قومه وكذلك أيضًا الحيوانات مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود: ٤٠] كُلّ اللي على وجه الأرض يعيش مِن الحيوانات حُمِل في هذه السفينة، لأن (...) كُلّ شيءٍ على الأرض، هؤلاء أصحاب السفينة نجَوْا.
وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَجعلْنَاها عِبرةً للعالَمين. جَعَلْنَاهَاالضمير في جَعَلْنَاهَاأي: القِصَّة، أو جَعَلْنَاهَاأي: السفينة.
طالب: (...).
الشيخ: إذ هو يؤيِّد أنَّها السفينة؛ أنها لأقْربِ مذكورٍ، ويؤيِّد العموم أنَّ العِبرة ليستْ في السفينة فقط بلْ في السفينة وفي القصة؛ حيث إنَّه بقي هذه المدَّةَ الطويلةَ ولم يؤمن معه إلا قليلٌ، وحَصَل هذا الغَرَق العظيم الذي لا نَظِيرَ له فيما نعلم، فهي آيةٌ للعالَمين.
وأمَّا أنَّها السفينةُ فإنَّ الله تعالى يقول: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس: ٤٢] وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِأي: مِن مِثْل الفُلْك المشحون الذي نجا به نوحٌ مَا يَرْكَبُونَ، فصارَ أوَّل من صنع السُّفُن نوح ثمَّ أخذها الناسُ منه، وتأمل الحكمة في قوله تعالى: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر: ١٣] ولا قال: حملْناه على السفينة، ليش؟ تنبيهًا على الموادِّ التي يُسمُّونها الموادَّ الخام في صُنْع السفينة. ويش هي؟ الألواح والدُّسُر؛ يعني المسامير، يعني معناه أنها تُصنَع من الألواح والمسامير علشان يعرف الناس ذلك، وهذا هو الواقع، كُلُّ الناس عرفوا بها، وتطورت الصنعة إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
وقوله: وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَبعض العلماء يقول: جَعَلْنَاهَاأي السفينةَ عينًا، وأنَّ هذه السفينة بقِيَتْ في الأُمَم حتى أدرَكَتْها آخرُ الأُمَم وهُم أوَّل هذه الأُمة، فيُقَال: إنَّ أجزاء هذه السفينة بقِيتْ موجودةً إلى أن أدرَكها أوَّلُ هذه الأُمَّة على الْجُودِيِّ الذي استَوَتْ عليه. وهذا فيه نظر.
والقول الثاني أنَّ الهاء في قوله: وَجَعَلْنَاهَايعود على السفينة باعتبار الجنس لا باعتبار الشَّخْص؛ فالضَّمِير يعود إليها باعتبار جنسها كقوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَاجَعَلْنَاهَاأي: الشُّهُب التي تَخرُج من هذه المصابيح رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥]، وكما في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً [المؤمنون: ١٢، ١٣] جَعَلْنَاهُهذا الضمير يعود على الإنسان باعتبار جنسه أو باعتبار شخصه؟
طالب: باعتبار جنسه؛ لأن الأول آدم ..
الشيخ: لا تُعَلِّل (...)، مَن يوافق أو يخالف؟
طالب: باعتبار الجنس.
الشيخ: باعتبار الجنس، إي نعم، ما يصِحُّ أن يكون باعتبار الشخص؛ لأنه ما هو بـ(آدم)، هو اللِّي نُطْفة في الأرحام، هل آدم الذي خُلِق من سلالةٍ من طينٍ يكون في الأرحام نطفةً في قرارٍ مَكينٍ؟ لا، ولكن ثُمَّ جَعَلْنَاهُأي الإنسانَ باعتبار جنسه، فالضمير يعود إلى الإنسان باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص، فعلى هذا يكون قوله تعالى هنا: وَجَعَلْنَاهَاأي: السفينةَ باعتبار جنسها ولَّا باعتبار شخصها؟ يعني: نفس السفينة ولَّا جنس السفينة؟
فيه قولان للعلماء؛ أنا قلتُ لكم: بعض العلماء يقول: إنها بقيتْ هذه السفينة؛ شَخصُها بقي حتى أدركَتْه آخِرُ الأُمَم هذه الأُمَّة، وعلى هذا يكون جَعَلْنَاهَاأي: السفينةَ عينَها.
وبعضهم يقول: لا، سفينةُ نوحٍ لها قرون عظيمة، تكسَّرتْ وأتلفتْها الرياحُ والشمسُ والناسُ، راحتْ، لكنْ جَعَلْنَاهَاأي: السفينةَ باعتبار الجنس.
طالب: (...).
الشيخ: (...)، نحن نتكلم عن السفينة، هي التي نتكلم عليها، إي نعم.
طالب: نقول يمكن (...).
الشيخ: على كل حالٍ المسألةُ فيها قولان لأهل العلم: إما باعتبار الشخص، وإما باعتبار الجنس.
وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَالمراد بـ(العالَمين) هنا مَنْ بَعْدهم مِن الناس كما قال المؤلِّف: (لِمَنْ بَعْدهم مِن الناس إن عَصَوْا رُسُلهم). وهذا مِن المؤلِّف؛ كأنه يقول: إنَّ الضمير في جَعَلْنَاهَايعود على القِصَّة كلِّها وأنَّها عِبرة للعالَمين، إنْ عَصَوْا رُسُلَهم فسيَحِلُّ بهم من العقوبة ما حَلَّ بقوم نوحٍ.
وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ(لِمَنْ بَعْدهم من الناس إنْ عَصَوْا رُسُلهم. وعاش نوحٌ بَعْد الطوفانِ ستين سنة). يصير أربعون سنةً قبْل البعثة وستون سنةً بعد الطوفانِ مئةَ سنةٍ، وتسع مئةٍ وخمسون: ألف وخمسون سنة، لكنْ عاد المؤلِّف قال: (ستين سنةً أو أكْثَر حتى كَثُر الناس). يعني أنَّه ما جَزَم بأنَّه ما بقي إلا ستين سنةً بعد الطوفانِ.
ونحن نقول: ليس لنا فائدة من معرفة كَمْ لَبِثَ قبْل الرسالة ولا مِن معرفة كَمْ لَبِثَ بعد الطوفانِ؛ لأنَّ المهم ما هي؟ المهم هو القصة.
إن هذا أوَّل الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومع ذلك وجد من قومه من المعارضات والاستكبار ورَدِّ دعْوته ما لم يجِدْه نبيٌّ مِثْله؛ لأننا ما نعلم أن نبيًّا بقي في قومه ألْف سنةٍ إلا خمسين عامًا إلَّا نوحًا، وأمَّا المثل العامِّي عند الناس يقول: (عسى عُمْرك عُمْر شعيب) هذا مشهورٌ عندنا، ما أدري، معروفٌ عندكم؟ إذا بغوا يَدْعون الناس بطول العُمْر قالوا: (عسى عُمْرك عُمْر شعيب) يظنُّون أن عُمْر شُعَيب أطول الأعمار، ولكن هذا غير صحيحٍ، الآن اللِّي بَلَغَنَا مِن كتاب الله سبحانه وتعالى أنَّ أطولَ الناسِ عُمْرًا نوح، هذا الذي بَلَغَنا، فهُمْ لو قالوا: عسى عُمرك عُمر نوح، كان معقول، لكن (عسى عُمرك عمُر شعيب) (...) .
طالب: (...).
الشيخ: ما أدري هم يظنون هذا الظن أو أنه شعيب أخو مدين.
طالب: (...).
الشيخ: ما أدري، الله أعلم.
في قصة نوحٍ يقول الله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، والله يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِما فيه تعدُّد، نوحٌ واحد، أيش لونه؟
طالب: باعتبار الجنس؛ يعني: كذَّبوا الرسول فكذَّبوا الرُّسُل.
الشيخ: إي نعم، يعني أنَّ الذي يُكذِّب رسولًا من الرُّسُل مُكذِّبٌ للجميع؛ لأنه ويش الفرق بين نوح وهود وصالح؟! كلُّهم من بني آدم، كونك تكذِّب واحدًا قامتْ البيِّنة على أنه رسول كأنَّما كذَّبْتَ جميعَ الرسل، مثلما أنَّ مَن آمَنَ ببعض الرسالة وكَفَر ببعضٍ فقد كَفَر بالجميع؛ أحدٌ يقول: أنا أومِن بأنَّ الصلاة مفروضةٌ لكن ما أومِن بأنَّ الزكاة فرضٌ. نقول: الآن كذَّبْتَ بهذا وبهذا؛ لأن إيمانك بأنَّ الصلاة مفروضةٌ دون الزكاةِ عن هَوى ولَّا عن هُدى؟ عن هوى، لو كان عن هُدى لآمَنْتَ بهذا كما آمَنْتَ بهذا، فأنت إذَنْ لسْتَ بمؤمن لا بهذا ولا بهذا.





