الشيخ: (...) ظاهره أنه من كلام الله، أما {أَوَلَمْ تَرَوْا} فلا فيه إشكال؛ لأن إبراهيم يخاطبهم ويقول
هذا الكلام، وقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ [العنكبوت: ٢٠].
طالب: فيه إشكال.
الشيخ: فيه إشكال أو لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ويش وجه الإشكال؟
الطالب: لأن قُلْمخاطب..
الشيخ: لأن قُلْمن الله، فتكون للمخاطب، والحقيقة ما يمكن أن نقول: إنه من كلام إبراهيم إلا على سبيل التكلف بأن نقول: لما كان رسولًا من الله كان خطاب الله تعالى على لسانه، وإن كان مضافًا إلى الله صار فيه التكلف، فالمهم أن الظاهر من سياق الآيات يدل على القول بأن ذلك من كلام الله تعالى معترضًا في القصة.
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ [العنكبوت: ٢٤] هذا جواب شديد والعياذ بالله، لكن أولًا فيه إشكال من حيث الإعراب: لماذا نَصب اسم (كان)، والمعروف أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر وهنا نصب الاسم؟ نشوف أحدًا عنده جواب؟ (...).
طالب: اسم كان إِلَّا أَنْ قَالُوا.
الشيخ: وجَوَابَ؟
الطالب: جَوَابَخبر.
الشيخ: خبر كان مقدم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هكذا؟ طيب هكذا، صحيح جَوَابَإذن خبر كان مقدم وإِلَّا أَنْ قَالُواهذا هو الاسم، والتقدير: فما كان جواب قومه إلا قولهم، وقوله: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُواهذه تفيد الحصر، يعني: ما كان بالاستسلام ولا كان بالرد الجميل، كان والعياذ بالله بمقام التهديد بالقوة، وهكذا -يا جماعة- كل إنسان ما يستطيع رد الحق فإنه يهدِّد بالقوة إذا كان له قوة على خصمه، وإن كان ما له به قوة صار يتكلم بالسب والشتم؛ لأن اللي عنده معرفة الحق بالمنطق السليم يرده بالمنطق السليم، فرعون ويش قال لموسى؟ قال: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩]، لما أنه ناظره المسألة في الشعراء مناظرة قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَسخر به قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَالجواب قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ٢٦] نعم ثم رماه بالجنون قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: ٢٧] الجواب قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء: ٢٨] أنتم المجانين في الحقيقة، لكن جاء بها بأسلوب واضح منطقي كأنك عاقل، رب المشرق والمغرب الذي يأتي بالشمس من المشرق ويأتي بها من المغرب هو الله عز وجل. أخيًرا قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩] لأنه ما يستطيع يجيبه؛ لأن هذه الأخيرة رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِتشبه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام للذي حاجه في الله إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨] نعم، هنا في إبراهيم صلى الله عليه وسلم الجواب..
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم الجواب: إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُتهديد بالقوة، ما هو بالمنطق، وهو نظير الرسل وخصمائهم، سلسلة ما تتفرق، محمد عليه الصلاة والسلام وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٠]، هكذا أيضًا إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، وفي آية أخرى: قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٦٨]، والجمع بينهما بسيط يكون هنا، قال بعضهم: اقتلوه، وقال بعضهم: حرقوه، وقر قرارهم على التحريق إي نعم والله أعلم، نسأل الله العافية.
طالب: مشاهد أن أهل الباطل دائمًا (...) أهل الحق هددوهم بالقوة (...).
الشيخ: إي نعم، مشاهد صحيح.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: بس لا تجيب عدم (...).
طالب: فيه إشكال.
الشيخ: فيه إشكال أو لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ويش وجه الإشكال؟
الطالب: لأن قُلْمخاطب..
الشيخ: لأن قُلْمن الله، فتكون للمخاطب، والحقيقة ما يمكن أن نقول: إنه من كلام إبراهيم إلا على سبيل التكلف بأن نقول: لما كان رسولًا من الله كان خطاب الله تعالى على لسانه، وإن كان مضافًا إلى الله صار فيه التكلف، فالمهم أن الظاهر من سياق الآيات يدل على القول بأن ذلك من كلام الله تعالى معترضًا في القصة.
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ [العنكبوت: ٢٤] هذا جواب شديد والعياذ بالله، لكن أولًا فيه إشكال من حيث الإعراب: لماذا نَصب اسم (كان)، والمعروف أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر وهنا نصب الاسم؟ نشوف أحدًا عنده جواب؟ (...).
طالب: اسم كان إِلَّا أَنْ قَالُوا.
الشيخ: وجَوَابَ؟
الطالب: جَوَابَخبر.
الشيخ: خبر كان مقدم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هكذا؟ طيب هكذا، صحيح جَوَابَإذن خبر كان مقدم وإِلَّا أَنْ قَالُواهذا هو الاسم، والتقدير: فما كان جواب قومه إلا قولهم، وقوله: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُواهذه تفيد الحصر، يعني: ما كان بالاستسلام ولا كان بالرد الجميل، كان والعياذ بالله بمقام التهديد بالقوة، وهكذا -يا جماعة- كل إنسان ما يستطيع رد الحق فإنه يهدِّد بالقوة إذا كان له قوة على خصمه، وإن كان ما له به قوة صار يتكلم بالسب والشتم؛ لأن اللي عنده معرفة الحق بالمنطق السليم يرده بالمنطق السليم، فرعون ويش قال لموسى؟ قال: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩]، لما أنه ناظره المسألة في الشعراء مناظرة قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَسخر به قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَالجواب قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ٢٦] نعم ثم رماه بالجنون قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: ٢٧] الجواب قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء: ٢٨] أنتم المجانين في الحقيقة، لكن جاء بها بأسلوب واضح منطقي كأنك عاقل، رب المشرق والمغرب الذي يأتي بالشمس من المشرق ويأتي بها من المغرب هو الله عز وجل. أخيًرا قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩] لأنه ما يستطيع يجيبه؛ لأن هذه الأخيرة رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِتشبه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام للذي حاجه في الله إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨] نعم، هنا في إبراهيم صلى الله عليه وسلم الجواب..
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم الجواب: إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُتهديد بالقوة، ما هو بالمنطق، وهو نظير الرسل وخصمائهم، سلسلة ما تتفرق، محمد عليه الصلاة والسلام وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٠]، هكذا أيضًا إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، وفي آية أخرى: قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٦٨]، والجمع بينهما بسيط يكون هنا، قال بعضهم: اقتلوه، وقال بعضهم: حرقوه، وقر قرارهم على التحريق إي نعم والله أعلم، نسأل الله العافية.
طالب: مشاهد أن أهل الباطل دائمًا (...) أهل الحق هددوهم بالقوة (...).
الشيخ: إي نعم، مشاهد صحيح.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: بس لا تجيب عدم (...).
***
قال الله عز وجل: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١] هذا مبتدأ الفوائد.
قوله: يُعَذِّبُوَيَرْحَمُفيه: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، نعم إثبات الأفعال الاختيارية لله، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة من السلف والأئمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله، أي أنه يفعل ما يشاء، وخالف في ذلك الأشاعرة وغيرهم فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يتعلق به فعلٌ حادث، وعللوا ذلك بأنه لا يقوم الحادث إلا بحادث وأننا لو أثبتنا حدوث الأفعال لله لزم من ذلك أن يكون الله تعالى حادثًا، ولا ريب أن هذا قولٌ باطل؛ لأننا نقول لهم: من قال لكم: إن الحادث لا يقوم إلا بحادث؟ من أين جاءت هذه القاعدة؟ هل هي في القرآن؟ هل هي في السنة؟ هل هي بالعقل؟
ثم إننا نقابل هذه القاعدة الفاسدة بقاعدة أكمل منها وأوضح، وهي أن الفعال لما يريد أكمل من الذي لا يفعل، أليس كذلك؟ اللي يفعل ما يريد أكمل من الذي لا يفعل، فأنتم إذا عطلتم الله عز وجل عن أفعاله الاختيارية، معنى ذلك وصفتموه بأنقص ما يكون، فإن هذا أمر معلوم لجميع العقلاء؛ أن الفاعل لما يريد أكمل من الذي لا يفعل أو الذي يجبر على الفعل أيضًا.
ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: مَنْ يَشَاءُفي الموضعين.
ومن فوائدها: أن الرحمة لا تُطلب إلا من الله؛ لقوله: وَيَرْحَمُوهذا في مقام التقسيم يدل على الاختصاص يُعَذِّبُوَيَرْحَمُفلا تطلب الرحمة إلا من الله، حتى الذين يرحمون من الخلق ينبغي عندما تَطلب رحمتهم أن تجعل ذلك متعلِّقًا بالله؛ لأن الله عز وجل لو شاء ألا يرحموك لم يرحموك.
ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله: وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ.
ومن فوائدها: التحذير من المخالفة؛ لأنه إذا كان المرجع إلى الله فاحذر من مخالفته؛ فإن هذا يشبه التهديد والوعيد من المخالفة.
ثم قال تعالى: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [العنكبوت: ٢٢].
من فوائد الآية هذه: كمال قدرة الله عز وجل، وأنه لا يعجزه شيء وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ.
ومن فوائدها: أنه لا مفر للمرء من قدر الله، سواءٌ كان في السماء أم في الأرض؛ لقوله: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
ومن فوائدها: ضعف البشر بالنسبة إلى الخالق؛ لأن الخطاب بِمُعْجِزِينَللعموم، فالبشر مهما بلغوا من القوة فهم بالنسبة إلى الخالق عاجزون ضعفاء، ولهذا قال الله عز وجل: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًقال الله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْجاءت خَلَقَهُمْما قال أن الله هو أشد الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥]، فإذا كانوا مخلوقين فإن الخالق أقوى بلا شك، الخالق أقوى من المخلوق، فأتى بالموصول وصلته كالتعليل والدلالة على ضعفهم أمام الله عز وجل.
ومن فوائد الآية: أنه لا ملجأ للبشر في جلب المنافع ودفع المضار إلا إلى من؟ إلى الله، وأنهم مهما استغاثوا بغيره فإنهم خائبون وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
ومنها -وهي فائدة بلاغية-: أن من أدوات التوكيد الزيادة، زيادة الحروف من أدوات التوكيد؛ لقوله: وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ؛ لأن (مِن) هنا زائدة لإفادة العموم أو التنصيص على العموم.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [العنكبوت: ٢٣].
من فوائد هذه الآية: أن الكفار لا يدخلون الجنة، تؤخذ من قوله: أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات الآيات لله عز وجل الكونية والشرعية كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ.
ومن فوائدها: رحمة الله تعالى بالعباد، حيث أظهر لهم من الآيات ما يؤمنون على مثله، أليس كذلك؟ هذه من نعمة الله؛ أن الله تعالى أرى عباده من آياته ما يؤمنون على مثله، ولهذا كلما ظهر للإنسان من آيات الله شيء كان أكبر لنعمة الله عليه وأشد في رسوخ إيمانه، ومن ذلك الكرامات التي حصلت لبعض أولياء الله؛ فإنها تزيد في إيمانهم وتؤيد ما كانوا عليه من الحق، قال شيخ الإسلام رحمه الله: وكثرت الكرامات في زمن التابعين دون الصحابة؛ لأن عند الصحابة من الإيمان ما ليس عند التابعين، فليسوا في حاجة إلى كرامات تقوي إيمانهم كحاجة التابعين، ذكر هذا في كتاب الفرقان، وهذا حق؛ فإنك إذا تأملت الكرامات التي ذكرت وجدتها في التابعين أكثر. فالمهم أن إظهار الآيات للإنسان سواءٌ كانت شرعية أم قدرية أنها من نعمة الله عليه؛ لأنها تزيد في إيمانه ورسوخه في القلب.
ومن فوائد الآية: إثبات رؤية الله، منين نأخذه؟ من قوله: وَلِقَائِهِ؛ فإن أهل السنة والجماعة استدلوا بذلك على إثبات الرؤية؛ لأن الملاقاة إذا لم يكن مانع لا بد فيها من الرؤية، ولا مانع يمنع.
وهذه المسألة فيها خلاف كثير بين أهل السنة وأهل البدع، والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة إثبات أيش؟ إثبات رؤية الله تعالى بالعين وأنه في الآخرة يرى، أما في الجنة فيراه المؤمنون ولا يراه غيرهم؛ لأنهم ليسوا فيها.
قوله: يُعَذِّبُوَيَرْحَمُفيه: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، نعم إثبات الأفعال الاختيارية لله، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة من السلف والأئمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله، أي أنه يفعل ما يشاء، وخالف في ذلك الأشاعرة وغيرهم فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يتعلق به فعلٌ حادث، وعللوا ذلك بأنه لا يقوم الحادث إلا بحادث وأننا لو أثبتنا حدوث الأفعال لله لزم من ذلك أن يكون الله تعالى حادثًا، ولا ريب أن هذا قولٌ باطل؛ لأننا نقول لهم: من قال لكم: إن الحادث لا يقوم إلا بحادث؟ من أين جاءت هذه القاعدة؟ هل هي في القرآن؟ هل هي في السنة؟ هل هي بالعقل؟
ثم إننا نقابل هذه القاعدة الفاسدة بقاعدة أكمل منها وأوضح، وهي أن الفعال لما يريد أكمل من الذي لا يفعل، أليس كذلك؟ اللي يفعل ما يريد أكمل من الذي لا يفعل، فأنتم إذا عطلتم الله عز وجل عن أفعاله الاختيارية، معنى ذلك وصفتموه بأنقص ما يكون، فإن هذا أمر معلوم لجميع العقلاء؛ أن الفاعل لما يريد أكمل من الذي لا يفعل أو الذي يجبر على الفعل أيضًا.
ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: مَنْ يَشَاءُفي الموضعين.
ومن فوائدها: أن الرحمة لا تُطلب إلا من الله؛ لقوله: وَيَرْحَمُوهذا في مقام التقسيم يدل على الاختصاص يُعَذِّبُوَيَرْحَمُفلا تطلب الرحمة إلا من الله، حتى الذين يرحمون من الخلق ينبغي عندما تَطلب رحمتهم أن تجعل ذلك متعلِّقًا بالله؛ لأن الله عز وجل لو شاء ألا يرحموك لم يرحموك.
ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله: وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ.
ومن فوائدها: التحذير من المخالفة؛ لأنه إذا كان المرجع إلى الله فاحذر من مخالفته؛ فإن هذا يشبه التهديد والوعيد من المخالفة.
ثم قال تعالى: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [العنكبوت: ٢٢].
من فوائد الآية هذه: كمال قدرة الله عز وجل، وأنه لا يعجزه شيء وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ.
ومن فوائدها: أنه لا مفر للمرء من قدر الله، سواءٌ كان في السماء أم في الأرض؛ لقوله: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
ومن فوائدها: ضعف البشر بالنسبة إلى الخالق؛ لأن الخطاب بِمُعْجِزِينَللعموم، فالبشر مهما بلغوا من القوة فهم بالنسبة إلى الخالق عاجزون ضعفاء، ولهذا قال الله عز وجل: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًقال الله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْجاءت خَلَقَهُمْما قال أن الله هو أشد الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥]، فإذا كانوا مخلوقين فإن الخالق أقوى بلا شك، الخالق أقوى من المخلوق، فأتى بالموصول وصلته كالتعليل والدلالة على ضعفهم أمام الله عز وجل.
ومن فوائد الآية: أنه لا ملجأ للبشر في جلب المنافع ودفع المضار إلا إلى من؟ إلى الله، وأنهم مهما استغاثوا بغيره فإنهم خائبون وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
ومنها -وهي فائدة بلاغية-: أن من أدوات التوكيد الزيادة، زيادة الحروف من أدوات التوكيد؛ لقوله: وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ؛ لأن (مِن) هنا زائدة لإفادة العموم أو التنصيص على العموم.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [العنكبوت: ٢٣].
من فوائد هذه الآية: أن الكفار لا يدخلون الجنة، تؤخذ من قوله: أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات الآيات لله عز وجل الكونية والشرعية كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ.
ومن فوائدها: رحمة الله تعالى بالعباد، حيث أظهر لهم من الآيات ما يؤمنون على مثله، أليس كذلك؟ هذه من نعمة الله؛ أن الله تعالى أرى عباده من آياته ما يؤمنون على مثله، ولهذا كلما ظهر للإنسان من آيات الله شيء كان أكبر لنعمة الله عليه وأشد في رسوخ إيمانه، ومن ذلك الكرامات التي حصلت لبعض أولياء الله؛ فإنها تزيد في إيمانهم وتؤيد ما كانوا عليه من الحق، قال شيخ الإسلام رحمه الله: وكثرت الكرامات في زمن التابعين دون الصحابة؛ لأن عند الصحابة من الإيمان ما ليس عند التابعين، فليسوا في حاجة إلى كرامات تقوي إيمانهم كحاجة التابعين، ذكر هذا في كتاب الفرقان، وهذا حق؛ فإنك إذا تأملت الكرامات التي ذكرت وجدتها في التابعين أكثر. فالمهم أن إظهار الآيات للإنسان سواءٌ كانت شرعية أم قدرية أنها من نعمة الله عليه؛ لأنها تزيد في إيمانه ورسوخه في القلب.
ومن فوائد الآية: إثبات رؤية الله، منين نأخذه؟ من قوله: وَلِقَائِهِ؛ فإن أهل السنة والجماعة استدلوا بذلك على إثبات الرؤية؛ لأن الملاقاة إذا لم يكن مانع لا بد فيها من الرؤية، ولا مانع يمنع.
وهذه المسألة فيها خلاف كثير بين أهل السنة وأهل البدع، والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة إثبات أيش؟ إثبات رؤية الله تعالى بالعين وأنه في الآخرة يرى، أما في الجنة فيراه المؤمنون ولا يراه غيرهم؛ لأنهم ليسوا فيها.
وأما في عرصات القيامة فالصحيح أنه يراه المؤمنون ويراه المنافقون، لكن
المنافقين يرونه ليس رؤية تنعيم، بل هي حقيقة رؤية تنديم؛ لأن الله سبحانه وتعالى
يظهر لهذه الأمة وفيها منافقون فيكشف لهم عن ساقه تبارك وتعالى ويأمرهم بالسجود،
فمن كان يسجد لله سجد، ومن كان لا يسجد إلا رياءً وسمعةً يعجز، ما يسجد، لكن
المؤمنون يرونه رؤية تكريم، وهؤلاء رؤية تنديم؛ لأنه إذا حُجب عنهم بعد ذلك أو إذا
حُجبوا عنه بعد ذلك صار أشد وقعًا في نفوسهم، مثلما أن المنافقين أيضًا يُعطَون
نورًا يوم القيامة ثم يُحجَب عنهم، هذا يكون أشد من الذين لم يعطوا نورًا من الأصل،
وهذه الرؤية إذا قال قائل: كيف تقرونها وتؤمنون بها مع أن الله جل وعلا يقول لموسى:
لَنْ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣] ويقول: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣]؟
فالجواب: أما قوله لموسى: لَنْ تَرَانِيفإنه جوابٌ على قول موسى: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] وهو يريد الآن، ولهذا قال: انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣]، فدل هذا على أن نفي الرؤية متى؟ في ذلك الوقت، وهذا حق؛ أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا نعم؛ لعجز الإنسان عن تحمل ذلك، وقد ضرب الله لرسوله موسى صلى الله عليه وسلم مثلًا بالجبل وعجز الجبل لما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخر موسى صعقًا.
أما قوله: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُفهي إلى الدلالة على ثبوت الرؤية أقرب من الدلالة على نفي الرؤية؛ لأن الله جل ذكره لم يقل: لا يُرى، بل قال: لَا تُدْرِكُهُ، ونفي الأخص -لأن الإدراك أخص من مطلق الرؤية- نفي الأخص لا يدل على نفي الأعم، هذه قاعدة معروفة عند أهل العلم: أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فهنا نحن نقول: إن هذا يدل على أنه يُرى؛ لأنه لو لم يكن يرى لقال: لا تراه الأبصار، فلما قال: لَا تُدْرِكُهُعُلم أنه يرى لكن لا يدرك، ونحن نقول: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُحتى في الآخرة، فإنه لا يمكن الإحاطة بالله عز وجل لكنه يرى، وضرب المثل لا بأس به لكن مع الفرق، ألسنا نرى الشمس ولا ندركها، نراها ولا ندركها، بل إننا نرى أصغر شيء أصغر حيوان (...) تراه بالعين، ومع ذلك لا تدركه، تدرك ما فيه مما خلق الله عز وجل في جوفه أو في جلده؟ ما تدركه.
فالحاصل أنه لا يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية، بل هو دليلٌ على ثبوت الرؤية، ولهذا استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على ثبوت الرؤية لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ.
طالب: شيخ، الكفار يرون الله يوم القيامة؟
الشيخ: لا، الكفار ما يرونه؛ لأنه يقول: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥].
الطالب: وقوله: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦] (...)..
الشيخ: هذه الملاقاة بالنسبة للكافر دل الدليل على أنه لا يراه، بالنسبة للكافر.
ومن فوائد الآية: وجوب الإيمان بلقاء الله؛ لأن الله تعالى عاقب الذين لا يؤمنون بذلك باليأس من رحمته.
ومن فوائدها: ثبوت الرحمة؛ لقوله: أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي، طيب الإضافة هنا إن قلنا: إن المراد بالرحمة الجنة، فهي من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفًا وتكريمًا، وإذا قلنا: إنها صفة الله فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها.
ومن فوائد الآية: إثبات العقوبة للكافرين، وأنها عقوبة شديدة؛ لقوله: وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، والآيات في هذا كثيرة جدًّا، فلا حاجة إلى كثرة الكلام فيها؛ لأنها واضحة الحمد لله.
طالب: (...) رد على القدرية وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [العنكبوت: ٢٢] حيث يكون معناه أن..
الشيخ: نعم، فيها رد على القدرية، قوله: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِفيها رد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وإنه لا دخل لمشيئة الله فيه؛ لأننا إذا قلنا بذلك فإنه يلزم أن يُعجِزوا الله، وقد نقول: إن هذا فيه ضعف -هذا الخطاب- لأنهم هم يقرون بأن الله قادرٌ عليهم، على إهلاكهم إذا خالفوا، وعلى استئصالهم بالعذاب.
ذكرنا فيما سبق أن المضاف إلى الله تعالى نوعان، ما أدري تذكرونه؟ المضاف إلى الله نوعان ما يذكره منكم أحد؟
طالب: قلنا: إن المضاف إلى الله (...).
الشيخ: طيب الأعيان.
الطالب: الأعيان إضافة الخالق للمخلوق كبيت الله وناقة الله.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: ذكرنا أن المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان: إما أعيان أو أوصاف، والأعيان إما أن تكون إضافتها إلى الله على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، فالأول اللي يضاف إلى الله على سبيل العموم هذا يراد به أن الله سبحانه وتعالى خالق لهذا الشيء؛ كما في قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، فإن هذا يشمل كل ما في السماوات والأرض، وإما أن يكون خاصًّا يراد به التشريف والتكريم، مثل ناقة الله، وبيت الله، نعم، ومساجد الله وما أشبه ذلك، أما إذا كان المضاف إلى الله وصفًا لا يقوم بغيره فإنه من صفات الله، مثل كلام الله، وقدرة الله، وعزة الله، وما أشبه ذلك، وبهذا استدل أهل السنة على أن القرآن مخلوق ولّا غير مخلوق؟
طلبة: غير مخلوق.
الشيخ: غير مخلوق؛ لأن القرآن وصف يقوم بالمتكلم، كلام يقوم بالمتكلم به، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف بها، طيب يبقى عندنا أن الله سبحانه وتعالى أضاف روح آدم وروح عيسى إليه، فمن أي الأقسام؟
طالب: تشريف المخلوق إلى الخالق.
الشيخ: المخلوق إلى الخالق، طيب إحنا قلنا: أعيان.
طالب: (...) فيه أعيان الروح (...) إذا خرجت من الجسد تبعها البصر.
الشيخ: الروح عين، ما هي صفة؛ لأنها تقبض وتلف في الكفن كما جاء في الحديث ، ويصعد بها إلى الله، فهي عين، لكنها عين غير معلومة، ما لها نظير، ما مثل الأعيان الجسمية اللي احنا نشاهد، هي عينٌ لا نظير لها فيما نشاهده، ولهذا قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥].
طالب: عبد الله وأمة الله يأتي مثلًا في الخاص والعام؟
الشيخ: يأتي في الخاص والعام، فإذا قلنا مثلًا: عبد الله بالعبودية العامة فهو للعموم، وإذا قلنا: عباد الرحمن مثلًا فهو للخصوص.
طالب: (...)؟
الشيخ: أي من الأرواح التي خلقها؛ لأن الأرواح مخلوقة لله عز وجل، وليست معناها أني جعلت جزءًا مني فيه هذا ما أحد يقوله إلا الحلوليّة من النصارى وأشباههم.
قال الله تعالى: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُقرأنا هذا إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، (أو) هذي هل هي للتخيير أو للشك أو للتنويع؟ للتنويع، هي للتنويع ليست للتخيير؛ لأن الله قال في سورة الأنبياء: قَالُوا حَرِّقُوهُ [الأنبياء: ٦٨]، ولهذا لعلك تذكر أن جَوَابَقلنا في إعرابها: إنها خبر مقدم لـكَانَوأَنْ قَالُواهي اسم كان، (...) طيب قلنا: (أو) هنا للشك، ما يمكن؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى ما يقع فيه الشك؛ لكمال علمه سبحانه وتعالى، للتخيير أيضًا، خلاف ظاهر القرآن في سورة الأنبياء، للتنويع صح، أي أن بعضهم قال: حرقوه وبعضهم قال: اقتلوه، وكان الرأي على التحريق إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ.
فإذا قال قائل: أليس الإحراق يحصل به القتل؟
قلنا: بلى، لكن يقصد به التعذيب أكثر، فهم -والعياذ بالله- لحنقهم وشدة ما في صدورهم على إبراهيم رأوا أنه يعذب بالنار عليه الصلاة والسلام إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، والله حكيم جل وعلا، شوف تجري الأمور على مراده وحكمته، لعلهم لو قتلوه ما حصلت هذه الآية العظيمة، وهي أن تكون النار بردًا وسلامًا عليه، ولكن الله عز وجل حكيم، قال الله تعالى: فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِالآية فيها حذف، التقدير: فحرّقوه فأنجاه الله من النار، فحرّقوه فأنجاه الله، أي خلصه منها مِنَ النَّارِ(التي قذفوه فيها بأن جعلها عليه بردا وسلامًا).
طالب: (...)؟
الشيخ: حقيقة نعم، لكن فَأَنْجَاهُ اللَّهُتمنع هذا، الواقع أنهم جمعوا الحطب وألقوه في النار على أنهم حرقوه، طيب نقول: فأنجاه الله من النار التي قذفوه فيها بأن جعلها عليه بردًا وسلامًا بأمره؛ لأن الله قال: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا، قال أهل العلم: لو أن الله جل وعلا قال: بَرْدًافقط لكانت ثلجًا عليه، ولكنه قال: وَسَلَامًا؛ لأجل أن يسلم.
وفيه أن البرد يقتل كما أن الحر يقتل، ولولا أن البرد يقتل ما احتيج إلى قوله: وَسَلَامًا.
طيب (إِنَّ فِي ذَلِكَأي إنجائه منها لَآيَاتٍ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍمعلوم أن (إن) تنصب المبتدأ وترفع الخبر، أين اسمها؟
طالب: لَآيَاتٍ.
الشيخ: لَآيَاتٍ، واللام للتوكيد، و(آيات) كيف نقول: (إن) تنصب وهي مكسورة الآن؟ لكنها..
طالب: (...).
الشيخ:
فالجواب: أما قوله لموسى: لَنْ تَرَانِيفإنه جوابٌ على قول موسى: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] وهو يريد الآن، ولهذا قال: انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣]، فدل هذا على أن نفي الرؤية متى؟ في ذلك الوقت، وهذا حق؛ أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا نعم؛ لعجز الإنسان عن تحمل ذلك، وقد ضرب الله لرسوله موسى صلى الله عليه وسلم مثلًا بالجبل وعجز الجبل لما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخر موسى صعقًا.
أما قوله: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُفهي إلى الدلالة على ثبوت الرؤية أقرب من الدلالة على نفي الرؤية؛ لأن الله جل ذكره لم يقل: لا يُرى، بل قال: لَا تُدْرِكُهُ، ونفي الأخص -لأن الإدراك أخص من مطلق الرؤية- نفي الأخص لا يدل على نفي الأعم، هذه قاعدة معروفة عند أهل العلم: أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فهنا نحن نقول: إن هذا يدل على أنه يُرى؛ لأنه لو لم يكن يرى لقال: لا تراه الأبصار، فلما قال: لَا تُدْرِكُهُعُلم أنه يرى لكن لا يدرك، ونحن نقول: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُحتى في الآخرة، فإنه لا يمكن الإحاطة بالله عز وجل لكنه يرى، وضرب المثل لا بأس به لكن مع الفرق، ألسنا نرى الشمس ولا ندركها، نراها ولا ندركها، بل إننا نرى أصغر شيء أصغر حيوان (...) تراه بالعين، ومع ذلك لا تدركه، تدرك ما فيه مما خلق الله عز وجل في جوفه أو في جلده؟ ما تدركه.
فالحاصل أنه لا يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية، بل هو دليلٌ على ثبوت الرؤية، ولهذا استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على ثبوت الرؤية لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ.
طالب: شيخ، الكفار يرون الله يوم القيامة؟
الشيخ: لا، الكفار ما يرونه؛ لأنه يقول: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥].
الطالب: وقوله: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦] (...)..
الشيخ: هذه الملاقاة بالنسبة للكافر دل الدليل على أنه لا يراه، بالنسبة للكافر.
ومن فوائد الآية: وجوب الإيمان بلقاء الله؛ لأن الله تعالى عاقب الذين لا يؤمنون بذلك باليأس من رحمته.
ومن فوائدها: ثبوت الرحمة؛ لقوله: أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي، طيب الإضافة هنا إن قلنا: إن المراد بالرحمة الجنة، فهي من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفًا وتكريمًا، وإذا قلنا: إنها صفة الله فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها.
ومن فوائد الآية: إثبات العقوبة للكافرين، وأنها عقوبة شديدة؛ لقوله: وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، والآيات في هذا كثيرة جدًّا، فلا حاجة إلى كثرة الكلام فيها؛ لأنها واضحة الحمد لله.
طالب: (...) رد على القدرية وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [العنكبوت: ٢٢] حيث يكون معناه أن..
الشيخ: نعم، فيها رد على القدرية، قوله: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِفيها رد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وإنه لا دخل لمشيئة الله فيه؛ لأننا إذا قلنا بذلك فإنه يلزم أن يُعجِزوا الله، وقد نقول: إن هذا فيه ضعف -هذا الخطاب- لأنهم هم يقرون بأن الله قادرٌ عليهم، على إهلاكهم إذا خالفوا، وعلى استئصالهم بالعذاب.
ذكرنا فيما سبق أن المضاف إلى الله تعالى نوعان، ما أدري تذكرونه؟ المضاف إلى الله نوعان ما يذكره منكم أحد؟
طالب: قلنا: إن المضاف إلى الله (...).
الشيخ: طيب الأعيان.
الطالب: الأعيان إضافة الخالق للمخلوق كبيت الله وناقة الله.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: ذكرنا أن المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان: إما أعيان أو أوصاف، والأعيان إما أن تكون إضافتها إلى الله على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، فالأول اللي يضاف إلى الله على سبيل العموم هذا يراد به أن الله سبحانه وتعالى خالق لهذا الشيء؛ كما في قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، فإن هذا يشمل كل ما في السماوات والأرض، وإما أن يكون خاصًّا يراد به التشريف والتكريم، مثل ناقة الله، وبيت الله، نعم، ومساجد الله وما أشبه ذلك، أما إذا كان المضاف إلى الله وصفًا لا يقوم بغيره فإنه من صفات الله، مثل كلام الله، وقدرة الله، وعزة الله، وما أشبه ذلك، وبهذا استدل أهل السنة على أن القرآن مخلوق ولّا غير مخلوق؟
طلبة: غير مخلوق.
الشيخ: غير مخلوق؛ لأن القرآن وصف يقوم بالمتكلم، كلام يقوم بالمتكلم به، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف بها، طيب يبقى عندنا أن الله سبحانه وتعالى أضاف روح آدم وروح عيسى إليه، فمن أي الأقسام؟
طالب: تشريف المخلوق إلى الخالق.
الشيخ: المخلوق إلى الخالق، طيب إحنا قلنا: أعيان.
طالب: (...) فيه أعيان الروح (...) إذا خرجت من الجسد تبعها البصر.
الشيخ: الروح عين، ما هي صفة؛ لأنها تقبض وتلف في الكفن كما جاء في الحديث ، ويصعد بها إلى الله، فهي عين، لكنها عين غير معلومة، ما لها نظير، ما مثل الأعيان الجسمية اللي احنا نشاهد، هي عينٌ لا نظير لها فيما نشاهده، ولهذا قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥].
طالب: عبد الله وأمة الله يأتي مثلًا في الخاص والعام؟
الشيخ: يأتي في الخاص والعام، فإذا قلنا مثلًا: عبد الله بالعبودية العامة فهو للعموم، وإذا قلنا: عباد الرحمن مثلًا فهو للخصوص.
طالب: (...)؟
الشيخ: أي من الأرواح التي خلقها؛ لأن الأرواح مخلوقة لله عز وجل، وليست معناها أني جعلت جزءًا مني فيه هذا ما أحد يقوله إلا الحلوليّة من النصارى وأشباههم.
قال الله تعالى: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُقرأنا هذا إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، (أو) هذي هل هي للتخيير أو للشك أو للتنويع؟ للتنويع، هي للتنويع ليست للتخيير؛ لأن الله قال في سورة الأنبياء: قَالُوا حَرِّقُوهُ [الأنبياء: ٦٨]، ولهذا لعلك تذكر أن جَوَابَقلنا في إعرابها: إنها خبر مقدم لـكَانَوأَنْ قَالُواهي اسم كان، (...) طيب قلنا: (أو) هنا للشك، ما يمكن؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى ما يقع فيه الشك؛ لكمال علمه سبحانه وتعالى، للتخيير أيضًا، خلاف ظاهر القرآن في سورة الأنبياء، للتنويع صح، أي أن بعضهم قال: حرقوه وبعضهم قال: اقتلوه، وكان الرأي على التحريق إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ.
فإذا قال قائل: أليس الإحراق يحصل به القتل؟
قلنا: بلى، لكن يقصد به التعذيب أكثر، فهم -والعياذ بالله- لحنقهم وشدة ما في صدورهم على إبراهيم رأوا أنه يعذب بالنار عليه الصلاة والسلام إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، والله حكيم جل وعلا، شوف تجري الأمور على مراده وحكمته، لعلهم لو قتلوه ما حصلت هذه الآية العظيمة، وهي أن تكون النار بردًا وسلامًا عليه، ولكن الله عز وجل حكيم، قال الله تعالى: فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِالآية فيها حذف، التقدير: فحرّقوه فأنجاه الله من النار، فحرّقوه فأنجاه الله، أي خلصه منها مِنَ النَّارِ(التي قذفوه فيها بأن جعلها عليه بردا وسلامًا).
طالب: (...)؟
الشيخ: حقيقة نعم، لكن فَأَنْجَاهُ اللَّهُتمنع هذا، الواقع أنهم جمعوا الحطب وألقوه في النار على أنهم حرقوه، طيب نقول: فأنجاه الله من النار التي قذفوه فيها بأن جعلها عليه بردًا وسلامًا بأمره؛ لأن الله قال: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا، قال أهل العلم: لو أن الله جل وعلا قال: بَرْدًافقط لكانت ثلجًا عليه، ولكنه قال: وَسَلَامًا؛ لأجل أن يسلم.
وفيه أن البرد يقتل كما أن الحر يقتل، ولولا أن البرد يقتل ما احتيج إلى قوله: وَسَلَامًا.
طيب (إِنَّ فِي ذَلِكَأي إنجائه منها لَآيَاتٍ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍمعلوم أن (إن) تنصب المبتدأ وترفع الخبر، أين اسمها؟
طالب: لَآيَاتٍ.
الشيخ: لَآيَاتٍ، واللام للتوكيد، و(آيات) كيف نقول: (إن) تنصب وهي مكسورة الآن؟ لكنها..
طالب: (...).
الشيخ:
| ........................... | يُكْسَرُ فِي الْجَرِّ وَفِي النَّصْبِ مَعَا |
قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ(آيات) جمع آية، وهي العلامة، والمقام هنا آيات كونية ولَّا شرعية؟
كونية، وجمعها فبين المؤلف الجمع قال: (هي عدم تأثيرها فيه مع عظمها وإخمادها وإنشاء روض مكانها في زمن يسير)، هكذا بين المؤلف الآيات اللي هي:
أولًا: أنها لم تؤثر مع عظمها؛ لأنهم جمعوا حطبًا عظيمًا وأضرموا نارًا عظيمة، حتى إنه ذُكر أنهم ما استطاعوا أن يقربوها وأنهم ألقوه بالمنجنيق، حذف، رمي من بعد، نعم، والله أعلم، إنما على كل حال هي نار عظيمة بلا شك.
(إخمادها) يعني كونها تخمد وتهدأ من اللهب في لحظة هذا من آيات الله عز وجل.
الثالث: أنها يقول: كانت روضة لكن يكفي أنها برد وسلام، أنها كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم.
وعندي أن الآيات أكثر مما قال المؤلف:
فإن من الآيات إبطال كيد هؤلاء.
ومنها: صبر إبراهيم وتحمله؛ لأن حقيقة الأمر أن هذا شيء ما يقوى عليه إلا أمثال إبراهيم من أولي العزم.
ومنها: أيضًا انقلاب هذه الحرارة إلى برودة.
ومنها: انقلاب كونها سببًا للهلاك إلى أن كانت سلامًا عليه.
طالب: (...) لم تخمد، بل كانت بردًا وسلامًا عليه، فهي لهب ومع ذلك برد، حتى طفئت بعد ذلك وهم يرون أنه قد هلك؟
الشيخ: إي نعم، الله أعلم ما نعرف إنها خمدت أو أنها بقيت، وهو الظاهر أيضًا، الظاهر من القرآن أنها بقيت؛ لأنه قال: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا، فالله تعالى ما أمرها أن تخمد، بل قال: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا، وعلى هذا فيكون في كلام المؤلف نظر، ويكون الصواب أنها بقيت على ما هي عليه ولكنها كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم.
طالب: يعني هذا أظهر في الإعجاز؟
الشيخ: قلنا: بقاؤها أظهر في الإعجاز.
طالب: القول بأنها من بره لها لهب (...)؟
الشيخ: لها لهب؟
الطالب: من بره يعني.
الشيخ: إي من رآها رآها تلتهب ولّا (...).
الطالب: (...).
الشيخ: تبقى الآية على حالها.
الطالب: لأنه فيها فائدة؟
الشيخ: ما فيها (...) إسرائيليات، لكن الواجب الأخذ بظاهر القرآن.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٢٤] (يصدقون بتوحيد الله وقدرته لأنهم المنتفعون بها) هذه الآيات قيدها الله بأنها لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَاحترازًا من القوم الذين لا يؤمنون، وإن كانت الآيات أمامهم لا ينتفعون بها فليست لهم آيات، ولهذا قال الله تعالى: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١] هل تعلمون في الكلام شيئًا أعظم آية من كلام الله؟ لا، ما نعلم، وهو الواقع، ومع ذلك من ليس بمؤمن إذا تلي عليه القرآن قال: أساطير الأولين، كما قال الله تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [القلم: ١٥]، ولذلك إذا رأيت من نفسك أنك لا تتأثر بالقرآن فاتهم نفسك، اتهمها؛ لأن الله تعالى ما قال عن أحد: لا ينتفع بالقرآن إلا عن المكذبين الذين لا يرون في القرآن شيئًا، يعني يأخذ بلبهم وروعهم، وهذه المسألة مسألة نسأل الله لنا ولكم النجاة منها؛ لأن كثيرًا من الناس يقرءون هذا القرآن ولكنه لا يهز مشاعرهم، وهذا خطير جدًّا على الإنسان، يجب أن الإنسان يتهم نفسه بهذا الأمر حتى يُعدِّل ما مال منه، ويقوم المعوج.
وعلى هذا نقول: إن الآيات الكونية والشرعية ما ينتفع بها إلا المؤمن، غير المؤمن لا ينتفع -والعياذ بالله-؛ لأنها تمر عليه وكأنها إن كانت آيات كونية كأنها أمر عادي، أو بمقتضى الطبيعة، فالزلازل التي تصيب الناس ويش يقولون؟ يقولون: هذه براكين عادية، نعم ما هي شيء، وها الرياح العاصفة العظيمة التي تدمر المحاصيل والأشجار، وكذلك ما يحصل من الأمطار المغرقة، كل هذه يقولون: إنها ظواهر طبيعية، ما كأنها عقوبة من الله عز وجل.
إذن انتفعوا بها ولَّا لا؟ لا، حتى الآن بدأ الناس في الكسوف، يقولون: هذه
أسباب ظاهرة، ونسأل الله السلامة، ينشرونها قبل أن تقع لأجل أن تأتي إلى الناس وهم
قد اطمأنوا إليها واستقرت في نفوسهم، فلا ترعبهم ولا تخوفهم، النبي عليه الصلاة
والسلام يقول: «يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ» ،
وهؤلاء جعلوها كأنها هلال عيد، حتى إن بعضهم خاطبنا بذلك قال: إحنا نخبر الناس لأجل
يتهيئون نعم ويترقبون لذلك حتى يأتي الكسوف وهم مستعدون كأنه هلال عيد بيخرج عشان
يخرجون إلى المصلى، وهذا غلط.
أنا أذكر ويمكن بعضكم المتقدم في السن يذكر الناس إذا جاء الكسوف ويش يحصل
عندهم من الخوف والانزعاج والفزع كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام به، الفزع إلى
المساجد والبكاء، أما الآن -نسأل الله العافية- كما ترون يمكن بعض الناس يكون عنده
الكسوف يشاهده وعنده آلة لهو تغني وما أشبه ذلك. فالمهم أن هذه الآيات ما ينتفع بها
إلا المؤمن.
***
(وَقَالَإبراهيم: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا [العنكبوت: ٢٥] تعبدونها، و(ما) مصدرية {مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ} خبر إن، وعلى قراءة النصب مفعول له،
و(ما) كافة، المعنى: تواددتم على عبادتها). المؤلف رحمه الله بيّن لنا الآن أن
قوله: مَوَدَّةَفيها قراءتان سبعيتان ولَّا لا؟
سبعيتان: قراءة الرفع إحنا الآن بنعرب الآية قبلما نتكلم عن معناها، قراءة الرفع:
{إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا
مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ} على قراءة الرفع المؤلف أعرب (ما) مصدرية، لا كافة
ولا موصولة، مصدرية، والتقدير على رأيه: إن اتخاذكم من دون الله أوثانا مودةُ
بينكم، فيكون المصدر المنسبك من (ما) اسم (إن)، ويكون (مودةُ) خبر (إن)، و(اتخذتم
أوثانا)، نحن (...) نكمل إعراب (إن) وما يتعلق بها، وعلى قراءة النصب يقول: إنها
مفعول له، ويش مفعول له؟
طالب: مفعول لأجله.
الشيخ: يعني يسمونه مفعولًا لأجله، يعني: إنما اتخذتم من دون الله أوثانًا لأجل المودة بينكم، نعم، ولكن على هذه القراءة (ما) كافة، فتكون داخلة على (إن)، و(ما) الكافة إذا دخلت على (إن) تفيد الحصر، يعني: ما اتخذتم الأوثان إلا لأجل المودة بينكم، تصورتم الآن المعنى؟
طالب: نعم.
الشيخ: على الرأي الأول نقول: (ما) -على رأي المؤلف طبعًا- (ما) مصدرية و(اتخذتم) فعل مؤَوّل إلى مصدر، والتقدير: إن اتخاذكم من دون الله أوثانًا مودةُ بينِكم، خبر (إن). على قراءة النصب نقول: (إنما) أداة حصر، و(مودة) مفعول لأجله، يعني اتخذتموه لأجل المودة، نعم، هذا ما قاله المؤلف.
وقيل: إن (ما) اسمٌ موصول على قراءة الرفع، إن (ما) اسم موصول، وإن العائد محذوف، والتقدير: إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودةُ بينِكم، وعلى هذا التقدير يكون مفعول (اتخذ) محذوفًا؛ مفعولها الأول، ومفعولها الثاني (أوثانًا)، وعلى هذا فنقول: (إن) أداة توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، و(ما) اسمها بمعنى الذي و(اتخذتم) صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: اتخذتموه، و(أوثانًا) مفعول ثانٍ لـ(اتَّخَذ)؛ لأن اتخذ تنصب مفعولين؛ كما في قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥].
طالب: واضح (...).
الشيخ: إي نعم واضح، يعني أن الذي اتخذتموه أوثانًا هو المودة بينكم، نعم، وهذا أيضًا التقدير اللي ذكرنا أن اسم موصول تصلح حتى على قراءة النصب: إن الذي اتخذتموه أوثانًا لأجل المودة بينكم لا ينفعكم، ويكون الخبر على قراءة النصب محذوفًا، التقدير: لا ينفعكم.
طيب نرجع الآن إلى (اتخذ) تنصب مفعولين على تقدير (ما) موصولة، أين مفعولها الأول؟ محذوف، اتخذتموه اللي هو العائد على (ما)، و(أوثانًا) مفعول ثانٍ. وعلى القول بأن (ما) مصدرية أو كافة نقول: إن المفعول الثاني أيضًا محذوف، والتقدير: آلهة؛ كقوله تعالى: قُرْبَانًا آلِهَةً [الأحقاف: ٢٨] المعنى: اتخذوا هذه الأوثان آلهة مودة بينهم.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...) مفعولًا ثانيًا، لا الظاهر أنها حال من أوثان؛ لأنها قدمت عليها.
طالب: مودة (...)؟
الشيخ: لا، ما تصلح؛ لأنها واضحة أنها للتعليل، يعني اتخذوه للمودة؛ لأنهم اجتمعوا على هذا لأجل ألا يتفرقوا فقالوا: إننا ننتصر للآلهة بطلب المودة بيننا حتى تجمعنا هذه الآلهة على المودة.
طالب: مفعول لأجله.
الشيخ: يعني يسمونه مفعولًا لأجله، يعني: إنما اتخذتم من دون الله أوثانًا لأجل المودة بينكم، نعم، ولكن على هذه القراءة (ما) كافة، فتكون داخلة على (إن)، و(ما) الكافة إذا دخلت على (إن) تفيد الحصر، يعني: ما اتخذتم الأوثان إلا لأجل المودة بينكم، تصورتم الآن المعنى؟
طالب: نعم.
الشيخ: على الرأي الأول نقول: (ما) -على رأي المؤلف طبعًا- (ما) مصدرية و(اتخذتم) فعل مؤَوّل إلى مصدر، والتقدير: إن اتخاذكم من دون الله أوثانًا مودةُ بينِكم، خبر (إن). على قراءة النصب نقول: (إنما) أداة حصر، و(مودة) مفعول لأجله، يعني اتخذتموه لأجل المودة، نعم، هذا ما قاله المؤلف.
وقيل: إن (ما) اسمٌ موصول على قراءة الرفع، إن (ما) اسم موصول، وإن العائد محذوف، والتقدير: إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودةُ بينِكم، وعلى هذا التقدير يكون مفعول (اتخذ) محذوفًا؛ مفعولها الأول، ومفعولها الثاني (أوثانًا)، وعلى هذا فنقول: (إن) أداة توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، و(ما) اسمها بمعنى الذي و(اتخذتم) صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: اتخذتموه، و(أوثانًا) مفعول ثانٍ لـ(اتَّخَذ)؛ لأن اتخذ تنصب مفعولين؛ كما في قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥].
طالب: واضح (...).
الشيخ: إي نعم واضح، يعني أن الذي اتخذتموه أوثانًا هو المودة بينكم، نعم، وهذا أيضًا التقدير اللي ذكرنا أن اسم موصول تصلح حتى على قراءة النصب: إن الذي اتخذتموه أوثانًا لأجل المودة بينكم لا ينفعكم، ويكون الخبر على قراءة النصب محذوفًا، التقدير: لا ينفعكم.
طيب نرجع الآن إلى (اتخذ) تنصب مفعولين على تقدير (ما) موصولة، أين مفعولها الأول؟ محذوف، اتخذتموه اللي هو العائد على (ما)، و(أوثانًا) مفعول ثانٍ. وعلى القول بأن (ما) مصدرية أو كافة نقول: إن المفعول الثاني أيضًا محذوف، والتقدير: آلهة؛ كقوله تعالى: قُرْبَانًا آلِهَةً [الأحقاف: ٢٨] المعنى: اتخذوا هذه الأوثان آلهة مودة بينهم.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...) مفعولًا ثانيًا، لا الظاهر أنها حال من أوثان؛ لأنها قدمت عليها.
طالب: مودة (...)؟
الشيخ: لا، ما تصلح؛ لأنها واضحة أنها للتعليل، يعني اتخذوه للمودة؛ لأنهم اجتمعوا على هذا لأجل ألا يتفرقوا فقالوا: إننا ننتصر للآلهة بطلب المودة بيننا حتى تجمعنا هذه الآلهة على المودة.
***
قوله: إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُإلى آخره.
من فوائدها: بيان طغيان قومه، حيث يدلهم على الحق، ويكون هذا جوابهم.
ومن فوائدها: أنهم اختلفوا ماذا يصنعون به، ثم قرروا أنهم يحرقونه، وذلك بناء على الجمع بين هذه الآية وبين آية الأنبياء حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٦٨].
ومن فوائدها: تمام قدرة الله عز وجل، حيث كانت هذه النار المحرقة بردًا وسلامًا عليه، فإن هذا من آيات الله الدالة على قدرته.
ومنها: أن كل من قام لله فإن الله تعالى ينجيه بمفازته، يعني ينجيه في موضع هلاكه، قال الله تعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر: ٦١].
ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى يقدِّر من الأمور لإنجاء أوليائه ما لا يخطر بالبال، فإن مَن يخطر بباله أن هذه النار العظيمة تكون بردًا وسلامًا، ولكن الله سبحانه وتعالى يقدر لأوليائه من أسباب النجاة ما لا يخطر لهم على البال.
ومن فوائد هذه الآية: معرفة الجماد لله؛ لأن الجمادات تعرف ربها فتمتثل لأمره؛ لأن الله قال لهذه النار: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا [الأنبياء: ٦٩].
من فوائدها: بيان طغيان قومه، حيث يدلهم على الحق، ويكون هذا جوابهم.
ومن فوائدها: أنهم اختلفوا ماذا يصنعون به، ثم قرروا أنهم يحرقونه، وذلك بناء على الجمع بين هذه الآية وبين آية الأنبياء حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٦٨].
ومن فوائدها: تمام قدرة الله عز وجل، حيث كانت هذه النار المحرقة بردًا وسلامًا عليه، فإن هذا من آيات الله الدالة على قدرته.
ومنها: أن كل من قام لله فإن الله تعالى ينجيه بمفازته، يعني ينجيه في موضع هلاكه، قال الله تعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر: ٦١].
ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى يقدِّر من الأمور لإنجاء أوليائه ما لا يخطر بالبال، فإن مَن يخطر بباله أن هذه النار العظيمة تكون بردًا وسلامًا، ولكن الله سبحانه وتعالى يقدر لأوليائه من أسباب النجاة ما لا يخطر لهم على البال.
ومن فوائد هذه الآية: معرفة الجماد لله؛ لأن الجمادات تعرف ربها فتمتثل لأمره؛ لأن الله قال لهذه النار: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا [الأنبياء: ٦٩].
(...) لا ينتفع بها إلا المؤمنون، من أين تؤخذ؟ من قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٢٤] واضح؟ ولا ينافي هذا ما جاء في عدة آيات إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: ٤] ولَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد: ٣]، وما أشبه ذلك؛ لأن العقل والتفكر
ونحوهما من مقتضيات الإيمان، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أكثر عقلًا
وتفكرًا، والتفكر أيضًا يدعو إلى الإيمان، فهما متلازمان.
طالب: هل ثبت في هذا بالنسبة إلى النجاة من النار لأحد من الصحابة (...).
الشيخ: نعم، هم ذكروا أنه ثبت، ذكر هذا ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية، وقال: إنه ما من آية لنبي سابق إلا كانت آية للنبي عليه الصلاة والسلام أو أعظم، لكن منها ما جرى للرسول عليه الصلاة والسلام نفسه ومنها ما جرى لأمته، وما جرى لأمته فإنه من آياته؛ لأنه يشهد بصحة الطريقة التي هم عليها، فيكون ذلك من آيات النبي عليه الصلاة والسلام.
طالب: فيه رد على الجبرية؛ لقوله: اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ [العنكبوت: ٢٤] حيث نسب الفعل إليه.
الشيخ: ماذا تقولون؟ يمكن نأخذ من هذا رد على الجبرية؟
طالب: (...) في مهب الريح، ما له أي مشيئة ولا أي فعل؟
الشيخ: إي، بس هم يقولون: إنه يقتل، أن الإنسان يقتل ويفعل ويقوم لكنه مجبر عليه، إلا أن يقال مثلًا: إن كونه مخير بعضهم بعض، هل يدل على هذا؟
فيها أيضًا بعد الفائدة الثانية (...)، وهي أن الأسباب لا تفعل فعلها إلا بإرادة الله، وهذه مهمة، فالأسباب مهما قويت ما تفعل الفعل إلا بإذن الله، بمعنى أن الله تعالى قد يمنع من تأثيرها، فالنار سبب للإحراق بلا شك، وهنا سُلبت هذه السببية ولم تؤثر.
طيب قَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا [العنكبوت: ٢٥] يعني أن الذي اتخذتموه أوثانًا لا يجمعكم عليه إلا المودة، ولهذا قال المؤلف: (المعنى تواددتم على عبادتها)؛ لأنه والعياذ بالله أهل الشر يتوادون على فعل الشر كما أن أهل الخير يتناصرون أيضًا على فعل الخير، فكذلك أهل الشر.
وقوله: مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْهنا يجوز في كلمة (بين) أن يضاف إليها ما قبلها، ويجوز أن يقطع عن الإضافة، فيجوز مثلًا في غير القرآن: (مودةً بينَكم)، ويجوز: (مودةَ بينِكم) وهي هنا على هذا الوجه.
وقوله: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَامتعلقة بما قبلها، يعني أنها مودة في الحياة الدنيا فقط، فهؤلاء المشركون يتوادون في الشرك في الدنيا فقط، تجدهم متناصرين متعاونين، لكن ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍيعني ينكره؛ كقوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: ١٦٦] وهذا لا شك إنه إنكار وكفر بعضهم ببعض.
وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًاكقوله تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب: ٦٧، ٦٨]، ومجادلة الأتباع للمتبوعين في عدة آيات من القرآن ليست في آية البقرة فقط، فيه: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [الأعراف: ٧٦]، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ: ٣٣] وما أشبه ذلك.
طالب: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: ٣٨].
الشيخ: وكُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَافالحاصل أن هذه المودة بين المشركين في الدنيا فقط، أما يوم القيامة فإن كل واحد منهم يتبرأ من الآخر وينكره ويلعنه أيضًا، وهذا لا شك أنه من أشد ما يكون العقوبات، لكن المتقون خُلَّتهم باقية إلى يوم القيامة الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧]، وأما هؤلاء فإن المودة فيما بينهم تزول بالموت.
قال: (يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍبتبرؤ القادة من الأتباع وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًابلعن الأتباع للقادة)، والآية عامة، أنه يتبرأ القادة من الأتباع، والأتباع من القادة، وكذلك أيضًا يلعن بعضهم بعضًا.
قال: وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ: مَأْوَاكُمُ(مصيركم جميعًا)، فالمأوى بمعنى المصير؛ لأنه من أوى يأوي إذا سار إلى الشيء واتجه إليه.
وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَوهذه النار قد أعدها الله سبحانه وتعالى للكافرين، وهي الآن موجودة، ورآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، وهي نار لا يستطيع الإنسان أن يدرك في الدنيا ما فيها من العذاب؛ فإنها فُضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، أقول: إن هذه النار فضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، أضف إليها الجزء المتمم للسبعين، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «عَلَى نَارِكُمْ هَذِهِ» أو «عَلَى نَارِ الدُّنْيَا»، ونار الدنيا كما تعرفون فيها نار شديدة الحرارة، وفيها نار متوسطة، وفيها نار باردة بالنسبة لغيرها، ومع ذلك فإنها تقاس بأعلى نار في الدنيا فتُفضل عليها بتسعة وستين جزءًا.
(وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَمانعين عنها) مَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَهذه فيها (من) الزائدة للتوكيد؛ لأن نَاصِرِينَأصلها مبتدأ، وخبره قوله: لَكُمْ، يعني لا أحد ينصركم فيمنعكم من دخول النار، هذا كلام من؟
طالب: كلام الله.
الشيخ: لا، هذا كلام إبراهيم؛ لأنه قال: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت: ٢٥] هذا من كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
طالب: هل ثبت في هذا بالنسبة إلى النجاة من النار لأحد من الصحابة (...).
الشيخ: نعم، هم ذكروا أنه ثبت، ذكر هذا ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية، وقال: إنه ما من آية لنبي سابق إلا كانت آية للنبي عليه الصلاة والسلام أو أعظم، لكن منها ما جرى للرسول عليه الصلاة والسلام نفسه ومنها ما جرى لأمته، وما جرى لأمته فإنه من آياته؛ لأنه يشهد بصحة الطريقة التي هم عليها، فيكون ذلك من آيات النبي عليه الصلاة والسلام.
طالب: فيه رد على الجبرية؛ لقوله: اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ [العنكبوت: ٢٤] حيث نسب الفعل إليه.
الشيخ: ماذا تقولون؟ يمكن نأخذ من هذا رد على الجبرية؟
طالب: (...) في مهب الريح، ما له أي مشيئة ولا أي فعل؟
الشيخ: إي، بس هم يقولون: إنه يقتل، أن الإنسان يقتل ويفعل ويقوم لكنه مجبر عليه، إلا أن يقال مثلًا: إن كونه مخير بعضهم بعض، هل يدل على هذا؟
فيها أيضًا بعد الفائدة الثانية (...)، وهي أن الأسباب لا تفعل فعلها إلا بإرادة الله، وهذه مهمة، فالأسباب مهما قويت ما تفعل الفعل إلا بإذن الله، بمعنى أن الله تعالى قد يمنع من تأثيرها، فالنار سبب للإحراق بلا شك، وهنا سُلبت هذه السببية ولم تؤثر.
طيب قَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا [العنكبوت: ٢٥] يعني أن الذي اتخذتموه أوثانًا لا يجمعكم عليه إلا المودة، ولهذا قال المؤلف: (المعنى تواددتم على عبادتها)؛ لأنه والعياذ بالله أهل الشر يتوادون على فعل الشر كما أن أهل الخير يتناصرون أيضًا على فعل الخير، فكذلك أهل الشر.
وقوله: مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْهنا يجوز في كلمة (بين) أن يضاف إليها ما قبلها، ويجوز أن يقطع عن الإضافة، فيجوز مثلًا في غير القرآن: (مودةً بينَكم)، ويجوز: (مودةَ بينِكم) وهي هنا على هذا الوجه.
وقوله: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَامتعلقة بما قبلها، يعني أنها مودة في الحياة الدنيا فقط، فهؤلاء المشركون يتوادون في الشرك في الدنيا فقط، تجدهم متناصرين متعاونين، لكن ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍيعني ينكره؛ كقوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: ١٦٦] وهذا لا شك إنه إنكار وكفر بعضهم ببعض.
وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًاكقوله تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب: ٦٧، ٦٨]، ومجادلة الأتباع للمتبوعين في عدة آيات من القرآن ليست في آية البقرة فقط، فيه: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [الأعراف: ٧٦]، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ: ٣٣] وما أشبه ذلك.
طالب: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: ٣٨].
الشيخ: وكُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَافالحاصل أن هذه المودة بين المشركين في الدنيا فقط، أما يوم القيامة فإن كل واحد منهم يتبرأ من الآخر وينكره ويلعنه أيضًا، وهذا لا شك أنه من أشد ما يكون العقوبات، لكن المتقون خُلَّتهم باقية إلى يوم القيامة الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧]، وأما هؤلاء فإن المودة فيما بينهم تزول بالموت.
قال: (يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍبتبرؤ القادة من الأتباع وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًابلعن الأتباع للقادة)، والآية عامة، أنه يتبرأ القادة من الأتباع، والأتباع من القادة، وكذلك أيضًا يلعن بعضهم بعضًا.
قال: وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ: مَأْوَاكُمُ(مصيركم جميعًا)، فالمأوى بمعنى المصير؛ لأنه من أوى يأوي إذا سار إلى الشيء واتجه إليه.
وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَوهذه النار قد أعدها الله سبحانه وتعالى للكافرين، وهي الآن موجودة، ورآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، وهي نار لا يستطيع الإنسان أن يدرك في الدنيا ما فيها من العذاب؛ فإنها فُضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، أقول: إن هذه النار فضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، أضف إليها الجزء المتمم للسبعين، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «عَلَى نَارِكُمْ هَذِهِ» أو «عَلَى نَارِ الدُّنْيَا»، ونار الدنيا كما تعرفون فيها نار شديدة الحرارة، وفيها نار متوسطة، وفيها نار باردة بالنسبة لغيرها، ومع ذلك فإنها تقاس بأعلى نار في الدنيا فتُفضل عليها بتسعة وستين جزءًا.
(وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَمانعين عنها) مَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَهذه فيها (من) الزائدة للتوكيد؛ لأن نَاصِرِينَأصلها مبتدأ، وخبره قوله: لَكُمْ، يعني لا أحد ينصركم فيمنعكم من دخول النار، هذا كلام من؟
طالب: كلام الله.
الشيخ: لا، هذا كلام إبراهيم؛ لأنه قال: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت: ٢٥] هذا من كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
***
قال الله تعالى: (فَآمَنَ لَهُصدَّق بإبراهيم لُوطٌوهو ابن أخيه هاران
وَقَالَإبراهيم) إلى آخره.
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌالإيمان في اللغة: التصديق، ولكنه ليس مطلق التصديق، بل هو تصديقٌ بطُمأنينة؛ لأن مادة آمن هي مادة الأمن، يعني فيها الهمزة والميم والنون، وعلى هذا فليس الإيمان مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص مقرون بأيش؟ أو متضمن للطمأنينة في الشيء، وهو يتعدى باللام كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: آمَنْتُمْ لَهُ [طه: ٧١]، وكذلك وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف: ١٧] وعدة آيات من هذا، ويتعدى أيضًا بالباء، وهو كثير آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ [البقرة: ٢٨٥] آمَنَّا بِاللَّهِ [العنكبوت: ١٠] وما أشبه ذلك، فهل هذا من باب الترادف، أي أن اللام بمعنى الباء والباء بمعنى اللام؟ أو أن هناك فرقًا بينهما؟
يمكن أن نقول: إنه من باب الترادف وإن كل واحدة منهما، أي من اللام والباء تأتي محل الأخرى لكثرة استعمال هذه وهذه، ويمكن أن نقول بالتغاير وأن اللام تدل على استسلام، وأما الباء فتدل على طمأنينة القلب، فاللام للاستسلام فَآمَنَ لَهُ [العنكبوت: ٢٦] فيُضمن معنى انقاد، وأما الباء فإنها تدل على طمأنينة القلب، فآمن به: اطمأن به، والله سبحانه وتعالى فرق بينهما في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١] في آية واحدة يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فالظاهر والله أعلم من مواردها في القرآن الكريم أنهما ليستا مترادفتين وأن بينهما فرقًا، فما يجب فيه الطمأنينة، أو ما كان فيه معنى الطمأنينة فهو بالباء، وما كان مضمنًا لمعنى الانقياد ولو ظاهرًا فإنه يأتي باللام، سحرة فرعون قال لهم فرعون مرة: آمَنْتُمْ لَهُ [طه: ٧١] وقال مرة أخرى: آمَنْتُمْ بِهِ [الأعراف: ١٢٣]، فهل القولان معناهما واحد؟ لا؛ بناء على ما قلنا آمَنْتُمْ بِهِأي صدقتم به بطمأنينة واطمأنت قلوبكم بصدقه، وآمَنْتُمْ لَهُ [طه: ٧١] تابعتموه واستسلمتم له، ولهذا قال لهم: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه: ٧١] فتُنَزل كل آية على معنى، هنا قال: آمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦] نحن نعلم أن لوطًا عليه الصلاة والسلام آمن لإبراهيم وبه، آمن له وبه فهو آمن به بقلبه واطمأن إلى صدقه، وكذلك انقاد له، فتضمن هنا الإيمان معنى الانقياد ومعنى الطمأنينة.
طالب: هنا يقال: إذا اجتمعا افترقا في المعنى، وإذا أفرد أحدهما دل على ما دل عليه الآخر؟
الشيخ: ما يظهر هذا، هذا ما يظهر؛ لأن في الحقيقة كلما تتبعت اللام وجدتها في أمر ليس يقتضي الطمأنينة كمالًا، ما تأتي آمنت لله أبدًا.
طالب: قال فرعون: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه: ٧١] نفس منطوق الآية الأخرى قال له..
الشيخ: إي، فيكون معناه أنه قرر أنهم اطمأنوا به وانقادوا له، إذا أخذنا مجموع الآيتين صار معناه أنه قرر بأنهم معترفون به وبصدقه وانقادوا له أيضًا بسحره، ولهذا ما جاء (آمنت لله)، (آمنت لله) ما جاء، لكن (أسلمت لله) جاء في القرآن العظيم.
قال: آمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦]، وقول المؤلف: (صدّق بإبراهيم) يدل على أنه يرى أن اللام بمعنى الباء.
فإذا قلنا: المؤلف رحمه الله يرى أن آمَنَ لَهُبمعنى آمن به، شوف ويش قال؟ (صدّق) تفسير (آمن)، (بإبراهيم) تفسير (له)، (لُوطٌوهو ابن أخيه هاران) يعني أن إبراهيم له أخٌ اسمه هاران بن آزر، وهاران له ابنٌ اسمه لوط.
(وَقَالَإبراهيم: إِنِّي مُهَاجِرٌمن قومي إِلَى رَبِّيأي إلى حيث أمرني ربي وهجر قومه، وهاجر من سواد العراق إلى الشام).
قوله: وَقَالَالمؤلف يقول: إن الضمير يعود إلى إبراهيم، وعلى هذا ففي التلاوة تقف على آمَنَ لَهُ لُوطٌتقف ولا تقل: وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ؛ لأنك لو وصلت لأوهمت أن القول من لوط، وقال بعض العلماء: إن الضمير يعود على لوط بناء على ظاهر السياق وإن لوطًا عليه الصلاة والسلام آمن وهاجر، فجمع بين الإيمان والهجرة.
وقوله: إِنِّي مُهَاجِرٌهنا مفاعل في اللغة العربية ترد بمعنى اشترك فيه اثنان فصاعدًا، كما يقال: مقاتل، وترد على معنى ليس فيه إلا طرفٌ واحد كما يقال: مسافر، فهمتم؟ كلمة مهاجر من أيهما؟ مما هو مشترك بين طرفين أو مما هو خاص بطرف واحد؟
طالب: خاص.
الشيخ: يعني هاجر بمعنى هجر، أو هاجر معناه أنه هجرهم وهجروه؟ ولّا فيه احتمال أن المعنى مهاجر أني هجرتهم وهجروني بمفارقتي، ويحتمل أنه من باب ما فيه طرف واحد فقط كمسافر.
طالب: (...) للسياق يعين من كلام إبراهيم وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [العنكبوت: ٢٧]..
الشيخ: هنا بنلحقها بعدين إن شاء الله..
الطالب: (...) هنا عزاها إلى ربه (...)؟
الشيخ: إنها من طرف واحد؟ يمكن أنها تؤيدها الظاهر.
وقوله: (من قومي إِلَى رَبِّي) قال المؤلف: (إلى حيث أمرني) يعني إلى الجهة التي أمرني الله سبحانه وتعالى أن أسافر إليها، هذا ما فسره به، والغريب أن بعض المفسرين قال: إن المؤلف قال: (إلى حيث أمرني) فرارًا من إثبات الجهة لله، فرارًا من إثبات الجهة؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية إِلَى رَبِّيلكان متجهًا إلى الله ذاته، نعم وهم يرون أن الله تعالى ليس في جهة، وهذا رأي من؟
طالب: الأشاعرة.
الشيخ: إي نعم، رأي الأشاعرة وكذلك معطلة الجهمية؛ فإن الجهمية انقسموا في مسألة الجهة إلى قسمين: قسم حلولية يرون أن الله سبحانه وتعالى بذاته في كل مكان، وهؤلاء القدماء منهم، وقسمٌ آخر أهل تعطيل محض يرون أن الله سبحانه وتعالى ليس في مكان وليس في جهة، فيقولون: لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولا مباين ولا محايد، نسأل الله العافية، هذه الجهة يتوصل بها من ينكرون علو الله عز وجل بذاته، يقولون: لأنك إذا قلت: إن الله عالٍ بذاته على عرشه لزم من ذلك أن يكون في جهة، وإذا كان في جهة لزم أن يكون متحيزًا، والمتحيز محدود، سبحان الله، ما أدري جاءتهم هذه المقدمات والنتائج، نحن نقول لهم: مسألة الجهة ما ننكرها في المعنى، لكننا ننكر جهة تحصر الله عز وجل أو تحيط به؛ لأن الله تعالى محيطٌ بكل شيء، لكننا نثبت بأن له جهة هي العلو، فالجهات ثلاث: جهة سفل، وجهة علو محيطة بالله، وجهة علو لا تحيط به، أيهما المثبت؟ جهة العلو التي لا تحيط به، أما جهة السفل فممتنعة، وأما جهة علو تحيط به فممتنعة أيضًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس فوقه شيء.
إذن كيف نؤول إِلَى رَبِّيعلى القول الصحيح؟ الراجح إِلَى رَبِّيأي إلى ديني؛ كقوله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج: ٤٠] أي من ينصر دينه، والإنسان المهاجر إلى دين الله يلتمس المكان الذي يقيم فيه دينه، ولهذا يقول العلماء في الهجرة: إنها الانتقال منين؟
طلبة: من بلد الشرك إلى الإيمان.
الشيخ: من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، حيث يقيم دين الله عز وجل.
وقوله: مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي: (إلى) للغاية، وفيها الإشارة إلى حسن نيته وقصده، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» قال المؤلف: (وهجر قومه وهاجر من سواد العراق إلى الشام) ويش هو سواد العراق؟ العراق نفسها أرض العراق، وسمي سوادًا لكثرة نخيله وأشجاره، وقوله: (إلى الشام) معروف.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم هذا ما اتحد تمامًا؛ لأن سواد العراق..
الطالب: هو العراق.
الشيخ: لكن فيه السواد، سواد العراق.
قال: (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُفي ملكه الْحَكِيمُفي صنعه) هكذا يجري المؤلف رحمه الله في تفسير هذين الاسمين، يقول: (الْعَزِيزُفي ملكه الْحَكِيمُفي صنعه)، وهذا فيه شيء من القصور، فهو سبحانه وتعالى عزيزٌ بذاته وبصفاته، وعزته ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع:
أما عزة الامتناع فمعناها أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى نقص في جميع صفاته وأفعاله، وأما عزة القدر فهي المنزلة والجلال والعظمة، وأما عزة القهر فهي القوة والسلطان.
إذن لا أحد يغلبه، كذا ولَّا لا؟ فهو الغالب، ولهذا فسرها كثيرٌ من العلماء بأنه الغالب، وكذلك لا أحد يناله بسوء، وكذلك لا يناله نقص في صفاته. فلذلك تكون العزة ثلاثة أنواع وهي؟
طالب: قهر وقدر وامتناع.
الشيخ: أيش؟
طالب: عزة قهر وعزة قدرة..
الشيخ: قدر.
الطالب: قدر وعزة وامتناع.
الشيخ: امتناع طيب، وأصل هذه المادة تدل على القوة، أصل عين زاي تدل على القوة، ومنه قولهم للأرض الصلبة: أرض عزاز، عزاز يعني قوية صلبة، وقوله: (الْحَكِيمُفي صنعه) فيه قصور؛ لأن حكمة الله عز وجل لا تختص بصنعه في خلقه، بل هي في صنعه وشرعه، فهو حكيم فيما صنع، حكيم فيما شرع، والحكيم ليست أيضًا من الحكمة فقط؛ لأن الحكيم من الحكمة، بمعنى المتقن، لكنها من الحكمة، ومن الحكم أيضًا، وفعيل كما عرفتم في اسم الفاعل تأتي بمعنى الفاعل للمبالغة، أو لا؟ أليس كذلك؟
من أمثلة المبالغة: فعّال أو مِفعال أو فعول، ثم قال بعدها: فعيل وفَعِل خمسة، فهي إذن فعيل من حكم فهو حاكم، لكن صارت بمعنى حكيم للمبالغة أو لكونه صفة مشبهة، فهي إذن من الحكم، وحكم الله عز وجل ينقسم إلى قسمين، وهما الكوني والشرعي، فحكم الله تعالى نوعان: كوني وشرعي، مثال الكوني قول أخي يوسف فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] هذا أيش؟ هذا كوني، ولهذا ما قال: ليحكم علي، قال: ليحكم لي، يعني يقدر لي، والحكم الشرعي مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]، وأما يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١] فتتناول الأمرين، أين وجدت يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١] في أي سورة؟
طالب: في أول سورة المائدة.
الشيخ: في أول سورة المائدة نعم، إذن نقول يا إخوانا: الحكيم مأخوذة من الحكم والحكمة، والحكم هو القضاء، وهو نوعان: كوني وشرعي، مثال الكوني فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، ومثال الشرعي ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]، ومثال ما جمع بين الأمرين إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١] طيب، الحكمة تكون في الشرع وتكون في القدر، وهي مشتقة منين؟ من الإحكام، بمعنى الإتقان، تكون في الشرع، بمعنى أن جميع ما شرعه الله عز وجل فهو موافق للحكمة، وتكون في القدر بمعنى أن كل ما قدره الله فهو لحكمة، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١] الفساد من حيث هو فساد وجوده حكمة ولَّا لا؟ لا، من حيث هو فساد لا ليس بحكمة؛ لأن الله تعالى لا يحب الفساد، فليس بحكمة، لكن للغاية التي يكون هو حكمة ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَهذه الحكمة.
فإذن كون أمور الخير حكمة ظاهر جدًّا للجميع أو لا؟ يعني وجود ما فيه الخير للعباد حكمته ظاهرة، وجود ما فيه الشر للعباد هذا ما يمكن يقع من الله عز وجل إلا لحكمة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ما قال: ليس منك، فهو لا ينسب إلى الله، لكن كل ما وقع فهو من الله من خير ومن شر هو الذي قدره، لكن الشر لا يقدره الله عز وجل إلا لمصلحة أعظم منه، وإذا كان لمصلحة أعظم منه صار حكمة ولَّا لا؟ يكون حكمة، تجد الإنسان الذي هو أرحم الخلق بابنه يأتي به إلى الطبيب ليشق جلده، فيسيل دمه، هذا شرّ؛ لأنه يؤلم الصبي لكنه لمصلحته، فالعاقبة حميدة، ويأتي به إلى الطبيب ويقول: احم هذه الحديدة على النار واكوه بها، والكي شر في حد ذاته لكن غايته حميدة، وكذلك في الختان يأتي به إلى الخاتن ويقول: خذ اقطع جلدة من ذكر ولدي نعم، موضع حساس وبيقطع من جلده، لكن العاقبة حميدة.
المهم نقول: الشر قد يكون خيرًا باعتبار ما يؤول إليه، وإن كان هو في حد ذاته شرًّا، طيب المهم يا إخوان الحكيم صار معناه اشتق منين؟ من الحكم والحكمة أو الإحكام، والإحكام بمعنى الحكمة، والحكمة تكون في الشرع وتكون في القدر، القدر كل ما قدره الله فهو لحكمة، سواء كان خيرًا أم شرًّا، أيضًا الشرع كل ما شرعه الله فهو لحكمة، شرع الله عز وجل في الزاني المحصن أن يرجم بأيش؟ بالحجارة، لو قتل بالسيف أهون ولَّا لا؟ أهون، لكن كونه يرجم بالحجارة ويشهر به ويعلن هذا لحكمة عظيمة، وهي ردع غيره عن مواقعة هذا المحظور، ثم من أجل أن هذا البدن الذي تلذذ كله بالشيء المحرم ينبغي أن يناله ألم من العقوبة نعم.
طالب: على تقدير: إني مهاجر إلى ربي: إلى دين ربي، أقول: أليس دين ربه موجودًا في كل بقعة؟ هل يذهب إلى أناس يدعون الله.
الشيخ: لا، ما هو موجود في كل بقعة، لو كان موجودًا في كل بقعة ما خرج من مكانه هذا؛ لأن قومه هؤلاء كذبوه وأنكروه وأرادوا أن يحرقوه.
طالب: يعني هاجر به، لا هاجر إلى دينه.
الشيخ: إلى دينه، إلى مكان فيه دين الله، ولذلك مثلًا المدينة صارت دار هجرة لما أُقيم فيها الدين.
الطالب: يعني هاجر إلى قوم يعبدون الله.
الشيخ: إي نعم، إلى دين الله الذي..
طالب: (...) ما في الأرض مؤمن إلا أنا..
الشيخ: نعم، هذه قالها وين هو فيه؟ في مصر، ما هو في الشام، قالها في مصر وهو صحيح، وقوله: في الأرض، الصحيح أنه ليس المراد بعامة الأرض، الصحيح أن المراد أرض مصر.
طالب: زوجة إبراهيم (...)؟
الشيخ: إي، مؤمنة.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم.
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌالإيمان في اللغة: التصديق، ولكنه ليس مطلق التصديق، بل هو تصديقٌ بطُمأنينة؛ لأن مادة آمن هي مادة الأمن، يعني فيها الهمزة والميم والنون، وعلى هذا فليس الإيمان مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص مقرون بأيش؟ أو متضمن للطمأنينة في الشيء، وهو يتعدى باللام كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: آمَنْتُمْ لَهُ [طه: ٧١]، وكذلك وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف: ١٧] وعدة آيات من هذا، ويتعدى أيضًا بالباء، وهو كثير آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ [البقرة: ٢٨٥] آمَنَّا بِاللَّهِ [العنكبوت: ١٠] وما أشبه ذلك، فهل هذا من باب الترادف، أي أن اللام بمعنى الباء والباء بمعنى اللام؟ أو أن هناك فرقًا بينهما؟
يمكن أن نقول: إنه من باب الترادف وإن كل واحدة منهما، أي من اللام والباء تأتي محل الأخرى لكثرة استعمال هذه وهذه، ويمكن أن نقول بالتغاير وأن اللام تدل على استسلام، وأما الباء فتدل على طمأنينة القلب، فاللام للاستسلام فَآمَنَ لَهُ [العنكبوت: ٢٦] فيُضمن معنى انقاد، وأما الباء فإنها تدل على طمأنينة القلب، فآمن به: اطمأن به، والله سبحانه وتعالى فرق بينهما في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١] في آية واحدة يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فالظاهر والله أعلم من مواردها في القرآن الكريم أنهما ليستا مترادفتين وأن بينهما فرقًا، فما يجب فيه الطمأنينة، أو ما كان فيه معنى الطمأنينة فهو بالباء، وما كان مضمنًا لمعنى الانقياد ولو ظاهرًا فإنه يأتي باللام، سحرة فرعون قال لهم فرعون مرة: آمَنْتُمْ لَهُ [طه: ٧١] وقال مرة أخرى: آمَنْتُمْ بِهِ [الأعراف: ١٢٣]، فهل القولان معناهما واحد؟ لا؛ بناء على ما قلنا آمَنْتُمْ بِهِأي صدقتم به بطمأنينة واطمأنت قلوبكم بصدقه، وآمَنْتُمْ لَهُ [طه: ٧١] تابعتموه واستسلمتم له، ولهذا قال لهم: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه: ٧١] فتُنَزل كل آية على معنى، هنا قال: آمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦] نحن نعلم أن لوطًا عليه الصلاة والسلام آمن لإبراهيم وبه، آمن له وبه فهو آمن به بقلبه واطمأن إلى صدقه، وكذلك انقاد له، فتضمن هنا الإيمان معنى الانقياد ومعنى الطمأنينة.
طالب: هنا يقال: إذا اجتمعا افترقا في المعنى، وإذا أفرد أحدهما دل على ما دل عليه الآخر؟
الشيخ: ما يظهر هذا، هذا ما يظهر؛ لأن في الحقيقة كلما تتبعت اللام وجدتها في أمر ليس يقتضي الطمأنينة كمالًا، ما تأتي آمنت لله أبدًا.
طالب: قال فرعون: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه: ٧١] نفس منطوق الآية الأخرى قال له..
الشيخ: إي، فيكون معناه أنه قرر أنهم اطمأنوا به وانقادوا له، إذا أخذنا مجموع الآيتين صار معناه أنه قرر بأنهم معترفون به وبصدقه وانقادوا له أيضًا بسحره، ولهذا ما جاء (آمنت لله)، (آمنت لله) ما جاء، لكن (أسلمت لله) جاء في القرآن العظيم.
قال: آمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦]، وقول المؤلف: (صدّق بإبراهيم) يدل على أنه يرى أن اللام بمعنى الباء.
فإذا قلنا: المؤلف رحمه الله يرى أن آمَنَ لَهُبمعنى آمن به، شوف ويش قال؟ (صدّق) تفسير (آمن)، (بإبراهيم) تفسير (له)، (لُوطٌوهو ابن أخيه هاران) يعني أن إبراهيم له أخٌ اسمه هاران بن آزر، وهاران له ابنٌ اسمه لوط.
(وَقَالَإبراهيم: إِنِّي مُهَاجِرٌمن قومي إِلَى رَبِّيأي إلى حيث أمرني ربي وهجر قومه، وهاجر من سواد العراق إلى الشام).
قوله: وَقَالَالمؤلف يقول: إن الضمير يعود إلى إبراهيم، وعلى هذا ففي التلاوة تقف على آمَنَ لَهُ لُوطٌتقف ولا تقل: وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ؛ لأنك لو وصلت لأوهمت أن القول من لوط، وقال بعض العلماء: إن الضمير يعود على لوط بناء على ظاهر السياق وإن لوطًا عليه الصلاة والسلام آمن وهاجر، فجمع بين الإيمان والهجرة.
وقوله: إِنِّي مُهَاجِرٌهنا مفاعل في اللغة العربية ترد بمعنى اشترك فيه اثنان فصاعدًا، كما يقال: مقاتل، وترد على معنى ليس فيه إلا طرفٌ واحد كما يقال: مسافر، فهمتم؟ كلمة مهاجر من أيهما؟ مما هو مشترك بين طرفين أو مما هو خاص بطرف واحد؟
طالب: خاص.
الشيخ: يعني هاجر بمعنى هجر، أو هاجر معناه أنه هجرهم وهجروه؟ ولّا فيه احتمال أن المعنى مهاجر أني هجرتهم وهجروني بمفارقتي، ويحتمل أنه من باب ما فيه طرف واحد فقط كمسافر.
طالب: (...) للسياق يعين من كلام إبراهيم وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [العنكبوت: ٢٧]..
الشيخ: هنا بنلحقها بعدين إن شاء الله..
الطالب: (...) هنا عزاها إلى ربه (...)؟
الشيخ: إنها من طرف واحد؟ يمكن أنها تؤيدها الظاهر.
وقوله: (من قومي إِلَى رَبِّي) قال المؤلف: (إلى حيث أمرني) يعني إلى الجهة التي أمرني الله سبحانه وتعالى أن أسافر إليها، هذا ما فسره به، والغريب أن بعض المفسرين قال: إن المؤلف قال: (إلى حيث أمرني) فرارًا من إثبات الجهة لله، فرارًا من إثبات الجهة؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية إِلَى رَبِّيلكان متجهًا إلى الله ذاته، نعم وهم يرون أن الله تعالى ليس في جهة، وهذا رأي من؟
طالب: الأشاعرة.
الشيخ: إي نعم، رأي الأشاعرة وكذلك معطلة الجهمية؛ فإن الجهمية انقسموا في مسألة الجهة إلى قسمين: قسم حلولية يرون أن الله سبحانه وتعالى بذاته في كل مكان، وهؤلاء القدماء منهم، وقسمٌ آخر أهل تعطيل محض يرون أن الله سبحانه وتعالى ليس في مكان وليس في جهة، فيقولون: لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولا مباين ولا محايد، نسأل الله العافية، هذه الجهة يتوصل بها من ينكرون علو الله عز وجل بذاته، يقولون: لأنك إذا قلت: إن الله عالٍ بذاته على عرشه لزم من ذلك أن يكون في جهة، وإذا كان في جهة لزم أن يكون متحيزًا، والمتحيز محدود، سبحان الله، ما أدري جاءتهم هذه المقدمات والنتائج، نحن نقول لهم: مسألة الجهة ما ننكرها في المعنى، لكننا ننكر جهة تحصر الله عز وجل أو تحيط به؛ لأن الله تعالى محيطٌ بكل شيء، لكننا نثبت بأن له جهة هي العلو، فالجهات ثلاث: جهة سفل، وجهة علو محيطة بالله، وجهة علو لا تحيط به، أيهما المثبت؟ جهة العلو التي لا تحيط به، أما جهة السفل فممتنعة، وأما جهة علو تحيط به فممتنعة أيضًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس فوقه شيء.
إذن كيف نؤول إِلَى رَبِّيعلى القول الصحيح؟ الراجح إِلَى رَبِّيأي إلى ديني؛ كقوله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج: ٤٠] أي من ينصر دينه، والإنسان المهاجر إلى دين الله يلتمس المكان الذي يقيم فيه دينه، ولهذا يقول العلماء في الهجرة: إنها الانتقال منين؟
طلبة: من بلد الشرك إلى الإيمان.
الشيخ: من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، حيث يقيم دين الله عز وجل.
وقوله: مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي: (إلى) للغاية، وفيها الإشارة إلى حسن نيته وقصده، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» قال المؤلف: (وهجر قومه وهاجر من سواد العراق إلى الشام) ويش هو سواد العراق؟ العراق نفسها أرض العراق، وسمي سوادًا لكثرة نخيله وأشجاره، وقوله: (إلى الشام) معروف.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم هذا ما اتحد تمامًا؛ لأن سواد العراق..
الطالب: هو العراق.
الشيخ: لكن فيه السواد، سواد العراق.
قال: (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُفي ملكه الْحَكِيمُفي صنعه) هكذا يجري المؤلف رحمه الله في تفسير هذين الاسمين، يقول: (الْعَزِيزُفي ملكه الْحَكِيمُفي صنعه)، وهذا فيه شيء من القصور، فهو سبحانه وتعالى عزيزٌ بذاته وبصفاته، وعزته ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع:
أما عزة الامتناع فمعناها أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى نقص في جميع صفاته وأفعاله، وأما عزة القدر فهي المنزلة والجلال والعظمة، وأما عزة القهر فهي القوة والسلطان.
إذن لا أحد يغلبه، كذا ولَّا لا؟ فهو الغالب، ولهذا فسرها كثيرٌ من العلماء بأنه الغالب، وكذلك لا أحد يناله بسوء، وكذلك لا يناله نقص في صفاته. فلذلك تكون العزة ثلاثة أنواع وهي؟
طالب: قهر وقدر وامتناع.
الشيخ: أيش؟
طالب: عزة قهر وعزة قدرة..
الشيخ: قدر.
الطالب: قدر وعزة وامتناع.
الشيخ: امتناع طيب، وأصل هذه المادة تدل على القوة، أصل عين زاي تدل على القوة، ومنه قولهم للأرض الصلبة: أرض عزاز، عزاز يعني قوية صلبة، وقوله: (الْحَكِيمُفي صنعه) فيه قصور؛ لأن حكمة الله عز وجل لا تختص بصنعه في خلقه، بل هي في صنعه وشرعه، فهو حكيم فيما صنع، حكيم فيما شرع، والحكيم ليست أيضًا من الحكمة فقط؛ لأن الحكيم من الحكمة، بمعنى المتقن، لكنها من الحكمة، ومن الحكم أيضًا، وفعيل كما عرفتم في اسم الفاعل تأتي بمعنى الفاعل للمبالغة، أو لا؟ أليس كذلك؟
من أمثلة المبالغة: فعّال أو مِفعال أو فعول، ثم قال بعدها: فعيل وفَعِل خمسة، فهي إذن فعيل من حكم فهو حاكم، لكن صارت بمعنى حكيم للمبالغة أو لكونه صفة مشبهة، فهي إذن من الحكم، وحكم الله عز وجل ينقسم إلى قسمين، وهما الكوني والشرعي، فحكم الله تعالى نوعان: كوني وشرعي، مثال الكوني قول أخي يوسف فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] هذا أيش؟ هذا كوني، ولهذا ما قال: ليحكم علي، قال: ليحكم لي، يعني يقدر لي، والحكم الشرعي مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]، وأما يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١] فتتناول الأمرين، أين وجدت يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١] في أي سورة؟
طالب: في أول سورة المائدة.
الشيخ: في أول سورة المائدة نعم، إذن نقول يا إخوانا: الحكيم مأخوذة من الحكم والحكمة، والحكم هو القضاء، وهو نوعان: كوني وشرعي، مثال الكوني فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، ومثال الشرعي ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]، ومثال ما جمع بين الأمرين إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١] طيب، الحكمة تكون في الشرع وتكون في القدر، وهي مشتقة منين؟ من الإحكام، بمعنى الإتقان، تكون في الشرع، بمعنى أن جميع ما شرعه الله عز وجل فهو موافق للحكمة، وتكون في القدر بمعنى أن كل ما قدره الله فهو لحكمة، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١] الفساد من حيث هو فساد وجوده حكمة ولَّا لا؟ لا، من حيث هو فساد لا ليس بحكمة؛ لأن الله تعالى لا يحب الفساد، فليس بحكمة، لكن للغاية التي يكون هو حكمة ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَهذه الحكمة.
فإذن كون أمور الخير حكمة ظاهر جدًّا للجميع أو لا؟ يعني وجود ما فيه الخير للعباد حكمته ظاهرة، وجود ما فيه الشر للعباد هذا ما يمكن يقع من الله عز وجل إلا لحكمة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ما قال: ليس منك، فهو لا ينسب إلى الله، لكن كل ما وقع فهو من الله من خير ومن شر هو الذي قدره، لكن الشر لا يقدره الله عز وجل إلا لمصلحة أعظم منه، وإذا كان لمصلحة أعظم منه صار حكمة ولَّا لا؟ يكون حكمة، تجد الإنسان الذي هو أرحم الخلق بابنه يأتي به إلى الطبيب ليشق جلده، فيسيل دمه، هذا شرّ؛ لأنه يؤلم الصبي لكنه لمصلحته، فالعاقبة حميدة، ويأتي به إلى الطبيب ويقول: احم هذه الحديدة على النار واكوه بها، والكي شر في حد ذاته لكن غايته حميدة، وكذلك في الختان يأتي به إلى الخاتن ويقول: خذ اقطع جلدة من ذكر ولدي نعم، موضع حساس وبيقطع من جلده، لكن العاقبة حميدة.
المهم نقول: الشر قد يكون خيرًا باعتبار ما يؤول إليه، وإن كان هو في حد ذاته شرًّا، طيب المهم يا إخوان الحكيم صار معناه اشتق منين؟ من الحكم والحكمة أو الإحكام، والإحكام بمعنى الحكمة، والحكمة تكون في الشرع وتكون في القدر، القدر كل ما قدره الله فهو لحكمة، سواء كان خيرًا أم شرًّا، أيضًا الشرع كل ما شرعه الله فهو لحكمة، شرع الله عز وجل في الزاني المحصن أن يرجم بأيش؟ بالحجارة، لو قتل بالسيف أهون ولَّا لا؟ أهون، لكن كونه يرجم بالحجارة ويشهر به ويعلن هذا لحكمة عظيمة، وهي ردع غيره عن مواقعة هذا المحظور، ثم من أجل أن هذا البدن الذي تلذذ كله بالشيء المحرم ينبغي أن يناله ألم من العقوبة نعم.
طالب: على تقدير: إني مهاجر إلى ربي: إلى دين ربي، أقول: أليس دين ربه موجودًا في كل بقعة؟ هل يذهب إلى أناس يدعون الله.
الشيخ: لا، ما هو موجود في كل بقعة، لو كان موجودًا في كل بقعة ما خرج من مكانه هذا؛ لأن قومه هؤلاء كذبوه وأنكروه وأرادوا أن يحرقوه.
طالب: يعني هاجر به، لا هاجر إلى دينه.
الشيخ: إلى دينه، إلى مكان فيه دين الله، ولذلك مثلًا المدينة صارت دار هجرة لما أُقيم فيها الدين.
الطالب: يعني هاجر إلى قوم يعبدون الله.
الشيخ: إي نعم، إلى دين الله الذي..
طالب: (...) ما في الأرض مؤمن إلا أنا..
الشيخ: نعم، هذه قالها وين هو فيه؟ في مصر، ما هو في الشام، قالها في مصر وهو صحيح، وقوله: في الأرض، الصحيح أنه ليس المراد بعامة الأرض، الصحيح أن المراد أرض مصر.
طالب: زوجة إبراهيم (...)؟
الشيخ: إي، مؤمنة.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم.
***
قال: (وَوَهَبْنَا لَهُ [العنكبوت: ٢٧] بعد إسماعيل إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) الهبة معناها الإعطاء بدون ثواب أو بدون عوض، وكل ما تفضل
الله به على عباده فهو بدون عوض تفضل منه، (إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَبعد إسحاق) وإنما جعل
الله يعقوب هبة لإبراهيم لأنه ابن ابنه، وسيأتي لنا إن شاء الله تعالى في الفوائد
أن هذا دليل على أن الجد أبٌ؛ لأن الله جعل ابن الابن هبة لجده.
وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَذرية من؟
طالب: إبراهيم.
الشيخ: إبراهيم، وهنا خالف القاعدة الضمير، فعاد إلى المذكور الأول، والغالب أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، لكنه قد يخرج عن هذه القاعدة بحسب السياق، كما في قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا [الحج: ٧٨]، (هو) يعود على من؟ على الله، لا على إبراهيم، مع أن إبراهيم أقرب مذكور.
وقوله: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَقدم الجار والمجرور، وهو الظرف، على المظروف، وهي النبوة والكتاب؛ إشارة إلى الحصر، ولهذا قال أهل العلم: ما من نبي بعد إبراهيم إلا وهو من ذرية إبراهيم. ويُكنى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأبي الأنبياء.
(وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَفكل الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته وَالْكِتَابَبمعنى الكتب) فهو مفردٌ يراد به الجنس (أي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان)، التوراة نزلت على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم.
(وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَاوهو الثناء الحسن في كل أهل الأديان وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) آتَيْنَاهُأعطيناه، فهي تنصب مفعولين، أحدهما الهاء في آتَيْنَاهُ، والثاني: أَجْرَهُ.
وقوله: أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَاالأجر هو العوض، عوض الشيء يسمى أجرًا، ومنه الأجرة عوضًا للعامل عن عمله.
وقوله: أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَاما هو أجره في الدنيا؟
هل نقول: إنه ما قال المؤلف الثناء الحسن في كل الأديان؛ أو ما هو أعم من ذلك؟ الصواب أنه ما هو أعم من ذلك؛ من قرة عينه بأولاده وانتشارهم وكثرتهم، وكذلك الثناء الحسن؛ كل الأديان ينتمون إليه ويريدون أن يكون منهم، ولهذا قال الله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّاكما ادعت اليهود وَلَا نَصْرَانِيًّاكما ادعت النصارى وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: ٦٧]، ثم حكم الله تعالى بين الطوائف فقال: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّمحمد صلى الله عليه وسلم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨].
وقوله: وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَاللام في قوله: لَمِنَ الصَّالِحِينَللتوكيد، فالجملة مؤكدة بـ (إن) واللام.
وقوله: (الصَّالِحِينَأي الذين لهم الدرجات العلى)، والمراد هنا أعلى أنواع الصالحين، وهم الأنبياء أو الرسل؛ لأن إبراهيم صلى الله عليه وسلم من أولي العزم الخمسة، وهم محمد صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام، وموسى وعيسى ونوح.
وقوله: لَمِنَ الصَّالِحِينَإذا جاءت (الصالحون) وحدها شملت كل الأجناس الأربعة، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، والله أعلم.
طالب: شيخ (...).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه أبلغ (...).
وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَذرية من؟
طالب: إبراهيم.
الشيخ: إبراهيم، وهنا خالف القاعدة الضمير، فعاد إلى المذكور الأول، والغالب أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، لكنه قد يخرج عن هذه القاعدة بحسب السياق، كما في قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا [الحج: ٧٨]، (هو) يعود على من؟ على الله، لا على إبراهيم، مع أن إبراهيم أقرب مذكور.
وقوله: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَقدم الجار والمجرور، وهو الظرف، على المظروف، وهي النبوة والكتاب؛ إشارة إلى الحصر، ولهذا قال أهل العلم: ما من نبي بعد إبراهيم إلا وهو من ذرية إبراهيم. ويُكنى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأبي الأنبياء.
(وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَفكل الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته وَالْكِتَابَبمعنى الكتب) فهو مفردٌ يراد به الجنس (أي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان)، التوراة نزلت على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم.
(وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَاوهو الثناء الحسن في كل أهل الأديان وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) آتَيْنَاهُأعطيناه، فهي تنصب مفعولين، أحدهما الهاء في آتَيْنَاهُ، والثاني: أَجْرَهُ.
وقوله: أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَاالأجر هو العوض، عوض الشيء يسمى أجرًا، ومنه الأجرة عوضًا للعامل عن عمله.
وقوله: أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَاما هو أجره في الدنيا؟
هل نقول: إنه ما قال المؤلف الثناء الحسن في كل الأديان؛ أو ما هو أعم من ذلك؟ الصواب أنه ما هو أعم من ذلك؛ من قرة عينه بأولاده وانتشارهم وكثرتهم، وكذلك الثناء الحسن؛ كل الأديان ينتمون إليه ويريدون أن يكون منهم، ولهذا قال الله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّاكما ادعت اليهود وَلَا نَصْرَانِيًّاكما ادعت النصارى وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: ٦٧]، ثم حكم الله تعالى بين الطوائف فقال: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّمحمد صلى الله عليه وسلم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨].
وقوله: وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَاللام في قوله: لَمِنَ الصَّالِحِينَللتوكيد، فالجملة مؤكدة بـ (إن) واللام.
وقوله: (الصَّالِحِينَأي الذين لهم الدرجات العلى)، والمراد هنا أعلى أنواع الصالحين، وهم الأنبياء أو الرسل؛ لأن إبراهيم صلى الله عليه وسلم من أولي العزم الخمسة، وهم محمد صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام، وموسى وعيسى ونوح.
وقوله: لَمِنَ الصَّالِحِينَإذا جاءت (الصالحون) وحدها شملت كل الأجناس الأربعة، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، والله أعلم.
طالب: شيخ (...).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه أبلغ (...).
***
الشيخ: أولًا: أن الأصنام لا تنفع عابديها.
ومن فوائدها أيضًا: أن غاية ما يحصل لهم من هذه الأصنام الموادة بينهم في هذه الحياة الدنيا على الباطل.
ومن فوائدها أيضًا: أن أهل الباطل قد يقع بينهم مودة لحماية باطلهم والانتصار على الحق، ولكن هذا لا يدوم.
من فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اجتمعوا على الباطل إذا كان يوم القيامة فإن بعضهم يتبرأ من بعض ويلعن بعضهم بعضًا؛ لقوله: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ.
ومن فوائدها: إثبات البعث؛ لقوله: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وسمي يوم القيامة ذكرناه سابقًا، ونسيت أن أذكره في مجالسنا الأخيرة، فقد سمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة:
أولًا: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين.
وثانيًا: أنه يقوم فيه الأشهاد كما قال الله تعالى: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
وثالثًا: أنه يقام فيه العدل وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧].
طالب: الأشهاد يا شيخ (...).
الشيخ: الأشهاد الذين يشهدون على الرسل بأنهم بلغوا، وعلى الأمم بأنهم بُلّغت، وكذلك الجوارح تشهد على الإنسان بما عمل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ، وهل هي موجودة الآن ولَّا لا؟
طالب: موجودة.
الشيخ: موجودة، بدليل قوله تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١] فهي موجودة الآن.
ومن فوائد الآية: أن هؤلاء المشركين لا يجدون من يمنعهم من عذاب الله؛ لقوله: وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَفلا أحد يمنعهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة.
هل يؤخذ من الآية أن المتقين في يوم القيامة تبقى مودتهم ولّا ما يؤخذ؟ ربما يؤخذ بما يسمى قياس العكس الذي أثبته النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن القياس قياسان: قياس مماثلة وموافقة وقياس عكس؛ قياس العكس أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله لما قال: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» يعنى الإنسان إذا جامع زوجته فهو صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ فقال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ» الجواب: نعم يكون عليه وزر «فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» . هذا يسمى قياس العكس، ممكن أن نقول: إذا كان هؤلاء المشركون يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة ويلعن بعضهم بعضًا فالمتقون الموحدون المخلصون على عكس ذلك، وأنا أريد هل تؤخذ من هذه الآية لست أريد إثبات الحكم نفسه، فإن الحكم ثابت في آية أخرى، وهي قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
ثم قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌطيب فيها مناقشة، ما ناقشناكم بالحقيقة، أخذنا الفوائد ونسينا نناقش، قوله تعالى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ: (يوم) هذه ظرف، وما هو العامل فيها؟
طالب: العامل فيها الفعل (يكفر).
الشيخ: (يكفر)، والثاني؟ ما هو بتنازعها عاملان؟
طالب: يكفر ويلعن.
الشيخ: يكفر ويلعن، نعم.
وقوله: مَأْوَاكُمُ النَّارُإعرابها مأوى؟
طالب: (...).
الشيخ: إعرابها ما أبغي (...) وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ.
الطالب: (...).
ومن فوائدها أيضًا: أن غاية ما يحصل لهم من هذه الأصنام الموادة بينهم في هذه الحياة الدنيا على الباطل.
ومن فوائدها أيضًا: أن أهل الباطل قد يقع بينهم مودة لحماية باطلهم والانتصار على الحق، ولكن هذا لا يدوم.
من فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اجتمعوا على الباطل إذا كان يوم القيامة فإن بعضهم يتبرأ من بعض ويلعن بعضهم بعضًا؛ لقوله: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ.
ومن فوائدها: إثبات البعث؛ لقوله: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وسمي يوم القيامة ذكرناه سابقًا، ونسيت أن أذكره في مجالسنا الأخيرة، فقد سمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة:
أولًا: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين.
وثانيًا: أنه يقوم فيه الأشهاد كما قال الله تعالى: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
وثالثًا: أنه يقام فيه العدل وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧].
طالب: الأشهاد يا شيخ (...).
الشيخ: الأشهاد الذين يشهدون على الرسل بأنهم بلغوا، وعلى الأمم بأنهم بُلّغت، وكذلك الجوارح تشهد على الإنسان بما عمل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ، وهل هي موجودة الآن ولَّا لا؟
طالب: موجودة.
الشيخ: موجودة، بدليل قوله تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١] فهي موجودة الآن.
ومن فوائد الآية: أن هؤلاء المشركين لا يجدون من يمنعهم من عذاب الله؛ لقوله: وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَفلا أحد يمنعهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة.
هل يؤخذ من الآية أن المتقين في يوم القيامة تبقى مودتهم ولّا ما يؤخذ؟ ربما يؤخذ بما يسمى قياس العكس الذي أثبته النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن القياس قياسان: قياس مماثلة وموافقة وقياس عكس؛ قياس العكس أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله لما قال: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» يعنى الإنسان إذا جامع زوجته فهو صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ فقال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ» الجواب: نعم يكون عليه وزر «فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» . هذا يسمى قياس العكس، ممكن أن نقول: إذا كان هؤلاء المشركون يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة ويلعن بعضهم بعضًا فالمتقون الموحدون المخلصون على عكس ذلك، وأنا أريد هل تؤخذ من هذه الآية لست أريد إثبات الحكم نفسه، فإن الحكم ثابت في آية أخرى، وهي قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
ثم قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌطيب فيها مناقشة، ما ناقشناكم بالحقيقة، أخذنا الفوائد ونسينا نناقش، قوله تعالى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ: (يوم) هذه ظرف، وما هو العامل فيها؟
طالب: العامل فيها الفعل (يكفر).
الشيخ: (يكفر)، والثاني؟ ما هو بتنازعها عاملان؟
طالب: يكفر ويلعن.
الشيخ: يكفر ويلعن، نعم.
وقوله: مَأْوَاكُمُ النَّارُإعرابها مأوى؟
طالب: (...).
الشيخ: إعرابها ما أبغي (...) وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ.
الطالب: (...).





