تفسير سورة العنكبوت - 6
عدد الزيارات 1837

عناصر المادة :
تفسير الآيات (35-40)
.. من الشرك.
الدليل على الأوَّل -أن إضَافة الشيء إلى سببه المعلوم حِسًّا أو شرعًا جائز- أنَّ في هذه الآية وغيرها وآيات كثيرة وأحاديث كثيرة تضيف الأشياء إلى أسبابها، حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم في عمِّه أبي طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ».
إذا أُضِيف الشيء إلى سببه المعلوم حِسًّا أو شرعًا، لكن مع الله بحرف يقتَضي التسوية، كان ذلك شركًا؛ إما أصغر، وإما أَكبر، قد يصل إلى حد الأكبر، إذا اعتقد أن له تأثيرًا كتأثير الله عز وجل.
وإذا أضافه إلى الله وإلى غيره بحرف يقتضي الترتيب، فإن كان (ثُم) فهو جائز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ».
وإن قرنه بحرف يقتضي الترتيب والتعقيب كـ (الفاء) مثلًا: لولا الله ففلان، فما رأيكم؟ عندنا ثلاثة حروف: (الواو) واضح أنها حرام شرك، و(ثم) جائزة، و(الفاء)؟
الحقيقة هذه (الفاء) يتنازعها أمران: إذا رأَينا أن الترتيب موجود فيها قلنا بأيش؟ بالجواز.
وإذا رأينا أن الفرق بينها وبين (ثم) التي دلت النصوص على جوازها أن (ثم) تدل على التراخي والْمُهلة، وبُعْد الثاني عن الأول، قلنا: إنه ينبغي ألَّا نجوِّزها، ولا ريب أن الاحتياط والتورع عنها أحسن، وإن كانت لا شك أنها تقتضي الترتيب، لكن بينها وبين (ثم) فرق.
طالب: يا شيخ، قوله صلى الله عليه وسلم: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ»..
الشيخ: «مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ»، إي نعم.
طالب: طيب كونه مثلًا، أو في حديث آخر، ما أجاز إلا (ثم) ما يدل على المنع من سواها؟
الشيخ: والله هذا الذي قلنا لكم، بس إن السبب أنه منع (الواو)، وأجاز (ثم)، وسكت عن (الفاء).
طالب: نجعلها بمنزلة بين منزلة الشيء ومنزلة..
الشيخ: الإباحة، إذن فالاحتياط؟
الطالب: تكون محرَّمة.
الشيخ: لا، الاحتياط تجنبها، ما نجزم بالتحريم؛ لظهور الفرق بينها وبين (الواو)، ولا نجزم بالإباحة؛ لظهور الفرق بينهما وبين (ثم)، فنقول احتياطًا: المسألة نتجَنَّبها، والحمد لله ما من شيء محرَّم إلَّا والمباح أكثر منه وأضعافه، بس يحتاج الناس إلى تنبيه؛ لأن هذه أيضًا من الطرق اللي -وإن كانت خارجة عن الدرس- لكن الكلام يتبعه بعضه، بعض الناس يقول للناس مثلًا يعظهم أو يرشدهم يقول: هذا حرام، ولا يجوز، لكن ما يفتح لهم بابًا يسلكونه، وهذا خلاف الدعوة الصحيحة.
نحن ذكرنا أنَّ الإنسان إذا ذكر الباب الممنوع للناس فإنَّه من تمام الدعوة والإصلاح أن يذكر لهم الباب المباح المفتوح.
وقلنا: إن هذا ما دل عليه الكتاب والسنة، بل في القرآن يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا [البقرة: ١٠٤]، هذا ممنوع، ولكن وَقُولُوا انْظُرْنَافتح لهم بابًا.
وفي السنة: قال الرسول عليه الصلاة والسلام لبلال: «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ»، لَمَّا منعه من شراء الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، قال: «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ الْجَنِيبَ» ، كونه يقول للناس: يا جماعة ترى هذا الشيء مُحرَّم، ثم لا نفتح لهم بابًا يمشون معه، هذا بالحقيقة نقص في الدعوة.
طالب: تكون صعبة.
الشيخ: صعبة في النطق يعني؟
الطالب: بالنطق.
الشيخ: إي، الحمد لله.
الطالب: والواو بعد أسهل لك من..
الشيخ: هذه المناسبة لفظية، بارك الله فيك.
الطالب: وفي تلك اللفظة (...).
الشيخ: صحيح، إذن يكون فيها على هذا الحال مطب على ما قالوا، مطب لفظي.
طالب: الحمد لله ما هي موجودة في كلام العوام عندنا.
الشيخ: لا ما هى موجودة، الناس الآن العوام يُغالُون أحيانًا، حدثنا شيخنا عبد الرحمن السعدي أنَّ رجلًا قيل له: كيف كدة تمركم ها (...)؟ كان عندهم صوبة، يعني منزل كبير، ويش اللي أكله؟ قال: ما أكله إلا (...)، أعوذ بالله، يعني أحيانًا يُبَالغون العامة.
من فوائد الآية انتهينا أظن..
طالب: أن الأهل يشمل الذكور والإناث.
الشيخ: إي نعم، إن (أهل) من الناحية اللغوية يعُمّ الذكور والإناث.
طالب: يا شيخ، ما يُثْبِت أن لوطًا عليه السلام دعا عليهم؟
الشيخ: إلّا، قوله: (...).
الطالب: إي نعم، يعني الأول قلنا: إنه ما فيه.
الشيخ: إحنا الأول صحَّحنا أنَّه دعا عليهم من قوله: رب انصرني عليهم، بالدعاء؛ لأنهم هم تحدوه، قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت: ٢٩].
طالب: شيخ، ما يؤخذ من الآية (...) قول من قال: إن القرية قلبت عليهم؟
الشيخ: هذا بييجي صريحًا في الآية أصرح مِن هذا إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ [العنكبوت: ٣٤] (...) قال الله عز وجل.
طالب: ذكرنا أن في الدعوة نبيِّن للناس ما يحرم عليهم ونبين ما ..
الشيخ: أن نفتح لهم بابًا آخر.
الطالب: أن نفتح لهم بابًا، (...).
الشيخ: هو الغالب إنه فيه ما (...)، وأنا ما أستحضر شيئًا ما فيه ما (...).
الطالب: قصدي من النصوص تأتي مطلقة دون ما يقابلها، يعني يأتي التحريم في آيات ..
الشيخ: إي، يأتي التحريم بآيات لكن تجد في آيات أخرى مذكورًا طريق مباح أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥]، حرم الربا، لكن عندنا طريق آخر مباح، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣] وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ [الأعراف: ١٥٧] يعني ما هو بلازم يكون مقترنًا، والنصوص بعضها من بعض، لا تضارب.
طالب: يا شيخ، نستحضر مثالًا (...).
الشيخ: سماع القرآن يا أخي والحديث.
طالب: إي، بس هل هذا مثل هذا؟
الشيخ: أقول بدل ما أنك تمضي وقتك في أغاني وموسيقى وغيرها، عندك القرآن والأناشيد الطيبة، عندك عطلة، فيه واحد زعم علي البارحة قال: إحنا عندنا دوام أربعة وعشرين ساعة ونلعب ورق، ويش نسوي؟ يبغون يستريحون، (...) رمضان بعد؟ وأرى ما تلعبون الكرة أحسن لكم وأنشط، والحمد لله، وتمشون.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، الكرة تفيد الجسم.
الطالب: الدوام يعني ..
الشيخ: لا لا، بس ما هو دوام كتابي، دوام ما كل ما يعلم يقال.
طالب: ولا يستطيعون قراءة القرآن.
الشيخ: لا، يقول: إحنا نصلي ونتروَّح، ونحدث، ونقرأ القرآن فيما بيننا، لكن أربعة وعشرين ساعة، الحقيقة صعب أن الواحد كله يعمل عمل جد، أنا قصدي أن زميلكم يقول: قلنا حرام (...) وبش نجيبه، الحمد لله.
طالب: لكل نبي دعوة، هذه دعوة لوط؟
الشيخ: الله أعلم هي هذه ولَّا غيرها، إنما هذه لا شك أنه استجاب الله دعاءه.
طالب: الفرق في الدعاء على القوم، قلت: ما ينبغي أن يدعو (...)، مثلًا يقول: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: ٢٦].
الشيخ: إي نعم، الآن صحيح بالنسبة لنا ينافي الحكمة، لا بد أن يكون هناك..، ولهذا قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» ، إحنا لو دعونا بأن الله يمحو الكافرين معناه بطل مدلول هذا الحديث.
نقول: قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا [العنكبوت: ٣٢]، لُوطًاهذه منصوبة؛ لأنها اسم (إن) مؤخَّر.
قَالُواأي: الرسل، نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا [العنكبوت: ٣٢].
قوله: نَحْنُ أَعْلَمُهذه اسم تفضيل، أين المفضَّل عليه؟
طالب: إبراهيم.
الشيخ: منك يعني؟ إذا قلت: إبراهيم، كان معناها منك.
طالب: نحن بمعنى نعلم.
الشيخ: يعني كلمة أَعْلَمُظاهرها أنها اسم تفضيل، وإذا كانت اسم تفضيل فالمفضَّل عليه قطعًا مثل ما قال: إبراهيم، لكن ما وجه ذلك؟ وجه ذلك أن مثل هذا التعبير يخاطَب به من يُراد إعلامه بما عند المتكلم، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» ، إبراهِيم عليه الصلاة والسلام قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»، اسم التفضيل هنا باعتبار المفضَّل والمفضَّل عليه، هل فيه شك؟
لا، لكن المعنى أنه لو كان في إبراهيم شك لكنا أولى منه، فكما أننا نحن لا نشك فإبراهيم لا يشك.
فالمعنى نَحْنُ أَعْلَمُ، يعني معناه: كما أنك أنت عالم فنحن عندنا علم بذلك.
وقوله: أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا، يعني: يشمل لوطًا وغيره؛ لأن (مَن) اسم موصول من صيغ العموم.
لَنُنَجِّيَنَّهبالتخفيف والتشديد، قراءتان سبعيتان؛ (نُنَجِّي) من المضعَّف (نَجَّى)، (نُنْجِي) من المزيد بالهمزة من (أَنْجَى)، وكلاهما صحيح، والمعنى واحد.
وقوله: لَنُنَجِيَنَّهالنجاة معناها الإنقاذ من الهلكة.
لَنُنَجِيَنَّه وَأَهْلَهُمعطوفة على الضمير، والجملة كما ترون في قوله: لَنُنَجِّيَنَّهُ، مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات وهي: القسم المقدَّر، و(اللام)، أيش بعد؟
طالب: ونون التوكيد.
الشيخ: ونون التوكيد، نعم، وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ، إِلَّا امْرَأَتَهُمستثنى من قوله: وَأَهْلَهُ، والمراد بالمرأة هنا الزوجة.
كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ: الباقين في العذاب، وقوله: كَانَتْهل نقول: إنها فعل ماض مسلوب الزمنية، كما قلناها في عدة آيات مثل: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٩٦] وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ١٣٤]؟
تقدم لنا أن (كانت) في مثل هذه الآيات مسلوبة الزمنية، والمراد: اتصاف اسمها بخبرها، هنا كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ، هل نقول: إن المراد بيان أنها من الغابرين فقط فهي مسلوبة الزمن؟ أو نقول: إن (كانت) دالة على الزمن، والمراد: كانت في علم الله من الغابرين؟
طالب: الأول.
الشيخ: نعم، نقول: كلاهما محتمل، ولا تنافي بينهما، فإن شئت فقل: كانت في علم الله من الغابرين.
وإن شئت فقل: كَانَتْأي أنها اتصفت بكونها من الغابرين، أي الباقين في العذاب، يعني: فليست ناجية.
طالب: امرأة ذُكِرَت، ما الفرق بين أن نقول: زوجة من زوجات النبي وامرأته.
الشيخ: لا فرق إذا قيل: امرأة فلان فهي..
الطالب: امرأة فرعون.
الشيخ: يعني زوجته.
الطالب: لكن أنا سمعت أن المرأة إذا اختلف الدين بينهم لا يقال: زوجة.
الشيخ: إيه؟
طالب: ينظر لقوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢]
الشيخ: لا، أزواجهم: قرناءهم، ما هو.
طالب: (...) وهنا كذلك.
الشيخ: وامرأة نوح وامرأة لوط، إذا لم تنتقض هذه القاعدة فهي وجيهة.
طالب: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ(...).
طالب آخر: امرأة فرعون.
الشيخ: إي، هو يقول: إن المرأة ما يقال: زوجة، إذا اختلفت مع زوجها في دينها.
طالب: سواء هو أو هي.
الشيخ: لكن بس اللي قاله زميلكم: إن المرأة تطلق على الزوجة مع الاتفاق في الدين، مثل قوله تعالى في أبي لهب: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد: ٤] يعني: زوجته.
إذن معناها القاعدة هذه ما صارت سليمة، ودائمًا الإنسان بالحقيقة يبدو له أحيانًا أن هذا الشيء مطَّرِد، ويغيب عنه أنه قد ينتقض، ومثل هذه ينبغي للإنسان أن يحترز، فيقول: غالبًا، لأجل إذا نُقِض ما يكون داخلًا عليه خلل في تعبيره.
طالب: قوله: أعلم، فيه محذور من أنه يطرأ على بالنا أن الملائكة أعلم منه بما أنه وجد..
الشيخ: ما فيها محذور إذا كان على سبيل العموم، يعني معناه أن إبراهيم قد لا يعلم كل مَن فيها، لكن لوط، وهو خاطبهم عن لوط، فهمت؟ فإذا قلنا: باعتبار المجموع؛ لوط وقومه؛ فإنه لا مانع من أن تكون الملائكة أعلم من إبراهيم؛ لأن إبراهيم لا نجزم بأنه يعلم كل مَن فيها.
لكن إذا قلنا: المراد ما وقع عنه، أو ما وقع فيه الاعتراض، وهو قوله: إِنَّ فِيهَا لُوطًا، صار ما هي على بابها، فالمعنى: أننا نحن عالمون كما أنت عالم.
طالب: (...) يتصل بلوط عليه السلام دائمًا، وهو يوحى إليه أو يبلِّغه الوحي، فكلهم يعلم بحاله.
الشيخ: إي، يعلم لكن أعلم..
طالب: لكن نجَّى لوطًا وأهله..
الشيخ: خَلِّي، بيجي إن شاء الله.
قال: وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ.
نقول في لَمَّاكما قلنا فيما سبق.
وقوله: أَنْ جَاءَتْ، أَنْهذه يقولون: إنها زائدة للتوكيد، وكل حرف زائد في القرآن فإنه للتوكيد حسب السياق.
وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًايعني تحقق مجيئهم له، (سِيءَ بِهِمْ: حزن بسببهم).
(سيء) هذه فعل ماضٍ مبني للمفعول، ما قال: سُوءَ؛ لأن الماضي يُضَمّ أوله إذا بُنِيَ للمفعول؟
طالب: لأنه معتلُّ العين.
الشيخ: إي، معتل، مثل: قِيلَ، وبِيعَ.
وَاكْسِرْ أَوَ اشْمِمْ (فَا) ثُلَاثِيٍّ أُعِلْ عَيْنًا وَضَمٌّ جَا كَـ(بُوع) ............

إحنا نعرف ننطق بالكسرة الخالصة وبالضم الخالص، فنقول: قُولَا، لكن الإشمام أظنه كان صعبًا علينا.
طالب: صعب الجزم، فيه مواضع من القرآن ليس صعبًا، لكن..
الشيخ: لا هذه هذه.
وقوله: سِيءَ بِهِمْأفاد المؤلف بقوله: (بسببهم)، أن الباء للسببية، أي: لحقه السوء بسببهم، والله أعلم.
طالب: ضابط (أن) الزائدة؟
الشيخ: إذا كان (أن) وغير (أن) إذا حُذِفت استقام الكلام فهي زائدة، هذا الضابط.
الطالب: ما لها ضابط لفظي.
الشيخ: لا، ما لها، هي الغالب إذا جاءت بعد (لما) حسب ما في القرآن أنها تأتي زائدة، فلما (...).
قوله تعالى: قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ.
من فوائد الآية: بيان رأفة إبراهيم وحلمه؛ لقوله: إن فيها لوطًا، وكأنه عليه الصلاة والسلام يريد ألا تهلك هذه القرية؛ لوجود هذا الرجل الصالح، هذا احتمال، واحتمال أنه أورد هذه الإيراد ليعرف ماذا تكون حال لوط، وأيهما أرجح؟
الإيراد الآن يحتمل أنه قال ذلك ليُرفَع العذاب عنهم بسبب هذا الرجل الصالح، ويحتمل أنه أورد هذا لينظر ماذا تكون حال لوط.
طلبة: الأول.
طالب آخر: لا، الثاني.
الشيخ: أو الثاني؟
الطالب: الثاني أولى.
الشيخ: الجواب قالوا: لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ، عندي أنه يرجِّح الثاني؛ أن المعنى: ماذا تفعلون بهذا الرجل؟
طالب: (...).
الشيخ: اقرأ الآية علشان نتبين، يمكن يكون هذا دليلًا منفصلًا يؤيد..
الطالب: (...)
الشيخ: وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود: ٧٤].
الطالب: يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: ٧٦].
الشيخ: الكلام على قوله: يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ، هذه تؤيد الاحتمال الأول.
إذن نقول: إنه أراد هذا وهذا، كذا؟ ما يمنع أن إبراهيم عليه السلام قال هذا للغرضين.
وعلى كلٍّ ففيه دليل على رأفته عليه الصلاة والسلام، وهذا مشهور عنه، حتى إنه قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦].
من فوائد الآية: إثبات القول والعلم للملائكة، مما يدل على أنهم ذوو عقول، وذوو نطق، خلافًا لمن قال: إنهم لا عقول لهم، وهذا من أغرب ما يكون؛ أن يكون هؤلاء الملائكة الذين يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، والذين وصفهم الله بأنهم عباد مُكْرَمون، نقول: إنهم لا عقول لهم، فمن له عقل بعد ذلك؟
وخلافًا أيضًا لمن قال: إنهم أرواح ليسوا أجسادًا؛ لأن ظاهر الحال أنهم أجسام يتكلمون وينطقون، ولهم عقل ونطق.
ومن فوائد الآية: جواز إضافة الشيء إلى سببه؛ لقوله: لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ، ومعلوم أن الإنجاء منين؟ من الله، لكن لما كانت هؤلاء الرسل رسل الله أُضِيف إليهم فعل الله، أي أن ما قدَّره الله عز وجل فهو فعلهم، ففيه إضافة الشيء إلى سببه، وقد تقدم لنا أن إضافة الشيء إلى سببه لها أربعة وجوه:
الوجه الأول: أن يضاف إلى السبب بدون ذكر الله.
وأن يضاف إلى السبب مع الله بالواو.
وأن يضاف إلى السبب مع الله بـ (ثم).
وأن يضاف إلى السبب مع الله بالفاء، أليس كذلك؟
القسم الأول: جائز، ولَّا لا؟ القسم الأول: أن يضاف إلى سببه بدون ذكر الله.
طالب: غير جائز.
الشيخ: غير جائز، توافقونه؟
طالب: لا.
الشيخ: ما توافقونه.
طالب: هذا السبب سبب معلوم؟
الشيخ: معلوم أنه سببه، متفق على أنه سبب شرعي أو حسي، يعني تخالفون؟ طيب، ما هو الدليل على جوازه؟
طالب: من الأدلة على جوازه قول النبي عليه الصلاة والسلام لأبي طالب: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ».
الشيخ: نعم، «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ، والحقيقة الذي منعه أن يكون في الدرك الأسفل من النار الله عز وجل، لكن رسوله عليه الصلاة والسلام سبب.
طالب: وهذا الآية أيضًا.
الشيخ: وهذه الآية، طيب إذا أضيف إلى السبب مع الله بالواو، أيش تقول؟
الطالب: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟ ما الدليل؟
الطالب: لأن (...) يقضي بالمساواة.
الشيخ: لا، هذا تعليل، لكن نريد الدليل.
الطالب: قول الرجل للرسول صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» .
الشيخ: صح؛ ولأن التعليل يقتضي أن يجعل هذا السبب مساويًا لله عز وجل، طيب هذا الحكم لا يجوز، لكن يكفي أن نقول: لا يجوز؟
طالب: لا شرك، قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر.
الشيخ: أكبرا، أكبرا بالتنوين، لا لا إنما نمشي على الكلمة الأولى بدون تنوين، وقد يكون أصغر بحسب ما قام بقلب هذا الْمُشَرِّك، إنما هو شرك على كل حال.
إذا كان مضافًا إلى سببه مع الله بـ (ثم) فما حكمه؟
طالب: جائز.
الشيخ: جائز؟ ما الدليل؟
الطالب: قل: ما شاء الله ثم شاء.
الشيخ: وينه؟
الطالب: ثم.
الشيخ: أبغي الدليل، لو أَثَر ما يخالف، من يحفظ؟
طالب: يعني (ثم) تدل على دليل لازم.
الشيخ: لا، نبغي دليلًا. فيه حديث قُتَيْلَة الرؤيا التي رآها رجل من المسلمين مع رجل.
طالب: النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: «قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ» .
الشيخ: نعم.
الطالب: حديث ابن عباس.
الشيخ: وحديث ابن عباس أَثَر.
فنقول: هذا دل عليه حديث قُتَيْلَة، وفيه إن شاء الله بيجينا في التوحيد، ونشوف عن صحته من عدم صحته، وكذلك أثر ابن عباس، وهو مشهور، في قوله تعالى: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢].
ثم التعليل أن (ثم) تدل على تأخر المعطوف عن المعطوف عليه تأخُّرًا مباشرًا، ولَّا كثيرًا؟
طالب: كثيرًا.
الشيخ: كثيرًا؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب بمهلة.
إذا قرنه مع سببه بالفاء، أيش تقول؟
طالب: ترددنا فيها.
الشيخ: نعم، ما وجه التردد؟
طالب: لأن الفاء للتعقيب المباشر فمن حيث إنها للتعقيب تكون جائزة.
الشيخ: تخالف الواو.
الطالب: ومن حيث إنها مباشرة للتعقيب المباشر..
الشيخ: تخالف (ثم)، و(ثم) ورد جوازها، والواو ورد منعها، وهذه وسط، قلنا: فالأَوْلَى للإنسان تركها، وأن يعدل إلى أشياء ما فيها إشكال.
من فوائد الآية: أن الزوجة داخلة في الأهل، من أين تؤخذ؟
الطالب: من قول الملائكة: لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ، ثم استثنوا من ذلك امرأته.
الشيخ: إِلَّا امْرَأَتَهُ، لو قال قائل: هذا الاستثناء منقطع فلا يدل، ما الجواب؟
طالب: ما هو الاستثناء المنقطع؟
الشيخ: إي نعم، المنقطع يكون مستثنى من غير جنس المستثنى منه، فلو قال قائل هذا لو عارضنا بها؟
الطالب: هذا من جنس المستثنى.
الشيخ: إيه؟ يقول: ليس من جنسه، يقول: ما هو من الأهل.
الطالب: الأصل في الاستثناء الاتصال.
الشيخ: صح.
الطالب: إذن على المدعي الدليل.
الشيخ: هذا هو الصحيح، الأصل في الاستثناء الاتصال؛ لأنه لولا أنه من المستثنى ما احتيج إلى إخراجه، فهو الأصل.
ينبني على هذه الفائدة فائدة: وهي أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام من أهل بيته؟ نعم من أهل بيته، ولا شك، خلافًا للرافضة الذين يُخْرِجون زوجاته من أهل بيته.
وفي القرآن ما يدل على ذلك صريحًا؛ أن أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، منين؟
طالب: قوله تعالى: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب: ٦].
الشيخ: لا، لا، السؤال: من القرآن ما يدل دلالة صريحة على أن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل بيته.
الطالب: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود: ٧٣].
الشيخ: لا هذه في إبراهيم.
طالب: في آية الحجاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: ٥٩]، وفي الآخر خالص في آخرها: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣].
الشيخ: ما هي في الآية هذه.
طالب: (...).
الشيخ: إلَّا، هو جاب آية الحجاب.
طالب: لا لا قال: آية التبرج.
الشيخ: آية التبرج.
طالب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [الأحزاب: ٢٨]، إلى قوله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [الأحزاب: ٣٢]، ثم ختم الله تعالى الآية بقوله: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣].
الشيخ: إلى أن قال: أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣] هذا واضح وصريح.
من فوائد الآية الكريمة: أن الاتصال بالصالح لا يستلزم أن يكون المتصل صالحًا، صحيح أن الاتصال بالصالح من أسباب الصلاح، لكنه ليس بلازم، من أين يؤخذ؟
طالب: إِلَّا امْرَأَتَهُ، كانت مصاحبة له.
الشيخ: نبغي الآية، ما نبغي تعليلًا.
طالب: كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ.
الشيخ: إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ، فكانت من الهالكين، أو الباقين في الهلاك، مع أنها امرأة رجل صالح نبي من الأنبياء، فلا تُدِلُّ الزوجة على ربها بصلاح زوجها، وتجدون هذه المسألة جاءت في قصة التحريم، أو لا؟ سورة التحريم، لأجل ألَّا تُدِلَّ زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام على الله بكونهن زوجات للنبي.
طالب: شيخ، امرأة لوط في الغابرين، أما امرأة نوح لا يمكننا ذكر الآيات أن الغابرين غرق زوجة نوح..
الشيخ: لأن نوح -والله أعلم- أنه ما بقي أحد إلا هلك، ولا ندري هل بقيت هي إلى أن هلك الناس بالغرق؟ ما ندري.
طالب: (...) أنها فيها رد على من قال أن امرأة نوح خرجت معه ثم (...).
الشيخ: إي نعم، ويكون قوله تعالى: وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود: ٨١] ليس مستثنى من قوله: وَلَا يَلْتَفِتْ، بل مستثنى من الجملة التي قبلها.
طالب: هذا لا يعارض هذا؟ لأنه ممكن تكون إذا التفتت ستكون من الغابرين، يعني هو قدر أو سبب كونها من الغابرين الالتفات، يعني ليس تعارضًا؟
الشيخ: يعني الرد ما هو بواضح؟ على كل حال الرد واضح جدًّا، وهذه مرَّت علينا أظن، وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ، وذكرنا خلاف العلماء هل هو مستثنى من الجملة الأخيرة، ولَّا من الأولى.
طالب: شيخ، هل هنا إضافة العلم إلى النفس نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا، ما قالوا: بعد الله؟
الشيخ: هذه فائدة لا بأس، لكن كلنا يعرف أن الإنسان يعلم.
طالب: فائدة نحوية يا شيخ.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: جواز تقدُّم خبر (إن) إذا كان جارًّا ومجرورًا.
الشيخ: لا، هذه ما هي محل إشكال، هذه مثل: الأرض تحتنا، والسماء فوقنا، ما فيها إشكال.
طالب: شيخ، ورد حديث أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع فاطمة وعليًّا والحسن والحسين، وقال: «اللَّهُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ؟ قَالَ: «أَنْتِ عَلَى خَيْرٍ».
الشيخ: نعم، أَكِّد هذا الحديث ونشوف لفظه، وإلا الآية صريحة، ويصير المعنى إن ثبت هذا هو آل بيته من قرابة.
فيها إذن -في الآية من الفوائد-: جواز القسم بدون استقسام، من أين تؤخذ؟ لَنُنَجِّيَنَّهُكذا .
ومن فوائدها أيضًا: اعتبار القسم المقدَّر، بمعنى أنه لا يُشتَرَط في القسم أن ننطق به، لو قال قائل: لأفعلنَّ كذا هل يكون مُقْسِمًا؟ نعم، يكون مقسمًا؛ لأن المعروف أن هذه الجملة تكون جوابًا لقسم مقدَّر، فيكون مُقْسِمًا، ولو قال: لئن آتاني الله من فضله لأصَّدَّقَنَّ، يكون ناذرًا؟
قال الله وعز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ [التوبة: ٧٥،٧٦ ]، فجعل هذا نذرًا، وذلك لأن النذر ليس له صيغة معينة، كل ما دل على الالتزام فهو نذر بأي صيغة، وقد يكون نذرًا مقرونًا بالقسم فيفيد التوكيد.
طالب: شيخ، قوله: إِنَّ فِيهَا لُوطًاهل فعلًا مخالطة الصالحين ووجود الصالحين تدفع العذاب؟
الشيخ: ربما إنها تدفعه، ولهذا قال الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣].

***

قال الله تعالى: وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْهذا شرحناه، وبَيَّنَّا أن (لما) شرطية، و(أن) زائدة.
وقوله: سِيءَ بِهِمْهو جواب (لما).
وسِيءَفعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى لوط، أي: حصلت له المساءة.
وقوله: بِهِمْالباء للسببية، أي: بسببهم.
طالب: نائب الفاعل مقدَّر؟
الشيخ: لا مستتر.
الطالب: هل يكون الجار والمجرور هنا نائب فاعل؟
الشيخ: لا ينوب الجار والمجرور عن الفاعل إلا إذا تعذَّر.
الطالب: ما هو موجود لأن هذا يستدعي فعلًا لازمًا؟
الشيخ: هو الآن فعل لازم، لكن إذا جعلت الجار والمجرور نائب فاعل فقد عدَّيْتَه؛ لأن نائب الفاعل معناه أنه في الأصل مفعول به، فمعنى سِيءَ بِهِمْأي: لوط.
طالب: (ساء) هذه فعل لازم في الأصل ولَّا متعدٍّ؟
الشيخ: لا سِيءَ بِهِمْمعناه: حصلت له المساءة، أو أصابه السوء، أما (ساء) في الأصل فيكون متعديًا، كما تقول: ساءني هذا الشيءُ.
طالب: متعدٍّ بغير مفعول به يعني بظرف أو جار ومجرور أو ..
الشيخ: ساءني فلان، ساءني هذا الخبر، كما تقول: سرَّني، واضح؟
قوله: وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا، أيش إعراب ذَرْعًا؟
طالب: تمييز.
الشيخ: هذا تمييز مُحَوَّل عن أيش؟ عن الفاعل، والتمييز كما مرَّ علينا يكون محوَّلًا عن الفاعل، وعن المفعول به.
مثال المحوَّل عن المفعول به قوله تعالى: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [القمر: ١٢]، هذا تمييز محول عن المفعول به، وأصله وفجَّرنا عيونَ الأرض.
ومثال المحوَّل عن الفاعل تقول مثلًا: انشرح بهم صدرًا، أي: صدرُه.
هنا ضاق بهم ذرعًا، أصله: ضاق ذرعُه بهم، وما هو الذَّرْع؟ فسَّره المؤلف بالصدر، قال: (ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًاأي: صدرًا)، أي: ضاق صدرُه بهم ولم ينشرح، بل حصل له غَمٌّ وهَمٌّ بذلك.
وقيل وهو الصحيح: إن الذَّرْع بمعنى الطاقة، أي: ضاق بهم طاقةً، فصار غير متحمِل لهم، وهذا معناه في اللغة العربية، وسُمِّيَت الطاقة ذرعًا من الذِّرَاع؛ لأن الذراع محل الحمل، والطاقة هي التي بها يستطيع المرء أن يحمل أو لا يحمل، يعني يحمل الشيء.
قال: وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا، العلة لأنهم حِسَان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم قومَه، فأَعْلَمُوه أنهم رسل ربه، هذا هو السبب أنه ضاق بهم؛ لأن قومه كما ذكر الله في آية أخرى لما سمعوا بذلك جَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [هود: ٧٨]، يعني مسرعين -والعياذ بالله- يريدون هؤلاء الأضياف، وهذه من فتنة الله سبحانه وتعالى للعبد أن يجعل الأمور المحرَّمة عليه في صورة تهواها نفسه؛ ليعلم الله من يخافه بالغيب.
فهم -والعياذ بالله- لما جاء هؤلاء جاؤوا إلى لوط يريدونهم، فكان يقول لهم: هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود: ٧٨]، فهو ضاق بهم خوفًا عليهم من قومه؛ لأن قومه كما قال الله تعالى أهل خبث، وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ [الأنبياء: ٧٤]، فيُخْشَى منهم.
ولكنهم قالوا له: لا تخَفْ ولا تحْزَنْ، الخوف عما يُتَوَقَّع حدوثه في المستقبل، والْحَزَن عما وقع في الماضي.
قالوا: وقد يُطْلَق الْحَزَن على المستقبل؛ ومثَّلوا لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠]؛ لأن لَا تَحْزَنْهنا بمعنى: لا تخف، على أنه يحتمل أن تكون على بابها، وأنه لا تحزن مما حصل من خروجنا ودخولنا إلى الغار واختبائنا فيه، أو أنَّه خَشِي أن يشملَه العذاب فخاف، وسِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا، بمعنى: هل ما حصَل لِلُوط مِن كونِه سيءَ بهم وضاق بهم ذَرْعًا، هل السبب الخوف عليهم مِن قومه، أو السَّبب أنَّه هو خَاف أن يَعمَّه الهلاك؟
طالب: الأول.
طالب آخر: الأول نقول: استئنافية أو تعليلية.
الشيخ: إي، والله على كل حال يصلُح أن تكون استئنافية وتعليلية، وما المانع مِن أنَّه خاف هذا وهذا، هو فيه مانع؟ أن يكون خاف عليهم، وخاف أيضًا على نفسِه أن يعُمَّه العذاب؛ لأنَّ العذاب إذا نزَل يعُمّ، إلَّا مَن أنجَاه الله، فقد تلَوْنا أمس قولَه تعالى: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: ٩٣، ٩٤] لأنَّ كل إنسان معرَّض أن يشملَه العذاب.
طالب: لكن (...) يكون ما عرف أنهم رسل، ما حدث من قومه.
الشيخ: في الأول؟ إي، قد لا يكون عَلِم أنهم رسل.
الطالب: رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ.
الشيخ: لا، قبلها إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ، أخْبَرُوه.
الطالب: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود: ٧٧ - ٨١].
الشيخ: طيب، ويش وجه الصلاح؟
الطالب: الصلاح في النقاش والخوف حول..
الشيخ: أنه خائف عليهم.
الطالب: خوفه حتى علِم أنهم رُسُل ربِّه.
طالب: قوله: لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ [العنكبوت: ٣٣] (...).
الشيخ: نتأَمَّلها إن شاء الله بعد.
قوله: إِنَّا مُنَجُّوكَ [العنكبوت: ٣٣] بالتشديد والتخفيف؛ قراءتان، يعني: {مُنْجُوك} ومُنَجُّوكَ؛ {مُنْجُوك} منين؟ الفعل فيها (أنجى)، ومُنَجُّوكَ: (نَجَّى).
إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ، أَهْلَكَهنا بالنصب عطْفًا على أيش؟
طالب: على الضمير.
الشيخ: على الضمير في مُنَجُّوكَ، وهنا إشكال؛ لأن الضمير في مُنَجُّوكَمحله الجر بالإضافة، وهنا جاءت (أهل) منصوبة، فما وجهُ النصب فيها إذا قلنا: إنَّها معطوفة على الكاف في مُنَجُّوكَ؟
طالب: لأن اسم الفاعل تارة يعمل عمل الفعل وتارة يُضَاف.
الشيخ: صحيح؟ توافقون على هذا؟ يقول: لأن اسم الفاعل تارة يعمل عمل الفعل وتارة يضاف.
طالب: (...) الإضافة.
الشيخ: (...) التعليل.
طالب: نقول: إن (أهلك) معطوفة على محل المفعول.
الشيخ: محل المضاف، طيب نريد شاهدًا لِهذا من كلام ابن مالك؟
الطالب: اجرر أو انصب تابع الذي.. كذا؟
الشيخ:
وَاجْرُرْ أَوِ انْصِبْ تَابِعَ الَّذِي انْخَفَضْ كَمُبْتَغِــــــي جَـــــاهٍ وَمَــــــــالًا مَــــــنْ نَهَــــــضْ

نعم هذا شاهد مِن كلام ابن مالك، ويجوز: كمبتغي جاهٍ ومالٍ مَن نهض. طيب هذه مثل (مالًا)، ولا مثل (مالٍ)؟
طالب: مالًا.
الشيخ: مثل (مالًا)، ويجوز أن تكون الواو للمعية، وقد قال ابن مالك:
يُنْصَـــــــــبُ تَالِي الْــــوَاوِ مَفْعُــــــــولًا مَعَــــــهْ فِي نَحْــــــــوِ سَـــــــيْرِي وَالطَّرِيــــــــقَ مُسْرِعَـــــــــه

إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَنقول فيها ما سبق.
(ونَصْبُ أَهْلَكَعطف على محل الكاف).
(إِنَّا مُنْزِلُونَبالتخفيف والتشديد -مُنْزِلُونَ، و{منَزِّلُون}- عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا: عذابًا، مِنَ السَّمَاءِ).
قوله: رِجْزًاقال المؤلف: (عذابًا)، والرجز غير الرِّجْس؛ الرجزُ: العذاب، الرجس: النَّجِس.
وقوله: مِنَ السَّمَاءِهل المراد بالسماء السقْفُ المحفوظ، أو العُلُو؟
طالب: الأول.
الشيخ: كيف؟ ما هو الدليل؟
الطالب: لأنه هو الأصل .
الشيخ: أكثر الاستعمالات أن السماء للسقف المحفوظ؟
طالب: العلو.
الشيخ: العلو كثير، والسماء أيضًا كثير.
الطالب: إِنَّا مُنْزِلُونَعلو.
الشيخ: على كل حال هو سواءٌ قلنا: إنَّه السقف المحفوظ، وأن هذا العذاب نزل مِن السماء الدنيا، أو قلنا: إن المراد به العلو، فهو على كل حال قد أتاهم مِن فوق، وكونه يأتي من فوق أشدّ، وأبلغ؛ لأَنّ ما يأتي من الفوق يكون عاليًا ومُحيطًا -والعياذ بالله- بخلاف الذي يأتي من أسفل فإنَّه لا يكون كذلك.
قال: (رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَابِالفعل الذي كَانُوا يَفْسُقُونَبه، أي: بسَبب فِسْقِهم).
غريب كلام المؤلف، فيه شيء مِن التناقض؛ (البَاء) في قوله: بِمَاللسببية لا شك، و(ما) أعرَبها على أنَّها اسم موصول، ثم قدَّرَها بالمصدر، مما يدل على أنَّه جعلها مصدريَّة، وهذا من الغرائب.
نشُوف الآن إذا أعرَبْناها على التقدير الأول، بِمَاقال: (بالفعل الذي)، فتكون (ما) اسمًا موصولًا صفةً لِموصوفٍ محذوف تقديره: بالفعل، الاسم الموصول كما تعرفون يحتاج إلى جملة تكون صلته، ويحتاج إلى عائد يربِط الجملة به، جملة الصلة قوله: كَانُوا يَفْسُقُونَ، والعائد قدَّرَه بقوله: (به)؛ بما كانوا يفسقون به، وهذا خلاف المشهور عند النحويين؛ مِن أنَّه إذا كان العائد مجرورًا فلا بد من أن يكون موافقًا لاسم الموصول في نوع العامل، وفي نوع حرف الجر.
ما هو الشاهد مِن كلام ابن مالك في اشترَاط هذا الشيء؟
طالب: الشاهد؟
الشيخ: تعرف أصل المسألة؟
الطالب: إي نعم أن العائد لا بد أن موافقًا..
الشيخ: يلَّا نعم.
طالب:
كَذَا الَّذِي جُرَّ بِـ(مَا) الْمَوْصُولَ جَرْ كَمُــــــــــــرَّ بالَّـــــــذِي مَــــــرَرتُ فَــــهْـــــوَ بَـــــــــــرْ

الشيخ: نعم
كَذَا الَّذِي جُرَّ بِـ(مَا) الْمَوْصُولَ جَرْ كَمُـــــــــــــــرَّ بالَّــــــــــــــــــذِي مَـــــــــــــــــــرَرتُ .....

وهنا اختلف العامل، فالصحيح أنَّ (ما) هنا مصدرية، أي: بكونهم فاسقين، أو: بكونهم يفسقون، فهي مصدرية، وليست موصولة.
وقوله: يَفْسُقُونَ، الفسق في الأصل الخروج عن الطاعة، ومنه قولهم: فسقت الثمرة، إذا خرجَت من قشرها.
وينقسم الفسق إلى قسمين: فسق أكبر مُخرِجٌ عن الملة، وفسق أصغر لا يُخرِجُ من الملة.
والمصطلح عليه عند أهل العلم الثاني، إذا أطلَقَوا الفسق فإنما يريدون به ما لا يُخرِج من الملة، لكنه في القرآن ينقسم إلى هذين القسمين، أي أن الفسق يكون فسقًا أكبر مُخرجًا عن الملة، ويكون فسقًا دون ذلك أصغر لا يُخرِج من الملة، لكنَّه بقسميه مُخْرِج من العدالة، فالفاسق ليس بعَدْل.
ما هو الشاهد مِن القرآن للفسق الْمُخرِج من الملة؟
طالب: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة: ٢٠].
الشيخ: فسقهم هنا مُخرِج مِن الملة بلا شك.
طالب: كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ٣٣].
الشيخ: نعم، وكذلك في قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ، في مقابِل فأمَّا الذين آمنوا.
أما الفسق الذي لا يُخرِج مِن الملة ففي مثل قوله تعالى..؟
طالب: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١]
الشيخ: إيه، وغيرها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦].
أما سبب الفسق؛ وهو الخروج عن الطاعة، فإنَّه قد يكون سببه تركَ واجب، وقد يكون سببُه فعلَ مُحَرَّم؛ قد يكون سببه ترك واجب، كما لو ترَك الإنسان صلاة الجماعة فإنه يكون فاسقًا؛ لأن الجماعة واجبة، وقد يكون سببه فعل مُحَرَّم، كما لو حلَق الإنسان لحيته؛ فإنَّ حلق اللحية محرَّم، إلا أن العلماء يقولون في المحرم: إن كان كبيرة فسَق بمجرَّد فعلها إذا لم يتب منها، وإن كان صغيرة لم يفسق إلا بالإصرار عليها.
حلْقُ اللحية يفسُق به إذا فعلَه مرة واحدة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لكن إذا أصَرّ، وصار كلما نبتت حلقها صار فاسقًا.
طالب: اللي يأخذ نصفها؟
الشيخ: يحلق الذقن ويبقي العوارض؟
طالب: أو يخفف منها.
الشيخ: لا فيه ناس، أنا رأيت إنسانًا حالق الذقن ومبقٍ العوارِض، موجود.
المهِم على كل حال هذا حرام، سواء حلق العوارض وأبقى الذقن، أو حلق الذقن وأبقى العوارض؛ لأن كثيرًا من الناس يظنُّون أن اللحية هي الذقن، والذَّقن ما هو اللحية، الذَّقْن مجمَع اللِّحيَين؛ لأن اللحية هي منْبَت الأسنان.
وقد ذكر في القاموس أيضًا أنَّ جميع شعر الوجه من اللحية، يعني: قص شعر الخدين من اللحية، على كل حال ليس كالحلق، لكنَّه معصية؛ لأن الرسول قال: «أَعْفُوا اللِّحَى» ، والأصل في الأمر الوجوب، فإذا أصَرَّ عليه صار فاسقًا.
طالب: التفسير الصحيح لقوله: أنزلنا عليهم رجزًا من السماء، بمعنى الحكم به؛ لأنه نازل من السماء.
الشيخ: إي، هذا ليس بصحيح، الصحيح أنه نفس العذاب نزل من السماء، كما في الآية الأخرى: أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا [القمر: ٣٤] (...).
أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا.
من فوائدها: إطلاق الرُّسل على الملائكة؛ لقولِه: رُسُلُنَا، وقد ذكرْنا فيما سبق الدليل على أنَّ الملَك يُسمَّى رسولًا.
ومن فوائدها: تشريف هؤلاء الرسل بإضافتهم إلى مَن؟ إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإنَّ الشيء يَشْرُف بشرف ما يُضَاف إليه.
ومنها: أنَّ الأنبياء كغيرهم من البشر؛ يلحَقُهم المساءة والأحزان، والسرور، والفرح؛ لقوله: سِيءَ بِهِمْ، فالعوارض البشرية لا تنافي كمال الرسالات، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لَمَّا نسي، قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» ، وهو أيضًا يبرد، ويحتَرّ، ويجوع، ويعطش.
ومنها: شدة احتراز لوط عليه الصلاة والسلام من قومه؛ لأنه إنَّما سِيءَ بهم، وضاق بهم ذرعًا؛ خوفًا عليهم مِن قومه؛ لأنهم جاؤوا بصورة مُغرية، حيث ذكر أنَّهم جاؤوا على صورة شباب ذوي جمال وحُسْن، فتنة من الله عز وجل.
ومن فوائد الآية أيضًا: الاستدلال على الأحوال بالملامح الظاهرة منين نأخذه؟
طالب: سِيءَ بِهِمْ.
الشيخ: لا، أنك تستدل على حال الرجل بملامحِه الظاهرة، قولهم: لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ؛ لأنهم رأوا منه العلامات، ولهذا قالوا: لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ.
فيمكن أن نأخذ منها فائدة تنبني عليها وهي: العمل بالقرائن، والعمل بالقرائن ثابت، ولَّا لا؟
في قصة يوسف: شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٢٦، ٢٧] هذه بيِّنَة ولَّا قرينة؟ قرينة، وكذلك أيضًا في قصة سليمان في المرأتين في غلامهما؛ لأنه تنازعت المرأتان؛ الصغرى والكبرى، وقال عليه الصلاة والسلام: سآتي بالسكين، أو دعا بالسكين؛ ليشُقَّه نِصفين، فأمَّا الكبيرة وافَقَت؛ لأنَّ ولدها قد أكلَه الذئب، وتقول: خَلِّ هذا يروح معه، وأمَّا الصغيرة فقالت لها: يا نبيَّ الله هو لها؛ لأنَّه أدركها الحنان، فعلِمَ بهذه القرينة أنَّه للصغرى، فحَكَم به لها، وهذا من القرائن.
كذلك أيضًا: في هذه الشريعة النبي عليه الصلاة والسلام في قِصَّة ذهب حُيَيّ بن أخطب لَمَّا سأل عن ماله أين هو؟ فقالوا: يا محمد، إنه أكلَتْه الحروب والسنون، قال: «مَا يُمْكِنُ، الْمَالُ كَثِيرٌ، وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ»، ثم دَفَع الرجُل إلى الزبير بن العوام وقال: «مُسَّهُ بِعَذَابٍ»، فلما أحَسَّ بالعذاب قال: انتظر، أنا أرَى حيي بن أخطب يحوم أو يدور حول هذه الخَرِبة -مكان خراب- فلا أدري لعلَّه دفنه في هذا، فوجدوه .
هذا من العمل بالقرائن، ولها أمثلة كثيرة، المهم أن كوننا نستدل على حال المرء بملامحه هو مِن العمل بالقرينة.
ومنها أيضًا -من فوائد الآية-: أنَّه ينبغي طمأنة الخائف لِيزولَ عنه الخوف، في قوله: لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ، ومنه ما يستعمل الآن في الطب؛ فإن الطبيب يقول للمريض: هذا أمر سهل وهيِّن، ويُطَمْئِنُه لأجل أن ينشرح صدره.
ومنها: أنَّه ينبغي إزالة المؤذِي قبل حصول السارّ.
طالب: لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ.
الشيخ: إِنَّا مُنَجُّوكَ، فبدؤوا بنفي الخوف والحزن، ثم أعقَبُوه بالبشارة، ولهذا من الكلمات المشهورة عند أهل العلم يقولون: التَّخْلِيَة قبل التَّحْلِيَة، يعني: جَرِّد الشيء مما يشوبُه من النقص، ثم بعد ذلك كمِّلْه بالتحلية.
ومنه كلمة الإخلاص، أيُّهما الأسبق النَّفي ولَّا الإثبات؟ النفي، لا إله إلا الله.
ومن فوائد الآية: أنَّ الاتصال بالصالح لا يلْزَمُ منه الصلاح، مِن أين يُؤخذ؟
طلبة: إِلَّا امْرَأَتَكَ.
الشيخ: إِلَّا امْرَأَتَكَ؛ فإنَّ امرأته مُتَّصِلَةٌ به، ومع ذلك لم تصلُح، لكن هل الاتصال بالصالح سبب للصلاح؟ نعم سبب للصلاح؛ ولهذا حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على الجليس.
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا [القمر: ٣٤]
والمهم أنَّه إن صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ جبريل حَمَلَ هذه القرى وقلَبَها فلا كلام، وإن لم يصِحَّ فإنَّنا لا نقول به؛ لأنَّ هذا خلاف ظاهر الآيات.
طالب: (...).
الشيخ: مؤتفِكة، ما قال: مُؤْتَفَكة، لو كانت باسم المفعول المُؤتَفَكَة المقلوبة.
طالب: (...).
الشيخ: لا، المؤتفِكَة هي التي صنَعَت الإفْك والكذب، وقوله: أَهْوَى [النجم: ٥٣] ما يدُل على هذا أيضًا؛ لأنَّه إذا هوت من فوق المنازل فقد أهواها.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، ما هي مشكلة، المهم أن هذه مسألة إذا صحَّت ما بقي الكلام، وإن لم تصِحَّ فليست هي ظاهر القرآن.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، فإنَّ الباء للسببية.
ومن فوائدها: أن الفسق سبب للعقوبات والدمار، ولهذا جعل الله المعاصي من الفساد في الأرض؛ لقوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.
في إثبات الأسباب رد على طائفة من المبتدعة، مَن؟
طالب: الأشاعرة.
الشيخ: وغيرهم؟
طالب: الجبرية.
الشيخ: والجبرية هم الجهمية؛ لأنَّ الجهمية فيهم ثلاث جيمات -الله يعيذنا من الجيمات؛ من جيماتهم ما هو من كل جيم- ومن الشيطان الرجيم، ويش الجيمات اللي لهم؟
طالب:
جَبْرٌ وَإِرْجَاءٌ وَجِيمُ تَجَهُّمٍ ............................

الشيخ: ابن القيم يقول:
جَبْرٌ وَإِرْجَاءٌ وَجِيمُ تَجَهُّمٍ ............................

ثلاث جيمات، إي نعم، هم يقولون: إنه ما فيه شيء، ما فيه أسباب مؤثِّرة، حتى إنَّك إذا رميت بالحجر على الزجاجة وانكسَرَتْ قالوا: الحجر ما كسرها، انكسَرَت عنده لا به.
كلام ما هو معقول، نعم عندما تضع ورقة في النار وتحترق يقولون: النار ما أحرقتها، ما فيها أسباب تؤثِّر، ولكن هذا حصل عند النار لا بها، لو هو عندك الثاني لو حطِّيتها عند الضوء قبل تقع في النار احترقت، ولو كان عندها كان نقول: يصلح على هذا أننا نجيب الحجر ونحطه عند الزجاجة ثم تنكسر.
على كل حال هذا قول تصوره كافٍ في ردِّه، لكن هم يريدون أن يتَوَصَّلُوا إلى شيء وراء ذلك، وهو أنَّ الإنسان مُجبَر على العمل، فإذا عذَّبَه الله تعالى وهو عاصٍ لله، فإنَّ تعذيبه إياه ليس حُجَّة؛ لأنَّ الله تعالى قد يُعَذِّب بدون سبب، والأسباب عندهم غير فاعلة، ونحن نوافقهم على أنَّها غير فاعلة بنفسها، أليس كذلك؟ بدليل أنَّ النار المحرِقَة صارت على إبراهيم بردًا وسلامًا، لكننا نقول: إنها فاعلة بتقدير الله عز وجل، الله الذي جعلها تحرق فأحرقت.

***

تفسير الآيات (35-40)

قال تعالى -نبدأ الدرس الجديد-: وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [العنكبوت: ٣٥].
الجملة في قوله: وَلَقَد تَرَكْنَامؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: وهي القسم، و(اللام)، و(قد).
تَرَكْنَا مِنْهَاأي: أبقَيْنا منها، الترك هنا بمعنى الإبقاء، وهو ظاهر في اللغة العربية، تقول: أخذت هذا، وتركت هذا، يعني: أبقَيْت، تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةًيعني: أبقينا من هذه القضية آيَةً بَيِّنَةً.
آيَةًبمعنى: علامة، وبَيِّنَةًبمعنى: ظاهرة واضحة.
قال المؤلف: (ظاهرة هي آثَارُ خرابها).
(...) نعم، في الصافات: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] فكان العرب يمرون على هذه القرى ذاهبين وجائين إلى الشام، فَيرَوْن من آثار العذاب ما هو ظاهر، لكنهم لا يستبصرون؛ ولهذا قال: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
قال المؤلف: (يتدبرون).
هذه لِقَوْمٍمتعَلِّقَة بـتَرَكْنَا، ولا بـبَيِّنَةً؟
طالب: بـ بَيِّنَةً.
الشيخ: يجوز الوجهان، يجوز أن يكون المعنى: بينة للعاقلين، ويجوز المعنى: تركناها للعاقلين.
وقوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَالعقل سبق لنا أنه ينقسم إلى قسمين: عقل يُراد به الإدراك، وعقل يراد به: الرُّشد؛ العقل الذي يراد به الإدراك هو مناط التكليف، الذي يقول الفقهاء: من شروط هذه العبادة مثلًا: التمييز، والعقل.
وعقل الرُّشد: هو مناط المدح والذم، يعني: الذي يُمدَح عليه الإنسان ويُذَمّ، والذي يُوجَد في القرآن غالبًا هذا ولَّا الأول؟ هذا، لكن في كلام أهل العلم يُراد بالعقل المعنى الأول الذي هو الإدراك.
أقول: إن العقل الثاني: الرُّشد، وهو مناط المدح والذم، ومعنى ذلك: أن يكون الإنسان حسن التصرف، بحيث يعقِلُه ما معَه من الإدراك عمَّا يضُرُّه إلى ما ينفعه.
هذا هو الذي يراد هنا في هذه الآية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَالمراد به عقل الرشد الذي يحْجِزُك عما يضُرُّك إلى ما ينفعك.
وقول المؤلف: (يتدبرون)، هذا في الحقيقة ليس تفسيرًا مطابقًا للَّفظ؛ لأنَّ التدبُّر هو سابق على العقل، فالإنسان يتدَبَّر أولًا، ويعرف النافع والضار، ثم يعقل، فيتبع ما ينفعه، ويدع ما يضُرُّه.
تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَيعني: وأمَّا من لا يعقلون فإنَّهم لا ينتفعون بالآيات ولا يتعظون بها.
طالب: هل هذا ما نقول بأنهم يعقلون؟
الشيخ: يَعْقِلُونَالمراد بعَقْل الرُّشد ما هو معناها اللي..؛ لَأن العاقل إذا مَرّ بها وهو غير مجنون رآها، لكن ما ينتفع بها، ما تكون عنده آية بينة.
طالب: ما قال ابن مسعود: ولا (...).
الشيخ: لا لا، يَعْقِلُونَيعني: يُحسنون التصرف ويرشُدون بذلك؛ لأَنَّ الآية إذا لم تنفع فليست بآية.
طالب: بالنسبة (...).
الشيخ: هذا مبْنِيٌّ على ما سبَق في تفسير..؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
يقول: هل المراد من شاهدها، أو من بلغه علمها؟ إحنا سبق أن ذكرنا في تفسير كلمة في القرآن ما يدل على هذا؟
طالب: في البقرة.
الشيخ: في البقرة ويش هي؟
طالب: وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً [الذاريات: ٣٧].
الشيخ: لا، السير في الأرض الذي أمَرَ الله به هل هو سير بالقدم، أو سير بالقلب، أو بهما؟
طالب: بهما.
الشيخ: يعني: بهما على انفراد، وعلى اجتماع، واضح؟
فهنا نقول: تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَيشمل مَن رآها وشاهدَها، ومَن سمع بها وبلغته.

***

ثم قال تعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [العنكبوت: ٣6].
يقول المؤلف: (وأَرْسَلْنَا وَإِلَى مَدْيَنَ).
فعلى هذا يكون أَخَاهُمْمفعول لِفعل محذوف تقديرُه: أرسلنا، وقال: أَخَاهُمْ، ولم يقل: أخوهم، ليش؟
طالب: اسم من الأسماء الخمسة.
الشيخ: لأنه اسم من الأسماء الخمسة؛ إن كنَّا من أهل الآجرومية، أو السِّتَّة لِأهل الألفية.
أَخَاهُمْ شُعَيْبًاالأُخُوة هنا ليست في الدين قطعًا؛ لأنَّ الكفار ليسوا إخوة للمؤمنين، إذن فهي أخوة قيل: عند بعض الناس أُخُوَّة إنسانية، وقالوا: إن الكافر والمؤمن أخَوَان في الإنسانية؛ لأنَّ هذا ليس حِمارًا وهذا بشر، كلُّهم بشَر، فالمراد بالأُخوة: الإنسانية. وقال: إنه يجوز أن تقول: إنَّ هذا أخِي –للكافر-؛ لأنَّك مشترك معه في الإنسانية، ما رأيكم في هذا؟
طلبة: باطل، هم شر البرية.
الشيخ: إي نعم، المهم على كُل حَال، يعني: بدون عاطفة، نحن نُريد أن نبحَها بعقل بدون عاطفة، العاطفة لا شك أنَّنا نُنكر هذا من أول وهْلَة، لكن لو قال: أخي في الإنسانية؛ لأنَّنا سمعنا واحدًا يتكلم في مسجد من المساجد يعظ الناس، ويقول: هؤلاء إخوتنا في الإنسانية، ما ينبغي أن نُغَلِّظ عليهم ونفعل ونفعل.
طالب: يُرَدّ عليهم، أولًا من سورة البينة: المؤمنون خير البرية، والكافرون شَرُّ البرية، وهم إخوة للقردة والخنازير، فكيف يكونون إخوة لنا؟
قوله تعالى في سورة الممتحنة عن إبراهيم: كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ٤] كيف تكون أُخُوَّة وهو قد كَفَر بهم، وبَدَا بيننا وبينهم العداوة.
ويقول تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [الأنفال: ٢٢]
الشيخ: الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنفال: ٥٥].
طالب: قد يقولون: ليس المراد الأخوة المعروفة التي تتعلق بالله عز وجل، وإنَّما المراد بها: الأخوة التي تتعلق بالناحية البشرية بمعنى المساواة.
الشيخ: يعني: مطلق الموافقة والمشابهة، على كل حال نرد عليهم فنقول: هذا شعيب عليه الصلاة والسلام قال الله هنا: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا، وقال في سورة الشعراء: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ [الشعراء: ١٧٦، ١٧٧]، ما قال: أخوهم، قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ، قال أهل العلم: لأنَّ أصحاب مدين كان شعيب منهم، وهو أخوهم في النسب، وأصحاب الأيكة ليس منهم، فهي قرية حول مدين أرسله الله إليهم؛ ولهذا لم يقل: أخوهم، بل قال: إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ، ولو كانت الأخوة هي الإنسانية في مثل: إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [الأعراف: ٦٥]، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [الأعراف: ٧٣]، وما أشبه ذلك، لو كان المراد بالأخوة الإنسانية لكان يُقال أيضًا في أصحاب الأيكة: إنَّه أخوهم.
ثم إنَّ الأخوة في اللغة العربية ما هي بمطلق الموافقة في البشرية، إذا تتبعناها وجدنا أنها: إما في النسب، يكون الأصل الجامع بينهما نسبًا، وهذا واضح.
وإما أن يكون الأصل الجامع بينهما هدفًا واحدًا يسعى إليه الجميع، ومعلوم أن الكافر والمسلم مختلفان في الهدف، ولا يمكن أن يكون أحدهما موافقًا للآخر في الهدف، لا نوافق على هذا القول مهما كان الأمر؛ لأنه في الحقيقة يؤدي إلى أن أي إنسان يقول: إن هذه الكافر أخوه، يحصل له رِقَّة، ولين، وموافقة، ويسهل ما في النفوس من بغض الكفار.
كنا كما يعرف الكثير منكم إذا قيل: نصراني، ويهودي، يقف الشعر، ويتخوف الإنسان، ويتهَيَّب، لكن الآن صارت المسألة تمر على القلب مرور الماء البارد، ولا أحد يتأثر إلَّا من شاء الله، وهذا له خطره العظيم -نسأل الله السلامة-.
طالب: إذا قال: هذا قريني؟
الشيخ: والله أنا أحب أنه يتحاشى من كل لفظ يدل على الموافقة.
طالب: قربه منه
الشيخ: لا ما قلنا: قربه.
طالب: يحدث مثلًا بالأخوة..
الشيخ: هو على كل حال القرين هذا الشيطان، قرين للإنسان وهو عدوه، لكن في الوقت الحاضر تَدُلّ على المصاحبة، والموافقة، والمرافقة، فالأَوْلى البعد عن كل لفظ يدل على الاتفاق مع هؤلاء.
طالب: أخوة شعيب لمدين أخوة قريب لهم قومه، إذا قالوا: نحن نجتمع معكم في آدم، فالنسب قد جمع.
الشيخ: نعم، إذا ردونا إلى آدم قلنا: أنتم إخوتنا، وعلى كل حال نحن ذكرناها؛ لأن حقيقةً هذه وقعت، وأحد الإخوان تكلَّم، الإخوان اللي نعرف منهم الغَيْرَة يعني هو رجل طيب لكنه تكلم في هذه المسألة، وقال: إنهم إخوة، وزعم أنها الأخوة البشرية.
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا، طيب (مدين) هو اسم للقبيلة ولَّا اسم للبلد؟
طالب: البلد؛ لقوله تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ [القصص: ٢٢].
الشيخ: هل شعيب أخ للبلد؟
طالب: يقصد (...).
الشيخ: هنا يُقال: قرى مدين، أو يُقال: مدين؟
طالب: هم أصحاب مدين الذين (...) المكان.
الشيخ: ويش يعني: أصحاب مدين؟
الطالب: أصحابه من قرية ثانية.
الشيخ: ويش الآية؟
الطالب: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى [الحج: ٤٢ - ٤٤]
الشيخ: إي نعم، هذه قرينة ظاهرة أن المراد بها المكان.
يبقَى أَخَاهُمْنقول: هذا من باب إطلاق القرية وإرادة الأهل، وكذلك الآية التي ذكرها الأخ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ [القصص: ٢٢]، مع أنها ما هي صريحة الآية تِلْقَاءَ مَدْيَنَالإنسان يتوجه أيضًا تلقاء القوم.
طالب: شيخ، ما أحسب أن البلد سُمِّيَت باسمها قرينة..
الشيخ: إي نعم، فيه احتمال، وإذا قلنا بهذا أيضًا هو يخف الإشكال.
أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ، يَا قَوْمِ، (يا) هذه نداء، وقَوْمِمُنادى مبني ولَّا مُعْرَب؟
طالب: مُعْرَب.
الشيخ: منادى منصوب على النداء، وعلامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره.
الطالب: فتحة مقدَّرة.
الشيخ: فتحة مقدَّرة على الياء المحذوفة..
طالب: لالتقاء ساكنين.
الشيخ: لالتقاء ساكنين، إذن فتحة مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لالتقاء الساكنَين، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسَبة، أعد الإعراب، قَوْمِمُنادى..
طالب: منادى.
الشيخ: منصوب.
الطالب: منصوب.
الشيخ: فتحة.
الطالب: فتحة مقدَّرة.
الشيخ: على ما قبل الياء.
الطالب: على ما قبل الياء.
الشيخ: المحذوفة.
الطالب: المحذوفة.
الشيخ: للتخفيف.
الطالب: للتخفيف لالتقاء الساكنين.
الشيخ: منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
قال: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ، اعْبُدُوا اللَّهَأي: تذلَّلُوا له بالطاعة؛ لأن العبادة مأخوذة من التَّذَلُّل، ومنه قولهم: طريق مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل للسالكين، فالعبادة إذن التذلل لله تعالى بطاعته، والطاعة: هي امتثال الأمر واجتناب النهي -عند الإِطلاق- أما إذا قُرنت فقيل: طاعة، ومعصية، صارت الطاعة في الأوامر، والمعاصي في النواهي.
قال: اعْبُدُوا اللَّهَأي: أَخْلِصُوا له العبادة وحدَه؛ لقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، فالمراد هنا بالعبادة أي: إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى.
وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَقال: (اخشوه، وهو يوم القيامة).
الرجاء يُطلَق على الطمع في المحبوب، أو لا؟ صحيح، هذا هو الأصل، الطمع في المحبوب؛ ولهذا يُقال: التمني والرجاء.
ويطلق الرجاء بمعنى: الخوف، فهو إذن من باب الأضداد؛ لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تسمى الأضداد، وألَّف علماء اللغة في هذا كتبًا تجدها كلمة واحدة تصلح لهذا ولهذا للشيء ولضده.
فهل هنا الرَّجَاء بمعنى الخوف، ولَّا الرجاء بمعنى الطمع في المحبوب؟
المؤلف حملها على أن المراد بها الخوف؛ وذلك لأنَّ المقام مقام إنذار، ويحتمل أن يكون المراد بها أيش؟ الرجاء الذي هو الطمع في المحبوب؛ لأنَّ اليوم الآخر فيه محبوب، وفيه مكروه، ولَّا لا؟
قال الله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ [هود: ١٠٥، ١٠٦]، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ [هود: ١٠٨].
لو قال لنا قائل: ألَا يجوز أن نحمله على المعنيين جميعًا؛ ارجُوه خوفًا من العقاب، وطمعًا في الثواب، ما يصلح؟
يصلح أن يكون شاملًا للأمرين، وقد تقدم لنا أن القول الراجح عندي -وهو قول لبعض العلماء- هو جواز استعمال المشترَك في معنيَيْه إذا لم يحصل تنافٍ، بحيث نقول: اللفظ المحتمل لهما على وجه لا يتناقض، فما المانع من أن يُستعمل في معنييه، والله أعلم.
طالب: قوله تعالى (...).
الشيخ: تفسير أو بيان لما أُرْسِل به.
وفي قوله: يا قَومِمن التلطف ما هو ظاهر؛ لأن قوم الرجل لا بد أن ينصروه، ويقبلوا ما جاء (...).