وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم: ١٨].
يستفاد من هذه
الآية: رحمةُ الله تعالى بعباده، حيث علَّمهم ما فيه مصلحتهم.
ومن فوائدها: أن الصلاة تسبيح وتنـزيه لله؛ لأنَّ الله أطلق
عليها اسم التسبيح.
ومن فوائدها: وجوب التسبيح فيها
-في الصلاة- لأنه سبق لنا قاعدة:
أنه إذا أُطلِق على العبادة جزء منها دلَّ ذلك
على أن هذا الجزء من واجباتها، وأنه لا بد منه فيها.
ومن
فوائد الآية: بيان الأوقات الخمسة مفصلة؛ لقوله: حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ.
ومن
فوائدها: أن المساء يُطلَق على أول الليل، فإن قوله: حِينَ تُمْسُونَيدخل فيه: المغرب، والعشاء.
وقد يؤخذ من
هذا جواز الرمي ليلًا -رمي الجمرات- لأن رجلًا قال: يا رسول الله رميت بعد ما
أمسيت، فقال: «لَا حَرَجَ» .
فإذا كان المساء يُطلَق على أول الليل، وأطلق النبي عليه الصلاة والسلام نَفْيَ
الحرج عُلِم أنه جائز.
ومن فوائد الآية الكريمة:
حكمةُ الله عز وجل في توزيع الصلوات على هذه الأوقات، وجه الحكمة أمران:
الأمر
الأول: أنها لو جُمِعت في وقت واحد لَخَلَتْ بقية الأوقات عن الاتصال بالله عز وجل،
أليس كذلك؟ يعني لو جعل الإنسان يصلي الفجر كل الصلوات الخمس جميعًا، معناه بقي
النهار والليل ما يكون له صلوات مفروضة.
والوجه الثاني: أنه لو جُعِلت هذه في
وقت واحد لكان في ذلك نوع من المشقة؟ يعني يوجَبُ على الإنسان أن يصلي سبع عشرة
ركعة في آنٍ واحد هذا فيه مشقة، مشقة على الأقوياء والأصحاء، فكيف على الضعفاء
والمرضى؟!
ومن فوائد الآيات: كمالُ الله عز وجل؛
لقوله: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
ومنها: أنه وحده المستحِق
لأنْ يُحمد على وجه الإطلاق، نأخذه منين؟ من تقديم الخبر: وَلَهُ الْحَمْدُ.
ومن
فوائدها: أن كل ما يحدث في السماوات والأرض من خير أو شر فإن الله تعالى
يستحِق عليه الحمد، يؤخذ من أين؟ من الإطلاق: وَلَهُ الْحَمْدُولا قال: على الخير، أو على ما ينفع. بل أطلق.
فيستفاد منه: أن الله تعالى محمود على كل حال.
ثم قال
تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم: ١٩].
في هذه الآية:
بيان قدرة الله عز وجل، حيث يُخرِج الحي من الميت وبالعكس، وهذا من تمام القدرة: أن
يُخْرَجَ الشيءُ من ضده.
ومن فوائدها أيضًا: قدرته
على إحياء الأرض من بعد موتها؛ لقوله: وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.
ومن فوائدها: ثبوت قيام
الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، والأفعال الاختيارية: هي التي يفعلها بمشيئته،
إنْ شاء فعل وإن شاء لم يفعل، من أين تؤخذ؟ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وقوله: وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، بَعْدَ، فإنَّ البعدية تقتضي حدوث
هذا الشيء.
وقيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل هو الذي عليه أهل السنة
والجماعة قاطبة، ما أحد منهم أنكر ذلك، فيُثبِتون الاستواء على العرش فعلًا لله،
والنـزول إلى السماء الدنيا فعلًا لله، والمجيء للفصل بين العباد فعلًا لله، والعجب
فعلًا لله، والضحك فعلًا لله، والخلق فعلًا لله.
ويقولون: إن الله تعالى يفعل ما
يشاء كيف شاء متى شاء، ولكن أهل البدع من المعتزلة والأشعرية وغيرهم ينكرون قيام
الأفعال الاختيارية به، ويقولون: لو قامت به الحوادث لكان حادثًا، والله سبحانه
وتعالى لم يزلْ ولا يزال. فنقول: إن هذا قول باطل:
أولًا: لأنه قياس في مقابَلة
النص، فإن النصوص متكاثرة في إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل التي تتعلق
بمشيئته.
وثانيًا: قولكم: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث. ليس بصحيح، فإن الحوادث
لا تقوم إلا بكامل قادر على ما يشاء، أما: لا تقوم إلا بحادث، فما هو العقل الذي
يوجب هذا؟
ومن فوائد الآية: قياس الغائب على
الشاهد؛ لقوله: وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، فإن قياس
الغائب على الشاهد ليحمل على الإقرار به طريقة مُتَّبَعة.
ومن فوائدها: إثبات القياس، من قوله: وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وإثبات القياس له أدلة كثيرة في
القرآن، منها: على سبيل التعميم والحض:
كل مَثَلٍ ضربه الله تعالى في القرآن
فهو دالٌّ على ثبوت القياس، إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:٢٤] كذا وكذا، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [البقرة: ١٧]، وما أشبه ذلك. فإن الأمثال
ضَرْبُهَا تشبيه حال بحال أو فرد بفرد، فتكون دالة على ثبوت القياس.
وكذلك القصص
التي قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]، وفي السنة أيضًا كثير من ذلك، مثل:
«هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟». قال: نعم. قال: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟». قال: حمر .
الحديث. و«أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ
أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟» .
وكذلك
العقل يقتضي ثبوت القياس، فإن العقل السليم الصريح لا يمكن أن يفرق بين متماثلين
أبدًا، ودائمًا حتى الصبي إذا منعته من شيء وأبحت له نظيره قال له: كيف؟ ما هو هذا
مثل هذا؟
فالمهم أن هذا مما تشهد العقول والفِطَر والنصوص بثبوته، نعم القياس
الباطل الذي يتوسع فيه بعض الناس حتى يُعَطِّلوا دلالة الكتاب والسنة هذا لا شك أنه
باطل، أما القياس الصحيح فإنه لا ريب في ثبوته.
والذين أنكروا القياس هم في
الحقيقة مضطربون، أحيانًا يقولون بالقياس من حيث لا يشعرون، ولا يمكنهم إلا أن
يقيسوا؛ لأننا لو أردنا أن نحصر دلالة الكتاب والسنة على الأحكام على سبيل العموم
والقواعد والضوابط وافية، لكن الأفراد والجزئيات لا منتهى لها ولا حصر لها، وإنه لا
بد أن يُضْطَرُّوا إلى إثبات ذلك.
طالب: لا بد أولًا
أن يأتي بالعموم لا القياس.
الشيخ: إي نعم، يدخل في
العموم من حيث الشمول اللفظي إن كان داخلًا في اللفظ، أحيانًا لا يدخل في اللفظ لكن
يشمله العموم المعنوي وهو القياس؛ لأن العموم المعنوي هو القياس.
ثم قال تعالى:
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: ٢٠].
من
فوائد الآية: إثبات الآيات لله عز وجل، أي العلامات الدالة على ما تدل عليه
من صفاته؛ لأن كل فعل يدل على نوع من الآيات، لكن هي على سبيل العموم تدل على
القدرة، جميع الأفعال تدل على القدرة والحكمة، لكن لكل نوع منها آية خاصة: الحكمة،
القدرة، العزة، ما أشبه ذلك.
ومن فوائد الآية: أن
أصل بني آدم من تراب؛ لقوله: أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ.
ومن فوائدها: إبطال النظرية
الملحدة، وهي نظرية النشوء والتطور التي ذهب إليها أو كان قائدها..
طالب: دارون.
الشيخ: دارون.
طالب: داروين.
الشيخ: أو داروين، إي
نعم، هذه نظرية خاطئة وباطلة بلا شك، وجه ذلك من الآية أن الله يقول: أَنْ خَلَقَكُمْ، فيخاطب البشر باعتباره بشرًا، إذنْ فهو بشر
منذ أُنشِئ من التراب إلى اليوم.
أما أولئك فيقولون: أن أصل الإنسان ليس بشرًا،
قرد، أن أصل الإنسان قرد، ثم تطور صار بشرًا. فلا أدري ماذا يقول في أصل الحمير
والبغال والخيل والدجاج وأيش أصله؟! تطورت إلى..
ثم ما ندري ما هو التطور الآخر،
هل نحن نكون ملائكة؟! على كل حال هذه نظرية -الحمد لله- حتى فلاسفة الغرب الآن
أبطلوها، وتبين لهم أنها نظرية باطلة خاطئة، ثم نحن نعلم علم اليقين أنها باطلة وأن
اعتقادها كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن والسنة وإجماع المسلمين.
طالب: صريح (...).
طالب آخر: يقول:
انفصل من الشمس نظرية تركيب ميكانيكي للكون تكوُّن نفسي، فالإنسان انفصل من الشمس
على شكل (...)، ثم تطور إلى أميبا، ثم إلى قرد، ثم إلى (...)، ثم إلى
الإنسان.
الشيخ: كل هذا لا شك أنه كذب، كل هذا كذب ولا
أصل له، الإنسان خُلِق من تراب كما قال الله عز وجل، تراب جعله الله طينًا، ثم
فَخَّارًا حتى كان صلصالًا، له صلصلة إذا ضربْتَ عليه كَالْفَخَّارِ [الرحمن: ١٤] كما قال الله عز وجل، ثم تكوَّن
إنسانًا، والله على كل شيء قدير.
طالب: هذا التكذيب
(...) أم بصريح؟
الشيخ: لا، لصريح، لصريح
القرآن.
الطالب: هذه يعني..
الشيخ: هذه وغيرها.
ومن فوائد
الآية: أن هذا البشر الذي خُلِق من أصل واحد انتشر وملأ الأرض؛ لقوله: إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وهذا من آيات الله، كيف
أصل واحد -رجل واحد- انتشرت هذه الخليقة في جميع أرجاء الأرض؟
ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإنسان متحرك بالطبع، لا بد أن
يتحرك وينتشر ويذهب ويجيء؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ» ؛
لأن الإنسان دائمًا يهتم ويحرث ويطلب رزقه.
ثم قال تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ [الروم: ٢١].
اعلموا
أنني راجعت كثيرًا من التفاسير التي عندي ما وجدت الحكمة في أنه سبحانه وتعالى
يقول: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [الروم: ٢٠]، وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَات [الروم: ٢٢]، وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ [الروم: ٢٣]، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ [الروم: ٢١].
يعني ما رأيت أحدًا بَيَّنَ الحكمة في كونه يأتي مرة بالمصدر، ومرة بـ
(أَنْ) الداخلة على الفعل، هي تُؤَوَّل بمصدر، لكن هل نقول: إن هذا من باب الاختلاف
في التعبير الْمُرَاعَى به جانب اللفظ؟ أو إنه من باب التعبير الْمُراعَى به جانب
المعنى؟
إن قلنا: إنه من باب التعبير الْمُرَاعَى به جانب اللفظ، فالأمر بسيط،
نقول: إن الله تعالى غايَر بين العبارات لأجل ألَّا يَملَّ السامع إذا كان الكلام
على وتيرة واحدة؛ لأنَّ الاختلاف في التعبير هذا مما يزيد الإنسان نشاطًا
وتجددًا.
أما إذا قلنا: إن هناك أمرًا معنويًّا، فأنا إلى الآن ما عرفته، ولا
ذكره الزمخشري، ولا أبو السعود، ولا هؤلاء الذين يتكلمون على مثل هذه
الأمور.
قوله: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم: ٢١]، نعود إلى
فوائد الآية.
من فوائد الآية: رحمةُ الله تبارك
وتعالى بنا، حيث جعل أزواجنا من أنفسنا، أي من جنسنا.
ومنها -من فوائد الآية-: أن من أهم أغراض النكاح ومقاصده:
السكون إلى الزوجة، والاطمئنان إليها، والحياة معها حياة سعيدة، وأنه ينبغي للإنسان
إذا رأى عدم السكون ولم تلتئم الحال ينبغي له أن يفارق؛ ولهذا قال أهل العلم: إن
الطلاق يُستحب لتضرر المرأة بالبقاء مع الزوج، كونها تضرر ولا تستأنس مع الزوج ما
ينبغي أن يُكرهها على أنْ تبقى معه، فإن بعض الناس -والعياذ بالله- يُكرهونهن على
البقاء أو يَعضلونهن لأجل أن يفتدينَ، ويسلمن القروش علشان يطلقها، كل هذا
حرام.
والذي ينبغي إذا رأيت من الزوجة أنها لا تستطيع أن تعيش معك عيشة سعيدة،
ينبغي لك أن تُطلقها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ
فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ
كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ الْقِيَامَةِ» .
ويقول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ
مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» .
وفي
القرآن: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء: ١٣٠]، فأنت إذا نويت الخير بالتوسعة على هذه المرأة التي
ما عاشت معك وفارقتها، فلعل الله تعالى أن يُيَسر لك الأمر بحصول زوجة تألفها
وتألفك، المهم أن من أهم أغراض النكاح أيش؟ السكون، والطمأنينة إلى الزوجة، والحياة
حياة سعيدة.
ومن فوائد الآية: إثبات حكمة الله
وقدرته ورحمته أيضًا، حيث جعل بين الزوجين مودة ورحمة.
ومن
فوائدها أيضًا: الثناء على التفكير؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: ٢١]. فإن هذا واضح أنه
محل ثناء لهم.
ومن فوائدها: أن التفكير ينفتح به
أبواب كثيرة، يعرف الإنسان بها من أحكام الله وحِكَمه ما لا يَحصُل له لو لم يفكر؛
لأنه خصَّ الآيات بمن؟
طالب: بقوم يتفكرون.
الشيخ: بالقوم الذين يتفكرون، ودلَّ هذا على أنه يَحصُل بالتفكر
من الاطلاع على أحكام الله وحِكَمه ما لا يَحُصل بالغفلة.
التفكر يكون في آيات
الله، أي: مخلوقاته ومشروعاته؛ لأن الآيات -كما سبق- إما كونية، وإما شرعية. يحصل
التفكر في صفات الله من أي وجه؟ من وجه المعنى، أو من وجه الكيفية؟
طالب: من وجه المعنى.
الشيخ: من وجه
المعنى، أما من وجه الكيفية فلا يجوز التفكر، لا يجوز التفكر في الصفات من حيث
الكيفية؛ لأن ذلك محاولة لِمَا لا يمكن الحصول عليه؛ ولهذا قال الإمام مالك رحمه
الله: (السؤال عنه بدعة). فلا يجوز أن نتفكر في كيفية صفة من صفات الله، نتفكر في
المعنى دون الصفة.
التفكر في ذات الله عز وجل مِثْلُه لا يجوز؛ لأنه محاولة
لِمَا لا يمكن الوصول إليه، ثم التفكير في هذه الأمور يَجُرُّ إلى بلايا ومهالك،
والذي ضرَّ مَن ضرَّ من أهل التعطيل وأهل التشبيه أيضًا، اللي ضرَّهم هو محاولة
الوصول إلى الكيفية؛ فلهذا آلَ بهم الأمر إلى التعطيل أو التمثيل، والمهم أن التفكر
يكون في مخلوقات الله، وفي مشروعاته، وفي معاني أسمائه وصفاته، أما في ذاته وكيفية
صفاته فإنه لا تفكُّر؛ وذلك لأنه مهما بلغ الإنسان فإن الفكر سَيَرجِعُ خاسئًا وهو
حسير، والإعراض عن هذا هو الواجب كما قال الإمام مالك.
طالب: كيف عرفنا أن سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: ١٧] أنه أوقات الصلوات؟ من أين
الدليل؟
الشيخ: الدليل أن التسبيح المطلَق خصَّه الله
في وقتين: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: ٣٩]. ولما جعل هذا خمسة أوقات عُلِم من قرينة
التقسيم في الوقت أن المراد بذلك الصلوات الخمس.
طالب:
(...) قوله سبحانه وتعالى: (...) لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا.
الشيخ: إي نعم، صح، اللام للتعليل،
ففيه إثبات الحكمة ردًّا على الجهمية، وكذلك الأشاعرة الذين ينكرون حكمة الله عز
وجل، وعلى المعتزلة ولَّا لا؟
لا، المعتزلة يَغْلُونَ في إثبات الحكمة؛ ولهذا
يرون أنه يجب على الله فِعْلُ الأصلح أو الصلاح.
طالب:
شيخ، بالنسبة (...) في دفع الصفات.
الشيخ: في
أيش؟
الطالب: في ردِّ الصفات هل (...) على مقدمات عقلية
متفق عليها بينهم، ولَّا كل واحد بعقله يُعَلل؟
الشيخ:
لا، كل واحد يعلل، يعني يختلفون في تعليل هذا الرد، يختلفون، أحيانًا يقولون: إنه
يستلزم الجسمية، ولكن غالب ما يدورون عليه التمثيل، أنه مستلزَم من التمثيل، لكن
يختلفون في الطرق الموصلة إليه.
طالب: مسألة البعث في
قوله: وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم: ١٩].
الشيخ: ما قلناها؟
الطالب: لا، ذكرنا
القياس.
الشيخ: صحيح، إثبات البعث في قوله: وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَهذه ما ذكرناها في الآية الأولى.
***
قال: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم: ٢٢].مِنْ آَيَاتِهِ: خبر مقدم، وخَلْقُ: مبتدأ مؤخر، خَلْقُ السَّمَاوَاتِأي: إيجادهما، إيجادهما بتقدير ونظام بديع، وهذا يشمل خلق هذه السماوات باعتبار كونها أجرامًا عظيمة، وباعتبارها مصلحة للعباد، فهذا من آيات الله.
قال: وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ [الروم: ٢٢]، اختلاف الألسنة أيضًا من آيات الله، ووجه ذلك أن هذه الألسُن من نوع واحد أو من جنس واحد، كلنا بشر، وكلنا من أب واحد، ومع ذلك تختلف الألسن اختلافًا عظيمًا، أليس كذلك؟
كذلك أيضًا هو من آيات الله؛ لأن كل إنسان يَعرفُ به جِنسَه بلغته، أنا أعرف مثلًا: هذا هندي، وهذا تركي، وهذا إنجليزي -مثلًا- وهذا ألماني، وهذا روسي، بسبب لغته، فهذا أيضًا من آيات الله، أنَّ الله جعلها دليلًا على جنس الإنسان.
وقوله: وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْيشمل أصل اللغة، ويشمل اللهجات، ويشمل السلامة من العيوب، ويشمل العيوب أيضًا، ويشمل الفصاحة، ويشمل العيب، يعني لا تظن أن اختلافنا اختلاف الألسنة فقط بجنس اللغة، لا بل بكل هذا، فأجناس اللغات من آيات الله عز وجل، وكون هذا الإنسان ينطق بالحروف نطقًا تامًّا هذا من آيات الله، والثاني بالعكس: ينطق بها على وجه اللُّدْغة أو يتثاقل، أو ما أشبه ذلك.
كذلك أيضًا قد نقول: إن من اختلاف اللسان الصوت، اختلاف الأصوات، هذا صوته جيد، وهذا حسن، والآخر بالعكس.
كذلك من اختلاف الألسن الفصاحة، ولَّا لا؟ الفصاحة وعدمه، فإن من الناس من يعطيه الله تعالى بلاغة في الكلام وحُسن أداء، حتى إنه يؤدي إليك المعنى بعبارة واضحة تفهما بأول مرة، ومن الناس من يكون بالعكس. فجميع ما يمكن أن يَرِد على اختلاف اللسان فإنه داخل في كونه من آيات الله عز وجل.
أما الألوان فحدِّثْ ولا حرج، فإنها من آيات الله، لا تكاد تجد اثنين متفقَيْن في اللون أبدًا، حتى لو كانا توأمَيْن لا بد أن يكون هناك خلاف، لكن منه ما يكون ظاهرًا ومنه ما يكون غير ظاهر، فالرجل الأبيض الأوروبي أظن بينه وبين الرجل الأسود الذي على خط الاستواء بينهما فرقًا، فرق شاسع، وما بين ذلك درجات متفاوتة، لكن لا تكاد تجد اثنين على لون واحد، هذا من الحكمة؛ لأنه لولا هذا لكان الناس يختلف بعضهم على بعض، ربما أُمسِك بواحد ويقول: تعال أعطني حقي أنت فلان بن فلان، يقول: لا أنا ما بكون. لكنه صار مثله بالضبط، وأيش يُدريه؟
ويقال: إن الله جعل لكل إنسان أربعين شبيهًا، ولكن ما أظن هذا يصح، بل إنه يقولون: إن البصمات التي في الأنامل أنها تختلف، كل واحد له بصمات على شكل لا يوافق الآخر، وهذا هو الظاهر؛ ولهذا الآن يُعتبَر في التحقيقات تُعتبَر البصمات، مما يدل على أنها تختلف قطعًا، وهذا مما يدل على قدرة الله سبحانه وتعالى، هذا الاختلاف العظيم الذي.. ملايين الملايين البشر ومع ذلك كل إنسان ما يمكن يطابق للآخر من كل وجه، لا بد يكون هناك علامة فارقة (...).
***
شرحته لكم في الآية التي قبلها، وهي قوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُون [الروم: ١٩].قال: وَمِنْ آَيَاتِهِ [الروم: ٢٠]، مِنْللتبعيض، يعني بعض آياته، و(من) التبعيضية قال العلماء: هي التي يصح أن يحل محلها (بعض).
وآَيَاتِهجمع آية وهي العلامة، أي: العلامة الدالة على ما تختص به من صفات الله حسب ما سِيقَتْ له، وكل شيء من آيات الله عز وجل فإنه يدل على كثير من صفات الله تعالى؛ دلالة مطابقة باعتبار ما ذُكِر فيها، أو ما ذُكِر من هذه الآيات، ودلالة التزام بما يلزم من وجود هذه الصفة، مثلًا: مِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب [الروم: ٢٠].
فخلْقُنا من تراب إلى أن نكون بشرًا هذا من الآيات، إذ إن قلب الجماد إلى حيوان لا شك أنه من الآيات، ولكن كونه دالًّا -مثلًا- على القدرة والعلم والحكمة وما أشبه ذلك هذه دلالة بماذا؟
طالب: التزام.
الشيخ: دلالة التزام، ودلالة الالتزام مِن أَفْيَدِ ما يكون لطالب العلم إذا وُفِّق للفهم الصحيح فيما يلزم من كلام.
قوله: مِنْ آَيَاتِهِقلنا: إنه من علاماته، فإن قال قائل: كيف تكون الأشياء علامة على الله عز وجل وهو أَبْيَنُ وأَظْهر لأنَّ معرفته مركوزة في الفِطَر والعقول؟ فما هو الجواب؟
الجواب: أن بعض الفِطَر قد يعتريها ما يصرفها عن الصراط المستقيم، فتحتاج إلى دعم لبيان الآيات، هذا واحد.
ثانيًا: إن هذه الآيات كل آية تدل على نوع خاص من صفات الله سبحانه وتعالى، بخلاف العقل والفطرة فإنه يهتدي إذا وُجِد الخالق عز وجل من حيث الجملة، أما التفصيل فلا يمكن إلا بذكر هذه الأجناس والأنواع؛ ولهذا لا يمكن الوصول إلى الإحاطة بذات الله عز وجل، ولكن بماذا نحيط؟ بالآيات الدالة على صفاته، أما أن تحيط بذات الله فهذا أمر لا يمكن؛ ولهذا يُروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: تفكَّرُوا في آيات الله، ولا تفكَّرُوا في ذات الله .
مِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب،أَنْهل نجعلها مصدرية ولَّا مخففة؟
طالب: مصدرية.
الشيخ: مصدرية؛ لأنَّ المخففة هي التي تكون بعد عِلمٍ أو ظنٍّ، مثل قوله: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى [المزمل: ٢٠]، ومثل قوله: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧]. وأما هذه فليست كذلك، وعلى هذا فتكون مصدرية: أَنْ خَلَقَكُمْ، فتكون هي وما بعدها في تأويل مصدر؟ مبتدأ ولَّا خبر؟
طلبة: مبتدأ.
الشيخ: مبتدأ، والخبرُ قولُه: وَمِنْ آَيَاتِهِ.
أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابيقول المؤلف: (وَمِنْ آَيَاتِهِتعالى الدالة على قدرته)، والمؤلف رحمه الله قيَّدها بالدالة على قدرته؛ لأنها أبرز شيء في الآيات في هذا الخلق، وإلا فهو دالٌّ على الحكمة العظيمة وعلى العلم، إذ لا خَلْقَ إلَّا بعد عِلم كما قال تعالى: خَلَقَكُمْ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
(أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب، أي: أصلكم آدم)، (أصل) هذه تفسير للكاف في قوله: خَلَقَكُمْ، يعني باعتبار أصلنا، أما بالاعتبار المباشر فإن الإنسان خُلِق من نطفة، كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِين [المؤمنون: ١٢، ١٣].
(مِنْ تُرَابأي أصلكم آدم، ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ: من دم ولحم تَنْتَشِرُونَفي الأرض).
ثُمَّشوف دالة على المهلة؛ لأنه بعد خلق آدم لم يأت الأولاد مباشرة، بل خُلِق له زوجة ثم جاء من هذه الزوجة أولاد.
وقوله: إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ، إِذَاأيش محلها من الإعراب؟
طالب: ظرف.
الشيخ: فجائية، يعني ثُمَّصارت المفاجأة على هذا الوجه: إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَفي الأرض، جملة تَنْتَشِرُونَفي محل رفع صفة لبشر.
وقوله: إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ، أَنْتُمْهذه جمع، وبَشَرٌمفرد لكن باعتبار الجنس.
وقوله: بَشَرٌسُمي الإنسان بشرًا قيل: لأنَّ بَشَرتُه بادية؛ إذ إنَّ الحيوانات الأخرى على أبشارها ما يسترها لحكمة، وأما الآدمي فإن بشَرته بارزة ظاهرة. وقيل: لأنه تبدو على بشرته انفعالاته النفسية، مثل: الغضب، والفرح، وما أشبه ذلك، فإنها تبدو ظاهرة على وجهه.
وقوله: (تَنْتَشِرُونَفي الأرض)، أي: تذهبون يمينًا وشمالًا؛ ولهذا بنو آدم لا شك أنهم في أول أمرهم في مكان واحد، ثم انتشروا في جميع القارات على تباعد ما بينها.
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الروم: ٢١]، بدأ أولًا بخلق النفس، ثم بخلق الزوج؛ لأنه لا يتم التناسل إلَّا بالأزواج.
أَنْ خَلَقَ لَكُمْنقول في قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْكما قلنا في قوله: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ. أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، خَلَقَ لَكُمْاللام هنا للتعليل ولَّا للاختصاص؟
طالب: للاختصاص.
الشيخ: للاختصاص، ويجوز أن تكون للتعليل كما في قوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩].
وقوله: أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، المراد بقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْأي: من جِنسكم، وليس المراد مِنْ أَنْفُسِكُمْأي: من نفس الإنسان، إلا باعتبار حواء فإنها خُلِقت من ضِلع آدم عليه الصلاة والسلام.
وقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا، ولم تكن هذه الأزواج من غير أنفسنا؛ إذ لو كانت زوجة الإنسان ليست من نفسه وجنسه ما حصل بينها ائتلاف ومودة لبعد الفرق بينهما، ولكن الله عز وجل جعلهنَّ من أنفسنا.
يقول عندنا: (فَخُلِقت حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطف الرجال..).
طالب: (تَخَلَّقتْ).
الشيخ: دِه (فخُلِقت)، تَخَلَّقتْ؟
طالب: (تَخَلَّقت).
طالب آخر: (فخُلِقَت).
الشيخ: نسخة يمكن، (وسائر النساء من نطف الرجال والنساء).
المؤلف يريد -رحمه الله- أن المراد بالنفس الذات، مِنْ أَنْفُسِكُمْأي: من ذواتِكم؛ بدليل أنه فسرها بآدم خُلِقت منه حواء، وبقية الناس خُلقوا من النطف التي من الإنسان الذكر ومن الأنثى، ولكنَّ الذي ذكرناه أَوْجَهُ؛ بدليل قوله: لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا؛ إذْ إنَّ هذا التعليل يناسب أن يكون المراد بالنفس أي: الجنس، على أنه لا يمنع أن تكون النساء هذه مخلوقة من ذوات الرجال؛ لأنَّ ما ذكره المؤلف صحيح، لكن التعليل يؤيد القول الأول.
وقوله: (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَاوتألفوها)، لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَامن السكون، وهو عدم النفور من الشيء؛ لأنَّ الساكن هو المستقِر، ولهذا قلنا لمن في البيت نقول: إنه ساكن، من السُّكْنى.
وقوله: لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، ضَمَّنَ معنى السكون أو ضَمَّن السكون معنى الْمَيْل فَعَدَّاهُ بـ (إلى)؛ إذ لم يقل: لتسكنوا منها ولا عندها، ولكن لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا؛ ولهذا كان الرجل مَيَّالًا بطبعه إلى المرأة وساكنًا إليها، ولا سيما إذا وُفِّق لامرأة تكون مُلائِمة له، فإن هذا يبدو ظاهرًا جدًّا من التعليل.
(وَجَعَلَ بَيْنَكُمْجميعًا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)، جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةًبَيْنَكُمْأي: بين الرجل والمرأة.
مَوَدَّةً وَرَحْمَةًالمودة: خالص الحب، والرحمة: الرأفة والحنوُّ والعطف، وهل هذا على سبيل التوزيع، أو على سبيل الجمع؟ بمعنى هل المودة من المرأة للرجل والرحمة منه لها، أو إنه على سبيل الجمع؟ أي: يعني كل واحد منكم يَودُّ الآخر ويرحمه؟
طلبة: على سبيل الجمع.
الشيخ: الظاهر على سبيل الجمع، فالمرأة تودُّ الرجل وترحمه، أما مودَّتُها للرجل فالأمر ظاهر؛ ولهذا تجد المرأة تَتْبَع زوجها وتدَعُ أمَّها، وأباها، وأهلها، ووطنها.
وأمَّا الرحمة فنَعَمْ، الزوجة ترحم الرجل؛ إذا مرض تجد أنه يجد من العناية أكثر مما يجد من عناية أبيه وأمه به، وكذلك لو احتاج، حتى إن بعض النساء تبيع حُلِيَّهَا وما زاد عن ضرورتها من الثياب من أجل الرحمة بزوجها.
وبالنسبة للرجل كذلك ظاهر، فإن مودة الرجل لزوجته أمر لا يُنكَر، وكذلك رحمتُهُ إيَّاها أمر لا ينُكر، والجمع بين المودة والرحمة من أبلغ ما يكون؛ لأنه إذا كان أحدهما محتاجًا إلى الرحمة حَلَّت الرحمة وزادت على المودة، والعكس بالعكس، وإذا اجتمع مودة ورحمة فإنه ينشأ من هاتين الصفتين صفة أقوى مما لو انفردت إحداهما؛ ولهذا تجد الإنسان ينظر إلى الفقير نظرة رحمة ولَّا مودة؟
طلبة: رحمة.
الشيخ: نظرة رحمة، لكن إذا اجتمعت الرحمة مع المودة صارت في هذا، أو تَوَلَّد من هذا صفة أعلى من انفراد كل واحدة بنفسها.
(إِنَّ فِي ذَلِكَالمذكور لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، (إِنَّ فِي ذَلِكَالمذكور)، المؤلف بَيَّن أن اسم الإشارة وإن كان مفردًا لكنه عائد إلى متعدد.
أولًا: خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًاهذه آية، وكونها من النفس آية أخرى، وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةًهاتان آيتان، الجميع أربع آيات، والتعبير بـ ذَلِكَكلمة (ذلك) بيَّن المؤلف السبب فيه؛ بأن اسم الإشارة يعود إلى المذكور وإن كان أكثر من واحد، وهذا كثير في اللغة العربية وفي القرآن أيضًا؛ أن تكون اسم الإشارة عائدة إلى المذكور وإن كان متعددًا.
وقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍلماذا نُصِبت آيات؟
طالب: لأنها اسم (إن).
الشيخ: لأنها اسم (إنَّ) مُؤَخَّرًا، وآيات جمع آية، واعلم أن هذه الآيات تكون من كل صفة من هذا المذكور الأربع، وتكون في اجتماعها أيضًا، ولكنها تحتاج إلى تأمُّلٍ وإلى تَفَكُّر؛ ولهذا قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَقال المؤلف: (في صنع الله)، أي: في خَلْقِه، ولكنَّ المعنى أعمُّ من ذلك، فكونها في صنعه وهو الخلق، وفي حكمته، وفي رحمته، وفي غير ذلك مما يتعلق بهذا المعنى.
طالب: سُئل بعض العلماء قريبًا عن حكم الزواج بالجنية، فقال: لا أعلم دليلًا يدل على المسألة. فردوا عليه: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا..
الشيخ: هذه تيجينا من الفوائد.
يقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم: ٢١، ٢٢]. الله أكبر! نعم، من آياته العظيمة الدالة على كمال قدرته، ورحمته، وحكمته: خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، والسماوات جمع، وجمعها ظاهر لأنها سبع سماوات، والأرض مفرد ولكنَّ المراد به الجنس؛ لأنه لا شك أن الأرضين سبع.
والدليل قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُن [الطلاق: ١٢] مِثْلَهُن، المثلية هنا لا يمكن أن تكون على الصفة أبدًا، لا يمكن أن تكون الأرضين مثل السماوات في الصفة؛ لظهور الفرق التامِّ بينهما، فإذا تعذَّرت الصفة رجعنا إلى العدد، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنفي العدد، ثم جاءت السُّنة مبينة ذلك صريحًا، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ» (...).
طالب: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ» (...).
الشيخ: إي نعم، لأننا نقول في الحديث: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ» . السبع أنا أشك، شككت فيها الآن، لكن الحديث الصحيح المتفق عليه: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْوَاخْتِلَافُمعطوفة على خَلْقُيعني ومن آياته أيضًا: (اخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْأي: لغاتكم من عربية، وعجمية، وغيرها)، صحيح أن اختلاف الألسنة من آيات الله بحسب اللغات: عربية، وعجمية، وغيرها، وأيش اللي غيرها؟ إنْ أردنا بالعَجَم اسم القول الخاص، كلمات وغيرها صحيحة، وإن أردنا بالعجم من سوى العرب، فإن قوله: (وغيرها) ليس بصحيح، وهذا هو الأكثر؛ أنه يقال: عرب، وعجم، ويراد بالعجم ما سوى العرب، فيشمل جميع لغات العالم.
ثم إن أيضًا اختلاف الألسنة قد نُنَـزِّلُهُ على اختلاف اللغة نفسها، واختلاف النطق نفسه، فأنت ترى الإنسان ينطق بخروج الهواء من الرئتين ثم مروره على مخارج الحروف، كلما مرَّ على مخرج -والهواء واحد- تَغيَّر، إذا مرَّ على مخرج الصاد صار صادًا، وإذا مرَّ على مخرج الجيم صار جيمًا، وإذا مرَّ على مخرج الدال صار دالًا، مع أن الهواء واحد، ثم إنه أيضًا ما يحتاج إلى عملية، هل نحن نجد الآن في نطقنا هذا نجد عملية تُتعِب بنقل الباء إلى النون إلى القاف إلى اللام، ولَّا لا؟ أبدًا هو شيء واحد، ومع ذلك تجد الحروف تتنوع بمرورها على هذه المخارج، فهذا أيضًا من آيات الله العظيمة، وهي داخل في قوله: وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ.
وقوله: (وَأَلْوَانِكُمْمن بياض، وسواد، وغيرهما) هذا صحيح، اختلاف الألوان من بياض وسواد وغيرهما، وأيش اللي غيرهما؟
طالب: حمرة..
الشيخ: ما بين السواد والبياض، يعني أسود خالص، وأبيض خالص، وما بينهما هو غيرهما، وهذا أيضًا من آيات الله؛ ولهذا لا تجد إنسانَيْنِ يتفقان من كل وجه في اللون أبدًا، لا بد أن يكون هناك فرق، إما بِمَيْلٍ إلى الحمرة أو إلى السواد أو إلى البياض، أو يكون مثلًا الجلد ليس على وتيرة واحدة، وهذا شيء مُشاهَد.
وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ(وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة)، صحيح، أول ما نشأنا مِن؟
طالب: آدم وحواء.
الشيخ: من آدم وحواء، ومع ذلك نختلف هذا الاختلاف العظيم في الألوان.
لم يذكر الله عز وجل الاختلاف في الأجسام ما بين صغير وكبير ومتوسط؛ لأنَّ القدرة على خَلْقِهِم باختلاف ألوانهم أبْلَغ من القدرة باختلاف خَلْقِهم على كِبَر أجسامهم وصغرها؛ ولهذا ذكر الألسنة والألوان.
هل يدخل في اختلاف الألسنة اختلاف التعبير والفصاحة؟ نعم يدخل في هذا؛ لأنَّ بعض الناس يُعَبِّر عن المعنى تعبيرًا يستطيع الإقناع إذا أراد أن يُقنِع، ويستطيع التنفير إذا أراد أن يُنَفِّر، وبعض الناس عنده عِيٌّ بحيث ما يقدر أن يُعَبِّر ولا عن المعنى الصحيح، حتى إنه إذا عبَّر عن المعاني التي يريدها ربما لا تُقبل منه لضعف تعبيره.
قال الله عز وجل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ: دلالات على قدرته تعالى، لِلْعَالِمِينَ-بفتح اللام وكسرها- أي: ذوي العقول وأولي العلم).
قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (بفتح اللام وكسرها) يعني يجوز أن تقول: لِلْعَالِمِينَو{لِلْعَالَمِينَ}، والقراءتان سبعيتان؛ لأنَّ قاعدة المؤلف رحمه الله إذا ذكر الوجهين فهما قراءتان سبعيتان، أما إذا قال: (وقُرئ) كانت شاذة.
وقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَأو {لِلْعَالَمِينَ}. (العَالِمين): ذوي العلم، و(العَالَمين) جمع عَالَم، يعني الخَلْق. هل نأخذ من اختلاف القراءتين أن المراد بالعَالَمين ذوي العلم؟ نقول: لأن العالَمين أعمُّ من العالِمين؛ لأن العالِمين تختص بذوي العِلم، والعالَمين عامة لهم ولغيرهم، فهل نقول: إن الآية تدل على أن هذا فيه آيات للعالَمين العالِمين؟ أو نقول: إن الآيات للعالَمين كلهم العالِم وغير العالِم لكن العالِم له مَزيَّة، فتكون دالة على أن اختلاف الألسن والألوان أمر معلوم لكل أحد، لكن ما وراء ذلك الظاهر أمر لا يعلمه إلا أهل العلم، ويكون في الآية إشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نتعمق في هذا الأمر حتى يتبين لنا بعلمنا ما ليس كائنًا لغيرنا، وهذا هو الأحسن.
(وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار [الروم: ٢٣] بإرادته راحة لكم). مِنْ آَيَاتِهأيضًا مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، الباء هنا بمعنى (في)، فهي للظرفية، وهل تأتي الباء للظرفية؟ نعم تأتي كثيًرا، ومنه قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] أي: وفي الليل، قوله: بِاللَّيْلِهنا، الباء هنا ظرفية.
وقوله: بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارما ذكر الله وقتًا معينًا من الليل، ولا وقتًا معينًا من النهار، كأنه -أي النوم- في أي ساعة من ليل أو نهار فهو من آيات الله، أما كونك يُكره لك أن تنام في هذا الوقت أو لا تنام فهذا موكول إلى الشرع، وهو من الآيات الشرعية وليس من الآيات الكونية.
وقوله: (بإرادته راحة لكم) كلمة (راحة لكم) هل هي مفعول لأجله؟ ولَّا مفعول لإرادة؟ أي: إنه يريد الراحة لكم، يحتمل كلام المؤلف وجهين، إما المعنى بإرادته أنْ تستريحوا، أو المعنى أن نومكم بإرادته راحة لكم، ويفيد: أن النوم ليس باختيار الإنسان، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: ما هو باختياره، الإنسان غاية ما يفعل أنه يفعل الأسباب التي يكون بها النوم، لكن أمَّا أن يُخرِج روحه من جسده حتى ينام، أو يرد روحه إلى جسده حتى يستيقظ فهذا ليس إليه، بل هو إلى الله؛ ولهذا أحيانًا الإنسان يريد النوم ويكون على الفراش ويحاول بقدر ما يستطيع أن ينام ثم لا ينام، وأحيانًا يغلبه النوم ولو لم يتهيأ له، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إذن النوم بإرادة الله، وهو -أي النوم- وفاة صغرى، فكما أنَّ الوفاة الكبرى إنما تكون بأمر الله وإرادته فكذلك الوفاة الصغرى.
قال: (مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمبالنهار مِنْ فَضْلِهأي: تصرفكم في طلب المعيشة بإرادته)، ابْتِغَاؤُكُمهذه معطوفة على مَنَامُكُمْ، ومعناها، أيش معنى ابْتِغَاؤُكُم؟ أي: طلبكم مِنْ فَضْلِه، مِنهذه لبيان الجنس، أي: من عطائه ورزقه.
والمؤلف رحمه الله خص الابتغاء بالنهار، مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِنْ فَضْلِه، والأحسن أن نجعلها مطلقة كما أطلقها الله؛ لأن من الناس من يبتغي من فضل الله بالنهار، ومنهم من يبتغي من فضل الله بالليل، فكونها تبقى على ما هي عليه بدون تغيير هذا هو الأولى؛ لأنَّ التقييد يُضَيِّق المعنى، فيجعل الابتغاء بالنهار مع أنه يوجد أناس لا يطلبون الرزق إلا في الليل، مثل: الحراس، وأصحاب الأمن، وما أشبه ذلك.
وَابْتِغَاؤُكُم مِنْ فَضْلِهالفضل بمعنى العطاء، أي: (تصرفكم في طلب المعيشة بإرادته)، والإرادة هنا إرادة الله عز وجل، لا يريد المؤلف -رحمه الله- أن يُثَبِّت مذهب الجبرية، لا يريد ذلك، ولكن يريد أن يبين أن تصرفنا -وإن كنا مستقلين به من وجه- فإننا لسنا مستقلين به من وجه، وابتغاء الفضل بإرادة الله، والمنام بإرادة الله، وبينهما فرق؛ لأن المنام ليس لنا فيه حرية إطلاقًا ولا إرادة بخلاف الابتغاء من فضله، فإن لنا فيه إرادة ولكنها؟
طالب: تابعة.
الشيخ: تابعة لإرادة الله، كما قال تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩].
طالب: شيخ، معنى (...) هل له (...)؟
الشيخ: لا؛ لأنه ما لِداعٍ لِهالْحلِّ، هذا لو قُيِّدت لقلنا باعتبار هذا لقال: (ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار)، لو قُيِّدت وقال قائل: كيف تُقيَّد مع أنه يكون النوم بالنهار وابتغاء الفضل بالليل؟ نقول: هذا بناء على الأغلب، أما أن تأتي عامة ثم نقيدها فلا وجه له.
طالب: يعني فيه آيات مقيدة ما تُفَسَّر بها؟
الشيخ: ما تُفَسَّر بها؛ لأن الآيات المقيدة ما تنافي هذا.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [الروم: ٢٣]: إن في ذلك المذكور كما قال المؤلف أولًا، (لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَسماعَ تدبُّرٍ واعتبارٍ). وأتى بقوله: لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ؛ لأنه بدأ بالنوم وبدأ بالليل، والليل وظيفة الإنسان فيه السمع؛ لأنه لا يرى في الليل، فالذي يناسبه السمعُ، ولكن ما المراد بالسمع هنا؟ هل المراد مُطْلَقُه؟ لا، بل المراد سماع التدبر والاعتبار؛ لأن السمع -كما سبق- يُطلَق على سمع الإدراك المجرد، وعلى سمع الإدراك المنتفَع به: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُون [الأنفال: ٢١]، يعني ما يسمعون سماع تدبر واتعاظ وانقياد، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ.
وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ [الروم: ٢٤] (أي: إراءتكم) الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا.
قوله: وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ، مِنْ آَيَاتِهِجار ومجرور، ويُرِيكُمُفعل مضارع، فهل قوله: مِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ؛ مِنْ آَيَاتِهِمتعلقة بـ يُرِيكُمُ، أو متعلقة بمحذوف ويكون تأويل قوله: يُرِيكُمُمبتدأ مؤخر؟ ظاهر كلام المؤلف: (أي: إراءتكم) يقتضي أن قوله: مِنْ آَيَاتِهِخبر مقدم، ويُرِيكُمُمبتدأ مؤخر؛ لأنه أوَّلَها إلى مصدر، يعني وليس المعنى: ويريكم من آياته كذا وكذا، ويريكم من آياته البرق خوفًا وطمعًا، فلنا في إعراب هذه الآية وجهان:
الوجه الأول: ما مشى عليه المؤلف، أن تُجْعَل يُرِيكُمُفعل مضارع مؤول بمصدر تقديره: (إراءتكم)، مع أنه ليس فيه حرف مصدري، وهذا موجود في اللغة العربية، ومنه قولهم: (تَسْمَع بالمعيدي خير من أن تراه) (فتسمع) هذه مبتدأ؛ بدليل قوله: (خير من أن تراه)، مع أنه ليس فيها حرف مصدري يَنْسَبِكُ به.
والوجه الثاني: أن نقول: مِنْ آَيَاتِهِمتعلقة بـ يُرِيكُمُ، يعني: يريكم من آياته البرق خوفًا وطمعًا.
يُرجِّح الوجهَ الأولَ سياقُ الآيات، كلها تدل على أن هذا الفعل مُنْسَبِكٌ به، بمصدر، التقدير: (ومن آياته إراءتكم)، كالآية التي قبلها: وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ، وَمِنْ آيَاتِه خَلْقُ السَّمَاوَاتِ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ.
ويُرجِّح الوجهَ الثانيَ: أننا نتحاشى انسباك المصدر بدون حرف مصدري.
(وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًاللمسافر من الصواعق، وَطَمَعًاللمقيم في المطر).
قوله: خَوْفًاما إعرابها؟
طالب: حال.
طالب آخر: مفعول لأجله.
الشيخ: أو حال؟ مفعول لأجله مشكِل؛ لأن ابن مالك يقول:
| وَهْوَ بِمَا يَعْمَلُ فِيهِ مُتَّحِدْ | وَقْتًا وَفَاعِلًا...................... |
وهنا يُرِيكُمُالفاعل: الله، والخائف الطامع: الإنسان، بنو آدم، فاختلف الفاعل ولَّا لا؟ اختلف، وابن مالك يقول:
| وَهْوَ بِمَا يَعْمَلُ فِيهِ مُتَّحِدْ | وَقْتًا وَفَاعِلًا...................... |
الوقت متحد ولَّا لا؟ نعم متحد، ولكن الفاعل لم يتحد، وعليه فيكون خَوْفًاحالًا، مصدرًا في موضع الحال: يريكم البرق خائفين وطامعين.
أمَّا إذا أسقطنا اشتراط ابن مالك في اتحاد الفاعل، يكون خَوْفًامفعولًا لأجله، ولكن عندي أن هناك وجهًا آخر: أن نجعل خَوْفًابمعنى تخويفًا، فإذا جعلنا خَوْفًابمعنى تخويفًا زال الإشكال ولَّا لا؟ لأنه يكون التخويف منين؟ من الله وهو المُرِي، والإطماع أيضًا من الله وهو الـمُرِي، وحينئذ نَسْلَم من مخالفة شرط ابن مالك، ونسلم لكنه لا بد من تأويل في الواقع، حيث حوَّلْنا خَوْفًاإلى إخافة، وَطَمَعًاإلى إطماع، فالوجوه إذنْ ثلاثة:
إما أن نجعل خَوْفًا وَطَمَعًامصدرَيْن في موضع الحال، أو نجعلها مصدرين على أنهما مفعول لأجله ولا نعتبر اشتراط اتحاد الفاعل، أو نجعلهما مصدرين لكن بمعنى التخويف والإطماع، وحينئذ نكون قد اعتبرنا اتحاد الفاعل ولم نُؤَوِّلْهما إلى الحال.
وقول المؤلف: (خَوْفًاللمسافرين من الصواعق، وَطَمَعًاللمقيم في المطر)، ظاهر كلام المؤلف أن هذا على سبيل التوزيع: خَوْفًالأناس، وَطَمَعًالأناس، والصواب خلاف كلامه رحمه الله، الصواب أنَّ البرقَ خوفٌ وطمعٌ للجميع، فالمسافر يخاف ويطمع، والمقيم أيضًا يخاف ويطمع، مَن الذي سَلِم من الصواعق بسبب كونه في البناء؟ إذا نزلت الصاعقة (...) على البناء، وهدمته وقتلت مَن فيه، وكذلك المسافر أيضًا، ما أكثر المسافرين الذين نجوا من الصواعق وهى سقطت حولهم.
والصواب أنه عائد على الجميع، لكن تقديم الخوف على الطمع يدل على أن خوف الناس من البرق أكثر من طمعهم، وهذا -والله أعلم- بناءً على الغالب؛ لأنَّ أكثر الناس لا سيما في الرعود الثقيلة والبرق العظيم يخافون أكثر مما يطمعون، ويوجد أناس ما يهتمون بهذا الأمر، مهما قَوِيَ البرق ومهما قَوِيَ الرعد لا يهتمون، فهم دائمًا في طمع.
ثم قال: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءًإلى آخره [الروم: ٢٤].
طالب: القول بأنه حال ما هو بأعم من القول بأنه مفعول لأجله؛ لأن هل الله سبحانه فقط لهذا الغرض؟ يعني يُرينا البرق ليس لشيء آخر غير الخوف والطمع؟
الشيخ: وأيش؟
الطالب: هلَّا الأسباب الحسية الطبيعية التي من أجلها..
الشيخ: هاك السبب الباعث الذي من أجله وُجِد الشيء، يعني به وُجِد الشيء، هذا سبب طبيعي ما علينا منه (...).
***
من فوائد الآية: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: ٢٠]: أنَّ ابتداء خلق الإنسان من تراب؛ لقوله: أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إذَا أَنْتُم بَشَرٌ [الروم: ٢٠].ومن فوائد الآية: إبطال النظرية الخاطئة وهي نظرية النشوء والتطور..
طالب: داروين.
الشيخ: أيش؟
الطالب: نظرية داروين.
الشيخ: إي، الذي يقول: إن الكائنات متطورة، وأنَّ الإنسان أصله قرد، ثم بعد ذلك تطوَّر حتى صار هذا الإنسان، ويمكن يتطور بعدين ويصير مَلَكًا! وعلى هذا فَقِسْ، يعني هذه النظرية لا شك أنها باطلة، وقد أبطلها حتى علماء الطبيعة الكفار، أبطلوها، ونحن نعلم علم اليقين أنها باطلة بدون أي نظر؛ لأن القرآن يُكذِّبُها.
ومن فوائد الآيات: حكمة الله عز وجل في كون الآدميِّ بشرًا، أي: باديَ البشَرة، ما هذه الحكمة؟ لأنك إذا علمت أنك مفتقر إلى اللباس الحسي علمت أنك مفتقر إلى اللباس المعنوي؛ لباس التقوى، كما قال الله تعالى: يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر [الأعراف: ٢٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن البشر من طبيعته: الانتشار، والذهاب، والمجيء؛ لطلب الرزق، وطلب الصنائع، وطلب الآمال، وهذا هو الواقع؛ ولهذا قال: ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُوْنَ.
ومن فوائد الآية وما بعدها من الآيات أيضًا، من فوائدها: مِنَّةُ الله على عباده لتنبيههم إلى آياته، يعني أنَّ الله عز وجل مَنَّ على العباد بتنبيههم إلى الآيات، لم يَكِلْهُم إلى ما في فطرهم من الاعتراف بالخالق، بل أعانهم على ذلك وأمدهم بالتنبيه على ما في هذا الكون من آياته، أما فيها مِنَّة هذه؟ فيها مِنَّة عظيمة؛ لأن الإنسان -كما قال الله عز وجل- بشَرٌ يغفل وينسى، فينبهه الله عز وجل.
ثم قال تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَاإلى آخره [الروم: ٢١].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أولًا: نعمة الله عز وجل، بكون الأزواج من الأنفس، أي: من الجنس، ما ظنكم لو كان الإنسان زوجته من الجن؟! يألفها؟ ما يألفها، ما ظنكم لو كانت بشرًا من البشر لكن لها قرون ماعز وألية شاة وما خلق الله عز وجل من الحيوانات؟! يألفها ولَّا ما يألفها؟ لا يألفها، فهذه من حكمة الله عز وجل ورحمته أن جعلهنَّ من أنفسنا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكمة من الزوجية هي السكون، سكون أحد الزوجين إلى الآخر، فيتفرع على ذلك أنه لو حصل التنافر فإن من الحكمة التفريق بينهما، أفهمتم هذه؟ منين تؤخذ؟ من قوله: لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، فإذا فاتت هذه الحكمة فإنه لا زواج؛ ولهذا لما فاتت الحكمة بين ثابت بن قيس وزوجته ماذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام؟ قال: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» . وكيف يمكن أن يكون زوجان يتباغضان ويتنافران، وكل واحد منهما يحب أن يرى الموت ولا يرى صاحبه، يمكن تبقى الزوجية هكذا؟ أبدًا ما يمكن.
ومن فوائد الآية الكريمة: ما ألقى الله تعالى في قلوب الزوجين من المودة والرحمة، هذه من الآيات العظيمة، امرأة لا تعرفها إلا بالذِّكر، ولا تعرفها أيضًا إلا بالذِّكر عند خطبتها، وليس بينك وبينها قرابة، ثم يجعل بين قلوبكما من المودة والرحمة ما يربو أحيانًا على مودة الأم والأب، وهذا لا شك أنه من آيات الله؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا [الفرقان: ٥٤]، جعل الله في هذه الآية الصهر قسيمًا للنسب، قسيمًا، يعني: كأن البشرية الآن إما مصاهرة وإما قرابة نسب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المودة ما تُنال بالكسب، يعني: أن الله قد يجعلها في قلب الإنسان؛ لقوله: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً [الروم: ٢١]. يعني: أنت لو أردت أن تغصب روحك على محبة الشيء والله عز وجل ما جعل في قلبك المودة ما حصل؛ ولهذا مَنَّ الله على المؤمنين بقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ [الحجرات: ٧].
وأنت تقول في الدعاء: (اللهم إني أسألك حبك وحب مَنْ يحبك وحب العمل الذي يقربني إلى حبك).
فإذنْ: المودة يُلقيها الله عز وجل في قلبك، فأنت ينبغي لك أنك تسأل الله دائمًا أن تكون محبتك لله، وفي الله، لتكون المحبة بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على التفَكُّر، من أين تؤخذ؟ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: ٢١]؛ لأن التفكُّر مفتاح العلم، ما يمكن علم بلا تفكُّر أبدًا، تَفَكَّرْ أولًا لتعلم.
ومن فوائد الآية: أن ما ذُكر ليس آية واحدة: وَمِنْ آَيَاتِهِ، ثم قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ، كيف؟ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْهذه واحدة، لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَاوَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةًأيش بعد؟ وَرَحْمَةً [الروم: ٢١]، فتكون آيات متعددة.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجود التراحم بين الزوجين؛ لقوله: وَرَحْمَةً.
هل يؤخذ منها وجوب معالجة الزوجة إذا مرضت؟ لأنه من الرحمة؟ الفقهاء يقولون: ما يجب، لا يجب أن تعالجها ولا أن تعطيها قيمة الدواء؛ لأن هذا ما هو من النفقة، وكون الله يجعل بينكم رحمة ليس معناه أنه يُلزِمك بشيء لا يَلزمك، إنما هذا بيان للواقع وهذا صحيح، الرحمة توجد، لكن هل نُلزمه؟ هذه محل نظر، ولهذا قال الفقهاء: إنه لا يلزمه الدواء وأجرة الطبيب. وبعضهم مَن يقول: يَلزم إلا إذا كان الشيء كثيرًا يُجحِفَ بماله فإنه لا يَلزمه.
يقول الله عز وجل: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ [الروم: ٢٢].
من فوائد هذه الآية: أنَّ خلق السماوات والأرض من آيات الله، وسبق لنا في التفسير وجه كونه من آيات الله، عِظَمُهما، اتساعهما، ما فيهما من الكواكب، والنجوم، والأشجار، والبحار، والأنهار، وغير ذلك، كله من آيات الله سبحانه وتعالى الدالة على عظمته وقدرته.
ومن فوائد الآية: أنَّ السَّمَاوَاتِجمعٌ، والأرض؟ الأرض كذلك لكن ما في الآية دليل على هذا، إنما يُستفاد كون الأرض جمعًا من أدلة أخرى معنا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن اختلاف الألسُن والألوان من آيات الله أيضًا، اختلاف الألسن والألوان هل هو بطول اللسان وقِصَر اللسان؟ أو المراد اختلاف اللغة؟ اختلاف اللغة، واختلاف الفصاحة والبيان، فإن الناس يختلفون في هذا اختلافًا عظيمًا، تجد المعنى الواحد يتكلم به إنسان فيقتنع الحاضرون لقوة بيانه وفصاحته، ويتكلم فيه آخر ما يلتفتون إليه ولا يُقنعهم، وتجد رجلَيْن يتكلمان أحدهما يَشدُّ الناس إلى نفسه، والآخر يتكلم وهذا (...)، وهذا (...)، وهذا يخطط بالأرض، وهذا ينعس، مع أن الكلام واحد والموضوع واحد، لكن اختلاف الإلقاء والفصاحة هو الذي جعل الناس يتأثرون.
من فوائد الآية الكريمة: أن الألوان لا تتفق، منين نأخذها؟ وَأَلْوَانِكُمْ؛ ولهذا يقول العلماء: إنه ما يمكن يوجد شخصان متفقان من كل وجه أبدًا، على كثرة الناس ما يوجد اثنان متفقان من كل وجه.
طالب: يوجد التوأمان.
الشيخ: أبدًا، حتى التوأمين لا يتفقان من كل وجه.
الطالب: عندي توأمان ما صرت أفرق بينهما.
الشيخ: لا أبدًا؛ لأنك أنت تأخذ بالملامح الظاهرة، لكن لو تأملت -صحيح أن بعض الناس يتقاربون ولا تعرف بعضهم من بعض لا سيما إلَّا ما صرت تشوفهم إلا بعد أسبوع مرة- لكن عند التأمل لا بد أن يكون هناك علامة فارقة، وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى، حتى الأعضاء الآن لا تقل إنَّ أعضاءك متفقة، حتى أعضائك تختلف، فكِّر في العروق عروق اليدين تجدها مختلفة، عروق الرِّجلين تجدها مختلفة، البنان اللي يسمونها بصمات تجده مختلفًا، على كثرة الناس ما يمكن يتفقون أبدًا، وهذا دليل واضح على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى وبالغ حكمته.
ومن فوائد الآية الكريمة: مدْحُ أُولي العلم، من أين تؤخذ؟ من قوله: لِلْعَالِمِينَبكسر اللام، فإنه يدل على فضيلة أهل العلم، ولا شك أن أهل العلم لهم فضل، العالِمون بالله وآياته سبحانه وتعالى لهم من الفضائل بِحسَب علمهم.
وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [الروم: ٢٣].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن النوم من آيات الله، ما وجه ذلك؟ لأن هذا الإنسان -ذا الشعور- إذا نام فقد شعوره، هذه الروح متصلة بالبدن تمام الاتصال، فإذا نام حصل منها نوع انفصال؛ ولهذا سمى الله تعالى النوم وفاة، لكن ما هي بالوفاة الكاملة التي يُقبَض فيها الروح من البدن وتنفصل عنه انفصالًا كاملًا، لكنها تنفصل عنه انفصالًا جزئيًّا.
هذا الانفصال الجزئي الذي تبقى معه الحياة دون الوعي، من آيات الله، هل أحد يستطيع أن يفعل هذا إلا الله؟ أبدًا. وكذلك أيضًا: لو أحد أراد أن يردها، ما أحد يستطيع أن يردها إلا بإذن الله عز وجل.
فإذا قال قائل: ماذا تقولون في النوم بالتنويم؟ اللي يسمونه التنويم المغناطيسي، الواحد يُنَوِّم الثاني؟ نقول: ما هو بينومه، إذا ادَّعى مُدَّعٍ أن النوم المغناطيسي تنويم بغير الله، فهو كادِّعاء الذي يقول: أنا أحيي وأميت، هو يحيي ويميت يَقْتُلُ ويُبقِي، لكن هل هو صحيح أنه أحيا؟ أو فعل سبب الحياة أو سبب الموت؟
طالب: فعل السبب.
الشيخ: السبب فقط، كذلك المنوِّم ما جلب النوم لكن فعل سببه، والتنويم المغناطيسي هذا معناه استسلام النفس الباطنة لهذا المنوِّم، ثم ينام، يسترخي ويفقد الوعي إلا الذاكرة؛ ولهذا تجد المنوِّم المغناطيسي على ما يقولون إذا استجاب له المنوَّم بدأ يُخاطِبه في العقل الباطني، وذاك يتكلم بدون شعور ويعلمه كل اللي في دماغه، أي شيء يسأل عنه يقول له يعلمه، حتى الأمور اللي ما اطَّلع عليها أحد من الناس يعلمه بها، لكن بشرط أن المنوَّم يستسلم استسلامًا كاملًا، وعندهم عاد حركات معنية، يقول لك مثلًا: لا تعدَّاها، ويبدأ يتحرك ويتحرك يعني يَرفع ويَخفض، على كل حال عندهم طرق كثيرة حتى..
طالب: ما هم كفرة يا شيخ؟
طالب آخر: (...).
الشيخ: إي لها وسائل عندهم، منها أن الإنسان يسترخي.. فيه عاد أعظم من هذا القتل اللي يسميه الفقهاء: (القتل بالحال)، إنه يسلط نفسه على نفس هذا الرجل ويخنق نفسه ويموت؛ ولهذا ذكروا في باب القصاص: هل القتل بالحال عمدٌ يُقتل به القاتل، أو خطأ، أو شبه عمد؟
وإذا قلنا: إنه يُقتل، فهل يُقتل بالحال أو يُقتل بالسيف؟ والصواب: أنه يُقتل القاتلُ بالحال سواء: قلنا: إنه قصاص، أو قلنا: إنه من باب دفع الفساد في الأرض، لكن بعض الفقهاء يقول: إذا أردنا المقاصة تمامًا نجيب واحدًا ثانيًا يقتل بالحال ونخليه يقتل هذا الرجل، فيُقتل بما قَتل به؛ لقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]. إنما لا شك أن القتل بالحال يجب قتل القاتل بكل حال، سواء قلنا: إنه قصاص، أو قلنا: إنه من باب دفع الفساد؛ لأن هذا أشدُّ من السيف والعياذ بالله، صاحب السيف اللي يقتل بالسيف يستطيع الإنسان أن يهرب منه، لكن هذا مشكل.
طالب: كيف يقتله؟
الشيخ: ما أدري هذا، إنما ذكروا الرواية وتكلموا عليها في باب القصاص.
طالب: يعني غير العين؟
الشيخ: غير العين إي نعم، والعيَّان أيضًا اللي بيقتل بعينه اختلفوا فيه: هل هو عمد أو شبه عمد؟ وإذا قلنا: إنه بعمد، هل نقتله بالسيف؟ ولَّا نقتله بعائن؟ نجيب واحدًا ينحته ليقتله. رحمهم الله.
من فوائد الآية الكريمة: ذِكْرُ المتقابلات: مَنَامُكُمْ، وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِه: ابتغاء الفضل متى يكون؟ في اليقظة ولَّا في النوم؟
طالب: في اليقظة.
الشيخ: في اليقظة، فهذا جمعٌ بين الشيء ومقابله، المنام آية، وابتغاء الإنسان من فضل الله أيضًا آية.
ومن فوائد الآية: جواز النوم ليلًا ونهارًا ولَّا لا؟ جواز النوم بالليل والنهار؛ لأنَّ الله تعالى جعله من آياته التي امتنَّ بها على العباد: مِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِلكن أيهما أصح؟ نوم الليل أصح بالاتفاق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يطلب رزق الله؛ لقوله: وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِه، فلو قال قائل: الرزق مكتوب كالأجل، فهو محتوم الوجود. نقول: ولكن مكتوب بسبب، ولا يمكن لأي إنسان يقول لنا: المكتوب لي ييجي ولم نتعب أبدًا. إلا رجلًا جاهلًا أحمق.
ولهذا لو قال قائل: أنا إذا كان الله قد كتب لي ذرية ستأتي بدون زواج. هل يُعقل هذا؟ ما يُعقل أبدًا، فنقول: ابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِيدل على أنه ينبغي للإنسان أن يطلب الرزق.
ويستفاد من الآية الكريمة: كراهة سؤال الناس، أو أنه من الأمور التي لا تنبغي؛ لقوله: مِنْ فَضْلِهِ، وأنت إذا طلبت الرزق من الله عز وجل فقد طَلَبْتَهُ من أهله، مِمَّنْ له الْمِنَّةُ عليك.





