مائلًا إليه وعمن سوى ذلك، أليس كذلك؟ ولهذا حُذِفَ المتعلق بالاسم؛ ليكون
شاملًا للميل إلى الدين، والميل عن الدين.
وأصل الحنف: ميل الرِّجْل، الرجل
المائلة تُسَمَّى حنفاء؛ فالحنيف معناه (المائل عن، إلى) أو لا؟ عن الشرك إلى
التوحيد، وعن المعصية إلى الطاعة.
وقوله: (أي: أخلص دينك لله أنت ومن
تبعك) (أخلص دينك لله) هذا تفسير معنوي لقوله: أَقِمْ وَجْهَكَ، ولو جُعِلَ أعم من ذلك لكان أولى؛ لأن إقامة
الوجه تشمل الإخلاص وتمام الإتباع؛ لأن إقامة الوجه نحو الشيء يستلزم متابعته وعدم
المخالفة، فيكون شاملًا لإخلاص النية والاتباع اللذين هما أساس العمل، كل عمل لا
ينبني على الإخلاص والمتابعة فهو باطل؛ لأنه إذا فَقَد الإخلاص صار شركًا، وإن فقد
الاتباع صار بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وهذا
للإخلاص، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ
أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وهذا
للاتباع.
وقوله: (أنت ومن اتبعك) أتى المؤلف بقوله: (ومن اتبعك)؛
لأنه سيأتينا وصف مجموع وهو قوله: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُإلى آخره، ولا يمكن أن تكون الحال المجموعة للمفرد؛ لأن الحال
وصف فكما لا يُخْبَر عن الواحد بالجمع، لا تُجْعل الحال جمع لواحد.
وما ذهب إليه
المؤلف صحيح من وجهين: أولًا مراعاة اللفظ الآتي، والثاني أن الخطاب للرسول صلى
الله عليه وسلم خطاب له ولأمته؛ لأن زعيم القوم يُوَجِّه إليه الخطاب الموجه للجميع
يقول مثلًا -الركن في الجيش- يقول للقائد: اذهب إلى الجبهة الفلانية، من يريد؟
القائد ومن معه، لا يريده وحده؛ فالخطاب لزعيم قوم خطاب للجميع.
فالله عز وجل
يوجِّه خطابه للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد هو والأمة؛ الدليل على هذا قوله
تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، الخطاب مفرد يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، وبعده إِذَا طَلَّقْتُمُمو بوحده هو، بل كل الأمة، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله تعالى:
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب: ٢١] فنحن لنا
فيه أسوة فنحن له تبع.
إذن وجه كون الخطاب لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة
له وجهان:
الوجه الأول أن خطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه بدليل يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق: ١].
الوجه الثاني أننا مأمورون باتباع الرسول
عليه الصلاة والسلام؛ فكل خطاب له يُؤمر به أو يُنهى عنه فإننا تبع له في
ذلك.
والفرق بين الوجهين ظاهر؛ لأنه على الوجه الأول يكون تناول الخطاب لنا
أصلًا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى الوجه الثاني يكون توجيه الخطاب لنا عن
طريق التبعية.
قال: ({فِطْرَتَ اللَّهِ}
خلقته {الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}
وهي دينه).
({فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا} وهي دينه أي: الزموها).
قوله: فِطْرَتَالبحث فيها من وجهين؛ الوجه الأول من حيث الرسم،
الرسم غير جارٍ على القواعد المعروفة، لا في الرسم العثماني ولا في الرسم الحاضر؛
وجه ذلك.. أيش وجه ذلك؟
طالب: (...) تاء
مربوطة.
الشيخ: أن التاء مطلقة (فطرة) وهي مربوطة؛
لأنها مفرد والمفرد تكون التاء فيه مربوطة، وليس في القرآن فطرة مربوطة إلا هذه، هي
مفتوحة ولَّا مطلقة؟
الطالب: (...).
الشيخ: عجيب، مفتوحة؟! كأن الفتح ضد الكسر، إحنا نسميها مربوطة
ومطلقة.
طالب: الفتح ضد الغلق.
الشيخ: طيب، ويش تسمونها؟
الطالب:
مربوطة.
الشيخ: ويش ضد الربط؟
الطالب: الإطلاق.
الشيخ: الإطلاق،
طيب على كل حال، هذا لأن خط القرآن يُتْبَع فيه الرسم العثماني، واستفاضًا في
البحث؛ اختلف العلماء رحمهم الله هل يجوز للإنسان أن يكتب المصحف على غير الرسم
العثماني أو لا يجوز؟
فمنهم من قال: إنه جائز؛ لأن الرسم العثماني هو عبارة عن
شكل وصورة، ولو كان الرسم العثماني في ذلك العهد على غير هذا الوصف لكُتِبَ القرآن
به أليس كذلك؟ إذن فخضوعه للرسم العثماني في ذلك الوقت ليس على سبيل أنه نزل على
هذا الوجه، لكن على سبيل أن الرسم في ذلك الوقت كان على هذه الصورة، فهمتم؟
ولا
شك أنه لو كان على الصورة الموجودة حاليًّا لا شك أنه سيُكْتب عليها ولَّا لا؟
مثلًا (الصلاة) الصورة الحالية بعد الصاد لام ألف؛ يعني القاعدة الحاضرة الآن لام
ألف، لكن على الرسم العثماني لام واو.
طالب:
الصلاة.
الشيخ: لا، الصلاة (...) (الزكاة) مثلها،
(الربا) بالواو مع أنها على الرسم الموجود بالألف، فالحاصل أنَّا نقول: إن بعض
العلماء يقول: إنه يجوز أن يُكْتَب القرآن على القواعد المعروفة حاليًّا؛ تعليلهم
لأن هذا الرسم شكل صادف أنه في ذلك الوقت على هذا النحو فكتبوه، وليس القرآن نازلًا
مكتوبًا بهذا، لو كان نازلًا مكتوبًا بهذا لقلنا: ربما لا يجوز، لكن هذا اصطلاح،
وإذا كان اصطلاحًا فكل ما يَتَأَدَّى به الغرض فإنه يجوز.
ومنهم من يقول: إنه لا
يجوز مطلقًا أن يُخالَف الرسم العثماني وأنه يجب أن يبقى الرسم حتى لو رسمته
للصبيان على السبورة يجب أن يكون بالرسم العثماني احترامًا للقرآن.
ومنهم من
فَصَّل: وقال: إن المُبْتَدِئ يجوز أن نرسمه له بحسب القواعد المعروفة عنده، وغيره
لا يجوز قالوا: لأن المُبْتَدِئ يحتاج إلى تعليم؛ لو أنك كتبته بالرسم العثماني
للمبتدئ وقلت: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦]
ماذا يقرؤها؟ يمحق الله الربو أليس كذلك؟ (الزكاة) يقول: الزكوت، (الصلاة) الصلوت،
وما أشبه ذلك بخلاف الإنسان العالم فإنه يكتبه بالرسم العثماني.
وهذه الأقوال
أيًّا كان صحيحًا فإن ما يفعله بعض الناس اليوم من جعلهم يكتبون القرآن على صورة
النقوش يجعلونها في براويز أيهم أحسن نقشًا فإن هذا محرم على كل الأقوال؛ لأنه أصبح
الآن إذا عملنا هذا العمل كأننا جعلنا القرآن وشيًا وتطريزًا فتضيع قيمته، وأقبح من
ذلك أن يُجْعَل على صورة إنسان، فقد شاهدت في تقويم (...) صورة إنسان بآية من
القرآن، حاطين رأسًا ورجلين كأنه جالس مفترش -أعوذ بالله- مضادة ظاهرة ومحادة لله
ورسوله، الصورة محرمة كيف عاد تكتب بها القرآن؟! كذلك كتابة القرآن.
والحاصل أن
الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- صاروا يبالغون في أشياء تضرهم ما تنفعهم
بالنسبة للقرآن الكريم.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم صحيح، لكن الذين يقولون بالجواز يقولون: نحن نبغي
نكتبها على قراءة واحدة، والقراءات الآن ضُبِطَت (...).
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما سمعت،
لا، الخلاف في هذا مشهور، ما فيه (...).
والبحث الثاني في قوله: فِطْرَتَ اللَّهِما الذي نصبها؟ فِطْرَتَ اللَّهِالذي نصبها فعل محذوف قدره المؤلف بقوله: الزموا فطرة الله، ومثل
هذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، فهو إذن أبلغ من ذِكْر العامل الذي هو الْزَم،
حذفه أبلغ؛ لأنه إذا وُجِدَ العامل تقيدت الجملة به، لكن إذا حُذِفَ العامل صارت
الجملة صالحة له ولسواه مما يمكن أن يتسلط على المعمول، الزموها، اعتنوا بها،
تمسكوا بها، وما أشبه ذلك؛ فلهذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، وهو المبالغة في
الحث.
ثالثًا فِطْرَتَكلمة (فطرة) منين مشتق؟ من
(فطر الشيء)، فطر الشيء أي: ابتدعه على غير مثال سابق؛ كما في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ١]؛ أي: مبدعهما على غير مثال سابق.
هذه الفطرة أبدعها الله عز وجل في الإنسان
أو في الناس كما في لفظ الآية على غير مثال سابق؛ ولهذا قال: ({فِطْرَتَ اللَّهِ} خِلْقَته {الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} وهي
دينه).
الطالب: (...).
الشيخ: لا، البدع والفطر معناهما واحد؛ قال: وهي دينه أو
الزموها.
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاوهذه
الآية شاهد للحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى
الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ
يُمَجِّسَانِهِ» لو
أن المخلوق تُرِكَ وفِطْرَتَه ما عَبَد إلا الله؛ ولهذا البهائم العُجْم التي ليس
لها مَا يغريها أو (...) هل يمكن أن تعبد اللات والعزى والشمس والقمر؟
الجواب:
لا ولَّا نعم؟ لا؛ لأن الله يقول: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤]، فأصل
الخلق مفطور على تسبيح الرب عز وجل الخالق، لكن مَنْ أُعطوا العقول هم الذين ربما
ينحرفون؛ لأن لهم إرادات واتجاهات بخلاف مَنْ ليس له إلا العقل المعيشي فإنه لا
ينطلق عن هذه الفطرة؛ ولهذا البهائم العجم -كما قلت- تعرف خالقها وفاطرها ولا تسبح
إلا الله.
وقوله: الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاقال: ({لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} لدينه؛
أي: لا تبدلوه بأن تشركوا).
الطالب: تعريف الفطرة
ويش معناه؟
الشيخ: هو اللي ذكرنا قبل قليل، الفطرة
معناه وجود الشيء أو إيجاد الشيء على غير مثال سبق، والمراد بالفطرة هنا توحيد الله
ودين الله.
الطالب: هل نقول: قوة في النفس (...) الخالق
(...)؟
الشيخ: لا، ما حاجة، (دين الله) أوضح
مثلما قال المؤلف رحمه الله.
وقوله: لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِلَا تَبْدِيلَكلنا يعرف أنه نفي؛ لأن
(لا) نافية للجنس، فهل هو باقٍ على كونه نفيًا لفظًا ومعنًى، أو أنه نفي لفظًا خبر
معنى؟
المؤلف مشى على الأخير، وأنه نفيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا هذه الفطرة
بالإشراك، والنفي يأتي بمعنى النهي كثيرًا مثل؟
طالب:
(...).
الشيخ: لا، عليه الكثير.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا نهي،
قال الله تعالى: الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ١، ٢]؛ فإنه فيها تفسيرينِ على ما تقدم؛ أحدهما أنها بمعنى
النهى أي: ليس فيه ريب ولا شك، والثاني بمعنى النهي لا ترتابوا فيه، ومثل قوله:
وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا [الحج: ٧]، هذه لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِأي: لا تبدلوا
خلق الله بالإشراك، بل أقيموا وجوهكم حنفاء، ويجوز أن يكون نفيًا على ظاهره، وأنه
لا أحد يُبَدِّل خلق الله كما في قوله تعالى: لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: ١١٥]، ويكون المعنى
أن الأمر بيد الله عز وجل؛ فمَن شاء هداه بقى على فطرته، ومن شاء أن يُضِلَّه أضله،
فلا أحد يستطيع أن يبدل خلق الله، وإنما الذي بيده الأمر هو الله؛ وعلى هذا فيكون
في الآية وجهان:
الوجه الأول أنها خبر بمعنى النهي.
والثاني أنه خبر على
بابه، وعلى الأول الأمر ظاهر، أي المعنى ظاهر أنكم لا تبدِّلوا فيكون (...) معنى
على الإشراك، وعلى الثاني يكون وجهه أن هذه الفطرة التي فطر الله عليها الخلقَ لا
أحدَ يستطيع أن يبدلها، بل الذي يبدلها هو الله، فمن أراد الله هدايته لم يضله أحد،
ومن أراد الله إضلاله لم يهده أحد، لا سيما وأنه قال قبل هذا: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [الروم: ٢٩].
طيب، من
جملة أخبار التبديل ما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ
يُمَجِّسَانِهِ»، وذِكْر الأبوين ليس على سبيل الحصر، وإنما هو على سبيل
التنظير والتمثيل؛ يعني أن من يتصل بهذا الإنسان يجعله يهوديًّا أو نصرانيًّا، وكم
من إنسان تَنَصَّر لا عن طريق الأبوين ولكن عن طريق الجلساء والرفقاء، ومن ثَمَّ
حذر النبي عليه الصلاة والسلام من جليس السوء ورغب في الجليس الصلاح، وقال: «إِنَّ مَثَلَ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا
أَنْ يُحْذِيَكَ أَوْ يَبَيعَكَ أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسِ
السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ
تَجِدَّ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً» .
طالب: نافخ الكير (...).
الشيخ: لا،
معناه ما كان لمؤمن، هذه بمعنى أنه ممتنع غاية الامتناع؛ لأن (ما كان) و(ما ينبغي)
وما أشبه ذلك في القرآن تأتي بمعنى ممتنع غاية الامتناع.
طالب: (...).
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ [التوبة: ١١٥].
الطالب: (...) الأخير ما (...) تقال: جبرية.
الشيخ: لا، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته. ويش يقول؟
«مَنْ يُهْدِ اللَّهَ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ
فَلَا هَادِيَ لَهُ» .
الطالب: (...) ما أحد يستطيع أبدًا، يعني: إن شاء الله هداه
(...).
الشيخ: نعم، ما فيه شك، ما أحد يستطيع هداية
الإنسان أبدًا أو انحراف إنسان إلا بإذن الله، هذا النبي عليه الصلاة والسلام
حَرِصَ غاية الحرص وبذل ما يستطيع من جهد في هداية عمه أبي طالب، ولكن ما تمكن
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]، وليس معنى ذلك أننا إذا قلنا: إن الأمر بيد الله
عز وجل وأنه هو الذي يضلُّ ويهدي ليس معنى ذلك ألا نفعل الأسباب، كما أن الأمر بيد
الله في إيجاد الأشياء، إيجاد الرزق، إيجاد الولد، دفع الضرر، هل نحن نفعل الأسباب
أو نبقى حائرين؟ نفعل الأسباب.
نحن نقول: الهداية بيد الله والإضلال بيد الله،
لكن لكل منها سبب.
طالب: وهو أولى اللي مشى عليه
المؤلف؟
الشيخ: ما قاله المؤلف له وجه؛ لورود ذلك في
اللغة العربية، والوجه الثاني هو الأصل؛ لأن اللي عندي النفي، فمن صرفه عن ظاهره
يحتاج إلى دليل.
***
قال الله تعالى: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ؛ ({ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} المستقيم توحيد الله)، ذَلِكَالمشار إليه قوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَأي: إقامة وجهك للدين حنيفًا هو الدين القيم.قال المؤلف: ({الْقَيِّمُ} المستقيم)، لكن الْقَيِّمُأبلغ؛ لأن الْقَيِّمُعلى وزن (فيعل) فهي صفة مُشَبَّهة؛ يعني: هو قيم، أبلغ من قولنا: إنه مستقيم؛ لأن المستقيم ضد المعوج، لكن القيم: الكامل في قيامه، فهو أبلغ؛ يعني أن هذا الدين هو الدين القيم أي: الكامل الذي ليس به اعوجاج وليس به نقص، ولا شك أنه هو القيم؛ كما قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، فلا أقوم للعباد ولا أنفع للعباد من إتباع شريعة الله سبحانه وتعالى بالإخلاص له واتباع رسله.
وقوله: ({وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} أي: كفار مكة {لَا يَعْلَمُونَ} توحيد الله).
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِقال المؤلف: كفار مكة، وهذا لا شك أنه تخصيص بدون دليل، بل الدليل يخالفه؛ لأن كفار مكة ليسوا أكثر الناس، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: ثم إن الله يقول: أَكْثَرَ النَّاسِما قال: أهل مكة، أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَوصدق الله عز وجل؛ لأن أهل النار من بني آدم تسع مئة وتسعة وتسعون من الألف، هم الأكثر ولَّا الأقل؟ الأكثر بدون استفهام يعني إنما استفهمت لأجل أن نقرر هذا الشيء، أكثر الناس لا يعلمون، لو علموا ما صاروا من أصحاب الجحيم، فهم لا يعلمون.
ولكن ما معنى قوله: لَا يَعْلَمُونَ؟ أي: لا يعلمون أن هذا هو الدين القيم، أو لا يعلمون ما ينبغي لهم أن يكون عليه، أم ماذا؟
نقول: الآية مطلقة فتشمل كل شيء ينافي هذا الدين؛ فمن خرج عن هذا الدين فإنه لا يعلم أن الدين قَيِّم، وإن عَلِمَ به ولم يتبعه صار علمه كالمعدوم؛ كذلك لا يعلم حقيقة أمره وحاله، وأنه يجب أن يكون دائنًا لله عز وجل بما دان به خلقه، كذلك لا يعلم ما يترتب على هذا من جزاء للثواب الجزيل لمن قام به، وبالعقوبة والعذاب الأليم لمن خالفه.
فالمهم أن حذف المفعول ويش يقتضي؟ يقتضي العموم، وهذه قاعدة معروفة عند أهل العلم أن حذف المعمول يفيد العموم، وله أمثلة كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، ومنه، بل من أوضحه قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى: ٦ - ٨]؛ قوله: فَآوَىالإيواء للرسول صلى الله عليه وسلم ولمن تبعه، ضَالًّا فَهَدَىالهداية له ولمن اهتدى بسنته، فَأَغْنَىالغنى له ولأمته: «وَأُحِلَّتْ لِي المغانم -أو- الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي» .
المهم أنه تخصيص المؤلف بقوله: (كفار مكة) لا وجه له، والصواب أن أكثر الناس من بني آدم من كفار مكة وغيرهم لا يعلمون.
طالب: (...) لو قلنا: إن المؤلف (...) كفار مكة (...) السورة مكية (...).
الشيخ: لا، إذا قلنا بالعموم شمل كفار مكة فكان فيه التسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، وأما كون السورة مكية فلا يدل على جميع الخطابات التي فيها تشير إلى أهل مكة، هي عامة.
الطالب: (...) نقول في قوله: (...) يتعلق بكفار قريش فهي مطلقة (...).
الشيخ: في الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» ، وتقوى الله (...).
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما فيه.
طالب: يأجوج ومأجوج داخلون في هذا العذاب؟
الشيخ: إي نعم، هم من بني آدم؛ ولهذا الصحابة رضي الله عنهم لما حدَّثهم بأن بعث النار تسع مئة وتسع وتسعين بالألف فزعوا وقالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الواحد؟ فقال لهم عليه والسلام: «أَبْشِرُوا فَإِنَّكُمْ فِي أُمَّتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ؛ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ» .
قال الله تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ [الروم: ٣١] مُنِيبِينَراجعين.
(...) قال: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْإلى آخره.
من فوائد الآية الكريمة: رحمه الله تعالى بخلقه بضرب الأمثال لهم ليصلوا إلى الكمال في الهداية.
ومن فوائد الآية أيضًا: بلاغة القرآن في ضرب الأمثال وهو أسلوب من أساليب اللغة العربية في منتهى البلاغة.
ومن فوائد الآية الكريمة: المناداة بجهل هؤلاء المشركين وعِنادهم، كيف ذلك؟ لأنهم جعلوا لله شركاء من مملوكين، وعنادهم لأن الأمر واضح لهم؛ ولهذا قال: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْومع هذا عاندوه وأصروا على الشرك، حتى إنهم في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك (...) الجهل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبيد لا يَمْلِكون توافقوننا على هذا؟ (...).
الطالب: هو نفي المساواة.
الشيخ: لا، نفي المشاركة؛ وجه ذلك أنه إذا انتفت مشاركة لأسيادهم في أموالهم فغيرهم من باب أولى، وانفرادهم أيضًا من باب أولى، إذا كانوا لا يمكن المشاركة مع أسيادهم فالغير من باب أولى، والذي لا يملك المشاركة لا يملك الانفراد.
طالب: فمن باب أولى.
الشيخ: إي، معلوم.
الطالب: (...) فلا يملك المشاركة (...).
الشيخ: (...) ما فيه محل أن يشارك فيه، لكن لم لا يملك المشاركة مع سيده وهو أقرب من غيره؟ لا يملك، ما يملك (...).
هذا مع أنه جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» ، قال: «فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»، ولا تظن أن هذا من باب التنافر؛ حيث أضاف المال إليه ثم قال: «لِلَّذِي بَاعَهُ»، «فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» كيف هذا؟ نقول؛ لأن الإضافة هنا ما هي للتمليك، ولكنها للاختصاص كما تقول: سرج الدابة، وزمام الدابة، وحجرة الدابة، وما أشبه ذلك، ولا تملكها.
ومن فوائد الآية: ما استدلَّ به أهل الاشتراكية؛ حيث قالوا: إن الآية تدلُّ على ثبوت الاشتراكية؛ لقوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ، أو رد عليهم؟
طالب: (...).
الشيخ: إي معلوم، استدلوا، لكن ما نستدل بالشيء.
الذين استدلوا على نفي الصفات بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌيطاعون؟ لأن ما فيها دليل؛ يعني ما فيها دليل على ثبوت الاشتراكية خلافًا لمن قال ذلك، بل فيها دليل على نفي الاشتراكية؛ لأن قوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌمِنْ مشمول النفي هَلْ لَكُمْ؛ يعني ما يمكن أن يكون هكذا.
طالب: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ(...).
الشيخ: إي نعم، مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْفالمملوك لا يكون شريكًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن مفصِّل للآيات؛ لقوله: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ.
ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يدرك هذا التفصيل إلا أهل العقل؛ الدليل لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
ومن فوائدها: مدحُ العقل؛ لأن به يُدْرِك الإنسان هذا التفصيل الذي يفصله الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عظمة الله؛ لقوله: نُفَصِّلُلأن نُفَصِّلُأي: نحن، وهذه لا تكون إلا للمُعَظِّم نفسه أو الذي معه غيره، وكونه معه غيره ممتنع فيكون دالًّا على التعظيم.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن المعبود من دون الله ملك لله أو لا؟ لأن الله قال: هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْولا شك أن كل ما في السماوات والأرض فهو ملك لله.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الرزق لا ينال بالكسب، وإنما هو فضل من الله، لكن له أسباب لا شك مثل غيره من الأمور؛ لقوله: مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ، لكن هذا الرزق له أسباب شرعية وأسباب كونية؛ فمثلًا من الأسباب الشرعية انتقال المال بالإرث، واستحقاق الفقير من الزكاة، وما أشبه ذلك، والأسباب الكونية أنه مثلًا يسعى لحراثة الأرض والبيع والشراء وما أشبه هذا.
ثم قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا.
طالب: بَلِ اتَّبَعَ.
الشيخ: نعم، بَلِ اتَّبَعَ.
الطالب: (...) إثبات القياس (...).
الشيخ: إي نعم، هذه (...).
من فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس؛ وجه ذلك ضرب المثل ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ.
ومنها أيضًا: أن كون القياس دليلًا هو من طريق العقل؛ لقوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، ولأن إلحاق الفرع بالأصل وهو القياس يحتاج إلى علة جامعة تُدْرَك بالعقل.
إذا قال قائل: إذا قلتم: إن طريق القياس هو العقل فكيف يصح أن يكون دليلًا شرعيًّا؟ فالجواب أن الشارع اعتبره وجعله دليلًا شرعيًّا بدليل ضرب الأمثال، وقوله: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١].
قال الله تعالى: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [الروم: ٢٩].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المشركين وغيرهم من الذين ظلموا أنفسهم إنما اتبعوا أهواءهم، أما العقل ما استعملوه، ولكن مجرد هوى، ولو اتبعوا العقول ما خالفوا المنقول.
من فوائد الآية الكريمة: جواز نفي الشيء الصفة عمن لا ينتفع بها؛ لقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الأمور كلَّها الهداية والضلال والصلاح والفساد كلها بيد الله؛ لقوله: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ.
ومن فوائدها: لفت انتباه الإنسان إلى سؤال الهداية من ربه دائمًا؛ لقوله: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّإذا علمت أن ما أحد يهدي من أضل الله فإلى مَنْ تلجأ في طلب الهداية؟ إلى الله عز وجل، حتى نفسك لا تعتمد عليها، اعتمد على الله عز وجل في الهداية، واسأله دائمًا الثبات؛ ولهذا يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ [النساء: ١٣٦] هم ما آمنوا بالله ورسوله؟! إلَّا، ولكن المراد اثبتوا على هذا الشيء، اثبتوا عليه وحققوه، وهذا كله لا ينال إلا بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء الظالمين لا يجدون من ينصُرهم من عذاب الله؛ لقوله: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله تعالى لا يضلُّ أحدًا إلا لظلمه؛ إذ هو الذي بدأ وانحرف في إرادة سيئة فظلم فأضله الله؛ لقوله: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُهذا مُفَرَّع على الذي قَبْلَه؛ ولهذا أتى بالفاء فَمَنْ يَهْدِيإشارة إلى أن إضلالهم إنما كان بسبب ظلمهم، هم الذين ظلموا فأُضِلُّوا والعياذ بالله.
إذا قال قائل: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَهل يُشْكِل عليه ما وقع من نصر المشركين في أُحد مثلًا؟ في أُحد حصلت هزيمة للمسلمين، ومعلوم أنه انتصار للكافرين؛ لأن الهزيمة لخَصْمٍ انتصارٌ للخصم الآخر؛ ولهذا قال أبو سفيان: اعلُ هبلُ. في ذلك اليوم ، فهل ينافي الآية الكريمة؟
الطالب: (...) بإرادة الله ينصرون، لكن بدون إرادة الله إذا أراد الله خذلانهم لن ينصرهم أحد.
الشيخ: طيب، وجه غير هذا؟ عندك شيء؟
الطالب: لأن هذا تربية للمسلمين؛ لأن المسلمين أخطؤوا (...).
الشيخ: يعني: كأن نصرهم ليس لأجل أن ينتصروا، ولكن لأجل ابتلاء الآخرين؛ ولهذا كانت العاقبة للمؤمنين، بل قال الله عز وجل مشيرًا إلى الحكمة من انتصارهم قال: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٢٧] قال أهل العلم: إن انتصارهم هذا يؤدي إلى أن يتشجعوا على محاربة الرسول علي الصلاة والسلام حتى يكون نهايتهم أن يقطع طرف منهم.
على كل حال نقول: ليس هذا الظهور على المسلمين نصرًا لهؤلاء، ولكن من أجل الاستدراج بالنسبة لهم والامتحان والابتلاء بالنسبة للمسلمين لمخالفتهم؛ لقوله: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ [آل عمران: ١٥٢]؛ يعني: حصل ما تكرهون، بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَحصل ما تكرهون.
ثم قال الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا [الروم: ٣٠].
طالب: هل فيها حث على طلب العلم والعمل به؛ الآية هذه؟
الشيخ: فيه فائدة الحث على طلب العلم والعمل به؛ لقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ، وهل فيه دليل على ما ذهبت إليه الجبرية لقوله: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ؟
قلنا قبل قليل: إنه ليس فيه دليل؛ لأن إضلال الله لهم كان بسببهم فيكون هُم السبب بدليل أنه قال: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْفكانوا هم الظالمين أولًا فأُضِلوا والعياذ بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على القدرية أو لا؟ منين؟
طالب: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ.
الشيخ: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُفنسب الله تعال الإضلال إليه، والذي يضل هو هؤلاء الذين حَقَّت عليهم الضلالة فدل هذا على أن فعل العبد في تقدير الله وخلقه.
فإذا قال قائل: هذا مُشْكِل أن تقولوا: إنه بخلق الله وبفعل الإنسان، وهل يمكن أن يكون الشيء الواحد مفعولًا لفاعلين؟
طالب: ما يكون (...).
الشيخ: ويش (...)؟
الطالب: (...).
الشيخ: الشيء الواحد لا يمكن أن يكون مفعولًا لفاعلين إلا إذا اختلفت الجهة، وإلا فأنا إذا قمت لا يمكن أن يكون قيامي قيامًا لشخص آخر، وأن يكون فعلي فعلًا لفاعل آخر، هذا مستحيل. لكن إذا اختلفت الجهة صح ذلك، فنقول: إن فعل العبد بالنسبة للعبد فعل مباشر له.
(...)، وأنا جالس لأني ما عرفت، لكني مرة أردت القيام ولكني عاجز ما أقدر أقوم أيضًا ما يحصل القيام، الأول لانتفاء الإرادة، والثاني لانتفاء القدرة فمن الذي خلق هذه الإرادة والقدرة؟ الله عز وجل هو الذي خلق هذه الإرادة والقدرة فصار نسبته إلى الله واضحة، نسبة السبب إلى مُسَبِّبه، أما المباشر فهو الإنسان نفسه، وبهذا نَرُدُّ على القدرية الذين قالوا: ما يمكن أن يكون الفعل الواحد مفعولًا لفاعلين. نقول: هذا حق، ولكنه يصح أن يكون مفعولًا لفاعلين باعتبارين؛ لاختلاف الجهة، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن فعل الإنسان يُنسب إليه حقيقة.
وسبق لنا أن الأشاعرة قالوا قولًا غير معقول في هذا الباب، ويش قالوا؟ إنه لا ينسب للإنسان حقيقة، كسب له، لكن ليس له حقيقة حتى أنهم يقولون: إذا قمت فإن القيام ما حصل بك لكن حصل عندك، ويقولون: الإنسان إذا أخذ السكين وذبح الشاة ما ماتت بذبحه، ولكن عند ذبحه، ويقولون أيضًا: إذا أخذت الحجر ورميت الزجاجة وانكسرت، ما انكسرت بالحجر، انكسرت عند الحجر؛ لأنهم يقولون: لو أنك أثبتَّ أن هذه الأشياء تحصل بهذه الأشياء أثبتَّ خالقين؛ يعني: هذا الكسر إذا قلت: من الحجر الذي ضرب الزجاجة معناه أنك أثبتَّ خالقًا وهو هذا الحجر الذي خلق الكسر، هذا ما هو بمعقول؛ ولذلك يقولون: إن هذا اللي ذكرت عند الأشاعرة هذا من الأمور التي لا تُعْقَل ولا حقيقة لها، وكل إنسان يعرف أن المسبَّب يحصل بالسبب مباشرة، لكن مَنِ الذي جعل هذا السبب مؤثرًا في المسبَّب؟ الله عز وجل، الله هو الذي جعل هذا، وهو الذي جعل النار محرقة، يقول: إذا أدخلت الورقة في النار واحترقت ما احترقت بالنار، لكن عند النار، أما المحرِق فهو الله، هذا لا يتحدث به الصبيان (...) كلام ما هو معقول، إي نعم.
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.
يستفاد من هذه الآية: وجوب الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ.
ويستفاد منها: أن الإخلاص لا يتم إلا بسلبٍ وإيجاب، وهو مضمون قول الإنسان: لا إله إلا الله؛ فإن هذه الجملة العظيمة مشتملة على النفي والإثبات، ولا إخلاص إلا بنفي وإثبات هذه الآية فيها نفي وإثبات؟ أَقِمْ وَجْهَكَإثبات، حَنِيفًانفي؛ لأن معناه مائلًا إذن ففي هذه الآية وجوب الإخلاص، وفيها أن الإخلاص لا يتم إلا بالسلب والإيجاب؛ يعني: النفي والإثبات.
الطالب: لكن حَنِيفًاما يؤخذ منها سلب وإيجاب؟
الشيخ: لا، هو يمكن يؤخذ بطريق اللزوم، لكن ما لها داعي وعندنا أَقِمْ وَجْهَكَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم خطاب له ولأمته، من أين يؤخذ؟
الطالب: الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.
الشيخ: لا، فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِلا، من الآية التي بعدها: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإخلاص هو الفطرة، منين نأخذ؟ من قوله: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَافتكون الآية هذه شاهدة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الخلق لله، أنه الخالق وحده؛ لقوله: فِطْرَتَ اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ ما يُقَدِّره الله عز وجل فلا يمكن أن يُغَيَّر؛ لقوله: لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِعلى أحد المعنيين، أما على ما ذهب إليه المؤلف فيستفاد منه النهي عن الشرك، على رأي المؤلف يستفاد منه النهي عن الشرك. هل يمكن أن نقول: إن الآية تدل على المعنيين جميعًا؟ أنها صالحة للمعنيين جميعًا؛ يعني صالحة أن تكون للنفي وأن تكون خبرية أو أن تكون للطلب فتكون إنشائية؟ ما تقولون؟
الطالب: الإنشاء والخبر.
الشيخ: في الحقيقة أن الإنشاء والخبر متعارضان، لكن لو جعلنا كل واحد على انفراد بمعنى أننا لا ندري هل أراد الله هذا أو أراد هذا؟ وما دامت الآية صالحة لهذا ولهذا فإننا نقول: هي للمعنيين جميعًا؛ يعني: أنه لا أحد يستطيع أن يُغَيِّر ما خلق الله، ولا يجوز لنا أن نُغيِّر هذه الفطرة التي خلقنا عليها من الإخلاص إلى الشرك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقوم الأديان ما بُني على الإخلاص، منين؟ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُالمشار إليه هو ما سبق من الفطرة التي فطر الله الناس عليها والتي أمر الله بها فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، فالدين القيم هو الذي أقام الإنسان فيه وجهه لله حنيفًا، وهي الفطرة التي فَطَر الناس عليها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الدين مبني على الإخلاص اجتمع فيه الشرع والفطرة؛ الشرع لأنه أُمِر به، والفطرة لأن الناس خلقوا عليها وجبلوا عليها، ولولا ما يحصل من الموانع والعوارض في بني آدم لكان الناس كلهم مؤمنين على الفطرة كما جاء في الحديث: «أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس في هذا الباب على جهل وضلال؛ لقوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَفَهُمْ بين أمرين إما عالم استكبر فعلْمه لم ينفعه، وإما جاهل، فالعامة المتبعون لرؤساء الكفر والضلال نَصِفهم بماذا؟ بالجهل وعدم العلم، والزعماء منهم العارفون نصفهم بالجهل لعدم انتفاعهم بما علموا، لكنهم في الحقيقة يستحقون وصفًا أعظم فهم جاهلون مستكبرون.
ويسمى المخالَفة عن علم يسمونه الجهل المركب والجهل البسيط؛ لأن هؤلاء -والعياذ بالله- (...) هؤلاء -والعياذ بالله- يعلمون أنهم على ضلال؟
طلبة: لا.
الشيخ: الزعماء؟
طلبة: يعلمون.
الشيخ: يعلمون أنهم على ضلال؛ قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ، وقال موسى لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الإسراء: ١٠٢] ولم يقل فرعون: إنني ما علمتُ، فسكوته إقرار، لكن عندهم -والعياذ بالله- العناد.
الطالب: (...).
الشيخ: قال المؤلف: مُنِيبِينَراجعين مِن: (أناب يُنِيب) إذا رجع.
وقوله: إِلَيْهِيعني: إلى الله تعالى فيما أَمَر به ونهى عنه، يعني: الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وقبل ذلك من الشرك إلى التوحيد، هذا معنى الإنابة.
وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على المنيبين عليه كما في قوله تعالى: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَفالإنابة من أفضل الأحوال للعابدين؛ لأن المنيب إلى الله سبحانه وتعالى دائمًا يذكر الله في قلبه؛ لأنه يعلم أنه قد انتقل من معصيته إلى طاعته، ومن الإشراك به إلى توحيده حتى يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه.
يقول المؤلف: (حال من فاعل {أَقِمْ} وما أريد به) أي: أَقِيمُوا(حال من فاعل {أَقِمْ}) أين أَقِمْ؟ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ(وما أريد به) لأنه ظرف الأول المؤلف ومن تبعه أو لا؟ أول الكلام ويش يقول؟ فَأَقِمْ وَجْهَكَأنت ومن اتبعك، فتكون مُنِيبِينَحالًا من الفاعل وما تبعه، وهذا مبني على أن الخطاب في قوله: أَقِمْللرسول صلى الله عليه وسلم شخصيًّا.
أما إذا قلنا: إن المراد به الأمة خوطب زعيمها فلا حاجة إلى هذا التخصيص؛ نقول: مُنِيبِينَحال من فاعل أَقِمْولا مانع من أن يكون جمعًا؛ لأن المراد بالمفرد في أول الآية أيش؟ الجمع.
ثم قال تعالى: وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ({وَاتَّقُوهُ} خافوه {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ})، التقوى تقدَّم لنا تقدمت بنا مرارًا أنها مأخوذة من الوقاية، وأن أصل التقوى (وقوى)، وأن المراد بالتقوى هي اتخاذه وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن جميع التفاصيل التي تُذكر فيه التقوى كلها ترجع إلى هذا المعنى الجامع العام؛ وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فمن كان يعبد الله بفعل الأوامر لكنه يفعل النواهي فلا تدوم التقوى، عنده تقوى من وجه دون وجه.
واعلم أن التقوى عند الإطلاق تشمل الدين كله كما يقتضيه هذا التقسيم، فإن قُرنت بالبر كقوله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىكان المراد بها تركَ المحذورات، وصار المراد بالبر فعل المأمورات، وهذا اللفظ له نظير كثير في اللغة العربية يكون اللفظ له معنى عند الإنفراد ومعنى عند الاجتماع، والذي يُعَيِّن ذلك هو سياق الكلام.
وقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَأَقِيمُوا الصَّلَاةَإيتوا بها قويمة، وليس المراد بإقامتها لفظ (قد قامت الصلاة) أن تأتي بها قويمة، وإقامتها على نوعين إقامة واجبة لا بد لصحة الصلاة منها وذلك الإتيان بالشروط والأركان والواجبات، وإقامة مكمِّلة وهي إضافة المستحبات إلى ما ذُكِر فإن هذه إقامة مكملة، ومن إقامتها المكملة أن يأتي الإنسان بالنوافل؛ لأن النوافل تُكَمَّل بها الفرائض يوم القيامة.
وقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَعطفها على قوله: وَاتَّقُوهُمن باب عطف الخاص على العام، وسبق لنا أن عطف الخاص على العام يقتضي زيادة الاعتناء به فهو دليل على أهمية الصلاة.
وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَالخطاب هنا يعود على الفاعل في مُنِيبِينَيعني حال كونكم منيبين غير مشركين أيضًا في إنابتكم.
وقوله: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَالذين يُشرِكون بالله وهو شامل للشرك الأصغر والشرك الأكبر؛ ولهذا يُنهى الإنسان أن يفعل الشرك أيًّا كان نوعه، قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، والكبائر تحت المشيئة. واستدل لذلك بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] ووجه الدلالة من الآية أن قوله: أَنْ يُشْرَكَ بِهِمؤول بمصدر، يكون المعنى إن الله لا يغفر إشراكًا به فهو إذن نكرة في سياق النفي فيشمل جميع أنواع الشرك؛ ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: لئن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا ؛ لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب.
قوله: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
الطالب: (...).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، صحيح، هذا ظاهر الآية.
الطالب: (...).
الشيخ: ما قُيِّد، هو على كل حال الشرك الأصغر ما هو بيخلد صاحبه في النار، أقول: ما يخلد في النار، يُعذَّب به، ليس المعنى أنه يخلد، المعنى أنه لا بد أن يعذب به.
قوله: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَإذا قيل: إن هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والشرك في حقه ممتنع، قلنا: لا يمتنع أن نخاطب شخصًا بإثبات ما هو عليه أو بنفي ما هو ممتنع عنه، فيكون المعنى الثبوت على ما ذُكِر.
يقول الله عز وجل للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء: ١٣٦] وهم مؤمنون، المعنى: اثبتوا، كذلك إذا قلت لشخص: لا تشرك وهو لا يشرك، المعنى اثبت على نفي الشرك، وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ [الروم: ٣١، ٣٢] مِنَ الَّذِينَبدل بإعادة الجار، بدل من المشركين، من الذين.
وأفادنا المؤلف رحمه الله أن البدل على نوعين؛ تارة يكون بإعادة العامل، وتارة يكون بعدم الإعادة.
فإذا قلت: مررت بزيد أخيه، فهذا بإعادة العامل؟
طلبة: لا.
الشيخ: مررت بزيد بأخيه، هذا بإعادة العامل، هنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواهذا بدل بإعادة العامل الذي هو حرف الجر.
({مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} باختلافهم فيما يعبدونه {وَكَانُوا شِيَعًا} فِرَقًا في ذلك {كُلُّ حِزْبٍ} منهم {بِمَا لَدَيْهِمْ} عندهم {فَرِحُونَ} مسرورون) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْهذا وصف لهؤلاء المشركين وصف مذموم، فَرَّقُوا دِينَهُمْحيث كان لكل واحد منهم ملة ونِحْلة؛ فهؤلاء يعبدون حجرًا، وأولئك يعبدون شمسًا، والآخرون يعبدون قمرًا، والرابع يعبد شجرًا، وهكذا، ثم إن لهم نِحَلًا مختلفة في ما يسلكونه في منهاج عبادتهم، فهم فرقوا دينهم.
وفي قوله: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْأي: شتتوه ووزعوه دليل على أنه لا ينبغي للأمة الإسلامية أن تُفَرِّق دينها، اليهود والنصارى فرَّقوا دينهم، على كم افترقوا؟
الطلبة: على إحدى وسبعين.
الشيخ: اليهود على إحدى وسبعين، والنصارى على اثنتين وسبعين، والمشركون الجاهليون حَدِّث ولا حرج افتراق، فهؤلاء فرَّقوا دينهم، ودينهم ما يدينون به سواء كانوا يدينون لمخلوق أو لخالق على زعمهم؛ لأن المشركين يقولون في آلهتهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]، أولئك أناس آخرون يعبدون ما يعبدون من الآلهة، لا لتقربهم إلى الله، ولكن لاعتقادهم أنها هي الآلهة، وأنه لا إله إلا هذا المعبود عنده.
الطالب: طيب وطوائف المسلمين.
الشيخ: طوائف المسلمين بيجينا إن شاء الله في الفوائد.
وقوله: وَكَانُوا شِيَعًاشِيَعًايعني فِرَقًا، وأصل التَّشَيُّع أو الشيعة أصلها الانتصار للشيء؛ فيقال: شيعة فلان أي: أنصاره، فهم شِيَع، كل طائفة منهم تنصر ما هي عليه وتؤيده؛ يعني: أنهم لم يقتصروا على أن تفرَّقوا فقط، بل كل واحدة تدعوا إلى ما هي عليه، ومعلوم أن من يدعو إلى ما هو عليه لا بد أن يحذِّر مما يخالفه، أليس كذلك؟ إذ لا يتم الانتصار إلا بهذا، كل حزب منهم، حزب بمعنى طائفة، وسُمِّيَت الطائفة المتفقة على رأي أو هدف أو دين سُمِّيَت حِزْبًا؛ لأن كل واحد منها يَحْزب الآخر أي: يقويه.
وقوله: بِمَا لَدَيْهِمْبالذي لديهم، ولَدَيْهِمْبمعنى عندهم، بِمَا لَدَيْهِمْلَدَيْهِمْهو صلة الموصول أو متعلَّقها صلة الموصول؟ متعلقها هو صلة الموصول؛ لأن (لدى) ظرف، وبُنِي على السكون هنا لإضافته إلى الهاء اللي أصلها مبني على فتح مقدر على آخره، قل: جلست لدى زيد؛ أي: عنده، لكن هنا أضيف إلى الهاء مثل إلى إذا أُضِيفَت إلى الهاء، يقال فيها: إليه، وعلى (عليه).
الطالب: قوله: (...) جواب.
الشيخ: نقول: إن المتعلق هذا، طيب الصلة تقدمنا أن مُتعلَّق الظرف والجار والمجرور يُقدرون فعلًا بخلاف خبر المبتدأ، فإنه يُقَدَّر اسمًا، فإذا قلت: زيد عندك، فالمعنى (...) التقدير: (...) كائن أو مستقر، وإذا قلت: أكرمت الذي عندك، أقول: الذي استقر عندك، والفرق بينها أن الأصل في خبر المبتدأ أن يكون مفردًا؛ يعني: لا جملة، هذا الأصل، وأما صلة الموصول فالأصل أن تكون جملة، على أنه يجوز أن تُقدِّر مستقر في صلة الموصول لكن إذا قَدَّرْت المستقر في صلة الموصول فإنه يجب أن تُقَدِّر مبتدأ، أن تكون جملة؛ التقدير مثلًا الذي هو مستقر، ومن أجل هذا قلنا: إن الأولى أن يُقَدَّر من الأصل فعلًا حتى لا يحتاج إلى تقدير مبتدأ.
بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَطيب فَرِحُونَهذه خبر كُلُّ.
وقوله هنا: (مسرورون) لكن هذا الفرح إنما الله عز وجل وصَفَهم به لأن مَنْ فَرِحَ بشيء لازمه، ولكنه فَرَح مذموم؛ لأنه فَرَح بباطل، والفرح بالباطل لا شك أنه باطل، لكن لو فَرِحوا بما عندهم من الحق، نعم لكان فرحًا مسرورًا؛ لقوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَفالفرح لا يُذَمُّ من حيث هو الفرح، ولكن يذم من حيث مُتعلَّقه؛ فإن كان فرحًا بباطل فهو مذموم، وإن كان فرحًا بحق فهو محمود، أما الأَشَر والبطر الذي ينتج عن الفرح، فهذا مذموم بكل حال حتى لو كان فرح الإنسان بحق وأدَّاه ذلك الفرح إلى الأشر والبطر مثل أن يفرح بما أعطاه الله من المال والبنين، لكنه -والعياذ بالله- يتخذ من هذا وسيلة إلى العلو والاستكبار فإن ذلك فرح مذموم لنتيجته لا لذاته.
وقوله: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَإذا طبقناه الآن على الأحزاب الموجودة وأن كل حزب فرح بما هو عليه مستمسك به مدافع عنه مُوهِن لغيره وجدنا أن الآية تنطبق تمامًا على ما يوجد الآن من الأحزاب ولا سيما في الأمة العربية، الأمة العربية الآن مُتَحَزِّبة كل حزب فرح بما عنده، لكن الأمة الإسلامية ما تتحزب، لماذا؟؛ لأنها حزب واحد هو الإسلام، حتى لو اختلفت آراؤها؛ هذا شافعي، وهذا مالكي، وهذا حنفي، وهذا حنبلي، وهذا ظاهري، وما أشبه ذلك فإنها في الحقيقة متفقة؛ لأن كل واحد من هذه الأحزاب لا يُضَلِّل الأخرى، بل إنه يمدحه إذا خالفه بمقتضى الدليل عنده، فالإنسان العاقل المؤمن حقًّا هو الذي إذا خالفه غيره بمقتضى الدليل عنده ما يكرهه، بل يحمده على هذه المخالفة، لماذا؟ لأنه ما خالفني لأني فلان، خالفني لأنه يعتقد أن الحق معه وهذا هو الواجب عليه، الواجب على كل مؤمن أن يَتْبَع الحق إذا تَبَيَّن له، ولو خالف غيره.
فإذن الطريق واحد ولَّا مختلف؟ الطريق واحد ولو اختلفوا في المنهاج؛ لأن كلنا نحكم الكتاب والسنة، وكلنا نعتقد أن هذا هو الحق فلماذا أكرهه لأنه خالفني، والله عز وجل يقول: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، نعم مَن تَبَيَّن له الحق وأصرَّ وعاند وعلمنا أنه مجادل بالباطل فهذا يُنَزَّل منزلته، وهذا هو الميزان في قولهم: (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) فإن هذه العبارة اشتهرت على الألسن، لكنها ما هي على إطلاقها؛ لأن مسائل الاجتهاد نوعان:
أحدهما ما يحتمله الاجتهاد فهذه لا إنكار فيها؛ لأن كل إنسان إذا اجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، ولا يمكن أن نَزِن الناس بميزان واحد؛ لأن فَهْم النصوص أو لأن العلم بالأحكام الشرعية يتفاوت بحسب الإيمان، وحسب العلم، وحسب الفهم؛ العلم بالأحكام الشرعية يتفاوت بهذه الثلاثة؛ فمن الناس مَنْ يكون معه إيمان صافٍ حتى يرى الحق على ما هو عليه ويُفْتَح له باب الهداية، ومن الناس مَنْ يكون في إيمانه ضعف فيُحجَب عنه من الهداية بقدر ما نقص من إيمانه، الإيمان له أثر كبير حتى في العلم، وأظننا نذكر ما قاله الشافعي لوكيع:
| شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي | فَأَرْشَـــــــــــدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي |
| وَقَالَ: اعْــلَـــمْ بِأَنَّ الْعِـــــــــلْمَ نُــورٌ | وَنُــــــورُ اللَّهِ لَا يُـــــــؤْتَاه عَـــــــاصِي |
والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال: ٢٩]، ولا فرقان إلا بعلم، الناس يختلفون في هذا اختلافًا عظيمًا بحسب ما معهم من الإيمان والتقوى، كذلك أيضًا يختلف الناس في العلم ولَّا لا؟ إنسان مثلًا يعرف كتب السنة البخاري ومسلم وغيرها من كتب السنة، وإنسان ما يعرف شيئًا، إن كان جيدًا يعرف البخاري أيهم أعلم؟ الأول أعلم.
والثالث الفهم فإن الناس يختلفون فيه اختلافًا عظيمًا؛ ولهذا قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عهد إليكم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: ما عهد لنا بشيء إلا ما في هذه الصحيفة أو فَهْمًا يؤتيه الله تعالى في القرآن. والفهم ما فيه شك أنه يختلف الناس فيه حتى إن النص الواحد تجد بعض الناس يستنبط منه مثلًا عشر مسائل وآخر ما يستنبط إلا مسألتين أو ثلاثة، وثالث يقول: أنا أقرأ لكم الحديث وعليكم الاستنباط.
فالحاصل أن الناس يختلفون؛ لذلك أهل السنة والجماعة والمسلمون عمومًا يقولون: إن اختلافنا في الآراء ليس اختلافًا في الدين؛ لأننا كلنا على هدف واحد ولا يُضَلِّل بعضُنا بعضًا، ولكن يستثنى من ذلك من عَلِم الحق وتبيَّن له وعلمنا أنه معاند، فهذا له حقه؛ قال: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: ٣٢] قال: (وفي قراءة: {فَارِقُوا}) أي: تركوا دينهم الذي أُمِروا به، {فَارَقُوا} (في قراءة) تكون أيش؟ سبعية؛ لأن اصطلاح المؤلف رحمه الله إذا قال: (في قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (قُرِئ) فهي شاذة.
الطالب: كلام المؤلف (...).
الشيخ: لا، هذا له هو، أما اللي غيره حتى اللي قال: قُرِئ، تكون صحيحة.
الطالب: الجلالين كلاهما؟
الشيخ: إي نعم، قال: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ [الروم: ٣٣] أي: كفار مكة ضُرٌّشدة دَعَوْاربهم مُنِيبِينَراجعين إِلَيْهِدون غيره ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةًبالمطر إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) إلى آخره.
المؤلف رحمه الله خصَّ هذه الآية من وَجْهَين؛ من جهة المراد به، ومن جهة الضر؛ فقال: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَأي: كفار مكة صحيح؟
طلبة: ليس بصحيح.
الشيخ: ليس بصحيح، الناس عمومًا، ولكن هل المراد بالناس عمومهم؟ ننظر الحال التي تحدث الله عنها، هل تنطبق على المؤمنين أو خاصة بالكفار؟ هذه خاصة بالكفار، إذن الناس من حيث هم ناس، أو نقول: المراد بالناس المراد بالعموم هنا الخصوص وهم الكفار.
فعندنا الآن وجهان: الوجه الأول أن نقول: المراد بالناس: الناس من حيث هم ناس، بقطع النظر عما يتصفون به من الإيمان أو الكفر أو نقول: إن المراد بالناس الكفار فيكون عامًّا أُريد به الخاص مثل قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: ١٧٣]، الناس الأول يُراد به واحد نعم وهو نعيم بن مسعود أو غيره.
و إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: ١٧٣] من المراد بالناس الثانية؟ واحد، وهو أبو سفيان أو جنس أتباعه.
المهم أن كلمة (الناس) في قوله: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَيُراد بها أحد أمرين، أما أن يُراد بها المؤمنون عَينًا أو المؤمنون والكافرون فهذا ما يصلح؛ لأن الحال التي ذكر الله عنها ذكر ما تنطبق على المؤمنين.
الثاني يقول المؤلف: ({ضُرٌّ} شدة) ثم قال: ({إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً} بالمطر) إذا قلنا: الرحمة مطر صارت الشدة القحط وهو عدم المطر، والأمر ليس كما قال المؤلف رحمه الله، بل هو أعم؛ لأن كلمة ضُرٌّنكرة في سياق الشرط فتكون للعموم أي: ضُرٍّ يصيبه سواء قحط أو مرض أو فَقْد مال أو غير ذلك؛ أي ضر، عندما يصابون بالضر، ({دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ} راجعين إليه) كقوله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت: ٦٥] فإذا أُصيبوا بالشدة عرفوا الله خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» الذي لا يعرف ربه إلا في الشدة هل هو عابد ربه رغبة؟ لا، وهذا الذي تحدث الله عنه أخفُّ حالًا ممن إذا أصيبوا بالشدة دعوا المخلوق، هؤلاء أقبح ممن حدَّث الله عنهم يقول: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَمُخْلِصِينَهذه حال من فاعل دَعَوْا، وعندنا إشكال في دَعَوُا اللَّهَ [يونس: ٢٢] كيف ضم الواو مع أن الواو ساكنة؟ دَعَوُا اللَّهَ.
الطالب: (...) الثانية محذوفة (...) دعووا.
الشيخ: دَعَوُا اللَّهَأقول: إن الواو ساكنة، كيف ضُمِّت هنا؟ دَعَوُا اللَّهَ.
الطالب: (...).
الشيخ: طيب؛ لالتقاء الساكنين.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هي حركت لالتقاء الساكنين، فإذا قال قائل: التحريك لالتقاء الساكنين يكون بالكسر؛ مثل: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواقلنا: لكن لا يُناسب الواو الكسر، أيش يُناسِب الواو؟ الضم، فعلى هذا نقول: حركت بالضم لالتقاء الساكنين، وأظن هذا يُذَكِّرنا أننا نقول في مثل الواو والياء نقول: منع من ظهورها الثِّقَل، الفتحة تظهر عليها، والضمة والكسرة تُقَدَّر مَنَع من ظهورها الثقل، لكن هنا لا تقدر يعني: دَعَوُا اللَّهَتنطق بها بسهولة، والسبب أن هذه الضمة عارضة، لماذا؟ للتخلص من التقاء الساكنين.
الطالب: دَعَوْا رَبَّهُمْ.
الشيخ: إي (...)، ما يخالف، هذه (...). من المعنى.
إذن دَعَوُا اللَّهَعلى هذا التقدير.. وهذه جاءت والحمد لله، كما يقال: (رب صدفة خير من ميعاد) طيب، أما دَعَوْا رَبَّهُمْفليس فيها إشكال.
وقوله: دَعَوْا رَبَّهُمْ [الروم: ٣٣] كلمة (رب) بمعنى الخالق المالك المُدَبِّر، فالربوبية تقتضي هكذا خلق فالذي أوجد الناس هو الله، مالك لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [المائدة: ١٢٠]، مدبر يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [يونس: ٣] هذا هو الرب، تأمل دَعَوْا رَبَّهُمْحينئذ عرفوا أن الأمور بيده، لما وقعوا في الشدة عرفوا أن الأمور بيده فدعوه.
وقوله: مُخْلِصِينَحال من فاعل؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، من دَعَوْا، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ.
الطالب: من الواو.
الشيخ: إي نعم، قال: (راجعين {إِلَيْهِ} دون غيره {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً} بالمطر {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}) إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةًأَذَاقَهُمْيعني معناه أصابتهم الرحمة حتى تحققوها، كما يتحقق الإنسان الطعامَ في فمه؛ ولهذا عبَّر بالإذاقة، وإن كان هذا لا يُذاق، يعني ما يدخل في الفم، ولكن لتحقق إصابته صار كالشيء الذي يؤكل فيذاق.
وقوله: مِنْهُ رَحْمَةًما المراد بالرحمة؟ المراد ما يقابل الضُّر، إِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةًفمثلًا إذا كان جدبٌ فالمراد بالرحمة المطر والخصب، إذا كان مرضًا فالمراد بها الشفاء، إذا كان فقرًا فالمراد به الغنى، المهم أنه يشمل يُقابَل بالضر.
الطالب: أَذَاقَهُمْما يدل اللفظ على عدم الاستمرار (...) أَذَاقَهُمْبالرحمة (...).
الشيخ: إي، مأخوذ من قوله: إِذَا فَرِيقٌ، (إذا) للفجائية.
وقوله: إِذَا فَرِيقٌإِذَافجائية وهي حرف، مع أن (إذا) الشرطية اسم، لماذا؟ لأن (إذا) الشرطية نابت مناب اسم الشرط، وأما (إذا) الفجائية فنابت مناب الفاء، والفاء حرف.
وقوله: فَرِيقٌمبتدأ، وقوله: يُشْرِكُونَالجملة خبر فَرِيقٌ، وهنا نسأل: لماذا جاء المبتدأ نكرة، وابن مالك يقول:
| وَلَا يَجُــــــوزُ الِابْتِدَا بِالنَّـــــكِرَةْ؟ | ......................... |
إذا لم تفد؟ لأنها أفادت، وبالخصوص نقول: لأنها وقعت بعد (إذا) الفجائية، فإذا جاء المبتدأ بعد (إذا) الفجائية فلا بأس أن يكون نكرة.
وقوله: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَقال هنا: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْيعني: وفريق آخر لا يُشْرِك، مع أنه في آية أخرى يقول: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ، وفي آية ثالثة: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُور [لقمان: ٣٢]، فهل نقول: إن الآيات التي يقول الله فيها: إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَتُحْمَل على المشركين، والآيات التي فيها فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌأو إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَتُنَزَّل على العموم؟
طالب: خلاف الأحوال.
طالب آخر: (...) دَعَوْا رَبَّهُمْ، (...) الظاهر لا يدعونه ما لم يمسهم الضر، في حال الرخاء لا يدعونه، هذا لا ينطبق عليهم (...).
طالب آخر: بعض المرات (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: أحيانًا بعض اللي (...) كلهم يشركون بعدها.
الشيخ: (...) هذا الإشكال ما ورد عندي إلا الآن، لما وصلنا هذا (...) الآن، إذا كان بالأول قررنا أنها للمشركين أو للناس من حيث هم ناس، ولكن لما قال: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَصار عندي تَرَدُّد هل الآية عامة؟ ونقول: إن المؤمنين إذا أصيبوا بالضراء لا شك أنهم يلجؤون إلى الله أكثر كما هو مشاهد؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» فهذا دليل على أن الإنسان في حال الرخاء قد يحصل منه غفلة عن الله عز وجل وعدم تعرف، لكن في حال الشدة يلجؤون إلى الله عز وجل قال النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف: «إِذَا رَأَيْتُمْ أَنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَابْتَغُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ» فذاك يحتاج إلى تأمل، إنما الذي يبدو لي الآن أن الآيات التي يقول الله فيها: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ.. إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَتكون خاصة بالمشركين، أما الآيات التي يقول: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌوإِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْفإنها تصدق للعموم؛ لأن الناس حتى المؤمنين إذا أصابهم الضر صار عندهم من الرجوع إلى الله عز وجل واللجوء إليه أكثر، صلاة الاستسقاء ما هي الرجوع إلى الله وإنابة؟ أكثر، وصلاة الكسوف، وحتى أنت الآن في نفسك إذا وقعت في شدة تجد عندك من اللجوء إلى الله عز وجل والافتقار إليه أكثر مما إذا كنت في رخاء، وتأملوها إن شاء الله حتى غد (...) عند ذكر الفوائد.
طالب: (...).
الشيخ: (...) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ [الروم: ٣١]..





