تفسير سورة الروم - 8
عدد الزيارات 2419

عناصر المادة :
تفسير الآيات (41-43)

إلى الغيبة، ففيه تعلية للشأن مثل التعبير بقوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي [غافر: ٦٠]، ما قال: وقلت لكم، أو أقول لكم؛ تعظيمًا لشأنه تعالى، ويش يصير المراد بذلك؟ تعظيم شأن هؤلاء الذين أرادوا وجه الله عز وجل بكونهم حصلوا على مضاعفة الأجر والثواب بخلاف الأولين.
ثم قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْممن أشركتم بالله مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) يقول المؤلف: (لا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَبه).
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْيعني: أوجدكم من العدم، لكن الخلق ليس مجرد الإيجاد بل هو الإيجاد بتقديرٍ، بل إن بعضهم قال: إن الخلق في الأصل هو التقدير، واستدلوا لذلك بقول الشاعر:

وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَـــــــــــــــــــــــــــلَقْتَ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي

ويش معنى (ما خلقتَ)؟ أي: ما قدَّرتَ، ولكن الصحيح أنه يطلق على الإيجاد المسبوق للتقدير، فمعنى خَلَقَكُمْأوجدكم إيجادًا مسبوقًا بالتقدير والإحكام والإتقان. وهذا مسلم ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى عند المشركين؟ حتى عندهم وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، ولا يمكن لأحد إلا المجنون أن يدعي أنه خلق نفسه، أبدًا، أو يدَّعي أنه خُلِقَ بدون خالق، أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥]؟ لا. فأنت ما خلقك أبوك، ولا خلقتك أمك، ولا خلقك أحد من البشر، ولا من غير البشر سوى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر مُسَلَّم.
ثانيًا: ثُمَّ رَزَقَكُمْ..
طالب: الشيوعية يقولون: خلقتهم الحجارة (...).
الشيخ: يقولون: إنها الطبيعة، فيعترفون بهؤلاء الخلق، لكن هؤلاء مكابرون لا عبرة بقولهم.
طالب: أهل الطبيعة، ويش يصفون الخلق؟
الشيخ: يقولون: هذا شيء وُجِد في الأزل على هذه الصفة وصار يتفاعل ويتوالد، وما أشبه ذلك.
الطالب: لكن ما هم مقرين أن الله هو الخالق.
الشيخ: لكن يقرون بموجد، ما يقولون: إن هذا الشيء مثلًا.. إن هذا الإنسان أو هذا الحيوان وُجِد هكذا صدفةً، يُقِرُّون بموجد وهي الطبيعة، فنقول لهم: هذه الطبيعة من الذي أوجدها؟
وقوله: ثُمَّ رَزَقَكُمْ [الروم: ٤٠]..
طالب: (...) حقيقة الأمر (...).
الشيخ: رَزَقَكُمْأي: أعطاكم، والرزق في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨] أعطوهم.
وهل أحد يدعي أن الرازق سوى الله؟ قد يدعي أحد، قد يقول: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُالله قال: فَارْزُقُوهُمْ، فأنا رزقت هذا الإنسان أعطيته، فيقال: لكن من الذي خلق ما أعطيت؟ الله الذي رزقك هذا هو الله، ومهما كان من عمل بني آدم فإنما هو تحويل لا إيجاد، كل عمل بني آدم -حتى الصنائع والبناء وغير ذلك- ليس إلا مجرد تحويل؛ يعني: تغيير من شيء إلى شيء، وإلا فالأصل هو الله عز وجل، هو الخالق، وهو الموجد، هذا الرزق اللي أعطيت مثلًا، هذا الرجل أعطيته كيسًا من الطعام، صحيح أنك رزقته، لكن من الذي أوجد هذا الكيس؟ الله عز وجل، فإذن الرزق أصله من الله وإن كان قد يوجد على أيدي بعض الناس؛ لقوله تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» .
لكن يقال: من الذي خلق هذا الرزق؟ ومن الذي جلبه إليك؟ ومن الذي قدَّر أن تعطيه هذا؟ كله الجواب هو الله.
وقوله: ثُمَّ يُمِيتُكُمْيعني: بعد هذا الخلق والإمداد؛ الخلق إعداد، والرزق إمداد، الله عز وجل أوجدك وأعدك وهيأك، ثم أمدك بما به قوامك، بعد ذلك يميتكم، يُمِيتُكُمْيعني: بعد الحياة الدنيا يكون الموت؛ وهو مفارقةُ الروحِ البدنَ مفارقةً تامةً، لأن النوم فيه مفارقة تفارق الروح البدن لكن ليست مفارقة تامة، أما الموت الذي هو الموت فهي مفارقة تامة، ولكنها تُعَاد إليه في قبره إعادةً برزخيةً لا كإعادتها في الدنيا.
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْالحياة الآخرة التي ليس بعدها فناء.
قال الله عز وجل: هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْشُرَكَائِكُمْهذه مضافة إلى المفعول ولَّا إلى الفاعل؟
طالب: إلى الفاعل.
الشيخ: مِنْ شُرَكَائِكُمْالذين أشركتموهم، فتكون مضافة إلى المفعول؛ يعني هل من هؤلاء الذين أشركتموهم بالله؟ ولهذا قال المؤلف: (ممن أشركتم بالله).
طالب: أشركتم هذا (...).
الشيخ: لا، أشركتم، لكن أشركتموهم، أصلًا ممن أشركتموهم.
طالب: أن الإنسان يشرك.
الشيخ: نعم، إذا أشرك فالمشرَك به مفعول، فمعنى شُرَكَائِكُمْليس معناه هم الذين أشركوكم، بل أنتم الذين أشركتموهم مع الله، فهو مضاف إلى مفعوله.
قال: هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍإعراب مَنْ يَفْعَلُ، ويش محلها من الإعراب؟
طالب: فعل الشرط.
الشيخ: أي شرط؟
طالب: (هل).
الشيخ: لا، هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ(مَن) ويش إعرابها؟
طالب: مفعول المصدر.
الشيخ: لا، يحتمل أن تكون نكرة موصوفة، والتقدير: هل من شركائكم أحدٌ يفعل ذلك، ويحتمل أن تكون موصولة على أنها مبتدأ مؤخر؛ أي: الذي من شركائكم، هل الذي يفعل ذلك من شركائكم؟ والأول أحسن؛ أن تكون نكرة موصوفة؛ يعني: هل من شركائكم أحد يفعل من ذلك؟
وقوله: مِنْ شَيْءٍ(مِن) زائدة، وصحت زيادتها؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي، و(مِن) تزاد في النفي، كما قال ابن مالك:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)

وقوله: هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْالمشار إليه ما هو؟ الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فعلى هذا يكون الجواب عن كونه مفردًا مَذَكَّرًا مع أن السابق أربعة أشياء؛ جمع، يقال: لأنه أُوِّل بالمذكور، مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْأي: من ذلكم المذكور، فصحَّ أن يأتي اسم الإشارة مفردًا مذكرًا؛ لأنه عائد إلى المذكور.
وقوله: مِنْ شَيْءٍيعني: ما يمكن يفعل هؤلاء أي شيء من هذه الأمور؛ لا الخلق، ولا الرزق، ولا الإحياء، ولا الإماتة. وهذا على سبيل التحدي، فإذا كانت هذه الآلهة التي أشركت بالله لا تفعل شيئًا من هذا، هل تصح أن تكون آلهة؟ لا، بل تأليهها باطل؛ لقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].
يبقى النظر لو ادعى مدعٍ أنه يحيي ويميت؛ كالذي حاج إبراهيم في ربه، إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال له: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، فما هو الجواب لو قال قائل: إن من المعبودين من يستطيع أن يحيي ويميت؟
نقول: هذه دعوى باطلة؛ لأن الإحياء والإماتة من الإنسان ليست إحياء وإماتة ولكنها فِعْلُ سببٍ يحصل به (...).
فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الروم: ٣٨] إلى آخره.
من فوائد الآية الكريمة: أن لهؤلاء الأصناف الثلاثة حق؛ القريب والمسكين وابن السبيل.
ومن فوائدها: وجوب إيتاء هؤلاء حقهم. من أين تؤخذ؟ من (آت) الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
ومن فوائدها: أن الأقرب فالأقرب أحق. من أين تؤخذ؟ من قوله: ذَا الْقُرْبَى، لكن كيف الأخذ؟ الأخذ هو أن لدينا قاعدة سبق أن قررناها؛ وهي أن الحكم إذا عُلِّق على وصف فكل ما كان أكثر في هذا الوصف فهو أحق، إذا عُلِّق الحكم على وصف فكلما كان هذا الوصف أشد تمكنًا في شيء فهو أحق.
فمثلًا إذا قلت: أدِّبِ العاصي، عُلِّق التأديب بماذا؟ بالعصيان، ويش يقتضي؟ كل من كان أشد معصية كان أشد تأديبًا، أو لا؟ وإذا قلنا: أكرم المؤمن، صار معنى ذلك كل من كان أقوى إيمانًا صار أحق بالإكرام.
ذَا الْقُرْبَىعُلِّق الحق بماذا؟ بالقرابة، فكلما كان أقرب كان أحق بالإيتاء.
وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم؛ أنه إذا عُلِّق الحكم على وصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف، نظرًا أن تعليقه بالوصف يفيد عِلِّيته، وهذا أيضًا القاعدة الثانية؛ أن تعليق الحكم بالوصف يفيد أن ذلك الوصف علة.
فمثلًا تقول: أكرم المؤمن. لماذا؟ لإيمانه. أدب الفاسق؛ لفسقه، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤] إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: ٧٧]، معناه: لإفسادهم، وهكذا نقول: إن تعليق الحكم بالوصف يدل على عِلِّية ذلك الوصف، وأنه علة الحكم، وبناء على هذه القاعدة تأتي القاعدة الأولى أيضًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من كان أحق بالإحسان فهو أولى به؛ لأن المسكين أحق بالإحسان من الغني، وابن السبيل المسافر المنقطع به سفره أحق من غيره.
من فوائد الآية الكريمة: أن النفع المتعدي خير في نفسه. وهل هو خير للفاعل؟ خير له بشرط، فهو خير بنفسه وإن لم ينتفع به الفاعل.
بناء على ذلك يتفرع على هذا أن ما يبذله الكفار من منافع للمسلمين هي خير للمسلمين، ما نقول: هذه صدرت من كافر فليست بخير، ما فيها خير، لا، لو أن أحدًا من الكفار أصلح طريقًا من الطرق من هذه الشركات الكافرة، هل يكون في هذا الإصلاح خير؟ نعم، خير لا شك فيه، لكن ليس خيرًا لهم إنما هو خير لغيرهم.
ومن فوائد الآية: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ.
ومن فوائدها: أنه كلما كان العمل أخلص لله كان أكثر خيرًا للفاعل. من أين نأخذ هذا الحكم؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، إحنا أخذنا أنه فيه خير لمن أراد الإخلاص، لكن كلما كان أخلص كان أكثر خيرًا للفاعل، من القاعدة التي مرت علينا؛ أن هذا الحكم عُلِّق بعلة لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ؛ لأن اسم الموصول مع صلته كاسم الفاعل تمامًا، فيكون خيرًا للذين يريدون، إذن فكلما كان الإنسان أخلص في إرادة وجه الله كان خيرًا، أكثر خيرًا له.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الوجه لله؛ لقوله: وَجْهَ اللَّهِ.
ووجه الله عز وجل قال أهل العلم: إنه من الصفات الخبرية؛ لأن عندهم أن الصفات خبرية محضة، يعبِّرون عنها بالخبرية؛ لئلا يقعوا في المحذور، فلا يقولون: إنها بعضية -مثلًا- أو جزئية؛ لأن التبعض والتجزئة في ذات الله عز وجل محرَّم إطلاقه، فالوجه واليد والعين والساق والقدم كل هذه يُعَبَّر عنها بالصفات الخبرية، لكن السمع والعلم والقدرة والحياة ويش تسمى؟ صفات معنوية؛ صفات معانٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى رؤية الله عز وجل. كيف ذلك؟ لقوله: يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ.
ولا شك أنه ثابت؛ رؤية الله عز وجل ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع السلف، ففي القرآن قال الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ويش معنى (ناضرة) الأولى؟ من النضارة؛ وهي الحُسْن، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌبالظاء منين؟ من النظر؛ وهو الرؤية بالعين، وهذه الآية من أصرح ما في القرآن، وفيه آيات أخرى: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين: ٢٣]، وفيه آية ثالثة: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها النظر إلى وجه الله ، وفيه آية رابعة: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥]، وفيه آية خامسة وهي قوله تعالى في الأنعام: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] فإن هذه الآية تدل على الرؤية؛ لأن الله قال: لَا تُدْرِكُهُ، ونفي الإدراك يدل على ثبوت الأصل، ولو كان لا يُرَى لقال: لا تراه الأبصار، فنفي الأخص يقتضي وجود الأعم؛ ولهذا كانت هذه الآية التي يستدل بها أهل التعطيل على نفي رؤية الله صارت دليلًا عليهم لا دليلًا لهم.
طيب الفرق بين الصفات المعنوية والخبرية أن الصفات المعنوية تدل على معانٍ؛ كالسمع والبصر والعلم والقدرة وما أشبهها، وأما الصفات الخبرية فهي تدل على صفاتٍ هي أبعاض لنا، هي بالنسبة لنا أبعاض، فيَدُ الإنسان ووجه الإنسان وساق الإنسان وقَدَم الإنسان وعينه -مثلًا- هذه أبعاض له، لكن ما نسميها بالنسبة لله أبعاضًا، بل سماها أهل العلم الصفات الخبرية.
طالب: في الحديث: يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يقول: من كان يعبد الطواغيت فليتبع الطواغيت، ومن كان يعبد الشمس فليتبع الشمس، فيأتيهم الله سبحانه وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، قال: ثم يأتيهم في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فينطلق ثم يتبعونه .
الشيخ: لا، ما فيه: فينطلق ثم يتبعونه.
طالب: (...).
الشيخ: فينطلق.
طالب: فيتبعونه.
الشيخ: الله؟
طالب: يكشف عن ساق.
الشيخ: يُكْشَف عن ساق، فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا. المهم على كل حال ويش الإشكال فيه؟
طالب: الاستشكال كيف ينطلق فيتبعونه؟
الشيخ: لا، هذه ما أدري، ما أعرفها، هذه تأكدها، إحنا ما نبحث فيها حتى تؤكد، ولا مرت عليَّ هذه، إنما مر علينا أن الأمم تتبع ما كانت تعبد حتى تُلْقَى في النار.
طالب: كل إنسان إلى آلهته؟
الشيخ: إي نعم، طيب.
من فوائد الآية الكريمة: أن الفلاح يكون بأمرين؛ بالإخلاص وفعل المأمور به. من أين نأخذه؟ من قوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الروم: ٣٨]، وهؤلاء المشار إليهم أتوا بالفعل والثاني الإخلاص.
ثم قال تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا [الروم: ٣٩]..
طالب: ما الفائدة؟
الشيخ: الفائدة أن الفلاح يكون بفعل المأمور به مع الإخلاص.
ثم قال تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩].
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بذل ماله من أجل الحصول على أمر الدنيا فإنه لا أجر له في ذلك. من أين تؤخذ؟ من قوله: فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، وهذا عكس الأولين الذين سبقوا في الآية السابقة، الذين أعطوا في الآية السابقة ويش يريدون؟ يريدون وجه الله، هؤلاء بالعكس، هؤلاء يريدون الازدياد بما أعطوا.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ.
طالب: (...)؟
الشيخ: في الإخلاص مع العمل، العمل الصالح مع الإخلاص.
من فوائد الآية الكريمة: التنبيه على الإخلاص. من أين تؤخذ؟ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ.
ومن فوائدها أيضًا: أن مضاعفة الأعمال تكون بحسب الإخلاص؛ لقوله: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ، فقد رتَّب الله تعالى الإضعاف على إرادة وجه الله. وعلى ما قررنا في القاعدة قبل قليل: يكون كل من كان أخلص لله فعمله أكثر مضاعفة، وهذا أمر لا شك فيه؛ فإن مضاعفة الأعمال تكون بأسباب كثيرة؛ منها شرف الزمان، ومنها شرف المكان، ومنها شرف الفاعل، ومنها شرف العمل، ومنها الإخلاص، ومنها الاتباع، كل هذه الأسباب الستة من أسباب المضاعفة.
المضاعفة بسبب شرف الزمان مثل؟ كرمضان والعشر الأول من ذي الحجة، هذا لشرف الزمان.
والمكان كالحرمين والأقصى؛ فإن العمل فيها أشرف من غيرها، الصلاة في المساجد الثلاثة أشرف من غيرها.
ومنها الفاعل؛ كالصحابة الذين قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» .
ويُلْحَق بهذا العاملون في آخر الزمان في أيام الصبر الذين يتمسكون بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام مع تباعد الناس عنها، فإن هؤلاء يُضَاعَف لهم الأجر، وإن كانوا لا ينالون مرتبة الصحابة لكن يضاعف أجرهم بسبب ما يجدونه من الغرابة ومخالفة الناس لهم؛ لأنه لا أحد يشك أن الإنسان الذي يعمل في محيط يعملون كما يعمل أن العمل عليه هين، بل مخالفة الناس هي الصعبة، لكن عمل الإنسان في محيط لا يعملونه هذا هو الصعب والشاق، لا سيما أن المعارضة ستكون عنيفة؛ لأن هذا متمسك بطاعة الله، والمخالفون له على العكس، وأعنف صراع يكون بين المتخالفين هو ما يكون بين المتمسكين بدين الله والمتحللين منه. هذه ثلاثة، ويش بقي؟
طالب: بقي العمل.
الشيخ: تكون أيضًا المضاعفة بحسب العمل..
طالب: كثرته.
الشيخ: بحسب العمل، الكثرة ما هي واردة لكن جنس العمل، فالصلاة أفضل من غيرها، والفرض من كل عمل أفضل من نفله وأشرف، والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وهكذا، كما بينا لكم كثيرًا. هذه أربعة. والخامس؟
طالب: الإخلاص.
الشيخ: بحسب الإخلاص كما في هذه الآية، وكلما كان الإنسان أخلص ولو كان العمل واحدًا كان عمله أشرف من الآخر؛ ولهذا تجد رجلين ركبا سيارة واحدة، وخرجا ودخلا جميعًا في الحج أو في العمرة، ورجعا جميعًا على السيارة، وأفعالهما واحدة، وأقوالهما واحدة، وبينهما تفاوت أكثر مما بين المشرق والمغرب؛ بحسب الإخلاص لله.
والسادس: بحسب الاتباع؛ ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة على وقتها ؛ لأنها حصلت على وجه المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
هذه الأسباب في الشرف كلها مما يوجب للعبد العناية بأعماله، وأن يتحقق بما يستطيعه من هذه الأسباب.
طالب: قوله (...) في أيام الصبر له أجر خمسين منكم، ويش..؟
الشيخ: المعنى له أجر خمسين منكم في هذه الخصلة التي عانى بها وتعب، فأصل العمل -مثلًا- الصدقة مضاعفة بعشر أمثالها، عشر أمثال موجودة في الصحابة وموجودة في الزمن المتأخر هذا، لكنه يُضَاعف ذلك، يكون أجر هذا مثل أجر خمسين من الصحابة؛ لما يجده من المعاناة، لكن الكمية التي تحصل للصحابة التي لو أنفق أحدنا مثل أُحُد ما بلغ مُدِّ أحدهم ولا نصيفه، هذه خاصة بهم، فعندنا ثواب على أصل العمل، وثواب مضاعف بحسب العامل، فأصل العمل -كالصدقة مثلًا- يكون لهؤلاء المتأخرين أجر خمسين من عمل الصحابة باعتبار أصله لا باعتبار أنه وقع من الصحابة رضي الله عنهم.
طالب: ما يرد على هذا قولهم أنهم قالوا: منا أو منهم قال: «بَلْ مِنْكُمْ»؟
الشيخ: إي نعم، ما يرد على هذا؛ لأننا نعتبر أصل العمل لا المضاعفة بحسب كونه صحابيًّا، فأصل العمل مثلًا الصحابي لولا الصحبة لكان له أجر أصل العمل فقط، فبالصحبة يزداد، فيكون معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» يعني: باعتبار أصل العمل، ويجب الرجوع إلى هذا؛ لأنه لا يمكن الجمع بينه وبين هذا الحديث إلا على هذا الوجه.
طالب: لماذا لم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: خمسين عاملًا ولا يقول: خمسين صحابيًّا؟
الشيخ: ما نقدر نقول: لماذا لم يقل؛ لأن المسألة الآن مسألة جمع، ولو كان الأمر واضحًا ما احتجنا نقول: ويش الجمع فيه؟ فما دام المسألة مسألة جمع يحتاج أنا نشوف أدنى دائرة يمكن أن تجمع بين النصين.
طالب: الرسول من كان يخاطب؟
الشيخ: الرسول يخاطب الصحابة.
الطالب: وعندنا الصحابة يتفاضلون؟
الشيخ: إي، معلوم أن الصحابة يتفاضلون، هو يخاطب خالد بن الوليد في مقابلة سبِّه لعبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن عوف لا شك أنه من السابقين الأولين، وخالد بن الوليد متأخر إسلامه، وكان بينهما مسابة فقال له: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» .
طالب: (...).
الشيخ: بالنسبة لمن دونه يلحق لا شك، لكن بالنسبة لمن فوقه فأهل الحديث أنه لا يلحق؛ ولهذا قال الله عز وجل: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠]، ثم قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ [الروم: ٤٠] إلى آخره.
من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأجلى والأوضح؛ لأن الله استدل على بطلان آلهة المشركين بماذا؟ بأمر يقرونه هم، وآلهتهم ما تفعل، وهو الخلق والرزق والإماتة والإحياء.
ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ وذلك بالأمور الأربعة الخلق والرزق.. إلى آخره.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات أن ما اكتسبه الإنسان فهو من الله؛ لأن هذه الأربعة فيها ثلاثة ما أحد يماري فيها، ما هي؟ الخلق والإماتة والإحياء، لكن الرزق قد يماري فيه مُمَارٍ، قارون ويش قال؟ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨]، فقد فسَّره مجاهدٌ -أظن- على علم مني بوجوه المكاسب؛ يعني معناه أني أنا ماهر بمعرفة المكاسب، وحصلت هذا المال، ولكننا نقول: هذا التحصيل الذي حصلته بمهارتك من أين جاءك؟ من الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الذي حصل لك بسبب، وخالق الأسباب هو الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا استجلاب الرزق من ربنا وحده؛ لقوله: ثُمَّ رَزَقَكُمْ.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يترتب على هذا فائدة أخرى؛ وهي ألا نطلب رزقه بمعاصيه. ويش وجهه؟ إذا كنت تطلب الرزق من الله فهل من اللائق عقلًا أن تقدم له معصية ليرزقك؟
طالب: لا.
الشيخ: الذي يَسْتَدر الرزق من غيره ويش يُقدِّم؟ يقدم طاعته والخضوع له؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]، إذن من استجلب رزق الله بمعاصيه فقد خالف الحكمة والصواب، أليس كذلك؟
فهؤلاء الذين يطلبون الرزق بالربا، ويطلبون الرزق بالغش، ويطلبونه بالكذب وغير ذلك من الوسائل المحرمة هم في الحقيقة أشبه ما يكونون بالمستهزئين بالله عز وجل الساخرين به، كأنهم يقولون: يا ربنا، إننا نعصيك لترزقنا، وهذا من أعظم ما يكون؛ ولهذا جعل الله الذين يطلبون زيادة المال بالربا، ويش جعلهم؟ محاربين له يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]، والربا -كما قال شيخ الإسلام- يقول: ما ورد في ذنب من الذنوب دون الشرك أعظم مما ورد في الربا، الذي أصبح عند الناس الآن من أسهل الأشياء وأبسطها، حتى كانوا يتعاطونه بالصراحة، ويتعاطونه بالتحيل، وتعاطيه بالتحيل أخف من تعاطيه بالصراحة، مثلما أن تعاطي الكفر بالنفاق أخف من تعاطيه بالكفر الصريح؛ لأن هذا المتحيل مخادع لله عز وجل، جمع -والعياذ بالله- بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع والتحيل، فالرب عز وجل إذا حرَّم شيئًا ليس كغيره تخفى عليه الأشياء، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونبيه عليه الصلاة والسلام وضَّح أن الأعمال بماذا؟ بالنيات.
فما دمت نويت الربا الآن لكن تحيلت عليه إدخال سلعة غير مقصودة، هذا تلاعب، استهزاء بآيات الله عز وجل، يأتي إليه يقول: أنا أبغي منك مئة ألف على أن تكون بمئة وعشرين ألفًا إلى سنة، طيب كيف الوصول إلى هذا؟ والله إحنا مسلمون، ما أقدر أعطيك المئة ألف نقدًا وأكتب عليك مئة وعشرين؛ لأننا نخشى الله، ولكن هنا طريق نلوذ من جهة أخرى ونجعل حاجزًا بيننا وبين الله، بماذا؟ بأي سلعة تتفق، نروح نشوف اللي عند الناس؛ وجدوا عند هذا سكرًا، قال: نشتري سكرًا، وجدوا عنده هيلًا، قالوا: نشتري هيلًا، وجدوا سيارات، نشتري سيارات، وجدوا أكياسًا لا يُدْرَى ما بوصفها فلعله أن يكون رملًا، قالوا: نشتري هذه الأكياس. أليس هذا هو الواقع؟ هذا هو الواقع.
ولهذا الآن ما ينظرون إلى هذه الأكياس ويش هي، يقولون: إنها أكياس سكر، وهو أكثر ما يكون في القبض أنه يمر يده عليها، ولَّا يعده؛ واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة.. إلى آخره، ويقولون: إن هذا هو القبض. فهل هذا قبض لغة أو عرفًا أو شرعًا؟ أبدًا، لا يُعَدُّ هذا قبضًا؛ لأن القبض معناه أن يكون الشيء في قبضتك، وهذا الشيء مركون في مكانه، تَرِدُ عليه عدة مبايعات في خلال ساعة أو ساعتين.
وهذه البَلِيَّة التي ابْتُلِي بها الناس الآن -نسأل الله أن ينقذهم منها- بَلِيَّة عظيمة، ويُقَبِّحها أنهم يعتقدون أنها حلال وأن عمل البنوك حرام، حتى إن بعضهم بيجيء يتغيظ ويتضجر: أعوذ بالله! شوفوا الحرام، الربا يُعْلَن صريحًا في البنوك، وهو ممن يتعامل بهذه المعاملة، يبكي غيره ولا يبكي نفسه، وهو أحق بأن يبكي نفسه.
فالمهم أننا نقول -خرجنا عن الموضوع-: إن الرزق إذا كان من الله عز وجل فإنه يجب عليك شرعًا وعقلًا أن تستمد هذا الرزق بماذا؟ بطاعة الله لا بمعصيته.
طالب: طيب التورق -يا شيخ- ما يدخل في هذا؟
الشيخ: التورق يقول شيخ الإسلام: إنه داخل في هذا، ويقول عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله: إن شيخنا يُسْأَل عن هذا مرارًا فيصر على أنه حرام وأنه ربا، التورق غير شغل الناس الآن يقولون: هذا تورق، التورق قال العلماء (...) ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين فلا بأس به، وهي مسألة التورق، هذه عبارة الروض المربع شرح الزاد.
شوف الآن أولًا قالوا: (ومن احتاج) فعلمنا أنها ما تكون إلا للحاجة.
ثانيًا: (فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين) وقع العقد على عين المبيع، ولا قال: العشر إحدى عشر ولا اثنا عشر، وكلمة (اشترى) تُحْمل على الشراء الشرعي الذي يجمع الشروط، ومن جملتها العلم بالمبيع ونوعه وجنسه.. إلى آخره. وهل هذا موجود في عمل الناس الآن؟ أبدًا.
كذلك اشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين إلى أجل، هذه تنطبق؛ لأنهم يقولون: اثنا عشر، وثلاثة عشر، وإحدى عشر، حسب الاتفاق.
ثم نفس الفقهاء الذين أباحوا ذلك قالوا: يُكْرَه أن يقول في بيع المرابحة المعروف أن يقول: العشر إحدى عشر، وذكروا عن الإمام أحمد نصًّا بأنه يحرم أن يقول: العشر إحدى عشر حتى في غير مسألة التورق، بيع المرابحة الذي يعرفه بعضكم يَحْرُم فيه -على إحدى الروايات عن أحمد- أن يقول: العشر إحدى عشر، وهو يريد السلعة نفسها، ما يريد النقد، المذهب أنه يكره، والرواية الثانية عن أحمد أنه يحرم.
يعني أنا مثلًا اشتريت هذا الكتاب وأنت تبيع الكتاب، تبيع الكتاب نفسه ما تبيع دراهمه، فقلت لي: أبغي أشتريه منك مرابحة، قلت: ما يخالف، أنا شاريه بمئة، وأبيعه عليك على أن أربح بكل عشرة دراهم درهمًا. كم يكون المئة؟ مئة وعشرة. هذا جائز.
لكن لو قلت: أبغي أشتري منك العشرة أحد عشر، قالوا: إنه يكره على المذهب، ويحرم على الرواية الثانية، مع أنها من مسألة التورق.
فهؤلاء الناس الآن جمعوا بين أمرين؛ بين العشر بإحدى عشر أو اثني عشر وبين التورق، أما شغلنا الآن هو ما ينطبق عليه حتى على قول من يقول بجواز التورق.
ولاحظ أن الإمام أحمد عنه رواية ثانية، وعنه رواية بأنها جائزة، والرواية الثانية بأنها من مسائل العينة؛ التورق، ذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكرها ابن القيم في تهذيب السنن أن مسألة التورق من مسائل العينة، والعينة معروف أنها حرام.
فالحاصل أننا الحقيقة في عصرنا الحاضر لما كان الناس ما يبالون إلا أن يكتسبوا المال، فجعلوا المال مقصودًا مخدومًا بعد أن كان وسيلة خادمًا، حقيقة المال أنه وسيلة خادم، ولكنا جعلناه الآن مقصودًا مخدومًا، وهذا من سفه الإنسان؛ أن يستخدمه مالُه الذي خُلِقَ له، هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩].
طالب: لكن واقع (...).
الشيخ: لا، الراجح هو ما نعرف عنه شيئًا.
طالب: الآن رؤية العين (...).
الشيخ: تستعمل في الدول الكافرة، وهي طريق الإيداع الصحيح؛ لأن قولنا: إن البنوك الآن أني حطيت مالي وديعة عندهم، هذا ما هو صحيح، لا ينطبق عليه شرعًا معنى الوديعة، ويش معنى الوديعة شرعًا؟ أن تعطيه المال ليحفظه بعينه، ما هو بتعطيه مالك يحطه في صندوق وينتفع به، حتى إن العلماء قالوا: لو أن المودِع أَذِن للمودع بالانتفاع بالوديعة صارت قرضًا تثبت في ذمته، ففعل الناس الآن اللي يسمونه (...).
يأخذ سَلَمًا، السلم أني أعطي شخصًا دراهم نقدًا بسلعة مؤجلة، عكس الشراء إلى أجل أعطيك -مثلًا- عشرة آلاف ريال على أن تعطيني بعد سنة مئة كيس سكر، أو سيارة وصفها كذا وكذا، هذا ما فيه شيء؛ لأن الصحابة كانوا يفعلونه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي شَيْءٍ مَعْلُومْ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» ، ووجه أن ما فيه شيء: لأن ما فيه ربح مضمون لأحد الطرفين، أو لا؟ أنا -مثلًا- إذا أعطيتك -مثلًا- عشرة آلاف ريال في سيارة إلى أجل، ما ندري أينا هل أنا اللي أربح ولا أنت، صح؛ لأنه عند انتهاء الأجل يمكن أجد السيارة بستة آلاف ريال، ويمكن ما أجدها إلا بخمسة عشر ألف ريال، إي نعم، وهذا لا بد أن يقع نادرًا أن تكون الأسعار إلى سنة لا تختلف.
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، إذا احتاج فلوسًا بيجيء لواحد يقول: تعالَ، الآن أعطنا فلوسًا بشيء مؤجل، وإلا يشتري المواد اللي يحتاج بثمن مؤجل أكثر من النقد.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا إذا اشترى السلعة بعينها يريدها بعينها، ما يتورق، التورق ما هو بيريد السلعة؛ ولهذا سمي تورقًا. مأخوذ من أين؟ من الورق؛ يعني هو لا يريد إلا الفضة، المتورق.
طالب: بالنسبة للسلم هل يدخل فيه (...).
الشيخ: ولهذا قال الفقهاء: لو أسلم في ثمن بستان معين ما صح؛ لأنه صار محله الآن البستان، ما صار في الذمة، أما إذا صار في الذمة فهذا ما فيه شيء، لا بد من تمام الشروط.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما تصح، ولا ثمنها.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما تجب؛ لأنه يبيع عليه أشياء بدون قبض ثمنها.
طالب: (...).
الشيخ: فهذا يمكن معناه أنه يحضره، وهو -مثلًا- امتنع، يتفقون معه على أننا اشترينا منك كذا وكذا؛ سيارات بكذا وكذا دراهم وهو ما سلمه الدراهم.
طالب: (...).
الشيخ: أبدًا؛ ولهذا أحيانًا الدولة يكون مماطلتها أكثر من مماطلة الناس.
طالب: (...).
الشيخ: ما يصح هذا إلا لو كانت السيارات عنده وقال: حضرها، مثلًا لما أنه اتفق وإياهم حضر السيارات ثم أوقعوا العقد على أعيانهم، حينئذٍ يصح؛ لأنه يكون بيع عين بدين.
طالب: وقعوا العقد على أوصافه؟
الشيخ: لا، على أوصافه ما يصح؛ لأن المبيع الموصوف غير المعين محله الذمة، ما محله العين؛ فلهذا يكون العقد اللي وقع بين الرجل والحكومة عقد على شيء في ذمة بشيء في ذمة ما فيه شيء معين.
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، إذا حضر السلعة قال: هذه السلعة الآن، وأبيعها عليكم بكذا، وصار العقد بعد التحديد، ما يخالف، إذا صار أنه معناه التأمين بمعنى أنه حضر وبعد التحضير يجري عليه العقد فهذا لا بأس به؛ لأنه يكون بيع عين بدين وهو جائز.
طالب: (...).
الشيخ: إذا عمدوه متى يجعلون التعاقد معه؟
طالب: إذا عمدوه يقولون له مثلًا: بعد عشرة أيام تستلم الزيادة، وإذا سلم المستودع يروح يأخذ (...).
الشيخ: ما هو الذي يعتبرونه عقدًا؟ هل يعتبرون العقد بعد حضورها ولَّا قبل؟ إن كان قبله فإنه لا يصح متى يعقدون، هل معناه يقول: حضر هنا، وإذا حضرت أنا بأشتريها منك بكذا وكذا؟ إذا حضرت نعطيك الثمن، إذن العقد قبل التحضير، وهذا نص العلماء على أنه لا يجوز، وهذا بيع دين بدين فلا يحل المحظور؛ لأنه ما وقع العقد على شيء معين، الآن كله في الذمم.
طالب: (...).
الشيخ: (...) تدري الآن لو بأبيع عليك الصاع بصاعين -والصاعين قيمتهم قيمة الصاع- ما فيه محظور، ما هي محرم، إحنا نتقيد فيما ورد به النص، اللي ورد به النص إما أن تكون السلعة مؤجلة، وإما أن يكون الثمن مؤجلًا، وإما أن يكون من الطرفين لا هذا ولا هذا، فهذا ما يجوز، وهذا منصوص عليه عند الفقهاء، أدنى طالب علم إذا قرأ في أول الروض المربع يعرف هذا؛ ولهذا قالوا من صور البيع (...)، ويش من صورها؟ بيع دين بعين بشرط الحضور وقبض أحد العوضين.
من فوائد الآية الكريمة: قلنا: إنه ينبغي الاستدلال بما هو أجلى وأوضح في الاستدلال.
ومن فوائد الآية الكريمة: عجز هذه الآلهة عن فعل شيء يختص بالربوبية؛ لقوله: هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [الروم: ٤٠]؛ لأن هذا الاستفهام -كما قررنا- بمعنى النفي.
ومن فوائدها: ثبوت التلازم بين التوحيدين؛ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأن من أقرَّ بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية، وهذا المعنى قرَّره الله تعالى في عدة آيات.
من فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص. من أين يؤخذ؟ من قوله: سُبْحَانَهُ.
ومن فوائدها: أن المشركين بالله عز وجل قد وقعوا في تنقص الله؛ لقوله: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله تعالى يجمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات؛ النفي في قوله: سُبْحَانَهُ، والإثبات في قوله: وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: قوة الإقناع في أسلوب القرآن؛ لأن مثل هذا التحدي هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍهذا أقوى ما يكون في الإقناع، كل منهم سيكون جوابه: لا، إذن لماذا تعبدونها مع الله؟!
هل يستفاد من هذه الآية استنباط أقسام التوحيد الثلاثة؟ الربوبية فهي موجود، والألوهية موجود، كيف ذلك؟ لاستلزام الإقرار بالربوبية للإقرار بالألوهية، ثم إن قوله: هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْالمقصود إبطال ألوهيتهم، والأسماء والصفات موجود في قوله: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، والله أعلم.

***

تفسير الآيات (41-43)
00:56:18

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}
[الروم: ٤١] ظَهَرَبمعنى بان واتضح، وقوله: الْفَسَادُضد الصلاح، وهو من كل شيء بحسبه؛ ففساد الزروع بيبسها وتلفها بالعواصف والأمطار المغرقة والبرد المتلف، وكذلك فساد المواشي بهلاكها ومرضها، وفساد الثمار بنقصها، وما أشبه ذلك، المهم الفساد في كل شيء بحسبه.
وهل الفساد هنا يراد به الفساد الحسي أو يشمل الفساد الحسي والمعنوي؟ الصحيح أنه يشمل الفساد الحسي والمعنوي؛ فالحسي ما ذكرنا أمثلته قبل، والمعنوي هو كثرة المعاصي والفسوق وانتشارها بين الناس وعدم المبالاة بها حتى يصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، فإن هذا من أعظم الفساد، قال الله تعالى: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف: ٥٦]، قال العلماء: لا تفسدوها بالمعاصي.
وقوله: فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِيقول المؤلف: (الْبَرِّالقِفَار) أي: الفيافي الخارجة عن المدن والسكان، هذا البَر، وقيل: المراد بالبَر ما ليس ببحر، فيشمل المدن والأمصار والقفار وغيرها.
وقوله: (بقحط المطر وقلَّة النبات، وَالْبَحْرِأي: البلاد التي على الأنهار بقلَّة مائها) فمشى المؤلف رحمه الله على أن المراد بالبَر ما سوى العمران، والمراد بالبحر العمران الذي على شواطئ البحار، وبهذا قال كثير من المفسرين، ولكن الصواب أن المراد بالبَر ما سوى البحر، والمراد بالبحر الماء؛ لأن ما ذكرناه هنا أعم مما ذكره المؤلف وغيره، وهو الأظهر أيضًا؛ فإن البحر إذا أُطْلِق في القرآن ويش يُرَاد به؟ يُرَاد به الماء، ففساد البر -كما قال المؤلف- بالقحط وقلة النبات، وفساد النبات أيضًا بعد وجوده؛ ولهذا أرسل الله على آل فرعون، أرسل الله عليهم الجراد والقمل والضفادع والدم، أربع آفات؛ الجراد يفسد الزروع بعد خروجها ويأكلها، القُمَّل يفسد القوت، إذا حُصِد (...) جاءه القُمَّل؛ وهو السوس الذي يتلفه، والضفادع بماذا؟ بالماء، امتلأت مياههم ضفادع حتى إن الإنسان ما يستطيع يشرب من الماء -والعياذ بالله- من الضفادع، والدم الصحيح أن المراد به النزيف، وإن كان بعض العلماء يقول: إن المراد بالدم أن الماء يكون عند آل فرعون كالدم، والصواب أنه النزيف؛ لأن الله ذكر إفساد الماء بماذا؟ بالضفادع، فكان القوت من أوله إلى آخره وغايته وهو الدم؛ لأن الدم يكون من القوت، فصارت الأقوات -والعياذ بالله- لا تنفعهم؛ لا قبل دخولها أجوافهم، ولا بعد الدخول.
طالب: القُمَّل -يا شيخ- القَمْل ولَّا غيره؟
الشيخ: لا، القُمَّل ما يسكن من السوس في القوت، يسمونه عندنا الخيش، عبارة عن دودة تكون في الحبوب تفسده وتأكله، المهم هذا من الفساد في البر.
الفساد في البحر بماذا؟ قال العلماء: يكون بموت الحيتان وفسادها، وكذلك تغير المياه وعدم اطرادها كالعادة، هذا من الفساد في البحر.
وقوله: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١] بِمَا كَسَبَتْالباء للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة؛ إذا كانت موصولة فلا بد لها من عائد محذوف، والتقدير: بما كسبته أيدي الناس، وإن كانت مصدرية ما تحتاج إلى عائد، ويكون المعنى: بكسب أيدي الناس.
وقوله: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِقال المؤلف: (من المعاصي)، وأَيْدِي النَّاسِجمع (يد)، والمراد ما كسبوا، وهذا من أساليب اللغة العربية أن يُعَبَّر باليد عن صاحب اليد، وليس المراد ما كسبت اليد فقط؛ لأن المعاصي ما تكون بالأيدي فقط، تكون باليد، وبالرجل، وبالعين، وباللسان، وبالأذن، جميع الحواس، كل الحواس يمكن للإنسان أن يعمل بها المعصية، فيكون المراد بالأيدي هنا الأنفس لا اليد التي هي عضو من أعضاء البدن.
طالب: ممكن هذا مجاز يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما هو مجاز؛ لأنها بسياقها دالة على أن المراد ما كسبوه فلا تكون مجازًا، أما قوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٣٣] فالمراد بـأَيْدِيهِمْالأعضاء، فالكلمة في سياقها حقيقة في معناها.
ولهذا لو أراد أحد أن يصرف قوله: أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْإلى أن المعنى: أو تقطع أبدانهم ما استطاع، كما أنه لو أراد أن يجعل بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِبما كسبت اليد نفسها فقط دون بقية الأعضاء ما استطاع.
وهذا هو وجه قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه لا مجاز في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأنه إذا كانت الكلمة قد تعين معناها بسياقها صارت بمقتضى هذا السياق حقيقةً في هذا المعنى، وحينئذ ما نحتاج إلى تأويل.
وقوله: النَّاسِتقدم لنا مرارًا وتكرارًا أن أصلها (أناس) لكنها حذفت الهمزة للتخفيف، كما هي في قوله: شر وخير، وأصلها أشر وأخير، وكما هي في قوله: الله فإن أصله الإله. هكذا قيل في الله، وفي النفس من هذا شيء.
قال: (لِيُذِيقَهُمْبالياء والنون بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) لِيُذِيقَهُمْاللام هنا للتعليل، وما هو المعلَّل؟ المعلل متعلق هذه اللام، واللام متعلقة بماذا؟ بـظَهَرَ، هذا هو المعلل، ظهر لكذا؛ أي لأجل أن يذيقهم. وفيها قراءتان سبعيتان؛ وهي {لِنُذِيقَهُمْ} مضافًا فيها الفعل إلى الله عز وجل، أو لِيُذِيقَهُمْمضافًا فيها الفعل إلى ضمير الغائب، ومع ذلك فإن هذا الغائب يعود إلى من؟ يعود إلى الله سبحانه وتعالى.
وقوله: لِيُذِيقَهُمْيُعَبَّر دائمًا بالإذاقة عن الإصابة؛ لأن الذوق هو أعلى أنواع الإدراك الحسي، فإن الإنسان يسمع بالشيء، ثم يراه، ثم يذوقه، أقول لك: عندي تفاحة، إدراكك للتفاحة الآن بالسماع، ثم أخرجها وأريك إياها يكون بالرؤيا، وأيهما أقوى؟ الرؤيا أقوى من السماع، ثم أعطيكها فتأكلها، ويش يصير هذا؟ بالذوق، وهذا أعلى ما يكون؛ لأني إذا قلت: عندي تفاحة ولا شفتها أنت يحتمل أن قولي هذا كذب، وإذا أريتك إياها ولكنك ما ذقتها يحتمل أن تكون نباتًا آخر يشبه التفاحة، ويحتمل أن تكون من التفاح الصناعي الذي يصنعونه من البلاستيك تشاهده كأنها تفاح حقيقي، فإذا ذقتها صارت حق اليقين؛ ولهذا يعبر الله عز وجل دائمًا عن الإصابة بالإذاقة؛ لأنها أعلى أنواع الإدراك.
وقوله: (بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواأي: عقوبته) لأن الذي عملوا غير الفساد الظاهر في البر والبحر ولكن الفساد هو عقوبته.
لكن يقول قائل: لماذا عبَّر عن العقوبة بالفعل؟ نقول: عبَّر عن العقوبة بالفعل بعض الذي عملوا لوجهين:
الوجه الأول: بيان سبب هذه العقوبة.
الوجه الثاني: أن هذه العقوبة بقدر العمل تمامًا؛ ولذلك عبَّر عنها بالعمل إشارةً إلى أنها بقدره ليس بها ظلم، وهذا كثير في القرآن يعبِّر الله تعالى عن العقوبة بالفعل من أجل هذين الوجهين:
الوجه الأول: بيان أن سبب العقوبة هذا العمل.
والثاني: أن العقوبة بقدر العمل.
وقوله: بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوايعني: لا كله، إي نعم، لا كل؛ لأن الله يقول: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥]، وقال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠]، وهذا حق لو أن الله تعالى آخذ الناس بقدر ذنوبهم ما ترك عليها من دابَّة، كان كل الناس يموتون ولا يبقون، ولكنه سبحانه وتعالى يصيبهم ببعض ذنوبهم فقط.
الحكمة قال: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١] (يتوبون)، و(لعل) هنا للتعليل، وكلما جاءت (لعل) في كلام الله فإنها للتعليل أو توقُّع الشيء إذا كان من المتوقع؛ أي: لأجل أن يرجعوا إلى الله عز وجل.
وهذه من حكم الله؛ أن الله تعالى يبتلي العباد بالضراء لأجل أن يرجعوا إلى الله، وكم من إنسان صارت عقوبته بالضراء سببًا لرجوعه إلى ربه، بل إنها أحيانًا تكون سببًا مباشرًا، وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِأين يذهبون؟ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [لقمان: ٣٢]، هذا رجوع، لكنهم -والعياذ بالله- إذا نجوا عادوا إلى كفرهم، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
قال الله تعالى: (قُلْلكفار مكة سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ [الروم: ٤٢]) الخطاب في قوله: قُلْللرسول عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يكون له ولكل من دعا إلى شريعته ودعا الناس إلى الاتعاظ والاعتبار.
وقوله: سِيرُوا فِي الْأَرْضِالسير معناه المشي، وفِي الْأَرْضِ(في) بمعنى (على)؛ يعني: على الأرض، وليس المراد في داخلها، وقيل: إن (في) للظرفية، وإن الظرف يختلف بحسب المظروف وبحسب الظرف أيضًا، يعني مثلًا إذا قلنا: الماء في الكوز، صار في جوف الكوز، كوز ماء؛ الكأس أو الطاس مثلًا أو القِدر، فهنا صار الماء في جوفه، وإذا قلنا: الكتابة في الورق؛ اختلفت، وإذا قلنا: الوجه في المرآة؛ اختلفت، فيرى بعض العلماء أن (في) هنا للظرفية ولكن ظرف كل شيء بحسبه.
والسير المأمور به هنا لا أحد يتصور أن المراد أن احفروا لكم خندقًا في الأرض وادخلوا فيه، ما أحد يتصور هذا، فهنا وجهان في كلمة (في):
الوجه الأول: أن تُجْعَل بمعنى (على)؛ سيروا على الأرض، أي: على ظهرها.
الوجه الثاني: أن تُجْعَل (في) للظرفية، ويقال: إن ظرفية بكل مكان بحسبه. هذا تفسير (في).
تفسير سِيرُوا فِي الْأَرْضِسِيرُواهل المراد السير بالأقدام أو السير بالعقول؛ بالتفكير؟ كلهن، يشمل السير بالأبدان بأن يذهب الإنسان إلى مساكن القوم ليتعظ ويعتبر، أو السير بالقلوب؛ بأن يقرأ تواريخهم وأحداثهم حتى يعتبر بهم. وكم من سير بالقلب صار أعظم من السير بالقدم، ولكن السير بالقدم لأجل التفرج والنزهة هذا محرم، كما يفعله بعض الناس الآن؛ يذهبون إلى ديار ثمود من أجل التفرج والنزهة والاطلاع على ما لهم من قوة سابقة، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا» . أين الذين يذهبون إلى ديار ثمود وهم يبكون؟ والرسول صلى الله عليه وسلم لما مرَّ بها في ذهابه إلى تبوك مشى مسرعًا وقنَّع رأسه، نزلها عليه الصلاة والسلام وأسرع، وعلى هذا فنقول: إذا سرت في أرض هؤلاء المعاقَبين فسرْ سيرَ متعظٍ معتبرٍ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام.
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُفَانْظُرُوانظر اعتبار وتفكر ولَّا نظر عين؟ على حسب ما قلنا في السير؛ إن كان سيرًا بالقدم فهو نظر بالعين، إن كان سيرًا بالقلب فهو نظر بعين البصيرة؛ التفكر والتأمل. ويمكن أن نقول أيضًا: إن حتى إذا فسرنا السير هنا بالسير الحسي على الأقدام فإنه لا بد أن يكون مقرونًا بالنظر بعين البصيرة والاعتبار؛ إذ النظر بالعين المجردة لا يفيد شيئًا.
فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُويش محل (كيف) من الإعراب؟ محلها النصب خبر (كان) مقدمًا، و(عاقبة) اسمها، والجملة معلِّقة عن العمل، معلِّقة لكلمة (انظروا)، الجملة المعلِّقة في تأويل الاسم المفرد، والتقدير: فانظروا حالهم كيف كان.
وقوله: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ(عاقبة) هنا مصدر؛ ولهذا ذُكِّر الفعل، أي بمعنى عقبى، الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ(من) حرف جر، و(قبل) اسم مرفوع بـ(من) وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.
طالب: مبني على الضم لقطعه عن الإضافة.
الشيخ: إي، مبني على الضم لقطعه عن الإضافة.
طالب: (...).
الشيخ: حذف المضاف ونوي معناه فيُبْنَى على الضم؛ لأنهم يقولون في (قبلُ) و(بعد): إن وُجِد المضاف لفظًا فهي معربة غير منونة، وإن حُذِف لفظًا ومعنى فهي معربة منونة. هذان حالان متقابلان؛ إذا وُجِد المضاف إليه فهي معربة غير منونة، تقول: أتيت من قبلِ زيدٍ ومن بعدِه، وإذا حذف المضاف لفظًا ومعنى فهي معربة منونة.
وإذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي لفظه فهي معربة غير منونة كما لو وُجِد لفظه معربة غير منونة، وإذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه فهي مبنية على الضم، إي نعم، لها أربع حالات.
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَكأن الإنسان يتوقع: فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أُهْلِكوا وأُتْلِفوا وما أشبه ذلك، ولكن البيان جاء على غير المتوقع، ماذا تتوقعون أنتم لما قال الله عز وجل: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الروم: ٩]؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، (...) تتوقعون: أهلكناهم ودمرناهم وما أشبه ذلك، يعني هذه عاقبتهم، لكن جاء الأمر على خلاف المتوقع كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَجاء مبينًا لسبب هذه العاقبة؛ لأنها هي الحال التي عليها هؤلاء المكذبون وهو الشرك؛ يعني فأنتم الآن مشركون، وهم كانوا مشركين فدُمِّروا، فمعنى ذلك أن عاقبتكم أنتم ستكون مثلهم مآلها التدمير والهلاك، وهذا من بلاغة القرآن أن الله تعالى ذكر سبب هلاك أولئك القوم الذي كان عليه،
الآن هؤلاء المخاطبون مشركون، كانوا على الشرك إلى الآن، ما وجدوا العاقبة، لكن إذا علموا أن سبب عاقبة هؤلاء هو الشرك فلا شك إذا كان لهم عقول أن ينتهوا عن الشرك.
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَيقول: (فأُهْلِكوا بإشراكهم، ومساكنهم ومنازلهم خاوية)، قوله تعالى: كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَطيب والبعض الآخر؟ ظاهر الآية الكريمة أن البعض الآخر -وهو الأقل- لم يكن مشركًا، فهاهنا إشكال: هل أُهْلِك الموحدون مع المشركين، مع أن الله تعالى ذكر في آيات كثيرة في الأمم السابقة فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الأعراف: ٦٤]، وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر: ٦١]، فظاهره أن المؤمنين لم يهلكوا، أو نقول: كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ [الروم: ٤٢] باعتبار القادة والرؤساء الذين يعرفون أنهم على شرك، أما العامة الذين لا يدرون فهم تابعون وراضون وإن لم يكن عندهم شرك، لكن هم يظنون أن هذا هو الحق، فأي الاحتمالين أولى؟ أو احتمال ثالث؛ أن يقال: إن الله تعالى أمرنا أن ننظر كيف كان عاقبة السابقين، وإذا نظرنا وجدنا أن أكثرهم مشرك فأُهْلِك، وأن المؤمن نجا، فيكون في هذا تحذير من الشرك وترغيب في الإيمان والتوحيد؟
فهاهنا ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن الجميع أُهْلِك، وهذا يشكل عليه آيات كثيرة في أن الله تعالى أنجى المؤمنين. هذا واحد.
الوجه الثاني: أن المراد بـأَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَالذين يعرفون أنهم على شرك دون الغوغاء والعامة الذين لا يدرون ما هم عليه وإنما هم أتباع كل ناعق.
الوجه الثالث: أن يقال: العاقبة حميدة وذميمة، والله يقول: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ، ونحن نعلم أن من حكمة الله عز وجل أن يجازي المشرك على شركه والمؤمن على إيمانه، وحينئذٍ يكون في الآية ترغيب في الإيمان والتوحيد وترهيب عن الشرك والكفر، فأي الاحتمالات أولى؟
الظاهر أن الأخير أولى؛ يعني: ينظروا كيف كان عاقبة السابقين، وأن من كان مشركًا منهم أُخِذ بشركه، ومن كان مؤمنًا نُجِّي بإيمانه؛ من أجل أن يؤمنوا هم، ومن أجل أن يثبت المؤمنون من هذه الأمة على إيمانهم.
وقال المؤلف: (فأُهْلِكوا بإشراكهم، ومساكنهم ومنازلهم خاوية) هذا هو الواقع، فقوم صالح، مثلًا صالح والذين معه نجوا ولَّا ما نجوا؟ نجوا، وقومهم أخذتهم الرجفة والصيحة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا [النمل: ٥٢] تجدها الآن خاوية ولم تُسْكَن -فيما نعلم- بعدهم، ما سكنت إلى الآن.
ثم قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّمدِين الْإِسْلَام) (أقم) الخطاب لمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، وقد سبق توجيه القول الأول؛ إذا جعلنا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام فإما أن يكون المراد به الرسول نفسه، وتكون أمته تبعًا له، وإما أن يراد به الرسول والأمة، لكن خوطب به الرسول؛ لأنه زعيمهم وإمامهم.
وقوله: فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّمما المراد بالوجه، هل المراد الاتجاه أو المراد الوجه الحسي الذي في الرأس؟ الظاهر المراد الاتجاه؛ لأن الوجه يراد به الجهة، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥]، فإنه سبق لنا أن فيها قولين للمفسرين: قول: إن المراد به وجه الله الحقيقي، وقول: إن المراد به الجهة، فلا شك أن الوجه يراد به الجهة.
وقوله: لِلدِّينِ الْقَيِّم..
طالب: (...).
الشيخ: لا، إذا قلنا: إن المراد بالوجه الجهة -جهته للدين- شمل ما إذا كان الوجه الحسي بما يطلب منه الاتجاه للقبلة.
وقوله: لِلدِّينِ الْقَيِّمما المراد بالدين هنا؟ المراد بالدين العمل، وقد سبق لنا أن الدين في القرآن يُرَاد به العمل والجزاء، فقوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧] المراد بالدين الجزاء، وأما وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩] فالمراد به العمل، كما في هذه الآية.
وقوله: الْقَيِّمويش ضده؟ المعوج، كما قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: ١٥٣].
طالب: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا [الكهف: ١، ٢].
الشيخ: نعم الكتاب قيمًا، لكن نريد الدين قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا [الأنعام: ١٦١]؛ يعني: قيم، فدين الإسلام دين مستقيم ليس فيه اعوجاج؛ لا بالنسبة لمعاملة الله عز وجل وهي العبادة، ولا بالنسبة لمعاملة المخلوق؛ ولهذا تجد في المعاملات حرَّم الكذب والغش والخديعة وما أشبه ذلك، وحرم الجور والظلم وتحريم تقتيل الأولاد وما أشبه ذلك؛ لأن كل هذا خلاف الاستقامة، وفي العبادات حرَّم الشرك والابتداع؛ لما في ذلك من انحراف عن الصراط المستقيم.
طالب: (...)؟
الشيخ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩] هذا يشمل العقيدة، ويشمل الأعمال الظاهرة، مثلما قلنا فيما سبق: إن الإسلام إذا قُرِن بالإيمان صار الإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، وإذا أُفْرِد أحدهما شمل الآخر.
(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ [الروم: ٤٣] وهو يوم القيامة يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ)، قوله: مِنْ قَبْلِمتعلق بـ(أقم)؛ يعني: أقمه من قبل هذا اليوم، وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌنُكِّر للتعظيم؛ لأن هذا اليوم كما وصفه الله عز وجل في قوله: لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٥، ٦].
وقوله: لَا مَرَدَّ لَهُ(مرد) هذا مصدر ميمي ولَّا؟ نعم مصدر ميمي؛ أي: لا رَدَّ له، يعني ما يمكن أن يرد هذا، جوابه لأن الله تعالى قضى به.
وقوله: مِنَ اللَّهِمتعلق بصفة لقوله: يَوْمٌهذه صفة، متعلق بصفة لـيَوْمٌ؛ يعني: من قبل أن يأتي يوم من الله؛ يعني هذا اليوم من الله لا من غيره.
ويحتمل أن يكون متعلقًا بـيَأْتِيأن يأتي من الله يومٌ، والأول أبلغ؛ أن يكون صفة لـيَوْمٌ؛ لأن كونه من الله يدل على عظمته، وأنه لا يمكن أن يرد هذا اليوم.
وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌإذا قال قائل: هذه الآية خُوطب بها الناس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن القيامة ما تقوم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن الموت واقع حتى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن مات قامت قيامته وانقطع عمله، فلا فرق بين من يموت في ذلك الوقت وبين من يموت وهو آخر الناس موتًا بالنسبة لانقطاع العمل، كل منهم انقطع عمله، فكأنه -أي كأن من يموت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم- بلغ يوم القيامة؛ ولهذا يقول العلماء: إن موت الإنسان قيامة بالنسبة إليه، وهو قيامة صغرى بالنسبة إلى عموم الناس؛ لأن العمل انقطع، انتهى.
وقوله: لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِيفيد بأن هذا أمر لا بد أن يقع، وهو كذلك؛ لأن يوم القيامة هو الذي من أجله خُلِق الناس لعبادة الله، وجزاؤها يكون يوم القيامة.
قال: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَقال: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، ومعناه: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار) يَوْمَئِذٍ(إذ) منونة، والتنوين هنا عوض عن جملة؛ يعني: يوم إذ يأتي يصدعون.
ويقول المؤلف: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد) ويش معنى (إدغام التاء في الأصل في الصاد)؟ أصلها يتصدعون، فقوله: (إدغام التاء في الأصل) أي: باعتبار الأصل؛ يعني أن الصاد التي أدغمت في أختها أصلها تاء، فأدغمت بها بعد قلبها صادًا، ومعنى يَصَّدَّعُونَيتفرقون.
طالب: أصله صدع يتصدع.
الشيخ: أصلها يتصدعون، ومعنى التصدع التفرق، ومنه: تصدع الأرض؛ لأن تصدعها تتفرق أجزاؤها، فتنفجر، فهم يوم القيامة..