تفسير سورة الروم - 9
عدد الزيارات 2196

عناصر المادة :
تفسير الآيات (44-47)

أن الفساد سببه أعمال بني آدم؛ لقوله: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والأسباب، وأن أفعال الله عز وجل معلَّلة، لا بد لها من علة. من أين تؤخذ؟ من قوله: بِمَا كَسَبَتْ. ولا شك أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة؛ لأن من أسمائه الحكيم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يعاقبون إلا بأسبابهم؛ لقوله: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، فيتفرع على ذلك أن من أراد أن ترفع عنه العقوبة فليتب إلى الله؛ فإن التوبة من أسباب رفع العقوبة وجلب المثوبة، ولهذا قال هود لقومه: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود: ٥٢] وقال نوح لقومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: ١٠- ١٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، وبقدر العمل؛ لقوله: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم: ٤١].
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سعة رحمة الله، وأن رحمته سبقت غضبه؛ لقوله: بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا، ولو أن الغضب كان بقدر الرحمة لكان الله يذيقنا كل الذي عملنا، ولو كان غالبًا للرحمة لكان يذيقنا أكثر مما عملنا أو لا؟
فالأمور ثلاثة الآن: إذاقة البعض أو المثل أو الأكثر، المثل أو الأكثر ممتنع، وإنما يذيق الله تعالى البعض لأنه ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» ، ولولا هذا لكان الله تعالى يؤاخذ الناس بما عملوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العقوبات قد تكون سببًا للرجوع إلى الله، من أين؟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، كما أنها قد تكون بالعكس، قد تكون سببًا في الازدياد في العتو والنفور، والعياذ بالله، يدل على ذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ [الحج: ١١] والجامع بين هذه الآية والتي نحن نفسر أن يقال: إن العقوبات على سبيل العموم مفيدة، لكن على سبيل الخصوص قد لا تفيد؛ لأن الله قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَمن الناس، على أن قوله: وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌيحتمل أن يراد بها فتنة الدين بحيث ما يكون عنده مقاومة، فيقع في الهاوية والعياذ بالله، لكن الأظهر أنها عامة وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥].
ثم قال تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ [الروم: ٤٢]:
في هذه الآية الكريمة: الأمر بالاعتبار بما جرى للسابقين قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ.
وفيه من فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ كتب التاريخ الماضية للاعتبار، ولكن كما نعلم جميعًا كتب التاريخ بعضها مزيف، ليس على حقيقته، فمصدر التاريخ في الأمم السابقة ما أخبر الله به ورسوله، قال الله تعالى في سورة إبراهيم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]، فنفى أن يكون لأحد علم بهم إلا الله، إذن من أين نأخذ أخبارهم؟ ما دام ما يعلمهم إلا الله نأخذها من الله إما من الكتاب أو من السنة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أسباب هلاك الأمم السابقين كان إشراك أكثرهم؛ لقوله: كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ.
ومنها أن العقوبة إذا حلت قد تصيب الصالح وغيره؛ لأنه قال: كَانَ أَكْثَرُهُمْيعني والبعض لم يشرك.
ومن ذلك قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥]، وقد ينجي الله المؤمنين كما أنجى الله تعالى الرسل ومن آمن معهم، أنجاهم.
ثم قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِإلى آخره [الروم: ٤٣]:
في هذا وجوب الاتجاه إلى الدين فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ، ويلزم من وجوب الاتجاه إليه وجوب الإعراض عما سواه؛ لأن الوجهة واحدة؛ إما إلى هنا وإما إلى هنا، فإذا لزم أن تتجه إلى الدين لزم أن تنحرف عن غيره.
ومن فوائد الآية: تحريم الحكم بغير ما أنزل الله؛ لأنه مخالف للاتجاه إلى الدين القيم، والحكم بغير ما أنزل الله منه ما يكون كفرًا، ومنه ما يكون فسقًا، ومنه ما يكو ظلمًا؛ كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة المائدة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤]، وفي الآية الثانية: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥]، وفي الآية الثالثة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٧]، وهذه الأوصاف تتنزل على حال الحاكم، فقد يكون كافرًا أو ظالمًا أو فاسقًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الدين قيم، ويش معنى قيم؟ معتدل لا اعوجاج فيه، لا في جانب العبادة ولا في جانب المعاملة.
ومن فوائدها: أنك إذا ظننت أن في الدين ما يخالف الاستقامة فاعلم أنك قاصر؛ إما في علمك وإما في فهمك، وجه ذلك أن الله وصف هذا الدين بأنه قيم، كل شيء تستعرضه في دين الله فيبدو لك أنه ليس على الاستقامة فاعلم أنك مخطئ؛ لقصور علمك، أو لقصور فهمك، والإنسان يُؤتَى من هاتين الناحيتين؛ إما لقصور علمه، ما عنده علم، وإما لقصور فهمه، عنده علم لكن ما يفهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن أمر بشيء أن يذكر ما يغري به ويرغب فيه، من أين يؤخذ؟
طالب: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ [الروم: ٤٣].
الشيخ: لا، نعم هذا صحيح لكن قبل ذلك لقوله: الْقَيِّمِ، فالإنسان إذا عرف أنه قيم لا شك أنه يتجه إليه، فأنت إذا أردت أن تأمر بشيء فاذكر الأسباب التي توجب للناس الإقبال عليه بأوصافه المحبوبة وثمراته الحميدة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الترغيب والترهيب: الترغيب الْقَيِّمِ، والترهيب مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ [الروم: ٤٣].
ومن فوائدها: إثبات يوم القيامة وأنه آتٍ لا محالة لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ.
ومن فوائدها: أن يوم القيامة يوم عظيم، من أين؟ من تنكير يوم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ، والتنكير يفيد التعظيم، ويدل لذلك -لعظم هذا اليوم- قوله تعالى: أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٤ - ٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ [الروم: ٤٣]، فلا أحد يستطيع أن يمنع ما أراد الله، ولا أن يجلب ما لم يرد الله أبدًا «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يوم القيامة ينقسمون ويتفرقون؛ لقوله: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ، فيه في الآية الأولى أول ما أخذنا بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِفيها دليل على بطلان مذهب الجبرية، كيف؟ الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبَر على عمله، ما هو يفعل باختياره، ولا يضاف الفعل إليه، إلا على سبيل المجاز، فيقال: صلى، صام، زكى، مجازًا لا حقيقة، الآية الكريمة ترد عليهم من وجهين:
الوجه الأول: قوله: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِفأضاف الكسب إلى أيدي الناس.
الوجه الثاني: أن الله تعالى عاقبهم على هذا الفعل، ولو كانوا مجبرين عليه لكانت عقوبتهم ظلمًا لهم، كيف يعاقبون على ما ليس باختيارهم؟ ففيها رد من وجهين؛ وجه لفظي، وهو إضافة الكسب إلى أيديهم، ووجه معنوي، وهو أنه يلزم من عقوبتهم على ذلك لو كانوا مجبرين أن يكون الله تعالى ظالمًا لهم، والله تعالى ليس بظلام للعبيد، وكذلك أيضًا يؤخذ من قوله: بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواأضاف العمل إليهم.

***

تفسير الآيات (44-47)
00:14:13

قال الله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [الروم: ٤٤] يقول المؤلف: (وبال كفره وهو النار)، هذا كالتفصيل لقوله تعالى: يَصَّدَّعُونَ؛ لأن يصدعون يتفرقون بحسب أعمالهم، فقوله: مَنْ كَفَرَهذه نشوف الإعراب: مَنْ كَفَرَ(من) شرطية، وفعل الشرط (كفر)، وجوابه جملة (فعليه كفره)، وقوله: فَعَلَيْهِ كُفْرُهُجملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ قوله: كُفْرُهُ، والخبر قوله: فَعَلَيْهِمقدم، وفائدة التقديم الحصر.
وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ [الروم: ٤٤] مثلها شرطية، وجواب الشرط قوله: فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ، وقدم المعمول وهو (لأنفسهم يمهدون) للحصر، وهي فائدة معنوية، ولمراعاة الفواصل، وهي فائدة لفظية؛ لأنه لو قال: فيمهدون لأنفسهم استقام الكلام، لكنه قدم لهاتين الفائدتين.
يقول الله عز وجل: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُنعم يعني أي إنسان يكفر فإن وبال كفره عليه لا يضر إلا نفسه، ويكون على غيره ولَّا لا؟ لا يكون على غيره إلا أن يكون ذلك الغير سببًا فيه، فإن كان سببًا فيه صار عليه مثل وزره، قال الله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥]، وقال تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت: ١٣]، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
فإذا قيل: هل هذا يناقض الآية مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [الروم: ٤٤]؟
فالجواب: لا يناقضها؛ لأنه إذا كان هو السبب فإن ذلك من عمله، لكن صورة المسألة مختلفة أنه عمل غيره وعمل نفسه، إنما حقيقة الأمر أن الدال على الكفر فاعل لما يؤزر عليه.
قال: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ [الروم: ٤٤] (يوطئون منازلهم في الجنة) من عمل صالحًا، الكفر في اللغة العربية الكفر: هو الستر، ومنه الكُفُرَّى الذي هو غلاف طلع النخل، ويسمى بلغتنا العامية الكافور، غلاف طلع النخل، هذا يستر الطلع، فالكفر في الأصل هو هذا، والمراد به الخروج عن طاعة الله؛ لأن الخارج عن طاعة الله قد ستر ما أنعم الله به عليه من العقل والعلم وما أشبه ذلك.
وقوله: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًاالعمل الصالح قال أهل العلم: هو ما جمع شرطين أساسيين: أحدهما: الإخلاص، والثاني: المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، ويش ضد الإخلاص؟ ضده الشرك، والمتابعة ضدها الابتداع، فمثلًا إذا وجدنا رجلًا يصلي الصلاة المعتادة لكنه يرائي الناس بها فعمله ليس بصالح، ويش الذي فقد منه؟ الإخلاص، وإذا وجدنا رجلًا قد أحدث نوعًا من العبادات لم يرد به الشرع، لكنه مخلص، يريد بذلك وجه الله، وتجده خاشعًا يبكي ويتأثر بهذه العبادة، لكنها على غير شريعة الله، فهذا عبادته باطلة؛ لفقد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما إذا أخرج العبادات المشروعة عما شرعت عليه، هي عبادة مشروعة في الأصل لكن أخرجها عما كانت عليه، فإنه لا يُقبل عمله، كما لو صلى الصلاة بعد خروج وقتها متعمدًا بدون عذر فهذا يقبل منه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه ما فيه متابعة، هو مخلص، لكنه غير متابع، وكذلك لو صلى صلاة بغير طمأنينة، لو صلى صلاة ما يطمئن فيها، إذا قال: سمع الله لمن حمده على طول سجد، إذا قام من السجود على طول سجد الثانية، فصلاته باطلة، لو صلى إلى يوم الدين ما قبل الله منه، لماذا؟ لعدم المتابعة، ولهذا لما صلى رجل صلاة لا يطمئن فيها قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ، فنفى عنه الفعل لانتفاء صحته، وإلَّا هو مصل الآن لكن ما هي صلاة.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هو لو سألته: لماذا صليت؟ قال: ما صليت إلا لله، لكنه خالف أمر الله.
طالب: ما ينافي الإخلاص هذا؟
الشيخ: لا، ما ينافي الإخلاص، الإخلاص في القلب؛ لأنه ما قام يصلي علشان الناس، ما همه الناس يقولون: صلى ولَّا ما صلى، صلى لله لكنه خالف أمر الله.
طالب: هل يلزم أن يفقه ما يقول المصلي؟
الشيخ: لا، ما هو لازم، ليس بلازم، بس أفضل أن يفقه ما يقول إذا كان قلبه حاضرًا، يعني خاشعًا في صلاته حاضر القلب، فهو أفضل.
طالب: وخاشع القلب الآن يخشع لأشياء خارج الصلاة ولَّا.
الشيخ: ويش لون يعني.
طالب: أي مثلًا وهو يصلي يتفكر مثلًا في..
الشيخ: لا، لا يخشع في أمور داخل الصلاة، يعني يستحضر ما يقول في صلاته، وما يفعل في صلاته، ما هو مثلًا يروح يتذكر جلسة كان فيها خاشعًا فيما سبق.
طالب: لا مثلًا يتذكر القبور مثلًا الجنة والنار.
الشيخ: إي ما يصح إلا إذا مرت به، مرت به مثلًا في أثناء قراءته.
يقول: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًاإذن العمل الصالح ما هو؟ هو الذي جمع بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَالمهد والتمهيد بمعنى التوطئة، ومنه قولهم: هذا طريق ممهَّد، يعني: موطأ محسن لأجل أن تطأه الأقدام، فمعنى يَمْهَدُونَأي: يحسنون الشيء حتى يكون موطئًا لهم؛ وذلك لأن الذين يعملون صالحًا يتوصلون بعملهم الصالح إلى دخول الجنة، فيسهل لهم الطريق الذي يوصلهم إليها.
وقوله: فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَتقديم المعمول يفيد الحصر، فإذا قال قائل: هل هذا ينافي ما ثبت فيه الحديث من أن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، نقول: لا ينافيه؛ لأن الذين يعملون حسنة يسنون الحسنات، عملوا ولَّا لا؟ عملوا، فتوبعوا على ذلك، فالأجر الذي حصل لهم من أجل اتباع غيرهم لهم هو في الحقيقة من فعلهم، قال الله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ [الروم: ٤٥].
قال: (متعلق بيصدعون) دائما نشوف العلماء إذا جاء ظرف أو جار ومجرور يقولون: متعلق بكذا، متعلق، ويش معنى متعلق؟ يعني أن هذا هو الذي عمل فيه؛ لأن الجار والمجرور والظرف بمنزلة المفعول به، والمفعول به لا بد له من عامل يعمل به، فإذا قال: متعلق بكذا يعني أن هذا هو الذي عمل فيه، ولا بد لكل جار أو ظرف لا بد له من متعلق:
لَا بُدَّ لِلْجَـــــــــــــارِ مِنَ التَّعلُّقِ بِفِعْلٍ اوْ مَعناهُ نَحْوُ مُرْتَقِي

فإذن معنى قوله: (متعلق بيصدعون) أن العامل في كلمة (ليجزي) قوله: يَصَّدَّعُونَ، وهذا رأي المؤلف.
ويَحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: يَأْتِيَ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِلأن التصدع في الحقيقة هو نفس الجزاء، فكيف يكون الشيء علة لنفسه، هذا ما يبعد كلام المؤلف، لكن إذا قيل: يأتي هذا اليوم لأجل المجازاة، صار المعنى مستقيمًا واضحًا، فإذا قلنا: إن هذه اللام (ليجزي) لأن اللام حرف جر، إذا قلنا: إنها متعلقة بـ(يأتي) فهو أوضح من قولنا: إنها متعلقة بـ(يصدعون)؛ لأن نفس التصدع والتفريغ الذي يؤوي إلى النار هو نفس الجزاء.
وقال بعض العلماء، بعض المعربين: إنه خبر لمبتدأ محذوف، فهو متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك ليجزي، والمشار إليه ما سبق، وهذا أيضًا وجيه جدًّا أن يجعل متعلقًا بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف.
قلنا: إن اللام في (ليجزي) حرف جر، والمعلوم أن حروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء، وقد تبين لكم بأن من علامات الاسم الجر، دخول (...) عليه، الآجرومية، يقول: الاسم يُعرف بالخفض، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض.
فكيف صح أن نقول: إن اللام في قوله: لِيَجْزِيَحرف جر، مع أنها داخلة على فعل؟ نقول: لأن هذا الفعل بمنزلة الاسم؛ إذ إنه فعل مقدر فيه (أن)؛ لأن التقدير: لأن يجزي، و(أن) مصدرية تحول الفعل إلى مصدر، والمصدر اسم ولَّا غير اسم؟ المصدر اسم، فعليه يكون المعنى: لجزائه، لجزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى آخره، عرفتم الآن؟ فإذا دخلت اللام -لام التعليل- على الفعل فإنه يقدر بينها وبين الفعل (أن) المصدرية: لأن يجزي، وقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواالفاعل -فاعل الجزاء- هو الله سبحانه وتعالى، وهو ضمير مستتر يعود عليه.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، على أنه منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام: ليجزي، واللام جارة لما بعدها، باعتبار أن الفعل سيكون مصدرًا.
طالب: لكن هى نفسها حرف جر.
الشيخ: إي هي نفسها حرف جر.
طالب: هي نفسها لام التعليل التي تنصب الفعل المضارع.
الشيخ: هي نفسها لام التعليل التي ينصب الفعل المضارع بـ(أن) بعدها على رأي البصريين.
طالب: (...) لام التعليل.
الشيخ: لا، اللام هي واحدة، ولام التعليل كما تدخل على الفعل تدخل على الأسماء، فلو قلت: جئت لإكرامك فهي لام التعليل، وجئت لأكرمك هي لام التعليل.
وقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواالجزاء بمعنى المكافأة، يعني ليكافئهم لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ(يثيبهم) هذا تفسير للجزاء بمعنى الإثابة، والثواب هو المكافأة، وسُمي ثوابًا لأنه من ثاب يثوب إذا رجع؛ لأنه يرجع إلى الإنسان جزاء عمله، وقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِانتبهوا لهذين الشرطين: إيمان وعمل صالح، فالإيمان وحده ما يكفي، والعمل الصالح وحده لا يكفي، هذا إذا قُرن الإيمان بالعمل، أما إذا قيل: عمل صالح يكفي، أو إيمان يدخل فيه العمل، الإيمان يكون بالقلب، فمن لا إيمان في قلبه لو عمل من الصالحات ما عمل لم ينفعه، المنافق يذكر الله ويصلي وينفق ولَّا لا؟ وربما يخرج في الجهاد، ينفعه عمله؟ لماذا؟ لأنه لا إيمان في قلبه.
الإنسان اللي عنده إيمان بالله سبحانه وتعالى لكنه لم يعمل عملًا صالحًا، ما عمل عملًا صالحًا.
طالب: ممكن.
الشيخ: ممكن أيش؟ ممكن يجزى إلا في واحدة فقط، وهي الصلاة، فإنه إذا لم يعملها لا ينفعه إيمان؛ لأنه قد دلت الأدلة على أن هذا العمل وإن كان عملًا بدنيًّا ولكنه يكفر الإنسان بتركه كفرًا مخرِجًا عن الملة، أما غير الصلاة من الأعمال فقد قال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يَرَوْنَ شيئًا من العمل تَرْكُه كُفرٌ إلا الصلاة يعني لو لم يزكِّ فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يصم فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يحج فإنه لا يخرج من الإيمان، هذا هو الصحيح، وعن الإمام أحمد رواية أن جميع أركان الإسلام إذا تركها الإنسان متهاونًا فهو كافر، فإذا لم يزكِّ فهو كافر، إذا لم يصم فهو كافر، إذا لم يحج فهو كافر، يقول: لأن الركن عليه الاعتماد، ركن الشيء عليه اعتماد الشيء، فإذا لم يوجد الركن ما قام الشيء، وهذا لا شك أنه له وجه، لكن الأدلة تمنع من القول بهذا؛ فإن حديث أبي هريرة في الصحيح فيمن لا يؤدي زكاته ذكر النبي عليه الصلاة والسلام عقوبته ثم قال: «ثُمَّ يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» . فقوله: «يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» يدل على أنه لا يكفر بمنع الزكاة، ويش وجهه؟ لأنه لو كفر بذلك ما صار له سبيل إلى الجنة، فإذا لم يكفر بترك الزكاة فما دونها من باب أولى، ولا شك أن أركان الإسلام التي دون الزكاة أنها دونها، فالصيام دون الزكاة، والحج دون الزكاة.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] فإن ظاهره من كفر فلم يحج فإن الله غني عن العالمين؟
فالجواب أن يقال: المراد بالكفر هنا سوى الكفر الأكبر، يعني كفرًا دون كفر، ولهذا ما قال: ومن لم يحج فهو الكافر، أو وترك الحج هو الكفر كما قال في الصلاة، و(كفر) فعل، والفعل يدل على الإطلاق ولا يدل على العموم، فهذا الجواب عن هذه الآية، والذين قالوا: إنه يكفر بترك الحج احتجوا بهذه الآية.
طالب: يقول علي بن أبي طالب: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» .
الشيخ: هذا عمر بن الخطاب، وهذا يقال من باب التهديد، أو أن هذا رأي له، وهذا أيضًا إن صح الحديث؛ لأن في الحديث مقالًا، لكن إن صح فهو يُحمَل على أن المراد أن هذا من باب التحذير، أو أنه رأي له كما رآه غيره من أهل العلم.
طالب: يا شيخ قوله: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مات ميتة جاهلية».
الشيخ: اللي أفهم من الحديث «مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ» مات ميتة جاهليةً ما يمنع أن الإنسان مات ميتة جاهلية؛ لأنه فعل فعلًا من أفعال الجاهلية، حيث لم يقم بواجب الجهاد.
طالب: طيب يا شيخ عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي [المائدة: ١١٧] بعدين آخره قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] يعني كأنه يرد الغفران عيسى عليه الصلاة والسلام أنها شيئان، ذكر العذاب والغفران مثل الحديث الذي ذكرتم يعني.
الشيخ: ويش وجه الإشكال؟
طالب: الإشكال إما يرى سبيله إلى النار أو الجنة؟
الشيخ: لا؛ لأن هذا ما هو بهذا خبر؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام يقول: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: ١١٧] ثم بين إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَوقد استحقوا ذلك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨].
طالب: وكيف المشركون يعني.
الشيخ: لا، يعني إن تغفر لهم بمعنى أني أنا ما أعلم هل هم أشركوا ولَّا فعلوا ذنوبًا أخرى يستحقون بها المغفرة.
طالب: (...) أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِللناس للعموم قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [المائدة: ١١٦، ١١٧] هذا الأمر رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ [المائدة: ١١٧، ١١٨] هؤلاء الناس الذين هم عبادك يعبدونني وأمي أو يتخذوني إلهين من دون الله، بعدين قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ [المائدة: ١١٨] (...).
الشيخ: (وَمِنْ آيَاتِهِ [الروم: ٤٦] تعالى) من للتبعيض وآياته مجرور بمن و أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ [الروم: ٤٦] هذه فعل مؤول بالمصدر هو المبتدأ، أي: من آياته إرسال الرياح مُبَشِّرَاتٍحال من الرياح، يقول الله عز وجل في هذه الآية: وَمِنْ آيَاتِهِأي بعض آياته؛ لأن (من) هنا للتبعيض؛ وذلك لأن آيات الله عز وجل لا يمكن إحصاؤها ولا حصرها:
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ

كل شيء، لو أراد الإنسان أن يحصي آيات الله عز وجل التي في جسمه هو فقط ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فكيف بآيات الله تعالى التي ملأت الكون، ولهذا تأتي (من) الدالة على التبعيض، وقوله: آيَاتِهِأي علاماته.
واعلم أن كل آية فإنها تدل على العلم، وتدل على القدرة، وتدل على الحكمة، هذا لا بد منه، لا بد من ذلك في كل آية؛ أنها تكون آية –علامة- على هذه الأمور الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة، ثم تختص بعض الآيات بما تختص به؛ إما أن تكون مثلًا اللي بعدها رحمة، أو بعدها شيء يدل على السلطان والعظمة، المهم أن لكل آية شيئًا خاصًّا وشيئًا عامًّا، فالشيء العام هو هذه الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ [الروم: ٤٦]، يضاف إلى هذه الثلاث الرحمة؛ لأن هذه الرياح تبشر بالمطر، وقوله: أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَوالإرسال بمعنى الإطلاق، ومنه قول الشاعر: (فأَرْسَلَها العِراكَ).
يعني أطلقها، ومنه قول الفرضيين: دين مرسل، يعني: مطلق ليس به رهن.
أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَيعني يطلقها سبحانه وتعالى، والرياح جمع ريح، وهي الأهوية، واعلم أن الريح تُذكر مفردة وتُذكر مجموعة، فإذا ذُكرت مجموعة فإنها تكون غالبًا للرحمة، وإذا ذُكرت مفردة فإنها تكون غالبًا للعقاب فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍريح [الحاقة: ٦]، إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: ٤١] رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤] وما أشبه ذلك، ولكنها -أعني الريح- قد تُفرَد وتكون في مقام النعمة، لا سيما إذا وصفت بما يدل على ذلك؛ كما في قوله تعالى: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: ٢٢] هنا الريح عقوبة ولَّا نعمة؟ نعمة، وإنما كانت نعمة لأنها وصف طيبة، وأيضًا بالنسبة للسفن هل الأولى اختلاف الرياح أو اتحاد الريح؟ اتحادها؛ لأنها إذا اختلفت اختلف سير السفينة، فيما سبق لما كانت السفن شراعية، هنا الرياح في مقام النعمة، ولهذا جمعت الرياح، مُبَشِّرَاتٍحال من الرياح، أى تبشر بالخير، ولهذا بعض الرياح إذا هبت استبشر الناس؛ لأن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة أن هذه الريح المعينة يتكون منها السحاب ثم المطر، وأحيانًا يستبشرون بالريح إذا رأوها تجمع السحاب، تجمعه وتكثفه، استبشروا بها. وقوله: مُبَشِّرَاتٍالبشارة هي الإخبار بما يَسُرُّ غالبًا، وسُميت بشارة لأنها تؤثر على البشرة، فالإنسان إذا استبشر ينير وجهه ويسفر، وتجد عليه علامة البشرى. وقد تطلق البشارة بما يسوء؛ كقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١]، مُبَشِّرَاتٍقال: (بمعنى لتبشركم بالمطر) شوف المؤلف -رحمه الله- فسر اسم الفاعل بالفعل المعلل، وقال: (بمعنى لتبشركم) لأجل أن يسهل العطف في قوله: وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ؛ لأن (مبشرات) و(ليذيقكم) يجد الإنسان بينهما فجوة، هذه الفجوة أراد المؤلف أن يقربها بقوله: بمعنى ليبشركم بها، ولكن الصحيح عندي أن (مبشرات) على حالها تعتبر اسمًا، ولكننا نقدِّر فعلًا يناسب ما بعده لأجل أن يصح عطف الفعل عليه، والذي أرى أن يُقدر: لتستبشروا بها مبشرات لتستبشروا بها وليذيقكم من رحمته، أو نجعل: لتبشركم كما قال المؤلف ما نجعلها بمعنى مبشرات، بل نجعلها فعلًا مستقلًّا قدرناه ليصح العطف في قوله: وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ.
وقوله: (وَلِيُذِيقَكُمْبها مِنْ رَحْمَتِهِالمطر والخصب) تقدم لنا أن الله تعالى يعبر عن الإصابة بالإذاقة؛ لأنها أعلى أنواع الإصابة وأبلغها، وَلِيُذِيقَكُمْبها مِنْ رَحْمَتِهِيقول: المطر والخصب، ففسر الرحمة بأثرها، وعلى هذا فتكون الرحمة في هذه الآية مخلوقة ولَّا صفة من صفات الله؟ تكون مخلوقة، وهذا الذي فسرها به محتمل؛ لأن الله تعالى قد يطلق الرحمة على الشيء المخلوق الذي يكون من آثار رحمته كما ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» ، ومن المعلوم أنه سبحانه وتعالى لم يرد أنها رحمته التي هي صفته؛ لأن الجنة مخلوق بائن، ولكن أراد أنها من أثر رحمته، أو مقتضى رحمته، فهنا يصح أن نقول: وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِأي من هذا المطر والخصب، وتكون الرحمة هنا مخلوقًا من المخلوقات، ويحتمل أن تكون الرحمة (...).
وإن جعلناها الصفة فهي للابتداء، يعني ليذيقكم نعمة صادرة من هذه الرحمة (وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُالسفن بها بِأَمْرِهِبإرادته وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِتَطْلُبُوا مِنْ فَضْلهالرزق بالتجارة في البحر وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) قوله: وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُيقول: (السفن بها) بها: الضمير يعود على الرياح، فالله تعالى يرسل الرياح لتسير بها المياه في أجواء السماء، وهو السحاب، ويرسل الرياح لتسير بها السفن في البحار، وكل من السحاب ومن السفن يحمل نعمًا كثيرة، السفن ماذا تحمل؟ تحمل الأرزاق والأناسي والحيوان وغيرها، والسحب تحمل الماء الذي هو مادة الحياة أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة: ٦٨، ٦٩]. ففي الرياح إذن فائدتان: تسيير السحب في أجواء السماء، وتسيير السفن في أجواء البحار.
وقوله: الْفُلْكُواحد ولَّا جماعة؟ تصلح لهذا ولهذا، الفلك تصلح للجمع وللمفرد، أو لا؟
طالب: في القرآن موجود.
الشيخ: في القرآن موجود، هات مثالًا لها للمفرد؟
طالب: وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ [النحل: ١٤] هذه للجماعة أصلها يا شيخ، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ [البقرة: ١٦٤] هذا مفرد.
طالب آخر: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ [هود: ٣٧].
الشيخ: لا.
طالب آخر: في قصة نوح عليه السلام: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ [هود: ٣٨].
الشيخ: هذه الإجابة.
طالب آخر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ [لقمان: ٣١].
الشيخ: على كل حال المثال الذي ذكره أيضًا صحيح حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: ٢٢] هذا جمع ولَّا مفرد؟ جمع فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَما قال: في الفلك وجرى.
طالب: مفرد يا شيخ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الشعراء: ١١٩].
الشيخ: نعم وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ [فاطر: ١٢] أيضًا جمع.
على كل حال الفلك صالحة للمفرد وللجماعة.
ذكر الفقهاء كلمة ذكرتها لكم سابقًا فقالوا: إن الأحدب ينوي الركوع بقلبه، الأحدب ما هو قائم حتى يركع، ينوي بقلبه، قال بعض الفقهاء: فهو شبيه للفلك في اللغة العربية، يعني انحناء هذا الأحدب شبيه بالفلك في اللغة العربية، ما يعرف إلا بالنية، فالفلك صالح للمفرد وللجماعة، ولا يعرف إلا بالنية أو القرينة، هذا المسكين اللي أحدب في حال الركوع ما الذي يعلمنا أنه راكع أو غير راكع؟ فركوعه وقيامه سواء، وهذه يمكن أن يستدل بها على ما ذكر عن الكسائي يقول: إن الإنسان إذا أتقن شيئًا من العلم أمكنه أن يفهم غيره من العلوم، وذكروا قصة أنه كان هو وأبو يوسف عند الرشيد أحد خلفاء بني العباس، وأنهما تناظرا في مسألة، فقال له أبو يوسف، يقول للكسائي: ما رأيك لو سها الإنسان في سجود السهو؟ هل نحوك يعلمك حكم هذه المسألة، قال: نعم، إذا سها في سجود السهو فإنه لا يسجد، قال: أين القاعدة في نحوك؟ قال: عندنا قاعدة في النحو أن المصغر لا يصغر. فاستدل بأن سجود السهو صلاة مصغرة، فإذا سها فيه ما عاد (...) هذا واقع أو غير واقع، الله أعلم، ذكروها.
يقول: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ [الروم: ٤٨] وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِقال (بإرادته)، والصحيح: بأمره، من الأمر الذي هو بالقول، وليس المراد بالإرادة فقط؛ لأن الفلك ما تعلم عما يريد الله عز وجل، لكنها إنما تأتمر بأمره القولي، وقد قال الله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] فكل مراد الله إن لم يقترن بالقول فإنه لا يقع، وكيف تحدث الكائنات بمجرد إرادة لا يعلم بها إلا الله، فلا بد من قول، فالصواب أن المراد بأمره أمره القولي؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، ولا يمنع ذلك أن يكون هذا الجريان بأمره بأسباب محسوسة معلومة لنا؛ لأن المقدر للأسباب هو الله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يخلق ويسخر ولكن بأسباب وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [الروم: ٤٦]، كل هذا مما خلقه الله عز وجل لهذه الحكم العظيمة.
(وَلِتَبْتَغُواتطلبوا مِنْ فَضْلِهِالرزق بالتجارة في البحر) وهو كذلك، وكم من أناس كانت تجارتهم في البحار ينقلون الأرزاق من جهة إلى جهة بواسطة هذه السفن، لولا هذه السفن لكان من المتعذر أن تنتقل الأرزاق من الجهة التي خلف البحر إلى جهة أخرى، ولكن الله عز وجل جعل هذه السفن لأجل أن تنقل هذه الأرزاق والنعم.
(وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الروم: ٤٦] هذه النعم يا أهل مكة فتوحدونه)، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، (لعل) هذه معناها التعليل، (تشكرون) الشكر هو القيام بطاعة المنعم، ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، الشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وهو القيام بطاعة المنعم، فأما الشكر بالقلب فأن يؤمن الإنسان بأن هذه النعمة من الله عز وجل، هو الذي أمده بها، وهو الذي يسرها له، وهو الذي جلبها إليه، هذا بالقلب.
والشكر باللسان أن يحمد الله عليها، فإن هذا من شكر النعمة، وأن يتحدث بها اعترافًا لله بالفضل، لا افتخارًا بها على غيره، وأما الشكر بالجوارح فأن يقوم لله تعالى بالعمل البدني من صلاة وزكاة وصيام وحج وغيرها، ولهذا يقول الشاعر:
أَفَادَتْــــــــــــكُمُ النَّعْمَــــــــــــــــــــــــاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا

فيدي الجوارح، ولساني القول، والضمير المحجب القلب، ما هي الواسطة بين الحمد والشكر؟ أو النسبة بين الحمد والشكر؟
نقول: الحمد أعم من حيث السبب، والشكر أعم من حيث التعلق؛ لأن الحمد يكون باللسان، ويكون على النعم، وعلى كمال صفات المحمود، يعني أنه يحمد المحمود على نعمه وإحسانه على الحامد، وعلى كمال صفاته، وأما في المتعلق فإنه يتعلق باللسان، خاصة الحمد يكون باللسان فقط، وربما يكون بالقلب أيضًا بأن يعتقد الإنسان كمال هذا المحمود، لكنه لا يسمى حمدًا لغةً إلا باللسان، وأما الشكر فهو أخص من الحمد باعتبار سببه، وأعم باعتبار متعلقه، كيف أخص باعتبار سببه؟ لأن سببه النعمة فقط، الإنعام على الشاكر هذا السبب نعم، وإلا لو كان الإنسان المحمود من أكمل الناس، وهو ما أعطاك شيئًا هل تشكره ولَّا لا؟ ما تشكره، الشكر يكون على النعم، فهو أخص من حيث السبب، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، فهو من حيث المتعلق أعم، إذن النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي.
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَالشكر قلنا: هو القيام بطاعة المنعم، صح هذا، بالمعنى العام، لكن شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها من الطاعة، شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها الخاصة، مثلًا شكر الإنسان ربه على العلم يكون بماذا؟ بالعمل به وتعليمه، هذا شكر خاص لنعمة خاصة، شكر الإنسان ربه على المسكن مثلًا يكون بطاعته في هذا المسكن، بألا يكون فيه مثلًا إسراف ولا تبذير وما أشبه ذلك، فالشكر هنا له إذن معنيان: المعنى العام هو القيام بأيش؟ بطاعة المنعم، والمعنى الخاص هو القيام بطاعة الله تعالى فيما يتعلق بهذه النعمة الخاصة، وكل نعمة لها شكر خاص.

***

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [الروم: ٤٧] إلى آخره، اللام في قوله: وَلَقَدْموطئة للقسم، يعني أنها جواب لقسم محذوف، التقدير: والله لقد، وبهذا نعرف أن الجملة هنا مؤكدة بثلاثة أمور؛ وهي القسم واللام و(قد) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ.
من المشهور المعروف عند أهل العلم أن الرسول من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه؛ لأنه مرسل، وهذا الصنف من الناس هو أعلى أنواع الأصناف من بني آدم، هم أعلى الأنواع، ويليهم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، فأعلى أجناس البشر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم جمعوا بين الاختصاص بالرسالة والعبادة اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] ما يعطي الرسالة إلا لمن هو أهل لها، فأحق الناس بالرسالة بلا شك هم هؤلاء الأعيان الذين أرسلهم الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون أحد من الناس أحق منهم بها.
وبهذا نعرف ضلال، بل وكفر من قالوا: إن علي بن أبي طالب أحق بالرسالة من محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم في ذلك طعنوا في الله عز وجل، ونسبوه إلى ما لا يليق به؛ لأنه إذا كان أعطى الرسالة محمدًا وعلي أولى بها، فهو إما جاهل بالأحقية وإما غير مريد لإعطاء الحق أهله، وكلا الأمرين بالنسبة إلى الله محال وممتنع، وأي أحد يصف الله بهذا أو بما يستلزم هذا فإنه كافر بلا شك.
إذن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أشرف الخلق، أشرف أصناف الخلق، وهم أحق الناس بالرسالة بلا شك، ولا أحد أحق منهم، ويوجد والعياذ بالله بعض الناس الفلاسفة يرون أن الرسل من آخر مراتب الخلق، ويقولون: إن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول؛ لأن الولي خاص الخاصة، ولي على اسمه، والنبي له مزية في الوحي، والرسول بمنزلة الخادم الذي في البيت يرسل ليشتري الحوائج، شوف والعياذ بالله الضلال، ويقولون فيما يقولون:
مَقامُ النُّبُـــــــــــــــــــــــــــوَّةِ في بَرْزَخٍ فُوَيْق الرَّسُول ودُونَ الوَلِي

شوف أعوذ بالله، مقام النبوة في برزخ فويق الرسول يعني فوق الرسول شوية، وبالنسبة للولي ودون الولي دون منحط بعيد عن الولي، وعلى هذا فتكون رتبة الولاية عندهم أعلى شيء، وهذا لا شك أنه كفر، بل نقول: إن مقام الرسالة فوق كل شيء، ثم النبوة، ثم الولاية؛ لأن الرسول جامع بين الرسالة والنبوة والولاية، أليس كذلك؟ والنبي له النبوة والولاية، والولي له الولاية دون النبوة والرسالة، ومعلوم أنه كلما ازدادت صفة الكمال في شخص كان أكمل من غيره.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْوالقوم هم الطائفة الذين ينتسب إليهم الإنسان؛ لأن بهم قوامه، فهو يقوم بهم، وهم به يقومون. وقوله: إِلَى قَوْمِهِمْلأنه ما من رسول أرسل سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ورسالته خاصة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح حديث جابر: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْالفاعل للرسل والمفعول للقوم (فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِبالحُجَج الواضحات على صِدقهم في رِسالتهم إليهم فكذَّبوهم). قوله: بِالْبَيِّنَاتِهل المراد البينات، معلوم أنها الواضحات، لكن هل المراد بالبينات هنا ما يبين صدق رسالتهم، فيكون المراد بها المعجزات التي أيدوا بها، أو المراد بالبينات أي بالشرائع البينات الظاهرة التي كل من استقرأها عرف أنها من عند الله، أو المراد الأمران؟
المراد الأمران، فالرسل أتوا بالآيات البينات التي تؤيدهم، وتدل على صدقهم، وأتوا أيضًا بالبينات، بالشرائع البينة الظاهرة التي يعلم أنها من عند الله عز وجل، فالباء إذن في قوله: بِالْبَيِّنَاتِتكون للمصاحبة، يعني أرسلوا رسالة مصحوبة بالبينات، أو للاختصاص على القول بأن المراد بالبينات الشرائع، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته؛ أن الله ما أرسل رسولًا إلا أيده بآية من حكمته ورحمته؛ لأنه لو جاء الرسول بدون آية إلى الناس وقال: أنا رسول الله بدون آية يقبلون ولَّا لا؟ من طبيعة البشر ألا يقبل حتى يعرف، كما أنه لو جاء واحد من الناس وقال: ترى أنا عالم عندي علم بالشرع فاستفتوني، أي شيء تستفتوني أفتيكم، يطيعونه ولَّا لا؟ أبدًا ما يطيعونه حتى يمتحنوه ويسألوه، فكيف عاد بالذي يدعي أنه يوحى إليه؟ ما يقبل، إلا إذا جاء بآية، فهذا من حكمة الله، من رحمته أيضًا؛ لئلا يعاقب أحدًا بذنب بدون حجة؛ لأنه لو أرسل الرسل بدون آيات وكذبهم الأمم لكانوا معذورين بالتكذيب؛ لعدم وجود الآية، وقد لا يعذرون لأنهم يجب عليهم أن يستسلموا، لكن من رحمته أنه قال: جعلنا معهم آيات بينات ليطمئن الناس إليهم ويؤمنوا بهم عن اقتناع.
وقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ [الروم: ٤٧]، مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًاربما يستفاد من كلمة (من قبلك) أنه لا رسول بعده، كما سنذكره إن شاء الله تعالى في الفوائد، ونناقش هذه الفائدة فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا، فَانْتَقَمْنَاالانتقام هو الأخذ بالعقوبة، وهذا من فعل الله، وليس من أسمائه، ولهذا الحديث الذي فيه سياق الأسماء الحسنى وهي مدرجة ما صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيها أن من أسمائه المنتقم، وليس من أسمائه، بل هو من أوصافه وأفعاله، ولهذا ما جاء مطلقًا، قال: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢] فهو فعل، وقوله: فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواما هو الإجرام؟ الإجرام فعل الجرم، والجرم كل ما يكون سببًا في الإثم فهو الجرم، والمراد بالإجرام هنا الكفر، وفهم من الآية الكريمة فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواأن من لم يجرم لم ينتقم منه، ولهذا قال: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧]، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُنصر ويش إعرابها؟ اسم (كان)، أين خبرها؟ حقًّا، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَهذا أحسن ما يكون في إعراب الآية، وأوجه ما يكون، وأسهل ما يكون، وإلا ففيه أوجه أخرى.
قوله: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَاالحق بمعنى الشيء الثابت اللازم نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَالمؤمنين بما يجب الإيمان به؛ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فأوجب الله عز وجل على نفسه أن ينصر المؤمنين، أوجب، كان حقا علينا، التزام وضمان من الله عز وجل، نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَبماذا نصر المؤمنين؟
نصر المؤمنين أي منعهم من أعدائهم، وذلك بأن يجعل لهم من النصر الحسي والمعنوي ما تكون العاقبة لهم، وهذا كقوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ[غافر: ٥١.
فإن قال قائل: هذا الحق الذي التزم الله به قد يشكل علينا أن الله تعالى يخذل المؤمنين أحيانًا، كما في أحد مثلًا؛ فإن النصر في أحد لمن؟ لقريش وأتباعهم، فما هو الجواب عن هذه الآية؟
نقول: إن الجواب أن نصر قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم ليس نصرًا دائمًا كانت العاقبة فيه لهم، بل إن هذا في الحقيقة من نصر المؤمنين عليهم، وإذا شئت أن يتبين لك ذلك فاقرأ ما (...) الله به هذه الغزوة في سورة آل عمران من جملة ما ذكر من الحكم وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤١] يمحق الكافرين إذن فهو نصر لجلبهم؛ لأنهم لو هزموا في كل مقام ما قاموا ولا حاربوا، لكن إذا صار لهم شيء من النصر فإن ذلك يغريهم بالقتال حتى تكون العاقبة للمؤمنين ويبيدهم الله عز وجل.
ومنها أيضا نصر المؤمنين على أنفسهم؛ لأنهم ما أتاهم ما أتاهم في أُحد إلا بسبب مخالفتهم؛ كما قال تعالى: وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران: ١٥٢]، فهنا يعرفون قدر المعصية وأنه يفوت بها من المحبوب ما (...). فالحاصل أن هذه الآية على بابها أن الله تعالى ينصر المؤمنين حقًّا عليه أوجبه هو بنفسه على نفسه؛ كما في قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]. قال: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ [الروم: ٤٤].
من فوائد هذه الآية: الجمع بين الترغيب والترهيب الترهيب في قوله: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُوالترغيب في قوله: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ.
ومن فوائدها: أن شؤم الكافر لا يتعداه إلى غيره؛ لقوله: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُوتقديم الخبر يدل على الحصر.
ومن فوائد الآية: أنه لا يتم الثواب إلا بالعمل الصالح المبني على أمرين؛ وهما الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا.
ومن فوائدها: أن الحزم والكياسة في العمل الصالح؛ لقوله: فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك استراحوا في المستقبل؛ إذ إنهم وطؤوا لأنفسهم منزلًا هو خير المنازل.
وقد ذكرنا فَعَلَيْهِ كُفْرُهُأي: جمع بينها وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، وقوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت: ١٣]، وقوله: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: ٢٥] ويش ذكرنا الجمع؟
طالب: أن هذه الأعمال السيئة هي من أعمالهم أنفسهم.
الشيخ: نعم لأنهم هم السبب.
طالب: في إضلال هؤلاء.
الشيخ: نعم، ثم قال تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [الروم: ٤٥].
يستفاد من هذه الآية: إثبات العلل في أفعال الله؛ لقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا، وقد انقسم الناس في هذا إلى ثلاثة أقسام: قسم أنكروا العلل في أفعال الله وفي شرعه وقالوا: إنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم بما شاء بدون أي علة أو حكمة، مثل؟ كالجبرية.
وقسم آخر أثبتوا العلل في أفعال الله وقالوا: إن الله تعالى لا يفعل إلا لحكمة، ولا يشرع إلا لحكمة، لكنهم جعلوا تلك العلل موجبة وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا لكذا، وهؤلاء المعتزلة.
وقسم ثالث توسطوا وقالوا: أفعال الله تعالى لحكمة، وشرائعه لحكمة، لكن ليست هذه الحكمة موجبة، بل الذي أوجب على نفسه الحكمة هو الله، والحكمة من مقتضى اسمه الحكيم، فتكون واجبة ليست بإيجاب أحد ولكنها بمقتضى كونه حكيمًا، هو الذي أوجبها على نفسه، وهذا القول هو الصحيح، وإذا قلنا به فإننا لا يمكن أن نعترض على أي حكم من أحكام الله كونيًّا كان أم قدريًّا؛ لأننا نعلم أن الذي أوجب أن تقترن أفعاله وشرائعه بالحكم من هو؟ الله، لا نحن، فلا نقول: إن الله يجب عليه فعل الأصلح، ولا فعل الصلاح إيجابًا مستقلًّا عن إرادته، وهذا القول هو الحق. إذن نأخذ منه أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها معللة بالحكمة بمقتضى اسمه الحكيم.
من فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء ليس واجبًا على الله؛ لقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ [الروم: ٤٥]، لكنه أوجبه على نفسه، في قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ٥٤] أوجبه هو سبحانه وتعالى على نفسه، ولهذا قال الشاعر:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ

وابن القيم رحمه الله نظم معنى هذين البيتين لكنه علل فقال:
مَا لِلعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُــوا فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــــــــانِ

فقيد المطلَق في البيتين السابقين أنه هو الذي أوجب ذلك تفضلًا منه سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله، من أين تؤخذ؟ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَبس هذا نفي، كيف نأخذ منه الإثبات؟ لأنه إذا انتفى محبته عن الكافرين لزم محبته للمؤمنين، فإن لم يكن؛ لم يكن فرق بين المؤمنين وبين الكافرين، لو كانت المحبة منتفية في هؤلاء وهؤلاء ما كان بينهم فرق، أليس كذلك؟
ولهذا استدل أهل العلم على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى بقوله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قالوا: فلما حجب هؤلاء في حال السخط دل على أنه لا يحجب الآخرون في مقام الرضا.
إذن نأخذ من هذه الآية إثبات المحبة، وهي كما سبق الكلام عليه صفة ثابتة لله على وجه الحقيقة، وليست بمعنى الثواب ولا إرادة الثواب، وإنما ذلك من لازمها ومقتضاها، إذا أحب قومًا أثابهم، ولا يثيبهم إلا بإرادة إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإيمان والعمل الصالح، الله ما قال: آمنوا واعملوا، لكن ذكر الجزاء يستلزم الحث على الفعل، وهذا أحد الطرق التي يستدل بها على أن الشيء مأمور به، لا تظن أن الشيء المأمور به هو ما جاء بالصيغة افعل، بل الأمر يستفاد من عدة أمور، فإذا ورد الترغيب في شيء فهو مأمور به.
إذن يستفاد من هذا الحث على الإيمان والعمل الصالح.
ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: ذم الكفر، من أين يؤخذ؟ من قوله: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، فإذا نفى الله المحبة عن هؤلاء فإنه يقتضي ذم عملهم.
ومنها أن الحكم إذا علق بمشتق، وهذه فائدة أصولية، إذا علق الحكم بمشتق فهو دليل على أن ذلك المشتق هو علة الحكم، مثلًا لا يحب الكافرين لماذا؟ لكفرهم، فالحكم هنا علق على وصف، فيقال: لا يحبهم لكفرهم، إذن فالكفر علة انتفاء المحبة؛ كما لو قال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف: ٤]، ما هي العلة في المحبة؟ القتال في سبيله صفًّا، وهكذا جميع حُكْم يُعلَّق بمشتق فإنه يدل على عِلية ذلك الشيء.
يستفاد أيضًا من الآية فائدة: وهي اعتبار اللازم، بمعنى أنه إذا لزم من الشيء كذا وكذا فإنه يثبت هذا اللازم تبعًا لثبوت الملزوم، فمثلًا لاحظوا في المؤمنين لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ما قال: إنه يحب ولا يحب الكافرين، قال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِالمقابل إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَويش يلزم منه؟ ألا يجزيهم من فضله، وإنما يعاملهم بماذا؟ بعدله، فعقاب الكافرين مأخوذ من لازم انتفاء المحبة، ودلالة التلازم هذه مفيدة جدًّا لطالب العلم دلالة التلازم؛ أنه يلزم من كذا وكذا كذا وكذا، لكن لا بد من شرطين:
الشرط الأول: أن يكون اللازم صحيحًا، فإن كان اللازم فاسدًا فإنه ليس بلازم، حتى لو ادعى الإنسان أنه لازم فليس بلازم.
الشرط الثاني: أن يكون ذلك في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
أما الشرط الأول أن يكون التلازم صحيحًا فإننا نحترز به عما إذا كان التلازم غير صحيح، مثلًا أهل التعطيل الذين أنكروا الصفات أو بعضها ما شبهتهم في الإنكار؟ قالوا: إنه يلزم التمثيل فهل هذا اللازم صحيح؟ ليس بصحيح، ولذلك ما نقول إنه يلزم من إثبات الصفات التمثيل؛ لأنه ليس بلازم.
في كلام الله وكلام رسوله إذا كان اللازم صحيحًا فهو حق، ويكون النص دالًّا عليه، لكن في كلام غيره لا يكون اللازم قولًا لصاحب القول الملزوم، ولهذا العلماء عندهم ترجمة في هذه المسألة: هل لازم القول قول أو ليس بقول؟ منهم من قال: إن لازم القول ليس بقول، ومنهم من قال: إن لازم القول قول، والصحيح أن لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قول، لكن بشرط أن يكون اللازم صحيحًا، لماذا يكون قولًا؟ لأن الله عز وجل يعلم ما يترتب على كلامه من اللوازم، وإذا لم ينفها الله دل ذلك على ثبوتها، لكن الإنسان البشر هل يعلم ما يلزم على قوله؟ أحيانًا يقول الإنسان قولًا يظنه صوابًا، ويكون هذا القول يلزم منه أمور فاسدة، يلزم منه لزومًا صحيحًا حقيقيًّا أمور فاسدة، لو نُبه القائل لها ماذا يصنع؟ لرجع عن قوله، فلذلك نقول: إن لازم القول في غير كتاب الله وسنة رسوله ليس بقول صحيح أنه يستدل به على بطلان القول، لكن ما يقال: إنه قول فلان.
فالحاصل أن هذه المسألة ينبغي التنبه لها، وإنما نقول بذلك لأن الإنسان بشر لا يحيط بما يستلزمه كلامه من اللوازم الصحيحة أو اللوازم الباطلة، الآن نشوف كثيرًا ما يأمر الإنسان بشيء أو ينهى عن شيء في أولاده، ثم إذا فعلوه علم أنه يستلزم مفسدة، فيرجع عنه، هذا اللازم هل كان عالمًا به من قبل؟ لو كان عالما ما أمرهم، وكثيرًا ما ينهاهم عن شيء ثم إذا تركوه رأى في ذلك مفسدة، استلزم مفسدة ما كان يعلم بها حين النهي، فتجده يرجع.
طالب: (...).
الشيخ: لا، لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله قول، لكن بشرط أن يكون التلازم صحيحًا، أما في غيره فليس كذلك، ليس بقول.
ثم قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الروم: ٤٦].
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هناك علامات ودلالات على وجود الخالق، وعلى علمه وقدرته وحكمته. هذه الآيات التي تعرَّف الله بها لعباده هذه من نعمة الله عليهم أن الله تعالى يريهم آياته ليقوموا بشكره ويعترفوا بفضله.
من فوائد هذه الآية التي نحن فيها زيادة على الآيات الثلاث التي ذكرنا من آياته: ثبوت الرحمة؛ لقوله: أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ، هذه الرياح لو اجتمع الخلق كلهم على أن ينفخوا بجميع وسائل النفخ هل يستطيعون أن يغطوا بهذا النفخ بلدًا واحدًا؟ ما يستطيعون، والرب جلت قدرته يغمر ما شاء أن يغمر بهذه الريح التي قد تقلع الأشجار، وتهدم الديار، أليس هذا دليلًا على قدرة الله العظيمة؟ نعم، وكونها مبشرات فيه إثبات الرحمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد بالفلك التي تجري بأمره، لولا أن الله سبحانه وتعالى يسر من الأسباب ما يكون به ذلك ما عرف الناس كيف يتعدون من بر إلى بر بواسطة البحر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ظهور الآيات للإنسان سبب لشكر نعمة الله عليه، من أين نأخذها؟ من قوله: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ومن فوائدها: إثبات العلل والحكم في أفعال الله لقوله: (ولعل)؛ لأنها للتعليل.
ثم قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [الروم: ٤٧] إلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتحذير المخالفين له؛ تسليته بمن سبقه من الرسل؛ فقد كذبوا وأوذوا، فإذا علم أن أحدًا شاركه في ذلك هان عليه الأمر؛ لأن كل إنسان يتسلى بما أصاب غيره بمثله، أو بما أصيب به غيره بمثله، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩].