.. شأن مَن قَبْله من الرسل.
ومن فوائدها:
تحذيرُ المخالفين له؛ لقوله: فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [الروم: ٤٧].
ومن فوائد الآية
أيضًا: رحمةُ الله عبادَه بإرسال الرُّسُل؛ إذْ لولا هذه الرسالة ما عرف
الناسُ كيف يعبدون الله عز وجل، بل ولا عرفوا ما عرفوا مِن تفاصيل أسمائه وصفاته
كما سبق في درس التوحيد، فالرُّسُل رحمةٌ عظيمةٌ للخَلْق كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا:
أن الانتقام من المكذِّبين كان بسبب فِعْلهم؛ لقوله: فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا؛ أي: لإجرامهم،
فهُم السبب.
ومن فوائدها: أنَّ الرِّسالات السابقة
خاصَّةٌ.
طالب: إِلَى قَوْمِهِمْ.
الشيخ: لقوله: إِلَى قَوْمِهِمْ، ويُبَيِّنه الحديثُ الثابتُ في الصحيحين:
«وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً
وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
ومن فوائد الآية: أنَّ الله تعالى ما أرسلَ الرُّسُل إلا
ببيِّناتٍ تشهد بصِدْقهم وبشرائعَ بيِّنةٍ لا تُوجب لَبْسًا على المتَّبِعين، من
أين تؤخذ؟ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [الروم: ٤٧]
أي: بالآيات البيِّنات الدالَّة على صِدْقهم، وبالشرائع البيِّنات الواضحة التي لا
تقتضي لَبْسًا على المتَّبِع.
قال أهلُ العلم: وآياتُ الأنبياء على حسب
عَصْرهم؛ ففي عَهْد موسى انتشرَ السِّحْرُ وكَثُر، فأعطاه الله تعالى من الآيات ما
تُبْطل السِّحْر، وليستْ بسِحْر، أعطاه الله تعالى اليدَ، وأعطاه العصا.
قالوا:
وفي عَهْد عيسى تقدَّم الطبُّ، فأعطاه الله من الآيات ما لا يمكن للطبِّ أنْ يقوم
به، وهو إبراءُ الأَكْمهِ والأبرصِ، وإحياءُ الموتى وإخراجُهم من قبورهم، هذا ما
يمكن يقوم به الطبُّ أبدًا، الميِّت لا يمكن يحيا بالطبِّ. وقالوا أيضًا: إنَّ
الأبرص لا يمكن شفاؤه بالطبِّ.
الأَكْمه مَن هو؟ قالوا: إنَّه الذي خُلِقَ بلا
عينٍ، هذا يُمْكن فيما سبق من العصور ما يُمْكن أنْ يُوضع له عين، لكن الآن إذا
وُجِد مكانُ العين يُمْكن يُوضَع له عين بالطبِّ، لكنْ إذا لم يوجَد، مثلًا خَلَقَه
اللَّهُ عز وجل بدون أنْ يخلق له مكانًا للعين، ما يُمْكن أن يُوضع له عين.
في
عَهْد الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: إنَّ البلاغة بلغتْ أَعْلى ذروتها، فكان
مِن أَعْظم آيات الرسول عليه الصلاة والسلام هذا القرآن الذي أَعْجَزَ البُلَغاء
والفُصَحاء، بل تحدَّى اللَّهُ به كلَّ الجنِّ والإنسِ؛ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِلا انفرادًا ولا تعاوُنًا، ولهذا قال:
وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].
طالب: شيخ، اللي يقولون بالإعجاز العلمي للقرآن
يستخدمون هذا المعنى (...).
الشيخ: (...)؟
طالب: أن الإعجاز من جنس ما تفوَّق فيه كلُّ قوم، فيقولون: الآن
زالت الآن البلاغة عند الناس، ما يعرفون (...) أوجُه البلاغة (...)، ولكن الآن طغى
العلم (...) إشارات علمية ليصدق (...).
الشيخ: إي نعم،
يمكن، هذا ليس يبعد، أقول: ليس ببعيد، إي نعم، يمكن يكون صحيحًا أن القرآن في كلِّ
عصرٍ يكون معجزةً بما تناسب العصر؛ لأنه نَزَلَ لجميع الخلْق إلى يوم القيامة، فلا
يبعد هذا، القرآن بكل (...)، لكنْ في ذلك الوقت أشدُّ ما فيه البلاغة.
وفيه أيضًا: إثباتُ فِعْل الانتقام لله عز جل؛ فَانْتَقَمْنَا.
وفيه أيضًا:
إثباتُ العظمة؛ لقوله: فَانْتَقَمْنَاوأَرْسَلْنَا، فإن هذا للتعظيم وليس للتعدُّد بإجماع المسلمين
أنَّه للتعظيم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله
أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين؛ لقوله: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧].
ومنها: أنَّ هذا النصر لا بدَّ أنْ يكون؛ لأنه أتى بصيغة
التعظيم: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا، ولم يَقُل:
عَلَيَّ، بل قال: عَلَيْنَاإشارةً إلى أنَّ هذا الحقَّ
لا بدَّ أن يكون؛ لأن الله تعالى أعظمُ مِن كلِّ شيء.
وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ غير المؤمنين لا يُنصَرون؛
لقوله: حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.
فإذا أَوْرَدَ إنسانٌ علينا ما حَصَلَ من الانتصارات الخاطفة للكفار، فما هو
الجواب؟
طالب: استدراجٌ من الله سبحانه
وتعالى.
الشيخ: أنَّ هذا استدراجٌ من الله عز وجل حتى
يتمَّ النصرُ للمؤمنين في النهاية.
طالب: قد يكون
تأديبًا للمؤمنين.
الشيخ: إي نعم وقد يكون من مصلحة
المؤمنين لأن (...) نصر لأنفسهم على أنفسهم، ثم إنَّه لا يدومُ هذا النصرُ أبدًا،
العاقبة لا بدَّ أن تكون للمؤمنين.
وقال بعض أهل العلم: إنَّ النصر نوعان:
نَصْرٌ بالحجَّة والبُرهان، ونَصْرٌ بالسيف والسِّنان.
فأمَّا النصر بالحجَّة
والبُرهان فهو مضمونٌ وثابتٌ ولا فيه استثناء، أو لا؟ لأنَّ الحجَّة والبُرهان مع
المؤمنين على كلِّ حال، حتى لو هُزِموا عسكريًّا فإنَّ الحجَّة والبُرهان معهم،
غالبون بِحُجَّتهم وبُرهانهم، وهذا لا استثناء فيه.
والثاني بالنَّصْر العسكري؛
يعني بالسيف والسِّنان، وإحنا نقول الآن: بالطائرة والقنابل وما أشبهها، هذا قد
يحصُل نصرٌ لغير المؤمنين امتحانًا للمؤمنين واستدراجًا للكافرين.
ثم قال عز
وجل..
طالب: شيخ، ذكرتَ أمس هل يؤخذ منها أن الرسول
خاتم الأنبياء؟
الشيخ: إي نعم، ما تقولون؟ هل يؤخذ منها
أن الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا؟
طلبة: ما يَلْزم.
الشيخ: يعني ما يَلْزم ألَّا يكون بعده أحد؟
طالب: إي نعم، من هذه الآية.
الشيخ:
إي، معلوم، من هذه الآية.
طالب: (...) إِلَى قَوْمِهِمْ.
الشيخ: إِلَى قَوْمِهِمْ، إي، هذه تدلُّ على أنَّ رسالتهم خاصَّة،
لكن هل تدلُّ على أنه انتهى؟
طالب: (...) كافَّة إلى
الناس (...).
طالب آخر: القاديان يستدلُّون بهذه الآية
(...) آية النحل: يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [النحل: ٢].
الشيخ:
على أيش؟ (...) القاديانية؟
طالب: الرسالة جارية، يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ(...) صيغة الاستقبال ..
الشيخ: هذا كفر.
الطالب: تدل على
(...) عندهم، عند القاديانية.
الشيخ: الكلام على أن هذه
الآية هل تدلُّ على خَتْم الرسالة بالرسول صلى الله عليه وسلم لقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْأو لا تدلُّ، الوجْه الذي ذَكَره يقول: قد تدلُّ من حيث إن الرسول مُرْسَل إلى
الناس عامَّةً، والعموم هذا يشمل العموم في الوقت والمكان والأُمَم، وهذا يستلزم
ألَّا يوجد رسولٌ بَعْده، لو وُجِدَ رسولٌ بَعْدُ انتفى العموم إلى الناس كافَّة،
صار معناه أن الرسول اللي بَعْدَه يكون رسولًا إلى هؤلاء الناس دون محمد عليه
الصلاة والسلام.
طالب: بس يا شيخ هذا ما فيه دليل على
أنه أُرْسِل إلى الناس كافَّة (...).
الشيخ: لا، فيه
(...)؛ لأنَّه إذا لم يكن آخِرهم فالذي يأتي مِن بَعْدِهِ صارَ أُرْسِل إلى بعض
الناس وهم الذين تأخَّروا، طيب، على كلِّ حالٍ أخْذُها فيه شيءٌ من الغموض، والأمرُ
في هذا واضحٌ، والغريبُ أنَّ بعض الناس -على سبيل الاستطراد- أنْكَرَ نزول عيسى بن
مريم صلى الله عليه وسلم وقال: إنَّنا لو قُلنا بنزوله لَكان ذلك تكذيبًا للقرآن؛
وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠]، ماذا تقولون؟
طالب: لكن في آية قال:
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [الزخرف: ٦١] هذا يدلُّ
على نزوله، والشيء الثاني يا شيخ يُنكرون مَجِيء المهدي.
الشيخ: (...) لا تُدخل مسألة في مسألة، أقول: هل استدلالهم
بالآية الكريمة صحيح ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: غير صحيح؛ لأن عيسى ما ينزل مُشَرِّعًا، وإنما ينزل
تابعًا للرسول صلى الله عليه وسلم ولا يُنْشِئ ولا شيئًا من الشريعة، حتى كَسْر
الصليب وقَتْل الخنزير، هذا أَخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام فأَقَرَّه؛ يعني
يُقال: إنه يأتي ويحكم بذلك، ولا يَقْبل إلا الإسلام، ما فيه جِزية بعد نزول عيسى،
ما فيه أخْذ جِزية ولا عَهْد، ما فيه إلا الإسلام ،
فيقال: إن هذا ليس شرعًا جديدًا ناسخًا لشَرْعِ الرسول عليه الصلاة والسلام، بلْ هو
شَرْعٌ مقرَّر من الرسول صلى الله عليه وسلم، أليس كذلك؟ الرسولُ أخبر بأنَّه
سيفعلُ هذا مقرِّرًا له، فهو لم يَنْزل على أنَّه رسولٌ بشرعٍ جديدٍ، بل على أنَّه
تابعٌ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولعلَّ هذا -والله أعلم- ليتحقَّق ما أخبرَ
اللَّهُ به بالفعل؛ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١]، هذا
خَبَرٌ من الله عز وجل، لكنْ هل نحن عَلِمْنا هذا بأنَّ نبيًّا من الأنبياء تابعَ
الرسولَ فِعْلًا؟ لا، لكن نزول عيسى ومتابعته لرسالة الرسول عليه الصلاة والسلام
تكون هذه حقَّ اليقين؛ لأن الآية -آية آل عمران- فيها علم اليقين، فإذا وُجِدَ ذلك
بالفِعْل صار أيش؟ صار حقَّ اليقين، فهذا من الحكمة في نزوله صلى الله عليه وسلم في
آخِر الزمان.
وأيضًا عندنا أحاديثُ واضحةٌ صحيحةٌ صريحةٌ مُتَلَقَّاةٌ بالقَبول
عند أهل العلم، فكيف يُنكِر ذلك؟! ولكن -والعياذ بالله- بعض الناس يأتي بقاعدةٍ من
أَفْسَدِ القواعدِ وأَبْطَلِ القواعدِ، وهي أنَّ العقيدة لا تَثْبُت بأخبار الآحاد
ولو كان الخبرُ صحيحًا، وهذا في الحقيقة مزلةٌ مِمَّن قاله؛ لأننا نقول له: أنت
تُثبت مِن الأحكام العملية تُثبت الحكم العملي بدليلٍ لا يصل إلى درجة الصحة،
تُثبته بدليل يصل إلى درجة الْحُسْن، وربما يكون إلى درجة الْحُسْن عندك أنت وعند
غيرك لا يصل إلى درجة الْحُسْن، وإثبات الحكم العملي مستلزم للعقيدة؛ لأنَّ تنفيذه
مقتضى الإيمان، ولأنَّ الإنسان لا يعمل بهذا إلا بعد أن يعتقد أنه من شريعة الله،
وإلا لَمَا عَمِل به، فهناك عقيدة سابقة أنَّ هذا من حُكم الله ومن شريعة الله،
وأنَّه مقرِّبٌ إلى الله، وأنَّه عبادةٌ لله، ثم العمل به.
ثم ما هذا؟! إذا
أخذْنا بذلك لَزِم أن نُنكر أشياء كثيرة مِمَّا يتعلَّق بالأمور العِلمية؛ لأن
الشرع -كما تعلمون- إمَّا أُمُور عِلمية أو أُمُور عملية، والصواب بلا شك أنَّه لا
فرق بينهما، وأنَّ ما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّه يجب الإيمان به
عقيدةً وعملًا، وإذا شئتَ مَزِيدَ إيضاحٍ فاقرأ ما كتبه ابن القيِّم رحمه الله في
آخِر الصواعق المرسلة، فإنَّه تكلَّم على هذه المسألة كلامًا
شافيًا.
طالب: هو متواتر ياشيخ.
الشيخ: واللهِ ما أدري هل يصل إلى حدِّ التواتر ولَّا
لا.
طالب: (...)؟
الشيخ:
إنْ يتواتر إذن يكون يفيد العلم اليقيني ولا أحد (...).
طالب: بالنسبة إلى نزول عيسى بن مريم (...)، هل أنَّه سبحانه
وتعالى يُلْهمه الصواب في (...).
الشيخ: الظاهر -والله
أعلم- لأن القرآن والسُّنة محفوظات إلى ذلك الوقت، والعجيب أن بعضهم ذَكَر من شُبَه
إنكار نزوله قال: إن لُغة عيسى سريانية، ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم عربية، كيف
ينزل ويحكم بالشريعة وهو سرياني؟! هذه شُبَهة هذه؟
طالب: لا.
الشيخ: ويش الجواب؟ نقول:
نعم الجواب بالتسليم (...)؛ أولًا: فيه الآن ناس يتكلمون باللغة العربية وهم مسلمون
ملتزمون بأحكام الإسلام، قائمون به على أَتَمِّ وجْه، ولُغتهم غير عربية. والثاني:
أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير، يمكن يكون لسانه عربيًا، إذا كان بالممارسة
والمخالطة ينقلب لسانُ الإنسان مِن سرياني إلى عربي، فكيف عاد بقدرة الله! لكن
سبحان الله العظيم، الإنسان إذا اشتهى شيئًا أتى بشبه ما تنطلي على أحد (...).
***
قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧] أخذنا فوائدها؟ ويش هي؟طالب: (...) تحذير المخالفين له (...).
أنَّ الرسالات السابقة خاصَّة (...).
أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين، وهو لا بدَّ أن يكون، وغير المؤمنين لا يُنصرون.
(...) أحيانًا وهو (...).
الشيخ: فيها فائدة أيضًا.
من فوائد الآية أيضًا: أنَّ على الله حقًّا أوجبه على نفسه؛ لقوله تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا، فإذا قُلنا: هل يجب على الله شيءٌ؟ نقول: أمَّا بعقولنا فلا يجب على الله شيءٌ، وأمَّا أنْ يُوجِب هو على نفسه شيئًا فهذا أمرٌ واقِع.
ومن فوائدها أيضًا: فضيلةُ الإيمان وأنَّه سببٌ للنصر؛ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.
***
ثم قال: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا [الروم: ٤٨]. قال المؤلف: (تُزْعِجُه)؛ لأنه مأخوذٌ من: أَثَارَ الصيدَ؛ إذا أَزْعَجَه.
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَيعني: يَبْعثها كيف شاء سبحانه وتعالى.
فَتُثِيرُ سَحَابًاقال المؤلف: فـ(تُزعجه)، كإثارة الصيد، فإنَّ إثارة الصيد من مكانه تعني إزعاجه حتى يقوم.
وقوله: سَحَابًاالسحاب هو المعروف؛ هو الغيم.
فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ(من قِلَّة وكَثْرة). فَيَبْسُطُهُالبَسْط معناه النَّشْر، كَيْفَ يَشَاءهذه تعود إلى كيفيَّة هذا النَّشْر؛ قد يكون واسعًا، وقد يكون قليلًا، وقد يكون كثيفًا، وقد يكون خفيفًا، ولهذا قال ({وَيَجْعَلهُ كِسَفًا} بفتح السِّين وسكونها: قِطَعًا متفرِّقة). بفتح السين يعني كِسَفًا، وسكونها يعني كِسْفًا، وقد قال الله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور: ٤٤] كِسْفًا. والكِسَف معناه: القِطَع، وكأنَّ المؤلف رحمه الله يريد أنْ يُبَيِّن أنَّ السحاب قد يكون واسعًا منتشرًا مبسوطًا، وقد يكون قليلًا قِطَعًا متفرِّقة.
وقال بعض المفسرين: معنى كونه كِسَفًاأنَّه قِطَعٌ متراكبةٌ بعضُها فوق بعض حتى يَسْوَدَّ ويَدْلَهِمَّ ويَحْصل فيه الرعْدُ والبَرْقُ، وهذا أَوْلى أنَّ المراد بالكِسَف يعني القِطَع المتراكبة التي يركب بعضُها بعضًا حتى تَدْلَهِمَّ وتَسْوَدَّ، وهذا في الغالب أكثرُ مطرًا.
يقول: وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِفَتَرَىالخطاب لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه؛ لأن هذه الرؤية ليست خاصَّةً بالرسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله: الْوَدْقَيعني (الْمَطَر)؛ يعني حبَّات المطَر تُسَمَّى وَدْقًا.
يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ(أي وَسَطِه)، وقيل: من بَيْنِه؛ من بين هذا السحاب.
وقوله: فَتَرَى الْوَدْقَإذا قال قائلٌ: نحن لا نراها بأعيُننا المجرَّدة، ما نرى أنَّ المطر يتخلَّل هذا السحاب (...).
فيقال: إنَّه خَبَر صِدْق، فيكون أيش؟ يكون كالمشاهَد؛ ما دام الله تعالى أخبر به فإننا كأنَّما نشاهده بأعيُننا، ثم إنَّه في الوقت الحاضر وُجِدت الآلاتُ القويَّة التي يستطيع الإنسانُ بها أنْ يرى كيف يخرج هذا المطر؛ هذه النُّقَط، مِن خلال السحاب.
وقوله: فَإِذَا أَصَابَ بِهِ(بالودْق) مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَهذه جملة شرطية؛ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ(إذا) تدلُّ على أن هؤلاء الذين أُصِيبوا بالمطر أنَّهم في غاية الاشتياق إليه، ولهذا بمجرَّد ما يصيبهم يَحْصل الاستبشار. وقولُنا: (بمجرَّد) ليس نتيجةً عن ترتُّب جواب الشرط على فِعْل الشرط، ولكنه نتيجةٌ لذلك وزيادة أَمْرٍ آخَر وهو الإتيانُ بـإذَاالفجائية التي تدلُّ على المفاجأة والسرعة. إذَنْ (إذا) تفيد الشرط، وفِعْل الشرط هو أَصَابَ، وجواب الشرط جملة هُمْ يَسْتَبْشِرُونَالمصدَّرة بـإذَاالفجائية.
قلنا: إنَّ هذا التعبير يدلُّ على أنَّ هؤلاء في غاية ما يكون من الاشتياق إلى نُزول الغيث؛ وجْهُ ذلك استبشارُهم بمجرَّد الإصابة، وليس استبشارًا عاديًّا كترتُّب الجواب على فِعْل الشرط، ولكنَّه أَبْلَغ لأنه أتى بـإذَاالفجائية الدالَّة على المبادرة بوجود ذلك الشيء.
وقوله: يَسْتَبْشِرُونَقال المؤلف: (يَفْرحون بالمطَر)، وهو أشدُّ مِن مجرَّد الفرح، الاستبشار أشدُّ من مجرَّد الفرح، بل هو يستبشرُ بنفسه وربما يُهَنِّئ غيرَه ويُبَشِّره، ولهذا في المطر في أيام الموسم -موسم المطر- تجد مثلًا الناس إذا رأى بعضُهم بعضًا -لا سيَّما الذين يأتون من البراري- يقول: أُبَشِّرك أنَّه نزل مَطَرٌ وأنَّه كثيرٌ. أو حسب ما يكون، فالاستبشارُ هنا أَبْلغ من مجرَّد الفرح، لكن المؤلف رحمه الله ربما يفسِّره بالتقريب.
وقوله: فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، مَنْ يَشَاءُلا ما يشاء الناس؛ فالذي يُنزل الغيثَ هو الله عز وجل، وليس أحدٌ يستطيع أن يُنزله، وأمَّا ما ذُكِر من أنهم الآن يُسَلِّطون مواد كيماوية على السحاب فينزل المطر، فإنَّنا نقول: إن صحَّ هذا الأمر فمَن الذي خَلَق هذا المطر؟ الله سبحانه وتعالى، والذي أَوْجَدَ هذا السحابَ هو الله سبحانه وتعالى، وكَوْنُهم يتوصَّلون إلى أسبابٍ يتبخَّر بها هذا السحاب حتى ينزل مطرًا هذا لا يُنافي أنْ يكون الله عز وجل هو الذي يُنَزِّل الغيثَ، ثم إنَّ الآية: يُنَزِّلُ الْغَيْثَ [الشورى: ٢٨] أَبْلَغ مِن: يُنَزِّل المطرَ؛ إذْ إنَّ المطر قد ينزل ولا يكون غيثًا؛ كما ثبت في صحيح مسلم «لَيْسَ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتَ الْأَرْضُ» (السَّنَة) ويش معناها؟ الجدْب والقَحْط؛ يعني: ما هو بَس أنَّه ما يأتي المطر، السَّنَة الحقيقيَّة أنْ يأتي ولا يحصل نباتٌ.
وقوله: فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِالمراد بالعِباد هُنا جمع عَبْد، وهي العُبودية الخاصَّة ولَّا العامَّة؟ العامَّة، لماذا؟ لأنَّ المطر يَنْزل على المؤمنين وعلى الكافرين، نعم، بل ربما يكون نُزوله على الكافرين أكثرَ وأغدقَ وأشدَّ استمرارًا؛ امتحانًا لهم، لتُعَجَّل لهم طيِّباتُهم في حياتهم الدنيا، كما قال الله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَاأي: بهذه الطيِّبات فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأحقاف: ٢٠] إلى آخِره.
ثم قال تعالى: وَإِنْ كَانُوا [الروم: ٤٩] قال المؤلف: (وقد {كَانُوا})، (قد)؛ قدَّر إِنْبـ(قد)، وتَبِع في ذلك البغوي، والمؤلف الجلالين مأخوذ من البغوي؛ يعني كأنه مختصر له؛ لأنك إذا تأمَّلْتَ تفسيره -رحمه الله- وجدتَ أنَّه هو تفسير البغوي بعينه، لكن البغوي مبسوطٌ وهذا مختصَر.
هو قال: ({إِنْ} قد)، ولا أحد من أهل النحو قال بهذا القول، إلَّا أنْ يقوله على سبيل التفسير فقط، والصواب الذي لا شك فيه هو أنَّ إِنْهنا مخفَّفة من الثقيلة كما في قوله تعالى: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤]، وعلى هذا فنقول: إنَّ أصلها (إنَّ) فخُفِّفت، واسمها أين هو؟
طلبة: ضمير الشأن.
الشيخ: ضمير الشأن، اسمها ضمير الشأن محذوف، والتقدير: وإنَّهم. وقد سبق لنا أنَّ القول الصحيح فيه من أقوال النحويين أنَّ ضمير الشان لا يُقَدَّر مفردًا مذكرًا، وإنما يُقَدَّر بحسب السياق، فهو ضميرٌ مُقَدَّرٌ بحسب السياق؛ إنْ كان السياق يقتضي التأنيثَ فهو مؤنَّث، يقتضي التذكيرَ فهو مذكَّر، يقتضي الجمعَ فهو مجموعٌ، يقتضي التثنية فهو مثنى ، إذَنْ أصْله: وإنَّهم كانوا. لكن خُفِّفتْ (إنَّ) فحُذِف اسمها على أنَّه ضمير الشأن.
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ [الروم: ٤٩]، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْأيش؟ المطر.
مِن أين نعرف أنَّه المطر؟ هل سبق التحدُّث عن تنزيل المطر؟ الجواب: نعم، في قوله: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ؛ فإنَّ الودْق إذا خرج من خلال السحاب أين يذهب؟ ينزل إلى الأرض.
وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْيُعبِّر الله عز وجل عن نُزول المطر بالإنزال والتنزيل؛ وذلك لأن المطر أحيانًا يأتي دفعةً واحدةً بكثرةٍ وغزارةٍ فيكون إنزالًا، وأحيانًا يأتي بالتدريج ضعيفًا متقطِّعًا فيُسَمَّى تنزيلًا؛ لأنَّ التنزيل معناه إنزالُ الشيءِ شيئًا فشيئًا، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ.
طالب: بالنسبة (...) التنزيل والإنزال (...) باعتبار المطر ككُلٍّ نقول: نزل، باعتبار يعني أفراده ..
الشيخ: لا، أَنْزل.
طالب: باعتبار أفراده..
الشيخ: لا، باعتبار الكثرة والتفريق.
طالب: (...) السحابة هذه في الوقت وبعد أيام..
الشيخ: بعد أيام يأتي، ثم يأتي أيضًا بقليلٍ أحيانًا؛ يعني مثلًا يكون المطر يومين، ثلاثة، ولكنَّه قليلٌ، وأحيانًا يأتي كما أنتم تشاهدون سُحُبًا عظيمةً كأنها أفواهُ القِرَب.
وقوله: مِنْ قَبْلِهِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ، كلمة مِنْ قَبْلِهِاختلفَ فيها أهل العلم؛ فقال بعضُهم كما قال المؤلف: إنها (تأكيد)؛ كقوله تعالى: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ [آل عمران: ١٨٨]، كرَّرَ الفِعل توكيدًا، هذا قول، وهو الذي مشى عليه المؤلف وعليه أكثر المفسرين أنَّ قوله: مِنْ قَبْلِهِأي: من قبل أن يُنَزَّل عليهم، فكأنَّه قال: وإنْ كانوا مِن قبل أن يُنَزَّل عليهم مِن قبل أن يُنَزَّل عليهم لَمُبلسين، فيكون تكرارها للتوكيد.
وقال بعضُ المفسرين: إنها كُرِّرت للتأسيس لا للتوكيد. ومعلومٌ أنَّه إذا دار الكلام بين أن يكون توكيدًا وأن يكون تأسيسًا فالأصل التأسيسُ؛ يعني الأصل عدم التوكيد؛ لأن التوكيد تكرار، والأصل عدم التكرار، فيرى بعضُ المفسرين أنها ليست للتوكيد وأنَّها للتأسيس. خُذوا بالكم من الفرق (...) العلماء رحمهم الله، الفرق بين التوكيد والتأسيس أن التوكيد معناه أنَّ هذا هو الأول، والتأسيس معناه أنَّ هذا غير الأول وأنَّه كلامٌ مستقلٌّ.
على القول بأنه تأسيسٌ ما معناه؟ قال بعضهم: مِنْ قَبْلِهِأي: من قبل الاستبشار؛ وإن كانوا من قبل أنْ يُنَزَّل عليهم من قبل الاستبشار لَمُبلسين، فذَكَر الله لهم حالينِ قبل الاستبشار وبعده، فهمتم؟ وهذا ما مشى عليه أبو السعود، وهو جيِّد ولا فيه إشكال من حيث التصوُّر والمعنى، (...) المعنى وإنْ كانوا من قبل إنزال المطر من قبل ذلك الاستبشار لَمُبلسين، فنبَّههم الله على حالهم قبل الاستبشار، وهو الإبلاس، وعلى حالهم بعد ذلك.
وقال بعضهم: مِنْ قَبْلِهِأي: من قَبْلِ قَبْلِ أنْ ينزل عليهم؛ مِنْ قَبْلِهِيعني: وإنْ كانوا من قبل أنْ يُنَزَّل عليهم مِنْ قَبْلِهِأي: من قَبْلِ ذلك القَبْل، فيجعلون الضمير في قوله: مِنْ قَبْلِهِليس عائدًا إلى المطر ولا عائدًا إلى الاستبشار، وإنما يجعلونه عائدًا إلى القَبْل، فالمعنى على هذا: وإنْ كانوا مِن قَبْل أنْ يُنَزَّل عليهم مِن قَبْل ذلك القَبْل لَمُبلسين، فيكون فائدتها أن الإبلاس مستمرٌّ معهم من قديم الزمان، فيأتي موسمٌ لا يأتي فيه مطرٌ فيُبلسون، ثم يأتي موسمٌ آخَر فيُبلسون، ثم يأتي موسمٌ آخَر فيُبلسون ... وهكذا، ومعلومٌ أنَّه إذا تكرَّرت مواسمُ ولَمْ يأتِ مطرٌ كان أشدَّ في الإبلاس، فيكون المعنى أنَّ هذا الاستبشار أنَّه أتى بعد يأسٍ مرَّتينِ فأكثر، وهذا أيضًا ذكره ابن كثير رحمه الله في تفسيره، فصار لدينا في قوله: مِنْ قَبْلِهِكم قولًا؟ ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنَّها توكيد.
والثاني: أنَّ الضمير يعود على الاستبشار.
والثالث: أن الضمير يعود على القَبْل؛ أي: وإن كانوا من قَبْل أنْ يُنَزَّل عليهم من قَبْل ذلك القَبْل أيضًا لَمُبلسين.
أمَّا قوله: لَمُبْلِسِينَفهي بالنصب خبرًا لـ(كان)، وين (كان)؟ وَإِنْ كَانُوا، واقترنت اللام بها من أجْل إِنْ، والاقتران هنا واجب ولَّا جائز؟
طالب: لا، واجب.
طالب آخر: لا، جائز.
الشيخ: لا جائز، ولا واجب.
الطالب: لا، جائز.
الشيخ: أنت قلت: لا جائز، وهذا يقول: لا واجب. لا وهو واجب، لا وهو جائز.
طالب: واجب.
الشيخ: طيب، ما هو سبب الوجوب؟
طالب: المخفَّفة من الثقيلة لا بدَّ أنْ تقترن بها اللام.
الشيخ: لا بدَّ أنْ تقترن بها اللام؟
الطالب: (...).
الشيخ: وما هو وجه الجواز؟
طالب: وجه الجواز أن (إنْ) تشتبه (...)، يجب اقتران (إن) المخففة إذا اشتبهت بـ(ما).
الشيخ: من أين تعرف ذلك من كلام ابن مالك؟
طالب: من قوله:
| وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَـــلَّ الْعَـــمَلُ | وَتَـــــلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَـــا تُهْمَلُ |
| وَرُبَّمَــا اسْتُــــغْنِيَ عَنْهَــا إِنْ بَدَا | مَــــا نَاطِـــــــــقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِـــــدَا |
الشيخ: وأنت ما تقول في هذه الحجة؟ طيب، الآن لو أسقطْناها أَلَا تشتبه (إن) المخفَّفة بـ(إن) النافية؛ يعني لو كانت: وما كانوا من قَبْل أن يُنَزَّل عليهم مُبْلسين؟ تشتبه؛ يعني يستبشرون مع أنهم ما أَبْلسوا ولا أَيِسوا، ربما يقع هذا، يعني يستبشرون وإنْ كان ما عندهم يأسٌ من قَبْلُ، فالظاهرُ الوجوبُ لا للعِلَّة التي ذَكَر؛ لأنه ظنَّ أنَّه يجب الاقترانُ مطلقًا، ولكنَّه يجب؛ لأنها قد تشتبه بـ(إن) النافية، أمَّا إذا لم تشتبهْ فهو ما يجب الاقتران.
هل هناك شاهدٌ من الإعراب لذلك؟ إي نعم قول الشاعر:
| ........................... | وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ |
هو يفتخر بأنَّه من بني مالكٍ ثم يقول: (وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ)، هُنا ما يمكن أن تشتبه (إنْ) بـ(ما) لماذا؟ لأنه لا يمكن أنْ يفتخر بقومٍ يسلب عنهم كَرَم المعدن، أو لا؟ لو تقول: أنا -مَثَلًا- من قبيلة، هذه القبيلة ما كانت كرامَ المعادن. يصلح؟! ما يستقيم.
الحاصل أنَّ اللام هنا للتوكيد، ويُسمِّيها بعضُ العلماء: لام الفَرْق؛ اللام الفارقة، وهذا أدقُّ في التعبير، وهي مع كونها فارقةً تفيد التوكيد، وإنما سَمَّوها اللام الفارقة لأنها تفرق بين (إن) النافية وبين (إن) المخفَّفة.
طيب، إذا قال قائل: هل يمكن أن تقترن باللام مع كون (إن) بمعنى النفي؟
فالجواب: لا، وهذا هو السرُّ في أنها فارقةٌ لا يمكن أن تقترن بها اللام؛ لأن اللام تفيد توكيد الإثبات، والنفيُ بخلاف ذلك؛ النفي يفيد النفي.
قال: لَمُبْلِسِينَيقول: (آيِسِينَ مِن إنْزالِهِ). والإبلاس مِثْل القنوط؛ أشدُّ اليأس، ومنه سُمِّي إبليس -نعوذ بالله منه- لأنه أيش؟ مُبْلِسٌ آيِسٌ من رحمة الله. وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَآيِسين من نُزوله.
فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ [الروم: ٥٠] فَانْظُرْالخطاب لِمَن؟
طالب: للرسول.
الشيخ: للإنسان، لا، ما هو للرسول، الخطابُ للإنسان، لِمَن يتأتَّى خطابُه، الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره؛ لأنه قال بالأول: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ، ثم قال هنا: فَانْظُرْأي: انظر أيُّها الإنسان (إلى {أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ}، وفي قراءة) يقول المؤلف: ({آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ}). شوف الرسم العثماني، من فوائد التزامه أنَّه لا يتغيَّر بتغيُّر القراءات، آثَارِعلى مقتضى قواعد الرسم العصرية كيف تكتب؟ بألف بين الثاء والراء، لكنَّها على قواعد المصحف العثماني يُكْتَب فيها ألف؟ لا، (أَثَر) ثاء وراء، فتصلح آثَارِوتصلح {أَثَرِ}.
وقوله: إِلَى آثَارِو{إِلَى أَثَرِ} لا فرق بينهما في الجملة من حيث المعنى؛ لأن آثَارِمضاف فيفيد العموم، و{أَثَرِ} مضاف فيفيد العموم؛ لأن المفرد إذا أُضِيف أفادَ العموم، فـ{أَثَرِ} وآثَارِمن حيث الجملة لا فرق بينهما؛ لأن {أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ} بمعنى آثَارِ، لكن الفرق بينهما من حيث المعنى الخاصِّ أنَّ {أَثَرِ} يشمل الجنس باعتباره شيئًا واحدًا، وأمَّا آثَارِفتشمل الجنس باعتباره أنواعًا.
كيف باعتباره أنواعًا؟ مِثْل أَثَر المطر يخرج به الزرعُ، ويخرج به الشجرُ، ويخرج به شيءٌ صغيرٌ وشيءٌ كبيرٌ، وشيءٌ له أشجارٌ مُفَتَّحةٌ، وشيءٌ له أشجارٌ دقيقةٌ كالعيدان، فلهذا تُعتبر هذه آثارًا باعتبار أنواعها.
ثم أيضًا الآثارُ تختلف من أرضٍ إلى أرضٍ؛ هذه الأرض تُنبت كذا، وهذه الأرض تُنبت كذا، هذه ينبت فيها الكَلَأ وهذه لا ينبت، ... وهكذا، فهي آثارٌ باعتبار الأنواع، أمَّا باعتبار الجنس وأنَّ كله حَصَلَ بسبب المطر فهو شيءٌ واحدٌ، وهذا هو الفرق الخاصُّ بين {أَثَرِ} وآثَارِ.
({آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ} أي: نِعمته بالمطر). وقد سبق لنا أنَّ الرحمة في مِثْل هذا يصحُّ أنْ تكون اسمًا للمخلوق ويصحُّ أنْ تكون من صفات الله؛ فإنْ كان المرادُ الأَثَرَ المباشرَ فالمرادُ بالرحمة المطَرُ؛ لأن هذا النبات نَبَتَ بماذا؟ بالمطر، وإنْ كان المرادُ السببَ غير المباشر فالمراد بالرحمة صفةُ اللهِ؛ يعني لكون الله جل وعلا رحيمًا فهذه من آثار الرحمة أنَّه يُنزل المطر، وتَنْبت به الأرضُ، ويزول به القَحْط، فالآيةُ صالحةٌ لهذا ولهذا.
قال: كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم: ٥٠] هذا مما يرجِّح أنَّ المرادَ بالرحمة الصفةُ؛ رحمة الله، كَيْفَ يُحْيِهو؛ أي: بالرحمة سبحانه وتعالى، يُحْيِ الْأَرْضَيجعلها حيَّةً بَعْدَ مَوْتِهَاقال المؤلف: (أي: يُبْسها)، وحياةُ كلِّ شيءٍ بِحَسَبه؛ فالأرض اليابسة اللي ما فيها خضراء تُسمَّى ميتة، ما فيها شيءٌ حيٌّ، فإذا نَزَلَ عليها المطرُ وحيي النباتُ سُمِّيتْ حيَّة.
يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاوهذا دليلٌ على قدرة الربِّ عز وجل وعلى رحمته؛ لأنه مَن يقدر على أن يَفْلق النواةَ والحبَّ في باطن الأرض حتى يخرج منه هذا النباتُ النَّامي؟ أحد يقدر على هذا؟ ما أحد يقدر؛ لهذا قد جاء في الحديث الصحيح القدسي: «فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» ، ما يستطيعون، ما يستطيع أحدٌ أن يخلق هذا؛ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [الأنعام: ٩٥].
كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَاكَيْفَيعني: انظر إلى الكيفية والقُدرة، كيف هذه الأرض اللى كانت غبراء كأنها محترقة أصبحت الآن روضةً خضراء! (أي: يُبْسها بأنْ تنبتْ).
قال الله عز وجل: إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى [الروم: ٥٠] إِنَّ ذَلِكَالمشار إليه (...).
***
(...) يكون عبثًا، يُخلق بَشَر عاقل، يعرف، ويعقل، ويتصرَّف، ويقتل بعضُه بعضًا، وينهب بعضُه بعضًا، ويسالم بعضُه بعضًا، والنتيجة أنْ يكونوا تُرابًا، هذا لا يمكن أبدًا؛ يعني لو تصوَّره إنسانٌ أدنى تصوُّر لَوجد أنَّ العقل يدلُّ دلالةً قطعيَّةً على أنَّه لا بُدَّ من بعثٍ و(...)، وإلا لَكانت الدنيا كلُّها عبثًا؛ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧].ألسْنا مثلًا نشاهد مَن يخالفنا في العمل، مَن يخالفنا في الأخلاق، مَن يخالفنا في العقيدة، ونتألَّم من ذلك ولَّا لا؟ نعم، لولا أنَّ الله يُسَلِّي الرسولَ صلى الله عليه وسلم: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣] وما أشبهَ ذلك مما يُسَلِّيه به لَتقطَّع قلبُه عليه الصلاة والسلام، نحن الآن نتألَّم لِمَن يخالفنا في العقيدة، لِمَن يخالفنا في الأخلاق، لِمَن يخالفنا في الأعمال، نتألَّم لا شكَّ، هذا الأَلَم يؤثِّر علينا، ولكن يقول الله عز وجل: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَلكن هناك فارقٌ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤]، فالحاصل أنَّ هذا الكون العظيم ما يمكن أن يكون عَبَثًا هكذا؛ يحيا ثم يكون ترابًا، فالله عز وجل يُحيي الموتى، ليس بني آدم فقط، ولكن بنو آدم وغيرهم؛ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ٣٨] وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥] وأخبرَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ البهائم يُقْتَصُّ من القَرْناء للجَلْحاء ، حتى البهائم يُقضى بينها، واضح يا جماعة؟ ولهذا نقول: الْمَوْتَىلا يختصُّ بالإنسان فقط، بل بالإنسان وغير الإنسان؛ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى [الروم: ٥٠].
ثم أكَّدَ هذا أيضًا -إحياء الموتى- بمؤكِّد آخَر؛ بالجملة التي بعده، وهو قوله: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الروم: ٥٠]، فإذَنْ أُكِّد إحياءُ الموتى بمؤكِّدينِ لفظيَّينِ ومؤكِّدينِ معنويَّينِ.
وقوله: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌكلُّ شيءٍ اللَّهُ قادرٌ عليه، كلُّ شيءٍ بدون استثناء، كلُّ ما تتعلَّق به القدرة ويمكن أنْ يكون قادر عليه؛ فإنَّ الله تعالى قادر، على كلِّ شيءٍ قدير، ليس على ما يشاء فقط، بلْ على ما يشاء وما لا يشاء، فهداية الكافر الذي مات على كُفره الله قادرٌ عليها ولَّا لا؟
طلبة: نعم قادر.
الشيخ: وشاءَها؟ ما شاءَها، وهو قادرٌ عليها، فلا تختصُّ قدرته بما شاءه، وبهذا نعرف أن تعبير بعض الناس أنَّه على ما يشاء قدير، أنَّه لا ينبغي، بلْ قُل كما قال الله عن نفسه: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩].
وأمَّا حديث الرجل الذي يبعثه الله يوم القيامة فذكر القصَّة، وفيها أنَّ الله قال له: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» ، فهذه ليس المراد بها وَصْف الله بالقدرة مطلقًا، بل وَصْف الله بالقدرة على هذا الشيء المعيَّن الذي استبعده المخاطَب، فالله يقول: قد شِئْتُه فأنا قادرٌ عليه، وكذلك قوله تعالى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩]، فالقيد بالمشيئة هنا ليس عائدًا على القدرة، لكنَّه عائدٌ على الجمع، الشيءُ المعيَّن ممكن أن تقيِّده بالقدرة، أمَّا إذا أردتَ وَصْفَ الله بالقدرة فلا تقيِّدها بالمشيئة، ففرقٌ بين أن تُعَلَّق القدرة بشيءٍ معيَّن خاصٍّ وبين أن تُذكر على سبيل الوصف العام لله، إذا كانت وصفًا عامًّا لا؛ فالله تعالى ما ذكر قَيْد المشيئة أبدًا؛ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان: ٥٤]، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب: ٢٧]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٨٤] وما أشبهَ ذلك.
والقدرة ضدُّ العجز؛ انظر إلى قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]، وأفاد العلم هُنا لأنَّ العاجز قد يعجز لعدم عِلْمه بالشيء؛ واحد مهندس لكنْ فيه روماتيزم ما يقدر يتحرَّك، مهندس تمام، قلنا له: اصنع السيارة هذه، يقدر ولَّا لا؟ ما يقدر. ليش؟ ما عنده القدرة، عاجزٌ؛ لأنه ما يقدر يتحرَّك. وآخَر نشيط يحمل الحجر الذي أكبر منه، لكنه ما يعرف الصناعة هذه، قلنا له: اصنع السيارة، قال: ما أقدر. ليش؟ لعدم العلم، فانتفاء القدرة قد يكون لعدم العلم وقد يكون لعدم القدرة، ما عنده عِلم، ما عنده شيء؛ يعني عاجز.
طيب، (...) تفسير هذا في قوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِآخر سورة المائدة لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: ١٢٠] يقرِّر عبارة منكَرة، هو ما أرادَ بها سوءًا -الله أعلم- ما أراد بها سوءًا فقال: (وخصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر). (خصَّ العقلُ ذاتَه) يعني أنَّ العقل يقتضي تخصيص ذات الله، فالله ما يقدر عليها. صحيح هذا؟
طالب: ما هو بصحيح.
الشيخ: هذا ليس بصحيح، بل الله على كلِّ شيءٍ قدير، ولهذا الله تعالى استوى على العرش، بفِعْله ولَّا لا؟ بفعله وقدرته، يَنْزل إلى السماء الدنيا، يأتي للفصل بين عباده، يتكلَّم بما أراد، كل هذا مِمَّا يتعلَّق بذاته وهو قادرٌ عليه.
فإنْ قال قائلٌ: الله يقدر على إماتة فلان، هل يقدر على أن يُميت نفسَه؟
هذا ما يمكن، لا لانتفاء القدرة، لكن لأنَّ هذا أمرٌ لا يليق به، وهو أشدُّ من العجز، فنقول: امتناع هذا لأنَّه مستحيلٌ على الله عز وجل، ولهذا السفَّاريني رحمه الله في العقيدة لَمَّا ذكر صفة القدرة قال:
| بِقُــــدْرَةٍ تَعَلَّــــقَتْ بِمُمْـــكِنِ | ..................... |
أمَّا المستحيل فهو مستحيلٌ ما يمكن، المستحيل أصلُه مستحيلٌ ما تتعلَّق به القدرة، يُقال: إنَّ الشيطان إذا مات العالِمُ يفرح فرحًا عظيمًا، وإذا مات العُبَّاد يعني ما يُهِمُّه، قال جنوده له: كيف تفرح بموت العالِم هذا الفرح ولا تفرح في موت العابد اللي طول النهار بمحرابه. قال: نعم؛ لأن العالِم أشدُّ علينا من العابد، وإذا شئتم أنا الآن أضربُ لكم مثلًا. فذهب إلى العابد وقال له: هل يقدر الله عز وجل أنْ يجعل السماواتِ والأرضَ في جوف بيضة. قال العابد: لا، ما يقدر. قال: هل يقدر الله يَخْلق مثلَه. قال: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، يُمكن يقدر يَخْلق مثلَه. صح هذا؟! هذا لا يصح وغير ممكن، فذهب إلى العالِم فقال مثلَ هذا القول، قال: أمَّا خَلْق المثْل فهذا شيءٌ مستحيلٌ، ولا يمكن للمخلوق أن يكون مثل الخالق أبدًا مهما كان، وأمَّا كونه يجعل السماواتِ والأرضَ في جوف بيضةٍ فهو على كلِّ شيءٍ قدير.
المسكين العابد كَفَرَ من وجهين: أثبتَ ما لا يمكن، ونَفَى ما يمكن، وهذا حقيقةً .. يعني العُبَّاد مِثْل ما قال سُفيان بن عيينة؛ يقول: مَن فَسَدَ من عُبَّادنا ففيه شبهٌ من النصارى، ومَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شبهٌ من اليهود . واليهود أخبثُ من النصارى لا شكَّ؛ لأن العالِم فسادُه -والعياذ بالله- عن عِلْم، والعابد فسادُه عن جَهْل، وما كان عن جَهْلٍ فهو أهونُ مِمَّا كان عن عِلْم.
طالب: بالنسبة لقول مَن قال: إنَّه على ما يشاء قدير، ما يمكن نستخلص قاعدة أنَّ الصفات الذاتية (...) الصفات الفعلية (...) المشيئة عمومًا.
الشيخ: (...)، القاعدة عندهم أن الصفات الذاتية هي اللازمة للذات، والفعلية ما تتعلَّق بالمشيئة هذه قاعدتهم.
طالب: بالنسبة للتنزيل والإنزال في القرآن، كيف يُجاب عن ذلك؟
الشيخ: أيُّ آية؟
طالب: في القرآن، في نفس القرآن وَرَدَ أنَّه نزَّله، وقال: تنزيل، كيف الفرق؟
الشيخ: المراد إذا وَرَدَ أنَّه نزل مثل: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] يكون المراد ابتداءُ إنزاله؛ يعني أنْزلنا الجملة منه، ما هو كله، وأمَّا التنزيل فهو باعتبار مجموعِهِ يكون نازلًا شيئًا فشيئًا؛ كما في قوله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦] مع أنَّه قد يأتي التنزيل لشيءٍ وَقَعَ جملةً واحدةً مثل قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء: ١٤٠]، فعلى هذا تكون القاعدة التي ذكرها أهل العلم في هذه المسألة قاعدة أغلبية ما هي لازمة.
***
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ [الروم: ٤٨] إلى آخره.يُستفاد من هذه الآية الكريمة:
أولًا: كمال قُدرة الله عز وجل بإرسال الرياح، وإثارتها السُّحُبَ، وارتفاعها في الجوِّ وبَسْطها فيها، وجعلها كِسفًا، ونزول المطر منها، نعم، كم هذه من وجه؟ يُستفاد منه كمال قدرة الله من عِدَّة أَوْجُه: أولًا: إرسال الرياح، إثارتها السحاب، بَسْطه في السماء، جَعْله كِسفًا، نزول المطر منه؛ من خمسة أوجُه.
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ السماء يُطلق على كلِّ ما علا؛ لقوله: فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ؛ فإنه لا يُبْسط في السماء التي هي السقف المحفوظ، وإنما يُبْسط في الجوِّ العالي.
ومن فوائدها: حِكمة الله عز وجل في نزول المطر من أعلى؛ لأنَّه إذا نزل من أعلى عَمَّ النازلَ والمرتفعَ، بخلاف ما لو كان يجري في الأرض فإنَّه يُغرق النازلَ قبل أن يصِلَ إلى العالي.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ شِدَّة افتقار الخلْق إلى رحمة الله؛ لقوله: فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.
ومنها: إثباتُ المشيئة؛ لقوله: مَنْ يَشَاءُ.
ومنها: إثباتُ العبوديَّة العامَّة؛ لقوله: مِنْ عِبَادِهِ.
ومنها -ولننظر هل تصلح الفائدة هذه ولَّا لا- منها: جواز الاستبشار بالمطر وأنْ يُبَشِّر الناسُ بعضَهم بعضًا به. أو ما يمكن؟ المهمُّ هل يمكن يؤخَذ منه جواز الاستبشار بالمطر، أو يُقال: إنَّ هذا خبرٌ عن واقعٍ فلا يتأتَّى منه الحكم؟ فيه احتمال أنْ يُؤخَذ منه جوازُ الاستبشار بالمطر، وفيه احتمال أنْ يكون هذا بيانًا للواقع فلا يؤخَذ منه حكمٌ، وغايةُ ما فيه أنْ يُقال: إنَّه مُباح؛ لأن الله تعالى ذكره ولم يُنكره.
ومن فوائد الآية: بيانُ رحمة الله عز وجل لكَونِ المطر ينزل نُقَطًا لا أنَّه ينزل دفعةً واحدةً؛ لقوله: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ؛ لأنه لو نَزَل هكذا كأفواهِ القِرَب أو كالأوديةِ التي تمشي لَكان أيش؟ لَكان مدمِّرًا للمنازل، مدمِّرًا للأشجار، مؤثِّرًا على مَن ينزل عليه من الحيوان، ولكنَّ الله عز وجل جعله بهذا الرذاذ.
ثم قال تعالى: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ [الروم: ٤٩].
في هذا: بيانُ حال العبد قَبْل نُزول المطر وأنَّ العبد ضعيفٌ؛ لقوله: لَمُبْلِسِينَ، فإنَّه ضعيفٌ، إذا أُصِيب بشيءٍ أَيِسَ واستبعدَ الفَرَج، ولكن الله عز وجل يُزيل عنه هذا الأمرَ؛ قال: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ. طيب، مِن أين تؤخذ؟ من قوله: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ.
ثم قال تعالى: فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم: ٥٠] في هذه الآية الأمرُ بالنظر، ويكون بالعين الباصرة، وبعين البصيرة أيضًا؛ فالأمر هنا بالنظر للوجهين جميعًا، الإنسان ينظر بعينه الباصرة وبعين البصيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ النظر كما يكون نافعًا للإنسان فهو مأمورٌ به شرعًا؛ أي بمعنى: ثوابُ الإنسان أو إثابةُ الإنسان على النظر في آيات الله؛ لأنه مأمورٌ به.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الآثار التي تنتج عن المطر كلها من رحمة الله؛ إحياء الأرض بالنبات وكثرة المياه فيها كلُّه من رحمة الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى؛ لقوله: إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى.
ومن فوائدها: الاستدلالُ بالمحسوسِ المنظورِ على المحسوسِ المنتظَر، كيف؟ المحسوسُ المنظورُ ما يَحْصل من حياة الأرض، والمحسوسُ المنتظَر ما يَحْصل من إحياء الموتى.
ومنها: أنَّه لا بدَّ أن يكون الدليلُ أَجْلَى وأَظْهر من المدلول عليه؛ بمعنى أنَّه لا يمكن أنْ نستدلَّ بالأَخْفى على الأظهر والأوضح؛ لأن الدليل معرِّفٌ للمدلول ومبيِّنٌ له، فكيف يمكن أن تستدلَّ بشيءٍ خَفِيٍّ على شيءٍ واضحٍ؟! أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: ومن فوائد الآية الكريمة: رحمةُ الله تعالى بعباده؛ حيث يضرب لهم الأمثال، ويُبين لهم الأدلَّة ليتوصَّلوا إلى اليقين بما يجب الإيمان به؛ لأنه يكفي أنْ يقول الله عز وجل: آمِنُوا بأنِّي أُحيي الموتى، يكفي في إقامة الحجَّة عليهم، لكن مِن رحمته أنَّه يُبين لنا ويضرب لنا الأمثالَ لنَصِل إلى درجة اليقين بما أخبرنا به، مِن أين نأخذه؟ من قوله: فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى.
ومن فوائد الآية الكريمة: نعمةُ الله على العِباد بإحياء الأرض؛ لقوله: فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.
ومنها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت، ففيه ردٌّ على الفلاسفة الذين يقولون: إنَّ الجماد لا يمكن أن يوصَف بالحياة والموت لأنه غير قابلٍ لها. فنقول: إنَّ الله تعالى وَصَفَ الجمادَ بأنَّه حيٌّ وميتٌ كما في هذه الآية، وكما في قوله: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل: ٢٠، ٢١] مع أنها أصنامٌ من الأحجار والأشجار وما أشبهها.
ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت صفة القدرة وعمومها؛ لقوله: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا يُعجزه شيءٌ في السماوات ولا في الأرض.
***
ثم قال الله عز وجل: وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ [الروم: ٥١].
وَلَئِنْاللام هُنا لام قَسَمٍ دخلتْ على (إن) الشرطية، وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا، وقوله: لَظَلُّواهذا هو الجواب، لكنَّه جوابٌ لأيِّهما: للشرط أو للقَسَم؟ جوابٌ للقَسَم؛ لأنَّه لو كان جوابًا للشرط ما احتاج إلى اللام، فعلٌ ماضٍ يُجاب به الشرطُ بدون واسطة، وأيضًا فإنَّ القاعدة عند أهل العلم بالعربية أنَّه إذا اجتمع شرطٌ وقَسَمٌ يُحذَف جوابُ المتأخِّر منهما قال ابن مالك:
| وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ | جَـــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَـــهْوَ مُلْــــتَزَمْ |
(...) دلَّ عليه اللام الموطئة للقَسَم، وفيه شرط (إنْ)، والجواب الآن للقَسَم: لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ، وجوابُ الشرط محذوفٌ دلَّ عليه جوابُ القَسَم.
وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًاشوف الفرق؛ في الأول يقول الله عز وجل: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ، وهُنا قال: وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًامفردًا، وقد ذكرنا سابقًا أنَّ الجمع يكون رحمةً والإفراد يكون عذابًا، هذا الغالب.
وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا(رَأَوْهُ) الضمير لا يعود على الريح، لكنَّه يعود على ما حَيِيَ بالماء الذي نَزَل من السماء؛ لأنه تقدَّم لنا كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا؛ يعني: ولَئِنْ أرسلْنا ريحًا فرأوْا هذا الذي حَيِيَ مُصْفَرًّايعني: يابسًا حطيمًا بهذه الرياح لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ.
نقرأ كلام المؤلف: ({وَلَئِنْ} لام قَسَم {أَرْسَلْنَا رِيحًا} مُضِرَّة عَلَى نَبَاتٍ {فَرَأَوْهُ}) الضمير يعود على أيش؟ على النبات ({مُصْفَرًّا لَظَلُّوا} صاروا، جواب القَسَم {مِنْ بَعْدِهِ} أي: بعد اصفراره {يَكْفُرُونَ} يجحدون النعمةَ بالمطر). يعني أنَّ الله عز وجل إذا أحيا الأرضَ بعد موتها وأرسلَ عليها ريحًا فاصْفَرَّ النباتُ، وبعد اصفراره سيتلفُ امتحانًا منه جل وعلا لَكانوا من بعد هذا الاستبشار وبعد أنْ رأوا آثارَ الرحمة صاروا يكفرون.
لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَيقولون: كيف هذا؟! يأتي المطر وينزل وتحيا الأرضُ، ثم تأتي هذه الريح فتُهلكه؟! فيكفرون -والعياذ بالله- وينسون نعمةَ الله السابقة، ينسونها، وهذا من الامتحان، وهو داخلٌ في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ [الحج: ١١]، وكان عليهم إذا أرسلَ اللَّهُ هذه الريحَ واصفرَّ النباتُ بها، كان عليهم أنْ يقابلوا ذلك بالصبر لا بالكُفر، بالصبر على هذه البليَّة؛ لأنَّ الصبر .. يُوَفَّى الصابر أجْرَه بغير حساب، وربما تزول هذه المحنةُ إلى نعمةٍ أخرى؛ لأن الله جل وعلا يقول: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: ١٢٦]، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ [محمد: ٣٦]، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦]، فالمؤمن يصبر عند البلاء ويَشكر عند الرخاء.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، على (...).
قال تعالى: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [الروم: ٥٢]، إِنَّكَالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون الخطاب عامًّا لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه.
لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىيعني: لا تُسمِعهم سماعًا ينتفعون به، أو: لا تُسمِعهم حين الدعوة، والأقرب الأول؛ لأنه ليس من المعقول أنَّ أحدًا يَقِف على الأموات ويقول: يا أيُّها الناس اعبُدوا الله واتَّقوه، هذا ليس بمعقول، لكنْ لو فُرِض أنَّه دعا فهل يسمعون سماعًا ينتفعون به؟ الجواب: لا، لا يسمعون سماعًا ينتفعون به.
فإذا قال قائل: هذا تقييدٌ للآية، الآية مُطْلقة لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى، فكيف ساغ لكم أنْ تُقَيِّدوها بقولكم: سماعًا ينتفعون به؟
نقول: إنَّ هذا -أعني نَفْي السماع- يُطلق على نَفْي السماع النافع؛ كما في قوله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١]، يسمعون بآذانهم لكنْ لا يسمعون سماعًا ينتفعون به، ولا نحمله على الإطلاق؛ لأن سماع الموتى قد وَرَدَت به الآثارُ؛ فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثَبَتَ عنه أنَّه وَقَفَ على أصحاب قَلِيب بدرٍ من المشركين، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا». فقال عمر: يا رسول الله، ما تُخاطب من قومٍ قد جيَّفوا! -يعني: كيف تُخاطب الجِيَف؛ موتى؟!- فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» ، يعني: هم يسمعون أشدَّ من سماعكم، فإذَنْ ثَبَتَ أنَّ الموتى يسمعون، وكذلك صحَّح ابنُ عبد البَرِّ حديثًا وَرَدَ عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّه «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَى مَيِّتٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» ، وهذا ذكره ابنُ القيم في كتاب الروح، وذكر تصحيح ابن عبد البر له ولم يتعقَّبْه، وعلى هذا فهُم يسمعون، لكنَّهم لا ينتفعون بهذا السماع.
وردتْ آثار أيضًا عن الصحابة في هذا الأمر ذَكَرها ابنُ القيم رحمه الله عند هذه الآية، وثَبَتَ أيضًا في الصحيح أنَّ الإنسان إذا انصرفَ عنه أصحابُه بعد الدَّفْن حتى إنَّه لَيَسْمع قَرْعَ نعالهم أتاه مَلَكان . يسمع قَرْع نعالهم على الأرض كما يمشي الإنسانُ على السقْف فنسمع مَشْيه على السقف، وهذا أيضًا يسمع قَرْع النعال، (...) قرع النعال، ولكن الله تعالى يجعلهم يسمعون ذلك.
فالحاصل أننا نقول: كلُّ هذا يؤيِّد أنَّ المعنى فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىيعني: سماعًا ينتفعون به، ومعلومٌ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ما دعا الموتى، ما ذهبَ إلى القبور يدعوهم، ولكن الذين يدعوهم مِن الأحياء كالموتى لا يستجيبون ولا ينتفعون بالدَّعوة.
يقول عز وجل: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ، الصُّمَّمفعولٌ أول، والدُّعَاءَمفعولٌ ثانٍ، أمَّا لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىالأولى فقد حُذِف المفعولُ الثاني؛ لأن هذا فَضْلة، وقد سبق لنا أنَّه يجوز حذفُ الفَضْلة ولو بلا دليل.
وقال: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَالصُّمَّجمع أَصَمَّ، وهو الذي لا يسمع، اللي ما يسمع ما تُسمِعه، لا سيَّما إذا اقترنَ به الإدبار؛ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وهذا أشدُّ ما يكون بالنسبة للأصَمِّ بانتفاء السماع عنه، الأصَمُّ لا يسمع ولو كان مقابلًا لك، فكيف إذا أَدْبر! يكون (...)، ولهذا الأصمُّ إذا كان أمامك ودعَوْتَه بصوتٍ ما فربما يسمع، لكن إذا ولَّى مهما دعَوْتَه ما يسمع إلَّا إذا أدركْتَه فمسكتَه، فالصُّمُّ إذا ولَّوا مدبرين ما يسمعون، وإنما قيَّد الله عز وجل الصُّمَّ بهذه الحال لأنها هي الحال التي لا يسمعون بها مطلقًا، بخلاف ما إذا كانوا أمامك فإنَّهم قد يسمعون ويستدلُّون على ما تقول بحركات شفتيك.
وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَقال المؤلف: (بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية بينها وبين الياء). الدُّعَاءَ إِذَاهذا أيش؟ تحقيق؛ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا. الثاني: تسهيل الثانية بينها -أي: بين الهمزة المحقَّقة- وبين الياء؛ أي: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ اِذَاخَلِّها بين الهمزة وبين الياء، والقراءتانِ سبعيَّتانِ.
ثم قال: وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ [الروم: ٥٣] شوف الآن، انتقال؛ الموتى، الصُّم، العُمْي.
وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْمَاحجازيَّة، وأَنْتَاسمها، والباء حرف جرٍّ زائد، و(هادِ) خبرها.
وَمَا أَنْتَ بِهَادِاسم فاعل بِهَادِ الْعُمْيِالعُمْي جمع أَعْمى؛ لأن (أَفْعَل) جمعه (فُعْل)؛ قال ابن مالك:
| فُعْـــــلٌ لِنَحْــــــوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا | ..................... |
(أَحْمَر) مثل (أَعْمَى)، و(حمراء) مثل (عَمْياء)، فـ(عُمْي) جمعٌ للذكور والإناث.
بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْويش معنى ضَلَالَتِهِمْ؟ يعني: عن مَتَاهتهم، إذا تاهوا في الطريق ما أنت بِهادي العمي عنها، فكذلك هؤلاء الذين عَمُوا عن الحقِّ -والعياذ بالله- فلا يَرَوْن، وصمُّوا عنه فلا يسمعون، وماتوا عنه فلا يفقهون، هؤلاء أيضًا لا تستطيع أن تهديهم، أو لا؟
فتأمَّل الآن في مسألة الموت ومسألة الصَّمَم قال: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ، وفي باب العَمَى قال: مَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِما قال: ما أنت بمسمع؛ السبب: لأنَّ البصر يتعلَّق به الدلالة، وهي الهداية، بخلاف الصَّمَم يتعلَّق به السمع.
({وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ} مَا {تُسْمِعُ} سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُولٍ {إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} القرآن {فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [الروم: ٥٣]).
إِنْقال المؤلف: (ما)، ويش معنى ({إِنْ} مَا)؟ (ما) هذه تفسيرية، ولهذا ما تُدغَم بـ(إنْ)، ما يقال: (إمَّا)، بل يقال: (إنْ) ثم يقال: (ما) على سبيل الإظهار؛ لأن (ما) تفسيرٌ لها، فهي هي، إِنْبمعنى (ما).
{تُسْمِعُ} قال المؤلف: (سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُول).
ما تسمع ({إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} القرآن{فَهُمْ مُسْلِمُونَ}) أي: فبناءً على إيمانهم هم مُسْلمون مُنْقادون؛ لأنَّه كلَّما تمَّ الإيمانُ تمَّ الانقياد، فكلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا فإنَّه يكون أعظمَ انقيادًا، ولهذا الإيمانُ يستلزم الإسلام، كلُّ مؤمنٍ مُسْلم، ولا عَكْس؛ ما كلُّ مُسْلمٍ مؤمنًا، قد يستسلم الإنسانُ ظاهرًا وقلْبُه منطوٍ على الكفر -والعياذُ بالله- بخلاف الإيمان، ولهذا رتَّب على الإيمان رتَّب عليه الإسلامَ بالفاء فَهُمْ مُسْلِمُونَفهُم مِن أجْل إيمانهم مسلمون منقادون.
قوله إلَّا مَنْ يُؤْمِن بِآيَاتِنَاقال المؤلف: إنَّه القرآن، مع أنَّ (آيات) جمعٌ وليست مفردًا، فما هو الجواب عن قول المؤلف؟
الجواب عن قول المؤلف أنَّ فيه قصورًا، والحقُّ أنَّ المراد بالآيات ما هو أعمُّ من القرآن؛ فيشمل جميع الكُتُب المنزلة، ويشمل كذلك الآيات الكونية بأنْ يؤمن بأنَّ هذا الكون خَلَقَه اللَّهُ عز وجل؛ لأنَّ مِن الناس مَن لا يؤمن بالآيات الكونية؛ شوف وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًاويش يقولون؟ سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور: ٤٤]، شيء طبيعي، الكون يقولون: مادَّة وطبيعة تتفاعل ويَنْتج بعضُها من بعض، وما أشبهَ ذلك، ما آمَنوا بالآيات.
الآيات الشرعيَّة كذلك أيضًا؛ مِن الناس مَن لا يؤمن بها، يُكَذِّب بأخبارها ويستكبر عن أحكامها، وهذا كثير.
إذَنْ الصوابُ أنَّ المراد بقوله: بِآيَاتِنَاما يشمل الآياتِ الشرعيَّة كلَّها بكلِّ الكُتُب النازلة والآياتِ الكونية كلَّها؛ لأن مِن الناس مَن يُنكر الآيات الكونية كما تعلمون.
فإذا قال قائل: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَامعناه أنَّ المؤمن سامعٌ، فكيف يقول: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُوالمؤمن سامعٌ؟! فكيف تجيب عن هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، لكن مَن يؤمن سامعٌ، تُسمع مَن يؤمن.
طالب: (...) أنَّه قابل للدعوة (...).
طالب آخر: قابل للسماع و(...).
الشيخ: الجواب عن هذا مِن أحد وجهين: إمَّا أنْ يُقال: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُأي: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بما تقول ومكتوبًا عند الله عز وجل أنَّه مؤمن، وهذا أمرٌ غير معلومٍ للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن يجب عليه أن يَبْذل الدعوة فيسمعها مَن كان في علم الله أنَّه مؤمنٌ وكان مستعدًّا للإيمان، هذا وجه. أو يُقال: إنَّ الدين شرائع، ليس شيئًا واحدًا، بل هو شرائع وشعائر متعدِّدة، فالذي ينتفع بهذه الشعائر ويطبِّقها مَن؟ هو المؤمن بها، هذا المؤمن اللي وقع الإيمانُ منه فِعْلًا هو الذي يسمع كلَّ ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع شرائع الدين، وعلى قول مَن يُثبتون للدين أصولًا وفروعًا نقول: أصول الدين وفُروعه.
لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنَّ تقسيم الدين إلى أصولٍ وفُروعٍ قولٌ مبتدَعٌ لا دليل عليه، وهو صحيح، لكن ما تجد في القرآن والسُّنَّة أصولًا وفروعًا، فيها ما يدلُّ على الرُّكْنية -مثلًا- وعلى أنَّ هذا رُكْنٌ كما في قوله: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ، أمَّا أن نقول: أصول وفروع! لأن شيخ الإسلام -رحمه الله- أَنْكَر هذا لا لأنَّه مجرَّد اصطلاح، لا مشاحَّة في الاصطلاح، لكنَّه تُوُصِّل به إلى أمورٍ منكرةٍ فقالوا مَثَلًا: لا نحتجُّ بأخبار الآحاد في أُصول الدين، وجعلوا هذا بابًا يَلِجُون به إلى إنكار الصفات وإلى إنكار ما وَرَدَ في أخبار اليوم الآخِر وما أشبهَ ذلك.
المهم صار قوله: إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُويش هو الجواب عليه؟ من أحد وجهين؛ الأول: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بحيث إنَّ الله قدَّر له ذلك فهذا يسمع وينتفع. أو: إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُمَن كان الآن مؤمنًا لكنَّه يسمع ما يتلقَّى بعد ذلك من شعائر الإسلام وشرائعه.
فَهُمْ مُسْلِمُونَ، المؤمن مسلمٌ ظاهرًا وباطنًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: والمنافق؟
طالب: ظاهرًا لا باطنًا.
الشيخ: مسلمٌ ظاهرًا لا باطنًا. والمعلن بكفره؟
طلبة: ظاهرًا وباطنًا.
الشيخ: ظاهرًا وباطنًا؛ ليس مؤمنًا لا ظاهرًا ولا باطنًا، والناس ما يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة: مَن كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَنَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَن ظاهرًا لا باطنًا.
فيه قِسمة رابعة لكن ما تمكن، وهي: مَن آمَنَ باطنًا لا ظاهرًا، هذا ما يمكن، صحيحٌ أنَّه قد يكون ضعيفَ الإيمان فتجد فيه مخالفات في ظاهرِهِ كالمؤمن الفاسق؛ أمَّا أنَّه يكون ليس عنده إسلامٌ أبدًا فهذا ما يمكن.
طالب: ما يُطلق عليه أنه (...).
الشيخ: ما أعلم.
الطالب: (...).
الشيخ: هو مسلم ظاهرًا، لكن فيه مانع من إظهاره.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) لأن هذا كفر؛ لأنه جعله كفرًا (...).
***
(...) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ، هذه الجملة.(...) الباصرة، ويحتمل أنَّها عَمَى البصيرة، وأيًّا كان سواء كان حِسِّيًّا أو معنويًّا -وهو ظاهر السياق- فإنَّ معنى ذلك أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يملك أنْ يهدي هؤلاء، وفيها (...).
قوله: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا، ما نوع هذه الجملة (...).
***
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [الروم: ٥٤] هذه الآية سِيقَتْ لبيان حال الإنسان وكمال قدرة الله عز وجل.قال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍاللَّهُمبتدأ، والَّذِيخبره.
خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍيُقال بفتح الضاد وبضمِّها، ضمُّها لغة الحجازيِّين، وفَتْحها لغة بني تميم، ولهذا يُروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّه قال: أقرأَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: مِنْ ضُعْفٍ، بضم الضاد؛ خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ، لكن الحديث ضعيف، إنَّما ذكروا الضَّادَ مفتوحةً ومضمومةً؛ قراءتانِ سبعيَّتانِ، والفتح لُغة بني تميم، والضمُّ لغة الحجازيِّين.
طالب: مَن قرأها برواية حفصٍ بالضم، هل نقول: غلط، ولَّا .. ؟
الشيخ: صح، أيُّ إنسان يقرأ بكل قراءة ثابتة فهو صحيح.
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍما هو الضَّعف؟ يقول: الماء؛ (ماء مَهِين). فجعل الضعف هو النُّطْفة؛ لأنه كما قال الله عز وجل: مَاءٍ مَهِينٍ [السجدة: ٨]، ومِنْهنا للابتداء كقوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء: ٣٧]، وقيل: المراد بالضعف ضَعْفُه بعد نَفْخ الروح فيه؛ إذْ إنَّه حالُ النُّطْفة جمادٌ لا يوصَف بأنه ضعيفٌ ولا أنَّه قويٌّ، ولكن المراد بالضعف بعد نَفْخ الروح فيه، عرفتم؟ وهذا هو الصحيح؛ فإنَّ الإنسان ما يكون خلقًا تامًّا إلا بعد نَفْخ الروح، ولهذا قال الله عز وجل: فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ [المؤمنون: ١٤]، هذا الإنشاء هو أول ما يكون به الإنسانُ إنسانًا؛ لأن الإنسانَ إنسانٌ ببَدَنِه ورُوحه، وعلى هذا نقول: المراد بالضعف بعد نَفْخ الروحِ فيه؛ ضَعْف الطفولة، ويبتدئُ من كَوْنه حيًّا في بطْن أُمِّه، وهذا ظاهرٌ لا يحتاج إلى دليل؛ الإنسانُ الصغيرُ ضعيفٌ، ثم بعد ذلك .. والضعف أيضًا بقُواه الحسِّيَّة وقُواه المعنويَّة، فهو ضعيفٌ في التفكير، وهي القُوى المعنويَّة، والعقل، وما أشبهَ ذلك.





