تفسير سورة لقمان - 1
عدد الزيارات 4790

عناصر المادة :
تفسير الآيات (1-5)
تفسير الآيات (6-10)

وهذا تأديب من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ولغيره أيضًا، أن الإنسان يصبر ولا يستخفنه الذين لا يُوقنون بما وعد الله الصابرين، وهذا يقع لكثير من الناس، تجد بعض الناس مثلًا يحصل له ما يحصل من الأمور، ثم يجيه السفهاء وأمثالهم ويقول: افعل كذا، افعل كذا، افعل كذا، افرض مثلًا أن له جارًا يؤذيه، يأتي بعض الناس يقول: كيف تحمل من جاره هذه الأذية؟ أو كيف تحمَّل من صاحبك هذه الأذية، أو من أهلك، أو ما أشبه ذلك؟ فيستخفونه فلا يصبر، ولكن الذي ينبغي للإنسان العاقل ألا يستخفه أولئك القوم الذين لا يوقنون بما وعد الله به الصابرين بل يصبر ولا يهمه كلام الناس حتى يحقق الله له ما وعده، وبهذا انتهت سورة الروم، ننتقل بعدها إلى سورة لقمان.

***

تفسير الآيات (1-5)
00:01:09
يقول: (وهي مكية) المكي أرجح الأقوال الذي عليه الجمهور أن ما نزل بعد وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فهو مدني ولو نزل بمكة، وما نزل قبل وصوله إلى المدينة فهو مكي، هذا هو القول الراجح، فعلى هذا المعتبر الزمن ولَّا المكان؟ الزمن، وهذا أريح أيضًا للإنسان.
يقول: (مكية إلا وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ[لقمان: ٢٧]). وفي نسخة: (أو إلا). وبينهما فرق؛ لأن قول المؤلف: (إلا ولو أن) هذا اقتصار على قول واحد وجزم به، أما على النسخة الثانية: (أو إلا) فهو إشارة إلى أن في المسألة قولين، وأنه لم يجزم بأحدهما، والصحيح أنه ما سبق لنا أن السورة إذا كانت مكية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح، وإذا كانت مدنية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح؛ لأن الأصل أن السورة تكون متتالية، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام يضع كل آية في مكانها، أو يأمر بوضعها، وعلى هذا فنقول: إن جاء من أثبت أن قوله: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ [لقمان: ٢٧] نزلت بعد الهجرة إن أثبت ذلك بنص فعلى العين والرأس، وإلا فالأصل أن السورة كاملة مكية.
قال: (بسم الله الرحمن الرحيم الم [لقمان: ١] الله أعلم بمراده) تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى وحكمًا أو لا؟
فإعرابها أنها جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ فعل مؤخر مناسب للمقام، المحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام، الآن بنقرأ هذه السورة يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، نبغي نفسر نقول: بسم الله الرحمن الرحيم أُفسِّر، يبغي يتوضأ الإنسان يقول: باسم الله أتوضأ، مر علينا هذا؟ لماذا قدرناه فعلًا؟ لماذا اخترنا أن يكون تقديره فعلًا؟
طالب: ما مر علينا.
الشيخ: ما مر؟
الطالب: ما سمعته.
طالب آخر: لأن التقدير يدل على إجابة (...) تقديره فعلًا يعني، أما الجملة الاسمية فالاستمرار.
الشيخ: غير؛ لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا لا سيما وأنه محذوف، هذا واحد، لماذا قدرناه خاصًّا، ما قلنا مثلًا: بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ، بل قلنا: إن كنت بتقرأ قدِّر أقرأ، تبغي تأكل قدِّر آكل، تبغي تشرب قدِّر أشرب، فلماذا اخترنا أن يكون تقديره خاصًّا؟
طالب: ليناسب كل حال بعينه.
الشيخ: لأجل أن يناسب كل حال بعينه؛ ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» . فهو إشارة إلى أنه يُقدَّر الفعل المحذوف بما يناسب الفعل المبتدأ به، ولماذا اخترنا أن يكون تقديره متأخرًا؟
طالب: البداءة باسم الله.
الشيخ: طيب، ودنا أحد غيره.
طالب: ذكرها.
الشيخ: ما الذي ذكره أخبرنا به؟
الطالب: البداءة باسم الله.
الشيخ: البداءة باسم الله، وغير؟ ولإفادة الاختصاص؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، فكأنك تقول: لا أبتدئ إلا باسم الله، هذا هو السبب في أن نقدره متأخرًا لأجل البداءة باسم الله، ولإفادة الحصر والاختصاص.
اسم مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، و(الرحمن) صفة لله، و(الرحيم) صفة لله أيضًا، واضح؟ هذا إعرابها، أما حكمها فإنها آية من كتاب الله، تكلم الله بها، وأنزلها على الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنها ليست آية من السورة إنما جُعِلت علامة على انتهاء السورة التي قبلها وابتداء السورة التي بعدها، أو على الأصح علامة على ابتداء السورة فقط لئلا يرد علينا الفاتحة فإنه ليس قبلها شيء، فهي علامة على ابتداء السورة وليست منها، وتجدون في المصاحف أنه لم يُكتب عليها رقم إلا في الفاتحة فإنها رقمت، والسبب أن الفاتحة ذهب كثير من أهل العلم إلى أن البسملة منها، والصواب أنها ليست منها كغيرها، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) [الفاتحة: ٢ - ٦] كم دولا؟
طلبة: خمس.
الشيخ: خمس، الفاتحة سبع آيات، وين السابعة؟
طلبة: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧].
الشيخ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْهذه السادسة، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَهذه السابعة كذا؟ إي نعم، هذا هو الصحيح مع أنكم تجدونه في المصاحف صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٧] آية واحدة بناءً على أن البسملة هي الآية الأولى.
طالب: رأيت أنا بعض المصاحف الباكستانية مكتوبة مثلما قلت.
الشيخ: إي، عجيب! هذا على القول الراجح، أما حكمها باعتبار تلاوتها في الصلاة فإن قلنا: إنها من الفاتحة فهي آية منها ولا بد من قراءتها، وتُقرأ جهرًا كما يجهر بالفاتحة، وإذا قلنا: ليست منها فإنه لا تجب قراءتها ولا يُجهَر بها.
طالب: القراءة في غير الصلاة، هل في غير الصلاة تجهر (...)؟
الشيخ: قال الم [لقمان: ١] الله أعلم بمراده به. المثلاثة حروف هجائية، يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) وفي هذا إثبات بأن الله أراد به شيئًا لكنه لا يُعلم.
المؤلف بكلامه هذا أو من كلامه هذا نأخذ أنه يرى أن لهذه الحروف معنى، ولكن الله أعلم به، وقال بعض أهل العلم: إن لها معنى، وجعلوا يتخبطون بهذا المعنى، ويجعلونها رموزًا لما جعلوها له، وقال مجاهد: إنه لا معنى لها، فنقول: أصلًا لا معنى لها، ما نقول: الله أعلم بما أراد؛ وذلك لأن القرآن نزل باللغة العربية كما قال تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥]، وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف: ٢]، وقال: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣]، واللغة العربية ليس لهذه الحروف فيها معنى، وعلى هذا فنقول: إنه لا معنى لها، نقول ذلك؛ لأن هذا هو مقتضى اللغة العربية التي نزل بها القرآن.
فإذا قال قائل: إذا قلت: لا معنى لها كيف يسوغ لك أن تجزم بنفي المعنى؟
أقول: نعم، يسوغ لي ذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية بمقتضى اللغة العربية ليس لها معنى فأجزم بذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، إذا كان الأمر هكذا فما هو الفائدة من وجودها في القرآن؟ هذه هي التي قد نقول: الله أعلم بذلك، ولكن بعض أهل العلم التمس لهذا حكمة بأنه إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم ما أتى بحروف جديدة حتى تقول: والله هذه ليست من حروفنا، وإنما هو من الحروف التي يتركب منها الكلام العربي ومع ذلك أعجزكم.
قالوا: ولهذا لا يأتي الابتداء بهذه الحروف الهجائية إلا وبعده ذكر القرآن أو ما هو من خصائص القرآن: الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: ١، ٢] وتأملها تمشي معه.
فيه بعض السور مثل: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم: ١ - ٢] الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [العنكبوت: ١ - ٢] ما فيها ذكر القرآن لكن فيها ذكر ما هو من خصائصه فـغُلِبَتِ الرُّومُهذا من أمور الغيب ولا يعلم إلا بالوحي، وأَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢] هذا فيه إخبار عمن سبق وهو من أمور الغيب أيضًا، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: ٣].
وعلى كل حال هذا اللي ذكرناه أخيرًا هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وسبقه إليه الزمخشري في كتابه الكشاف، قال: تِلْكَأي هذه الآيات آيات الكتاب القرآن الحكيم ذي الحكمة، والإضافة بمعنى (مِنْ).
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِتِلْكَالمشار إليه آيات القرآن، وتجدون أن الإشارة هنا بصيغة البعيد، والقرآن ليس بعيدًا؛ لأنه بين أيدينا، ولكنه عالي المرتبة؛ فلهذا أُشِير إليه بإشارة البعيد.
وقوله: آيَاتُ الْكِتَابِأي المكتوب وهو القرآن، وذكرنا فيما سبق أنه مكتوب في ثلاثة مواضع في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة، في الصحف التي بأيدينا.
وقوله: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِالإضافة هنا يقول المؤلف: إنها على تقدير (مِنْ)، يعني آيات من الكتاب، والآيات -كما مر علينا- كونية وشرعية، وآيات الكتاب من الشرعية ولَّا من الكونية؟ من الشرعية.
وقوله: الْحَكِيمِقال المؤلف: (ذي الحكمة) ولكن يمكن أن يقال: ذي الحكمة والحُكم أيضًا؛ لأنه مرجع الناس في الحكم؛ ولأنه يشتمل على الحكمة، وهو أيضًا صالح لأن يُجعل بمعنى المحكم، فيكون فَعيل بمعنى (مُفْعَل)، القرآن إذن حكيم لاشتماله على الحكمة وعلى الحكم بين الناس: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء: ١٠٥].
وقوله: {هُدًى وَرَحْمَةٌ} (بالرفع) هذه محلها من الإعراب خبر مبتدأ محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (هو هُدًى ورحمة) هدى بمعنى دلالة، ورحمة بمعنى أن الله رحم به الخلق حيث أنزله عليهم، فالقرآن هداية ورحمة، من تمسك به نجا واهتدى، فلا يضل من تمسك بهذا القرآن، ولا يشقى؛ لأنه هدى ورحمة، وعلى هذا فنقول لكل إنسان أراد العلم: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى، ولكل إنسان أراد الرحمة: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى.
هُدًى وَرَحْمَةً [لقمان: ٣] ولكن لِلْمُحْسِنِينَالذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى عباد الله، والإحسان ضد الإساءة، والإساءة تكون إما بترك الواجب، أو بفعل المحرم، فمن ترك ما أوجب الله عليه لنفسه من الصلاة وغيرها فليس بمحسن، ومن فعل ما حرم الله عليه فليس بمحسِن، ومن ترك ما يجب له للناس من صلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إليهم فليس بمحسن، ومن اعتدى عليهم فليس بمحسن.
وقوله: لِلْمُحْسِنِينَيستفاد منه أنه كلما ازداد الإنسان إحسانًا ازداد انتفاعًا بالقرآن بالهداية والرحمة بناءً على ما سبق من القاعدة أن الحكم إذا عُلِّق بوصف كان يقوى بحسب وجود ذلك الوصف.
وقوله: هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَطيب وغير المحسنين لا يهتدون به ولا يرحمون؟ نعم؛ لأن المحسنين هم الذين ينتفعون بذلك، وإلا فهو هدى للناس كلهم، مصدر هداية للجميع، لكن لا ينتفع به إلا الذين أحسنوا.
(وفي قراءة العامة بالنصب حالًا من الآيات) غريب هذا التعبير من المؤلف: (وفي قراءة العامة) يفهم منه من لا يعرف الاصطلاح أن المراد بالعامة مَنْ؟
طالب: ما سوى العلماء.
الشيخ: عامة الناس، ما سوى العلماء، وهذا ليس كذلك، إنما مراده بالعامة يعني عامة القراء ما عدا قارئًا واحدًا الذي قرأ بالرفع ولا عامة القراء وأكثرهم على النصب: هُدًى وَرَحْمَةً(بالنصب حالًا من الآيات العامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة). تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان: ٢] حال كونها هدى ورحمة.
فإذا قال قائل: الحال تحتاج إلى عامل مثل الظرف، والجار والمجرور، والمفعول به، فما هو العامل؟ هو العامل فيها ما في تِلْكَمن معنى الإشارة.
تِلْكَاسم وجامد غير مشتق لكنه بمعنى أشير، فإذا قلت: هذا زيد، المعنى أشير إليه فـتِلْكَ آيَاتُبمعنى أشير إلى هذه الآيات، فلما كانت متضمنة لمعنى الفعل صارت صالحة لأن تكون عاملًا في الحال.
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ [لقمان: ٤] (بيان للمحسنين) وعلى هذا فلا تكون صفة، ما تكون نعتًا بل تكون بيانًا؛ أي عطف بيان، من هم المحسنون؟ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَيعني يأتون بها قويمة تامة والصَّلَاةَيشمل الفريضة والتطوع، إقامتها بفعل الواجبات، وترك المفسدِات، وكذلك تتم الإقامة بفعل المكملات والمستحبات، ويؤتون الزكاة أي يعطونها، والزكاة -كما سبق- هي جزء مقدر شرعًا في مال خاص لطائفة مخصوصة.
وأين مفعول (يؤتون) الثاني؟ مفعولها الثاني محذوف، التقدير: ويؤتون الزكاة أهلها، وإنما جاز حذفه؛ لأنه فضلة، وقد سبق أن جميع المفاعيل الفضلة يجوز حذفها.
وقوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَسُمِّي هذا المال المؤُدَّى زكاة؛ لأنها تزكو بها أخلاق المزكِّي، ويزكو بها المال أيضًا ويزيد؛ لأن الزكاة في اللغة النماء والزيادة.
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَولم يذكر الله عز وجل من الأفعال إلا الصلاة والزكاة، والقَرْن بينهما في القرآن كثير؛ وذلك لأنهما آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وتركهما جميعًا موجب للكفر، وترك واحدة منهما؛ الصلاة الصحيح أنه يكفر، والزكاة الصحيح أنه لا يكفر، وقد سبق الكلام على هذا.
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لقمان: ٤] هُمْمبتدأ، وبِالْآخِرَةِجار ومجرور متعلق بـيُوقِنُونَ، وهُمْالثانية يقول المؤلف: (هم الثاني تأكيد) تأكيد لأيش؟ لـهُمْالأولى تأكيد لفظي ولَّا معنوي؟ لفظي، قال ابن مالك:
وَمَــا مِنَ التَّـــــوْكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي مُكَرَّرًا كَقَوْلِكَ: (ادْرُجِي ادْرُجِي)

قوله: هُمْ يُوقِنُونَبالآخرة، المراد بالآخرة يوم القيامة، وسمي آخِرة؛ لأنه آخر ما يكون، فالإنسان له أربع مراحل؛ المرحلة الأولى في بطن أمه، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في البرزخ، والمرحلة الرابعة والأخيرة يوم القيامة.
وقوله: بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَالإيمان بالآخرة ليس معناه أن تؤمن بأن القيامة ستقوم فقط، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: وقد دخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت. فيشمل فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، والصراط، والحساب، والميزان، والكتب التي تُنشر يوم القيامة، وغير ذلك.
قال: بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان: ٤ - ٥] القرآن الكريم أحيانًا يكرر الآيات بعينها، تكرير الآيات بعينها هذا موجود في القرآن، هذه مكررة في سورة البقرة وإن كان فيها اختلاف يسير في الآية الأولى التي قبلها، أما قوله: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان: ٤ - ٥] هي آية واحدة.
قوله: عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْأتى بـ(على) الدالة على الاستعلاء؛ يعني أنهم على هدى يسيرون عليه وهم به عالون مرتفعون لارتفاع مرتبتهم.
وقوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان: ٥] هذه الجملة جملة اسمية مؤكد خبرها بضمير الفصل وهو قوله: هُمُ الْمُفْلِحُونَفإن هُمُضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل يفيد ثلاث فوائد (...)
هذه ثلاث فوائد لضمير الفصل، إذا قلت: زيد القائم، هذه مبتدأ وخبر، لكن يحتمل أن تكون القائم صفة لزيد، وأن الخبر منتظر، زيد القائم فاضلٌ مثلًا. فإذا قلت: زيد هو القائم تعيَّن أن تكون القائم خبرًا، ففصلت الآن بين الصفة والخبر، كذلك إذا قلت: زيدٌ هو القائم فإنه يفيد الحصر، زيد هو يعني لا غيره هو القائم، كذلك إذا قلت: زيد هو القائم أوكد من قولك: زيد القائم، أبلغ في التوكيد.
فهنا: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان: ٥] يعني لا غيرهم، والمفلح يقول المؤلف: (هو الفائز) وما معنى الفائز؟ الفائز السعيد، وما معنى السعيد؟
طالب: الحاصل على خيري الدنيا والآخرة.
الشيخ: يقولون: إن المفلح هو من أدرك المطلوب ونجا من المرهوب، هذا المفلح، من أدرك المطلوب اللي هو يبغي، ونجا من المرهوب، فحصل له ما يريد، وسَلِم مما لا يريد.
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان: ٥] ثم قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان: ٦]. (مِن) للتبعيض وَمِنَ النَّاسِإلى آخره (...)
طالب: الراوي غلب (...).
الشيخ: على كل حال (...) ونمشي على الأدلة الواضحة، ونترك هذا المشتبه.

***

قال الله تعالى -بسم الله الرحمن الرحيم-: الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ.
من فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في إنزال هذه الحروف الهجائية وهي الموما أشبهها.
ومن فوائدها: أن الله عز وجل يتكلم بحرف، وكذلك بصوت؛ لأن الممن كلام الله، وهي حروف، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تقدم لنا البحث فيه مرارًا، وأن أهل السنة والجماعة يقولون: إن كلام الله عز وجل بحرف وصوت.
ومن فوائد الآية الكريمة: علو شأن هذا القرآن؛ لقوله: تِلْكَ آيَاتُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن آية وعلامة على مُنْزِلِه؛ لقوله: آيَاتُ الْكِتَابِوسبق لنا أن الإضافة على تقدير (مِنْ) فهي إضافة جنسية، القرآن آية على مُنزِله جل وعلا من أي ناحية؟ من صِدْق أخباره ومطابقتها للواقع، ومن حُسْن قصصه وحبها للنفوس، وعدم مللها منها؛ لأنه ما من كلام يُرد إلا ويمل إلا القرآن. الثالث: من حيث الأحكام حيث إنها أحكام عادلة نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مكتوب كما هو مقروء؛ لقوله: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ.
ومن فوائدها: الثناء على القرآن بهذا الوصف العظيم وهو الحكيم.
ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يوجد في القرآن خبر سيق عبثًا، ولا حكم أُثبِت عبثًا منين نأخذه؟ من الحكيم؛ لأن العبث يُنافي الحكمة، ولا يمكن أن يكون في القرآن شيء عبثًا لا خبرًا ولا حكمًا.
ثم قال تعالى: هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَوفيها قراءتان كما سبق هُدًى وَرَحْمَةٌوهُدًى وَرَحْمَةً.
فمن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في هذا القرآن؛ لقوله: هُدًى وَرَحْمَةً، وكل أحد منا يطلب الهدى والرحمة، فهو هدى في العلم ورحمة في العمل؛ إذ إن العامل به ينال رحمة الله، والمهتدي به على هُدًى وبصيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم جمع الخير كله فهو علم نافع، أيش بعد؟ وعمل صالح؛ لأنه علم نافع بقوله: هُدًىوعمل صالح بقوله: رَحْمَةًلأن الرحمة لا تُنال إلا بالعمل الصالح.
ومنها: الحث على الإحسان؛ لقوله: لِلْمُحْسِنِينَ.
ومنها: أن الإحسان سبب لنيل العِلم والعمل الصالح لما جعله هُدًى وَرَحْمَةًلمن؟ لِلْمُحْسِنِينَ.
ومنها: أنه كلما ازداد إحسان العبد ازداد علمه وعمله الصالح؛ لأن الحكم إذا عُلِّق على وصف ازداد بزيادته ونقص بنقصه كما تقدم.
ومن فوائد الآية التي بعدها: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَمن فوائدها أن إقامة الصلاة من الإحسان؛ لأن ما بعدها بيان لها: الَّذِينَ يُقِيمُونَ.
ومن فوائد الآية: أن الصلاة أحب الأعمال إلى الله؛ لأن الله قدمها على إيتاء الزكاة مع أن إيتاء الزكاة فيه نفع متعد للغير، ولكن الصلاة أحب إلى الله منها وأفضل.
ومنها: الحث على إقامة الصلاة من أين نأخذها؟ من ثناء الله على المقيمين لها، والثناء لا يكون إلا على فعل شيء محبوب مرغوب إلى الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضل إيتاء الزكاة، وأنها تلي الصلاة في الفضيلة؛ لقوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ.
ومِن فوائد الآية الكريمة: الثناء على مَن أيَقَنَ بِالآخرة؛ لقوله: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
ومِن فوائدها: إثباتُ البَعْث وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
ثُم قال تعالى: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
يُستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ المتصفين بما تقدَّم هم الذين على الهُدى، فيتفرع على ذلك فائدة أخرى: أنَّ مَن خالف فيما تقدم فليس على هُدى، وأنَّه فاته من الهدى بِقدر ما فاته مِن العَمَل واليقين.
ومِن فوائد الآية الكريمة: إظهار فضل الله عزَّ وجلّ على هؤلاء الفُضَلاء؛ لقوله: مِنْ رَبِّهِمْ.
ومِن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن رُبوبِيَّة الله عز وجل نَوعان: عامة وخاصة، فالعامة لِجميع الخلق: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [مريم: ٦٥] والخاصة للمؤمنين.
ومِن فوائد الآية الكريمة: أنَّ بهذه الأعمالِ الفاضلة الجليلة والاعتقاداتِ النافعة يَحصُلُ الفَلاح؛ لقوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
ومِن فوائدها: أنَّه لا سبيلَ إلى الفلاح إلا بذلك، وَجهُه؟ الحصر؛ لقوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(...)

***

تفسير الآيات (6-10)
00:35:00

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيث}
[لقمان: ٦] (مِن) للتبعيض، والجار والمجرور خبرٌ مُقدَّم، ومَنْ يَشْتَرِيمُبتدأ مُؤخَّر، وقوله: يَشْتَرِيمعنى الاشتراء الاختيار، يعني مَنْ يختارُ، وعبَّر عن الاختيار بالاشتراء إشارة إلى حِرصِهم على هذا الأمر؛ لأن الاشتراء -كما تعلمون- إنَّما يكون بالمعاوضة فكأنَّهم لقُوَّةِ اختيارِهم لهذا الشيء كأنهم بذلوا فيه أموالَهم لِينالُوه، إذن يَشْتَرِيمعناها يختار، وعبَّر عن الاختيار بالاشتراء إشارةً إلى قُوة رغبتِهم له، حيث شَبَّه ذلك الاختيار بالمُشتَرِي الذي يَبْذُلُ مالَه مِن أجل الحُصولِ على ما اختارَه.
وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثهنا يَشْتَرِيو(يشري) (...) الفرق؟ (يشري) بمعنى يبيع، ويَشْتَرِيبمعنى يشتري؟ يَشْتَرِي: يبتاع، زِين يبتاع، وعند الناس أنَّ الشراء هُو الاشتراء وليس كذلك، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ [البقرة: ٢٠٧] يَشْرِي نَفْسَهُيعني يبيعها؛ بدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ [التوبة: ١١١] اشترى أنفسَهم فهم بائعون (...).
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لقمان: ٦] تقدم الكلام على أوَّل الآية، وقُلنا: إنَّ (مِن) للتبعيض، وأنَّ معنى الشراء الاختيار، وعُبِّرَ عنْه عنِ الاختيار بالاشتراء لِلدلالة على قُوَّة رغبته فِي ذلك.
وقوله: لَهْوَ الْحَدِيثِأي ما يُلهِي مِنْهُ عمَّا يعنِي.
لَهْوَمُضافَة إلى الْحَدِيثِمن باب إضافة الشيء إلى نوعِه، فالإضافة على تقدير (مِن) كما يُقال: ثوبُ خزٍّ، ثوبُ صوفٍ، خاتمُ حديد، خاتمُ فضة وما أشبه ذلِك، فهي على تقدير (مِن)، وهكذا كلما أُضيفَ الشيءُ إلى نَوْعِه فالإضافة تكون فِيه على تقدير (مِن).
إذن لَهْوَ الْحَدِيثِأي لهوًا مِن الحديث، واللهوُ كل ما يُلهَى بِه، والذي يُلهَى به أغلبُ ما يكون في الشيءِ الباطل، وقد يُلهَى بالخير عنِ الشر لكن أكثر ما يُطلَق اللهو في مقامِ الذم، وكل لهو يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا مُلاعبة أهله وترويض فرسِه، وما أشبه ذلك مما يكون فيه مصلحة، وإلا فإنَّ الأصل أن ما يُلهَى به باطل.
والذي يُلهَى به نَوْعان: حديث وهو القول، والثاني: فعل؛ يعني فالذي يُلهى به إمَّا حديثٌ وهو القول، وإمَّا حركاتٌ وهي الفعل، فالله عز وجل ذَكَر هُنا لَهْوَ الحديث فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِقال: (أي ما يُلهى به عما يعني) كل ما يُلهَى به عما يعني فهو مِن لهو الحديث، وأما ما يعني الإنسان ولكن يلهو بالمفضول عن الفاضل فليس هذا مِن لهو الحديث؛ لأنَّ له فائدةً في اللهو بالمفضول لكنَّها فائدة ناقصة.
ولا شك أنَّ الأقوال مَراتِب كما أنَّ الأفعال مَراتِب، فلَو تَلَهَّى الإنسان بحديث فيه فائدة عَن حديثٍ أفيدَ منه هل نقول: إن هذا لهو الحديث؟ نقول: إن هذا مِن لهو الحديث ولَّا لا؟ لا؛ لأنَّ فيه فائدة ليس مجرد لَهوٍ يلْهُو به الإنسان، وإذا كان فيه فائدة فإننا نقول لهذا الرجل: إن اختيارَك للمفضول عنِ الفاضل يُعتبرُ سُوءَ تَصرُّفٍ مِنك، والذي ينبغي أن تلهوَ بِالأفضل عن المفضول، قالوا: لهو الحديث عما يعني.
({لِيَضِلَّ} بفتح الياء وضمها) وأما الضاد فهي مكسورة على القراءتين: لِيَضِلَّأي: هو، {لِيُضِلَّ} أي: غيرَه، يعني يُضِلَّ غيرَه، وفائدةُ القراءتين هُنا: اشتمالُ الآية، أو اشتمال هذه الكلمة على المعنيَيْن، فما هُمَا؟ الضلال بنفسه، وإضلال غيره.
وقوله: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ(عَنْ سَبِيلِ اللَّهِطريق الإسلام) والصواب أن يُقال: طريق الله وهو الإسلام، هذا الصواب، سبيلُ الله: طريقُه الْمُوصِلُ إليه والذي وَضَعَه هو سبحانه وتعالى وهو الإسلام، فسُمِّيَ طريقَ الله أو سبيلَ الله؛ لأنه مُوصِلٌ إليه؛ ولأنَّه سُبحانَه هو الذي وضعَه وشرعَه لعبادِه، ويُطلَقُ على سبيلِ المؤمنين كما قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:١١٥]، ولا تنافيَ بينَ الإضافتين فهو مُضافٌ إلى الله؛ لأنَّه مُوصِلٌ إليه، وهو الذي وضعَه وشرعَه، ومُضافٌ إلى المؤمنين؛ لأنهم هم الذين يَسلكُونَه، ومِثلُه الصراط أُضِيفَ إلى السالكين في قوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]، وَأُضيف إلى الله؛ لأنَّه الذي شرعه ووضعه لِعبادِه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: ١٥٣] وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍهذا لا يعني أنَّ هناك لهوًا يَضِل به الإنسان بِعلم، فهي إذن صفةٌ كاشفة مُبَيِّنَةٌ لِحقيقة الأمر؛ أي أنَّ فِعلَه هذا ناشئٌ عنِ الجهل بالله عزَّ وجل، وعن الجهل بشرعِه، وعن الجهل بحقيقة ما خُلِقَ له، كيف تَتَلَهَّى بأمرٍ لا تستفيدُ منه؟ هل هذا جهل ولَّا علم؟ هذا جهلٌ بما ينبغي أن تعلمَه لِتعتبرَ به، ولم يُمَثِّل المؤلف رحمه الله..
طالب: (...).
الشيخ: إي لا بيذكر فيما بعد التمثيل، لكنَّ كثيرًا مِن المفسرين قال: إن المراد بـلَهْوَ الْحَدِيثِهو الغناء، ومِمن قال بذلك ابن مسعود رضي الله عنه ، وكذلك ابنُ عباس وجماعة، حتى إنَّ ابنَ مسعود يحلف ويقول: والله الذي لا إله إلا هو إنَّه الغناء. والغِناء يُنبت النفاق في القلب، وتفسيرُ الصحابي حُجَّة حتَّى ذهب الحاكم وجماعةٌ مِن أهل العلم إلى أنَّ تفسير الصحابي له حُكْم الرفع يعني يكون كالحديث المرفوع، والصحيح أنَّ الأمر ليس كذلك أنَّه ليس له حكم الرفع إلا أن يكون مِما لا مجالَ للاجتهاد فيه؛ فأما مُجَرَّدُ تفسير آية بمقتضى اللغة العربية فإنَّ الصحيح أنَّ تفسِير الصحابي ليس في حكم الرفع لكِنه مُقَدَّمٌ على غيرِه، ثمَّ اعلمْ أنَّ المفسرين مِن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم قد يذكرون تفسيرَ الآية على سبيلِ المثال لا على سبيلِ الحصر، فإذا قال ابن مسعود: إنَّ المراد بلهو الحديث الغناء لا يعني أنه لا يتناول غيرَه، إذ يكونُ هذا على سبيل التمثيل فقط، ويَدُلُّكَ لِهذا قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر: ٣٢].
قال بعض العلماء في التفسير: الظالم لنفسه: هو الذي يُؤَخِّرُ الصلاةَ عن وقتِها. وقال آخرون: هو الذي لا يُزَكِّي.
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌوالمقتصد هو الذي يأتي بالصلاة في آخرِ وقتها. وقال آخرون: هو الذي يؤدي الزكاةَ المفروضة فقط.
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِقال بعضهم: هو الذي يُصلي الصلاة في أول وقتها. وقال آخرون: هو الذي يُؤَدِّي الزكاة والصدقة. هذا ويش يَدُل عليه؟ على أنَّ العلماء قد يُفَسِّرون الآية ببعض الأمثلة، فلا ينافي أن تكون الآية مُتناولَةً لغيرِها، فتفسير ابن مسعود وابن عباس وغيرِهما لِلهو الحديث بأنَّه الغناء لا يعني أنه يمتِنع أن يُرَاد بالآية ما هو أعم، وعلى هذا فنقول: الآية تشمل كُل لهوِ حديث لا نفعَ فيه، مِن الغناء، ومِنه أيضًا مُطَالعة ما يُكتَب في الصحف والمجلات مِن الكلام الهراء الذي لا فائدةَ مِنه فإنَّه في الحقيقة مَضْيَعَة للوقت، وإذا كان يَشُدُّ الإنسان إلى ما هو أَبْطَل صار أَشَد.
فعلى كل حال نقول: لَهْوَ الْحَدِيثِكُلُّ حديثٍ لا فائدةَ منه سواءٌ كان ذلك يَجُرُّ إلى محرم أو لا يَجُرُّ إلى مُحَرَّم، لكن إن جَرَّ إلى محرم صارَ أعظم.
فإذا قال قائل: الآية يقول الله فيها: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِأو: {لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وأنت قلت: إنَّ لهو الحديث كُلُّ ما لا نفعَ فيه، وما لا نفعَ فيه قد يَضِل وقد لا يَضِل. فإنَّما نقول: إنَّ الإنسان إذا عَوَّدَ نفسَه على أن يشتغل بهذا اللهو الذي لا نفعَ فيه جَرَّتْهُ إلى ما فيه مَضَرَّة؛ لأنَّ النفس إمَّا أن تشغلَها بالحق أو تَشْغَلك بالباطل، واللام في قوله: {لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أو لِيُضِلّهل هي لِلتعليل أو لِلعاقبة؟ الجواب: هيَ صالحة للأمرين فإن كان الإنسان يَقْصِد بِلهو الحديث أن يُضِلَّ غيرَه بِه فاللام للتعليل، وإن كان لا يقصد ذلك فاللام للعاقبة، ونريد من يأتِي بمثال للام العاقبة لا إشكالَ فيه؟ عندَك؟
طالب: قوله: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨].
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: آية القصص.
الشيخ: ويش أولها عشان نعرف؟
الطالب: أولها يقول: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ.
الشيخ: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا، فاللام هنا لا شك أنها للعاقبة؛ لأنهم ما أرادوا أن يكون لهم عَدُوًّا وحزنًا، إنما أرادوا العكس لكن العاقبة صارتْ كذلك.
الطالب: شيخ، تفسيره يعني الغناء، هل هو الغناء المحرم ولَّا كُل الغناء؟
الشيخ: لا، الغناء المحرم، أمَّا الغناء الذي ليس بِمُحَرَّم فلا يدخُل في الآية إلا إنْ شَغَلَ عمَّا هو أهم مِنه صار داخلًا فيه.
الطالب: طيب اللي لا فيه فائدة في الخير ولا في الشر؟
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: مثل بعض الأشعار اللي لا يُستفاد منها لغة عربية ولا يُستفاد منها يعني؟
الشيخ: ترقيق قلب أو موعظة، هذه الظاهر تدخل في لهوِ الحديث الذي لا ينفع ولا يضر، لكنَّه قد يَجُر إلى ما يَضُرُّ، ولو لم يكن مِن ضرره إلا أنه يُلْهِي عمَّا هو أَهَم.
ومِن هذا الحديث أيضًا، مِن لهو الحديث الذي قد يُضِلُّ عن سبيل الله ما يُوجَد في قصائد الصوفية البريئة مِن الشرك وإلا بعضها شرك والعياذ بالله، بعضُها حلول، بعضُها يُفضِي إلى الحلول، وأنَّ الرب عزَّ وجل حالٌّ في المخلوقات، فهذا معروف شأنه حتى لو كان نثرًا فإنه مُحَرَّم، لكنْ بعضها ليس كذلك إلا أنَّ بعض الناس يَتَلَهَّى به عن مواعظ القرآن والسنة حتى يكونَ ذلك دَيْدَنَهُ وهذا لا يجوز.
ويُوجَد الآن ما يُسَمَّى بالأناشيد الإسلامية التي استولت على عُقُول كثيرٍ مِن الناس حتى صار كأنَّما يقرأُ القرآن، دائمًا على لسانه وعلى قلبه، وهذا ذَكَر شيخ الإسلام في الفتاوِى رحمه الله أنَّ ذلك مَما يُلهِي عن القرآن والسنة، وحَذَّر مِنه تحذيرًا كثيرًا، وبعضُ الناس يجعل أيضًا في هذه القصائد، يجعلُ معها دُفًّا فيكون إلى اللهو أقرب مِنه إلى الذِّكْر.
وبعضُ الناس يقول: أيُّها هذه، أو أمُّ كُلْثُوم. نقول: أنت الآن مفروضٌ عليك أن تفعل هذا ولَّا هذا؟ حتى تقول: أنا مُخَيَّر بين الأمرين فأختارُ أيسرَهما، على أنَّ أم كُلثوم قد يفعلُها الإنسان وهو يشعر أنَّه مُذنِب فيحاول الإقلاع، لكن هذا يفعله على أنَّه مُتَقَرِّب إلى الله بذلك، فيستمر عليه، وما هذا إلا نظيرُ هؤلاء الذين يتحَيَّلون على الربا بالخداع وبِالخام والهيل وما أشبهَها، ويقولون: أي هذا أحسن أو الربا الذي في البنوك؟ فنقول: هذا ليس الإنسان مُخَيَّرًا بين هذا أو هذا، الحمد لله فيه أشياء مباحة يتمكن من فعلِها بدون أن يفعل هذه الأشياء التي تَصُدُّه عن القرآن وعن السنة، إذن الضابط في لهو الحديث ما هو؟ كلُّ كلام لا فائدةَ مِنه، وأما ما فيه فائدة ولكن اشتغلَ به عمَّا هو أفيد فليس لهوًا لكنَّه خلافُ الحكمة؛ إذْ إنَّ الحكمة أنْ يشتغل الإنسان بِالأفضل عن المفضول.
طالب: بعض الناس تحفظ الأناشيد الإسلامية بديلًا عن الغناء (...) الأولاد إذا تركتهم ربما (...)
الشيخ: .. حتى بعد يحفظونها يحفظون القرآن.
طالب: دائم.
الشيخ: بعد حتى هذا دَائِم أناشيد؟
الطالب: لا، تارة وتارة.
الشيخ: إذن تارةً وتارة ما تدخل في الموضوع، إذا صار مثلًا أحيانًا قد تخرُج تَتَمَشَّى أنت وإياهم مثلًا، أو أنت نفسك يكون عندك مثلًا ضَعْف وخَوَر وكَسَل، وتُريد أن تسمَع هذه الأشياء لِتُرَقِّق قلبَك فهذا لا بأس به، ولكن أنا قصدي بأولئك الذين اتخذوها ديدنًا لهم حتى إنَّه قيل لي: إنَّ بعض الناس يصلي وهو ينشد الأناشيد (...)، فالله أعلم، على كل حال المسألة الإكثار مِنها والاشتغال بها عن مواعظ القرآن والسنة هو المحظور.
الطالب: لكن لو كان (...) اتعود على الغناء فترة، ثم لمدة شهر، أو شهر ونصف، أو شهرين انتقالًا؟
الشيخ: هو على كل حال إذا كانت معالجة، فالإنسان قد يُعالَج بالسُمِّ القتال، يمكن يُعالَج بالسم، وهذا نحن الآن نراهم يُعطُون الناس حُبُوبًا وجرعات تكونُ قاتِلة لكن يتخِذُونها لِلعلاج، فإذا لم يكن طَرِيق إلَّا هذا فلا حرج، لكن أيضًا تكون معَ الحذر الشديد.
الطالب: (...) بعض الأصوات جميلة قد يكون صوت الولد الغلام ينشد، قد يكون جميلًا جدًّا وقد يكون أشد تأثيرًا من صوت..؟
الشيخ: والله على كل حال مسألة حُسْن الصوت إنْ كانَ يُؤَدِّي إلى فساد وثَوَرَان شهوة فهذا محرم، وإن كان لا يُؤَدِّي ولكنَّه يزيدُ الإنسان استماعًا فلا بأس منه.
إذن لهو الحديث يقول: (كُلُّ كلام لا فائدةَ منه). وعاقبتُه {لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْم} ({ويتَّخِذَها} بالنصب عطفًا على {يَضِل} وبالرفع عطفًا على {يَشْتَرِي}) قراءتان أو لا؟ قراءتان: {لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وَيَتَّخِذَهَاتكون عطفًا على (يضِل) أو {وَيَتَّخِذُهَا} عطفًا على؟ يَشْتَرِييعني ومِن الناس مَن يتخذها هزوًا، وبينَهما فرق ولَّا لا؟ بينهما فرق؛ لأنَّ قراءة النصب تجعل الحامل على مَن يشتري لهو الحديث الحامل له أمران: الضلال، واتخاذها هزوًا، وأمَّا على قراءة الرفع فإن الحامل على اشتراء لهو الحديث شيءٌ واحد، لكن مِن الناس أيضًا مَن يتخذ آياتِ الله هُزُوًا؛ أي مكانًا للاستهزاء يقول: (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًامَهْزُوءًا بِها) أشار المؤلف بقوله: (مهزوءًا) إلى أنَّ المصدر هنا بمعنى اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسم المفعول كثيرًا ما يأتي في اللغة العربية أو لا؟ مثالُه؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو بالذي قُلت، مصدر يأتي بمعنى اسم المفعول يعني (مهزوءًا بها) واتخاذ آيات الله هُزُوًا له أنواع كثيرة، مِنها أن يستهزئَ بالقرآن بِنَظْمِه وتركيبِه، ومنها أن يستهزئَ بالقرآن بِأخبارِه ويقول: أساطير الأولين، ومِنها أن يستهزئ بالقرآن بِأحكامِه، ومنها أن يستهزئَ بالسنة، ومِنها أن يستهزئَ بالرسول عليه الصلاة والسلام، ومِنها أن يستهزئ بِمَن تمسَّك بالسنة لا لشخصه ولكن لِعمله، وهي كِثيرَة حتى إنَّ بعض أهل العلم يقول: إنَّ الإنسان إذا صَلَّى وهو مُحْدِث فهذا استهزاءٌ بآيات الله، ويقول: إنَّه إذا عَمِل مُبْطِلًا مِن مُبطِلات العبادَة فهو مُسْتَهْزئٌ بآيات الله.
وعلى كل حال كُلُّ مَن أتَى، أو كُلُّ مَن حَوَّلَ آياتِ الله عز وجل إلى هُزْء بالقول، أو بالفعل، أو بالهيئة فإنه يعتبر مُتَّخِذًا لها هُزْؤًا.
والاستهزاء بآيات الله عز وجل ليس بالأمر الهين حتَّى إنَّ أهل العلم يقولون: مَن قال كفرًا أو فعل كفرًا ولو هازلًا فإنَّه يكفر، واستدلوا لِذلك بقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
قال الله عزَّ وجل: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [لقمان: ٦] (أولاءِ) اسم إشارة لِلجمع ولَّا للمفرد؟ للجمع معَ أنَّ الضمائر التي قبلها لِلمفرد.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي{لِيَضِلَّ} (ويَتَّخِذَ) فهي للمُفْرَد، وهنا قال: أُولَئِكَ لَهُمْجمع؛ لأنَّ مَنْمَنْ يَشْتَرِياسم موصول تصلح للمُفرد والجماعة، فإن أفْردت ما يعودُ عليها صِرْتَ مُتَّبِعًا للفظه، وإن جَمَعْتَه فأنتَ مُتَّبِعٌ لِمعناه، ويجوز أن تُراعِيَ لفظَها أو معناها ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: في كل الكلام، ويجوز أن تُغَيِّر، انظر إلى قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [الطلاق: ١١] كُلُّ هذا على سبيل الإفراد التابِع لِلَّفْظ.
خَالِدِينَ فِيهَاهذا باعتبار المعنى قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُباعتبار اللفظ، فهي آية واحدة، ومع ذلك غُيِّرَت فيها الضمائر مِن مُرَاعَاةِ اللفظ إلى مراعاة المعنى إلى مراعاة اللفظ.
أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌأُولَئِكَأي: الذين يفعلون هذا الفعل لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌشوف أتى بـلَهُمْوهو الخبر قبل المبتدأ؛ لإفادة الحصر، وأتى بالجملة الاسمية أُولَئِكَ لَهُمْلإفادة الثُبوت والدَّوَام والاستحقاق لهذا العذاب.
وقوله: لَهُمْ عَذَابٌالعذاب بمعنى العقوبة ومُهِينٌأي: (ذو إهانة)؛ يعني يُهينُهم -والعياذ بالله- بدل ما كانوا يَسْتَعِزُّونَ بأنفسهم، ويسخرُون بآياتِ الله حتى يَضَعُوها عن مكانِها اللائقِ بها عُوقِبُوا بِمثل جِنَايتِهم، ودائمًا الجزاء مِن جنس العمل لا في الدنيا ولا في الآخرة: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» . مِثْلًا بمثل.
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْزيادة بعد وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم [محمد: ٧] وعلى هذا فَقِسْ، فالجزاء مِن جنس العمل، هذا الرجل الذي اتَّخَذ آياتِ الله هُزُوًا ويش غرضُه مِن ذلك؟ غرضُه مِن ذلك أن يَضَعَهَا بين الناس، وأنْ يجعلها محلَّ سخرية غير مَعْبُوءٍ بها، ولا مُهْتَمٍّ بها فصار جزاؤه -والعياذُ بالله- أن الله تعالى يجْزِيه بالعذاب المهين الذي يُهِينُه ويُذِلُّهُ.
({وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا} أي القرآن {وَلَّى مُسْتَكْبِرًا} مُتَكَبِّرًا) كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان: ٧] أعوذ بالله.
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِأي تُقْرأ عَلَيْهِ آيَاتُنَامَنِ القارئ؟ أي إنسان، الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة، أو التابعون، أو أي إنسان، إذا قُرِئَت عليه آيات الله فإنَّه يُولِّي مستكبرًا، يُعرِض، وليس إعراضًا على وجه المُمَاثلة أو إعراضًا لشُغْل آخَر، ولكنَّه يُعرِض مستكبرًا والعياذ بالله، والاستكبار هنا استفعال من الكِبْر، والسين والتاء فيه لِلمبالغة، وليست للطلب؛ لأن السين والتاء تارة تكون لِلطلب كقولك: أستغفِرُ الله، أي: أطلبُ مغفرته، وتارةً تكون لِلمبالغة مثل (استكبَر)، فهنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًاأي مبالغًا في كِبْرِيَائِه والعياذ بالله وإعراضِه عن آياتِ الله.
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَاهذه تشبيه في موضعِ الحال؛ يعني كَحَالِ الذي لم يسمَعْها في عدمِ الانتفاع بها، لكنه أخبث مِنه لكونِه ولَّى مستكبرًا، فالذي لم يسمعها قد يكون معذورًا لكن مَن سمِعها وولَّى مُستكبرًا فهو كالذي لم يسمعْها باعتبار عدمِ الانتفاع، لكنَّه أشد باعتبار تَوَلِّيه مُستكبرًا، ثم قال: كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًايقول: (صممًا) كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًاالوَقْر: الصَّمَم، كأنَّ الصمم يَسُدُّ الأُذُن، فالمعنى أنَّه -والعياذ بالله- ما كأنَّه سَمِع الآيات بل كأنَّ أُذُنَه التي هي محل السَّمْع كأنَّها غير مُسْتَعِدَّة لِلسمع، فهو لم يسمع وليس عِندَه آلةُ سمْع: كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِأو أذنٌ واحدة؟ أُذُنَيْهِوَقْرًاالوقر: الصمم.
قال المؤلف: (وجملتا التشبيه حالان مِن ضمير {وَلَّى} أو الثانية بيان للأُولَى) إنَّما هُنا في محل نصب على الحال، التشبيه هذا كلُّه في محل نصب على الحال، حال مِن فاعل وَلَّىيعني وَلَّى مُسْتَكْبِرًامُشابهًا لِمن لا يسمع ومُشابهًا لِمن في أذنيه وَقْر، وهذا في غاية ما يكون مِن بيان حال هذا الرجل في إعراضِه وعدمِ انتفاعِه بآياتِ الله (...)
ما قال: لهم البُشرى بكذا وكذا، فعُلم أن البشرى إذا أُطلِقَت فهي في الخير، وإن قُيِّدت بالخير صارَ ذلك تأكيدًا، كما في قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البقرة: ٢٥]، وإن قُيِّدَت بالشر فهي لِلشَّرِّ، فالبشرى إمَّا أن تُطْلَق أو تُقَيَّد، إذا أُطلِقت فهي في الخير ويش مثاله؟ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس: ٦٤].
الطالب: فَبَشِّرْ عِبَادِ [الزمر: ١٧].
الشيخ: فَبَشِّرْ عِبَادِ. وإن قُيِّدَت بالخير فهي خير، ويكون ذلك تأكيدًا مِثْل: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جنَّات، وإن قُيِّدَت بالشر فهي لِلشر لكنْ هل قِيلَت فيه على سبيل الحقيقة أو على سبيل التهكم؟
المؤلف وجماعة يرون أنَّها قِيلتْ على سبيل التهكم؛ لأنَّ الأصل فيها الخير، فإذا قُيِّدت بالشر فهو من باب التَّهَكُّم بِه، كما في قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] على القول بأنَّ المُراد: العزيز الكريم في تلك الحال لا أنَّك أنت العزيز الكريم في الدنيا مِن قَبْل.
ولكنْ قد يقول قائل: إنَّ البشرى إذا قُيِّدت بالشر فهي على حقيقتها، وأنَّ أصل البشرى مِن البَشَرَة، وهي الإعلام بِما يتغير به الوجه، فإن تغيَّرَ بالسرور والانشراح فهي في الخير، وإن تغيَّرَ بالانقباض والعُبُوس فهي في الشر، فكل ما كان مُؤَثِّرًا على بَشَرَة الإنسان فهو بُشْرَى، لكن هي في الأصل في الخير.
ثم قال: فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍأَلِيمٍبمعنى مؤلم، شوف الآن في الأول: عَذَابٌ مُهِينٌذو إهانة، وفي الثاني: بِعَذَابٍ أَلِيمٍذو إيلام؛ لأنَّه فَعَل أفعالًا أعظم مِن الأول، هذا الأخير ويش يسوي؟ مَاذا يفعل؟ إذا تُتْلَى عليه آيات الله ولَّى مستكبرًا فهو أعظم مِن الذي يشتري لهوَ الحديث، فالأولُ يُصَابُ بعذاب مهين، والثاني يُصابُ بعذابٍ أليم، والموصوف واحد في الحقيقة لكن أحوالَه مُتَغَيِّرَة.
قال المؤلف: (وهو النضر بن الحارث كان يأتي الحِيرة).
طالب: ابن الحرث.
الشيخ: ابن الحرث، لا ابن الحارث لكن هم مثل الحارث ما يحطون فيها ألفًا، يُنْطَق بالألف ولا تُكْتَب، مثل (هذا) فيها أَلِف بين الهاء والذال نُطقًا؟ فيها ألف لكن كتابةً لا، إسحق فيها ألف نُطقًا لا كتابةً.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، في القرآن ما هي موجودة وغير واجد كثير، كما أنَّه قد تُوجد الألف ولا يُنطقُ بها مثل: (أنا) (أنا قائم) هل أنت تقول: أنا قائم؟ لا، تقول: (أنا قائم)، ومثل: (قالوا) فيها ألف بعد الواو للفرق بينها وبين واو العِلَّة، ومع ذلك يُنطق بها ولَّا لا؟ ما يُنْطَق بِها.
يقول: (ابن الحارث كان يأتي الحيرة يَتَّجِر فيشترى كُتُبَ أخبار الأعاجم ويُحَدِّث بها أهلَ مكة، ويقول: إنَّ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُكم أحاديثَ عادٍ وثمود وأنا أُحَدِّثُكم أحاديثَ فارِس والروم فَيَسْتَحْلُون حديثَه ويتْرُكُونَ استماعَ القرآن) المؤلف يقول رحمه الله: (وهو النضر) وتعيينُها بالنضر فقط لا شك أنه قصور، والصواب أنَّها عامة له ولِغَيْره، وسواء بهذه الطريقة التي كان يَتَّخِذُها هو أو بِغَيْرِها كما سبق لنا في الأمثلة، فالصواب العُمُوم لكن المؤلف رحمه الله دائمًا يَخُصُّ القرآن بالعموم كما مرَّ علينا كثيرًا، يحمل الآيات التي تتحدث عن الكفر والشِّرك يَحمِلُها على مَن؟ على أهل مكة دائمًا.
الطالب: لكن ما يقصد يعني ما هو هذا سبب النُزُول.
الشيخ: لا، ما هو قصده هذا، لو قال: نزلت في كذا. لا بأس، لكن هو يريد أن يحمِل هذا العموم على هذا الخُصُوص، والصواب أنه ليس خاصًّا به، هو يدخل في هذا لكن ليس خاصًّا.
يقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان: ٨] وهذه طريقة القرآن إذا ذَكَر آياتِ الوعيد وصفاتِ مَن يستحِقُّون ذلك الوعيد، ذَكَر بعدها آياتِ الوعْد وصفات مَن يستحق ذلك الوعد، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِوالإيمان محَلُّه القلب، يعني آمنوا بما يَجِب الإيمان بِه، وهو كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِيعني الأعمالَ الصالحات، والعمل الصالح ما هو؟ العمل الصالح كُل ما جمع بين شرطين: الإخلاص لله، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهل يدخل في ذلك الترْك؟ الترك ولَّا لا؟ الذي لا يزني هل نقول: إنه عَمِل؟
طلبة: (...).
الشيخ: التَّرْك في الحقيقة مُجرد الترك ليس بعمل، لكن إذا اقترَن به نِيَّة صار عملًا؛ لأنَّه إذا اقترنَت به النِّية صار كفًّا للنفْس والكَفُّ عمل؛ ولهذا جاء في الحديث: «مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً كَامِلَةً». لكنَّه ذكر علته فقال: «إِنَّهُ تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائِي» . أي مِن أجْلِي، وهذا هو الفصل في الخلاف هل الترك فِعْل وعَمَل أم لا؟ نقول: الترك ليس بفعل ولا عمَل إلا إذا اقترن به نية فإنه إذا اقترن به نية صار ويش صار؟
طالب: عمل.
الشيخ: إي، (...) صار عملًا لكن لماذا؟ صار فيه كفٌّ لِلنفس، وحينئذٍ يكون بهذا الاعتبار عملًا.
وقوله: لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان: ٨] لَهُمْخبر مُقَدم، وجَنَّاتُ النَّعِيمِمبتدأ مؤخر، والجملة مِن المبتدأ والخبر في محل رفع خبر (إنَّ).
وقوله: ({جَنَّاتُ} جَمْعُ جَنَّة، وجُمِعت باعتبار أنواعِها، وكذلك باعتبار مراتِبِها تُجْمَع). وقوله: ({جَنَّاتُ} جمع جنة)، ما هي الجنة؟ الجنَّة في اللغة هي البستان الكثيرُ الأشجار، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تُجِنُّ مَن كان فيها؛ أي تستره وتُغَطِّيه فلِهذا سُمِّيَت جنة، أمَّا الجنة التي وُعِد المتقون فإنَّها الدار التي أعَدَّها الله لأوليائه فيها ما لا عينٌ رأت ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خَطَر على قلبِ بَشَر، فينبغي أن تُعَرَّف الجنة التي وُعِدَ المتقون بِهذا، ما يُقال: الجنة هي الحائط الكثير البُستان؛ لأنَّك إذا قُلْت هذا في تعريف الجنة التي وُعِد المتقون هل تشعر بأنَّ لها مِن المقام والعظمة ما كُنتَ تَخَيَّلُه مِن قَبْل؟ لا، ولكنَّك تقول: هي دار النعيم التي أعَدَّها الله لِلمُتَّقين فِيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمِعَت، ولا خَطَرَ على قلبِ بشر.
وقوله: جَنَّاتُ النَّعِيمِالنَّعِيمِكلمة جامعة تشمل سُرورَ القلب وتَرفَ البَدَن، فالإنسان مُنَعَّمٌ فيها في ظاهرِه وباطنِه، في الدنيا ما يمكن يجتَمِع الأمران، الغالب أن من تنعم بدنُه فإنَّ قلبَه يغتم في حُزْن وعذاب، ومِن الناس من يُجْمَعُ لَه بين الأمرين والعياذ بالله، أما أهل الجنة فإنَّهم جَمَع الله لهم بين سُرُورِ القلب وبين ترف البدن، والله أعلم.
الطالب: قوله: بغير علم (...).
الشيخ: لا، بَيَّنَّاهُا فيما سَبَق بيانٌ لحاله (...)
لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا({خَالِدِينَ فِيهَا} حالٌ مُقَدَّرة) اعلم أن الحال تنقسم إلى قسمين: حال مُقَرَّرة؛ بمعنى أن صاحبَها مُتَلَبِّسٌ بها الآن، وحالٌ مُقَدَّرَة؛ بمعنى أنَّها ستكون لصاحبها، فهنا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِهذا وَعْد وليس خبرًا؛ لأنْ ما قال: يدخلون جنات النعيم، بل وعَدَهم بأنَّ لهم جنات النعيم، ثم قال: خَالِدِينَ فِيهَافهل هم خالدون فيها حالَ وَعدِهم بها أو بعد أن يُبْعَثُوا؟ بعد أن يبعثوا؛ ولهذا قال: (حالٌ مُقدرة أي مُقَدَّرًا خُلودُهم فيها إذا دخلوها) أما الآن فليسوا خالدين فِيها؛ لأنهم إلى الآن ما بَعد بُعِثوا ولا وصلوا إليها، وعليه فنقول: إنها حالٌ مقدرة، يعني لا أنَّ صاحبها مُتَلَبِّسٌ بها الآن.
وقوله: خَالِدِينَالخُلود هو المُكْث إمَّا الدائم وإمَّا الطويل؛ يعني أنَّه قد يكون مُكْثًا دائمًا، وقد يكون مكثًا طويلًا، فإذا أُكِّدَ بالتأبيد وقيل: (أبدًا) فهو قطعًا لِلمكث الدائم؛ لأنَّه أُكِّد به.
وقوله: لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاعندنا الآن مصدران وَعْدَ اللَّهِ. والوعْد هو مِثل العهد أنَّ الواعِد يتعهَّد لِلموعود بما وعَدَه به، ويُقال: وعْدٌ ووَعِيد، فالوعد فيما يَسُرُّ، والوعيد فيما يَسُوء.
وقوله: وَعْدَ اللَّهِمصدر عامله محذوف أي: وُعِدُوا وعدَ الله، أو وَعَدَهُم الله وَعْدَ الله، وأما قوله: حَقًّافهي أيضًا مصدر، ولكن عاملها أيضًا محذوف، التقدير: يُحِقُّه حَقًّا أو حَقَّهُ حَقًّا، فعليه يكون الله تعالى أكَّد هذه الجملة الخبرية بمؤكِّدَين معنَويَّيْن؛ أحدُهما أنها وعْد الله، ووعْدُ الله عز وجل لا يُخْلَف؛ لأنَّه لا يُخلِف الميعاد لِتمام صدقِه وقُدرتِه، والإخلافُ للوعد إنما يأتي مِن أمرين: إمَّا أن يكون الواعِدُ كاذبًا فليس محَلًّا للصدق، وإما أن يكونَ صادقًا لكن يعجز عن الوفاء بما وَعَد، والله عز وجل قد انتفى في حقِّه الأمران فهو مُنَزَّهٌ عن الكذب، ومُنَزَّهٌ عن العجْز، إذا كان مُنزهًا عن الكذب وعن العجز لزِم أن يكون كامل الصدق والقُدْرة، وحينئذٍ يتحقَّقُ ما وَعَدَ به، نعم.
وأمَّا المؤكد الثاني فهو قوله: حَقًّايعني يُؤكِّدُهُ تأكيدًا، وأحِقُّهُ حقًّا، وهذا مِن زيادة التوكيد في الوعْد.
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [لقمان: ٩] ({وَهُوَ الْعَزِيزُ} الذي لا يغلِبُه شيءٌ فيمنعُه مِن إنجاز وعْدِه ووعيدِه، {الْحَكِيمُ} الذي لا يضَعُ شيئًا إلا في مَحَلِّه) {وَهُوَ الْعَزِيزُ} يقول المؤلف: إنَّه الغالب الذي لا يمنعُه شيء مِن تنفيذِ وعده ووعيده، ولكن سَبَق لنا أنَّ العزيز له ثلاثة معانٍ، العِزَّة التي وصف الله بها نفسه ثلاثة معان، مَن يعرفُها؟
طالب: عِزة القهر، وقَدر، وامتناع.
الشيخ: نعم، عزة القهر، وعِزة القَدْر، وعِزة الامتناع، أما عزة القهر فمعناها أنه سبحانه وتعالى هو الغالب الذي لا يُغْلَب؛ ولهذا يُقال: فلان عزيز؛ يعني غالب في الجهاد والقِتال، قال الله تعالى: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا [الفتح: ٣].
الثاني: عزة القَدْر؛ بمعنى أنه ذو قَدْرٍ عظيم.
والثالث: عِزَّة الامتناع؛ بمعنى أنَّه يمتنع عليه النقص، ومِنه قولهم: أرضٌ عَزَاز، لِلأرض القوية الشديدةِ الصلْبة، إحنا نسميها باللغة العامية (عزا) يعني قوية صلبة.
الطالب: نحن نقول: عزاز.
الشيخ: عندكم عزاز؟ إذن أنتم للغة أقرب، فصار الآن الْعَزِيزُنقول: العزيز المُتَّصف بالعزة، وعزتُّه سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عِزَّة قَدْر، وعِزَّة قهْر، وعِزَّة امْتِنَاع، فأما عِزَّةُ القَهْر فمعناها أنَّه سبحانه وتعالى قاهرٌ لِكل شيء، لا يغلبُه شيء، وأما عزَّة القَدْر فهو كماله في ذاتِه أنَّه ذو قدْرٍ عظيم، وأمَّا عزة الامتناع فهو امتناعه عن كُلِّ نقصٍ وعيب.
وأما قوله: الْحَكِيمُفالحكيم تقدَّم لنا أنه مشتق من الحُكْم والحِكْمَة، وأن الحُكْم نوعان: حُكْمٌ كونيٌّ قَدَرِي، وحُكْمٌ شرعيٌّ ديني، فمَا جاءت به الرسل مِن الأوامر والنواهي هذه أحكام شرعية دينية، ومَا يتعلق بالخلق والتكوين: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] فهذا حُكْم كوني، ثم إنَّ هذين الحُكمَيْن مقرونان بالحكمة وهي مُوافَقَةُ الصواب، وموافقة الصواب معناه أن يَضَع كلَّ شيء في مَوضِعِه، فكل شيء مِن أحكام الله الكونية وأحكامِه الشرعية فإنَّه في غاية ما يكون مِن الصواب، وفي غاية ما يكون مِن المطابقة لِمَحَلِّه، ما خلَقَ الله شيئًا سَفَهًا ولا شَرَع شيئًا سفهًا بل كل مشروعاته فإنها حكمة، وكل مخلوقاته حكمة، وتقدم لنا أنَّ الحكمة أيضًا نوعان: حِكمة غائِيَّة، وحكمة صُورِيَّة، الصورية معناها أنَّ الشيء على هذه الصورة المُعَيَّنَة موافق لِلحكمة، والغائيَّة معناها أنَّ إيجاد هذا الشيء له حِكمة وغاية محمُودة.
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [لقمان: ٩ -١٠] (أي العَمَد جمع عِمَادٍ وهو الأسطوانة، وهو صادق بألَّا عمد أصلًا).
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَاخَلَقَ السَّمَاوَاتِالسَّمَاوَاتِجمع سماء، ويُطلق السماءُ على كل ما عَلَا، ويُطلق على السماوات ذاتِ الأجرام المحسوسة، وأيُّها الْمُراد هنا؟
الطالب: ذات الأجرام المحسوسة.
الشيخ: المراد ذات الأجرام المحسوسة، خلقها الله عزَّ وجل بِغير عَمَد، (والعَمَد جمع عِمَاد) ويقول: (كالأسطوانة) العمود المعروف، يعني ليس لها أعمدة تَحْمِلُها، وهل المعنى أنَّ لها عَمَدًا لا تُرَى أو أن المعنى أنَّه لا عَمَدَ لها؟
الطالب: لا عمد لها.
الشيخ: فيه خلاف، فقيل: إنه لا عَمَد لها، وهو عليه جرى المؤلف قال: (وهو صادقٌ بأن لا عَمَد أصلًا) بمعنى أنَّه يصح أن تقول: هذا ليس له عَمَدٌ تُرَى، يعني فإذا انتَفى رؤيتُها انْتَفَتْ هِي؛ لأنَّه لو كانت لرأيناها كما نرَى السماء، فلمَّا لم نرَها فالمعنى أنَّه لا وُجودَ لها.
وقال بعضهم: نعم، هي ليس لها عَمَدٌ لكنَّ الضمير في قوله: تَرَوْنَهَالا يعود على العَمَدَ إنما يعود على السماء: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [لقمان: ١٠] تَرَوْنَهَاأي السماوات كذلك لا عَمَدَ لها، وقال بعض المفسرين: إنَّ معنى قوله: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَاأن لها عمدًا لكن لا تُرَى. والصواب أنه لا عَمَدَ لها، وأن الله تعالى أمسكها بقُدْرَتِه كما قال تعالى: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج: ٦٥]، وهذا أبلغ في القدرة، ألا يكون لها عَمَد أبلغ في قدرة الله عز وجل.
طالب: أيش لون يكون لها عمد بس ما نراها يعني عمد غير محسوسة؟
الشيخ: إي، غير محسوسة، الآن الآية لها معنيان:
بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَاأي: لا عَمَدَ لها.
بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَاأي: لها عَمَد لكن لا تُرَى، والمعنى الأول هو الصحيح، ولكن المعنى الأول كيف تخريجُه؟ له تخريجان:
أحدهما: أن يكون قوله: تَرَوْنَهَا(ها) تعود على السماوات يعني أنَّكم ترونها كذلك لا عمد لها فهي لا عمد لها.
والقول الثاني: أن (ها) يعود على العمد؛ أي: بغير عمد ترونَها وهو صادقٌ بأنه ليس لها عمد أصلًا، كما تقول: ليس في هذا المكان عمودٌ أراه المعنى: ما فيه عمود، المعنى: ليس فيه عمود، وهذا -أعني كونه لا عمد لها- أصَح وأبلغ في قدرة الله وقد قال الله تعالى: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج: ٦٥].
قال: ({وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} جبالًا مُرتِفَعة) {أَلْقَى} بمعنى وضع {فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} جمع راسِيَة، وهذه الرواسي هي الجبال، ودليلُ ذلك قوله تعالى: وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [النازعات: ٣٢] فهذه الرواسي هي الجبال فهي رواسيَ بنفسها، وهي أيضًا مُرسِيَة للأرض مُثَبِّتَة لها.
وقوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْقال المؤلف: ({أَنْ} لا {تَمِيدَ بِكُمْ}) فقدَّر (لا) النافية بعد (أن)، وهذا موجود فإنَّ (لا) النافية قد تُقَدَّر بعد (أن) مع حذفِها، وقد توجد بعد (أن) وهي زائدة مثل قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الحديد: ٢٩] فهنا (لا) زائدة بعد (أن)، والتقدير: لأن يعلم أهل الكتاب ألَّا يقدرون، وقد تُحذَف وتكون مُقدَّرَةً كما في هذه الآية (أَنْلا تَمِيدَ بِكُمْ) لأنهُ مِن المعلوم أنَّ الله ما ألقى هذه الرواسي لِأجل أن تميدَ بنا، وإنما ألقاها لئلا تميد، فتكون (لا) هنا عَيَّنَها السياق، وقال بعض المُعْرِبين: إنها لا تقدر (لا) بل يُقدَّر اسم مناسب..