وقد تُحذف وتكون مُقدرة كما في هذه الآية.. ألا تميد بكم؛ لأنه من المعلوم أن
الله ما ألقى هذه الرواسي لأجل أن تميد بهم، وإنما ألقاها.
طالب: لئلا تميد.
الشيخ: لئلا تميد
فتكون (لا) هنا عينها السياق، وقال بعض الْمُعربين: إنها لا تقدر (لا) بل يقدر اسم
مناسب؛ أي: كراهة أن تميد بكم، وقالوا: إن هذا أوْلى؛ لئلا نفسر الإثبات بالنفي؛
لأننا إذا قلنا: التقدير: ألا تميد بكم؛ فسرنا الإثبات بالنفي، فإذا قلنا: كراهة أن
تميد بكم فإننا نفسر الإثبات بإثبات لكن على تقدير المضاف، وهذه الآية لها نظير مثل
قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] هل البيان سبب للضلال أو لعدمه؟
طالب:
لعدمه.
الشيخ: إذن المعنى: يبين الله لكم كراهة أن
تضلوا على قول، أو: ألا تضلوا على قول آخر.
وقوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُم [لقمان: ١٠] أَنْ تَمِيدَيقول:
(تتحرك) بكم، فسر المؤلف رحمه الله الْمَيَدان بالحركة، والصواب أن مَيَدَان
حركة خاصة وهو الاضطراب، وليس مجرد الحركة، فالله ألقى في الأرض رواسي حتى لا تميد؛
أي لا تضطرب، وذلك لأن الأرض موضوعة على الماء، فإن جميع جوانب الأرض من كل ناحية
ماء، والجسم إذا وُضِع في الماء يتحرك ويضطرب ولَّا لا؟ يتحرك ويضطرب لا شك، فإذا
كان كذلك فلا بد من شيء يحفظ توازنه، وذلك الشيء هو الجبال، فجعل الله عز وجل
الجبال فيها على الأرض حتى لا تضطرب بالناس.
وقوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُم [لقمان: ١٠] يعني أن تضطرب، وعند علماء الجيولوجيا من هذه
الحكم والعلل شيء كثير؛ لأنه في بعض الأماكن تكثر الجبال العظيمة الطويلة الكثيرة،
وفي بعض الأماكن تقل، وهذا يرجع إلى الحكمة التي خلقها الله عز وجل، وقد تخفى علينا
لكنها عند العلماء معروفة.
طالب: لكن يا شيخ هذا ما
فيه رد على (...).
الشيخ: هذا يأتي إن شاء الله في
الفوائد.
قال: وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [لقمان: ١٠] (بث) بمعنى نشر ووزع.
فِيهَاأي في
الأرض.
مِنْ كُلِّ دَابَّةٍالدابة اسم فاعل؛ أي من
كل نفس دابة، فهو اسم فاعل من دَبَّ يَدِبُّ إذا ضرب ومشى، والدابة تطلق عرفًا على
ذات الأربع، وتطلق أيضًا في عرف أخص على الحمار فقط.
أما معناها في اللغة
العربية فهو كل ما دب على الأرض سواء يمشي على أربع، أو على ست أو على أكثر، أو على
بطنه، أو على رجلين، كل ذلك يسمى دابة، نشر الله عز وجل في الأرض هذه الدواب لحكمة
عظيمة؛ لأن من هذه الدواب ما هو نافع فينتفع الناس به، ومنها ما هو ضار فيحترز
الناس عنه، ومنها ما لا نفع فيه ولا ضرر فيعرف الناس بما جعل الله تعالى فيه من
الآيات، يعرفون به كمال قدرة الله وحكمته، فالأشياء النافعة ظاهرة حكمتها؟ حكمتها
ماذا؟ نفْع العباد، وقيام مصالح دينهم ودنياهم بها، مثل قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [يس: ٧١ - ٧٣] هذا نفع، ومنها ما هو ضار، هذا الضار
ويش الفائدة من خلقه؟ الفوائد من خلقه كثيرة منها بيان كمال قدرة الله عز وجل حيث
كان قادرًا على أن يخلق ما فيه منفعة ومصلحة، وما فيه مضرة، فالكل خلق الله، والكل
دابة، والكل من ماء، ومع ذلك هذا نافع وهذا ضار، العقرب أيها أكبر هي ولَّا
البعير؟
طالب: فرق كبير.
الشيخ: ما يحتاج أن نقول: إن البعير أكبر.
طالب: لا وجه للمقارنة.
الشيخ: لا
وجه، لكن مع ذلك العقرب مؤذية ضارة، والبعير بالعكس، تجد البعير يأتي الطفل الصغير
يقودها لما يريد وتمشي معه، هذه حكمة.
الحكمة الثانية: أن الإنسان يعرف بذلك
قدْر نفسه، هذا الإنسان المتمرد المستكبر يعرف قدْر نفسه في هذه المؤذيات المخلوقات
المؤذية، ولهذا يقال: إن ملكًا جبارًا كان جالسًا وحوله من أهل العلم مَنْ حوله،
فكان يقول: ما هي الحكمة من خلق هذه الذبابة؟ فقال له رجل: الحكمة من ذلك أن يرغم
الله بها أنوف الجبابرة مثلك، ويش وجهه؟ هذه الذبابة تقع على أنف أي إنسان وتذرق
عليه، هذا من الحكمة، أن تعرف الإنسان قدر نفسك، وأنك ضعيف بالنسبة إلى قوة الله عز
وجل، البعوضة ليست بشيء، ضعيفة مهينة، ومع ذلك تقض مضجع الإنسان حتى لا ينام، فهذا
من الحكمة.
الحكمة الثالثة في خلق هذه المؤذيات أن الإنسان يذوق الألم بها
والعذاب حتى يعرف أن العذاب غير ملائم له فيوجب له ذلك النفور من معصية الله إلى
طاعة الله عز وجل.
الحكمة الرابعة: أن الإنسان ربما يحمله الخوف منها على أن
يقوم بما ينبغي أن يقوم به من الأوراد والأذكار، أليس كذلك؟ كثير من الناس قد يورد
ويقرأ ما يعصمه من الأذى، ما هو علشان شياطين الجن، ولكن خوفًا مما يؤذيه حسًّا،
وهذا شيء مُجرَّب ومُشاهَد، حكى لي بعض الناس الثقات أنه كان من عادته أن يقرأ آية
الكرسي كل ليلة، يقول: فنسيتها ذات ليلة فلُدِغت بعد (...)، لدغ؛ لأنه ليس عنده من
الله شيء حافظ، ومن قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى
يصبح.
هذه من الحكم أن الله سبحانه وتعالى بث في الأرض من هذه الدواب المؤذية،
أما ما لا نفع فيه ولا ضرر من الدواب فإن الإنسان يستدل به على حكمة الله عز وجل،
وأنه سبحانه وتعالى محيط بكل شيء، تجد هذه الدواب على كثرة أنواعها ما تستطيع أن
تحصي أنواعها فضلًا عن أفرادها، مع ذلك قد أعطاها الله تعالى الهداية لما هو من
مصالحها، قال موسى عليه الصلاة والسلام لما قال له فرعون: من ربكما يا موسى؟ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: ٥٠] وأنت إذا رأيت هذه النملة الصغيرة كيف هداها الله عز وجل
إلى مصلحتها ومنفعتها؟ كيف تدخر القوت لها؟ وكيف تجلبه من بعيد؟ وكيف تكسر أطراف
الحبوب السر الذي منه تنبت تكسره قبل أن تختزنه، لماذا؟ حتى لا ينبت؛ لأنه إذا جاءه
المطر والندى فإنه ينبت لكن إذا كسر أعلاه الذي هو السر سره الذي ينبت منه فإنه لا
ينبت، من الذي ألهمها ذلك؟ هو الله عز وجل، هي ما درست في المدارس، ولا تخرجت من
الثانوية، ولا قرأت في كلية العلوم، لكن الله عز وجل هو الذي علمها ذلك.
شاهدت
أنا إذا جاء الندى حول بيوت الذر، عندما تسقي النخلة وحولها ذر، ويجي الندى إلى
أولادها، أنا شاهدتها تخرج بأولادها حاملة لها أولادها بيض، ما بعد حيت إلى الآن،
تجد كل واحدة منهن حاملة ولدها تخرج به عن هذا الماء؛ حتى لا يفسده أو يهلكه، هذا
من آيات الله عز وجل يتبين به الإنسان حكمة الله عز وجل، وأنه واسع عليم، وأنه بكل
شيء محيط، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وقد ذكر ابن القيم
رحمه الله في مفتاح دار السعادة من هذه الأمور أشياء عجيبة، وذكر أنه ذُكِر
لشيخ الإسلام ابن تيمية أن رجلًا وضع شيئًا من الطعم لذرة من الذرات، فلما رأت
الطعم هذا ما استطاعت أن تحمله؛ كبير، فذهبت إلى أخواتها فاستصرختهم، فجاؤوا إلى
هذا المكان، يقول: فلما أقبلوا نزع الطعم، جعلوا يبحثون في مكان الذرة التي جلبتهم
وهم ما وجدوا شيئًا فرجعوا، فوضعه ثانية، فلما وجدته الذرة ذهبت إلى أخواتها
فاستصرختهم فجاؤوا ولكن لما أقبلوا رفعه، فلما لم يجدوا شيئًا رجعوا، في المرة
الثالثة فعل بهم كذلك يقول: فاجتمع الذر عليها فقتلوها. قال شيخ الإسلام: هذا لأن
جميع النفوس مجبولة على بُغض الكذاب الظالم، وهذه كذبت عليهم وظلمتهم، أخرجتهم من
بيوتهم، وتعب وعناء، والنتيجة لا شيء، وهذا شيء عظيم إذا تأمل الإنسان هذه الأمور
يجد العجب العجاب، سبحان الله العظيم!
وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [لقمان: ١٠] أَنْزَلْنَايقول: (فيه التفات من الغيبة إلى المتكلم) أَنْزَلْنَاوقد سبق لنا أن الفائدة في الالتفات تنبيه
المخاطب أو القارئ؛ لأنه إذا تغير أسلوب الكلام لا بد أن ينتبه.
وهنا الفائدة
الثانية في هذا: بيان القدرة أن الأرض مفتقِرة إلى السماء وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [لقمان: ١٠] أنزلنا من السماء ماءً وهو المطر، والمراد
بالسماء هنا العلو؛ لأن المطر ليس ينزل من السماء الذي هو السقف المحفوظ، وإنما
ينزل من العلو.
فَأَنْبَتْنَا فِيهَافي الأرض مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [الشعراء: ٧] كَرِيمٍيقول المؤلف: (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ[الشعراء: ٧] صنف حسن)، صنف تفسير لـزَوْجٍ، وحسن تفسير لـكَرِيمٍ.
وعندي أن الكريم هو الحسن وزيادة، وهو ما ينتفع الناس به من هذا النبات كأنه رجل
معطاء يعطِي ويُغدق الخير فهو نبات حسن، ومع ذلك نافع لكثرة ما فيه، والزوج يأتي
بمعنى الصنف، ومنه قوله تعالى: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨]، ومنه قوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي أصنافهم وأشكالهم.
والله أعلم.
***
يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِإلى آخره [لقمان: ٦].يستفاد من هذه الآية: ذم من يركن إلى لهو الحديث، وهو ما لا خيرَ فيه؛ لقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِيإلى آخره [لقمان: ٦].
ومن فوائدها: تحريم الغناء؛ لأن ابن مسعود أقسم بالذي لا إله إلا هو أنه الغِناء . وتفسير الصحابي حُجَّة حتى ذهب الحاكم وجماعة من أهل العلم إلى أن تفسيره في حكم المرفوع، ولا شك أن الغناء المشتمل على آلة اللهو لا شك أنه حرام؛ لأن نفس آلة اللهو حرام، قرنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنى والخمر والحرير فقال كما في صحيح البخاري من حديث أبي مالك الأشعري: «لَيَكُونَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وْالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ وْالْمَعَازِفَ» . فكلمة «يَسْتَحِلُّونَ» دليل على أنها حرام، واستحلالهم لها إما باعتقادهم أنها حلال، وإما بفعلهم إياها فعل المستَحِل لها الذي لا يبالي، والموجود الآن الأمران؛ فإن من الناس من استحلَّ هذه المعازف والعياذ بالله وقال: إنها حلال، ومنهم من يعتقد تحريمها لكنه يفعلها فعل المستحِل لها بدون مبالاة، ولا يغرنكم ما وقع فيه الناس اليوم من الانهماك بها فإنه أصبح لها تأثير عظيم على قلوبهم ودينهم وسلوكهم، وانظر إلى المبتلين بهذا الأمر والعياذ بالله، يكون ما همهم إلا هذا الأمر، وهم أبعد الناس عن معرفة القرآن والسنة ومواعظ القرآن والسنة، ولهذا ذكر بعض أهل العلم أنه لا يجتمع حب الغناء وحب كتاب الله عز وجل، قال ابن القيم:
| حُبُّ الْكِتَابِ وَحُبُّ أَلْحَانِ الْغِنَا | فِي قَلْبِ عَبْـــدٍ لَــــيْسَ يَجْتَمِعَـــانِ |
ولهذا قال هنا: لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّه [لقمان: ٦].
طيب الغِناء بدون آلة لهو أيش حكمه؟ إن اشتمل على محرم هو حرام، وقد يصل إلى حد الشرك كما لو اشتمل على الغلو في مدح أحد غلوًّا يصل به إلى درجة الخالق، وقد يكون محرمًا وفسقًا كما لو اشتمل على تحبيب الفسق والمجون وما أشبه ذلك، وقد يكون محرمًا تحريم الغِيبة كما لو كان يسب شخصًا معينًا، المهم أنه درجات، أما إذا كان مباحًا فإنه لا شك أنه من اللهو لكنه إذا استُعين به على شيء مباح فلا حرج فيه مثل غناء العمال الذين يُغنون لأجل أن يتقووا على ذلك، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم في حفر الخندق يرتجزون والرسول عليه الصلاة والسلام يجيبهم يقولون:
| نَحْــنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا | عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا |
والرسول عليه الصلاة والسلام يجيبهم ويقول:
| اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ | فَارْحَمِ الْأَنْصَــــــارَ وَالْمُهَاجِــــرَهْ |
وكان هو نفسه عليه الصلاة والسلام ينقل التراب ويرتجز بقول عبد الله بن رواحة:
| اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا | وَلَا تَصَــــــدَّقْنَا وَلَا صَــــــلَّيْنَا |
| فَــــأَنْــــزِلَــــنْ سَكِـــينَةً عَلَــــــــيْنَا | وَثَبِّتِ الْأَقْـــــدَامَ إِنْ لَاقَـــيْنَا |
| إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَـــــوْا عَلَــــــيْنَا | وَإِنْ أَرَادُوا فِتْــــــــــــنَةً أَبَــــــيْنَــــــا |
قال البراء بن عازب رضي الله عنه راوي الحديث: يمد صوته بآخرها، فهذا لا بأس به لما فيه من الإعانة على العمل، ومنه حداء الإبل؛ فإنه كان يحدى بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام في الإبل؛ لأن حداء الإبل يزيدها مشيًا، وتُسْرِع حتى إنهم يذكرون من أحوالها أشياء عجيبة عندما يحدو الحادي إذا كان حسن الصوت يقولون: إنها تمشي من غير شعور، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «يَا أَنْجَشَةُ، رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ» . يعني بالنساء، وشبهها بالقوارير لأجل أن يرفق بها أكثر؛ لأن القوارير مع الحركة تتكسر.
فالحاصل أن نقول: إن الغناء له الأحوال اللي ذكرت، إن اقترن بآلة لَهْو كما هو الموجود الآن فهو حرام ولا شك فيه؛ لأنه داخل في حديث أبي مالك الأشعري الذي رواه البخاري، فهو حرام لا ريب فيه، وإذا خلا فهو حسب الحال.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن لهو الفعل أيضًا لا يجوز التشاغل به، من أين يؤخذ؟ من قوله: لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان: ٦] فإن القياس أن لهو الفعل كذلك؛ لأن الكل لَهْو وضياع وقت، وعلى هذا فالألعاب التي لا تزيد الإنسان نشاطًا ولا قوة ويضيع بها الوقت تدخل في هذا. (...)
ذكر لي شيخنا محمد بن عبد العزيز المطوع رحمه الله أنه سمع أن بعضهم يلعب بها، ويجعل النتيجة أن المغلوب يُقبِّله زملاؤه كتقبيل المرأة، ومعنى ذلك أنها وسيلة -والعياذ بالله- إلى الفجور، ولا شك أن هذه اللعبة أنها من اللهو، ما أحد ينكر هذا، ولا فيها فائدة للبدن أصلًا، وقد قال بعضهم: إنها تشحذ الأذهان واعترض عليه آخر فقال: إن الذين يلعبونها من أبلد الناس أذهانًا؛ لأنهم ما يعرفون أشياء زائدة عما يتعلق بهذه اللعبة، فهم بُلداء فيما سواها؛ ولهذا لو تناقشهم في أمور معنوية غير ما يتعلق بهذه اللعبة وجدتهم أبلد الناس؛ لأن أفكارهم انحصرت لهذه اللعبة وفي هذه اللعبة، فأين ما يقال إنه شحذ للذهن؟ المهم أن لهو الفعل يؤخذ من الآية الكريمة من فحواها، أن لهو الفعل كلهو الحديث.
طالب: الكورة تدخل فيها؟
الشيخ: لا، الكورة ما تدخل فيها؛ لأن الكورة فيها رياضة بدنية إلا إذا ألهت عن..
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، البيع والشراء اللي جائز بالإجماع إذا ألهى عن واجب صار حرامًا، فإذا ألهت فنعم، أو كانت تشتمل على كشف العورة كما لو كانوا مثلًا يبدون أفخاذهم، فإن هذا أيضًا لا يجوز، لكن إذا انتفت عن المحظور فلا أرى فيها بأسًا؛ لأنها تفيد البدن.
طالب: الشطرنج لا يجوز (...)؟
الشيخ: الشطرنج حرام، وفيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه حرام.
الطالب: هي أعظم علة في المغالبات ترك العداوة والبغضاء، ما يمكن أن تخلو المغالبة من هذا.
الشيخ: نعم، هذا صحيح، هذه ربما مسألة الكورة اللي قلت: إذا صارت على ما ذكر الأخ؛ لأن بعض الأحيان تكون الكورة مغالبة بين فريقين ينتميان إلى ناديين، ثم إذا غلب أحدهما بدأ الآخرون يحذفون بالحجارة، أحيانًا يكسرون السيارات..
طالب: (...).
الشيخ: إي، هذه ربما نقول: من هذه الناحية قد تكون محرمة، لكن افرض أن جماعة من الناس خرجوا إلى نزهة، وكان عندهم فراغ مثلًا، وأرادوا أن يفعلوا هذه ما نقول: هذا حرام.
الطالب: لا بد من غلط..
الشيخ: ولو، ما تصل إلى هذا (...)، أما صحيح اللي (...) ينتمون إلى النوادي، هذا صحيح حسب ما سمعنا، وبعضهم قد يكون معتدلًا، ولا يحصل منه هذا الشيء.
طالب: خرجت مع مدرسين زمان، مدرسين كبار لعبوا الورقة فتنازعوا إلى حد العقالات.
الشيخ: إلى حد أيش؟
الطالب: العقال ضرب العقال.
طالب آخر: إذا كان عمله (...)؟
الشيخ: يعني مدرب، كم يدرب؟
الطالب: (...).
الشيخ: هذه الظاهر قد يقال: إنها تحرم من جهة إضاعة الوقت، المهم أنها في الأصل هي مباحة فيما أرى أنها في الأصل مباحة، فإن اقترن بها ما يقتضي التحريم حُرِّمت، كل المباحات إذا اقترن بها ما يقتضي التحريم تكون حرامًا، وإذا اقترن بها ما يقتضي الوجوب صارت واجبًا؛ لأن المباح لذاته قد تتعلق به الأحكام الخمسة كما هو معروف.
طالب: بس في الأصل التشبه هذه أكبر علة..
الشيخ: لا، ما هو بتشبه.
الطالب: قوانينها الآن تصدر من هناك أي قانون؟
الشيخ: يعني مسألة المنظمة ما أعرف عنها شيئًا، لكن قصدنا هؤلاء الذي يحصل من ناس يخرجون يتمشون، أو يتنزهون ويلعبون هذه اللعبة، ما يمكن أن نقول: إن هذا حرام.
الطالب: قوانين غربية.
الشيخ: (...) دولا ما يعرفون قوانين ولا شيئًا.
طالب: المسابقة..
الشيخ: صحيح المسابقة لا شك أنها أحسن، وأنها من السنة، والمصارعة أيضًا (...).
الطالب: ما نقول: سدًّا لباب الذرائع (...)؟
الشيخ: والله يا إخواني أنا ما أستطيع أني..
الطالب: حتى الشباب الطيب اللي يخرجون بره (...) للعب، وإن كانوا طيبين وخارجين لقصد الخير وكذا إلا أنهم لا (...)؛ لأن المغالبات هذه مهما..
الشيخ: (...) طيب حتى المسابقة (...).
طالب: (...).
الشيخ: هذه لا بأس عليها ما دام فيها فائدة للبدن، والأصل في الأشياء هذه الحل، أنا أحب أن نفهم كما قلت من قواعد كثيرة من قبل تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام أشد؛ لأن الله يحب أن ييسر على عباده ويُوسِّع لهم، فلا يمكن أن نقدم على شيء ونقول: هو حرام إلا بالدليل؛ لأننا مسؤولون عن هذا يوم القيامة، مسؤولون عن نسبته إلى الله أن الله حرمه، ومسؤولون عن التضييق على عباد الله فيما أباحه الله لهم، المسألة ما هي هينة، ولنكن معتدلين لا نميل إلى قول من يقول: إنها تصل إلى درجة الاستحباب أو الوجوب، ولا إلى قول من يقول: بالتحريم مطلقًا، نقول: هي في الأصل مباحة، هذا رأي، وإن اقترن بها ما يقتضي التحريم صارت حرامًا وإلا فلا.
الطالب: لكن لو اجتمعت بأحد من عاشرها وعرف مغازيها وكذا ربما تأخذ معلوماتك مع شرط (...) ما رأيت، فلو رأيت أن أقطع أنك تقطع بالتحريم قطعت.
طالب آخر: بل إنها أحد البنود في بروتوكولات حكماء صهيون، الكتاب (...) لإشغال الشعوب.
الشيخ: هو لا شك أن إشغالهم يا إخواني ما أقول إنه.. إذا تضمنت إشغال الإنسان عما هو أهم، أو عن واجب لا شك عن واجب لا شك أنها حرام، عما هو أهم خلاف العقل فيها نوع من السفه، ولكن ما نقول: حرام؛ لأن الإنسان يجوز أن يشتغل بما ليس بأهم عن الأهم إذا لم يكن واجبًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم كل ما يصد عن سبيل الله، أو (ذم) أحسن، ذم كل ما يصد عن سبيل الله؛ لقوله تعالى: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج: ٩]، ثم إن كان يضل عن واجب صار حرامًا، وإن كان يضل عن مستحب لم يكن حرامًا لكنه يذم بلا شك.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الهزء بآيات الله؛ لقوله: وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا [لقمان: ٦]، والاستهزاء بآيات الله حكمه الكفر، فمن استهزأ بآيات الله فهو كافر بنص القرآن: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦] ويش قال؟ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْفهو صريح في الكفر؛ ولهذا قال العلماء: إن من قال قول الكفر ولو كان هازلًا أو مازحًا فهو كافر، فمن سَبَّ الله أو رسوله أو دينه ولو كان هازلًا فهو كافر، لأن هذا -والعياذ بالله- أعظم من أن يسبه جادًّا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الوعيد الشديد على مَنْ هذه حاله؛ لقوله: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [الجاثية: ٩].
***
ثم قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًاإلى آخره [لقمان: ٧].من فوائد الآية الكريمة: أن من علامات هذا الصنف من الناس إعراضهم عن سماع آيات الله وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا [لقمان: ٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الذي تُتلى عليه آيات الله وهو قد اشترى لهو الحديث يكون -والعياذ بالله- كالإنسان الذي به صمم لا يمكن أن يصل إليه سماع الحق؛ لقوله: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا [لقمان: ٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: الوعيد الشديد على من إذا تُليت عليه آيات الله ولَّى مستكبرًا.
ومن فوائدها: ثبوت المدح والثناء لمن كان على العكس من ذلك أو لا؟ لأن الذم على صفة -وهذه قاعدة مفيدة- الذم على صفة يقتضي مدح من اتصف بضدها، فيؤخذ منه مدح من إذا تُليت عليه آيات الرحمن أقبل إليها واستمع إليها، ولهذا قال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا [الفرقان: ٧٣] لم يخروا صمًّا؛ يعني ولا عميانًا، وإنما يقبلون إليها بآذان سامعة وأعين مبصرة، أليس كذلك؟
إذا قال قائل: هل من هذا -أي من الإعراض عن آيات الله- مَنْ يقول للقارئ: اسكت، انتهِ من القراءة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، يعني خليت واحد يقرأ عليك، ثم قلت: خلاص يكفي؟
طالب: لا، ليس من هذا.
الشيخ: ليس من هذا؛ لأنه قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لابن مسعود رضي الله عنه: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، فقال: يا رسول الله، أقرأ عليك القرآن وعليك أُنزل! قال: «نَعَمْ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». فتلا عليه سورة النساء، فلما بلغ قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١] قال: «حَسْبُكَ» يعني قف. يقول: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم عيناه تذرفان صلى الله عليه وسلم .
وعلى هذا فيجوز للإنسان أن يقول للقارئ: خلاص وقِّف، كما يجوز أيضًا أن يسك الراديو إذا كان يقرأ القرآن ولا حرج عليه، وكذلك أيضًا في المسجل.
طالب: إذا كان وسط الآية.
الشيخ: وسطه؟ إي، ما يخالف، كله واحد.
الطالب: لو كان يتلو الآية؟
الشيخ: إي، ما فيه مانع.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن البِشارة تُطلق على ما يسوء؛ لقوله: فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان: ٧].
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا [لقمان: ٨، ٩].
من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن من طريقته أنه إذا ذَكَر العذاب ذَكَر النعيم، إذا ذكر المؤمنين ذكر الكافرين وهكذا؛ لأنه لو ذُكِر الإيمان أو المؤمنين ولم يُذْكَر ما يضاده غلَب على الإنسان جانب الرجاء، ولو ذُكِر التخويف وأهل النار غلَب عليه جانب الخوف، وهذا يضر المرء، وإنما يكون المرء أتم إذا صار يسير إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والعمل الصالح، من أين يُؤخذ؟
طالب: لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ.
الشيخ: ويش وجهه؟ لأن الثواب بالْحُسنى على العمل يدل على مدحه والثناء على فاعله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا يكفي، بل لا بد من عمل صالح، فمجرد العقيدة لا تكفي إذا لم يكن عمل صالح، بل ربما نقول: إنه إذا لم يكن عمل صالح فهو دليل على أنه لا عقيدة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ألَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» .
لكن من الأعمال ما لا يخرج من الإيمان لا فعله ولا تركه، يكون من الكبائر لكن ما يُخرج من الإيمان، إنما يدل على ضعف العقيدة والإيمان، ومن الأعمال ما يكون فعله أو تركه كفرًا، فلو أن أحدًا غلا بشخص حتى رفعه إلى منزلة الرب كان بذلك كافرًا، وإن كان يعتقد أن الله موجود، وأن الله له الأسباب الكاملة، ولو أن أحدًا لم يُصلِّ كان كافرًا، ولو كان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
قال ابن القيم: لا تغترَّ بمن قال: إن رجلًا يحافظ على ترك الصلاة ثم يقول: إنه مؤمن، فإن هذا لا يدري عن أعمال القلوب وشؤونها وأحوالها، ولا يمكن لإنسان يحافظ على ترْك الصلاة، ثم يقول: إنه مؤمن. لو قال ذلك فهو كافر؛ إذ إن الإيمان حقًّا لا يدعه يترك الصلاة مع علمه بفضلها والوعيد على تركها، كيف تؤمن بأن الرسول قال: «مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» . ثم لا تصلي؟ وكيف تؤمن بأن الرسول يقول: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ». ثم لا تصلي؟ وين الإيمان؟
وكيف تؤمن بأن هذه الصلاة ما فُرضت على الرسول إلا وهو في أعلى مكان، وفي أشرف ليلة، وبدون واسطة، وعلى أنها خمسون صلاةً، كل هذا يدل على عناية عظيمة بهذه الصلاة، ثم لا تحافظ عليها وتقول: إنك مؤمن؟!
أعتقد لو أن أحدًا من الناس قال له ملك من الملوك: إذا زُرتني في بيتي أعطيتك كذا، وإذا لم تزرني عاقبتك بكذا، ثم لم يزره، هل يكون عنده الثقة فيما قال هذا الملك؟ ما يكون عنده ثقة، لو كان عنده ثقة لذهب بلا شك، على رأسه مو على رجليه، فكيف عاد بوعد الله عز وجل ووعيده؟!
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجنة؛ لقوله: لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان: ٨] وهي موجودة الآن ولَّا لا؟ موجودة الآن، وقد دخلها النبي عليه الصلاة والسلام، ورأى فيها قصرًا لعمر بن الخطاب.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هذه الجنات مشتملة على النعيم الذي هو سرور القلب، ويش بعد؟ وترف البدن، فأبدانهم في غاية ما يكون من الترف، وقلوبهم في غاية ما يكون من السرور فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان:١١] نضرة في أبدانهم وسرورًا في قلوبهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الجنات جنات خلد لا موت فيها؛ لقوله: خَالِدِينَ فِيهَا [لقمان: ٩]، وقد ورد في عدة آيات من القرآن ذكر التأبيد لهذا النعيم خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ٥٧]. طيب هل في الآية ما يدل على أنه لا مرض في الجنة؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش وجهه؟
طالب: جَنَّاتُ النَّعِيمِ.
الشيخ: جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان: ٨]؛ لأن المرض يُنافي النعيم، وعلى أنه ليس فيها شيخوخة؛ لأن الشيخوخة تنافي ذلك أيضًا، وعلى أنه ليس فيها هم أو كدر أو تنغيص أبدًا، كل هذا ينافي النعيم، اللهم اجعلنا من أهلها. خَالِدِينَ فِيهَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الوعد حق لا يمكن أن يُخلف؛ لقوله: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا [لقمان: ٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: فضل الله تعالى على عباده بكونه يؤكد لهم هذه الأمور هذه التأكيدات، مع أنه جل وعلا يكفي خبره، أليس كذلك؟ خبره كافٍ، لكنه يؤكد هذا الخبر، وهذا الوعد من أجل أن يقوى الناس على الحصول على هذا النعيم، وذلك بالإيمان والعمل الصالح.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العزة والحكمة لله؛ لقوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [لقمان: ٩]، وإثبات هذين الاسمين من أسماء الله وهما: (العزيز) و(الحكيم).
ثم قال تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَاإلى آخره [لقمان: ١٠].
الطالب: عبارة ما عاد للكفار حجة بعد التوكيد (...).
الشيخ: نعم، يمكن يستفاد منه أنه لا حُجَّة لهم بعد أن أكد الله سبحانه وتعالى، أن أكد هذا الوعد بهذا التأكيد، وأيضًا بعد أن ذكر الوعيد على من خالف (...)
***
ما سبق من قوله: خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [لقمان:١٠].قال: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ [لقمان: ١١] المشار إليه ما سبق؛ وهي خلق السماوات بغير عمد، وإلقاء الرواسي في الأرض، وبث الدابة. وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [البقرة: ١٦٤]، واستنزال الماء من السماء، والإنبات فيها من كل زوج كريم، هذه خمسة أشياء مُشاهَدة محسوسة؛ ولهذا أشار إليها بالإشارة الحسية فقال: ({هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} أي مخلوقه) فهو من باب إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول، وليس المراد به خلق الله الذي هو فعله؛ فإن فعله لا يُشاهَد، وأن المشاهد مفعوله.
({هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} أي مخلوقه. {فَأَرُونِي} قال: أخبروني يا أهل مكة {مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ})
قوله: فَأَرُونِيفسر الرؤية هنا بالإخبار، الإراءة بالإخبار، ولكن الأولى إبقاؤها على ظاهرها أن المراد بالإراءة يعني: أبصروني، أروني شيئًا خلقه أحد سوى الله عز وجل.
وقوله: أَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: ١١] أبلغ من تفسير المؤلف بقوله: (أخبروني)؛ لأن التحدي فيها ظاهر؛ إذ من الممكن أن يخبروه بأمر وهم كاذبون، فيقولون: نعم، إن في كذا وكذا، خلقه كذا وكذا. لكن إذا قال: أروني. بالتحدي بما يُرى فحينئذٍ يُبهتون.
وقوله: (أروني) قال: (يا أهل مكة) بناءً على أن كل خطاب في سورة مكية يتعلق بالكفار فالمراد به أهل مكة، والصواب أنه عام حتى يمكن الآن أن نقول بهذا التحدي في عصرنا الحاضر، والأمر هنا في قوله: (أروني) الأمر لماذا؟ لأي شيء؟ للتعجيز والتهديد.
({مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: ١١] غيره، أي: آلهتكم حتى أشركتموها به تعالى) يعني أروني ماذا خلقوا، فإذا أريتموني أنها خلقت شيئًا فإنه قد يكون عذرًا لكم في تشريكها مع الله تعالى في العبادة، أما والأمر ليس كذلك، ولا يمكن أن يوجد خالق سوى الرب عز وجل فإنه لا يجوز أن يُعبد معه غيره؛ لأنه إذا أقررتم بأنه لا خالق إلا الله يجب أن تقروا بأنه لا معبود إلا الله، وأنه كما أقررتم بالربوبية يجب أن تقروا بالألوهية.
وقوله: مَاذَا خَلَقَيقول: ((ما) استفهام إنكار مبتدأ، و(ذا) بمعنى (الذي) بصلته خبره، و(أروني) مُعلَّق عن العمل، وما بعده سد مسد المفعولين).
قوله: مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِأعربها المؤلف إعرابًا صحيحًا (ماذا خلق) يقول: (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول مبني على السكون في محل رفع، و(خلق) فعل ماضٍ، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا خَلَقَهُ الذين من دونه، والجملة مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِجملة الاستفهام مُعلَّقة عن العمل، عن عمل أيش؟ (أروني).
وقوله: (وما بعده سد مسد المفعولين) هذا إذا قلنا: إن الرؤية بمعنى العلم، أما إذا قلنا: إن الرؤية بمعنى رؤية البصر فإن ما بعده سد مسد مفعول واحد فقط، هذا الإعراب الذي ذكره المؤلف هل في كلام ابن مالك ما يدل عليه في الألفية؟ ما هو؟
طالب: (...).
الشيخ: أعربها على أنها غير ملغاة، وهل يجوز إلغاؤها؟ الجواب: نعم، يجوز، بل قد يقال: إن إلغاءها أولى؛ لأنك إذا ألغيتها جعلت مَاذَامفعولًا مقدمًا لـخَلَقَ، وحينئذٍ يكون ما نحتاج إلى هذا، والأصل عدم الحذف، وقد سبق لكم أن إلغاءها له وجهان: إما أن تقول (ما) اسم استفهام، و(ذا) زائدة، أو تقول: مَاذَاجميعًا اسم استفهام.
وقوله تعالى: فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: ١١] أي من سوى الله عز وجل، وهذا التحدي، وكل تحدٍّ في القرآن لا يمكن أن يكون موجودًا؛ لأنه لو كان الشيء ممكنًا لكان التحدي لغوًا لا فائدة فيه. قال الله عز وجل: بَلِقال المؤلف: (للانتقال {الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: ١١] بَيِّن بإشراكهم وأنتم منهم) يعني معناه الأمر واضح، وأنه لا خالق إلا الله، وأنه لا يمكن أن يوجد أحد يخلق، ولكن استمرار المشركين في شركهم يعتبر ظلمًا وضلالًا مبينًا؛ ولهذا قال: بَلِ الظَّالِمُونَأي المشركون الذين أشركوا مع الله في العبادة مع أنهم مؤمنون بأنه لا شريك له في الخلق فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [لقمان: ١١] قال المؤلف: (بَيِّن).
وكلمة مُبِينٍتأتي بمعنى (بَيِّن) أي ظاهر، وبمعنى مُظْهِر؛ لأنها مشتقة من (أبان) الرباعي، و(أبان) الرباعي يأتي متعديًا، ويأتي لازمًا، فيأتي (أبان) بمعنى (بان)، أي ظهر، وحينئذٍ يكون لازمًا، ويأتي بمعنى (أظهر)، أبان الشيء أظهره، وحينئذٍ يكون متعديًا، في هذه الآية: بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [لقمان: ١١] من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من اللازم. ولهذا فسَّرها بقوله: (بَيِّن) نريد مثالًا لها من المتعدي؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) المتعدي.
الطالب: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة: ٧٧]: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف: ١] يجوز الأمران البَيِّن في نفسه، المبين للحق.
الشيخ: إي نعم، ومثله: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥] أي مُظْهر، فالحاصل أن مُبِينٍلا تظنوا أنها دائمًا متعدية، قد تكون لازمة بمعنى (بين)، وقد تكون متعدية بمعنى مُظهِر.
ثم قال تعالى: ({وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان: ١٢] منها العلم والدِّيانة والإصابة في القول، وحِكَمُه كثيرة مأثورة). {وَلَقَدْ} الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات، هي؟
طالب: اللام، وقد، والقسم.
الشيخ: نعم، اللام، وقد، والقسم. وقوله: آتَيْنَاأي أعطينا، وهذا الإعطاء إعطاء كوني آتاه الله تعالى الشيء إيتاءً كونيًّا.
وقوله: لُقْمَانَهو اسم رجل، وأكثر أهل العلم على أنه رجل أعطاه الله تعالى حِكمة ودراية في الأمور، وليس نبيًّا، قال ابن كثير: إنه أكثر الناس على أنه ليس بنبي، ويُرْوى عن عكرمة -إن صح عنه- هكذا قال: إنه نبي ، ولكن الصحيح أنه ليس بنبي، وإنما هو رجل حكيم ذو أمر رشيد، أعطاه الله تعالى هذه الحكمة كما قال تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: ٢٦٩].
طالب: شيخ، (...) بعضهم يقول: لقمان الحكيم هو هذا ولَّا غيره؟
الشيخ: لا، هذا هو.
الطالب: كيف يكون يعني إخبار عن الرسول ولَّا إسرائيليات؟
الشيخ: ويش هو؟
الطالب: (...) لقمان الحكيم، قال لقمان الحكيم (...)؟
الشيخ: هذا مما يؤثر عن حكمته (...) صحيح ولَّا لا؟
قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ [لقمان: ١٢] ما هي الحكمة؟ الحكمة في الأصل هي موافقة الصواب، وبمعنى هذا قولهم: إنها وضْع الأشياء في مواضعها، فصاحب الرأي الرشيد والتصرف السديد هذا يعتبر حكيمًا؛ لأنه يضع الأشياء في مواضعها كذا؟! ويش اللي ذكرنا في الحكمة؟ تفسيرها؟
طالب: (...) الأشياء في مواضعها.
الشيخ: هذه واحد، والثاني؟
الطالب: (...) الحكيم (...).
الشيخ: لا، نريد الحكمة فقط، ما نريد الحكيم، الحكمة ما هي؟ قيل: إنها وضع الأشياء في مواضعها، هذا واحد، وقيل؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما ذهبت يمينًا أو شمالًا؟ قيل: إنها موافقة الصواب، وهما بمعنى واحد؛ لأن موافقة الصواب هو وضع الشيء في مواضعه، طيب يقول: منها العلم.
الطالب: تعتبر مضمونها ولا تفسير يا شيخ؟
الشيخ: لا، هذا معناها، منها العلم والديانة، العلم حكمة ولَّا لا؟ أو تنال به الحكمة؟ تُنال به الحكمة.
والثاني: الديانة نعم حكمة.
والثالث: الإصابة في القول، وهذا أيضًا حكمة. وكذلك الإصابة في الفعل حكمة.
قال: (وحكمه كثيرة مأثورة كان يُفتي قبل بعثة داود، وأدرك بعثته، وأخذ عنه العلم، وترك الفتيا وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا كُفيت. وقيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يُبالي إن رآه الناس مسيئًا) (...) قال: كفيت. هذه من الحكمة أن الإنسان إذا كُفي يكتفي؛ لأنه إذا كفي، ثم عمل بما كفي فيه لم يكن منه إلا إضاعة الوقت والتعب.
وأما (أي الناس شر؟ فقال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئًا) هذا قد يُنازع فيه؛ لأن هذا الذي لا يُبالي إن رآه الناس مسيئًا يُعتبر فاقد الحياء فقط، ولا يعتبر شر الناس، شر الناس -في الواقع- هو الذي يُشرك بالله عز وجل، هذا شر الناس؛ لأن هذا أظلم الناس؛ فيكون شر الناس.
ثم إن هذه المقولة اللي ذكرها المؤلف أو هاتين الجملتين قد تكون صحيحة إلى لقمان، وقد تكون غير صحيحة، يعني ما يجزم؛ لأنه ما هناك سند صحيح إلى لقمان متصل، ولم يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك عنه، ومثل جميع الأخبار السابقة إذا لم تكن عن طريق الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه يُنظر فيها؛ لأنها تأتينا بغير إسناد، تُؤخذ عن أهل الكتاب، وأهل الكتاب غير مأمونين.
الطالب: ما يؤخذ منها حكمة يا شيخ؟
طالب: ثم ترك الفتيا (...) داود على قول المؤلف (...).
الشيخ: وقال: (...) نعم، في كل شيء يُفتى به المرء ما له داعي يتعلق منه.
طالب: (...).
الشيخ: والله ما أعرف هذا ابن كثير ما ذكر هذا الأثر.
الطالب: يا شيخ، قوله: حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج (...).
الشيخ: يمكن أن (...) عنه، ويمكن أن (...)؛ لأن بني إسرائيل عندهم كتاب وأثارة من علم، وإلا غيرهم قد لا يكون لهم شيء، ولكن كل الأحاديث عمن سبق لا تخلو من ثلاث أحوال كما هو معروف، إما أن توافق الشرع أو تخالفه، أو لا يكون فيها موافقة ولا مخالفة فما وافق الشرع فهو مقبول، وما خالفه فهو مردود، وما لم يكن فيه مخالفة ولا موافقة فإنه لا يُصدَّق ولا يُكذَّب.
يقول: ({أَنِ} أي: وقلنا له: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} [لقمان: ١٢] على ما أعطاك من الحكمة).
قوله: ({آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان: ١٢]). ثم قال: ({أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}). لو أن أحدًا قال: إن قوله: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِتفسير للحكمة؛ يعني أَنِهنا تفسير للحكمة، لم يكن بعيدًا، أما المؤلف فيرى أنها مفعول لقول محذوف تقديره: وقلنا له: أن اشكر لله، يعني على ما آتاك من الحكمة، أما على الاحتمال الأول الذي هو ظاهر القرآن ولا يحتاج إلى تقدير فالأمر ظاهر أن شكر نعمة الله من الحكمة بل هو رأس الحكمة.
وقوله: {اشْكُرْ لِلَّهِ} اللام هنا للاختصاص والاستحقاق؛ لأنه لا يختص بالشكر المطلق، ولا يستحق الشكر المطلق إلا الله سبحانه وتعالى، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم اعترافًا بالقلب، وثناءً باللسان، وطاعة بالأركان، فمتعلق الشكر ثلاثة: اللسان، والقلب، والجوارح، وسببه واحد وهو النعمة؛ ولهذا كان بينه وبين الحمد عموم وخصوص، فمن جهة السبب الحمد أعم، ومن جهة المتعلَّق الشكر أعم، كيف ذلك؟ الحمد سببه أمران: كمال المحمود، وإنعام المحمود؛ ولهذا تحمد الله عز وجل على كماله، وتحمده على إنعامه، ولكن الحمد يختص بماذا؟ من حيث المتعلق؟ يختص باللسان فقط، أما الشكر فإنه من حيث السبب أخص؛ لأنه لا يكون إلا في مقابلة نعمة لكن من حيث المتعلَّق أعم، يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، وعليه قول الشاعر:
| أَفَادَتْكُمُ النَّعْـمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
وقوله: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [لقمان: ١٢]. قلنا: إن اللام هنا للاختصاص، ويش بعد؟ والاستحقاق فيجب على العبد أن يُخلص الشكر له، وأن يعتقد بقلبه أنه لا يستحق الشكر المطلق إلا الله.
قال: ({وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [لقمان: ١٢]؛ لأن ثواب شكره له. {وَمَنْ كَفَرَ} النعمة {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ} عن خلقه، {حَمِيدٌ} محمود في صنعه).
وَمَنْ يَشْكُرْالجملة هذه شرطية فعل الشرط فيها مجزوم بـ(من)، و({وَمَنْ يَشْكُرْ}. وجواب الشرط جملة قوله: فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، و(إنما) أداة حصر، ويَشْكُرُفعل مضارع، ولكن هل يُقال: إن يَشْكُرُهو الجواب أو الجملة؟ الجملة.
وقوله: فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِكيف قال: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِثم قال: فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ؟ قد (...) أن المتوقع أن يقول: (ومن يشكر فإنما يشكر لله)، ولكن نقول مثلما قال المؤلف: إن معنى قوله: فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِأي: أنه يعود ثواب الشكر إليه فهو لمصلحته، وليس الشكر يعود إلى الله عز وجل فينتفع به؛ لأنه سبحانه وتعالى لا ينتفع بالطاعة، ولا يتضرر بالمعصية، وإنما يعود إليك أنت نفسك.
وَمَنْ كَفَرَوهو ضد الشكر فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌغني عنه، إذا كفر نعمة الله.
حَمِيدٌفعيل بمعنى مفعول، ويجوز أن يكون حَمِيدٌبمعنى فاعل (حامد)، فهو سبحانه وتعالى محمود وحامد؛ لأنه سبحانه وتعالى يصف من يستحق الصفات الكاملة بما يستحقون؛ ولهذا أثنى على أنبيائه وعلى أوليائه، وهذا حمْد لهم، وهو أيضًا محمود من عباده فهو (فعيل) بمعنى (فاعل)، وبمعنى (مفعول)، وجه ارتباط الجملة جملة الجواب الشرط: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان: ١٢]، وجه ارتباطها بالشرط ظاهر؛ يعني من كفر فإنه لن يضر الله، ولن ينقص من ملكه؛ لأنه غني، وكذلك لم يكن في ذلك قصور من حكمته؛ لأنه جل وعلا حميد، فإيجاد الشاكرين مما يُحمد الله عليه، وإيجاد الكافرين مما يُحمد الله عليه، ولولا هذا ما عُرف قدر الشكر، ولا عُرف أيضًا مضرة الكفر، لولا هذا لكان الناس على حد سواء لا يتميز فيهم الطيب من الخبيث.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌالغني من أسماء الله، والحميد من أسمائه أيضًا.
قال: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ [لقمان: ١٤] واذكر إذ قال.
طالب: (...).
الشيخ: لا، من كفر عام، لكن لما كان في سياق الحكمة التي أوتيها لقمان على تفسير المؤلف جعلها خاصة بالمال يقول: واذكر وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ [لقمان: ١٣].
الطالب: يقول: محمود في صنعه بس.
الشيخ: إي نعم، هذا قصور حَمِيدٌيقول المؤلف: إنها (محمود في صنعه) والصواب أنه محمود في صنعه وشرعه، وفي جميع صفاته، فهو محمود على صفاته الكاملة، وعلى أفعاله وعلى شرعه.
قال: (واذكر {إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ} [لقمان: ١٣] تصغير إشفاق {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ} بالله {لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} فرجع إليه وأسلم).
قوله: (واذكر إذ قال) أفادنا المؤلف أن (إذ) مفعول لفعل محذوف، أو ظرف متعلق بفعل محذوف، يعني اذكر هذا الوقت الذي قال فيه لقمان لابنه إلى آخره.
وقوله: إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّجملة وَهُوَ يَعِظُهُحالية، حال من فاعل قَالَ، وهو لقمان، يعني والحال أنه يعظ فيه ابنه، والموعظة هي التذكير المقرون بالتخويف أو الترغيب، قال له: يَا بُنَيَّقال المؤلف: إنه هو (تصغير إشفاق) وهو كذلك، وليس تصغير احتقار؛ لأن المقام لا يقتضيه، ولكنه تصغير إشفاق عليه.
يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِهذا مقول القول في قوله: وَإِذْ قَالَ، لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِأي لا تجعل معه شريكًا في ماذا؟ في العبادة، وفي الخلق والتقدير، وفي أسمائه وصفاته؛ لأن التوحيد -كما هو معروف عند أهل العلم- ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، فالشرك بالله أن يُشرك بالله تعالى في أحد هذه الأقسام، فمن اعتقد أن مع الله خالقًا فهو مشرك في الربوبية، ومن اعتقد أن مع الله من يستحق أن يُعبد فهو شرك ألوهية، ومن اعتقد أن لله مماثلًا في أسمائه وصفاته فهو من باب الشرك في الأسماء والصفات. قال: ({لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ} [لقمان: ١٣] بالله {لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}) أكد لقمان كون الشرك ظلمًا بمؤكدين وهما إِنَّواللام.
وقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌالجملة تعليل لما قبلها؛ وهو قوله: لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِفجمع له لقمان بين الحكم والحِكمة، نهاه عن الشرك وبَيَّن أنه ظلم عظيم، والظلم في الأصل النقص ومنه قوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] أي لم تنقص، وأما في الشرع فإن الظلم هو نقْص كل ذي حق حقه، وعلى هذا فالشرك نقص في حق الله عز وجل.
وقوله: لَظُلْمٌ عَظِيمٌهذا من باب تعظيم الشرك والحذَر منه، ولا يوجد أعظم ظلمًا من الشرك؛ لأنه مهما كان فإن ظلم الشرك أعظم من كل شيء؛ فالذي خلقك أوجدك من العدم، والذي أمدَّك بما تقوم به حياتك هو الله عز وجل، والذي أعدَّك وجعلك مستعدًّا لما تنتفع به هو الله فهو الْموجِد الْمُعِد الْمُمِد، إذا كان كذلك فهل يوجد أحد أعظم حقًّا عليك من الله؟ لا يوجد، فإذا نقصت الله حقه كان ذلك أعظم الظلم؛ ولهذا من كان إليك أكثر إحسانًا فإن إساءتك إليه تكون أعظم من غيره، الذي يحسن إليك ويعطيك ويربيك، ثم تسيء إليه أعظم مما لو أسأت إلى أحد لم يكن منه ذلك.
({إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} فرجع إليه وأسلم) من اللي رجع؟ الابن، وعلى كل حال ما نعرف عاد هل إن هذه المسألة كما قال المؤلف أن الابن كان مشركًا، فلما وعظه أبوه رجع فأسلم، أو أنه -أي الابن- خاف عليه أبوه من الشرك فنهاه عنه، وبيَّن له أن الشرك لظلم عظيم، ولا يلزم من النهي عن الشرك أن يكون الإنسان قد أشرك؛ لأنه قد يُنهى عن الشيء خوفًا من وقوعه، لا رفعًا لما وقع منه، وهذا أمر موجود مطرد في القرآن، وفي السنة، وفي كلام الناس، تقول للرجل مثلًا: لا تصاحِب الأشرار، هل يلزم من هذا النهي أن يكون مصاحبًا لهم؟ ما يلزم، قد يكون نهيًا لما يُخاف أن يحصل منه، فكلمة لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِليست صريحة في أن الابن قد وقع في الشرك حتى يقال: إنه رجع وأسلم، بل قد يكون أبوه نهاه عن الشرك خوفًا من أن يقع فيه، والعِلم عند الله.
ثم قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ [لقمان: ١٤] هذه الجملة ليست من كلام لقمان، بل هي من كلام الله عز وجل، فهي معترضة بين كلام لقمان الأول، (...) عز وجل دائمًا يقرن حق الوالدين بحقه وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: ٢٣]، قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام: ١٥١].
({وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} [لقمان: ١٤] أمرناه أن يبرهما) أمرناه، ففسر المؤلف الوصية بالأمر، ولكنها أخص من الأمر المطلق، الوصية عهد بما ينبغي الاعتناء به ليست مجرد أمر بل هي عهد بما ينبغي الاعتناء به، (...) في الغذاء؛ ولهذا تحتاج المرأة الحامل إلى غذاء أكثر، ومن ثم أباح الشرع لها أن تفطر في رمضان؛ من أجل ألا ينقص الغذاء عليها فتتعب هي ويتضرر الجنين، وهذه من حكمة الله عز وجل، كذلك أيضًا يلحقها وهن عند الطلق، أو لا؟ الطلق يُؤلِم ويُوجِع، ليس بالأمر الهيِّن؛ لأن الطلق -بإذن الله- يأتي من أجل أن ينقلب الجنين حتى يستعد للخروج، الجنين الآن في بطن أمه؛ وضعه أن رأسه إلى جهة رأس الأم ووجهه إلى جهة ظهر الأم، وظهره إلى جهة بطنها، فهو معاكس لأمه في الاستقبال، وهذه من الحكمة؛ لأنه إذا كان وجهه إلى الظهر صار الظهر حاميًا له؛ لأنه عظام يحمي وجه الجنين، لو كان وجه الجنين إلى وجه أمه كان ما هناك شيء يحميه، وكان أدنى -مثلًا- ضربة أو شيء تصيب وجهه، لكن من حكمة الله عز وجل أنه جعله هكذا، ولذلك قال العلماء: لو ماتت امرأة كافرة كتابية حامل بولد من مسلم، كيف تُدفن؟
طالب: يجعل ظهرها إلى القبلة.
الشيخ: تدفن على جنبها الأيمن وظهرها إلى القبلة.
الطالب: الأيمن ولَّا الأيسر؟ ما يصير على الأيسر؟
الشيخ: لا، الأيمن، مو بالأيمن؟
الطالب: يصير الأيسر؟
طالب آخر: (...).
الشيخ: إي نعم، على جنبها الأيسر، إن أمكن أن تُدْفن وحدها، لا في مقابر المسلمين ولا في مقابر الكفار فهو أولى، فإن تعذر فإنها تُدفن في مقابر المسلمين على جنبها الأيسر ليكون الولد على الجنب الأيمن مستقبل القبلة.
طيب الطلق يحصل عند انقلاب هذا الولد، هذا الولد سينقلب عند الوضع لأجل أن يكون رأسه هو الأسبق حتى يخرج، أول ما يخرج من الجنين هو الرأس، تتألم من هذا الطلق بلا شك، ثم عند الولادة أيضًا تتألم ولَّا لا؟ نعم، تتألم ويلحقها ضعف، وربما يلحقها إغماء وتعب، وربما تموت، فالله تعالى يُذكِّر الإنسان حال الأم في هذه الأحوال التي كلها أحوال ضعْف على ضعْف.
طالب: بعضهم يقول: ينقلب في الشهر السابع..
الشيخ: لا، المعروف أنه ينقلب عند الولادة وأن هذا الطلق منه.
قال: ({حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان: ١٤] أي ضعفت للحمل، وضعفت للطلق، وضعفت للولادة. {وَفِصَالُهُ} [لقمان: ١٤] أي فطامه {فِي عَامَيْنِ})
وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنيقول المؤلف: (فطامه) لكن مضافًا إليها مدة الحمل أو لا؟ مضافًا إليها مدة الحمل ولا مخرج منها مدة الحمل؟
الطالب: مخرج.
الشيخ: مخرج منها مدة الحمل؛ لأن الله قال في آية أخرى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: ١٥]، فإذا أسقطنا أقل مدة الحمل ستة أشهر بقي أربعة وعشرون شهرًا وهي عامان.
طالب: وَهْنًا عَلَى وَهْنٍالمراد بـ على (...).
الشيخ: الاستعلاء يعني: وهنًا مضافًا على وهن، مثلما تقول مثلًا: وضعت كيسًا على كيس ولبنةً على لبنة وما أشبه ذلك.
الطالب: والوهن (...) وهن قديم، ولا وهن حديث (...) بسبب الحمل ضعف..
الشيخ: كله بسبب الحمل، قال: بس ها ذاك عند نشئه، والثاني عند الطلق، والثالث عند الولادة.
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن [لقمان: ١٤] (وقلنا له: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: ١٤]) (فصاله في عامين) يعني أنه لا ينفصل من أمه إلا بعد عامين فيضاف إلى الحمل مدة الفصال، مدة الفصال فيها تعب ولَّا لا ؟ فيها تعب لا شك، تُرضِعه، وتسهر لسهره، ويتألم قلبها لألمه، وتُصلح شأنه من تنظيفه، وتنظيف ثيابه، وحمله عند البكاء وغير ذلك، إذن فهي في تعب من حين يُحمل إلى أن يُفصل بعد ولادته في عامين، ولم يذكر الله سبحانه وتعالى في حق الأب شيئًا فما تقولون؟ ليبين.
لأن الأب في الغالب يُتَّقى ويخشى، فلا حاجة إلى أن يُبيَّن ما يناله من ابنه حتى يكون حافزًا للابن على القيام بحقه، لكن الأم لما كانت ضعيفة وربما يتهاون الإنسان بحقها ذكر الله سبحانه وتعالى من أحوالها ما يكون سببًا لقيام الابن بواجبه، وهذا ترونه كثيرًا في القرآن، الشيء الذي يُخشى فيه التهاون يؤكد، مثال ذلك الوصية والدين في التركة أيهما يُقدَّم؟ يُقدَّم الدَّيْن على الوصية بالإجماع، ومع ذلك ذكر الله تعالى الوصية في آيات المواريث قبل الدَّيْن، قدَّمها في الذكر على الدَّيْن، لماذا؟ لأن الوصية حق قد يتهاون به الورثة، والدين لو تهاون به الورثة فوراءه.
طالب: من يُطالب به.
الشيخ: من يطالب به، صاحبه، فالله عز وجل قد يدعم الأشياء التي يخشى فيها التهاون بأوصاف تحمل على القيام بما ينبغي أن يقوم به، فهنا لما كانت الأم ضعيفة، وكان الإنسان قد يَعتدي عليها وعلى حقها أكثر ذكر الله تعالى من أسباب بِرِّها الموجِبة ما لم يذكره في حق الأب، وأظننا كلنا نعلم أن الابن دائمًا يعتدي على أمه بالسب والشتم، وربما بالضرب، لكن على أبيه ما يستطيع، ولا يعتدي عليه كمثل اعتدائه على أمه، وإذا لم يقم بحقه فإن أباه يفرض ذلك عليه، فلهذا ذكر الله تعالى هذه الصفات في الأم؛ ليكون حثًّا لنا على القيام بحقها (...).
***
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [لقمان: ١٠].يستفاد منها: إثبات خلق الله للسماوات، ويتفرع على هذه الفائدة إبطال قول الفلاسفة بقِدم الأفلاك، الفلاسفة يقولون: إن الأفلاك قديمة، وأنها لا تتغير؛ لأن القديم عندهم الذي لا ابتداء له، وما لا ابتداء له لا انتهاء له، فيكون في هذا إبطال لقول الفلاسفة: إن الأفلاك قديمة، وأنها لا تتغير، ومن ثم أنكروا إنكارًا شديدًا انشقاق القمر، وقالوا: القمر ما يمكن ينشق؛ لأنه من الأفلاك، وإنما معنى قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] أي بان صدق الرسالة، وأنكروا الأحاديث الواردة في ذلك والتي تلقتها الأمة بالقبول.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل في خلق هذه السماوات العظيمة وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧].
ويستفاد منها: بيان القدرة من وجه آخر، وهي أن هذه السماوات العظيمة والسقف الواسع بغير عمد؛ لقوله: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [لقمان: ١٠]، وأظننا لو رأينا بناءً واسعًا ما فيه أعمدة لكنا نتعجب من هذا البناء كيف هذا البناء الواسع ما فيه عمد مع أن بناء السماء أوسع وأعظم ومع ذلك بغير عمد؟
ومن فوائد الآية الكريمة: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيبيان حكمة الله ورحمته في إلقاء الرواسي، كذا؟ و(رحمته) لئلا تميد بالخلق.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الأرض تدور.
طالب: لا.
الشيخ: طيب، نشوف الآن نحط المعدن على النار ونصهره ونشوف الزيف من الحقيقي.
يستفاد من الآية: أن الأرض تدور، كيف ذلك؟ يقولون: لأن قوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [لقمان: ١٠] يدل على وجود أصل الحركة؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، ألم تروا إلى قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] حيث كان دليلًا على وجود أصل الرؤية أو لا؟ قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] مو هو دليل على أن الرؤية موجودة؟
ولهذا الآية استدل بها أهل السنة على إثبات رؤية الله، وأهل البدعة على نفي رؤية الله، ولكن الصواب مع أهل السنة؛ لأن نفي الأخص يقتضي وجود الأعم؛ إذ ليس من المعقول أن يُنفى الأخص مع انتفاء الأعم، ثم لا يتطرق له، لو كان الأعم منتفيًا لوجب أن يُنفى الأعم لأجل يدخل فيه الأخص، لو كان الله لا يُرى لقال عز وجل: لا تراه الأبصار. حتى تنتفي الرؤية، وينتفي الإدراك من باب أولى، أليس كذلك؟ فلما قال: لَا تُدْرِكُهُعُلِم أن أصل الرؤية موجود لكنه لا يُدرك سبحانه وتعالى.
هنا لما قال: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ-والْمَيدان الاضطراب- عُلِم أن أصل الحركة موجودة، لكن هذه الرواسي لأجل اتزان الحركة حتى لا تضطرب، هذا هو تقدير من يرى أن في الآية دليلًا على أن الأرض تدور، أما الذين يقولون: فيه دليل على أن الأرض لا تدور فيقولون: إننا لا نُسلِّم أن الْمَيَدَان بمعنى الاضطراب بل نقول: إن الميَدَان هو الحركة أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ [لقمان: ١٠] أن ترسو ولا تتحرك، فيفسرون الميدان بأصل أو بمطلق الحركة، وإذا كان الأمر كذلك فإن الواجب أن نرجع إلى اللغة العربية، فإذا كانت اللغة العربية تدل على أن الميدان هو الاضطراب، فنحن نقول: إن فيها دليلًا على وجود أصل الحركة، وإذا كانت اللغة العربية تقول: إن الميدان هي الحركة فإننا نقول: فيه دليل على أنها لا تدور.
ونحن إذا قلنا: إنها تدور، لا ينقص الله شيئًا، بل هو في الواقع زيادة في قدرته سبحانه وتعالى حيث تدور هذه الأرض بجميع ما فيها من بحار وأنهار وأشجار ومدر وحجر، وكل شيء، تدور ومع ذلك بهذا الاتزان البديع الذي لا يتغير، هذا دليل على قدرة الله عز وجل، كما أن سكونها وهي على الماء دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى، لكن الشيء الذي يجب أن يُنكر حتى يتبين لنا كالشمس هو القول بأن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض، هذا لا نُسلِّم به، بل نقول: إن الليل والنهار بسبب دوران الشمس على الأرض؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن، ولا يمكن أن نتزحزح عنه إلا بدليل نشوفه مثل الشمس، فإن الله عز وجل أثبت الفعل للشمس: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ [الكهف: ١٧] ولم يقل: إذا طلع الكهف عليها يتزاور، وأثبت تَزَاوَرُ، ولو كانت الحركة للأرض لكانت الأرض هي التي تزاور.
وَإِذَا غَرَبَتْ [الكهف: ١٧] هذا الفعل الثالث، ولو كان الأرض هي اللي تدور التي يكون بدورانها اختلاف الليل والنهار لقال: وإذا غربت الأرض، أو خفي جزء الأرض، أو ما أشبه ذلك. و(تقرضهم) نفس الشيء فعل، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر لما قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟» . لما غربت الشمس. فأخبر أنها تذهب هي بنفسها، فالصواب -بلا شك- هو هذا إلا إذا ظهر لنا دليل مثل الشمس فإنه يمكن أن تؤول هذه الآيات إلى أن المعنى غربت وطلعت باعتبار رؤية الرائي، وإن كان الرائي هو اللي طالع، أنت تسير في سيارة، وفي سيرك طلع عليك مثلًا ناقة تقول: طلعت عليَّ ولَّا لا؟ بينما أسير إذ طلع عليَّ ناقة ما هي (...)، تقول: طلعت عليَّ مع أنك أنت اللي طلع عليها، هذا ممكن لغةً، لكن ما دمنا لم نتيقن هذا الأمر، وإنما هي نظريات من قوم لا يؤمنون بالقرآن ولا بالشرائع، فإننا لا نقبل ذلك منهم بل نأخذ بظاهر كلام الله عز وجل.
فإن قال قائل: إن قولكم هذا يناقض قولكم بإمكان دوران الأرض؟ لأنه إذا أمكن دوران الأرض لزم أن يكون تعاقب الليل والنهار بسبب دورانها.
فنقول: إن هذا لا يلزمنا؛ لأنه من الممكن أن يدور هذا وهذا، وتكون حركة الشمس ودورانها أسرع، وإذا كان أسرع لزم من ذلك أن تطوف بالأرض ولو مع دوران الأرض؛ يعني ممكن تكون الأرض تدور قليلًا، وهذه تكون أكثر فيمكنها أن تلف على الأرض.
فالحاصل أن هذه المسائل لا شك أن الواجب على المؤمن أن يأخذ بظاهر القرآن والسنة، هذا الواجب، في الأمور الغيبية، وفي الأمور التي لا يمكنه إدراكها حسًّا، ثم إذا تبين له بعد ذلك بالحس أن ظاهر القرآن غير مراد فإننا يجوز لنا، بل يجب علينا أن نؤول ظاهر القرآن، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يتعارض القرآن مع الواقع، مستحيل هذا، ولو أننا جوَّزنا ذلك عقلًا للزم أن يكون في القرآن ما هو كذب؛ لأن الكذب هو خلاف الواقع، وهذا أمر مستحيل.
ولذلك يجب علينا -يا إخواننا- أمام هذه النظريات أن نجعلها كأحاديث بني إسرائيل ما وافق القرآن فهو حق وأخذنا به، ولكننا لا نأخذ به على أنه هو الذي أثبته بل على أن القرآن هو الذي أثبته، وإنما نقول ذلك لئلا يكون لهم الفضل علينا.
ثانيًا: ما خالف القرآن وجب علينا رده.
الثالث: ما لا نعلم موافقته للقرآن ولا مخالفته، فهذا العقل والشرع يقتضي أن نتوقف ونقول: إننا لا نصدق ولا نكذب، وحينئذٍ يحتاج الإنسان طالب العلم إلى أن يتعمق ويتأمل وينظر نظرًا عميقًا جدًّا في نصوص الكتاب والسنة حتى لا يحكم بأن الواقع يخالفها فيكون في ذلك رد فعل لمن لا يؤمنون بالإسلام؛ يعني مثلًا لو أن أحدًا أنكر مثل هذه النظريات بدون تأمل في دلالة الكتاب والسنة، أنكرها على طول كما يفعل من بعض العامة فهذا -في الحقيقة- ليس من خدمة الإسلام، هذا أخذ الإنسان خنجرًا بيده، وطعن به صدره وهو لا يشعر، فالواجب تجاه هذه الأمور -مثلما قلت لكم- أن نعرضها على الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة فهو حق؛ لكونه وافق الكتاب والسنة، وما خالفهما فهو باطل، وما لا تُعْلم موافقته ولا مخالفته فالواجب فيه التوقُّف، وأن يقول الإنسان: إن تبين لي بحسب إدراكي أنا، وإن كان علمي قاصرًا في هذه العلوم فأنا أصدق به، إذا لم يظهر لي فأنا لست ملزمًا بأن أصدق أو أكذب، أقف من هذا موقف المحايد، وهذا هو العقل وهو الشرع.
طالب: يا شيخ، هذه النظرية هذه تخالف القرآن.
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: لأن يقولون: الشمس ثابتة، والأرض هي اللي تدور عليها.
الشيخ: إحنا ما قلنا: مسألة الشمس ثابتة أبطلناها قلنا: هذا ما يجوز.
الطالب: طيب هذه نظرية؟
الشيخ: هذه نبطلها، مع أنهم يقولون: إن الشمس ما هي بثابتة.
الطالب: كيف؟
الشيخ: إنها تدور في الأوج العالي تسير سيرًا عظيمًا، قرأت كتيبًا صغيرًا اسمه علم الفلك القديم يقول: تنطلق في الثانية ما أدري والله آلاف الملايين الأميال في الثانية، إي بس هذا..
الطالب: (...).
الشيخ: ما ندري..
الطالب: أحيانًا يقولون: ثابتة، وأحيانًا يقولون..
الشيخ: والله أنا ما رأيت أن أحدًا يقول: ثابتة.
الطالب: الميدان الفرق (...).
الشيخ: اللي يظهر لي من لفظه، وأنا ما راجعت في الحقيقة كتب اللغة، لكن اللي يظهر من لفظه إن (ماد، يميد) بمعنى اضطرب، تحرك باضطراب، وعلى كل حال الآن هذه نضعها بين أيديكم لمراجعة ما يمكن من كتب اللغة، وإن شاء الله تأتونا بالنتيجة بعد.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل في نشر هذه الدواب في الأرض؛ لقوله: وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [البقرة: ١٦٤] أي: نشر، وجه دلالتها على القدرة اختلاف هذه الدواب في أجناسها وأنواعها وأشكالها وأحوالها ولَّا لا؟ وقد سبق لنا بيان بعض الحكم في خلق ما هو ضار منها، وذكرنا أظن كم حكمة؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: لا، إما ستة أو سبعة، ذكرنا عدة حكم في خلق هذا الضار.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله أيضًا وحكمته ورحمته في إنزال الماء من السماء، القدرة أننا نجد هذا الماء ينزل من فوق، فمعنى ذلك أن بحارًا عظيمة تطوف بالأرض بين السماء والأرض، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ [النور: ٤٣] سبحان الله، جبال بين السماء والأرض من البرد، ينطلق منها هذه الأجزاء حتى ينزل على الأرض، ولو شاء الله تعالى لأنزل الجبل جميعًا على الأرض.
قلنا فيها أيضًا: دليل على الرحمة حيث كان نزوله من العلو لأجل يشمل المرتفع والمنخفض.
وفيه أيضًا: دليل على الرحمة أن هذا الماء لنا فيه فائدتان عظيمتان: إنبات ما ينبت منه، والثاني: خزنه في الأرض. وفَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِين [الحجر: ٢٢]، وقال تعالى في آية أخرى: فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٢١]، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة: ٦٨، ٦٩] ففيه إذن مادة حياة الإنسان في طعامه وفي شرابه.
طالب: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون: ١٨].
الشيخ: نعم.
ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب؛ لقوله: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا [لقمان: ١٠] من أين نأخذ إثبات الأسباب؟ من فاء السببية فَأَنْبَتْنَا، وإثبات الأسباب من حكمة الله عز وجل فالمنكِر للأسباب طاعن في حكمة الله لا شك؛ لأن الله حكيم جل وعلا.





