تفسير سورة لقمان - 4
عدد الزيارات 3492

ثم قال تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [لقمان: ١٩].
يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يكون مشيه قصدًا لا إسراعًا مخلًّا ولا دبيبًا متباطئًا؛ فالإسراع اللي فيه التهور والعجلة والطيش مذموم، والتباطؤ والدبيب أيضًا مذموم، فيستفاد منه: أنه ينبغي أن يكون الإنسان في مشيه قصدًا بين الإسراع والتباطؤ.
ومن فوائدها أيضًا: أن يقال: إذا كان هذا في المشي الحسي فليكن كذلك في المشي المعنوي من الآداب والأخلاق لا ينبغي للإنسان أن يسرع سرعة مخلة ولا أن يتباطأ تباطؤًا مُفَوِّتًا للمقصود، أما الإسراع إلى الخير فقد أمر الله به ولكنه لا يتجاوز الحد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلَا تُسْرِعُوا» .
ويستفاد من الآية أيضًا -من الآية الكريمة-: أنه ينبغي للإنسان أن يَغُضَّ من صوته؛ لقوله: وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ، وذكرنا أمس أنه يشمل الكمية والكيفية، فإنه في بعض الأحيان ينبغي رفع الصوت كما في الأذان والخطبة وما أشبهها.
ويُستفاد من الآية الكريمة: أن رفع الصوت في غير محله محرم؛ لقوله: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: ١٩] فإن هذا التشبيه يقتضي التنفير منه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: ذمُّ أصوات الحمير؛ لقوله: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: ١٩]. وهل يؤخذ منها أن للجار أن يُطالِبَ جاره إذا كان عنده حمار نهَّاق ببيعه وإزالته ولَّا لا؟ إي نعم، له أن يطالب بذلك إذا كان نهيقه غير معتاد؛ لأن بعض الحمير كثير النهيق، فعلى هذا له أن يطالب، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله: إن له أن يمنعه من الرحى التي يطحن بها دائمًا، وكذلك من تغسيل الثياب وبثِّها دائمًا، كل ما يؤذي الجار فلجاره أن يمنعه منه، فإذا كان الله قد وصف النهيق بأنه أنكر الأصوات فإنه له أن يطالب فيقول: بع هذا الحمار وإلا اجعله في محل آخر حتى لا أتأذى به.
طالب: شيخ، آلات اللهو هذه أعظم من النهيق.
الشيخ: نعم، له أن يطالب جاره بهذا؛ يعني: لو أنه صار يرفع أصوات المزامير -والعياذ بالله- والغناء فله الحق أن يطالب حتى وإن لم تزعجه؛ لأن هذا منكر، لكن لو كان له جار يصعد إلى السطح في أيام الصيف وعنده مسجل فيه أشرطة من القرآن ثم يفتحها برفع صوت فلجاره أن يطالب بالمنع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم (...) لو قال: كيف؟! (...) القرآن، نقول: لا، ما أمنعك، نقول: استمع، لكن اخفض الصوت، هذا يؤذيني، وليس يؤذيني لأني أكره القرآن، لكن أريد النوم وأولادي يريدون النوم وأهلي يريدون النوم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» فله أن يمنع مع أن هذه عند العامة أمرها كبير؛ يعني: لو أحد طلب منع جاره من ألا يرفع صوته بقراءة القرآن لحَمَل الناس عليه راية الاستنكار، ولكن لا يهم، العامة ما يهم، إنكارهم أو إقرارهم ليس له أصل، (...).
طالب: طيب، إذا احتاج إلى (...).
الشيخ: ما فيه بأس، بل قد يجب أحيانًا كما لو احتاج إلى إنقاذ نفسه أو إنقاذ غيره من الهلكة فكل مقام له مقال، المقصود هذا في المشي العادي.
الطالب: يعني: مثل أن يبغي أن يروح..
الشيخ: المهم إذا احتاجه لا بأس به، ما فيه مانع.
الطالب: أقول: يبغي يروح الشغل هو من عادته كل يوم مستعجل، له أن يمشي كل يوم كذا ولا؟
الشيخ: الأولى أنه يرتب وقته حتى يخرج إلى شغله بالمشي المعتاد، لكن لو فُرِضَ أنه تأخر في يوم من الأيام فله أن يفعل.
ثم قال تعالى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [لقمان: ٢٠]
في هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده بهذه النعم.
ومن فوائدها: أن الله جل وعلا يحب أن يتمدح بما أعطى أو بما أسدى إلى عباده من النعم؛ لقوله: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ [لقمان: ٢٠].
ومنها: أن الله تعالى سخَّر لنا ما في السماوات وما في الأرض، وهو ظاهر وقد قال الله تعالى في آية أخرى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣].
ومنه: جواز استخدام ما في هذا الكون -السماوات والأرض- لمصالحنا؛ لأنه مُسَخَّر لنا فإذا كان مسخرًا لنا فلنا أن ننتفع به فيما أحل الله لنا.
فلو قال قائل مثلًا: هل لنا أن ننقب عن المعادن الجارية والجامدة؟ نقول: نعم.
هل لنا أن نحاول الصعود إلى الكواكب والنجوم لنرى ما فيها من الآيات وكيف سُخِّرَت لنا؟
الجواب: نعم، ولكن على كل حال إذا كان هذا يُكَلِّف نفقات باهظة أكثر مما نستفيد منه فإن الحكمة تقتضي ألا نفعل؛ لأن الآن هذه المحاولات يكون فيها من نفاد الأموال شيء كثير فإذا قُدِّر أن ما فيها من نفاد الأموال أكثر بأضعاف وأضعاف مما نستفيد منها فإن العقل يقتضي ألا نفعل؛ لأن هذا من السفه والتبذير، والإنسان العاقل لا يبذل المال إلا وهو يرى أنه ينتفع بأكثر مما بذل، أليس كذلك؟ لو فُرِض أنك بذلت مالًا قدرُه ألف ريال لتحصل على منفعة تساوي أَلْفَيْ ريال محمودٌ هذا ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، بالعكس بذلت مالًا يبلغ ألف ريال لتحصيل منفعة بقدر ألف ريال، هذا مذموم؛ لأنك الآن أضعت ألف ريال بدون فائدة فيكون هذا من إضاعة المال والإسراف.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن نعم الله عز وجل وافرة؛ يعني: كثيرة كاملة؛ لقوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ [لقمان: ٢٠].
ومن فوائدها: أن نِعَم الله عز وجل نوعان: ظاهرة وباطنة، سواء فسرنا الظاهرة بالأمور المحسوسة، والباطنة بالأمور المعنوية، أو فسَّرناها بالظاهرة لكل أحد، والباطنة ما لا يعرفها إلا صاحبها، أو فسرنا الظاهرة بما هو أعم يعم جميع الناس كالمطر والخصب، والباطنة بما هو دون ذلك، على كل حال النعم وافرة وسابغة من كل وجه.
ويستفاد من الآيات السابقة من وصايا لقمان؛ يستفاد منها: ما أعطاه الله تعالى من الحِكَم؛ فإن كل ما أوصى به ابنه كله حِكَم موافقٌ للعقل، والشرع أيضًا يؤيده ولَّا لا؟ يؤيده.
ويستفاد منها أيضًا: أن الله عز وجل إذا قصَّ علينا نبأ أحد فإن كان ذلك خيرًا فإنه يريد منا أن نفعله، وإن كان غير ذلك فإنه يريد منا أن نتجنبه؛ لمَّا قص علينا قصة قارون: إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٦ - ٧٨] قصَّ ذلك علينا لنحذر ونخاف ولأجل ألا نسكت على من رأيناه يبدل ويفسد في الأرض، وهنا قصَّ علينا قصة لقمان من أجل أن نعتبر بهذه الحكم وأن نقتدي به في نصيحة أبنائنا وأهلنا.

***

ثم قال عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ [لقمان: ٢٠].
مِنَ النَّاسِهذه مِنَللتبعيض، وقد اختلف المعربون في (مِن) التبعيضية هل هي اسم؟ يعني بمعنى: بعض، أو أنها حرف دال على هذا المعنى؟
وعلى هذا الاختلاف ينبني الاختلاف في الإعراب؛ فإذا قلنا: (مِن) اسم بمعنى: بعض فإننا نقول: (مِن) مبتدأ ومَنْ يُجَادِلُخبره، وإذا قلنا: إنها حرف فإننا نقول: (مِن) حرف جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومَنْ يُجَادِلُمبتدأ مؤخر.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ.
وَمِنَ النَّاسِقال المؤلف: (أي: أهل مكة) بناء على قاعدته -رحمه الله- أن كل السور المكية يحمل فيها العموم في مثل هذا السياق على مَنْ؟ على الخصوص؛ وهم أهل مكة.
والصواب أن ذلك عامٌّ؛ يعني: مِنَ النَّاسِمن أهل مكة وغيرهم.
مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍالمجادلة مأخوذة من الجَدْل وهو فَتْل الحبل لإحكامه؛ ومنه ما يسمى الجَدَايل -جدايل المرأة- أي: فَتْل رَأْسِها وإحكامه، هذا معناها في اللغة.
لكنها في الاصطلاح؛ المجادلة هي الممانعة؛ بمعنى أن كل واحد من المتناظرين يُحْكِم الحجة من أجل إفحام خَصْمِه، فهي إذن إحكام الحجة لإفحام الخصم، هذه المجادلة؛ إحكام الحجة لإفحام الخصم وتعجيزه.
والمجادلة إن كانت بعلم وحكمة فهي ممدوحة بلا شك، وقد تكون واجبة أحيانًا كما في قوله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]، وإن كانت بغير علم فإنها مذمومة كمن يجادل في إيراد الحجج والعلل الواقعة لإفحام خصمه ونصر قوله ولو بالباطل فهذا من المنكرات المحرمة؛ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ [غافر: ٥].
مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِيقول: (أي أهل مكة).
مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِفِي اللَّهِهل المراد في ذاته سبحانه وتعالى، أو المراد في ربوبيته، أو ألوهيته ، أو أسمائه وصفاته ، أو أحكامه وأفعاله؟
الجواب: تشمل كل هذا؛ فمِنَ الناس مَنْ يجادل في ذات الله فينكر وجود الله أصلًا، ويجادل في ذاته، ومن الناس من يُجادِل في وحدانيته يُقِرُّ به، لكن ينكر الوحدانية، ومن الناس مَنْ يجادل في ألوهيته؛ أي في تفرده بالألوهية، ومن الناس من يجادل في أسمائه وصفاته.
وأكثر ما وقع فيه الجدل بين المسلمين في باب الأسماء والصفات، بين المسلمين ما هو بين المسلمين والكافرين، لكن المسلمون الذين ينتسبون إلى الإسلام ويُسَمَّوْن أهل القبلة، هؤلاء كثُر الجدل بينهم في باب أسماء الله وصفاته.
كذلك من الناس من يجادل في أحكام الله، وما أكثر المجادلين في أحكام الله، تجده يجادل؛ تقول: هذا الشيء حرام. ثم يأتي ويجادلك: ويش اللي يحرمه؟ ويش الفرق بينه وبين كذا؟ وهات الدليل، وهذا الدليل منقوض، وهذا التعليل باطل وهكذا بغير علم، أما إذا كان بعلم فليس فيه ذم، لكن بغير علم.
كذلك من الناس مَنْ يجادل في أفعال الله -والعياذ بالله- فيقول: لماذا أنعم الله على هؤلاء الكافرين بالنعم الكثيرة ومن المسلمين من هو في جهد شديد ومرض وفقر وجهل وما أشبه ذلك؟ هذا يجادل في أفعال الله.
كذلك يجادل في أفعال الله في مسألة القدر؛ فيقول مثلًا: إما أن يكون الله قد قدَّر على الإنسان عملَه أو لا، فإن كان قدَّر عليه عمله فكيف يعاقبه؟ وإن لم يُقَدِّر عليه عمله فمعنى ذلك أن الإنسان مستقل به فيكون منفردًا في الحوادث ومشاركًا لله فيها، وما أشبه هذا من الجدل الذي يكون بغير علم؛ ولهذا ينبغي للإنسان في مسائل الشرع وفي مسائل القدر أن يستسلم لما يدل عليه الكتاب والسنة وألا يجادل؛ لأنه إن فتح على نفسه باب الجدل ما يستقر له قدم أبدًا؛ ولهذا قال ابن حجر رحمه الله: إن المسائل العقلية ما لها دخل في الأمور الخبرية؛ لأننا لو أردنا أن نحيل هذه الأمور على العقل فإن العقل قد يجوز ما كان ممتنعًا شرعًا غاية الامتناع، كما أنه قد يمنع ما هو جائز، والمراد بالعقل ما ادعى صاحبه أنه عقل، أما العقل الصحيح الصريح فإنه لا بد أن يوافق النقل الصحيح، وإذا شئتم أن يتبين لكم هذا فاقرؤوا كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية -إن أطقتموه- المسمَّى بكتاب العقل والنقل، أو: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.
فالمهم أن الجدل بابُه واسع، والكلام هنا في المجادلة المذمومة وهي المجادلة بغير علم.
إذن فِي اللَّهِفي ذاته، أيش بعد؟ ربوبيته، ألوهيته، أسمائه وصفاته، أحكامه، أفعاله.
بِغَيْرِ عِلْمٍيعني: ما عنده علم ذاتي ولكنه مكابرة ومعاندة.
({وَلَا هُدًى} من رسول) يعني: ولا عنده اقتداء بغيره، فهو ليس عنده علم في نفسه يهتدي به، وليس عنده علم من غيره يهتدي به، وَلَا هُدًى.
({وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} أنزله الله تعالى، بل بالتقليد) هو ما عنده علم ولا اهتداء بهدي رسول ولا كتاب أنزله الله فيهتدي به، إذن لماذا يجادل؟ يجادل بالباطل.
وقال المؤلف: (بالتقليد)؛ لقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُهذا الذي أوجب للمؤلف أن يقول: (بل بالتقليد)؛ لأنه قال لقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُقِيلَ لَهُمُقِيلَ: هذه مبني للمجهول، فمن القائل؟ الله، الرسول، المؤمنون، كل هذا يمكن أن يكون، قال الله تعالى: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف: ٣]، والنبي عليه الصلاة والسلام يحث الأمة على اتباعه، والمؤمنون كذلك يدعون الناس إلى اتباع ما أنزل الله، فيكون هنا حذف الفاعل لإرادة العموم.
إِذَا قِيلَكذا؟ هذا أعمُّ مما لو قال: وإذا قال الله لهم، أو وإذا قال لهم الرسول، أو وإذا قال المؤمنون، فقوله: إِذَا قِيلَيكون أشمل.
اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُمَا أَنْزَلَ اللَّهُمَامفعول اتَّبِعُواوأَنْزَلَ اللَّهُما المراد به؟ القرآن لا شك؛ لأن الله أنزله. السنة؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، كيف؟! وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣]، قال العلماء: الحكمة هي السنة.
إذن: مَا أَنْزَلَ اللَّهُمن القرآن ومن السنة؛ لأن السنة وَحْيٌ إن كان الله أوحاها إلى رسوله، وإلَّا فإقراره سبحانه إياها بمنزلة الوحي؛ ولهذا قال العلماء: إن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة قوله.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُبَلْللإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي؛ يعني: بل لا نتبع ما أنزل الله، وإنما نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاهذا معارضة حق بباطل؛ لأنهم الآن عدلوا عما أنزل الله عز وجل إلى الآراء فقط والأهواء.
مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاولو كان شركًا؟ ولو كان شركًا. طيب ولو كان طاعة؟ نقول: نعم، هم يقولون: ولو كان طاعة، فيكون اتباعهم لما عليه آباؤهم لا لأنه شرع، ولكن لأن عليه آباءهم، وحينئذ فلا يكون اتباعهم -اتباع آبائهم في هذا الحال- اتباعًا للشرع ولا اتباعًا محمودًا.
وعلى هذا فنقول فيمن دُعِي إلى الكتاب والسنة، وقال: أنا أريد أن أتبع فلانًا الإمام الفلاني أو العالم الفلاني مع بيان السنة ووضوحها يكون مشابهًا لهؤلاء المشركين؟ نعم يكون مشابهًا لهم.
قال الله عز وجل: أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان: ٢١] أَوَلَوْ كَانَهذا استفهام يتلوه حرف عطف، وقد تقدم لنا مرارًا وتكرارًا بأن حرف العطف إذا وَلِي الاستفهام ففي إعرابه قولان:
أحدهما: أن همزة الاستفهام دخلت على محذوفٍ عُطف عليه ما بعد حرف العطف، ويُقَدَّر هذا المحذوف بحسب السياق، وعلى هذا فهمزة الاستفهام في مكانها، والمستفهم عنه -يعني: مدخول الاستفهام- محذوف.
والقول الثاني: أن الواو حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، ومحل الهمزة بعد حرف العطف.
وقلنا: إن هذا أهون من الأول، الأول أبلغ في التقعيد، وهذا أسهل، ووجه سهولته أن الأول قد يخفى على الإنسان ماذا يُقَدِّره، وربما يصعب أحيانًا تقدير شيء مناسب، وأما هذه فلا تحتاج لشيء؛ تقول: معطوفة على ما سبق.
أما المؤلف فمشى على أي القولين؟ ({أَ} يتبعونهم {وَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ}؟) على الأول، أن حرف الاستفهام دخل على شيء محذوف، وأن حرف العطف عاطف على ذلك الشيء المحذوف.
أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ(أي: موجباته. لا).
يقول الله عز وجل: أيتبعون آباءهم دون ما أنزل الله حتى في هذه الحال وهو: أن الشيطان يدعوهم، يدعو الآباء ولَّا يدعو هؤلاء؟ أظنها تشمل هؤلاء والآباء.
إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِيعني: إلى ما يوجب عذاب السعير من أعمال الشرك والكفر وغيرها، الاستفهام ظاهر كلام المؤلف أنه للإنكار والنفي؛ لقوله: (لا)، ولكنه للنفي فيه إشكال؛ لأنهم لا شك أنهم متبعوه، أما للإنكار فنعم؛ يكون الله عز وجل أنكر عليهم أن يتبعوا آباءهم والشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير.
وقوله: عَذَابِ السَّعِيرِهو عذاب النار، وأضيف إلى (...).
قوله: ({إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} موحد {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}).
(مَنْ) هذه شرطية جوابها قوله: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ، وقُرِنَ الجواب بالفاء؛ لأنه اقترن بـ(قد)، والجواب يقترن بالفاء إذا كان أحد أمور ستة:
اسْمِـيَّـــةٌ طَلَبِيَّـــةٌ وَبِجَـــامِــدٍ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ) وَبِالتَّنْفِيسِ

سبعة، وهذا اقترن في جوابٍ بـ(قد) فوجب أن يقرن بالفاء.
وقوله: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِيعني معناه: ينقاد له تمام الانقياد بحيث يسلمه إليه، وهذا غاية ما يكون من التذلل والتوكل.
يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِولم يقل: (لله)؛ لأن قوله: إِلَى اللَّهِأبلغ؛ كأنه أعطاه لله عز وجل وبلغ غايته في الوصول إلى الله.
وقوله: وَجْهَهُالمراد وجهه؛ يعني: وجه قلبه أو وجه بدنه؟ المراد وجه قلبه؛ يعني: اتجاهه فهو من الوجهة؛ أي: من يتجه إلى الله قصدًا وتوكلًا واعتمادًا.
وقوله: وَهُوَ مُحْسِنٌالجملة هذه حالية حال من فاعل (يُسْلِم) يعني: والحال أنه محسن، والمراد بالإحسان يقول المؤلف: (التوحيد)، ولكن الصواب خلاف كلامه؛ لأن التوحيد مفهوم من قوله: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ، لكن قوله: وَهُوَ مُحْسِنٌأي: محسن باتباع الشريعة محسن باتباع شريعته؛ شريعة الله عز وجل، فيكون في الآية إشارة إلى الحُكْمَيْنِ الأساسيين في العبادة وهما: الإخلاص والمتابعة.
وقوله: وَهُوَ مُحْسِنٌيعني: في ماذا؟ في اتباع الشريعة؛ يعني: متبع لشريعته على وجه الإحسان.
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِاسْتَمْسَكَبمعنى: تَمَسَّك، لكنها أتت بهذه الصيغة استفعل؛ للمبالغة أي: للمبالغة في التمسك؛ لأن (استمسك بكذا) أقوى من قولك: (تمسَّك به)؛ لأنهم يقولون: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى فلما كثُرت حروف استمسك صارت أقوى في معناها من تمسَّك.
وقوله: بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىيقول المؤلف رحمه الله: (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىبالطرف الأوثق الذي لا يُخاف انقطاعُه).
العروة الإنسان عندما يتمسك بالحبل فتارة يتمسك به بطرفه وليس له عُروة، وتارة يتمسك به بطرفه وهو معقود، وتارة يتمسك بطرفه وهو مَثْنِيٌّ كالعروة، أيهما أبلغ؟ العروة أبلغ؛ لأن الإنسان إذا تمسك بطرفه ربما يزلق فيسقط، وكذلك بطرفه مأخوذًا ما يتمكن مثلما يتمكن بطرفه إذا كان عروة.
والْوُثْقَىمؤنث (أوثق) يعني العروة التي هي أوثق شيء، ولا ريب أن من أسلم وجهه إلى الله وهو محسن فإنه سينجو من كل مكروه ويفوز بكل مطلوب؛ لأن هذا هو الطريق الأمثل الذي يُوصِل إلى الله عز وجل أن تُسْلِمَ وجهك إليه وأنت محسن، هل ورد مثلُها في القرآن استمسك بالعروة الوثقى؟
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة: ٢٥٦].
طالب: (...).
الشيخ: أي: إصراره إذا عقد طرفه (...).
وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِلَمَّا بيَّن أن الذي يُسْلِم وجهه إلى الله وهو محسن أنه مستمسك بالعروة الوثقى وأن الإنسان في حال الإسلام إلى الله والإحسان قد يعتريه أمور يشك هل هو مستمسك بالعروة الوُثْقَى ولَّا لا؟ مثل أن يتخلف عنه النصر في يوم من الأيام وما أشبه ذلك فيخشى أن يكون على غير حق فبيَّن الله تعالى أن عاقبة الأمور إلى الله، وهذا كقوله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤٠، ٤١] لأن الإنسان قد يقول: ما قيمة هذه الأشياء بالنسبة للقنابل والصواريخ وما أشبه ذلك؟ فبيَّن الله تعالى أن العاقبة لمن؟ عاقبة الأمور لله فأنت ما دُمت قُمْتَ بأسباب النصر التي بيَّنها الله لك فلا يخدعنك ما أعطي أعداء الله تعالى من القوة المادية لأن هذه القوة المادية تتضاءل بكلمة من الله عز وجل، إذا أراد عز وجل أن يخسف بهم جميعًا الأرض أو يُفْسِد عليهم معداتهم قال: كن فيكون؛ ولهذا أعقبها بقوله: وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤١] حتى لا يستبعد الإنسان نصر الله عز وجل بسبب ما أوتي أعداؤه من قوة؛ لأن العاقبة لله عز وجل.
هذه مثلها أيضًا ليسلِّم الإنسان وجهه إلى الله وهو مُحْسِن وينتابه بعض الأحيان شكوك وهل هو على حق ولَّا على غير حق، وهل إن هذا استمساك حقيقي ولَّا لا؟ فبيَّن الله تعالى أن عاقبة الأمور إلى الله وأنك متى أسلمت وجهك إلى الله وأنت محسن فلا بد أن تنجو.
وقوله: وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِإِلَىتفيد أيش؟ أيش معناها؟ تفيد الغاية؛ يعني غاية عاقبة الأمور إلى الله لا إلى غيره، هو الذي يدبر الأمور كيف يشاء حتى تصل إلى ما يريده سبحانه وتعالى.
وقوله: الْأُمُورِجمع أمر، أمر واحدُ الأمور؛ يعني الشئون كل الشئون الدينية والدنيوية العامة والخاصة كلها عاقبتها إلى الله، هذا قسم من الناس الذي أسلم وجهه إلى الله وهو محسن.
الثاني الكافر؛ قال: ({وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ} يا محمد {كُفْرُهُ} لا تهتمَّ بكفره {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ}) إلى آخره.
قال: وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ(من) هذه شرطية، وفعل الشرط كَفَرَ، وجوابه قوله: فَلَا يَحْزُنْكَ، وقُرِنَ بالفاء؛ لأن الجملة اسمية فَلَا يَحْزُنْكَ.
وقوله: وَمَنْ كَفَرَهذا عام من الأقارب والأباعد؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يَحْزَن لكفر الكافرين سواء كانوا أقارب له أم أباعد.
وقوله: فَلَا يَحْزُنْكَ(يا محمد) أبان المؤلف -رحمه الله- أن الخطاب في قوله: فَلَا يَحْزُنْكَلمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون موجَّهًا للرسول عليه الصلاة والسلام ولكلِّ مَنْ يصح خطابه ممن شأنه أن يحزن إذا كَفَر عبادُ الله، فيكون على هذا المعنى أعم مما قال المؤلف.
وقوله: فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُما هو الحزن؟ الحزن: هو ضد السرور، وإذا قيل: حزن وخوف؛ صار الحزن على الماضي والخوف للمستقبل، وقد يُطلَق الحزن على الخوف كما في قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠] يعني: لَا تَحْزَنْأي: لا تخف فإن الله معنا، على أنه يحتمل أن معنى لَا تَحْزَنْعلى ما فعلنا من اللجوء إلى هذا الغار فيكون على بابه على الأصل.
وقوله: فَلَا يَحْزُنْكَقال المؤلف: (لا تهتمَّ بكفره)، وظاهر كلامه أن الحزن هنا بمعنى الاهتمام بالشيء يعني: لا يهمنك أمرهم، ولكن الحزن أخص من الاهتمام، فإبقاء الآية على ظاهرها، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحزُن إذا كفر الناس وكذلك من كان ناصحًا لله ولرسوله يحزُن إذا كفر الناس، أو قل: إن حَمْلَها على ظاهرها أولى.
وفعلًا الإنسان الناصح يحزن إذا كفر الناس يحزن لأمرين:
أولا: رحمة لهؤلاء الذين كفروا، والثاني: حزنًا على ما فات الإسلام من كثرة متبعيه؛ لأن كثرة متبعي الإسلام عزٌّ للإسلام أليس كذلك؟ ويش الدليل أن الكثرة عز؟
طالب: قول الرسول (...).
الشيخ: وغيره من القرآن؟ في القرآن آيتان تدل على أن الكثرة عز؟
طالب: آية الأنفال.
الشيخ: نعم، ربما في الأنفال فيه وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ [الأنفال: ٤٣] ربما يفيد هذا.
قال شعيب لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ [الأعراف: ٨٦]، وقال تعالى ممتنًّا على بني إسرائيل: وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [الإسراء: ٦]، فالكثرة عز بالدليل الشرعي والواقعي.
الآن الصين الشيوعية بالنسبة للقوة الصناعية ما تُقارَن بالروس ولا بأمريكا ومع ذلك يهابونها، يهابونها لماذا؟ للكثرة؛ كما يقول القائل: (...)، وأعداء المسلمين الآن يحبذون للمسلمين أن يقللوا النسل فتارة يقولون: إذا كثَّرتم النسل ضاق الرزق كقول الكفار الذين يقتلون أولادهم خشية الإملاق، وتارة يقولون: إذا كثر الأولاد عجزتم عن تربيتهم. إساءة ظن بالله عز وجل، وتارة يقولون: إذا كثر الحمل ضعفت المرأة ولحقها الضعف، وهذا لا بد منه، لا بد أن تضعف المرأة كما قال تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ [لقمان: ١٤]، والحاصل أن كثرة الأمم عز لها.
وقوله: فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْجملة خبرية قُدِّمَ فيها الخبر لإفادة الحصر، إِلَيْنَايعني نحن الله عز وجل، لا إلى غيره.
وقوله: مَرْجِعُهُمْمصدر (...) أي: رجوعهم، فرجوعهم إلى الله عز وجل لا إلى غيره، وهو الذي يحاسبهم على أعمالهم؛ ولهذا قال: فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِنُنَبِّئُهُمْنخبرهم.
وإذا أُخْبِروا بذلك يجازون عليه؟ نعم، الكافر لا بد أن يُجازى على ذنبه، ولكنه يجازى بالعدل؛ ولهذا كانت النار دَرَكات بحسب جرم الكافرين، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار.
فقوله: نُنَبِّئُهُمْأي: نخبرهم، على سبيل التوبيخ والإهانة ثم نجازيهم بما يستحقون.
قوله: إِلَيْنَاونُنَبِّئُهُمْهذا ضمير جمع، لكن المراد به؟
طالب: التعليل.
الشيخ: التعليل، المراد التعليل لا شك.
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [لقمان: ٢٣] هذا تكميل للتهديد؛ يعني: أن الله عليم بذات الصدور، وما هي ذات الصدور؟ ذات الصدور هي القلوب؛ لأنها فيها قال تعالى: وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦].
فمعنى (ذات الصدور) أي: صاحبة الصدور وهي القلوب.
وقال: ذَاتِ الصُّدُورِهنا القلوب؛ لأن ما كان داخل الصدر محجوب عن الخلق لا يعلمه إلا الله عز وجل؛ ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
وفي قوله: عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِدليل على أن الكافر يُحاسب على عمل القلب وهو كذلك فإن الكافر يحاسب عليه؛ لأنه لولا أنه يحاسب لم يكن في قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِكبير فائدة.
طالب: قوله: فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُترى جواب الشرط الثاني أليست طلبية؟
الشيخ: ما هي طلبية؛ لأن (لا) ناهية، صحيح فَلَا يَحْزُنْكَنهي، ما هي طلبية.
ثم قال: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان: ٢٤] -أعوذ بالله- نُمَتِّعُهُمْيعني: نجعلهم يتمتعون، يأكلون ما شاؤوا ويلبسون ما شاؤوا ويركبون ما شاؤوا ويسكنون ما شاؤوا ويتنعمون بكل نعيم الدنيا، ولكن هذا قليل وقليل وقليل، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» موضع السوط خير من الدنيا، ما هي الدنيا، بمن فيها فقط من أولها إلى آخرها، من الدنيا وما فيها، هؤلاء -والعياذ بالله- يمتعون قليلًا وما أقل الدنيا ومتاعها، كل ما مضى من الدنيا إلى ساعتك الحاضرة كأنه لم يكن، كأنه أضغاث أحلام، يعمر الإنسان فيها ما يعمر ومع ذلك يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ [الأحقاف: ٣٥]، فهم يمتعون قليلًا، والقلة هنا باعتبار نوع المتاع وباعتبار زمنه، فنوع المتاع بالنسبة لما في الآخرة قليل ولَّا كثير؟
طلبة: قليل.
الشيخ: قليل جدًّا وليس ينسب قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء .
كذلك بالنسبة للزمن؛ الزمن قليل، أليس كذلك؟ ولا يُنْسَب إلى زمن الآخرة الأبدي.
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًاوقد بَيَّن الله تعالى في آية أخرى صفة هذا التمتيع فقال جلَّ ذكره: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد: ١٢]، هذا صفة هذا التمتع، شهوانيون ليس لهم إلا شهوة البطن وشهوة الفرج كما تفعل الأنعام تمامًا.
وقال: ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان: ٢٤] ثُمَّيعني: بعد هذا التمتيع القليل ({نَضْطَرُّهُمْ} في الآخرة {إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} وهو عذاب النار، لا يجدون عنه محيصًا)
نَضْطَرُّهُمْيعني: نلجئهم فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ [البقرة: ١٧٣] يعني: فمن أُلْجِئ، وهذا أصله مأخوذ من الإلجاء إلى الضرر؛ لأن: (اضطر) أصلها نضطر، فلهذا كل شيء يُلْجِئ الإنسان يسمى ضرورة؛ لأنه يلجئه إلى هذا الشيء.
وقوله: نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ؛ لأنهم هم لا يريدونه ما يريدون النار ولا يريدون هذا العذاب لكنهم يُجْبَرون عليه -والعياذ بالله- لأنهم عملوا أسبابه.
وقوله: ({نَضْطَرُّهُمْ} في الآخرة) ما المراد بـ(الآخرة)؟ هو ما بعد يوم القيامة أو حتى القبر؟
طالب: حتى القبر.
الشيخ: حتى القبر؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر كلُّ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، كله من اليوم الآخر، فهم بعد هذا المتاع يُلْجَؤون إلى العذاب، والعياذ بالله.
وقوله: نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍالعذاب العقوبة، الغليظ يقول المؤلف: (إنه عذاب النار)، ويش ضد الغليظ؟ ضده الرقيق، وغلظ عذاب النار في كيفيته وفي نوعه والعياذ بالله.
أما الكيفية؛ فإن الله تعالى يقول: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء: ٥٦]، ويقول فيما يُعَذَّبون به: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء: ٩٧]، والعياذ بالله هذا في كيفيته.
أما نوعه؛ فإنه لا يخطر بالبال ولا يدركه الخيال، يُسْقَون ماء حميمًا، إذا استغاثوا وماتوا من العطش واستغاثوا وطلبوا الغوث، ماذا يغاثون به؟ يغاثون بماء كالمهل وهو الرصاص المذاب -والعياذ بالله- يشوي الوجوه إذا أقبل على الوجه شوى الوجه، فإذا نزل إلى الأمعاء سقوا ماء حميمًا فقطَّع أمعاءهم، أحيانًا يسقون من ماء صديد: يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧]، هذا العذاب -والعياذ بالله- بأنواعه الشديدة العظيمة يستحق أن يوصف أنه عذاب غليظ ليس فيه رقة ولا رفقة، بل هو غليظ شديد.
وقوله: لَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا [النساء: ١٢١] هكذا في القرآن؛ يعني: لا يجدون مفرًّا، وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف: ٥٣] ما فيها، بل إنهم -والعياذ بالله- يأتون إليها وِرْدًا عِطاشًا، وتمثَّل لهم كأنها سراب ماء، والعطشان إذا رأى الماء ولو كان سرابًا يظنه ماء لشدة تلهفه إلى الماء، فيَرِدونها على هذا الوجه -والعياذ بالله- ويتساقطون فيها.
وَلَئِنْلام قسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥].
قوله: وَلَئِنْيقول: (لام قسم) مقرون بماذا؟ بـ(إن) الشرطية، حُذِف جواب الشرط ولَّا جواب القسم؟ حُذِف جواب الشرط وبَقِي جواب القسم، أين الجواب؟ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، وقد مر علينا قول ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَـــــــوَابَ مَــــــا أَخَّــــرْتَ فَهْوَ مُــــلْتَزَمْ

وقوله: لَئِنْ سَأَلْتَهُمْيعني الرسول عليه الصلاة والسلام أو من يتَأَتَّى خطابه؟ يحتمل هذا وهذا.
مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِهذا هو صيغة السؤال، من خلق السماوات والأرض؟ خلقها اللات؟! العزى؟! مناة؟! هبل؟! مَنْ؟
الجواب: لَيَقُولُنَّ اللَّهُهم يعترفون بأن خالق السماوات والأرض هو الله عز وجل.
وقوله: لَيَقُولُنَّهي جواب القسم (حُذِفَ منه نونُ الرفع لتوالي الأمثال، وواو الضمير لالتقاء الساكنين) أصله: ليقولونَنَّ، هذا أصله ليقولونَنَّ، صح؟ لأن هذا فعل مضارع من الأفعال الخمسة لا بد فيه من الواو والنون، فنقول: (ليقولون) حط نون التوكيد معها (ليقولونَنَّ)، اجتمع عندنا الآن ثلاثُ نونات كلُّهُنَّ زائدات، نضرب بينهم قرعة أو نفصل بينهم بحكم؟ نفصل بينهن بحكم نقول: إن حذفنا نون الرفع بقيت نون التوكيد وإن حذفنا نون التوكيد بقيت نون الرفع فأيهما؟ نحذف نون الرفع؛ لسببين:
السبب الأول: أن نون الرفع اعتيد حذفُها فيما إذا كان الفعل منصوبًا أو مجزومًا صح ولَّا لا؟ بل، إنها قد تحذف في غير حالتي النصب والجزم، تحذف للتخفيف كما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا» «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ»، «لَا تَدْخُلُوا» هذه ما فيها لا ناصب ولا جازم، حذفت للتخفيف وأصله؟ (لا تدخلون الجنة) فحُذِفَت النون للتخفيف.
وتُحْذَف النون أيضًا مع نون الوقاية كثيرًا، إذن فهي أحق بالحذف فتبقى نون التوكيد؛ لأننا لو حذفنا نون التوكيد فات المقصود ونحن نريد أن نُؤَكِّد الفعل، وتأكيد الفعل هنا -ونحن قد بحثنا في درس جديد في النحو- توكيد الفعل هنا واجب ولَّا غير واجب (ليقولنَّ)؟
طالب: واجب.
الشيخ: واجب؛ لأنه مُثبِت لِقَسَم مستقبل.
طالب: غير مفصول.
الشيخ: غير مفصول؛ لم يُفْصَل بين لامه وبين فعله فيكون توكيده واجبًا.
إذن نُبْقِي النون، فإذا قالت نون الرفع: أبقونا جميعًا، نصير جميعًا (ليقولونَنَّ)، خلونا نبقي ما يخالف؟
نقول: ما يمكن؛ لأن نون الرفع زائدة ونون التوكيد زائدة فلا يمكن يجتمع عندنا ثلاثة حروف كلها زائدة في مكان واحد، عسانا نتحمل حرفًا أو حرفين.
إذن نقول: لا بد من حذف إحداكنَّ، وأنت يا نون الرفع أولى بالحذف، امشي، تجي عاد الواو مع نون التوكيد، الواوهنا ساكنة، تقولون: ساكنة ونون التوكيد مشددة فالحرف الأول منها ساكن، اجتمع ساكنان، ما يمكن يجتمع ساكنان، ما يمكن يجتمعان، ويش السبب؟ لأن السكون والحركة نقيضان فلا يمكن يجتمع شيء ساكن وساكن، فإذن لا بد من أن نعمل عملًا يفكنا من اجتماع الساكنين، ما هو العمل؟ العمل إن كان الحرف صحيحًا اللي قبل الساكن، أيش نعمل فيه؟ نكسره، إذا كان الحرف الذي قبل الساكن صحيحًا كسرناه، وإن كان الحرف غير صحيح حرف لين فإننا نحذفه قال ابن مالك:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ وَإِنْ يَــــــــكُنْ لَيْنًا فَحَــــذْفَهُ اسْتَحَـــــقْ

فهنا الساكن الأول (الواو) حرف لين ولَّا صحيح؟
طالب: حرف لين.
الشيخ: إذن نحذفه، فتلتقي اللام مع النون (ليقولُنَّ)، فصار عندنا الآن في هذا الفعل عندنا حذفان؛ حذف النون، عَلِّل؛ لتوالي الأمثال، حذف واو الرفع؛ لالتقاء الساكنين، وعلى هذا يقول المؤلف: (حُذِفَ منه نونُ الرفع لتوالي الأمثال، وواو الضمير لالتقاء الساكنين).
ما إعراب قوله: اللَّهُلَيَقُولُنَّ اللَّهُ؟ فاعل لفعل محذوف التقدير: خلقهن الله، ويدل لذلك قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩] ليقولن: خلقهن، فذكر الله تعالى الفعل، إذن فهنا المحذوف أيش؟
طالب: فعل.
الشيخ: الفعل؟ نعم، هل يصح أن نقول: إن المحذوف اسمًا؛ التقدير هو الله؟ يصح، لكن خلاف الأولى؛ لأن السؤال معارض للجواب، والسؤال بلفظ الفعل (مَنْ خلق)؟ فيقتضي أن يكون الجواب كالسؤال بالفعل (خلقهن كذا).
قال الله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [لقمان: ٢٥] (قل) يعني: إذا أقروا واعترفوا قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِالْحَمْدُمبتدأ ولِلَّهِخبره، الحمد لله على أيش؟ على ظهور بيان الحجة وظهور المحجة، الآن هم اعترفوا بماذا؟ بأنهم على ضلال في شركهم.
فـالْحَمْدُ لِلَّهِهنا على بيان الحجة وإظهارها وأنهم خُصِموا بذلك؛ لأنهم إذا أقروا واعترفوا أن خالق السماوات والأرض هو الله وأن هذه الأصنام لا تخلق فقد أقروا على أنفسهم بماذا؟ بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة؛ ولهذا قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، كما أن الحمد أيضًا هنا ممكن، ممكن أن نقول مع ذلك: الحمد لله على خلق السماوات والأرض، أنه يُحْمَد على أنه الخالق عز وجل دون غيره، فيُحْمَد على ما له من صفات الكمال ومن جميل الأفعال.
يقول: ({الْحَمْدُ لِلَّهِ} على ظهور الحجة عليهم).
الْحَمْدُتقدم هنا مرارًا وتكرارًا بأنه هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
واللام في قوله: لِلَّهِاللام للاستحقاق والاختصاص، الاستحقاق؛ لأنه هو المستحق للحمد كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ» .
ثانيًا: للاختصاص؛ لأن الذي يستحق الحمد المطلق من هو؟ هو الله عز وجل.
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(بل) هنا للإضراب الانتقالي وليست للإضراب الإبطالي؛ فهو انتقال مما سبق للتسجيل عليهم بالجهل التام؛ ولهذا قال: ({بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} وجوبه عليهم) يعني التوحيد، وإنما نفى العلم عنهم لماذا؟ لانتفاء فائدته، والشيء قد يُنْفَى لانتفاء فائدته؛ قال الله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَايسمعون بآذانهم وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١] نفى السمع عنهم؛ لانتفاء فائدته بالنسبة إليهم.
فقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَنفى العلم عنهم -وإن كانوا هم مقرون بأن الله هو الخالق لكنهم لم ينتفعوا بهذا العلم، وأيهما أشد قبحًا؛ جاهل لا يدري، وعالم لم ينتفع؟
طلبة: الأخير.
الشيخ: الأخير أشد وأقبح؛ لأنه جاهل مركب وذاك جاهل بسيط، ولأنه معاند مستكبر وذاك ضال غير معاند، والجهل المركب أشد قبحًا، والعناد عن علم أشد من العناد عن جهل، يقول الشاعر بيتين:
وَمَنْ رَامَ الْعُلُــــــــومَ بِغَيْرِ شَيْخٍ يَضِلَّ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ
وَتَلْتَبِسِ الْعُــــــــــلُومُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ أَضَلَّ مِنْ تُومَا الْحَكِيمِ

توما جاهل مركب يسمونه الحكيم، لكن هو غره أنهم سموه الحكيم، وبدأ يفتي في كل شيء، حتى أفتى بأنه من تصدق على إنسان بابنته فإنه يدخل الجنة، قال: تصدق -البيت الثالث-:
تَصَدَّقَ بِالْبَنَاتِ عَلَى رِجَالٍ يُرِيـــــدُ بِذَاكَ جَنَّاتِ النَّعِيــــــمِ

هذا جاهل ولَّا لا؟
طالب: هذا مثل الزنى؟
الشيخ: إي، أنت محتاج إلى الزواج شاب ولا عندك مهر، ولا شيء فلو أعطيتك صدقة، هكذا يقولون: إي نعم، الجهل يمكن يقيس بعقله يقول: بدل ما أعطيه دراهم ويروح يخطب نقطع الطريق يقول: هذي بدون دراهم.
طالب: نبغي شرح هذا المركب والبسيط.
الشيخ: المركب والبسيط اسمعه في البيتين الآتيين:
قَالَ حِمَـــــــــــــــــارُ الْحَــــــكِيمِ تُـــــومَا .........................

أما قال: أضل من توما الحكيم؟
قَالَ حِمَـــــــــارُ الْحَكِيمِ تُــــومَـــــا لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ
لِأَنَّنِي جَــــــــــــاهِــــلٌ بَسِيــــــــــطٌ وَصَـــــــاحِبِي جَــــــــــــاهِــــلٌ مُرَكَّبْ

عرفت الفرق الآن؟
طالب: إي معروف، الشطر، يعني..
الشيخ: خلاص معروف، انتهى.
الطالب: أقول: ويش الفرق..؟
الشيخ: الحمار يقول: إنه جاهل بسيط، وصاحبه اللي هو توما جاهل مركب.
الجاهل هو الذي لا يدري أنه جاهل، جاهل ولا يدري أنه جاهل هذا مركب، والبسيط هو الجاهل الذي يَعْلَم أنه جاهل.
ويتضح بالمثال؛ قال لك قائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقلتَ: لا أدري. ويش يُسَمَّى هذا؟
هذا جاهل بسيط، الإنسان لا يدري وعرف أنه لا يدري وقال: ما أدري.
وقال رجل لآخر: متى كانت غزوة بدر؟ قال: الحمد لله الذي فتح على الجاهلين، كانت غزوة بدر في جمادى الآخرة سنة تسع من الهجرة (...).