عرفتَ الفرق الآن؟
طالب: (...).
الشيخ: (...).
الطالب: لا، أنا أقول:
ويش فرق ..
الشيخ: الحمار؛ يقول: إنه جاهلٌ بسيط،
وصاحبه اللي هو توما جاهلٌ مركَّب، الجاهل المركَّب هو الذي لا يدري أنه جاهل،
جاهلٌ ولا يدري أنه جاهل، هذا مركَّب. والبسيط: الجاهل الذي يعلم أنه جاهل. ويتَّضح
بالمثال؛ قال لك قائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: لا أدري. ويش يُسمَّي هذا؟
طالب: بسيط.
الشيخ: هذا
جهلٌ بسيط؛ الإنسان لا يدري وعرف أنَّه لا يدري وقال: ما أدري.
وقال رجلٌ لآخَر:
متى كانت غزوة بدر؟ قال: الحمد الله الذي فتح على الجاهلين، كانت غزوة بدر في جمادى
الآخرة سنة تسعٍ من الهجرة. ويش تقول في هذا؟
طالب: هذا
جاهل مركَّب.
الشيخ: الآن هو جاهل، وهو لا يدري أنه
جاهل، ولهذا استفتح بقوله: الحمد لله الذي فتح على الجاهلين. فيقال: أنت ما فتح
الله عليك لأنك جاهل.
طالب: أنا أقصد (مركَّب)، أيش
معنى مركَّب؟
الشيخ: مركَّب من جَهْلين: جهله بالواقع،
وجهله بحاله. الجاهل المركَّب لأنَّه جاهلٌ بالواقع وجاهلٌ بحاله. واضح؟
طالب: إي نعم.
***
الشيخ: (...){بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ [لقمان: ٢٠].يستفاد من هذه الآية: ذمُّ الجدل بغير برهان؛ لقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الجدل بالعلم والهدى والدليل من القرآن أنَّه جدلٌ لا يُذَمُّ صاحبُه؛ لأنه حقٌّ، وقد قال الله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمجادِل أن يكون له دليلٌ من العقل أو من النقل؛ لقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ، وهذا العلم الذاتي الذي يكون بطريق العقل، وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍهذا العلم المكتسَب؛ الهدى من الرسول، والكتاب المنير: القرآن.
ثم قال الله عز وجل: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان: ٢١].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيانُ أنَّ هؤلاء المجادِلين ليس عندهم سوى التقليد؛ لقوله: بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: ذمُّ مَن خالف الحقَّ باتباع الآباء؛ لقوله: اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُهذا الحق قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم التقليد مع ظهور الحجَّة، من أين يؤخذ؟ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، أيًّا كان المقلَّد، إذا بانت الحجَّة فإنه لا تقليد، ولكن تُتَّبع الحجَّة.
ومن فوائدها: أن التقليد قد يُسمَّى اتِّباعًا؛ لقوله: بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، والمعروف المشهور بين أهل العلم أن الاتِّباع يكون عن دليل؛ فيقال للرسول عليه الصلاة والسلام: اتَّبعْنا الرسول، والتقليد هو الذي يكون عن غير دليل، لكن هذه الآية تدلُّ على أن كلَّ مَن تابع أحدًا فهو متَّبعٌ له.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أنَّ هؤلاء المخالفين كان عندهم علمٌ بالحق؛ لقوله: اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فيكون هذا أشدَّ في ذمِّهم.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: ظهور العصبية في هؤلاء؛ لقوله: بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، وهذا تعصُّب للآباء والتعصب للآباء والقبائل من شأن أهل الجاهلية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ مخالفة الدليل للتقليد من أوامر الشيطان أو من إجابة الشيطان؛ لقوله تعالى: أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ.
ومن فوائدها: أنَّ مخالفة ما عند الله سببٌ لدخول النار؛ لقوله: يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ.
ومن فوائدها: أن وسوسة الشيطان التي يُلقيها في قلب بني آدم من الدعوة؛ لقوله: يَدْعُوهُمْ؛ إذ إن الشيطان ليس يَمْثُل أمامَهم ويقول: اتَّبِعوا كذا، ولكنَّه يوسوس في صدورهم حتى يتبعوه، وهكذا الشيطان يأمر بالشر.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من وساوس الشيطان؛ لأن قوله: أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُهذا للتوبيخ والإنكار.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ كلَّ شيءٍ يوجب العقوبةَ فهو من تلبية طلبِ الشيطان، كلُّ شيءٍ يوجب العقوبة والإثم فاعلم أنه من تلبية طلبِ الشيطان؛ لقوله: أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ؛ فمثلًا لو أراد الإنسانُ أن يسرق أو أن يزني أو أن يشرب الخمر أو أن يقتل نفسًا محرَّمة، كلُّ هذا من الشيطان وتلبيةٌ لطلبه؛ لأن الشيطان هو الذي يدعو إلى عذاب السعير.
طيب هل يؤخذ منها أنَّ الشيطان له عقل وإرادة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، له عقل وإرادة، وقد قال الله تعالى في سورة النساء: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ٦٠]، فالشيطان له إرادة، وله تزيين، وله تلبيس، ولهذا يجب الحذر منه غاية الحذر.
طالب: ولو كان الإنسان اللي بيدعو نقول: شيطان؟
الشيخ: إي نعم.
ومن فوائدها: هذا الذي قلتَ؛ أن مَن دعا إلى ما يوجب العقابَ فهو شبيهٌ بالشياطين، بل لنا أن نقول: إنه شيطان. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الذي يمانع إذا مُنع من المرور بين يدي المصلي، قال: «فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» ، وقال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام: ١١٢].
ثم قال عز وجل: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [لقمان: ٢٢].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: الفائدة العظيمة في الإخلاص والمتابعة؛ الإخلاص من قوله: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ، والمتابعة من قوله: وَهُوَ مُحْسِنٌ.
ومن فوائدها: أنَّ مَن لم يكن كذلك فهو هالكٌ؛ لأنه رتَّب الاستمساكَ على هذين؛ إسلام الوجه لله مع الإحسان، وعلى هذا فمَن لم يأتِ بهما فليس له نجاة.
ومن فوائدها: أنَّ أوثقَ ما يستمسك به الإنسانُ للنجاة هو الإخلاص والمتابعة؛ لأن كلمة الْوُثْقَىاسم تفضيل، فهو مثل (أَوْثَق) في المذكَّر.
ومنها أيضًا: فضيلة الإحسان؛ لقوله: وَهُوَ مُحْسِنٌ، وقد سبق لنا أنَّ الإحسان يكون في عبادة الله ويكون في معاملة عباد الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ عواقب الأمور إلى الله عز وجل؛ فهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وكم مِن إنسانٍ يقدِّر ولكنَّ أمر الله يأتي على خلاف تقديره؛ الدليل قوله: وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي لمن أسلم وجهَه إلى الله وهو محسنٌ أنْ يصبر؛ لأن العاقبة له، لا يتعجَّل أو يستبعد الفرَج أو يستبعد النصر؛ لأن الأمور كلَّها ترجع إلى ربِّ العِزَّة سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه لا أحد يستطيع أن يدبِّر في الكون، من أين تؤخذ؟
طالب: من الحصر.
الشيخ: من تقديم الخبر الدالِّ على الحصر.
ثم قال عز وجل: وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [لقمان: ٢٣].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزن لكُفر مَن يكفر؛ لقوله: فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ.
فإن قال قائل: هذا ليس بصريحٍ على ذلك.
قلنا: إذا لم يكن صريحًا فإنه يدلُّ على أنَّ ذلك متوقَّعٌ من الرسول عليه الصلاة والسلام؛ إذْ لو لم يكن موجودًا أو متوقَّعًا لَكان النهي عنه لا فائدة منه، وقد قال الله عز وجل في آياتٍ أخرى ما يدلُّ على أنه كان يحزن؛ كما في قوله تعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣]، لَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ [هود: ١٢]، وما أشبهَ ذلك مما يدلُّ على أن الرسول (...).
(...) فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا.
ومنها: أنَّ كلامه سبحانه وتعالى بصوتٍ مسموعٍ؛ لقوله: فَنُنَبِّئُهُمْ؛ لأن ما لا يُسمع لا يكون فيه إنباء، فلا إنباء إلا بصوتٍ مسموعٍ، وهذا الصوت ليس كأصوات المخلوقين، بل هو أعظم وأجلُّ، ولهذا إذا تكلم الله بالوحي صَعِق أهلُ السماوات وارتجفت السماوات، ومعلومٌ أن صوت أحدٍ من الخلق لا يحدث منه هذا الشيء، ولكن الله عز وجل أعظم وأجلُّ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ علمِ الله؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
ومن فوائدها: التخويف من مخالفة الإنسان باطنًا؛ لقوله: عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، فإياك والمخالفةَ في الباطن، لا تقُل: إنني لم أُظهِر ولا أحد يعلم. فإنَّه وإن لم يعلم الخلْق فالله تعالى يعلم، مهما تكتم الشيءَ فإنَّ الله تعالى يعلمه، ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان مراقبةُ الله عز وجل دائمًا؛ لقوله: عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، ولهذا جاء في الحديث: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» ؛ لأنك إذا علمتَ بذلك وأيقنتَ به أوجب لك ذلك مراقبةَ الله عز وجل والرغبةَ إليه، وأن تكون هِمَّتك دائمًا في طلب ما يُرضي الله سبحانه وتعالى، إذا كان الإنسان يؤمن بهذا الأمر -وهو مراقبة الله عز وجل لِمَا في قلبه- فإنه لو همَّ بمعصيةٍ في أخفى ما يكون في الأرض فسيردعه ذلك الإيمان عن هذه المعصية، ولهذا حماية الإيمان لمعتنقيه أعظم بكثير من حماية السُّلُطات لِمَا توجِّه إليه، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: الشعب المؤمن ما يحتاج إلى مراقبة سُلُطات؛ لأنه يعلم أنه مراقَبٌ من قِبَل مَن؟ من قِبَل مَن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لكن إذا ضعف الإيمانُ احتاج إلى قوة السلطان، فإنْ ضعف الإيمانُ والسلطانُ فسدت الأديان والبلدان، فإذا اجتمعت القوَّتان: قوة الإيمان وقوة السلطان، فهذا هو الكمال، وإن ضعُفا جميعًا فهذا هو الهلاك، وإن ضعف أحدهما دون الآخَر ففيه حياة وموت.
ثم قال تعالى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان: ٢٤]، نُمَتِّعُهُمْمعروف أنَّ الضمير يعود على الكافرين.
فيستفاد من الآية الكريمة: أنَّ الكافر قد يُمَتَّع في الدنيا أكثر مما يُمَتَّع المؤمن، أليس كذلك؟ لأنه قال: نُمَتِّعُهُمْ، وهذا هو الواقع، فإنَّ بعض الكفار يكون أشدَّ تمتعًا في الدنيا من المؤمنين، ولكنَّه كما قال الله عز وجل: قَلِيلًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ التمتيع في الدنيا قليلٌ في زمنه، ويش بعد؟ ونوعه؛ أمَّا زمنه فظاهر؛ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ [الأحقاف: ٣٥]، وأمَّا نوعه فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ عذابَ الكفار عذابٌ غليظٌ؛ لقوله: ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ.
ومنها: أنَّ الكفار يُضطرُّون ويُلجَؤون إلى دخول هذا العذاب؛ لقوله نَضْطَرُّهُمْ. واعلمْ أنَّ هذا الاضطرار يكون عند خروج الروح ويكون كذلك في الآخرة؛ أمَّا عند خروج الروح فإنه قد ورد في الحديث -حديث البراء الطويل- أنه إذا حضر الموت إلى هؤلاء الكفار وبُشِّرت روحه بالغضب من الله سبحانه وتعالى فإنها تتفرَّق في بدنه، تتشبَّث فيه، حتى ينتزعوها من البدن كما يُنزع السَّفُّود من الصوف المبلول؛ يعني: بشدَّة، ويدلُّ لذلك قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الأنعام: ٩٣]، أَخْرِجُوايدلُّ هذا الأمر على أنهم كانوا أشِحَّاء في إخراجها، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام: ٩٣] إلى آخره، هذا معنى قوله: نَضْطَرُّهُمْ، ما يأتون مختارين منقادين، وهذا (...)، وقال تعالى في الآخرة: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣] يُدفعون بعُنفٍ حتى يدخلوها والعياذ بالله.
ثم قال عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [لقمان: ٢٥].
في هذه الآية الكريمة: دليلٌ على أنَّ المشركين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يُقِرُّون بربوبية الله؛ لقوله: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.
وفيها: أنَّ هذا التوحيد لا ينفع مَن أقرَّ به؛ لأن هؤلاء المشركين انتفعوا بهذا الإقرار ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، بل لا بدَّ من أن يُضاف إليه توحيدُ الألوهية والأسماء والصفات.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ أنَّ خالق السماوات والأرض هو الله عز وجل.
فإن قال قائل: هل المخلوق يَخْلق؟
نقول: لا، المخلوق لا يمكن أن يَخْلق، وخلْق المخلوق إنما هو تحويلٌ؛ تحويلُ شيءٍ إلى شيءٍ؛ يجعل الخشب بابًا، ويجعل المدر بيتًا، وما أشبه ذلك، لكن هل يخلق خشبةً ليجعلها بابًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولا يخلق مدرًا ليجعله بيتًا، فكلُّ ما في الإنسان من مصنوعات ومبتكَرات ومبتدَعات إنما هو تغييرٌ وتحويلٌ من شيءٍ إلى شيءٍ، أمَّا إيجاد ذوات الأشياء فهو إلى الله عز وجل، ولهذا يتبيَّن معنى قوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وإلا فالإنسان يخلق، لكن خَلْقه ليس معناه إبداعًا وإيجادًا بعد عدم، ولكنَّه -كما أقوله وأكرره- حتى يتبيَّن لكم معنى قوله: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤]، فأثبت أنَّ مع الله خلقًا، لكن هذا في الخلق ليس خلْق إيجادٍ، ولكنَّه خلْق تحويلٍ وتغييرٍ لبعض الأشياء حسب ما أعطاه الله تعالى من قدرةٍ علميةٍ وبدنيةٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أنَّ السماء متعدِّدة؛ لقوله: السَّمَاوَاتِ، وقد بُيِّن في آية أخرى أن عددها سبع: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧].
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ اعتراف الإنسان بالحق مما يُحمد الله عليه؛ لقوله للرسول: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ لأنه لا شك أنَّ إقرارَ الإنسان واعترافه بالحق إظهارٌ للحُجَّة، وإذا ظهرت الحجَّة كان في ذلك من الثناء على الله ما هو أهل له سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ أكثر هؤلاء المعاندين والمشركين كانوا لا يعلمون؛ إما للجهل، وإما لعدم الانتفاع بعلمهم؛ لقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي تأكيد الكلام في موضع التأكيد؛ لأنه قال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ... لَيَقُولُنَّ، فأكَّد الله عز وجل أنهم سيقولون ذلك لئلَّا يقول قائل: هل هؤلاء يُقِرُّون بتوحيد الربوبية أو لا يُقِرُّون؟ فبيَّن الله أنهم يُقِرُّون به وأكَّد ذلك حتى لا يقال: كيف يُقِرُّون بتوحيد الربوبية ثم ينكرون توحيد الألوهية؟!
***
قال الله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [لقمان: ٢٦]، الجملة هنا خبرية لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وفيها حَصْر، وطريقه تقديم الخبر؛ لأن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، فـلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِيعني: لا لغيره، وهو له وحده سبحانه وتعالى.
وقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِأي: ما كان فيها، وَالْأَرْضِكذلك، وأتى بـ(ما) التي لغير العاقل لأنه يُراد بها مُلك الذوات والصفات، وإذا وُجِد مُلك الذوات والصفات أُتِي بـ(ما) لأنها أكثر، فإن كلَّ ذاتٍ لها صفة، وأيضًا ليس كلُّ الذوات عاقلة، بل الدوابُّ والبهائم وشبهها من قِسم غير العاقل.
وقوله: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِقال المؤلف: (مُلكًا وخلْقًا وعبيدًا)، (مُلكًا وخلْقًا) والملك يشمل مُلكَ الذوات والتصرُّفَ في هذه الذوات، ولهذا قال (وعبيدًا)، والمراد بالعبودية هنا العبودية العامة دون الخاصة؛ لأن العبودية الخاصة تختصُّ بالطائعين الذين تذلَّلوا لله سبحانه وتعالى طاعةً بالمعنى الشرعي، وأمَّا العبادة العامة فهي تشمل كل الخلق؛ لأن جميع الخلق متذلِّل لله عز وجل باعتبار الكون والتقدير، ما أحد يستطيع أن يعارض قضاءَ الله وقدَرَه، لكن الكفار يستطيعون أن يعارضوا شرع الله، ولهذا عارضوه، وأنكروا الشرع واستكبروا عن الحق.
قال: (وعبيدًا فلا يستحقُّ العبادةَ فيهما غيره). في السماوات والأرض ما يستحقُّ العبادةَ إلا الله؛ لأنه بمقتضى العقل والفطرة أنَّ المالك الخالق المدبِّر يجب أن يكون هو المعبود، ولهذا يستدلُّ الله عز وجل على وجوب العبادة بماذا؟ بالربوبية؛ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: ٢١]، ومرَّ علينا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [لقمان: ٢٥]، وهذا ظاهر أنَّ مَن له الخلْق يجب أن تكون له العبادة وحده.
(إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّعن خَلْقه الْحَمِيدُالمحمود في صُنعه). الجملة هنا استئنافية لبيان ما لله عز وجل من هذين الاسمين وما تضمَّناه من الصفة.
إِنَّ اللَّهَ هُوَالضمير ضمير الفصل، ولضمير الفصل ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: التوكيد.
الثانية: الحصر.
والثالثة: التمييز بين الخبر والصفة.
فإذا قلت: (زيدٌ الفاضل) فـ(زيد) مبتدأ، و(الفاضل) يحسن أنْ تكون صفة لـ(زيد) وأنَّ الخبر لم يأتِ بعدُ وأنَّ التقدير: زيدٌ الفاضلُ محبوبٌ، مثلًا، فإذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) احتمل أن يكون صفةً ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، يكون خبرًا، ولهذا سُمِّي ضمير الفصل.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّقال المؤلف: (عن خَلْقه)، وهو كذلك غنيٌّ في نفسه، غنيٌّ عن غيره؛ غنيٌّ في نفسه لكثرة ما عنده؛ لأن كلَّ شيءٍ فهو لله عز وجل، وهذا تمام الغِنَى، وغنيٌّ عن خَلْقه فلا يحتاج إلى أحد، والدليل قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧]، أمَّا مَن سواه فإنه مفتقِرٌ، مفتقِرٌ إلى مَن؟ إلى الله عز وجل قبل كلِّ شيء، ثم إنَّ الناس بعضهم مفتقِرٌ إلى بعض كما قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف: ٣٢]، الناس بعضهم إلى بعض في حاجة، بل في ضرورة أحيانًا، والجميع إلى الله في حاجة وضرورة، أمَّا الربُّ عز وجل فإنه في غِنًى عن غيره كما أنه غَنِيٌّ بنفسه أيضًا.
إذن غِناه يتضمَّن شيئين:
الغِنَى الذاتي؛ بمعنى كثرة ما يملكه سبحانه وتعالى؛ إذْ كلُّ شيءٍ فهو ملكه.
الثاني: الغِنَى عن الغير بحيث لا يحتاج إلى أحدٍ وغيره محتاجٌ إليه.
وقوله: الْحَمِيدُقال المؤلف رحمه الله: (الْحَمِيدُالمحمود في صنعه) فقصَّر في التفسير من وجهين:
أولًا: قال: الْحَمِيدُبمعنى المحمود. والصحيح أنها بمعنى المحمود والحامد؛ فهو سبحانه وتعالى حامدٌ مَن يستحقُّ الحمد، وما أكثر الثناء على مَن يستحقُّون الثناء في كتاب الله عز وجل، وهو كذلك محمودٌ على كمال صفاته وتمام إنعامه، يُحمد على أمرين: على كمال صفاته، وعلى تمام إنعامه.
الوجه الثاني مما قصَّر فيه المؤلف أنه قال: (المحمود في صنعه)، والصواب أنه محمودٌ في صُنعه وفي شرعه أيضًا، فإنَّ شرعه سبحانه وتعالى أكملُ الشرائع وأنفعُها للعباد، ومَن سَنَّ للخلق طريقًا تستقيم به أمورهم فهو أهلٌ للحمد، الآن لو أنَّ أحدًا دلَّك على طريق بلدٍ في سَفْرة واحدة من سفراتك، تحمده ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: تحمده، فكيف بمن دلَّك على طريق الآخرة في كلِّ ما تحتاج إليه، فالصواب أنَّ (حميد) بمعنى حامد ومحمود، وحميدٌ في صُنعه وفي شرعه؛ فصُنعه الذي هو الخلْق يُحمد عليه سبحانه وتعالى على إيجاده، وعلى إعداده، وعلى إمداده، وهو أيضًا حميدٌ في شرعه يُحمد عليه لِمَا في شرعه من العدل والحكمة والرحمة التي لا نظير لها.
وما أعظم الفائدة في اقتران الْحَمِيدبـالْغَنِي؛ لأنه كما مرَّ علينا أسماءُ الله تعالى كلها حُسنى وتدلُّ على معنى أحسن، لكن قد يدلُّ الاسمان على صفة ثالثة حصلت بماذا؟ باقترانهما، فالغِنَى مع الحمد يزداد كمالًا؛ لأنه قد يكون الغنيُّ غنيًّا ولكن غِنًى لا يُحمد عليه؛ مثل؟
طالب: البخيل.
الشيخ: مثل البخيل، البخيل الغني غنيٌّ، لكن لا يُحمد علي غِناه لأنه لا يُستفاد من ماله، وقد حرم نفسَه من مصلحة ماله، لكن الله عز وجل له الغِنَى المقترن بالحمد لكمال إحسانه على خلْقه من هذا الغنى إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
ثم قال عز وجل وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ [لقمان: ٢٧] (...) نشوف الإعراب.
وَلَوْ أَنَّمَا(لو) هذه شرطية، وفِعل الشرط محذوف؛ أي: ولو ثبت أنَّ ما في الأرض من شجرة ... إلى آخره. و(ما) اسم موصول بمعنى الذي.
وفِي الْأَرْضِجارٌّ ومجرورٌ متعلق بمحذوفٍ صلة الموصول؛ يعني: ولو أنَّ الذي استقر في الأرض.
مِنْ شَجَرَةٍجارٌ ومجرورٌ، بيانٌ لـ(ما) الاسم الموصول؛ لأن الاسم الموصول مبهمٌ يحتاج إلى بيان، فـمِنْ شَجَرَةٍبيانٌ له؛ يعني: لو أنَّ الذي في الأرض من الشجر.
وقوله: أَقْلَامٌخبر أنَّ، يعني: ولو أنَّ الذي في الأرض من الأشجار كان أقلامًا -هذا المعنى- كان أقلامًا يُكتب بها.
{وَالْبَحْرَ} يقول: (عطف على أسم أن)، {وَالْبَحْرَ}، وفي قراءة وَالْبَحْرُ.
طالب: (...).
الشيخ: هنا وَالْبَحْرُالموجودة في المصحف، لكن المؤلف (...) منصوبة، قال: (عطْف على اسم أنَّ).
وَالْبَحْرُإذا كانت بالرفع فهي مبتدأ، قال ابن مالك:
| وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْــــــطُوفًا عَــــــــــلَى | مَنْصُوبِ (إِنَّ) بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا |
| وَأُلْحِقَتْ بـ(إنَّ) (لكنَّ) و(أنّْ) | ................................ |
هذه (أنَّ) قال: ({وَالْبَحْرَ} عطفٌ على اسم أنَّ) فتكون بالنصب. يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [لقمان: ٢٧] وين الخبر؟
طلبة: مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧].
الشيخ: لا، هذه جواب الشرط، الخبر محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (مِدَادٌ)؛ يعني: لو أنَّ ما في الأرض من الأشجار أقلامٌ وما فيها من البحار مدادٌ. (مداد) يعني حِبر يُكتَب به.
جواب الشرط (مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ(المعبَّر بها عن معلوماته ...) إلى آخره.
مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ(نفد) أيش معناه؟
طالب: انتهى.
الشيخ: انتهى وخلص.
مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ، كَلِمَاتُفاعل نَفِدَتْ، الكونية والشرعية ما تنفد؛ السبب لأنه سبحانه وتعالى لم يَزَل ولا يزال متكلِّمًا، والخلْق له نهاية ولَّا ما له نهاية؟
طلبة: لا.
طلبة آخرون: نعم.
الشيخ: لا، الخلْق ما له نهاية؛ لأنه إذا دخل الناسُ الجنة أو النار أيش يكون؟ خلود دائم سرمدي أبدي، فإذَنْ كلُّ شيءٍ يخلقه الله فإنما يخلقه بماذا؟ يخلقه بالكلمة (كُنْ) فيكون. إذا كانت المخلوقات لا تنتهي، وكذلك أيضًا أفعال الله عز وجل في الأزل ما لها نهاية، فإنها لا يمكن أن تنفد أبدًا، حتى لو فُرِض أنَّ البحر ومِن بعده سبعة أبحر تمده، والشجر كل الشجر الذي في الأرض أقلام، وصار يُكتب بها، فإنَّ كلمات الله عز وجل لا تنفد، ووجْه ذلك واضح؛ لأن المخلوقات لا تنفد، وكل مخلوق فإنه يكون بالكلمة؛ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
إذَنْ يتبيَّن لنا وجْه كَوْن هذه الجملة الخبرية صدقًا محضًا، وهي صِدق لا شك، خبرُ الله صِدقٌ، لكن قد يقول قائل: كيف؟! ويش وجه هذا؟! نقول: هذا وجهه؛ إذْ إنَّ الإنسان قد يستعظم أن تكون البحار؛ البحر المحيط ومن ورائه سبعة أبحر، يكون مدادًا وما في الأرض من الشجر أقلامًا يُكتَب به ثم لا تنفد الكلمات، قد يستعظم هذا الشيء، ولكنَّه إذا عرف كمال قدرة الله وعظمته ما استعظم هذا.
وقوله: مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِقال: (المعبَّر بها عن معلوماته بكتْبها بتلك الأقلام بذلك المداد ولا بأكثر من ذلك؛ لأن معلوماته تعالى غير متناهية). عفا الله عن المؤلف، هذا تحريف؛ عبَّر يقول: إنَّ المراد بالكلمات المعلومات -معلومات الله- يعني: ما نفد ما يعلمه. لكن هذا تحريفٌ ظاهر للقرءان؛ الله يقول: ما نفدتْ كلماتُه، والكلمات هي اللي تُكتب، أمَّا المعلومات فقد تُكتب وقد لا تُكتب، فهل كل معلوماتك تكتبها؟! لكن كلماتك إذا أردتَ أن تعبِّر عنها للغير تنطق بها وتكتبها، فالمعنى: مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِأي: كلماتُه بالحق، حقيقةً يعني، الكلمات الحقيقيَّة لو أُمليتْ على أحدٍ وصارت البحارُ مدادًا لها والأشجارُ أقلامًا لها ما نفدتْ، ووجه ذلك ظاهرٌ، وهذا يدلُّ على عظمة الله عز وجل وكمال قدرته.
(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌلا يُعجزه شيء حَكِيمٌ [لقمان: ٢٧] لا يخرج شيءٌ عن علمه وحِكمته).
قوله: عَزِيزٌيقول: (لا يُعجزه شيء)، وأحيانًا يعبِّر المؤلف نفسُه يقول: عَزِيزٌ (لا يغلبه شيء)؛ وذلك لأن العِزَّة -كما سبق- تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزَّة القَدْر، والثاني: عزَّة القهر؛ وهي الغَلَبة، والثالث: عزَّة الامتناع، وهي أنه سبحانه وتعالى لا يناله شيءٌ بسوء أبدًا، ممتنعٌ عن كلِّ سوءٍ لقوَّته سبحانه وتعالى.
وأمَّا قوله: حَكِيمٌفهو هنا قال: (لا يخرج شيءٌ عن علمه وحِكمته)، ففسر الحكمة بالعلم، وقد سبق لنا أن (الحكيم) مشتق من الحُكم والحِكمة؛ فهو حكيمٌ لا يخرج عن مُلكِه شيءٌ وحُكمِه، وحكيمٌ لا يخرج عن حكمته شيءٌ، إذَنْ هو حاكمٌ مُحكِم، كلها تؤخذ من كلمة (حكيم).
وفي قرن (العزيز) بـ(الحكيم) بها إثباتُ صفة ثالثة غير العزَّة والحكمة، وهي أنَّ عِزَّته عز وجل مقرونةٌ بحكمة، فتكون عِزَّةً أكمَل، وتكون حكمةً أكمَل؛ وذلك أنَّ العزيز من الخلْق قد تأخذه العزَّة بالإثم فلا يكون حكيمًا في تصرُّفه، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: لكنَّ الله عز وجل عِزَّته مقرونةٌ بالحكمة، لا يمكن أن تخرج أفعاله عن الحكمة التي هي موافَقة الصواب.
ثم قال عز وجل مبيِّنًا كمال قدرته بعد أن ذكر عمومَ مُلكه وكمالَ كلماته، قال: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان: ٢٨] خلقًا وبعثًا؛ لأنه بكلمة (كُن) فيكون). لأنه يعني الخلق والبعث؛ ما خلقكم جميعًا إلا كنفسٍ واحدةٍ، وما بَعْثكم جميعًا إلا كنفسٍ واحدةٍ، إذَن الكثرة لا تُعجز الله عز وجل؛ لأن الكثرة عنده والقِلَّة على حدٍّ سواء، الكلُّ تتعلق به القدرة، وهو كلُّه سهلٌ عليه؛ لأنه يكون بأيِّ كلمة؟ بكلمة (كُن)، فالله عز وجل لَمَّا خلق السماوات والأرض هل احتاج إلى عُمَّال وعوامل.
طلبة: لا.
الشيخ: في هذه نقول: إذا كان البناءُ واسعًا كان أشقَّ، وإذا كان ضيقًا كان أهون؟ لا، إنما هو بكلمة (كُن)، وما كان بكلمة (كُن) فلا فرق بين أن يكون كثيرًا أو قليلًا، ولهذا قال الله عز وجل في آية أخرى: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل: ٧٧]، يعني: بل هو أقرب من لمح البصر، وقال تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠] هذا غاية ما يكون من السرعة والإنجاز، وقال تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤] كل هذا يدلُّ على كمال قدرته عز وجل.
فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك فلماذا خلق السماوات في ستة (...)؟
كيف مقرونة بالحكمة؟ لأن هذا الخلْق يحتاج إلى أشياء؛ مقدِّمات وأسباب يحصل بها كمالُ الخلْق. أليس الله قادرًا على أن يخلق الجنين في بطن أُمِّه بدون أن يتناولها رجُل؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، كما حصل في عيسى، ومع ذلك فإنَّ الله تعالى قد جعل لهذا أسبابًا، إيصالُ ماء الرجل للمرأة، ثم بعد ذلك الجنين يتطوَّر شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى الغاية، ثم إذا كان قابلًا لأن يخرج إلى الدنيا خرج، ثم مع ذلك ينمو شيئًا فشيئًا، ما يأتيه العقل كاملًا دفعة واحدة، ولا يأتيه النموُّ دفعة واحدة، ولكنَّه على وَفْق الحكمة، فيكون هذا الجواب عمَّا يَرِد في الذهن أو يُورَد على المرء: لماذا خلق الله السموات والأرض في ستة أيام؟ ولماذا يخلق الجنين في بطن أُمِّه لمدة تسعة أشهر؟ وما أشبه ذلك. فالجواب أنَّ أفعاله مقرونةٌ بحكمة، وأنَّه سبحانه وتعالى جعل لك الأسباب مربوطة بمسبَّباتها، فلا بدَّ من أن يكون هناك سببٌ وينتج عنه مسبَّبٌ، ولا بدَّ من أن يكون هذا السبب مطابقًا موافقًا حتى يتمَّ الخلق على كماله.
إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ(إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌيسمع كلَّ مسموع، بَصِيرٌ [لقمان: ٢٨] يبصر كلَّ مبصَرٍ لا يشغله شيءٌ عن شيءٍ).
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ..
طالب: (...).
الشيخ: مبصَر.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، كل مبصَر، وكل مبصَر فهو مخلوق، ما ثَمَّ إلا خالقٌ أو مخلوقٌ، يعني كأنك تقول إن (...) ما يبصر نفسه.
الطالب: (...) المبصَرات الحسية.
الشيخ: لا، كل مبصَر يعني كل ما من شأنه أن يتعلَّق به البصر، (...) أنا ما أُبصِره لكنَّ الله عز وجل يُبصره، الآن نتفاوت في شيءٍ يُبصره زيد ولا يُبصره عمرو.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌتقدم أنَّ السميع ينقسم إلى قسمين: قِسم بمعنى مجيب، وقِسم بمعنى سامع؛ يعني مُدرك للأصوات.
فالسميع الذي بمعنى مجيب مثل قول إبراهيم: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩] أي: مجيبه، ومن المعلوم أيضًا أنه لا يجيبه إلا بعد أن يسمعه سمعَ إدراكٍ، ولكن الفائدة من الدعاء هي إجابة الداعي، أمَّا مجرَّد أن يُسمَع دعاؤه فلا فائدة له من ذلك حتى يُجاب.
وتقدَّم أنَّ سمع الإدراك ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ما هي؟ ما يفيد التهديد، وما يفيد التأييد، وما يفيد سعة سمع الله سبحانه وتعالى وإدراكه لكل مسموع.
فممَّا يفيد التهديد قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠] هذا الغرض منه أيش؟ التهديد.
ومما يفيد التأييد قوله تعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦].
ومما يفيد الشمول، شمولَ سمع الله عز وجل لكلِّ ما يُسمع، مثل قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة: ١]، ولهذا قالت عائشة: تبارك الذي وسِعَ سمعُه الأصوات، إنِّي في طرف الحجرة وإنَّه ليخفى عليَّ بعضُ حديثهم ، والله عز وجل من فوق سبع سماوات يسمع هذا الحديث والتحاور كلَّه لم يَفُته سبحانه وتعالى شيء.
أما قوله: بَصِيرٌفالبصير..
طالب: المعنى الثاني للسميع.
الشيخ: هذا بمعنى إدراك المسموع.
الطالب: قلنا: بمعنى المجيب.
الشيخ: بمعنى المجيب وبمعنى المدرِك للأصوات؛ سامع للأصوات، وسمع الأصوات قلنا: ينقسم إلى ثلاثة أقسام، واضح؟
أمَّا بالنسبة للبصير؛ فالبصير بمعنى المبصِر؛ أي: مدرِك ببصره سبحانه وتعالى، فللَّهِ تعالى بَصَرٌ يُبصِر به المبصَرات؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» .
وقد يكون البصير أيضًا دالًّا على العلم؛ مثل: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة: ٢٦٥] أي: عليمٌ به، وعند الناس الآن إذا قالوا: فلان بصيرٌ بالأشياء؛ يعني: عنده علمٌ بها وخبرة.
ثم قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِإلى آخره [لقمان: ٢٩]. الهمزة هنا للاستفهام التقريري؛ فمعنى أَلَمْ تَرَقد رأيتَ، فهو يقرِّر سبحانه وتعالى هذه القضية المشاهَدة المعلومة لكلِّ أحد، والخطاب في قوله: تَرَإمَّا للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكلِّ مَن يصلح للخطاب، والمعنى الثاني أشمل وأعمُّ، فتكون شاملةً لكلِّ مَن يصلح له الخطاب.
أَلَمْ تَرَأيُّها الرائي المخاطَب (أَنَّ اللَّهَ يُولِجُيُدخل اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَيُدخله فِي اللَّيْلِ)، وهذا الإيلاج والإدخال لا يكون إلا بقدرةٍ عظيمة.
وكيف الإيلاج يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، هل المراد إقبالُ الليل وإقبالُ النهار؛ لأنك ترى الليلَ إذا أقبل يدخل سوادُه في النهار، يدخل على النهار ويطرده، وتري النهارَ إذا أقبل يَلِج في الليل فيطرده، فيكون هذا عبارة عن تقرير طلوع الفجر، وأيش بعد؟ وإقبال الليل.
وقد أقسم الله تعالى بذلك في القرآن الكريم؛ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ [المدثر: ٣٣، ٣٤] ولا يُقسم بشيءٍ من المخلوقات إلا لعِظَمه، فيكون معنى الإيلاج الإدخال به؛ إدخال الليل بالنهار أو بالعكس، متى؟ عند كلِّ صباح وعند كلِّ مساء، هذا وجه.
أو أنَّ المعنى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِبمعنى أنَّه يزداد النهارُ مدَّةً حتى يدخل في الليل، ويزداد الليلُ مدَّةً حتى يدخل في النهار؛ يعني يطول النهار فإذا طال أخَذ من الليل، فمعنى ذلك أنَّه دخل عليه، ويطول الليلُ فإذا طال أخَذ من النهار فيكون قد دخل عليه واختلسَ منه. أي: هذا أيضًا معنى لكلمة الإيلاج.
وكلاهما معنى صحيح؛ ففي إقبال الليل وإدباره آيةٌ عظيمةٌ من آيات الله، وفي كون هذا يزيد وهذا ينقص أيضًا آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ لأن الخلْق لو اجتمعوا كلهم على أن يأتوا بالليل في النهار أو بالنهار في الليل ما يستطيعون، لو اجتمعوا كلهم على أن يزيدوا في النهار دقيقة واحدة أو في الليل دقيقة واحدة يستطيعون ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يستطيعون مهما أُوتوا من قوَّة، إذَنْ فهذا دليلٌ على كمال قدرة الله عز وجل.
ثم إنَّ في إيلاج الليل في النهار على المعنى الثاني، هو بالعكس، فيه دليل على رحمة الله؛ لأن تناوُب الليل والنهار في الزيادة والنقص فيه مصلحة عظيمة جدًّا؛ لأن الليل إذا طال حصل البردُ والشتاءُ، وظهرت أشجار الشتاء، وماتت الحشرات التي قد يكون بقاؤها ضارًّا للإنسان والنبات، وكذلك إذا ازداد النهار ازداد الحرُّ، ونضجت الثمار، وزال البخار من الأرض، وماتت بذلك حشراتٌ كثيرة من أجْل الحرِّ لو أنها بقيتْ وتنامتْ لأضرَّتْ بالناس، فيكون هذا فيه أيضًا دليل على كمال الحكمة والرحمة مع القدرة.
يقول المؤلف: (يُولِجُيُدخِل اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَيُدخِله فِي اللَّيْلِفيزيد كلٌّ منهما بما نقص من الآخر وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) أي: ذلَّلهما. لأي شيء؟ لمصالح العِباد، والدليل على ذلك قوله تعالى في الآية العامة الشاملة: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، سَخَّرَ لَكُمْشوف كلمة لَكُمْ، إذَنْ كلُّ ما ذُكِر من تسخيرٍ في الكون فهو لبني آدم، ولهذا يقال في بعض الآثار: «يَا ابْنَ آدَمَ، خَلَقْتُكَ مِنْ أَجْلِي، وَخَلَقْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِكَ» ، والله عز وجل يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، ويقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩]، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ.
طالب: (...).
الشيخ: (...). وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَأي: ذلَّلهما لمصالح العِباد، وذكر الشمس والقمر بعد ذِكْر الليل والنهار لأن الشمسَ آيةُ النهار والقمرَ آيةُ الليل؛ لقوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِوهو القمر وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [الإسراء: ١٢]، ولذلك فالقمر ما فيه نور، ممحو، إنما يستفيد نوره من الشمس، كلَّما قابلها ازداد نورُه فإذا تَمَّت المقابلة بينه وبين الشمس في ليالي الإبدار كمُل نوره، ثم كلَّما ضعفت المقابلة ضعف نوره.
طالب: شيخ، الآية يتبادر منها أنه الإدخال؛ الإيلاج (...) الطول (...).
الشيخ: كلٌّ صالح، كله إيلاج.
الطالب: الطول إيلاج! كيف (...)؟!
الشيخ: لأن النهار يدخل في الليل؛ (...) إذا قدَّرنا أننا الآن في تساوي الليل والنهار، كم الليل؟
الطالب: اثنتا عشرة ساعة.
الشيخ: والنهار؟
الطالب: اثنتا عشرة ساعة.
الشيخ: طيب، يطول النهار فيكون ثلاثة عشر ساعة، ويكون الليل؟
الطالب: إحدى عشرة.
الشيخ: إحدى عشرة، إذنْ دخل النهارُ في الليل؛ أي: في زمن الليل.
الطالب: يعني في الزمن، زمن الليل.
الشيخ: في زمن الليل، وكذلك بالعكس.
(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّمنهما يَجْرِيفي فَلَكه إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىوهو يوم القيامة).
كُلٌّ يَجْرِي، كُلٌّهذا التنوين يقول النحويون: إنه عوض عن محذوف، عن كلمة؛ يعني: كلُّ واحدٍ من الشمس والقمر يجري إلى أجلٍ مُسَمًّى.
العجيب أنه رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنَّ الشمس والقمر يجريان في فَلَكهما في النهار، ويجريان في فَلَكهما تحت الأرض في الليل ، وهذا يدلُّ على أنَّ ابن عباس يرى أنَّ الأرض كروية؛ لأنه إذا صار يجري تحت الأرض فمعناه أنها كروية، وهو كذلك؛ لأن الشمس والقمر في الليل يجريان تحت الأرض كما قال رضي الله عنه.
طالب: أي أرض؟
الشيخ: أرضنا هذه، تكون تحتها.
الطالب: والأراضي الباقية؟
الشيخ: (...)..
الطالب: أقول: الأرضين الباقية، الست الباقية، يعني تحت.
الشيخ: إي نعم، الست الباقية تحتنا، يعني الأرض طبقات، (...)، طبقات بعضها فوق بعض، ألَمْ ترَ إلى البيضة فيها القشرة الأعلى، ثم القشرة الثانية: (...) الذي يليه البياض، ثم البياض، ثم قشرة رقيقة، ثم الأصفر، والأصفر أيضًا طبقات، الأرض مثل البيضة هكذا، كذلك أيضًا السماوات نفس الشيء؛ طبقات مكوَّرة.
طالب: يعني ما هي منفصلة؟
الشيخ: (...) منفصلة؟
الطالب: يعني الأرضين ما هي منفصلة عن بعضها.
الشيخ: إي، فيه خلاف؛ بعض العلماء يقول: إن بينها فصْل وهواء؛ يعني مثلما أن السماوات بينها هواء وفصْل، وبعضهم يقول: ما بينها فصْل.
الطالب: قلنا: إنه تدور الشمس والقمر من تحت الأراضي كلها؛ الأرضين السبع.
الشيخ: الآن الأرضون السبع هي الكتلة الآن، كتلة الأرض هذه اللي يسمُّونها الكرة الأرضية هذه متضمِّنة للسبع، السبع في جوفها، والدليل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ؛ لأنه إذا ظلم الأرضَ العُليا اللي نحن عليها الآن هو معناه اعتدى على التي تحتها والتي تحتها والتي تحتها إلى السابعة، ولهذا عند العامة الآن يقولون: (...).
***
.. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ؛ يعني: وألَمْ ترَ أنَّ الله بما تعملون خبير. هنا الرؤية بمعنى العِلم في الموضعين كما قدَّرها المؤلف؛ يعني: أوَلَمْ تعلم أنَّ الله بما تعملون خبير.فإن قال قائل: علمي بأنَّ الله يولج الليلَ في النهار وأنه سخَّر الشمسَ والقمرَ علمٌ طريقُه الحسُّ، أنا أشاهد ذلك، لكن وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [لقمان: ٢٩] ما طريق هذا العلم، هل هو الحسُّ الشاهد أو الخبر الصادق؟
الخبر الصادق لا شك، نحن نعلم أنَّ الله بما نعمل خبير لأنه أعلمَنا بذلك سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين.
لكن هل نحن نعلم ذلك أيضًا عن طريق الحسِّ الشاهد أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف ذلك؟ نقول: نعم، نعلم ذلك لما نشاهد من عقوبات المعاصي مثلًا، ومن ثواب الطائعين، ومما يحدث للإنسان نفسه من أثر الطاعة ومن أثر المعصية؛ الإنسان المؤمن يحصل له من المعصية أثرٌ سيِّئٌ في نفسه، حتى إنَّ بعض الناس يضيق صدره ولا يدري أيش السبب، لكن سببه معصية خفيت عليه؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ» ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فالإنسان يحس بعلم الله عز وجل وخبرته بما يعمل من الآثار.
طالب: (...).
الشيخ: من الآثار، فالحاصل الآن أن وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌنقول: نحن نعلم ذلك عن طريقين هما: الخبر الصادق، والحسُّ الشاهد؛ نُحِسُّ بذلك بما نرى من آثار أعمالنا الصالحة أو آثار أعمالنا السيئة.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا من العلامات، فالحاصل من هذا يكون هذا التقرير -أَلَمْ تَرَتعلم- تقريرًا للأمر الواقع المشاهَد المحسوس والأمر المعلوم به عن طريق الخبر الصادق (...).
***
.. قال الله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [لقمان: ٢٦].يستفاد من هذه الآية: أنَّ مُلك السماوات والأرض لله وحده، وطريق الفائدة منها؟
طالب: طريق الفائدة لأنَّ كل ما في الكون (...) لله سبحانه وتعالى.
الشيخ: (...) لكن يختصُّ به الله، فما هو الطريق الدالُّ على اختصاص الله تعالى به من الجملة؟
طالب: (...) الاختصاص.
الشيخ: نعم، ما طريقه؟
الطالب: تقديم الجار والمجرور.
الشيخ: تقديم الخبر.
الطالب: تقديم الخبر على المبتدأ (...).
الشيخ: إذَنْ في الآية الكريمة .. من فوائدها: أن مُلك السماوات والأرض لله وأنه خاصٌّ به، من أين أخذْنا أنه خاصٌّ؟ من تقديم الخبر؛ لأن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر والاختصاص.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أنَّ الناس لا يملكون أموالهم ملكًا مطلقًا، تقول مثلًا: أنا أملك بيتي، وسيارتي، وما أشبه ذلك، لكن ملكي لها ليس مطلقًا، أليس كذلك؟ لأن الملك المطلق لِمَن؟ لله عز وجل، ولهذا تَصَرُّفي فيها على حسب ما أذِنَ الله به، ما هو على حسب ما أريد أنا، وبهذا يزول الإشكال الذي يورَد فيقال: إذا قلت: إنَّ مُلك السماوات والأرض خاصٌّ بالله، أليس الله تعالى قد أضاف الملْك إلى الإنسان؛ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣]، إذَنْ كيف الجواب؟ نقول: هذا الملْك ليس ملْكًا مطلقًا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، (...) ما نراها في القرآن، لكن نقول: ليس ملكًا مطلقًا، بدليل أنَّه مقيَّدٌ بإذن الله؛ بما أذِنَ الله فيه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغنِيُّ، والحميد، وما دلَّا عليه من الصفة وهى الغِنَى والحمد، وما دلَّ عليه اجتماعهما من الصفة أيضًا؛ وهو أنَّ غِنَى الله مقرونٌ بكونه محمودًا فيدلُّ على أنه غِنًى ذاتِيٌّ، وأنَّه سبحانه وتعالى -مع كونه غنيًّا- جوادٌ يجود بما عنده، أو لا؟ إذْ ليس كلُّ غنِيٍّ حميدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن مُلك الله للسماوات والأرض ملكٌ مشتملٌ على الفضْل والحمد، من أين نأخذه؟ لأنه ذكره بعد قوله: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ، فكونه غنيًّا يتمدَّح سبحانه وتعالى بغِناه بعد ذِكْر مُلك السماوات والأرض يدلُّ على فضله بهذا الغِنَى، وعلى حمده على هذا الملك أنَّه ملكٌ مبنيٌّ على الحمد، وهذا كقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، حَمِد نفسه لكونه ربًّا للعالمين؛ لأن ربوبيَّته سبحانه وتعالى ربوبيَّة يُحمَد عليها لِمَا فيها من كمال الفضل والإحسان والعدل (...)، أفهمتم هذه؟ ويش قلنا فيها؛ الفائدة؟ إثبات أن مُلك السماوات والأرض لله مبني على الفضل والحمد؛ لأنه ذكره بعد قوله: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِقال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
ويستفاد من الآية الكريمة: افتقار ما في السماوات والأرض إلى الله، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم؛ لأن قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّدليلٌ على أنَّ ما في السماوات والأرض محتاجون إليه فقراء؛ كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن السماوات جمع وعددها سبع، تؤخذ من قوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ، أما تعيين العدد بالسبع فمن آيات أخرى.
ثم قال الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتكلم؛ من قوله: كَلِمَاتُ اللَّهِ.
ويستفاد منها: أنَّ كلماته مسموعة؛ لأنها تُكتب، ولا يُكتب إلا ما كان مسموعًا. هكذا؟ هل فيها نظر هذه الفائدة؟
طالب: فيها نظر.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لأنه لا يمكن أن تكتب الصوت (...).
الشيخ: طيب، يعني يمكن الإنسان يكتب كلماته هو بدون أن يُسمع غيره.
الطالب: لكن لا يكتبها غيره.
الشيخ: إي، لكن هو لازم يكتبها غيره؟ هل من اللازم كونها تُكتب أن يكتبها غيره؟
إذَنْ هذه الفائدة فيها نظر، لكن يؤخذ إثباتُ أنَّ الله يتكلم بصوت؛ أنَّ الكلام لا يُسَمَّى كلامًا إلا حيث يكون صوتًا أمَّا مجرَّد ما في النفس فليس بكلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ كلمات الله تعالى لا نفاد لها، من أين تؤخذ؟ من قوله: مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ، ووجه ذلك تقدَّم في التفسير أنَّ الله تعالى لم يَزَل ولا يزال خلَّاقًا فعَّالًا لِمَا يريد، ومن لازم ذلك أن يكون متكلِّمًا؛ لقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ حيث كان قادرًا على كلامٍ لا ينفد.
ومن فوائدها: إثبات العِزَّة والحكمة؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وإثبات الحكم أيضًا من قوله: حَكِيمٌ، وإثبات هذين الاسمين: عَزِيزٌوحَكِيمٌ.
ومن فوائدها أيضا: ما دلَّ عليه اجتماع العِزَّة والحكمة من صفات الكمال أو لا؟ يعني قلنا: إن الاسم قد يكون له معنًى في ذاته ومعنًى في اجتماعه إلى غيره؛ فاجتماع العِزَّة مع الحكمة يفيد كمالًا أكثر مما لو انفردت العِزَّة أو الحكمة، وهو أنَّ عِزَّة الله عز وجل مربوطة بالحكمة.
ثم قال الله عز وجل: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان: ٢٨].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات الخلْق والبعث؛ لقوله: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ.
ويستفاد منها: كمال قدرة الله؛ حيث جعل -جلَّ جلالُه- الخلقَ والبعثَ لجميع الخلق كنفسٍ واحدةٍ، وهذا في غاية ما يكون من القدرة.
ومن فوائدها: إثبات البعث؛ لقوله: وَلَا بَعْثُكُمْ.
ومن فوائدها: الاستدلال بالمشهود على الموعود، من أين؟ ويش الفائدة المطلوبة؟
طالب: الاستدلال بالمشهود على الموعود.
طالب آخر: الخلْق (...).
الشيخ: المشهود الخلْق، والموعود البعث، وقد قَرَنهما الله جميعًا بإثبات كل واحدٍ منهما وأنه كما قدر على الخلق أولًا فهو قادرٌ على البعث ثانيًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين: (السميع) (البصير) لله، وإثبات ما دلَّا عليه من صفة، وإثبات الكمال باجتماعهما؛ السمع والبصر؛ إذْ ليس كلُّ سميعٍ بصيرًا، وليس كلُّ بصيرٍ سميعًا، وقد سبق لنا معنى السميع ومعنى البصير، لا حاجة للإعادة.
ثم قال الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِإلى آخره [لقمان: ٢٩].
في هذه الآية: إثبات قدرة الله عز وجل في إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل.
ومن فوائدها أيضا: بيان رحمة الله عز وجل؛ لأن هذا الإيلاج فيه من المصالح الكثيرة ما هو مشاهَدٌ معلومٌ وما ليس بمعلوم.
ومنها: بيان نعمة الله عز وجل على عباده بتسخير الشمس والقمر؛ لقوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.
ومن فوائدها: أنَّ الشمس والقمر يجريان؛ لقوله: كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
ومنها: بيان كمال النظام في أفعال الله؛ لقوله: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىمعيَّن لا يختلف لا تقدُّمًا ولا تأخُّرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من قال: إن الشمس والقمر ثابتان؛ لقوله: كُلٌّ يَجْرِي، وهذا خبرٌ من خالقهما سبحانه وتعالى، وهو أعلم بما خَلَق؛ قال الله تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤]، فيكون فيه ردٌّ واضحٌ على الذين يقولون: إنهما ثابتان لا يجريان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ لكلِّ موجودٍ من الخلق غاية؛ لقوله: كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، إلا الجنة والنار فإنهما باقيتان أبد الآبدين بإبقاء الله تعالى لهما، ليس بقاؤهما ذاتيًّا؛ لأن ما جاز إحداثُه جاز إعدامُه، أو بعبارة أخرى: ما جاز حدوثُه جاز عدمُه، ولكنَّ الله عز وجل قضى بأبديَّة الجنة والنار كما تدلُّ على ذلك الأدلة الصريحة الصحيحة.
طالب: كل موجود (...).
الشيخ: يعني قصدك أنَّ كل موجودٍ له غاية، نظن أن فيه قياسًا على هذا؛ جريان الشمس والقمر مع أنهما دائمًا وأبدًا كما قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ [إبراهيم: ٣٣]، فمع كونهما دائبين لهما غاية، فما سواهما مثلهما.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم (الخبير) من أسماء الله؛ وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
ومنها: تحذير المرء من المخالفة؛ لقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ؛ يعني فاحذر أن تخالف (...) في عملك، فإنَّ الله تعالى عليم به.
طيب، قوله: بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌهل يستفاد منه الحصر؟ لأنَّه قدَّم المعمول بِمَا تَعْمَلُونَ، يعني أصله: وأنَّ الله خبيرٌ بما تعملون. نقول هذا الحصر (...) إضافي، الغرض منه التحذير؛ يعني كأنه قال: لو لم يكن خبيرًا بشيءٍ لَكان خبيرًا بأعمالكم. فإفادة الحصر هنا لتمام التحذير؛ يعني كأنه قال: لو لم يكن خبيرًا بشيءٍ لَكان خبيرًا بأعمالكم، فاحذروا المخالفة.
طالب: وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
الشيخ: هذا معلوم تفسيره، مرَّت علينا قبل مدَّة قصيرة أن الخبرة هي العلم ببواطن الأمور، ما هي مرَّت علينا في وصايا لقمان: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان: ١٦]؟!
***
قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [لقمان: ٣٠] ذَلِكَالمشار إليه ما ذُكِر من تسخير الشمس والقمر، والقدرة على البعث والخلْق؛ أي: ذلك المذكور السابق.
بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّالباء للسببية؛ أي: بسبب أنَّ الله هو الحقُّ، ولكونه تعالى هو الحقُّ صارت هذه الأمور وتنظَّمت هذه النُّظُم؛ لأنه جل وعلا حقٌّ في ذاته، وحقٌّ في أفعاله، وحقٌّ في أحكامه، وحقٌّ في أسمائه وصفاته، ورسوله حقٌّ، وكتابه حقٌّ، ووعده حقٌّ، وثوابه حقٌّ، وعقابه حقٌّ، وكل ما صَدَر عنه فهو حقٌّ.
والحقُّ هو ضد الباطل، والباطل هو اللغو والعبث الذي لا خير فيه، فيكون المعنى أنَّ كل ما صَدَر عن الله عز وجل فإنه حقٌّ وخيرٌ ثابت.
وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان: ٣٠]. وَأَنَّمعطوفة على أنَّ؛ يعني: وبأنَّ، معطوفة على أنَّالمفتوحة.
وقوله: مَا يَدْعُونَ، مَاهذه اسم موصول؛ يعني: وأنَّ الذي يدعونه.
وقوله: يَدْعُونَيشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ لأن الأصنام التي تُعبد من دون الله تُدعى بمعنى تُعبد، وتُدعى بمعنى تُسأل.
والدعاء له معنيان: دعاءُ عبادة، ودعاءُ مسألة. وقوله تعالى:وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦] أيش المراد؟ دعاء المسألة. وقوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠] دعاء عبادة، وكذلك قوله تعالى: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [الرعد: ١٤] أي: ما عبادتهم إلا في ضلال. فالدعاء إذَنْ يكون بمعنى دعاء المسألة ودعاء العبادة، فقوله: مَا يَدْعُونَيشمل المعنيين؛ يعني ما يعبدون، وما يطلبون منه الحوائج.
وَأَنَّ مَا يَدْعُونَوقوله: (بالياء والتاء) يعني قراءتان سبعيتان: {وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ}، وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ، وكلاهما صحيح، لكنْ في قوله: {وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ} خِطاب، ولا يكون إلا للكافرين؛ لأن الخِطاب في مثل هذا لا يمكن أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم ولا للمؤمنين من أصحابه.
طالب: (...).
الشيخ: دعاء مسألة.
الطالب: دعاء مسألة، (...) دعاء عبادة.
الشيخ: يقول: وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ، مِنْ دُونِهِأي: مِن سواه.
وقول المؤلف (يعبدون) (...) هذا فيه قصور، والصواب: يعبدون ويسألون؛ كما قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف: ٥]، يَدْعُويعني يسأل مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِفهنا ينبغي أن يضاف: يعبدون ويسألون.
وقوله: مِنْ دُونِهِأي: مِن سواه.
وقوله: الْبَاطِلُيقول المؤلف: (الزائل) وهذا فيه نظر؛ لأن المراد الباطل يعني الذي لا خير فيه، ومنه حديث: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ» ، (باطل) معناه: لا خير فيه.
وقوله: وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُهل المراد الباطل في عبادتهم إيَّاه، أو الباطل حتى في نفسه فليس مستحقًّا للعبادة؟
كلا الأمرين، يعني فهو باطلٌ بالنسبة لعبادتهم إيَّاه، وهو باطلٌ في نفسه لا يستحقُّ من الألوهية شيئًا.
(وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّعلى خلْقه بالقهر الْكَبِيرُالعظيم).
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّهذه الجملة -كما ترون- جملةٌ خبريةٌ مؤكَّدةٌ بضمير الفصل، أين ضمير الفصل؟
طلبة: هُوَ.
الشيخ: هُوَ الْعَلِيُّيعني: لا غيره.
والْعَلِيُّصفةٌ مشبَّهةٌ؛ لأنها على وزن (فَعِيل)، والصفة المشبَّهة يقول أهل العلم باللغة العربية: إنها تفيد الثبوت والاستمرار (...).
***
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: ٣٤] معروفٌ أنَّ اللَّهَلفظ الجلالة اسم (إنَّ)، و(عند) خبر مقدَّم، وعِلْمُمبتدأ مؤخر، والجملة خبر (إنَّ). الجملة الخبرية فيها حصرٌ، وهو يستفاد من تقديم الخبر؛ تقديم عِنْدَهُ، إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُلا عند غيره عِلْمُ السَّاعَةِ، ويدلُّ على هذا الحصر قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي [الأعراف: ١٨٧] حصر بطريق إِنَّمَا؛ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي، فلو أنَّ مدَّعيًا قال: إنَّ الحصر هنا في الخبر لا في الجملة كلِّها. قلنا: لكن الخبر هو الذي دلَّ على انحصار علم الساعة لله عز وجل، ويدلُّ عليه ويؤكِّده الآية التي قلناها وهي: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي، إذا جاءتكم مثل العبارة هذه: إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّيفالمعنى: لا يعلمها إلا ربي، هذا معناها، كما إذا قلت: إنما القائم زيدٌ. معناه: لا قائم إلا زيد.قوله: عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِمتى تقوم، وفي أيِّ وقت، ولا يعلمه إلا الله؛ ولهذا سأل جبريل النبيَّ صلى الله عليه وسلم: قال أخبرني عن الساعة. قال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» . فتأمَّل، رسولانِ أحدهما أفضل الملائكة، والثاني أفضل البشر، كلاهما يقول: لا علم عندي؛ لأن قوله: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» يعني: إذا كنتَ أنت لا تعلم فأنا من باب أَوْلى لا أعلم، فإذَنْ عِلمها يختصُّ بالله.
ولقد كذب مَن ادَّعى أنه يعلمها ولا سيما بالواسطة التي ذكر أنها دالة عليها، كما نُشِر عن شخصٍ يُسَمَّى رشاد خليفة؛ هذا رجلٌ في أمريكا، وهو رجلٌ عنده علم، لكنَّه اغترَّ اغترارًا عظيمًا بما يسمِّيه العدد تسعة عشر، حيث ادَّعى أنَّ القرآن كله مركَّبٌ على تسعة عشر حرفًا، وأنَّ هذه المادة اللي عنده؛ التسعة عشر، استدلَّ بها على أنه يعرف متى تقوم الساعة، وحدَّدها -أظن- في فوق ألفين بسنوات قليلة.
طالب: (...) عام ألف وتسع مئة وتسعة.
الشيخ: ألف وتسع مئة وتسعة؟
الطالب: (...).
الشيخ: ألف وتسع مئة وتسعة، كيف؟
الطالب: أقول: عام ألف وتسع مئة وتسعة هجري.
الشيخ: هجري، طيب، هذا الرجل في الواقع الله أعلم هل هو متأوِّل أو معاند، لكن كلُّ مَن ادَّعى عِلْم الساعة فهو كافر؛ لأنه مكذِّبٌ لله ورسوله وإجماع المسلمين، والمسلمون مجمعون إجماعًا قطعيًّا على أنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله عز وجل.
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِوالساعة هي القيامة، وسُمِّيت الساعة لأنها أعظمُ حدثٍ يكون، ولأنَّ فيها وعيدًا للمكذِّبين، ولهذا يُتوعَّد بالساعة، يقال مثلًا: ساعتك عندي. إذا أردتَ أن تهدِّد إنسانًا تهدِّده بكلمة الساعة لأنه يقع فيها حدثٌ عظيمٌ.
ثانيا: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان: ٣٤]، ولم يقُل: ويعلم متى يَنْزل الغيث، قال: وَيُنَزِّلُ، اختلاف التعبير له معنى عظيم، وإلا فإنَّ هذه الخمس كلها من عِلْم الغيب؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم فسَّر قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام: ٥٩] بهذه الخمسة، وألفاظ الحديث: «وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَنْزِلُ الْمَطَرُ إِلَّا اللَّهُ» ، لكن القرآن يقول الله فيه: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، فكيف نقول: إنَّه يُراد بها: لا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله. نقول: لأنَّ الله إذا كان هو الذي يُنَزِّل الغيثَ فلا يعلمه إلا الله؛ لأنه هو المنَزِّل له، والمنَزِّل للشيء هو الذي يعلمه وغيره لا يعلمه.





