فسَّرها بعضهم باسم الفاعل، اسم الفاعل هو قاسط عند الله، يعني: هو العدل عند
الله عز وجل، وإنما لجأ إلى ذلك؛ لأن المعروف أن اسم التفضيل يشترك في أصل معناه
المفضَّل والمفضَّل عليه، فإذا قلت: فلان أشجع من فلان، فكلاهما شجاع، لكن هذا
أشجع، فهنا إذا جعلنا اسم التفضيل على بابه وقلنا: دعاؤهم لآبائهم أقسط عند الله من
دعائهم لمن تبنَّاهم، صار في دعائهم لمن تبنَّاهم عدل، مع أنه لا عدل فيه.
ولذلك قال بعض المفسرين: إن أفعل التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، حتى لا يكون في
الطرف الثاني منه شيء.
وقال بعض المفسرين: هو على بابه، واللغة العربية تأتي
باسم التفضيل دائمًا فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، ومنه قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]، خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا،
مع أن أصحاب النار لا خير في مستقرهم، وعلى هذا فنقول: إبقاء الآية على ظاهرها يكون
أَوْلَى، فإذا قيل ذلك فإنه يَرِدُ علينا سؤال: لماذا عَبَّرَ بأفعل التفضيل في طرف
ليس في الطرف الآخر منه شيء؟
قلنا: لبيان أن هذا غاية ما يكون من العدل، انتبه،
فتكون فائدتها أن دعاءهم لآبائهم أعدل شيء، وهو غاية ما يكون من العدل، فاسم
التفضيل هنا باعتبار المعنى، أي أن هذا أعدل شيءٍ.
وكلمة أَقْسَطُاسم تفضيل من الثلاثي ولَّا من الرباعي؟ من الثلاثي؛
لأن اسم التفضيل ما يُصَاغ إلا من الاسم الثلاثي:
| وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِّفَا | ................... |
ثم إن الرباعي من هذه المادة ليس بمعنى العدل، بل بمعنى الجور، كذا؟ الرباعي بمعنى الجور؟ انتبه، إذن بالعكس؛ القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، أو لا؟
قال الله تعالى: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥]، وقال تعالى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩].
إذن يَرِدُ علينا إشكال في مسألة أَقْسَطُهنا، هُوَ أَقْسَطُ، فنقول في الجواب عنه: إن في هذا دليلًا على صحة مذهب الكوفيين الذين يقولون بجواز صيغة اسم التفضيل من غير الثلاثي، يقولون: أَقْسَطُمن باب الإقساط، يعنى أن ذلك أعدل.
وقوله: عِنْدَ اللهِيعني: في حكمه؛ لأن الحكم حكم الله عز وجل يضاف إليه، وهذا نظير قوله تعالى في الذين يرمون المحصنات، يقول: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: ١٣]، شوف تأمل قوله: فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ، إحنا انتقلنا الآن عن الآية، إذا قذف رجل امرأة بالزنا فهو باعتبار الواقع قد يكون حقًّا، وقد يكون كذبًا، أو لا؟ يعني: قد يكون حقًّا إنها زنت، وقد يكون كذبًا، لكنها في حكم الله؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، في حكم الله كذب، ولهذا قال: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ، ما قال: فأولئك هم الكاذبون؛ لأنه قد يكون حقيقة باعتبار الواقع، لكن في شرع الله كاذبون، فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، ولهذا يجب عليهم حد القذف إذا لم يأتوا بأربعة شهداء.
فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [الأحزاب: ٥]، إن لم تعلموا آباء مَن؟ أباء هؤلاء الأدعياء، فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ، يعني: وليسوا أبناءهم، يعني حتى في الحال التي لا يُعْرَف لهذا الرجل أبٌ فإنه لا يجوز أن يُنْسَب إلى غير أبيه، ولكن يكون أخًا لنا في الدين، ومولًى لنا إذا كان قد دخل في ملكنا ثم حررناه مثلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة اختصام علي وجعفر وزيد بن حارثة، قال لزيد: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا» ، فهو أخي في الدين وليس ابنًا لي، وهو أيضًا مولاي إذا كنت قد أعتقته، ولو لم أعرف أباه فإنه لا يُنْسَب إلَيَّ.
ولهذا تجدون العلماء رحمهم الله الذين يكتبون أسماء الرجال عندما ينسبون أحدًا من الموالي إلى مَن أعتقه يقول: القرشي مولاهم –مثلًا-، التميمي مولاهم، لأنه لو يقال: القرشي فقط أيش يظن الظان؟ أنه قرشي حقيقة، فإذا قال: مولاهم، يعني أنه نُسِبَ إليهم؛ لكونه مولًى لهم، ومولى القوم منهم، حتى إن العلماء قالوا في الصدقة قالوا: إنها تَحْرُم على موالي بني هاشم؛ لأن مولى القوم منهم، لكنه لا يُنْسَبُون إليهم نسبًا حقيقيًّا، بل لا بد من أن يقيد.
طالب: (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: بنو عمكم (...).
الشيخ: فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ.
الطالب: (...).
الشيخ: ما له وجه.
الطالب: (...) أن أبا زيد بن حارثة قَدِم للنبي من (...) فقال (...) فخيَّره النبي صلى الله عليه وسلم (...)؟
الشيخ: إي هذا لَمَّا قَدِم أبوه وعمه؟
الطالب: فعُرِف أبوه وطلبه أبوه.
الشيخ: سبب تَبَنِّيه، هذا كان في أول الإسلام ثم أُبْطِل، منسوخة. (...) وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌلكن بس (...).
وهي وجوب تقديم الوحي على الرأي؛ لقوله: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ [الأحزاب: ٢]، فإن هذا الخطاب موجَّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أُمَّته بالأَوْلَى، فيفيد وجوب تقديم الوحي على الرأي.
وتقديم الرأي على الوحي له أقسام، منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك، فالذين يُقَدِّمُون الرأي على الوحي مع علمهم بالوحي معتقدين أن غير الوحي مساوٍ له، أو أكمل منه، أو أنه يجوز الحكم بالرأي المخالف للوحي مع العلم به، هؤلاء يعتبرون كفارًا.
في هذه الأحوال الثلاث إذا اعتقدوا أن الرأي أكمل وأنفع من الوحي، أو أنه مساوٍ له، أو أنه يجوز تقديمه على الوحي مع العلم به، فهؤلاء كفار؛ لأنهم حَكَمُوا بغير ما أنزل الله، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤].
وأما مَن قَدَّمُوه بتأويلٍ ظنًّا منهم أن ذلك لا يخالف الوحي، أو أنه طريق يُوصِلُهم إلى الوحي، فهؤلاء لا يصلون إلى درجة الكفر، وذلك مثل كثير من المتعصبين للمذاهب، فإنهم لا يرون أن هذه المذاهب خارجة عن الوحي، وإنما يرون أن ذلك طريق إلى العمل بالوحي، فيقولون: هذا إمامنا أعلم منا وأفهم، فنتبعه ونتهم رأينا بالنسبة إلى رأيه، وإلا فنحن متمسكون بشريعة الله، ومُحَكِّمُون لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
هؤلاء نقول: إنه إذا تَبَيَّن لهم الحق وجب عليهم اتباعه، ولو خالف متبوعهم من الأئمة، وذلك لأن الحق لا يخطئ، والأئمة يخطؤون، ولا يمكن أن يَدَّعِي العصمة لأحد من البشر إلا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يدَّعِي العصمة إلا رجل ضالّ، الذي يدَّعي العصمة لغير الرسل رجل ضالّ، كما يفعل الرافضة بأئمتهم، وهذا ضلال بَيِّن؛ لأن أئمتهم قد يخطؤون كما يخطئ غيرهم.
وقد مر علينا ما وقع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو إمام الأئمة بالنسبة لأولئك القوم أنه أخطأ حين أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام حُلَّة من حرير فلبسها، فقال: «إِنَّنِي مَا أَعْطَيْتُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَإِنَّمَا تُعْطِيَهَا الْفَوَاطِمَ» ، وكذلك ما هو مشهور عنه من أن المرأة إذا كانت حاملًا وتُوُفِّي عنها زوجها فإنها تَعْتَدّ بأطول الأجلين، وهذا مخالف للسنة الصحيحة الصريحة.
والحاصل أننا نقول: إن في الآية الكريمة: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأحزاب: ٢] وجوب تقديم الوحي على الرأي، وأنه يجب الحكم بما جاء به الشرع مطلقًا، سواء خالف رأي متبوعيك أم لم يخالف.
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأحزاب: ٣]، هذا مبتدأ الفوائد؟
في هذا دليل على وجوب التوكل على الله، وقد ذكرنا في كتاب التوحيد أن التوكل ينقسم إلى أقسام:
أحدها: توكل العبادة، وهو شعور الإنسان بافتقاره إلى المتوكَّل عليه وذُلِّه بين يديه، وهذا لا يجوز صرفه لغير الله، وصرفه لغير الله شرك؛ لأنه إشراك بالله فيما لا يستحقه إلا الله، وهو شرك أكبر ولَّا أصغر؟ شرك أكبر.
والثاني: الاعتماد على الغير الذي جعلته نائبًا عن نفسك، فهذا جائز، وقد وقع حتى من الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه وَكَّلَ عروة بن الجعد على أن يشتري له أضحية، وكان له وكيل في خيبر، وكذلك وَكَّلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذبح ما بقي من الهدي، وهو جائز ولا إشكال فيه، ووَكَّل علي بن أبي طالب حين ذهب إلى تبوك أن يكون خليفة له في أهله، وموسى عليه الصلاة والسلام وَكَّل هارون حين ذهب إلى الطور، وقال: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ [الأعراف: ١٤٢].
إذن هذا جائز ولا إشكال فيه؛ لوقوعه من الأنبياء، ولأنه عقد من العقود، والأصل في العقود الحِلّ إلا ما قام الدليل على منعه.
والثالث: أن يعتمد على مَن لا يصح الاعتماد عليه، على قوة سرية نعلم أنه لا أثر لها في هذا الاعتماد، وهذا شرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، مثل اعتماد أولئك الذين يتوسَّلون بالأموات، ويعتقدون أن في الاعتماد عليهم خيرًا، هؤلاء قد يصل بهم الأمر إلى الشرك الأكبر، وإلا فمجرد اعتمادهم عليهم شرك ولا يحل.
الرابع: أن يعتمد على قوة ظاهرة مؤثِّرة، لكنه يعتمد عليها لا باعتبار أنها نائبة عنه، بل باعتبار أنها مُجْدِيَة له، وأنها مصدر سعادته وفلاحه ورزقه، وما أشبه ذلك، فهذا مكروه، وقد يصل إلى درجة التحريم، كاعتماد الإنسان على الراتب وعلى المعاش من الوزارة التي يعمل فيها والإدارة والرئاسة، وما أشبه ذلك، فإن هذا فيه نوع من الشعور بالافتقار إلى هذا الشيء والتذلُّل له.
ولذلك تجد الذين ابتُلُوا بهذا النوع تجدهم يحابون من كانوا يعتمدون عليه، يحابون كبراءهم من الوزراء وغير ذلك، يحابونهم في أمر لا يجوز، أما مجاملتهم فيما هو جائز فهذا أمر لا بأس به، لكن محاباتهم في المحرَّم هذا لا يجوز، لكن هذا قد يقع؛ لأنهم يشعرون بأنهم مفتقرون إلى هؤلاء، فهذا أقل أحواله الكراهة، والإنسان ينبغي له أن يكون عزيز النفس، لا يعتمد إلا على ربه سبحانه وتعالى.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن كفاية الله عز وجل فوق كل كفاية؛ لقوله: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب: ٣] ، زعم بعض أهل العلم أن مثل هذا التركيب يفيد التعجب، يعني: ما أعظم من كفاية الله! وتوكَّل على الله فما أعظم كفاية الله سبحانه وتعالى! وهذا ليس ببعيد؛ أنّ كَوْن هذه الصيغة تُحَوَّل من: وكفى الله وكيلًا إلى: وكفى بالله وكيلًالا يبعد أن يكون المراد بذلك بيان المبالغة في كفايته سبحانه وتعالى، ويدل على هذا قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣].
ثم قال تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ [الأحزاب: ٤].
يستفاد من هذا السياق أن القرآن قد بلغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البرهان.
وجه ذلك أنه قَدَّمَ الدليل على المدلول بصورة لا يَمْتَرِي فيها أحد، ما هي؟ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ، فإن هذا أمر معلوم ولا يتنازع فيه اثنان؛ أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، ما فيه قلبان، لماذا؟ لأن هذين القلبين إن اتفقا على أمر واحد صار القلب الثاني لا فائدة منه، أو لا؟ وان اختلفَا تناقضَا في عين واحدة، فماذا يصنع الإنسان، هل يتبع القلب الأيمن ولَّا يتبع القلب الأيسر؟ يبقى محتارًا، لذلك ما جعل الله لرجل من قلبين، ما فيه إلا قلب واحد فقط؛ لأنه في جسم واحد.
وتأمل قوله: فِي جَوْفِهِيستفاد منها فائدة غير أنها بيان للواقع، يستفاد أن الجوف الواحد لا يتناسب معه إلا قلب واحد، وإلا لكان القلبان في جوفين لا في جوف واحد، فصار فيها فائدة غير ما سبق، وهي أنها بيان للواقع، بأن الجوف الواحد لا يمكن أن يديره إلا قلب واحد.
في الآية الكريمة سياق الشيء بالبرهان، أو إثبات الشيء بالبرهان الذي يكون قاطعًا لا يَمْتَرِي فيه أحد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرأة المظاهَر منها ليست أمًّا؛ لقوله: وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ.
يتفرع على هذه الآية: أن جَعْلَها أُمًّا في الظهار كذب وزور ومنكر، ولهذا قال الله تعالى في آية الظهار: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة: ٢]، فهو منكر لمخالفة الشرع، وزُور لمخالفة الواقع والحقيقة.
يستفاد من الآية الكريمة: الإشارة أو التنبيه على تحريم الظهار؛ لقوله: وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُأُمَّهَاتِكُمْ، فإذا كان الله ما جعل ذلك فإنه لا يحل لنا أن نجعل شيئًا لم يجعله الله؛ لأن الأمر إلى الله وحده.
ويستفاد من الآية وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ: أن الأبناء الأدعياء ليسوا بأبناء حقيقةً ولا شرعًا، فهم ليسوا أبناء قدرًا، وليسوا أبناء شرعًا، ولهذا قال: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ.
ويستفاد منها: أنه إذا لم يكن الابن الدَّعِيّ ابنًا لا شرعًا ولا حقيقة فإنه لا يحتاج إلى قَيْد يُخْرِجُه من معنى البنوة، لماذا لا يحتاج؟ لأنه غير داخل فيها أصلًا حتى نحتاج إلى قيد نخرجه به.
ويتفرع على هذه الفائدة: بيان ضعف قول مَن يقول: إن الاحتراز في قوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء: ٢٣] إن الاحتراز في قوله: الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْعن ابن التبني؛ لأننا نقول: إنه أصلًا لم يدخل حتى يحتاج إلى قيد يُخْرِجُه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول قولًا لا يعتقده، ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ [الأحزاب: ٤].
ويستفاد منها: أنه ليس من الرجولة، وليس من العقل أن يقول الإنسان قولًا بِفِيه وهو لا يعتقده بقلبه؛ لأن المراد من قوله تعالى: قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْالمراد به التنديد بهم والتوبيخ لهم، كيف تقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تعترفون بقلوبكم أنه ليس موافقًا للواقع؟ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن قول الله عز وجل كله حق ليس فيه باطل؛ لقوله: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ [الأحزاب: ٤]، والحق سبق أنه في كلام الله هو الصدق والعدل؛ لقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، وهو باعتبار الخبر صدق وباعتبار الحكم عدل.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن كلام الله عز وجل ليس فيه تناقض؛ لقوله: يَقُولُ الْحَقَّ، والتناقض ما يكون إلا في الباطل، فالحق لا يمكن أن يتناقض، واضح؟
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما وصف الله به نفسه في كتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تحريف أو تأويل؛ لأنه لو كان على خلاف ظاهره لكان ظاهره يدل على أيش؟ على باطل، إذا قلنا: إنه على خلاف الظاهر لزم أن يكون دالًّا على باطل، إذا كان المراد بآيات الصفات خلاف ظاهرها صار ظاهرها يدل على حق ولَّا على باطل؟
إذا قلنا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر، صار الظاهر باطلًا؛ لأنه خلاف المراد، وهذا ينافي قول الله تعالى: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ، فهو سبحانه وتعالى لا يقول إلا الحق.
ويستفاد من الآية: أنه مع ظهور أن الله يقول الحق فإن الناس لا يتفقون عليه؛ لقوله: وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: ٤]، يعني حتى مع أن الله لا يقول إلا الحق فليس كل أحد يهتدي لذلك، بل الهداية بيد الله عز وجل.
ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى في سؤاله الهداية؛ لقوله: وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، وتأمل تغيير الصيغة حيث قال: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ، ثم قال: وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ولم يقل: ويهدي السبيل، لأجل أن تكون الجملة الثانية مستقلة بركنيها بمبتدئها وخبرها؛ لأن قوله: وَهُوَ يَهْدِي، هُوَمبتدأ، وجملة يَهْدِيخبره، فكانت الجملة مستقلة عن الأولى؛ لأن ذلك أبلغ في بيان أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن طريق الحق واحد؛ لقوله: السَّبِيلَ، وهو مفرد، وهكذا تجدون أن السبل تأتي جمعًا فيما يخالف الحق، كذا؟
طالب: (...).
الشيخ: مثل؟
الطالب: (...).
الشيخ: مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام: ١٥٣]، فالصراط أَفْرَدَه، أما الصراط الآخر أو المخالف لصراط الله فهو جمع، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، وإذا جاء طريق الحق مجموعًا فالمراد تنوُّع شرائعه، وكذلك الوَلِيّ، الكفار اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [البقرة: ٢٥٧]؛ لأن سبل غير الحق متنوعة كل نوع منها عليه طاغوت يدعو إليه.
ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: وجوب دعوة الإنسان إلى أبيه ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ، يعني: انسبوهم لآبائهم لفظًا وحقيقةً، أما لفظًا فتقول: يا فلان بن فلان، انسبه إلى أبيه، وأما حقيقة أن تعتقد أن البنوة الحق إنما هي لِمَن؟ للأب الحقيقي الذي وُلِدَ الإنسان من صلبه، لا للأب الذي ادُّعِيَ أنه أب.
ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن يُدْعَى الإنسان لغير أبيه، وهذا نوعان:
أحدهما: أن يُدْعَى لغير أبيه لفظًا وحقيقة، فهذا لا يجوز، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من الكفر، إذا ادَّعَى الإنسان إلى غير أبيه وهو يعلمه فإن ذلك كفر، «فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ» .
الثاني: أن يَدَّعِيَ إلى غير أبيه لفظًا، ولكن لا تثبت أحكام البنوة إطلاقًا إلى مَن ادعى إليه، فهذا نقول: إنه خلافُ ما أمر الله به.
ولكن أهل العلم يقولون: إن الإنسان إذا اشتهر به مع عدم الالتفات إلى أحكامه ومقتضياته فإنه جائز، وذكروا لذلك مثل المقداد بن الأسود، فإن المقداد بن الأسود ليس أبوه هو الأسود، ولكن الأسود كان قد تَبَنَّاه، واشتهر بهذه الكنية، واستمر عليه حتى أبطل الله التبني، ولكن بقي مشهورًا بذلك، قالوا: فهذا لا يضر؛ لأنه انتفت عنه أحكام التبني ولم يَبْقَ إلا اللفظ.
ومع هذا فإن الأفضل بلا شك هو أن يُدْعَى إلى أبيه، لكن المشكل أن الشيء إذا اشتهر فوصفته بغير ما اشتهر به حصل بذلك الالتباس، الآن لو قلنا: عن عبد الرحمن بن صخر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، يمكن أن كثيرًا من الناس لا يدري من هو، لكن إذا قلت: عن أبي هريرة كلنا يعرفه.
وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال تتفاضل عند الله؛ لقوله: هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، يعني: أبلغ في العدل، ووجه ذلك أن هذا الرجل الدَّعِيّ كوننا ننسبه إلى غير أبيه هو باعتبار أبيه ظلم ولَّا لا؟ ظلم، كيف تنسبه إلى شخص ما أتى من صلبه وتَحْرِم مَن أتى من صلبه من دعوته إليه؟ هذا لا شك أنه جور، ولهذا قلنا في الدرس الماضي: إن اسم التفضيل هنا ليس في الطرف الآخر منه شيء؛ لأنه ليس فيه أي عدل في أن تنسب الإنسان إلى غير أبيه، وقلنا: إن فائدة التفضيل هنا بيان أن هذا الشيء قد بلغ الغاية في العدل؛ لأن هذا جِيءَ به باسم التفضيل، أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ، هل أخذنا الجملة التي بعدها؟
الطالب: (...).
الشيخ: له أب فإنه يُدْعَى بأُخُوَّة الدين، والولاية في الدين؛ لقوله: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [الأحزاب: ٥]، أما كونهم إخوانًا لنا في الدين فظاهر، وأما كونهم موالي فإن كان عتيقًا للمرء فهو مولى له بالعتق، وإن لم يكن عتيقًا فهو مولى له في الدين؛ لأن المؤمنين كما قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ [التوبة: ٧١]، فهم إخوانكم ومواليكم، فتدعوه بـ: يا أخي، لو قلت: يا ابن أخي، يصح؟ يصح.
المؤلف يقول: (وَمَوَالِيكُمْ: بنو عمكم)، فجعل الولاية هنا ولاية النسب وليست ولاية الدين، لكن في النفس من هذا من الشيء، فالولاية إما ولاية دين وإما ولاية عتق، فأما ولاية العتق فواضح أن العتيق مولًى لمن أعتقه، وأما ولاية الدين فظاهر أيضًا أن كل مؤمن وليٌّ لأخيه المؤمن، أما ولاية النسب كقوله: بنو عمكم، فهذه إن كانت اللغة العربية يأتي فيها مثل هذا التعبير فنحن نقبل ذلك؛ لأن القرآن عربي، ولا مانع من أن يكون للفظ الواحد عدة معانٍ إذا كانت لا تناقض بينها، الآن انتهى الوقت.
***
وهو اسم لَيْسَمؤخر، وعليكمجارٌّ ومجرور خبره مقدم، (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [الأحزاب: ٥] في ذلك)، أي: في دعائهم لغير آبائهم، يعني أن الإنسان لو أخطأ فدعا شخصًا لغير أبيه فإنه ليس عليه إثم؛ لأنه أخطأ، والخطأ مرفوع عن هذه الأمة.وفي قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِالمؤلف يقول: (في ذلك)، فكأنه خص الآية، والصواب أنها عامة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فإذا، كان السبب هو دعوة الإنسان إلى غير أبيه فإنه لا يقتضي تخصيص هذا العام بهذه المسألة؛ لأن العبرة، القاعدة المقرَّرة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وهذه القاعدة لها أدلة من القرآن والسنة؛ فمن القرآن قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( ١ ) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة ١، ٢] فالسبب خاص، ولكن الحكم عام.
وكذلك في السنة؛ رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا في السفر قد ظُلِّلَ عليه وحوله زحام من الناس، فقال: «مَا هَذَا؟»، قالوا: صائم، فقال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» ، إلا أن هنا -أي في الحديث الذي ذكرت- فيه أن قوله: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، إذا قلنا: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فإنه يشكل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر، كما في حديث أبي الدرداء: ما فينا صائم إلا رسول صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.
فكيف نجيب عن هذا الحديث: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ»، هل النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل بِرًّا؟ كلا، نقول -كما أشار ابن دقيق العيد رحمه الله إلى هذه المسألة: إن العبرة بعموم اللفظ، لكن يراعَى المعنى الذي من أجله وردت هذه الصيغة. ما هو المعنى؟ هو المشقة، فنقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أي أنه لا يختص هذا الحكم بهذا الرجل بعينه، لكنه عامٌّ في جميع الناس.
إلا أنه يجب أن نراعي المعنى الذي من أجله وردت هذه الصيغة العامة، وهو المشقة، فنقول: ليس من البِرّ الصيام في السفر إذا أدى إلى مثل هذه الحال، وهذا واضح جدًّا، فهل هذا خرج عن القاعدة: العبرة بعموم اللفظ؟ لا؛ لأنه لو خُصَّ الحكم بالرجل المعيَّن لكان خارجًا عن القاعدة، لكنه ما خُصَّ به، قيل: إنه عامّ لكل مَن صام ولحقه من المشقة ما لحق هذا الرجل.
إذن فالحديث لم يخرج عن القاعدة.
إذن قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِلا يختص فيمن دعا رجلًا لغير أبيه مخطئًا، بل هو عامٌّ وهذه القاعدة العظيمة في الشريعة الإسلامية سيأتي إن شاء الله تعالى بيان ما يترتب عليها من الفوائد.
ثم قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِظاهره العموم في المأمورات وفي المنهيات، ولكن مَنْ تَدَبَّر النصوص وجد أن هذا خاص في المنهيات فقط؛ أن الإنسان ليس عليه جناح فيما أخطأ به، أما في المأمورات فليس عليه جناح فيما أخطأ به، ولكن هذه المأمورات إذا كان خطؤه مُخِلًّا بصحتها فلا بد من إعادتها على وجه صحيح.
فهنا بالنسبة للمنهيات ليس عليه جناح ولا تَبِعَة ولا أثر، لكن بالنسبة للمأمورات ليس عليه جناح فيما أخطأ به، إلا أنه إذا كان هذا الخطأ مُخِلًّا بصحة المأمور فإنه يجب إعادة المأمور على وجه صحيح.
انظر إلى الرجل الأعرابي الذي صلَّى بغير طمأنينة مخطئًا ولَّا عامدًا؟
طالب: مخطئًا.
الشيخ: مخطئًا؛ لأنه جاهل، يقول: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا، فعَلِّمْنِي. هل النبي عليه الصلاة والسلام تركه أو أمره أن يُعِيدَ الصلاة؟ أَمَرَهُ أن يعيد الصلاة، فلهذا نقول: إنه ليس عليه إثم في صلاته الأولى التي أَخَلَّ فيها بواجب الطمأنينة؛ لأنه جاهل، لكن يجب عليه أن يعيد العبادة على وجه صحيح.
وكذلك لو أن أحدًا ترك واجبًا من واجبات الحج جاهلًا فإنه لا إثم عليه، لكن عليه إعادة ذلك الواجب إن كان يمكن تداركه، فإن لم يمكن تداركه فعليه بدله عند جماهير أهل العلم، وهو فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء، انتبهوا لهذا.
وقوله: فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ، ماهذه من صِيَغ العموم تشمل كل ما حصل فيه الخطأ.
(وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْفيه، وهو بعد النهي)، أما قبل النهي فإنه لا يؤاخَذ به الإنسان؛ لأن الحكم لم يتقرَّر بعد، ولهذا قال الله تعالى: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٢] وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٣]؛ لأنه قبل تقرير الحكم وثبوته شرعًا فالأصل البراءة، وهو ما يُعَبِّر عنه الأصوليون بالبراءة الأصلية.
وقوله: مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ؛ لأن المدار على القلب؛ إذ إنه هو الذي يُدَبِّر الجوارح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» .
وهل القلب هو عبارة عن هذه البضعة من اللحم، أو أن المراد بالقلب العقل الْمُفَكِّر، ومحله هذه القطعة من اللحم؟ الثاني، ولكن أين محل العقل؟ الصحيح أنه القلب؛ لأن الله قال في القرآن: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج: ٤٦]، فجعل العقل في القلب، يَعْقِلُونَ بِهَا.
ولهذا قال الإمام أحمد: إن العقل في القلب، وله اتصال بالدماغ، ولكني رأيت كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية أقرب إلى الواقع، وإلى الطب الحديث، يقول: إن أصل التفكير في الدماغ، فهو مُفَكِّر (...) إلى القلب، ثم القلب يُدَبِّر، يأمر وينهى، فيكون المخ كالسكرتير للقلب، يُفَكِّر وينظر ثم يرسل إلى القلب، والقلب هو الذي يُدَبِّر بلا شك؛ لأن الكتاب والسنة يدلَّان على أن القلب هو الذي يُدَبِّر كما سمعتم في الآية، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
ولكن الاتصال بين المخ والقلب سريع أو بطيء؟ سريع ما يُتَصَوَّر سرعته، وهذا من تمام عظمة الخالق عز وجل، حيث إن هذه المعدّات العظيمة في هذا البدن معامل وآلات إلكترونية وأشياء -سبحان الله العظيم!!- إذا بحثها الإنسان يجد ما قال الله عز وجل: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢٠، ٢١] فسبحان الخالق العليم!
(فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًالما كان مِن قِبَلِكم من قولكم قبل النهي، رَحِيمًا [الأحزاب: ٥] بكم في ذلك).
قوله: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًالِمَا كان من قولكم قبل النهي)، في هذا نظر ظاهر جدًّا، ووجهه أنه قبل النهي لم يثبت الحكم حتى يكون الإنسان مخالفًا يوصَف عدمُ مؤاخذته بالمغفرة؛ لأن المغفرة فرع عن وجود الذنب، وهنا لا ذنب قبل أن يتقرر الحكم.
والصواب أنه وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًافيما وقع من قولكم بعد النهي على سبيل الخطأ، فإن هذا من مغفرته سبحانه وتعالى ورحمته أنه يرفع الخطأ عمن فعله بعد النهي وتقرُّر الحكم.
ثم يقال أيضًا: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًاتعود إلى الفعل الخطأ، والفعل العمد؛ أما الفعل الخطأ فإنّ رَفْع المؤاخذة به من آثار الرحمة، ولو شاء الله عز وجل لكان يؤاخِذ عباده بالجهل كما يؤاخذهم بالعمد، لكن رحمته سبقت غضبه سبحانه وتعالى، وأما (غفور) فإنه يعود إلى ما فُعِلَ عمدًا، فإن من مقتضى كون الله غفورًا أن يسعى الإنسان في أسباب مغفرته، وذلك بماذا؟ بالتوبة مما حصل منه، فإذا تاب فإن الله يتوب عليه ويغفر له.
ثم قال الله عز وجل..
الطالب: (...).
الشيخ: لا، لا ما يختص بالأراضي؛ لأن قوله: اعْدِلُوايشمل كل عطية، ما يختص بالأراضي، ثم إن ..
الطالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، ما دام عندنا اعْدِلُوا، فهل من العدل أن تعطي هذا مئة سيارة ولا تعطي الآخر؟ وتقول: هذه ما هي بأرض؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، لا إحنا قلنا: المعاني، هذا ما له دخل بالمعنى، يعني يكون الْمُعْطَى أرضًا أو غلامًا، كما جاء في بعض الألفاظ، أو بستانًا ما يهم، الكلام على المعنى وهو الجور، هذه بارك الله فيك ما تدخل في الموضوع، ولهذا نقول: نراعي المعاني، إي نعم، أما مسألة القضايا لا، الأعيان هذه ما لها دخل.
يقول: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، النَّبِيُّمبتدأ، وأَوْلَىخبر، وهي اسم تفضيل من الولاية، أولى بهم من أنفسهم، (أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْفيما دعاهم إليه ودعتهم أنفسهم إلى خلافه).
شوف كيف المؤلف حَوَّلَ المعنى؟ يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا دعاك إلى شيء ودَعَتْك نفسك إلى خلاف هذا الشيء فإن النبي أَوْلَى بك من نفسك، يعني: فَأَطِع النبي وخالِفْ نفسك، وهذا لا شك أنه داخل في الآية، لكن الآية أعمّ وأشمل وأدقّ، يعني: إذا كان الإنسان يسعى لنفسه بما فيه الخير فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أَوْلَى به من نفسه، ويشمل عدة وجوه:
الوجه الأول: أن الرسول عليه الصلاة والسلام بالنسبة للمؤمنين أبلغ من أنفسهم في مراعاة مصالحهم وما ينفعهم، وفي دفع الضرر عنهم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ» ، هذه من جملة قوله، داخلة في قوله: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
ثانيًا: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْفي تقديمه على أنفسهم، ولهذا لا يتم الإيمان حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليك من نفسك، كما قال عمر: والله يا رسول الله إنك لأحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال: «وَمِنْ نَفْسِكَ يَا عُمَرُ؟»، فقال: ومن نفسي، قال: «الْآنَ يَا عُمَرُ» ، فيجب على كل مؤمن أن يحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من محبته لنفسه، واضح؟
ثالثًا: ما أشار إليه المؤلف من أن الرسول عليه الصلاة والسلام أولى بك من نفسك فيما يدعوك إليه وتدعوك نفسك إليه، فإذا دعتك نفسك إلى شيء يخالف ما دعاك إليه النبي عليه الصلاة والسلام فإن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بك من نفسك، واضح؟
فإذن النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْكلمة عامة تشمل كل ما فيه ولاية وتَوَلٍّ، فالرسول عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أما غير المؤمنين فإن هذا الوصف لا ينطبق عليهم بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، هو هكذا، بس أنا قصدي أنه ما هو محصور في هذا.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا لا، ما فيه تعقب، إلا أنه بس يُخْشَى أن يتوهم واهم انحصار هذه المسألة في هذه الصورة.
قال: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، شوفوا الفرق في التعبير، ما قال: النبي أبٌ للمؤمنين وأزواجه أمهاتهم، قال: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْأشد من الأب، أبوك ليس أولى بك من نفسك، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أولى بك من نفسك، فهذا أعظم من قوله: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
ومن أجل هذه الولاية التي هو أولى بك من نفسك كانت أزواجه أمهات لنا، أمهات لنا من قِبَلِهن ولَّا مِن قِبَلِنا؟ يعني هل هن يَنْظُرْن إلينا كالنظر إلى الأبناء، أو نحن ننظر إليهن كنظر أمهات، أو الأمرين؟ الأمرين.
نحن نعلم أن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن بالنسبة لأُمَّة محمد عليه الصلاة والسلام أُمّة الإجابة ينظرن إلى هذه الأُمّة كما تنظر الأُمّ إلى أولادها، ونحن يجب علينا أن ننظر إليهن كما ننظر إلى الأمهات؛ لأنهن زوجات مَن هو أولى بنا من أنفسنا؛ النبي عليه الصلاة والسلام، فلا جرم أن يَكُنّ بمنزلة الأمهات في الاحترام والتقدير والدفاع عنهن، وعدم التعرض لِمَا وقع إن وقع شيء بمخالفتهن بغيرة أو غيرها؛ لأن النساء الزوجات كما تعرفون يكون بينهن غيرة، فقد تخطئ المرأة خطأً يحملها عليه الغيرة، والغيرة أمرٌ يملك الإنسانَ ولا يملكه، كما أن الغضب يملك الإنسان ولا يملكه.
فما وقع في مثل قوله تعالى: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم: ٤] مثل هذا يجب علينا أن ندافع بقدر ما نستطيع مَن اتخذوا مِن مثل هذه القضية اتخذوا منفذًا للطعن في زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا ريب أن مَن طعن في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتصر طعنه عليهم، بل يشمل الرسول عليه الصلاة والسلام.
أسألك: لو أن رجلًا اتخذ من فواسق النساء زوجات له هل هذا مدح له أو قدح؟ قدح بلا شك، فمن قدح في واحدة من أمهات المؤمنين فإن قدحه يتعدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك، ولا سيما إذا كان القدح فيما يتعلق بالشرف والنزاهة.
ولهذا الصحيح من أقوال أهل العلم أن مَن رمى بالزنا واحدة من أمهات المؤمنين فإنه يكون كافرًا كفرًا مُخْرِجًا عن الملة، أما عائشة إذا رماها بما بَرَّأَها الله به فلا شك في كُفْرِه؛ لأنه مُكَذِّب للقرآن، وأما غيرها فإنه إذا قَذَفَ واحدة بالزنا فإنه مُكَذِّب للقرآن أيضًا من جهة أخرى، يقول الله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور: ٢٦].
ولا شك أن الزنا -والعياذ بالله- خبث، فأنت إذا وصفتَ واحدة من أمهات المؤمنين بالزنا، وإن لم تكن عائشة رضي الله عنها، فقد وصفت النبي صلى الله عليه وسلم بالخبث، نسأل الله العافية، وحينئذ يكون الإنسان كافرًا لا شك.
فالصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم أن مَن قذف واحدة من أمهات المؤمنين فإنه يكون كافرًا كفرًا مُخْرِجًا عن الملة، وكذلك مَن قذف غيرهن من زوجات الأنبياء يكون كافرًا للآية التي ذكرت الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَإلى آخره.
طالب: (...)؟
الشيخ: الْخَبِيثَاتُسيئات العمل.
الطالب: ما يقال: إن زوجة (...)؟
الشيخ: لا، هذه كافرة ما هو خبث الزنا، ولهذا خانتاهما بالكفر.
إذن أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْبماذا؟ من الناحيتين، يعني أننا لزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام بمنزلة الأبناء، وأنهن لنا في منزلة الأمهات، لكن هل هو في الْمَحْرَمِيَّة والنظر والخلوة، أو في الاحترام فقط؟
يقول المؤلف رحمه الله: (في حرمة نكاحهن عليهم)، ما يكفي هذا، في حرمة نكاحهن عليهم لا شك أنه لا يحل لأحد أن يتزوج امرأة بعد وفاة النبي من زوجاته، ولكن هذا الاحترام ليس لهن فحسب، بل حتى للرسول عليه الصلاة والسلام احترامًا له، ولذلك إذا تُوُفِّي الرجل عن المرأة ولو كانت لا تحيض تعتَدّ بأربعة أشهر وعشرًا احترامًا للنكاح الأول، إلا إذا كانت حاملًا فبوضع الحمل، أقول: إنهن أمهات المؤمنين في حرمة النكاح وفي وجوب احترامهن، من يسأل؟
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، لا؛ لأن الزنا يعود إلى سوء الخلق، وأن يكون الرجل الذي يُقِرّ امرأته على الفاحشة يكون ديوثًا، فيتعدى زنا المرأة إلى زوجها، لكن كفرها لا يتعدى إليه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: ما فيه شك اللي يُكَفِّر واحدة من أمهات المؤمنين فهو كافر؛ لأنه يلزم من تكفيره واحدة من أمهات المؤمنين أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد استباح امرأة كافرة، وهذا قدْح في الرسول عليه الصلاة والسلام.
الطالب: يعني أعظم (...)؟
الشيخ: أعظم من وجه وأهون من وجه آخر، المهم أنه يكفر لا شك، لا شك في هذا أنه كافر.
طالب: الغيرة التي تحصل من أمهات المؤمنين هل يؤاخذهن الله عليها؟
الشيخ: هذا إذا كانت الغيرة لا تملك المرأةُ نفسها فيها فإنها لا تلام عليها، حتى إن بعض أهل العلم قال في باب القذف: إذا قذف إنسانًا على سبيل الغيرة فإنه لا يُحَدّ؛ لأن الغيرة كما قلت: تملك الإنسان ولا يملكها، كالغضب وأشد، يعني يحصل من بعض النساء الغيورات يحصل لها شبه جنون، وربما أنها في بعض الأمور -والعياذ بالله- يسقط من السطح أو يجرح نفسه، وما أشبه ذلك.
وعائشة رضي الله عنها وقع لها نحو هذا، أدخلت رجلها في جحر لعلها تُلْدَغ وتنتهي، القصة يمكن إن شاء الله تواجهونها تحققونها قصة عائشة؛ لأن القضية (...) فيها، المهم أن الغيرة ما تملك المرأة نفسها فيها.
طالب: (...)؟
الشيخ: إنكاحهن؟ لا، لا، نكاحهن.
وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْفيه قراءة لبعض السلف: (وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ)، ولكنها قراءة ما تعتبر من القراءات السبعية، إلا أن بعضهم قرأ بها، ولكنك إذا تأملت النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْوجدت أنه أعظم من الأب.
قال: وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِسيأتينا إن شاء الله في الفوائد هل أولادهن إخوة للمؤمنين؟ وهل إخوانهن أخوال للمؤمنين؟ وهل آباؤهن آباء للمؤمنين؟ وما أشبه ذلك، يأتينا إن شاء الله في الفوائد.
(وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ: ذوو القرابات، بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍفي الإرث، فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ، أي: من الإرث بالإيمان والهجرة الذي كان أول الإسلام فنُسِخ). الآية.
يقول: وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَمتعلِّق بـأَوْلَى، أولى من المؤمنين والمهاجرين، وعلى هذا فـمِنْهنا هي الدالة على المفضَّل عليه.
إذا قلت: فلان أفضل من فلان، فإن (من) هذه لتعيين المفضَّل عليه، وهنا أُوْلُوا الْأَرْحَامِأولى منين؟ أولى من المؤمنين والمهاجرين، وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ، وقيل: إن مِنْبيانية، يعني: أولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض، يعني: أولو الأرحام سواء كانوا مؤمنين فقط أو مؤمنين مهاجرين، فإن بعضهم أولى ببعض، أيهما أعم المعنيين؟ انتبهوا أيضًا.
إذا قلنا: أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في الإرث من المؤمنين والمهاجرين، أو قلنا: أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين، صار المعنى الأخير أعم وأشمل، وعلى كل حال الآية فيها قولان للمفسرين:
القول الأول: إن هذه ناسخة للإرث الثابت في أول الإسلام بين المؤمنين من الأنصار والمهاجرين من المسلمين، فكان بالأول جعل النبي عليه الصلاة والسلام بينهم أُخُوّة، رتَّب إخوة يتوارثون بها، حتى أنزل الله آية الإرث، وجعل ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض، هذا رأي.
الرأي الثاني يقول: أولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض، وعلى هذا فتكون الآية مُحْكَمَة ليس فيها نسخ، وتكون أعم من الإرث، أولى ببعض في كل شيء، حتى في ولاية النكاح وغير ذلك فهم بعضهم أولى ببعض.
أُولُوابمعنى: أصحاب، والْأَرْحَامِجمع رحم، وهو القرابة، ولهذا قال المؤلف: (ذوو القرابات)، وأما ما اشتهر عندنا في عرفنا أن الأرحام أقارب الزوجة، فهذا غير صحيح، أقارب الزوجة يُسَمَّوْن أصهارًا، ومن أجل هذا الخطأ في المعنى صار بعض الناس يقول: أنتم تقولون: إن أسباب الإرث ثلاثة: رحم ونكاح وولد، وين الثالث؟ الرحم والنكاح واحد عند هؤلاء، فيقولون: أين الثالث؟ نقول: إن فهمكم للرحم فهمٌ خاطئ، وهذا هو ما يرمي إليه الشرع في تسمية الأشياء بأسمائها الشرعية، حتى لا يحصل الخطأ.
الآن عند العامة كلمة (العم) تُطْلَق على مَن؟ على زوج الأم، دائمًا يسألونك بعض الناس قال له عمه، قال له عمه، وتبني أنت على أن عمه أخو أبيه، وبعد أن يجول الكلام تجد أنه أراد بالعم زوج أمه، فكل هذه الأشياء ينبغي لنا أن نصحح كلام الناس فيها حتى لا يقع الخطأ.
ويستفاد من الآية الكريمة: نفي الإثم في الخطأ؛ لقوله: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ.
ويستفاد منها أيضًا: نفي الحنث في الخطأ أيضًا، الحنث يعني الحنث في اليمين، إذا حلف على يمين ألَّا يفعل شيئًا ففعله جاهلًا به، مثل حَلَفَ ألَّا يُكَلِّم إنسانًا فكلَّم شخصًا لا يدري أنه فلان الذي حلف على ترك تكليمه، فإنه ليس عليه حنث، وكذلك أيضًا في الطلاق، لو عَلَّقَ الطلاق على شيء ففعله جاهلًا أنه هو الشيء الذي علَّق بالطلاق عليه فإنه لا حنث عليه، وكذلك لو فعل مُكَفِّرًا جاهلًا أنه يُكَفِّر فإنه لا إثم عليه.
من أين يؤخذ هذا كله؟ يؤخذ من العموم في قوله: فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ، ثم إنَّ نفي الإثم لا يستلزم نفي القضاء فيما يجب قضاؤه، وعلى هذا فتكون الآية في باب المحظورات لا في باب المأمورات، ولهذا لم يعذر النبي صلى الله عليه وسلم الجاهل الذي كان يصلي ولا يطمئن في صلاته، بل جعله يعيد مرة بعد أخرى حتى أعلمه، تبَيَّنَ له.
إذن نقول: باب المأمورات لا يؤاخَذ الإنسان بتركه إياها، لكن لا يلزم من عدم مؤاخذته بتركها جهلًا أن يسقط عنه فِعْلُها أو فِعْلُ بدلها، واضح؟
والدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعذر الجاهل في تَرْك الطمأنينة.
ولكنه سبق لنا في الدرس أنه قد يكون الإنسان مُفَرِّطًا في ترك السؤال فيلزمه الإثم لتفريطه.
ثم هل هذا الآية عامة في حق الله وفي حق الآدمي؟ ننظر، نقول: حتى في حق الآدمي؛ لأن الآية عامة، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ، لكن لا يلزم من انتفاء الإثم انتفاء الضمان في حق الآدمي، يعني: يُلْزَم بضمانه، فلو أن رجلًا أكل طعام إنسان جاهلًا أنه طعامه، فهل عليه إثم؟ لا، لكن يلزمه ضمان الطعام؛ لأنه حق آدمي، لكن الإثم ينتفي عنه، أما لو علم بأنه طعام فلان فإنه يأثم مع الضمان.
ويستفاد من الآية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل، حيث أسقط الإثم عمن كان مخطئًا، فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ.
ويستفاد منها: إثبات اسمين كريمين من أسماء الله؛ لقوله: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: ٥]، وما تَضَمَّنَاه من الصفة، وما تَضَمَّنَاه من الحكم أيضًا، وهو الأثر؛ لأن الغفور والرحيم متعديان يتعلقان بالغير، وقد مر علينا قاعدة في أسماء الله وصفاته أنه إذا كان الاسم متعديًا فإنه يلزم الإيمان به اسمًا لله، وبما تضمَّنَه من صفة، وبما يترتب عليه من الحكم، وبعضهم يقول: الأثر.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن مدار الأحكام والمؤاخَذة عليها هو القلب؛ لقوله: وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ، وهذا له شواهد كثيرة، منها قوله تعالى: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ [المائدة: ٨٩]، وفي الآية الأخرى: بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: ٢٢٥]، ومنها قوله تعالى في جزاء الصيد: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٩٥].
وبناءً على ذلك لو أن الْمُحْرِم قتل صيدًا غير مُتَعَمِّد يأثم؟ لا، يضمن؟ ما يضمن؛ لأنه حق لله، والله تعالى قد عفا عن حقه، وبه يُعْرَف ضعف قولِ مَن قال: إن جزاء الصيد واجب حتى على من قتله خطأً في حال الإحرام، مع أن الآية صريحة: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا.
وهل يُلْحَق بذلك لو قص أظفاره جاهلًا وهو مُحْرِم؟ نعم، أو حلق رأسه؟ من باب أولى، وهل يُلْحَق بهما لو جامع زوجته؟ نعم، مثل لو أن رجلًا في مزدلفة جامع زوجته وهو (...) مزدلفة جاهلًا، استنادًا إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» ، وهذا يقع، فليس عليه شيء لا إثم ولا فساد نسك ولا قضاء؛ لأنه جاهل ما تعمد.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما فرَّط؛ لأن هذا ما تخطر على البال إذا سمع هذا الحديث.
ولهذا بعض الناس بنى على هذا مسألة أغرب من هذا، قال: إذا وقف بعرفة ثم انصرف فله أن يسافر لأهله، وفعلًا وقع هذا، منهم عاد مَن يتورع وإذا سافر وَكَّل أحدًا يبيت عنه بمنى ويرمي عنه، ومنهم من يقول: عدُّوا لي كم من واجب تركت وأنا أعطيكم بداله وأمشي، إي نعم.
الخلاصة الآن: أن كل شيء لا يتعمده الإنسان بقلبه فإنه لا إثم عليه فيه، وإذا كان من حق الله سقط عنه الإثم والضمان إن كان مما يُضْمَن، أو مما تجب به الكفارة، وإذا كان بحق آدمي سقط عنه الإثم، ووجب الضمان، إلا أنه يُسْتَثْنَى من هذا مسألة واحدة، وهي قتل النفس، فإنَّ قتل النفس وإن كان خطأً تجب فيه الكفارة، ولَّا لا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، في غير الإحرام، في الإحرام وغير الإحرام، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء: ٩٢]، فأوجب الله حقه وحق العباد، وذلك لعِظَم قتل النفس؛ لأن قتل النفس -والعياذ بالله- عمدًا ما تحله الكفارة، ولا ينفع فيه إلا التوبة النصوح مع استيفاء الحقوق.
طالب: (...).
الشيخ: ما عليه دم إذا كان جاهلًا، ما عليه لا دم ولا شيء أبدًا.
الطالب: (...).
الشيخ: لأن أعظم ما فيه الإتلاف هو الصيد، ومع ذلك قيَّده الله بالعمد، أما مسألة الأظفار فما هو إتلافها؟ قلامة ظفر ما تسوى شيئًا أبدًا، وكذلك الشعر، وأما الجماع فهم يقولون: إن فيه إتلافًا؛ لأن البكارة تُضْمَن بالأرش، طيب إذا كانت امرأة ثيبًا ما فيه بكارة؟!
على كل حال هذا محله في باب الفقه، لكن نقول: هذه الآية عامة، ولا أعلم شيئًا يستثنى منها إلا مسألة القتل، والقتل إنما هو لعظمه.
ثم قال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْما كمّلناه ترى، ما كمَّلنا فوائدها؟
الطالب: (...).
الشيخ: عجيب، ما يخالف اصبر نشوف.
من فوائد الآية الكريمة: وجوب تقديم محبة النبي صلى الله عليه وسلم على النفس؛ لقوله: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْفهو أولى بك من نفسك.
ومنها: عظم شفقة النبي عليه الصلاة والسلام على أُمَّتِه؛ لكونه أولى بهم من أنفسهم.
ومنها: وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وتقديمها على طاعة النفس؛ لقوله: أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْيدخل في هذه المسألة؛ أنه إذا أمرك بشيء ودَعَتْكَ نفسك إلى ضده، فقدِّم ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فصار النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم بالنسبة لك وبالنسبة له، أو لا؟ بالنسبة له يجب عليك أن تُقَدِّم محبته وطاعته على محبة نفسك وطاعتها، وبالنسبة لك هو أرفق بك وأشفق عليك من نفسك.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين؛ لقوله: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(...) قلنا: أمهات المؤمنين، ما قلنا: إن أمهات الأمة كلها؛ لأنه قال: أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وقد استدل بعض العلماء على أن مَن أبغض عائشة فليس بمؤمِن، قال: لأن الله قال: أُمَّهَاتُهُمْأي: المؤمنين، ولا يمكن أن يُبْغِض الإنسان أمه، فإذا أبغضها فليس بمؤمِن؛ لأنه لو كان مؤمنًا كانت أمًّا له، ولو كانت أمًّا له ما أبغضها ولا سَبَّهَا، وهذا استنباط جيد.
واختلف العلماء هل يسمى أقارب زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام بما يقتضيه النسب، فيسمى إخوة زوجات الرسول أخوالًا للمؤمنين، أو لا؟ وهل يسمى أيضًا آباؤهن آباءً للمؤمنين، وأبناؤهن إخوة للمؤمنين؟
في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه لا يسمى هؤلاء بما يسمى نظيره في النسب؛ لأن هذه الأمومة خاصة بعلاقتهن بمن؟ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأقارِبُهُنّ ليس لهم علاقة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يسمى أحد من إخوانهن بأخوال المؤمنين، ولا أحد من آبائهن بأبي المؤمنين، ولا أحد من أبنائهن بأخي المؤمنين.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام منزلته بالنسبة للمؤمنين أعلى من منزلة الأبوة؛ لأنه قال: أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وعلى هذا فلا حاجة إلى القراءة التي قرأ بها بعض السلف وهو قوله: (وَهُوَ أبٌ لَهُمْ)؛ لأن الأبوة بل أعلى من الأبوة مستفاد من قوله: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم نكاح زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعده؛ لكونهن أمهات المؤمنين، وسيأتي في هذه السورة قوله تعالى: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: ٥٣]، وهذا من حماية الله لفراش النبي صلى الله عليه وسلم، أنه حتى بعد موته لا أحد يتزوج أحدًا من نسائه.
ويستفاد من الآية الكريمة: نسخ التوارث بالموالاة؛ لقوله: وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ، ترى فيها فِي كِتَابِ اللهِ، لكني لم أَتْلُهَا لأجل يتضح ارتباط أول الآية بآخرها، وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَعلى أحد التفسيرين، على أن مِنْداخلة على المفضَّل عليه، أما إذا جعلنا مِنْبيانية؛ لقوله: وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِفإنها لا تدل على ذلك، وقد تدل عليه من باب اللزوم لا من باب الدلالة والمطابقة اللفظية.
فإذا لم يوجَد أحد من ذوي الأرحام هل يعود الإرث بالموالاة والمناصرة؟
أكثر أهل العلم على أنه لا يعود، وأن أسباب الإرث تنحصر في ثلاثة فقط، وهي: النكاح، والنسب، والولد.
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يُجَوِّز إذا لم توجَد الأسباب الثلاثة الْمُجْمَع عليه يُجَوِّز التوارث بالموالاة والمناصرة، يقول: لأنه لَمَّا عُدِم الأرحام زال السبب المانع من التوارث بالموالاة والمناصرة، لكن أكثر أهل العلم على خلاف هذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن صلة الرحم كما تكون في الحياة تكون بعد الموت؛ لأن هذه الأولوية تكون في الحياة وفي الموت.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن كان أقرب من ذوي الأرحام فهو أحق بالإرث، وجهه؟
طالب: (...).
الشيخ: سبق لنا قائل في هذا الباب، وهو أنه إذا عُلِّقَ الحكم على وصف فكل ما كان الوصف في شيء أقوى كان الحكم فيه أولى، فما دام أولو الأرحام أولى لأنهم ذوو أرحام، فمن كانت رحمه أقوى فهو أولى، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» .
أنا لو قلت لك: إذا رأيت فاسقًا فاجلده –مثلًا- فهل هذا الأمر بالجلد هل يختلف باختلاف الفاسقين، أو أفسقهم وأقلّهم على حد سواء؟ يختلف؛ لأن القاعدة التي ذكرنا أنه إذا عُلِّقَ الحكم بوصف فإنه متى كان هذا الوصف في محل أقوى كان ذلك المحل في الحكم أولى.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الهجرة، نشوف الآن، ولَّا لا؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...).
الشيخ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ؛ لأن المهاجر مؤمن، أليس كذلك؟ تخصيصه بالعطف يدل على شرفه وفضله، كما في قوله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر: ٤]، الروح مَن؟ جبريل، تخصيصه بالعطف وهو من الملائكة دليل على شرفه وتكريمه، نعم.
ثم قال الله تعالى: فِي كِتَابِ اللهِ، كتاب الله أي: مكتوبه، فهو فِعَال بمعنى مفعول، وهل المراد فِي كِتَابِ اللهِأي: في الوحي، أو فِي كِتَابِ اللهِأي: في فرض الله؟ لأن الكَتْب يطلق بمعنى الفرض، كما في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: ١٨٣]، إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣]، يحتمل هذا وهذا.
ولكن الأقرب أن فِي كِتَابِ اللهِأي: في مكتوبه، يعني: فيما كتبه الله عز وجل، كيف فيما كتبه؟ نقول: إن كان المراد بكتاب الله اللوح المحفوظ فالأمر ظاهر؛ لأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء، وإن كان المراد فِي كِتَابِ اللهِهذا القرآن، فإنه مكتوب بأيدي الملائكة، ومكتوب بأيدي المؤمنين من بني آدم، وقوله: إِلَّايقول المؤلف: (لكن) هذا درس اليوم.
طالب: (...).
الشيخ: يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: ثبوت الإرث لذوي الأرحام، ومَن هم ذوو الأرحام في اصطلاح الفرضيين؟ كل قريب ليس بذي فرض ولا عَصَبَة، والعلماء قد اختلفوا فيهم؛ فمنهم من قال: إنهم لا يرثون.





