.. مِنْ نَصِيرٍ [الحج: ٧١]: هو الذي ينصرك عند
ملاقاة الأعداء فيمنعك منهم، فهؤلاء ليس لهم أحد يتولاهم بِجَلْب الخير لهم، ولا
ينصرهم بدفع الضرر عنهم؛ لأن الأمر كله لله.
ثم قال تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ [الأحزاب: ١٨]: المثبطين مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا) [الأحزاب: ١٨]، قَدْهنا للتحقيق، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون
لأيش؟ للتحقيق قَدْ يَعْلَمُ، والأصل أنها إذا دخلت على
المضارع تكون للتقليل، كما يقال: قد يجود البخيل، لكن هنا للتحقيق؛ لأن علم الله عز
وجل مُحَقَّق، وليس للتقليل، وإنما جاءت قَدْ يَعْلَمُدون (قد علم)؛ ليفيد أن علم الله عز وجل مستمر بهم من ذلك الوقت إلى يوم القيامة؛
فإن الله تعالى عالم بهم وبأحوالهم وتقلباتهم.
وقوله: الْمُعَوِّقِينَقال المؤلف: (الْمُثَبِّطِين)؛ لأن
الْمُثَبِّط يُعَوِّق الإنسان الْمُثَبَّط، أي: يَحُول دونه ودون مراده، وهو ما
يسمى عند الفقهاء بأيش؟ بالْمُخَذِّل، الفقهاء يقولون في باب الجهاد: يجب على
الإمام أن يَمْنَع الْمُخَذِّل والْمُرْجِف، فالمخذِّل الذي يُثَبِّط العزائم،
يقول: ما له داعٍ الجهاد، وليس عندنا استعداد، وما أشبه ذلك، والْمُرْجِف هو الذي
يُرْهِب من الأعداء ويُخَوِّف منهم، يقول: أعداؤكم كثيرون، وأسلحتهم قوية، وما أشبه
ذلك.
طالب: (...).
الشيخ:
الْمُعَوِّق يعني؟ ما فيه مانع، هذا التعبير بالمعنى.
الطالب: (...).
الشيخ: ماه في شك أنه
أحسن، لكن لأجل التفصيل؛ لأن الْمُعَوِّق قد لا يفهمه كل أحد.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هنا
المعوّق يختص بالمثبِّط، الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ.
طالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: لعلك تريد أن (هل) تأتي للتحقيق، هذا صحيح.
يقول
تعالى: الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ، الخطاب لمن؟ للنبي
عليه الصلاة والسلام والصحابة، فهذا موجود في الصحابة مَن يُعَوِّق.
(وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ:
تعالوا إِلَيْنَاوَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ: القتال، إِلَّا قَلِيلًارياءً وسمعة).
وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ، الْقَائِلِينَمعطوف على الْمُعَوِّقِينَ، يعني: ويعلم القائلين لإخوانهم: هَلُمَّ
إلينا، وهذا غير التعويق؛ لأن المعوِّق هو الذي يعرف الشيء الذي يُعَوِّق الإنسان،
لكن لا يدعوه، ولكن هؤلاء يقولون لإخوانهم، فهو أبلغ من التعويق.
وقوله: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْهذه غير المعوِّقين، فليس
عطف صفة، ولكنه عطف ذات، والأصل في التعاطف أن يكون لتغير الذوات، وقد يكون لتغير
الصفات، وقد يكون لتغير؟
طالب: (...).
الشيخ: لا ، ما أسرع ما تنسون، العطف للتغاير؛ إما في الذات أو
في الصفات.
الطالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أو اللفظ يا إخواني، كل يوم يَقْرَع أسماعكم:
| ................... | أَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا |
هذا ما هو تغيُّر معنى، المعنى واحد، لكن تغير لفظ.
وقوله: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا، هذا في المنافقين، وسُمُّوا إخوانهم في النسب، وليسوا إخوانهم في الدين، اللهم إلا أن يُرَادَ الأخوة الظاهرة، فإن هؤلاء يتظاهرون بأنهم مؤمنون.
هَلُمَّ: تعالوا إلينا، هَلُمَّهل هي فعل أمر، أو اسم فعل أمر؟ اسم فعل أمر، نعم؛ لأنه ليس كل ما دَلَّ على الطلب فهو فعل أمر، المصدر قد يدل على الطلب كما لو قلت: ضربًا زيدًا، لكن ما دلَّ على الطلب بذاته، يعني بغير أداة خارجية فإما أن يَقْبَل علامة فعل الأمر أو لا، فإن قَبِلَها فهو فعل أمر، وإن لم يَقْبَل فهو اسم فعل أمر، أو قد يكون مصدرًا نائبًا عن الأمر، عرفتم؟
وقولنا: بغير أداة خارجية، احترازًا من المضارع المقرون بلام الأمر، المضارع المقرون بلام الأمر يدل على الأمر، لكن لا بذاته، بل بأداة أخرى خارجية، وهي اللام؛ لام الأمر.
هَلُمَّهنا اسم فعل أمر؛ لأن عيسى نقول له: هلم إلينا، هلم إلى الدرس، وأحمد وعيسى جميعًا نقول لهما: هلم إلينا، جميعًا، ونضم إليهما الأخ، ونقول: هلم إلى الدرس، ما تَغَيَّر، مفرد مثنى وجمع، ولم يتغير، ولَّا لا؟
أمّا لو كنا نخاطب واحدًا فنقول: هلم إلينا، ونخاطب اثنين فنقول: هَلُمَّا إلينا، ونخاطب ثلاثة فنقول: هَلُمُّوا إلينا، لكان فعل أمر، ولهذا نقول: قم، وقومَا، وقوموا، فهي إذن اسم فعل أمر تخاطب بها الواحد والاثنين والجماعة ولا تتغير، هذا على لغة أهل الحجاز.
أما بنو تميم فإنها عندهم فعل أمر، ولهذا يقولون للواحد: هلم إلينا، وللاثنين: هَلُمَّا إلينا، وللجماعة: هَلُمُّوا إلينا، فهي فعل أمر.
هنا يدلنا على أنها اسم فعل أمر؛ لأنها لو كانت فعل أمر لقال: هَلُمُّوا إلينا، يعني: تعالوا، هذا بالنسبة لغيرهم، يَدْعُون غيرهم إلى ترك القتال: تعالوا، هم.. قال: وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا، لَا يَأْتُونَ الْبَأْسَيعني: القتال، إِلَّا قَلِيلًا، والقليل هنا قد يكون المراد به العدم، وقد يكون المراد به الشيء اليسير، القِلَّة، ويمكن أن يراد به العدم بالنسبة لقوم، والقلة بالنسبة لآخرين من المنافقين؛ لأن من المنافقين مَن لا يحضر القتال أصلًا، ومنهم مَن يحضر قليلًا للرياء والسمعة.
ومعلوم أن مَن يلاحظ الرياء والسمعة فإنه إذا كان في محل يجد الرياء والسمعة حضر، وإذا كان في محل لا يجد رياء ولا سمعة لم يحضر.
ما الفرق بين الرياء والسمعة؟ الرياء يعود إلى الأفعال، والسمعة يعود إلى الأقوال؛ لأن الأفعال تُرَى، والأقوال تُسْمَع، ولهذا جاء في الحديث: «مَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ» ، فإذا تكلم شخص بِذِكْر ورفع صوته ليُسْمَع فيُثْنَى عليه به، فبماذا نصف فعله؟ سمعة، وإذا قام يصلي ليراه الناس فهو رياء.
وقد يطلق الرياء عليهما جميعًا، لكن عندما يجتمعان يكون الرياء يتعلق بالأفعال والسمعة بالأقوال، يقول: (رياءً وسمعة).
(أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ [الأحزاب: ١٩] بالمعاونة، جمع شحيح، وهو حال من ضميرِ يَأْتُونَ)، وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا.
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ، أشحة هذه جمع شحيح، والشحيح هو المانع مع الحرص، والبخيل هو المانع بدون حرص، فإذا كان الإنسان مَنُوعًا جَمُوعًا، يعني مع الحرص، يسمى ذلك شحيحًا، وإذا كان بخيلًا لكنه ليس ذلك الرجل الذي يكون حريصًا على جمع المال –مثلًا- فإنه يسمى بخيلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مُحَذِّرًا من الشح: «اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» .
يقول: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ، ما الذي نصبها؟
طالب: حال.
الشيخ: حال منين؟ نُصِبَت على الحال من فاعل يَأْتُونَ، يعني: لا يأتون إلا قليلًا، ومع ذلك يأتون أشحةً عليكم، يعني: وهم أَشِحَّاء عليكم لا يريدون أن تَصِلُوا إلى خير، بل يحبون أن يمنعوا كل خير عنكم.
فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ [الأحزاب: ١٩]، جَاءَ الْخَوْفُالخوف ليست ذاتًا تأتي، لكنه معنى يأتي، والمجيء يكون للمعاني ويكون للذوات، فتقول: جاءه المرض، وتقول: جاء زيد، المجيء هنا أُسْنِدَ إلى معنى، جاء الخوف ممن؟ هو عامّ، إذا جاء الخوف، سواء كان من الأعداء الذين حضروا إلى المدينة، أو الخوف من الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يَطَّلِع على أحوالهم، يخافون من أن يفضحهم الله تعالى بأفعالهم، أو يسلِّط عليهم رسوله.
يقول: فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ، الخطاب هنا هل هو للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل مَن يتوجه إليه الخطاب؟ يحتمل أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو الأقرب، ويحتمل أن يكون لكل مَن يوجه إليه الخطاب.
وقوله: رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ، الرؤية هنا بصرية، وعلى هذا فلا تنصب إلا مفعولًا واحدًا وهو الهاء، ويكون جملة يَنْظُرُونَحالًا من الهاء، رأيتهم حال كونهم ينظرون إليك، تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ؛ لأن الخائف غالبًا يركز على مَن؟ على جهة الخوف، سواء كان شخصًا أو أشخاصًا، ينظر إلى الجهة التي هي مصدر الخوف، وتدور عينه على غير نظر سليم، يعني كأنها تدور بغير اختيارها من شدة الخوف، ثم شَبَّهَ حالهم بعد أن شَبَّه أبصارهم، قال: كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، قال المؤلف: ( كنظر أو كدوران).
فإن كانت كَالَّذِيعائدة على يَنْظُرُونَقَدَّرْنا: نظر، وإن كانت عائدة على تَدُورُ أَعْيُنُهُمْقَدَّرْنَا: كدوران، ولكن الذي يناسب القرآن الأول؛ نظر، كما قال تعالى في سورة القتال: يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [محمد: ٢٠]، وربما نقول: يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِليس عائدًا على النظر، وإنما هو عائد على حالهم، يعني: كالإنسان الْمَغْشِيّ عليه من الموت لا يستطيعون أن يتكلموا؛ لأن أرياقهم يبست، ودماءهم غارت بسبب الخوف، إذا جاء الخوف فإنها تتغير أبصارهم، وتتغير أحوالهم أيضًا، كالذي يُغْشَى عليه من الموت، والذي يُغْشَى عليه من الموت لا شك أنه يصفر وجهه، وأنه لا يدري ما يفعل، ولا يستطيع أن ينطق في الغالب، كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، مِنَ الْمَوْتِقال المؤلف: من سكراته، (أي: سكراته)، يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، مِنَهنا للسببية، وهل تأتي (مِن) للسببية؟
الجواب: نعم، تأتي في مواضع كثيرة، والأصل فيها أنها للابتداء، حتى زعم بعض النحويين أنها في كل مكان تكون للابتداء، حتى فيما إذا كانت سببية قال: لأنها لابتداء السبب، لكن الصحيح ما ذهب إليه ابن مالك وغيره من النحويين أنها تأتي لمعانٍ كثيرة، قال:
| بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَه | فِي (مِنْ) وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الْأَزْمِنَه |
| وَزِيدَ فِي نَفْــيٍ وَشِبْهِهِ فَجَـــــــــــــــــــــرّ | نَكِرَةً كَمَــــا لِبَاغٍ مِـــــــــــــنْ مَــــــــــــــفَرّ |
قال: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُوحِيزَت الغنائم، سَلَقُوكُمْ: آذَوْكُم أو ضربوكم، بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِأي: الغنيمة يطلبونها، أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواحقيقةً، فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ).
إِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُصار هؤلاء الذين كانوا حين الخوف كالمغشيّ عليه من الموت صاروا ينطقون بطلاقة، سَلَقُوكُمْيعني: أصابوكم بشدة، بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍأي: شديدة قوية، والمراد بالألسنة هنا الكلام؛ لأن الكلام يُعَبَّر عنه باللسان، المعنى أنهم يجادِلُون ويناظرون، ويقولون: نحن معكم، نحن نساعد، نحن خرجنا، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى في سورة النساء: فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [النساء: ١٤١]، وأَبْدَوْا وأعادوا في غَلَبَتِهم للمسلمين؛ لأنه لا شك أن الإنسان قد يغلب خصمه بالكلام، كما قال الله تعالى في قصة داود: فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص: ٢٣]: غلبني، والإنسان اللَّسِن الذي عنده بيان وعنده فصاحة قد يغلب ولو كان على باطل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ» ، وإن كان على باطل، فالإنسان قد يغلب ببيانه الحقَّ، ولهذا كما تعلمون جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» .
هؤلاء المنافقون الذين في حال الخوف على الصورة التي صَوَّرَها الله عز وجل، يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، لكن إذا ذهب الخوف واطمأنوا سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، يعني: أصابوكم بشدة بهذه الألسنة الحِدَاد، أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ، هذه حال من الواو في قوله: سَلَقُوكُمْ.
أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ، ما المراد بالخير هنا؟ يقول المؤلف: الغنائم التي أصابها المسلمون بانتصارهم، قال: أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواحقيقة، ولو آمنوا ما فعلوا هذا الفعل، ما كانوا يخافون من البعث، ولا كانوا يَدَّعُون ما لا يستحقون فيما إذا انتهت المعركة.
أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْأيش معنى أحبطها؟ يعني: أبطلها حتى لا ينتفعوا بها.
(وَكَانَ ذَلِكَالإحباطُ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًابإرادته)، نعم هو يسير على الله عز وجل؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يخشى من أحد، كما قال تعالى في قوم صالح: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس: ١٤، ١٥]، ما يخاف سبحانه وتعالى من عاقبتها، بخلاف غيره، بخلاف المخلوق، المخلوق قد يُنَكِّل بشخص ويعاقبه، لكنه يخشى من عاقبته، يخشى من قبيلته، يخشى من الغدر به، وما أشبه ذلك، أما الرب عز وجل فإنّ كل أمر يسير عليه، ولا يخاف من أحد حين ينتقم منه. (...)
لها معنيان، تارة تكون بمعنى احْضُر، وتارة تكون بمعنى أَحْضِرْ، في هذه الآية بمعنى (...).
هذا مبتدأ الفوائد؟ متأكدون؟
قال تعالى: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ [الأحزاب: ١٧] إلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: نفاذ حكم الله، أن حكم الله نافذ في الخلق، لا يمنعه أحد.
وجه ذلك: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ، والاستفهام هنا -كما سبق- بمعنى النفي.
ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا.
ومن فوائدها: الرد على بعض طوائف القَدَرِيَّة الذين يقولون: إن الله لا يريد السوء، يريد الخير، لكن لا يريد السوء؛ لقوله: إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا.
وفي الآية إشكال، وهو أن ظاهرها أن الله يريد السوء، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ، فما هو الجواب؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: هذا سوء بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق (...).
الشيخ: نعم، نقول: السوء بالنسبة للمفعولات، أما بالنسبة لفعل الله نفسه الذي هو فِعْلُه فليس بسوءٍ، المرض –مثلًا- سوء بالنسبة للعبد، يسوؤه ولا يَسُرُّه، لكنه بالنسبة لتقدير الله له خير وحكمة، كما أشرنا إلى هذا كثيرًا.
إذن فنقول في الجواب على هذا الإشكال: إن السوء عائدٌ إلى المفعول لا إلى الفعل الذي هو تقدير الله، ونظير ذلك لو أن أبًا شفيقًا رحيمًا أُصِيبَ ولده بداء، فكواه بالحديدة الْمُحْمَاة على النار لكان هذا لا شك يسوء الولد؛ لأنه يؤلمه ويوجعه، لكنه إساءة إليه ولَّا لا؟ لا، هو بالنسبة لفعل الأب ليس إساءة، بل هو خير، وإن كان يؤلم الولد.
طالب: شيخ، هل يؤخذ من قوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]؟
الشيخ: لا، بل من قبيل أن هذا.. هذا منفصل عن هذا.
الطالب: (...) يكون الخطاب بالنسبة لحال المخاطب.
الشيخ: لا، بل ما هو (...) حقيقة الأمر، فإن السوء ليس إلى الله، يعني معناه أن أفعال الله ليست هي نفسها السوء، السوء يكون في المفعولات فقط .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا مانع لما أعطى ولما مُعْطِيَ لما منع؛ لقوله: ِإنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً، فلا أحد يمنع ما أعطاه الله، ولا أحد يعطي ما منعه الله، وعلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ» .
ومن فوائدها: أن فيها حثًّا على تعلق الإنسان بالله سبحانه وتعالى دون غيره؛ لقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً، فإذا كان الأمر كله بيد الله فإن الإنسان يتعلق بربه دون غيره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الكفار لن يجدوا أحدًا ينصرهم أو يتولاهم دون الله؛ لقوله: وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، فيترتب على ذلك قَطْع كل عُلْقَة تكون بين المشركين وبين أصنامهم، وأن أصنامهم لا تنفعهم مهما كان الأمر.
ولكنه يَرِدُ على هذا إشكال، وهو أن هؤلاء الذين يدعون الأصنام قد يحصل لهم ما دَعَوْا به هذه الأصنام، فكيف نقول: إنها لا تنفعهم؟
فالجواب أن هذا قد يقع ابتلاءً وامتحانًا من الله عز وجل، ونحن نعلم أن هذا لم يحصل بهذه الأصنام، أو بدعاء هذه الأصنام، وإنما حصل عنده، وما حصل عند الشيء ليس كالذي حصل بالشيء، واضح؟
فإن قلت: نحن لا نقبل منك هذا؛ أنه حصل لا بدعائهم، ما دام الرجل دَعَا ثم حصل مراده، كيف تقول: إنه من أمر خارج ليس من دعائهم؟ فما هو الجواب؟
طالب: مُقَدَّر.
الشيخ: ما يخالف، ما.. نعلم يكون مُقَدَّرًا، هذا رجل دعا هذا القبر وحصل ما أراد.
طالب: ما يعرف أن هذا الدعاء عند القبر مُحَرَّم شرعًا؟
الشيخ: لا، دعا القبر لا عند القبر، دعا صاحب القبر.
الطالب: محرَّم شرعًا ولا يحصل منه هذا.
الشيخ: هو يقول لك: حصل، قال: يا سيدي يا مولاي يا فلان يا فلان أنا فقير أرجو أن تعطيني مالًا، في اليوم نفسه مات قريبُه الذي خلَّف ملايين، ولا يعصبه إلا هو، حصل.
الطالب: من تقدير الله.
الشيخ: أنت تقول: من تقدير الله، وهو يقول: هذا من الولي.
الطالب: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [القلم: ٤٤].
الشيخ: يقول: مين قال لكم: إنه استدراج.
الطالب: من باب البلوى.
الشيخ: إي نعم، هو ابتلاء يا إخواني، ولكن (...).
طالب: (...) يعتبر فتنة لهؤلاء.
الشيخ: هو فتنة وامتحان، وإحنا قلنا له: هذه فتنة، ودعاؤك لم تُحَصِّل منه شيئًا، لكن هذا حصل عند دعائك لا بدعائك، فقال: تبًّا لكم، ما تعرفون قَدْر الأولياء، وأنا دعوت وحصل لي مرادي.
الطالب: تجيئه مرة واحدة ما تيجيئه ..
الشيخ: يقول: ما لي حاجة، وربما نتحداه ونقول: ادع مرة أخرى، فيأتي القدر موافقًا (...).
الطالب: كل هذا ليس بيده لا حول ولا قوة، لو كان لَمَنَعَ الموت عن نفسه.
الشيخ: كل هذه عللٌ عليلة، يا إخواني، إحنا قلنا لكم: الله عز وجل قَطَعَ كل تعلق بغيره، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف: ٥]، إحنا نعلم بالآية الكريمة أن هذا ما يستجيب لك إلى يوم القيامة، وقال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٤]، وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ٢٢: ٢٣]، هذه آيات واضحة جدًّا أنه ما يمكن يستجيب، إذا لم يمكن أن يستجيب له فنعلم علم اليقين أن هذا الذي حصل ليس بدعاء هذا الولي؛ لأن الله نفى أن يستجيب له.
طالب: هو بعينه.
الشيخ: عنده في وقت الدعاء فقط، وليس بالدعاء، فعند الشيء يعني أنه قريب منه، وهذا مَرَّ علينا أظن مذهب مَن؟
طالب: الأشاعرة.
الشيخ: الأشاعرة، يقولون: إن الأسباب لا تُؤَثِّر بنفسها، وإنما يحصل التأثير عندها لا بها، إي نعم، فلما ضربت الزجاجة بالحجر وانكسرت قالوا: ما انكسر هذا من ارتطام الزجاجة بالحجر، حصل عنده، عند ارتطامها به ولكن ليس به، على كل حال ما هذا ..
ثم قال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ [الأحزاب: ١٨] إلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: إحاطة علم الله سبحانه وتعالى بكل شيء؛ لأن هذه مسألة جزئية من العالم، قول هؤلاء: هَلُمَّ إِلَيْنَاوتعويقهم فَرْد من أفراد العالم، جزء بسيط لا يُنْسَب إلى العالم، ومع ذلك يعلمه الله، والعالِم بالدقيق عالِم بالجليل من باب أولى، نعم، ففيها اثبات إحاطة علم الله بكل شيء جملة وتفصيلًا.
ومن فوائدها: ثبوت علم الله في المستقبل؛ لأنها جاءت بصيغة المضارع.
ومنها: التهديد والتحذير من التعويق عن القتال. وجهه؟
طالب: قَدْ يَعْلَمُ.
الشيخ: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ، وهذا من أجل تهديدهم حتى لا يفعلوا ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: تعاون المنافقين بعضهم مع بعض؛ لقوله: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ، وإذا كان كذلك فإن الْقَائِلِينَتكون عطفًا على الْمُعَوِّقِينَمن باب عطف الصفات، وذكرنا في التفسير أنها محتملة أن تكون عطف الصفات أو عطف الذوات، فإن كانت عطف الصفات صار الْمُعَوِّقُون هم القائلين، وإن كان عطف ذوات صاروا قسمين؛ مُعَوِّق وقائل، فالْمُعَوِّق قد يدعو ويقول: ارْمِ، اترك، وقد لا يدعو، ولكن على كل حال هي في المنافقين؛ لأن آخر الآية يُبْطِل الاحتمال الذي ذكرناه أمس بأن تكون في أحد من المؤمنين.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن أولئك المعوِّقين لغيرهم هم بأنفسهم جبناء؛ لقوله: وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا، فهم جبناء ومُخَذِّلُون مُرْجِفُون.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كل إنسان يصاحب غيرَه ويمتزج به؛ لقوله: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ، فإن هذه أخوة في الشر والنفاق، وليست في الإيمان.
ثم قال تعالى: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ [الأحزاب: ١٩] إلى آخره.
في هذه الآية: دليل على بُخْل المنافقين بما ينفع المؤمنين، وأنهم لا يأتونهم إلا عن كراهية كالشحيح في بذل المال؛ لقوله: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ.
ومنها: جبن المنافقين، وأنهم في غاية الجبن؛ لقوله: فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ، إلى آخره.
وبهذا نعرف أنهم أحق الناس بما وصفوا به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حيث قالوا: ما رأينا مثل قُرَّائِنَا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب أَلْسُنًا ولا أجبن عند اللقاء. فنقول: إن هذه الأوصاف أنتم أحق الناس بها.
ومن فوائد الآية الكريمة: شدة فزع المنافقين عند الخوف؛ لأن تصويرهم بهذه الصورة يدل على الفزع العظيم الذي ينالهم عند الخوف.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: شدة محبة المنافقين للحياة؛ لأنهم إنما بلغوا هذا المبلغ بالخوف حرصًا على الحياة وخوفًا من الموت بالقتال.
ومن فوائد الآية الكريمة: قوة تصوير القرآن للأحوال الواقعة؛ لأن هذه الصورة التي ذكر الله صورة مدهشة، تجعل الإنسان يتخيل شدة فزعهم كأنها رأي عين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن للموت سكرات؛ لقوله: كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، وهذا بالنسبة للموت العادي، أما الموت المباغِت قد لا يكون فيه سكرات، قد يموت الإنسان بغتة، كالذي يحصل بالحوادث وسكتات القلوب وما أشبهها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الجبناء المنافقين إذا ذهب الخوف على أنهم حين الخوف كالأموات، أو كالذي يغشى عليه من الموت، إذا ذهب صاروا أبطال الكلام، وأمراء الفصاحة والتسلط؛ لقوله: فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ، تو ما يجيء كلامهمن إذا راح الخوف بدؤوا يتكلمون.
ومن فوائدها: شدة المنافقين على المؤمنين، وأنهم عليهم أشداء غلاظ؛ لقوله: سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ.
ومن فوائدها: أن المنافقين كما قال الشاعر:
| أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ | ........................ |
على المؤمنين أسود، بالباطل طبعًا ما هو بالحق، وعند الكفار نعام، تعرفون النعامة مِن جُبْنِها إذا رأت الصيَّاد قالت: هذا بيقتلني، ولكن أدخل رأسي بالتراب علشان ما أشوفه، إي نعم.
ومن فوائد الآية الكريمة: عِلْم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب، أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ لأن الظاهر لنا أنهم مؤمنون، لكنهم في الواقع غير مؤمنين.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هذه الصفات التي يتصف بها المنافق حتى وإن كان الإنسان مؤمنًا، لماذا؟ لأنها صفات غير المؤمنين؛ لقوله: أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا، والمؤمن مَنْهِيٌّ عن الاتصاف بصفات غير المؤمنين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكُفْر مُحْبِط للعمل، سواء كان ظاهرًا أم باطنًا؛ لقوله: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ.
وفي الجملة من هذه الآية إشكال؛ لأن الإحباط فَرْع عن قيام الشيء، وهم منافقون أعمالهم باطلة من الأصل، فكيف نجيب عن هذا؟
الجواب أن يقال: إن الإحباط نوعان: إحباط ما تم، وإحباط ما لم يتم، فإحباط ما تَمّ ظاهر، إذا تَمّ الشيء فأُلْغِي، وإحباط ما لم يتم أن يكون من الأصل حابطًا، ومنه قول بعض الفقهاء: إذا لم يُكَبِّر تكبيرة الإحرام بطلت صلاته، فنحن نقول هنا: ما صَلَّى حتى تبطل، لكن هذا بطلان ما لم يَتِمّ ولم يكن.
أو جواب ثانٍ؛ أن نقول: أحبط الله أعمالهم، إن أعمالهم ظاهرها الصحة، أو لا؟ لأنها من قوم يَدَّعُون الإسلام، ويفعلونها على ظاهر الشرع، لكنها في الواقع باطلة لعدم الأساس.
ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله: أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ، فجعل الإحباط فرعًا عن عدم الإيمان، وهذا يدل على أن الركيزة الأصلية للأعمال هي الإيمان.
هل يؤخذ من الآية الكريمة أن الأعمال تزداد قوة بقوة الإيمان وفضلًا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: كيف ذلك؟ لأنه لما حَبِط العمل لعدم الإيمان دَلَّ هذا على أنه يقوى بقوة الإيمان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ، ما هو العمل واحد الآن، لكن العامل مختلف، فرقٌ بين مَن يعمل بإيمان راسخ قوي كأنما يشاهد الثواب له بعينه، وبين شخص ليس على هذه الحال.
فإذن تفاضُل الأعمال يكون مبنيًّا على تفاضل ما في القلوب، ويُذْكَر عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: والله ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكنه سبقهم بما وَقَرَ في قلبه رضي الله عنه من الإيمان العظيم الراسخ.
ولا يقال: إن هذا فتح باب للعصاة الذي إذا قال له قائل: اتق الله اترك المعصية، اتق الله أَقِم الواجب، قال: التقوى هاهنا، ثم ضرب على صدره ضربة ينخرق، التقوى هاهنا، ماذا نقول له؟ نقول: التقوى هاهنا صحيح، لكن هذه كلمة حق أريد بها باطل، ونقول له: لو اتقى ما هاهنا لاتقى ما هاهنا؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» ، لو صلح ما هاهنا لصلح الظاهر.
فالحاصل أن هذه الآية واضحة، الدليل فيها دليل واضح على أن الأعمال تتفاضل بحسب ما في القلوب من الإيمان ولَّا لا؟ وأتيت لكم بشاهد من الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ، مُدَّ أحدهم من الذهب، ولَّا مُدَّ أحدهم من الطعام؟ يحتمل.
بعضهم يقول: مُدَّ أحدهم من الطعام؛ لأنه هو اللي جرت العادة أن يُكَالَ، يعني لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ واحد منهم من التمر؛ لأنه هو الذي يكال عادة.
وبعضهم يقول: ما بلغ مُدَّ أحدهم من الذهب؛ لأن التفاضل بين الطعام والذهب بعيد، لكن التفاضل بين الذهب القليل والذهب الكثير. (...)
{يَحْسَبُونَ} بمعنى: يظنون، وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعول الأول هنا قوله: الْأَحْزَابَ، والمفعول الثاني جملة لَمْ يَذْهَبُوا، يعني: يظنون هؤلاء المنافقون أن الأحزاب لم يذهبوا، وهذا يدل على جُبْنِهم وخوفهم وذُعْرِهم؛ لأنه حتى بعد ذَهَاب الأحزاب وتفريقهم يظن هؤلاء المنافقون أنهم لم يذهبوا.
يقول الله عز وجل: (لَمْ يَذْهَبُواإلى مكة؛ لخوفهم منهم، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُكَرَّة أخرى يَوَدُّوا: يتمنوا، لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِأي: كائنون في البادية، يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ: أخباركم مع الكفار).
قوله: وَإِنْ يَأْتِهذا على سبيل الفرض والتقدير، وقوله: الْأَحْزَابُجمع حزب، وهم الطوائف الذي تَحَزَّبُوا على النبي صلى الله عليه وسلم من قريش وغطفان وأسد وغيرهم، لو أتى هؤلاء الأحزاب مرة أخرى لَوَدَّ هؤلاء المنافقون أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ، البادي هو الساكن البادية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» ، فبَادٍ هذه اسم فاعل، ومعناها: ساكن البادية، فيَوَدّ هؤلاء لو أنهم بَادُونَ في الأعراب، أي: ساكنون البادية، لماذا يودون أنهم ساكنون البادية؟ لأجل النجاة من هؤلاء الأحزاب.
وقوله: يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْجملة حالية من الفاعل في قوله: بَادُونَ، يعني: يَوَدُّ هؤلاء المنافقون أنهم في البادية، يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْولا يشاركونكم في القتال، تَصَوَّرْتم المعنى الآن، فبَيَّنَ الله سبحانه وتعالى ذُعْرَ هؤلاء المنافقين من وجهين:
الوجه الأول: أنهم يظنون أن الأحزاب ما زالوا باقين، مع أن الأحزاب قد انصرفوا.
ثانيًا: أنه لو فُرِضَ أن الأحزاب رجعوا فإنهم يتمنون أنهم في البادية لا يلحقهم مناوشات ولا قتال، وإنما يسألون عن أنبائكم.
إذن فجملة يَسْأَلُونَنقول: إنها في موضع نصب على الحال من فاعل بَادُونَ.
قال الله تعالى: (وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْهذه الكَرَّة مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًارياءً وخوفًا من التعيير).
يعني لَوْهذه شرطية، وجوابها هنا مقرون بـمَا، وإذا كانت (لو) الشرطية مقرونة بـ(ما) فإن الأكثر ألَّا يقترن الجواب باللام، لماذا؟ لأن (ما) للنفي، واللام للتوكيد، واجتماع حرف يدل على التوكيد مع حرف يدل على النفي فيه شيء من التعارض والتناقض، فتقول: لو جاء زيد ما كلَّمتُه، ولا تقول: لو جاء زيد لَمَا كلمته.
لكن إذا كان جوابها مثبتًا فإن الكثير أن تقترن به اللام، تقول: لو جاء زيد لكلمتك، على الأكثر، ويجوز: لو جاء زيد كلمته، قال الله تبارك وتعالى في سورة الواقعة: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا [الواقعة: ٦٥]، اقترن بها اللام، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [الواقعة: ٧٠]، أما (ما) فكما رأيت الآن لا تقترن بها اللام، لكن قد تقترن بها اللام قليلًا، ومنه قول الشاعر:
| وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا | وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي |
الشاهد قوله: لما افترقنا.
يقول الله عز وجل: وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا، قَلِيلًاهنا بمعنى: إلا عدمًا، أو هي على ظاهرها أنهم يقاتلون ولكن قتالًا قليلًا، هذا هو الأقرب؛ لأن الأصل إبقاء الكلام على ظاهره، إلا أن يقوم دليل على أن ظاهره غير مراد، فهؤلاء لو كانوا فينا حينما يأتي الأحزاب لوجدتهم مِن جُبْنِهم لا يقاتلون إلا قليلًا.
وفَسَّرَ المؤلف هذه القلة بأنها من أجل الرياء وخوف التأليب، يعني: يراؤون الناس بأنهم يقاتلون في سبيل الله، ويخافون من تعيير الناس لهم، فهم لا يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا من أهم ما يكون، أعني إخلاص الإنسان عبادته لله سبحانه وتعالى، هذا من أهم ما يكون، ومن أشد ما يكون علاجًا على النفس؛ لأن الأعمال الظاهرة كل أحد يستطيع أن يجعلها على أحسن ما يرام، أليس كذلك؟
كل أحد يستطيع أنه يقوم يصلي بقراءة متأنية، وبركوع متأنٍّ، وبسجود متأنٍّ، وبقيام متأنٍّ، وبقعود متأنٍّ، لكن إصلاح القلب هو الصعب، ولهذا كان صلاح القلب موجِبًا لصلاح البدن، ولا عكس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .
فهؤلاء المنافقون ليس لديهم رغبة حقيقية في القتال الذي يرجون به إحدى الْحُسْنَيَيْن؛ إما الشهادة، وإما الظفر والسعادة، لا، لكنهم إنهم يقاتلون رياءً وخوفًا من التعيير فقط، لا لله، ومن كانت هذه نيته فإنه لن يقاتل القتال الذي ينبغي أن يكون، لأنه سيكون فاترًا، بخلاف الإنسان صاحب النية الخالصة لله عز وجل، بل سيكون لديه دافع قوي يَحْدُوه إلى العمل بما يرى أنه من طاعة الله سبحانه وتعالى.
ثم قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌبِكَسْرِ الْهَمْزَة وَضَمِّها).
لَقَدْ كَانَاللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، وعلى هذا فالجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات، وهي القسم الْمُقَدَّر واللام و(قد).
وقوله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ، (كان) هذا فعل ماضٍ، وكيف يتوجه أن يكون فعلًا ماضيًا، والتأسِّي بالرسول صلى الله عليه وسلم مستمر دائم، والمعروف أن الفعل الماضي قد انقضى زمنه؟
فيقال -والله أعلم-: لقد كان لكم في علم الله، وفي شرع الله عز وجل أسوة حسنة.
وقوله: فِي رَسُولِ اللَّهِ، ولم يقل: في محمد، ولم يقل: في النبي، إشارة إلى أن الأسوة فيه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رسول الله، فهذا الوصف يفيد العِلِّيَّة، أي أن عِلَّة الأسوة كونه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا ما كان علينا أن نتأسى به لأنه رجل من الناس، لكن لأنه رسول الله كان لنا فيه أسوة حسنة.
وقوله أُسْوَةٌبكسر الهمزة وضمها، قراءتان سبعيتان؛ لأن طريق المؤلف رحمه الله إذا عَبَّر بمثل هذا التعبير فالقراءتان سبعيتان متساويتان، أما إذا قال: قرئ، فالقراءة الثانية شاذَّة.
إذن يجوز أن أقول: إِسْوَة وأُسْوَة، وهل الأفضل أن أقتصر على واحدة من قراءاتها، أو أن أقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى؟
سبق لنا أن الأفضل لمن عَلِمَ القراءة وتأكدها أن يقرأ بهذه تارة وبهذه أخرى، لكن لا عند العامة، لو قرأنا بهذه القراءات عند العامة حصل بذلك تشويش ورد فعل، قال: كيف هذا يغيِّر في القرآن ويُحَرِّف؟!
لكن فيما بين الإنسان وبين نفسه إذا كان يعلم أن هناك قراءتين فإن من الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه أخرى؛ لأن كلتا القراءتين ثابتة عن مَن؟ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي أن نقتصر على واحدة فقط؛ لأننا إذا اقتصرنا على واحدة فقط هجرنا البقية.
طالب: العوام إذا ما قرأنا عندهم بالقراءات كيف يعرفون القراءات؟
الشيخ: بالتعلم، إذا جاء يبغي يتعلم القراءات نعلمه، لكن رجل عامي ما يدرى عن هذه الأمور لا شك أنه يجلب عنده التشويش من جهة، ثم إنه قد يُجَرِّئه على أن يقرأ بهذه القراءة على وجه الخطأ.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، وليكن ما يضر؛ لأنه بالإجماع الاقتصار على واحدة جائز، ما هو على سبيل الوجوب، فإذا كان فِعْل القراءة الثانية إذا كان يحصل بها مفسدة فلا حرج من عدم قراءتها.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما يزول، من جهة التعبير بالماضي ما يزول، هو الإشكال التعبير بالماضي.
وقوله: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌقال المؤلف: (اقتداء به في القتال، والثبات في مواطنه)، هذا التفسير من المؤلف رحمه الله فيه نظر، أيش وجه النظر فيه؟ أنه خَصَّصَه بالقتال، والحقيقة أنه أسوة حسنة في كل ما يفعله، كل ما كان من سنته فإن لنا فيه أسوة حسنة، وقوله: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌفيها معنيان:
المعنى الأول: أن التأسِّي بالرسول صلى الله عليه وسلم كله حسن؛ لأنه عليه الصلاة والسلام معصوم من الخطأ في التشريع، فكل تأسٍّ به فهو حسن، بخلاف التأسي في غيره، فقد يكون حسنًا، وقد يكون غير حسن.
المعنى الثاني: أسوة حسنة باعتبار تأسِّينَا به، لا باعتبار ما هو عليه، والأسوة الحسنة باعتبار تأسينا به هو أن نكون موافقين له في القول والفعل والقصد الذي هو العقيدة، نوافقه في هذه الأمور الثلاثة؛ في العقيدة والقول والفعل، هذه الأسوة الحسنة، فمن وافقه في قوله دون فعله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن وافقه في فعله دون قوله لم يَتَأَسَّ به أسوة حسنة، ومن تَأَسَّى في قوله وفعله دون عقيدته وقصده لم يتأسَّ به أسوة حسنة.
ويدخل في الأسوة الحسنة الدعوة إلى دين الله، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يدعو إلى دين الله، قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: ١٠٨].
وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون حركيًّا في مجتمعه، لا نسخة كتاب فقط، بمعنى أن يكون مُحَرِّكًا لضمائر الناس ومشاعرهم وتوجيههم، ويكون لديه عزيمة في إصلاح الخلق حتى لا يكون مجرد نسخة، اللي مجرد نسخة ويش الفائدة منه، يقول: والله أنا حفظت –مثلًا- متن الزاد وحفظت بلوغ المرام وحفظت المنتقى وما أشبه ذلك، لكن (...) ويش الفائدة؟! أو تقول: أبغي أجلس في بيتي إن جاء أحد يسألني علَّمته وإلا ما..
لا، يجب نبث الوعي بين المسلمين، ولا سيما في هذا الوقت في عصرنا هذا؛ لأن الناس بدؤوا يتحركون، سئموا الحياة السابقة، وصاروا يتحركون الآن، لكن يحتاجون إلى بداية ودلالة؛ لأنهم قد يتحركون إلى شيء سيئ، إنما إذا تولى طلبة العلم الذين وهبهم الله العلم توجيه الناس إلى هذه الأمور حصل في هذا خير كثير، كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يفعل، فالأسوة الحسنة في الرسول يدخل فيها الدعوة إلى دين الله عز وجل.
قال: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، صار الحسنة في ذاتها وفي تطبيقها؛ في ذاتها بمعنى أن التأسي به حسن، ولا يمكن أن يكون عليه الصلاة والسلام شيء من أفعاله غير موصوف بالحسن، وحسنة في تطبيق هذا التأسي بالعقيدة والقول والفعل.
لكن قال: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، لِمَنْ كَانَيقول المؤلف: (بدل من لَكُمْ)، لَقَدْ كَانَ لَكُمْأُسْوَةٌ حَسَنَةٌلكن لمن كان يرجو الله، فهو بدل بعضٍ من كُلٍّ بإعادة العامل، كذا؟ أجيبوا يا إخوان، بدل بعض من كل بإعادة العامل، لَكُمْالخطاب يشمل من يرجو الله واليوم الآخر ومن لا يرجوه، ولِمَنْ كَانَيَخُصّ مَن كان يرجو الله واليوم الآخر، فهو بدل بعض من كل.
وهل هو بدل بعض من كل في الذات أو في المعنى والصفات؟
إذا قلت: أَكْرِمِ القومَ بعضَهم، هذا بدل بعض من كل في الذات، لكن هنا في الذات ولَّا في الصفات؟ في الصفات، لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وقولنا: بإعادة العامل، وين العامل الذي أُعِيد؟ اللام، حرف الجر، فإنها موجودة في البدل والْمُبْدَل منه؛ موجودة في الْمُبْدَل منه في قوله: لَكُمْ، وفي البدل في قوله: لِمَنْ كَانَ.
وقوله: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَقال المؤلف: (يخاف الله).
ولعل قائلًا يقول: كيف نفسر الرجاء بالخوف؟ لأن الرجاء هو طلب أو تمني ما كان قريب الحصول، فكيف نفسره بالخوف؟
يقال: إن الرجاء يطلق على الخوف، ويطلق على الأمل، فالرجاء في المحبوب، والخوف من المكروه، ولا يلزم أن يفسَّر بما فسر به المؤلف بأن المراد بالرجاء الخوف؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر ثابت أيضًا، الذي هو تمني حصول المطلوب، فإن ما عند الله تعالى من الثواب لمن تأسوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، يوجب الرجاء، وما في اليوم الآخر أيضًا من السعادة يوجب الرجاء أيضًا، فالذي يظهر أن المراد بالرجاء هنا معناه الحقيقي الذي هو طلب أن يأمُل الإنسان ما فيه مصلحة له وخير له.
وقوله: وَالْيَوْمَ الْآخِرَما المراد به؟ المراد به يوم القيامة، وسُمِّيَ يومًا آخر لأنه لا يوم بعده، فإن ذلك اليوم هو آخر مراحل الخلق؛ لأن للإنسان في هذه الدنيا أربع مراحل: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة رابعة يوم القيامة، أربعة دول.
طالب: (...).
الشيخ: ما فيها (...).
الطالب: (...).
الشيخ: كله ما فيه ليل ونهار؛ لأن الشمس تكوّر وتُرْمَى في النار.
وقوله: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَيقرِن الله تعالى دائمًا الإيمان به باليوم الآخر كثيرًا في القرآن، آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: ٣٩]، لماذا؟ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل؛ لأنك إذا آمنت بأن هناك يومًا تجازَى فيه على عملك فسوف تعمل لذلك اليوم، بخلاف الإنسان الْمُنْكِر له، فالْمُنْكِر لليوم الآخر ما يعمل؛ لأنه يعتقد أن ما هناك إلا دنيا فقط، أرحام تدفع وأرض تبلع، ولا شيء، لكن إذا آمن الإنسان باليوم الآخر أوجب له ذلك أن يعمل، ولهذا يقول: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ.
قال: وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًابخلاف مَن ليس كذلك، وَذَكَرَ اللَّهَالواو هنا حرف عطف، وذَكَرَمعطوف على أيش؟ لِمَنْ كَانَ يَرْجُويعني: ولِمَن كان ذَكَرَ الله، أو معطوفة على كَانَ، لِمَنْ كَانَ، ولِمَن ذَكَرَ، على كَانَ؛ لأن الفعل الماضي يُعْطَف على الفعل الماضي، وأيضًا إذا جعلتَه معطوفًا على كَانَاتضح المعنى أكثر، لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَهذا عمل قلبي، وَذَكَرَ اللَّهَعمل جوارح، يقول: معطوفة على كَانَلِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ، ولمن ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
قوله: وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، كَثِيرًاهذه مفعول مطلق، أي: ذِكْرًا كثيرًا، وذِكْر الله عز وجل يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح؛ يكون بالقلب بأن يتفكر الإنسان في آيات الله، وفي أسمائه وصفاته، هذا ذِكْر بالقلب، ويكون بالجوارح باللسان كالتسبيح والتهليل والتحميد، وما أشبه ذلك، ويكون بالجوارح غير اللسان مثل الصلاة، فيها ركوع وسجود، وقيام وقعود، وهي ذِكْر.
فالذِّكْر إذن يكون في القلب وفي اللسان وفي الجوارح، والإنسان العاقل الحازم المؤمن لا يزال يَذْكُر الله سبحانه وتعالى؛ لأن في كل شيء من مخلوقاته آيةً تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى، وعلى حكمته، فأي شيء تشاهد من هذا الكون سيُذَكِّرك بالله عز وجل، كذلك بالنسبة لأعمالك إذا كنت حازمًا فإنك تستطيع ألَّا تعمل عملًا إلا كان عبادة، الإنسان الحازم يجعل من العادات عبادات، والإنسان الغافل يجعل من العبادات عادات، فإذا كان الإنسان حازمًا فإنه لن يضيع عليه لحظة من عمره، لا بد أن يستغلها في ذِكْر الله سبحانه وتعالى.
هل من ذكر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ نعم من ذِكر الله، قراءة القرآن من ذكر الله، كل قول أو فعل يقرِّب إلى الله عز وجل فإنه من ذِكر الله عز وجل.
طالب: (...).
الشيخ: ما أدري والله (...).
قال تعالى: يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا [الأحزاب: ٢٠].
يستفاد منه: قوة جُبْن هؤلاء المنافقين، حيث يظنون أن العدو باقٍ وهو قد ذهب، أو لا؟ فإن قلت: هل لهذا شاهد؟ قلت: نعم، لو أن رجلًا جبانًا رأى أسدًا في مغارة، وذهب الأسد من هذه المغارة وأُخْرِج، فقلت لهذا الرجل الجبان: تفضل امشي من عند المغارة هذه، أيش يقول؟ يقول: لا، فيها أسد؛ لأنه جبان، فالجبان يظن أن عدوه لم يبرح مكانه ويخشى حتى مِن ظِلِّه.
يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء المنافقين لو عاد الأحزاب مرة أخرى لوَدُّوا أنهم في الأعراب لا في المدن؛ لقوله: وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ [الأحزاب: ٢٠]، وأيهما أحسن عيشًا؛ عيش البادية ولَّا عيش المدن؟ المدن، لكن لجبنهم يتمنون أن يذهبوا إلى الأعراب إلى البادية ولا يحضروا هؤلاء الأحزاب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين لا يريدون أن يشاركوا المؤمنين في معاركهم؛ لقوله: يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ، هم يحبون أن يكونوا بعيدين عن المعارك، ما يتَحَسَّسُون إلا الأخبار فقط.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافق لو شارك المؤمنين في القتال فإنه لن يقاتل إلا قليلًا، وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا.
وهاهنا مسألة: هل يجوز لنا أن نشارك المنافقين في قتالنا إذا علمنا أنهم منافقون أو لا نشاركهم؟ لا نشاركهم؛ لأن ضررهم علينا أكثر بكثير من نفعهم، أما مَن لا نعلم حالهم فإن الأصل أن يؤاخَذ الإنسان بظاهر حاله.
طالب: (...)؟
الشيخ: الله أعلم بما في قلبه، لكن في ظني إن ما أحد يخاف إلى هذا الحد؛ لأنه ويش بيخاف؟ غاية ما عنده القتل، وهو إذا قُتِلَ في سبيل الله خير من أن يموت على ..
طالب: (...)؟
الشيخ: هؤلاء يمكن القط لو يتحرك خافوا منه، يجب أن الإنسان يتغلب على هذه الأشياء.
طالب: (...)؟
الشيخ: كل خوف يمنعك من واجب فهو مذموم.
الطالب: (...).
الشيخ: لا لا، هذا ما هو بصحيح، هذا من جنس ما ورد في ثعلبة، وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة: ٧٥]، هذا الخبر المشهور عند العامة الآن والذي يتحدث به كل مَن يَعِظُ الناس كذب ما هو صحيح.
طالب: (...).
الشيخ: هذا ثعلبة، يقولون: إنه رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام واستأذنه أن يخرج عن المدينة لغُنَيْمَةٍ له، ولكن الرسول منعه، فأَصَرَّ وخرج، وصار يتخلَّف؛ لأنه قد عاهَد الله إن آتاه من فضله أن يتصدق ويكون من الصالحين، ثم إن الرجل نَدِمَ وجاء إلى الرسول تائبًا، ولكنه ما قَبِلَ توبته، ثم جاء إلى أبي بكر تائبًا ولم يقبل توبته، ثم جاء إلى عمر تائبًا ولم يقبل توبته، وهي مشهورة عند العامة.
طالب: (...).
الشيخ: هذه ابن حجر رحمه الله في تعليقه على تفسير الزمخشري تخريج أحاديثه يقول: إن سنده واهٍ جدًّا، وفي أحاديث الإخوان من الجامعة الإسلامية كتب تحقيقًا في هذا، رسالة، وبَيَّنَ أن هذه القصة كذب وباطلة.
طالب: (...).
الشيخ: (...) أن تصدق؛ لأن هذا بعيد أن الرجل يأتي ويتوب توبة صحيحة صادقة، ثم.. هذا ما يمكن.
طالب: (...).
الشيخ: ما ينقسم إليه إن شاء الله بالتوحيد.
***
ثم قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب: ٢١].يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، من أين يؤخذ ؟ من قوله: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ؛ لأن رجاء الله واليوم الآخر واجب.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله؛ لقوله: فِي رَسُولِ اللَّهِ.
ويستفاد منها: أن جميع طريق النبي عليه الصلاة والسلام حسن، ليس فيه سيئ؛ لقوله: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
ويستفاد منها: أن الواجب علينا أن يكون تأسينا برسول الله صلى الله عليه وسلم تأسِّيًا حسنًا، لا غُلُوّ فيه ولا تفريط؛ لقوله: حَسَنَةٌ؛ لأن الغلو زيادة، والتفريط نقصان، ودين الله عز وجل بين الغالي فيه والْمُفَرِّط فيه.
ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب رجاء الله عز وجل واليوم الآخر، لكن شوف نقول: وجوب، من أين يؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الوجوب، يعني لو قال قائل: منين نأخذ الوجوب؟
الطالب: (...).
الشيخ: وهي؟
الطالب: (...).
الشيخ: لأن هذا من تمام الإيمان بالرسل، نتأسى به رجاء لله واليوم الآخر.
ويستفاد منها: الإيمان باليوم الآخر؛ لقوله: وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وسُمِّي يومًا آخِر؛ لأنه (...) آخر أيام الدنيا، الدنيا كذا، ولَّا آخر مراحل الإنسان، آخر مراحل الإنسان كما سبق لنا في التفسير.
ويستفاد من الآية الكريمة: مشروعية كثرة الذِّكْر؛ لقوله: وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، وقد بَيَّنَ الله تعالى في سورة آل عمران عن أولي الألباب أنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، والإنسان إما قائم أو قاعد أو على جنب، وهم يذكرون الله في كل هذه الأحوال.
***
قال الله تعالى -مبتدأ درس اليوم-: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُمن الابتلاء والنصر وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُفي الوعد، وَمَا زَادَهُمْذلك إِلَّا إِيمَانًاتصديقًا بوعد الله، وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢] لأمره).
لَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَهذه لَمَّاشرطية لكنها لا تجزم، وفعل الشرط في الآية رَأَى، وجوابه قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ، وقد مَرَّ علينا أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على عدة وجوه، منها الشرطية كما في هذه الآية، ومنها الجازمة كما في قوله: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: ٨]، هذه جازمة، ومنها أن تكون بمعنى (إلا) كما في قوله: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤]، يعني: إلا عليها حافظ.
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ، والمراد بالأحزاب هنا الأحزاب الذين تَأَلَّبُوا على النبي صلى الله عليه وسلم من قريش وغطفان وبني أسد وغيرهم، لَمَّا رأوهم رؤية بصرية أو قلبية؟ بصرية، لما رأوهم قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، كيف وعدنا الله ورسوله، أين الوعد من الله ورسوله بأن هؤلاء الأحزاب سيأتون؟ قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤]، فإن الله تعالى بَيَّنَ في هذه الآية أنهم ما يمكن أن يدخلوا الجنة إلا بعد هذه الأمور، فيكون متضَمِّنًا بوعد الله سبحانه وتعالى لهم أن يَرَوْا مثل هذه الأشياء التي تزلزلهم.
يقول: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وهذا دليل على ثباتهم وإيمانهم، وصِدْق نواياهم، لكن المنافقون تقدم أنهم كانوا يهزؤون بالرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا ضرب الْحَجَر الذي اعترضهم في حفر الخندق وقال: إنه رأى مدائن كسرى وقصور قيصر واليمن، أيش قالوا؟ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب: ١٢]، إيشلون هذا يبغي يملك اليمن والشام والعراق وهو الآن مضيَّق عليه هذا .. هذا كذب وليس بصحيح، لكن المؤمنين قالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، عكس هؤلاء المنافقين قالوا: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا.
صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُالصدق هو الإخبار بالواقع على حسب ما هو واقع، وإن شئت فقل: هو الإخبار المطابق للواقع، هذا الصدق، وضده الكذب، ويقال: صَدَقني الحديثَ، وصدَّقني الحديث، وبينهما فرق؛ صَدَقَنِي الحديث يعني: أخبرني بالصدق، وصدَّقَنِي الحديث يعني: قال: إن ما حدثته به صدق، عرفتم؟
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران: ١٥٢] أيش معنى صَدَقَكُمُ؟ يعني: أخبركم بالصدق وبَيَّنَ لكم أن ما وعدكم به حق إذ أَحْسَسْتُمُوهُم بإذنه.
يقول: وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، في هذه الجملة مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُسِيقَ هذا الكلام على سبيل الذم ولَّا على سبيل المدح؟ على سبيل المدح، ولكنه قد يشكل عليكم كيف قَرَنَ وَعْدَ رسول الله بوعد الله بالواو، وقَرَن أيضًا صدق رسول الله بصدق الله بالواو، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل حين قال له: ما شاء الله وشئت، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا»، فكيف نجمع بين هذا، وبين ما في هذه الآية؟
الجواب أن يقال: ما كان من أمور الشرع فإنه لا بأس أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو؛ لأن ما شَرَعَه النبي عليه الصلاة والسلام فهو من شرع الله، كما قال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]، وأما ما كان من أمور القَدَر فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو، بل لا بد أن يكون بـ(ثم)، وذلك لأن قدرة الإنسان ومشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله وقدرته.
فمثلًا تقول لرجل سألك: ما حكم كذا وكذا؟ يعني: ما حكم الصلاة جماعة، وأنت لا تدري ما حكمها، فتقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا حكم شرعي، وأما إذا كان من الأمور القَدَرِيَّة فإنه لا يمكن أن يشرك غير الله بالله بالواو، وذلك لأن مشيئة غير الله وقدرة غير الله تابعة لمشيئة الله، لا يمكن أن تكون مساوية لها.
قال: وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا، مَا زَادَهُمْالفاعل في زَادَهُمْيعود على أيش؟ يعني: رؤية الأحزاب، يعني: ما زادهم رؤية الأحزاب وتأَلُّبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إِلَّا إِيمَانًا، يقول المؤلف: (تصديقًا بوعد الله وَتَسْلِيمًالأمره)، إيمانًا بالقلب وتسليمًا بالجوارح؛ لأن الإيمان محله القلب، والتسليم والانقياد محله الجوارح، والإنسان لا يتم دينه إلا بهذين الأمرين؛ بالإيمان والتسليم، فمَن استسلم ولم يؤمن فهو منافق، ومَن آمن ولم يستسلم فهو مُسْتَكْبِر، فإذا اجتمع في الإنسان الإيمان والتسليم صار مؤمنًا حقًّا عابدًا حقًّا.
فالإنسان المؤمن لكنه ما يستسلم نقول: هذا مستكبر، والإنسان المستسلم لكنه غير مؤمن نقول: هذا منافق؛ لأن المنافقين يستسلمون ظاهرًا، ولا يتم الإيمان إلا بهذين الأمرين؛ الإيمان والتسليم، ما يتم الشرع إلا بهذين الأمرين الإيمان والتسليم.
قال: وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا، إِيمَانًاهذه مفعول لأجله؟ ما إعرابها؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: مفعول بأيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: مفعول أول ولَّا ثانٍ؟
الطالب: (...).
الشيخ: مفعول ثانٍ، والمفعول الأول؟
الطالب: (...).
الشيخ: الهاء، إي نعم، فـ(زاد) تنصب مفعولين أولهما الهاء، والثاني في هذه الآية إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.
قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِمن الثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم.
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌالجملة هذه مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدَّم والمبتدأ مؤخَّر، المبتدأ قوله: رِجَالٌ، والخبر مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.





