«وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِنَّهُ لَهُ وُجَاءٌ»
ما
وجه الدلالة من الحديث؟
طالب: أن النبي صلى الله عليه
وسلم أرشد إلى الصوم (...) لو كان فيه خير لأرشد الإنسان إليه.
الشيخ: لو كان جائزًا لأرشد إليه.
الطالب: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا
وَجَدْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ إلَّا أَمَرْتُكُمْ بِهِ» (...).
الشيخ: وجه الدلالة أن الرسول أرشد إلى الصوم وهو أشق من هذه
الفعلة ولو كانت هذه الفعلة جائزة لأرشد إليها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنها
أسهل وأيسر، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: مَا خُيِّرَ النبي
صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرَهما ما لم يكن إثمًا .
فلما لم يختر هذا الأيسر عُلِمَ أنه إثم محرم.
طالب:
استخدام -يا شيخ- اللواط، الله سبحانه وتعالى أطلق عليه فاحشة.
الشيخ: الفاحشة؟! مو فاحشة.
الطالب:
الفاحشة، نعم، فنُطْلِق عليها لواطًا، أليس فيها إساءة للنبي؟
الشيخ: لا، أبدًا هذا شيء متعارف.
الطالب: ويش (...)؟
الشيخ: لا، هي
أصلًا النسبة يجوز أن تُنْسَب إلى المضاف أو المضاف إليه، هذا مقتضى اللغة العربية،
قوم لوط، يعني: لوطي أي: منتسب إلى هؤلاء القوم.
طالب:
إذا استمنى وهو في رمضان المحصن هل عليه الكفارة؟
الشيخ: لا، ما عليه الكفارة، الكفارة ما تكون إلا بالجماع
فقط.
طالب: فيه أثر عن عن النبي صلى الله عليه وسلم سئل
عن نكاح المرأة في الخلف قال: «تِلْكَ اللُّوطِيَّةُ
الصُّغْرَى» ؟
الشيخ: أحاديث وطء المرأة في الدبر كلها فيها مقال، لكن يَشُدُّ
بعضها بعضًا وتدل على التحريم، وقد مر علينا في قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة: ٢٢٢] مر علينا أن من فوائدها تحريم وطء الدبر، هي مرت علينا.
الطالب: قصدي على الاسم هذا؛ يعني: اللوطية؛ على الفعل
هذا.
الشيخ: إي نعم، اللوطية الصغرى.
طالب: يدخل فيه إذا كان صومًا واجبًا يعني محرم عليه..؟
الشيخ: محرم أيش؟
الطالب:
الوطء.
الشيخ: معلوم؛ لأن الصوم الواجب لا يجوز قطعه
إلا لضرورة بخلاف الصوم اللي غير واجب.
الطالب:
(...)؟
الشيخ: كيف..؟ لا، مو هذا علشان حفظ الفرج،
علشان العبادة، هذا حرام عليه حتى على امرأته.
الطالب:
(...) على امرأته؟
الشيخ: إي، ما يدخل في هذا، لأن هذا
ما يتعلق بحفظ الفرج، ولكن يتعلق بصوم العبادة؛ يعني: تحريم الوطء على مَنْ
تَلَبَّس بِنُسُكٍ أو تَلَبَّس بصوم أو تلبس بصلاة مفروضة ما هو من أجل حفظ الفرج،
لكن من أجل احترام هذه العبادة. قال: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ [الأحزاب: ٣٥].
الطالب: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: ٢٤]؟
الشيخ: مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْالمحرمات اللي ذكر الله عز
وجل.
الطالب: (...)؟
الشيخ:
الاستمناء ما هو من النساء؛ لأن الله ذكر المحرمات حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء ٢٣، ٢٤]
منين؟ من النساء، التحدث الآن ما هو عن الفعل، التحدث الآن عن المحلل مَنْ من
الأشخاص، فبين الله عز وجل أن هؤلاء محرمات؛ ولهذا قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْفهذا معناه أن الله أحلَّ للناس ما سوى هؤلاء الأصناف،
وليس هذا ما هو بالتحدث عن الفعل، التحدث الآن عن موضع الفعل؛ يعني عن المحلل من
النساء.
***
وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب: ٣٥] وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِختم الآية الكريمة بهذا الوصف العظيم، وهو ذكر الله عز وجل وهو شامل لكل عبادة؛ كل عبادة فهي ذكر لله عز وجل حتى دراستكم للعلم هي من ذكر الله عز وجل؛ ولهذا تُسَمَّى حِلَق العلم تُسَمَّى حِلَقَ الذكر أو مجالس الذكر، فكل ما يُقَرِّب إلى الله، كل عبادة فهي من ذكر الله.وذكر الله عز وجل يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح؛ ففي القلب التفكر، وفي اللسان النطق، وفي الجوارح الفعل والعمل، أيها أفضل؛ ذكر الله باللسان، أو ذكر الله بالقلب، أو ذكر الله بالجوارح؟
الطالب: كلها.
الشيخ: ما فيه شك، الجمع أفضل، هذا معلوم.
الطالب: بالقلب.
الشيخ: لا، القلب وحده لا يكفي، واللسان وحده لا يكفي، والجوارح وحدها لا تكفي؛ يعني: لو أن الإنسان قال: أبغي أتفكر في آيات الله عز وجل، وفي أسمائه وصفاته، ولكنه ما هو بذاكر (...)، هل يكون مسلمًا؟
طالب: (...).
الشيخ: أقول: هل يكون مسلمًا؟ لا، لا بد أن يقول؛ «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .. وكذلك أيضًا بالنسبة للجوارح، لكن لا شك أن اختلال الذكر بالقلب له أثر عظيم جِدًّا؛ لأن المدار على القلب، ولا شك أيضًا أن تأثير ذكر الله بالقلب أبلغ في تقوية الإيمان وفي التقرب إلى الله عز وجل من الذكر بماذا؟ بالجوارح؛ لأن المدار كله على ما في القلب لا بالنسبة للأعمال وقوام الأعمال ولا بالنسبة للجزاء كما قال الله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [الطارق: ٩، ١٠].
ذكر الله عز وجل يكون مطلقًا في كل وقت، ويكون مقيدًا بأحوال، ويكون مقيدًا بأماكن، ويكون مقيدًا بأزمان. فهو إذن أربعة أنواع وهي؟
طالب: مقيدا بأقوال؟
الشيخ: بأقوال، هو ذكر الله، ويكون الذكر مطلقًا، مقيد بأزمان، مقيد بماذا؟ بأماكن، مقيد بأحوال. إذن أنت مُلْزَم بإغلاق (...).
أما المطلق؛ فقد قال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] هذا في كل وقت في كل حال، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤١، ٤٢] كما في هذه الآية وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا.
المقيد بزمن أيش مثله؟ مثل أدبار الصلوات، هذا مقيد بزمن، وكذلك الدعاء في أول النهار أو الذكر في أول النهار وفي آخره وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: ٣٩].
المقيد بأمكنة؛ كدخول المسجد، ودخول المنزل والخروج منه، ورمي الجمرات، وركوب السيارات.. لا، ركوب السيارات بمكان؟ طيب.
أما المقيد بحال من الأحوال فهو أيضًا كثير؛ عند الهم والحزن وعند الأكل والشرب، وما أشبه ذلك.
طالب: صلاة (...)؟
الشيخ: صلاة أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: الاستسقاء يعني، إي نعم.
الطالب: ركوب (...) الآن..
الشيخ: والله الركوب الإخوان يقولون: مقيد بمكان.
على كل حال: إن الذكر إما مطلق وإما مقيد، والله عز وجل شرع لعباده ذلك من أجل أن يكونوا دائمًا على ذكر الله عز وجل، حتى عند لبس الثوب، عند الأكل والشرب والفراغ منهما.
الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًاأَعَدَّفعل ماض، ولفظ الجلالة فاعل والجملة من الفعل والفاعل خبر (إن)، واسم (إن) ما هو؟ الْمُسْلِمِينَوما عطف عليه.
وقوله: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْأي: لهؤلاء، والميم علامة جمع الذكور، وفيه دلالة واضحة على تفضيل الرجال على النساء. لم يقل الله عز وجل: أعد الله لهم ولهن، ولم يقل: أعد الله لهن، وإنما قال: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ.
وقوله: أَعَدَّبمعنى: هيأ لهم.
وقوله: مَغْفِرَةًالمغفرة مأخوذة من الغَفْر وهو الستر مع الوقاية؛ لأن أصلها من الْمِغْفَر الذي يوضع على الرأس لاتقاء السهام. والمغفر الذي يوضع على الرأس لاتقاء السهام يحصل به؟
طالب: (...).
الشيخ: ويش بعد؟ المغفر يوضع على الرأس يحصل به الستر والوقاية. كذا؟
إذن المغفرة نقول: هي ستر الذنوب والتجاوز عنها، ليست ستر الذنوب فقط، بل هي ستر مع التجاوز؛ ستر عن الخلق وتجاوز عن العقوبة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ يَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» .
وقوله: وَأَجرًا عَظِيمًابإعداد المغفرة يسلمون من الآثام وأوزارها وعواقبها وَأَجْرًا عَظِيمًاأي: ثوابًا ذا عظمة في نفسه، هذا الأجر العظيم هو دخول الجنة، وهو أجر لا يمكن أن يحيط به البشر؛ لأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ، وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧]، ويقول تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥]، هذا الأجر العظيم الذي لا يقدر قدره إلا الله عز وجل يكون لهؤلاء المتصفين بهذه الصفات، وإذا كان الله تعالى قد بَيَّن هذه الصفات أو بين القائمين بهذه الصفات وبين ما أعد لهن من الأجر والثواب، فهل المراد بذلك مجرد إعلام الناس بهذا أو أن المراد شيء وراء ذلك؟
المراد شيء وراء ذلك؛ وهو أن يقوم الناس بهذه الصفات العظيمة حتى ينالوا ذلك الأجر العظيم والمغفرة.
وقوله: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًاكلمة مَغْفِرَةًنكرة، فهل نقول: إنها نُكِّرَت للتعظيم بدليل العطف عليها وَأَجْرًا عَظِيمًاأو ماذا؟ هو الظاهر أنها نُكِّرَت للتعظيم أي: مغفرة عظيمة كما أن لهم أجرًا عظيمًا.
يقول: (مغفرة للمعاصي وأجرًا عظيمًا على الطاعات) جيد هذا؛ لأن المؤلف رحمه الله جعل المغفرة في مقابل المعاصي والأجر في مقابل الطاعات، ولكن هل لترك المعاصي أجر؟ يعني من ترك المعصية هل له أجر؟
إن قلتم: لا. أخطأتم، وإن قلتم: نعم. أخطأتم، نقول: تارك المعاصي له ثلاث حالات: إما أن يتركها عجزًا عنها مع فعل الأسباب الموصلة إليها، وإما أن يتركها؛ لأنها لم تطرأ له على بال، ما عملها لأنها ما طرأت على باله، وإما أن يتركها مع كونها على باله لكن تركها لله عز وجل.
أما الحال الأولى الذي ترك المعصية عجزًا عنها مع فعل الأسباب الموصلة إليها فهذا له حكم الفاعل؛ مثال ذلك: رجل أتى بالسلم ليصعد إلى البيت فيسرق لكن وهو جاي بيصعد سمع صوتًا ونظر وإلى حوله أناس فترك. ويش نقول؟ هذا له حكم الفاعل، لكن عند الله، أما في الدنيا ما نقطع يده، لكن عند الله له حكم الفاعل، ويش الدليل؟ قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا التَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قالوا يا رسول: هذا القاتل فما بال المقتول. كيف مقتول ويصير في النار؟! قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» حريصًا، وفاعل للسبب، ملتقٍ مع الآخر بالسيف، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام بالنار؛ لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه.
وأما من تركها لأنها لم تطرأ له على بال؛ مثل إنسان مثلًا لا سرق ولا زنى ولا شرب الخمر؛ لأن نفسه ما دعته إلى ذلك يومًا من الأيام فما الحكم؟ هذا ليس له شيء وليس عليه شيء؛ لأنه ما فعل إثمًا ولا تَقَرَّب إلى الله تعالى بنية فلا يكون له شيء ولا عليه شيء.
والقسم الثالث: رجل هم بالمعصية وربما فعل أسبابها، ولكنه تركها لله عز وجل، عندما تذكر عظمة الله خشي الله عز وجل وخافه فهذا أيش حكمه؟ له أجر على الترك كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَسَنَةً كَامِلَةً» قال: «لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ ذَلِكَ مِنْ جَرَّائِي» أي: من أجلي، فإذا تركتها لله فإنك تؤجر على ذلك.
لو أن الإنسان هَمَّ بالمعصية وفعل الأسباب لكن تركها لا لله ولا لعباد الله، هل يأثم أو ما يأثم؟ يعني: واحد هَمَّ بالسرقة وأتى بالسلم ولما أراد أن يصعد رجع إلى نفسه وقال: ليش تسرق، ما دام مغنيك الله وعندك مال وليس بحاجة إلى السرقة؟ ويش تبغي في السرقة؟ فتركها.
طالب: ليس عليه شيء (...).
الشيخ: هو ليس عليه السرقة ولا له أجر، لكن هل يأثم على فعل السبب؟ يأثم على فعل السبب هو الظاهر، وإن كان الغاية لم يصل إليها، لكن يقول: هذا السبب الذي فعلت فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨].
طالب: (...) رجع.
الشيخ: ما رجع، هو الآن الأسباب الأولى ما تركها لله، إنما تركها؛ لأنه نظر إلى أنه ليس بحاجة إلى السرقة فتركها. إحنا نقول: أما السرقة فلا تأثم وإن كنت قد نويتها بالأول؛ لأنك ما فعلتها، وأما فعل الأسباب فإن هذه الأسباب محرمة.
طالب: رجع وترك المعصية (...)؟
الشيخ: إي نعم، هذا يكون تركها للناس لا لله، ما تقولون: هل يأثم ولَّا ما يأثم؟
الطالب: (...).
الشيخ: هذا رجل ترك المعصية لشرفه يعني ترك الزنا مع تيسره؛ لأنه يقول: إنه رجل شريف، ما يحب أن يتلوث بهذه الأخلاق السافلة، أيش تقولون؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي ما يخالف، لكن السؤال: هل يؤجر أو لا يؤجر؟
طلبة: ما يؤجر.
الشيخ: أما على ترك الزنا فالظاهر أنه لا يؤجر؛ لأنه ما تركه لله، وأما على حماية شرفه فإنه يؤجر؛ لأن الإنسان ينبغي له أن يدافع عن شرفه حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: «هَذِهِ صَفِيَّةُ» على كل حال ما هو لدفع التهمة عن نفسه؛ لأنه هذا الشيء بعيد، لكن لئلا تقع التهمة في أولئك فيهلكوا؛ ولهذا قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا» .
فالظاهر لي أن الإنسان الذي يترك الشيء محافظة على شرفه وعلى سمعته فإنه يؤجر على ذلك لأنه صان نفسه، وفي الحديث «رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا كَفَّ الْغِيبَةَ عَنْ نَفْسِهِ» ولا أدري عن صحته، لكن الإنسان مأمور بحماية شرفه بلا شك والزود عن نفسه وإزالة التهمة عنها، فإذا كانت هذه نيته فإنه يؤجر لكن لا يؤجر أجرَ مَنْ تَرَك الزنا لله؛ لأنه بينهما فرقًا عظيمًا.
الطالب: بالنسبة (...)؟
الشيخ: الحياء من الإيمان، إي، لكن ما يثاب كثواب من ترك الزنا لله.
(...) فوائد الآية الكريمة: التفصيل في ذكر الرجال و النساء؛ لقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ [الأحزاب: ٣٥] إلى آخره، التفصيل في ذكر الرجال والنساء، أو لا؟ وهذا وإن كان موجودًا في القرآن، لكنه قليل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسلام غير الإيمان، من أين يؤخذ؟ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَوالعطف يقتضي المغايرة، وقد اختلف الناس هل الإسلام هو الإيمان أو غيره؟ والصواب في ذلك التفصيل؛ فإذا أُطْلِق الإسلام دخل فيه الإيمان، وإذا أُطلق الإيمان دخل فيه الإسلام، يعني أطلق: بمعنى ذكر مفردًا، فقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] يدخل فيه الإيمان لا شك، وقوله: (والله يحب المؤمنين) يدخل فيه الإسلام لا شك في هذا، وأما إذا ذُكِرَا جميعًا فإنهما يختلفان؛ ولهذا سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فذكر له أشياء، وسأله عن الإيمان فذكر له أشياء تخالف الأولى، إذا ذكرا جميعًا صار الإيمان في القلب والإسلام علانية في الجوارح.
ثالثا: أيهما أكمل؟ الإيمان أكمل لقول الله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] هذا من القرآن.
ومن السنة أن رجلًا أثنى عند النبي صلى الله عليه وسلم على رجل فقال: إنه مؤمن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أَوْ مُسْلِمٌ» . فدلَّ ذلك على أن الإسلام أضعف من الإيمان؛ لأن الرجل كان يثني عليه يمدحه فقال: إنه مؤمن فقال: «أَوْ مُسْلِمٌ». أظنه كررها؛ وعلى هذا فنقول: إن الإيمان أعلى من الإسلام وهو مغاير له إذا ذُكِرَا جميعًا.
الطالب: (...)؟
الشيخ: أيها؟
الطالب: (...).
الشيخ: اللي معناه؟ لا، من قوله: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا.
ومن فوائد الآية: فضيلة الإسلام والإيمان وكل ما ذكر بعد ذلك.
فإن قال قائل: إن الفضل جاء بمن اتصفوا بهذه الصفات كلها.
قلنا: لكن لما جاء هذا الفضل لها مركبة أو لها مجموعة دلَّ على أن كل واحد منها له فضل، وإلَّا لما كان لذكرها جميعًا فائدة.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القنوت؛ لقوله: وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ.
ومن فوائدها: أيضًا: فضيلة الصدق؛ لقوله: وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ، وإذا كان الصدق فضيلة كان ضده وهو الكذب رذيلة، وهو كذلك؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» .
فإن قلت: أفلا يجوز الكذب الأبيض؟ نقول: ليس في الكذب أبيض، كل الكذب أسود، وعند العوام الكذب الأبيض هو الذي لا يستلزم أكل المال، اكذب كما شئت لكن لا تأكل أموال الناس بالكذب، ولكن هذه خلاف تحذير النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ». هل رُخِّصَ في شيء من الكذب؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الإصلاح بين الناس.
الشيخ: الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الرجل مع امرأته والمرأة مع زوجها. لكن بعض أهل العلم يقول: لم يُرخص في شيء من الكذب إطلاقًا وقال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث التورية؛ فالتورية -كما تعرفون- كَذِبٌ من وجه صدق من وجه آخر فهي باعتبار نية القائل صدق وباعتبار ما فهمه المخاطب كذب، فيقولون: إن عمومات الحديث تدل على الكذب، ويجمع بينها وبين الحديث الذي في الاستثناء بأن هذا من باب التورية، وقالوا: إن الإصلاح بين الناس إذا بُني على الكذب فقد تكون النتيجة فيما بعد عكسية، إذا علم المتصالحان فيما بعد أن الأمر ليس على ما ذُكِرَ يمكن يزيد الشر وينتقض الصلح، وقالوا: أيضًا إن الكذب في الحرب ربما يُنْتِج نتيجة سيئة حيث يتبين للعدو أن الأمر ليس على ما قيل، مثل أن يقال له: إن عندنا جمعًا كثيرًا، وما أشبه ذلك بدون تورية، فهذا خطأ قالوا: وأيضًا حديث المرأة، حديث الرجل لزوجته وحديث المرأة لزوجها هذا أيضًا لو أجزنا الكذب صار مشاكل عظيمة، يجي الرجل يقول: أنا عندي مليون ريال، وعندي مئة سيارة وعندي ثلاثين فيلا، وما أشبه ذلك. (...) وما عنده إلا ثيابه ويش تكون النتيجة؟ طيبة ولَّا حسنة؟
تقول: أنت كذاب ولا تصلح زوجًا لي، وكذلك بالعكس المرأة تحدث زوجها أيش تطلعي السوق؟ تقول: ما عمري طلعت السوق، ولا أعرف السوق، ولا أعرف الرجال، فإذا الأمر بالعكس، فيه خطورة.
ولهذا قال بعض أهل العلم: إن المراد بذلك التورية، والتورية لا تجوز إلا في حالين وهما: الحاجة أو المصلحة.
على كل حال ظاهر الحديث الاستثناء أن هذا من الكذب الصريح وأنه لا بأس به، ولكن حتى على القول بأن الاستثناء يعود على الكذب الصريح دون التورية يجب أن يقال: هذا من المباح، والمباح إذا تضمن ضررًا كان حرامًا؛ لأن القاعدة عندنا كل المباحات يمكن أن تجري فيها الأحكام الخمسة، كل ما كان مباحًا فإن يمكن أن تجري الأحكام الخمسة؛ ولهذا ذهب بعض الأصوليين إلى أن ما في الشريعة شيء اسمه مباح؛ لأنه مستوي الطرفين، بل لا بد من تَرَجُّح، لكن جمهور العلماء على أن المباح ثابت في الشريعة.
الحاصل ويش عليه؟ على أنه إذا كان الحديث صريحًا في جواز الكذب في هذه الأمور الثلاثة، فماذا نقول فيه؟ يجب أن يُقَيَّد بما إذا لم يتضمن ضررًا فإن تضمن ضررًا منع منه.
ويستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الصبر؛ لقوله تعالى: وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِوقد سبق لنا بيان أقسام الصبر.
ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: فضيلة الخشوع في العبادات؛ لقوله: وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِولا سيما في الصلاة التي نص الله تعالى على الخشوع فيها فقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: ١، ٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصدقة؛ لقوله: وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِوهو شامل للواجب والمستحب.
وهنا نسأل هل الواجب أفضل أم المستحب أفضل؟
الواجب أفضل بالنص والنظر؛ أي: بدلالة الأثر والنظر كيف ذلك؟
أما الأثر فقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» وهذا صريح، وأما النظر فنقول: لولا أن الواجب أحب إلى الله ما فرضه الله على العباد، لجعله تطوعًا، لك الخيار فيه، فإيجاب الله له دليل على محبته له.
طالب: شيخ، (...).
الشيخ: ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصوم؛ لقوله: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِفرضِه ونَفْلِه، وأفضل النفل في الصوم، ما هو؟ صوم يوم وفطر يوم وهو صيام داود عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة حفظ الفرج؛ لقوله: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ، ويُستثنى من ذلك حفظ الفرج عن الزوجة وما ملكت اليمين فإن الإنسان لا يُلام عليه.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي اتخاذ الوسائل التي يكون بها حفظ الفرج؛ لأن الثناء على شيء ثناء عليه وعلى وسائله، فكل ما يَحصُل به حفظ الفرج فإنه مطلوب ومشروع؛ ولهذا حَرُم النظر إلى الأجنبية، وحَرُم التلذذ بمخاطبتها والاستماع إلى صوتها، وحَرُم أيضًا مصافحة المرأة الأجنبية، وحَرُمت الخلوة بها، وحرم سفرها بلا محرم، وما أشبه ذلك مما يكون سببًا في حفظ الفروج.
إذا كان الله تعالى أثنى على الحافظين فروجهم فإن الوسائل التي تؤدي إلى حفظ الفرج من الأمور المطلوبة.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة كثرة ذكر الله؛ لقول الله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًاوجدير بالمرء أن يكون دائمًا ذاكرًا لربه عز وجل؛ لأنه ما من نعمة هو فيها إلا وهي من الله، فإذا كان الله قد أدام عليك النعم، وأفرغ عليك النعم فلماذا لا تديم ذكره؟ حقيقة الأمر أن الإنسان لو فكر لوجد أنه لو يستوعب ليله ونهاره في ذكر الله ما كفى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» فالإنسان ما يمكن أن يُحْصِي الثناء على الله أبدًا مهما كان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل أعد لهؤلاء المتصفين بهذه الصفات أعد لهم المغفرة للذنوب والأجر العظيم على الطاعات؛ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
كم الأوصاف اللي ذُكِرَت؟ عشرة؛ المسلمين والمؤمنين والقانتين والصادقين والصابرين والخاشعين والمتصدقين والصائمين والحافظين فروجهم والذاكرين الله كثيرا، عشرة مع المعطوف عليها تكون عشرين، هذه العشرون كفى عنها ضمير واحد وهو قوله: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ، لو جاء يعدد هؤلاء كان يقول: أعد الله للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، ولكن هذا من فوائد الضمائر الاختصار؛ أنها تختصر الكلام الكثير بضمير واحد.
ومن فوائد الآية الكريمة: تفضيل الرجال على النساء؛ لأنه قَدَّم في الذِّكْر الرجال ولَّا لا؟ إِنَّ الْمُسْلِمِينَإلى قوله: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا.
ومن فوائدها: أيضًا: التغليب في جانب المذكر؛ لقوله: لَهُمْولم يقل: لهم ولهن.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي عند ذكر الرجال والنساء أن يُقَدَّم الرجال كما في هذه الآية وغيرها من الآيات، وأما من تَغَرَّبوا فصاروا يقدمون النساء على الرجال فأولئك ولَّاهم الله ما تولوا من مشابهة الكفار وقلب الفطرة وانتكاس الحال أن يقدموا النساء على الرجال عندما يقول مثلًا: سيداته وساداته، سيداته يقدم النساء على الرجال، بل العجب من ذلك أنهم يسمون النساء سيدات، يقول: السيدة الفلانة، والرجل ما عمره قال: السيد فلان، من أين أخذ ذلك؟ إي نعم، من الغرب والكفار؛ لأن الرجل في الحقيقة هو السيد على المرأة؛ قال الله تعالى: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: ٢٥]، أما المرأة ما هي سيدة على الرجل أبدًا، لكن هؤلاء -كما قلت- قَلَبَ الله فطرتهم بسبب أنهم تابعوا أعداء الله عز وجل وكثير من المسلمين مع الأسف الآن ما يحسون بهذه المسائل ولا يرونه شيئًا، ماشين مع العالم، حتى الألفاظ التي قد تكون محرمة يمشون فيها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عطاء الله تعالى أو أن جزاء الله أعظم من عمل المرء؛ لأن هذا الأعمال التي ذكرها الله عز وجل جعل الثواب عليها أمرين؛ مغفرة الذنوب والأجر العظيم، وهذا الأجر العظيم المبهم هنا قد بُيِّنَ في نصوص من الكتاب والسنة ما هي؟ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهذا مما يدل على فضل الله سبحانه وتعالى.
ومن العجب أن فضل الله عليك في الثواب كفضله عليك بالعمل؛ فإن فضل الله على الإنسان بالعمل فضل لا يعدله شيء؛ ولهذا جعل الله ذلك من إتمام النعمة فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣]، وجعل ذلك من منته؛ حيث قال: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا [آل عمران: ١٦٤] وقال: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ [الحجرات: ١٧]، شوف الآن، انظر إلى أن الله هو الذي مَنَّ عليك بالعمل، ثم مَنَّ عليك بالثواب، ثم قال: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠] مع أنه هو الذي أحسن إليك، أليس كذلك؟ وإحسان الله عليك بالعمل مسبوق بإحسانه عليك بشيء آخر؛ الهداية، العلم؛ لأنه لا عمل إلا بعلم فيكون عمل الإنسان مسبوق بالعلم، بنعمة الله عليه بالعلم، ثم بنعمة الله عليه بالتوفيق وملحوق بنعمة الله عليه بالقبول والجزاء، فتأمل مثل هذه الأمور حتى يتضح لك فضل الله عليك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة موجودة الآن؟ منين نأخذها؟
من قوله: أَعَدَّ؛ لأن الإعداد بمعنى التهيئة، و(أعد) فعل ماض فيكون لازم ذلك أن تكون الجنة موجودة، وهذا أمر معلوم عند أهل السنة والجماعة ومدعوم بنصوص الكتاب والسنة أن الجنة والنار موجودتان الآن.
***
طالب: شيخ، قلنا: هذه الصفات العشرة.الشيخ: كيف؟ يعني كل المتصفين بهذا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ.
الطالب: يعني كل فرد منهم أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ؟
الشيخ: كل فرد منهم، لا، ما فيه شك أن فيه تفاضلًا، وكل يعطى بحسبه؛ يعني إذا أعد الله للجميع مثلًا الذين يتصفون بهذه الصفات العشرة كلها أكمل ممن يتصف ببعضها.
طالب: قلنا: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا هنا يستلزم (...) على قولنا أن المسلمين إذا عملوا بالأشياء الظاهرة أعده الله لهم..
الشيخ: إذا لم يكن عندهم إيمان ما صاروا مسلمين حقًا.
الطالب: (...) مسمى الاسلام؟
الشيخ: ظاهرًا فقط، لكن في ثواب الآخرة ما يدخلون في هذا؛ لأن الآخرة الجزاء فيها على ما في القلوب كما قال الله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] فنقول: هؤلاء وإن كانوا في الدنيا مسلمين ويعاملون معاملة المسلمين لكن في ثواب الآخرة إذا لم يكن إسلامهم مبنيًّا على الإيمان فلا ينفعهم.
الطالب: ويش الفائدة من ذكر الإسلام؟
الشيخ: لأن المؤمن قد يكون عنده شيء من التفريط في العمل الظاهر.
الطالب: يكون مسلمًا.
الشيخ: يكون عنده إيمان لكن عنده تفريط في الأعمال الظاهرة. فإذ قيل: مسلِم مؤمن فإذا قيل مسلم مؤمن صار معناه أنه كامل من هذا ومن هذا.
طالب: (...).
الشيخ: نشهد بظاهر الحال، وقد نقول: أن الأولى ألا نشهد أيضًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما شهد الرجل لهذا أنه مؤمن قال: «أَوْ مُسْلِمٌ»، فقد نقول أن نشهد لهذا بظاهر حاله أنه مؤمن، والمسألة هذه فيها صعوبة جدًّا؛ لأنك إذا شهدت له بالإيمان لزم أن تشهد له بالجنة، ولكن نقول: هذا الرجل اللي يعمل عمل المؤمن نقول: هو في ظاهر حاله مؤمن، والله أعلم بما عنده.
الطالب: (...) «فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ»؟
الشيخ: الحديث ضعيف؛ «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ» هذا ضعيف، ثم لو صح فالمراد بظاهر الحال.
الطالب: هل يلزم يا شيخنا في الإيمان أن يكون في الجنة؛ مطلق الإيمان؟
الشيخ: إي نعم، مطلق الإيمان يستوجب أن يكون في الجنة ولو مآلًا، يعني قد يُعذب بذنوبه ثم يدخل الجنة، كل من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فإنه من أهل الجنة.
الطالب: ما يدرى عن (...)؟
الشيخ: ما ندري عنه، الله أعلم.
الطالب: لا يشهد له بالجنة؟ ما يُدْرى عنه؟
الشيخ: إي نعم، لكن في الحال التي هو عليها الآن يستلزم، مثلًا إذا قلنا: هذا الرجل مات على الإيمان استلزم أن نشهد له بالجنة ولكننا (...)؛ لأن ما لنا إلا الظاهر؛ ولهذا نأتي بالميت ونصلي عليه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: ما يخالف ولا ما لنا شيء من هذا.
***
{أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: ٣٦] مَاهذه نافية، وكَانَفعل ماض ناقص، وخبرها لِمُؤْمِنٍالجار والمجرور، وأَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُهذا هو اسمها مؤخر.
يقول الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍيعني: هذا أمر لا يمكن أن يكون فهو نفي للإمكان، ولكنه للإمكان الشرعي دون القدري؛ إذ إن المؤمن أوالمؤمنة قد يكون لهم الخيرة من أمرهم فيما قضاه الله ورسوله، ولكن شرعًا لا يكون هذه.
يقول: ({وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} {أَنْ تَكُونَ} بالتاء والياء {لَهُمُ الْخِيَرَةُ} أي: الاختيار {مِنْ أَمْرِهِمْ} خلاف أمر الله ورسوله).
وقوله: لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍوكما سبق فيه ذكر الذكور والإناث لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ.
وقوله: إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًاالمراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي؛ إذ إن القضاء الكوني لا يمكن لأحد أن يختار خلافه لا مؤمن ولا كافر، أليس كذلك؟ لأن القضاء الكوني لا بد أن يقع، فالمراد هنا إِذَا قَضَىأي: قضاء شرعيًّا.
وقوله: إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُعطف رسوله بالواو؛ لأن قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم الشرعي من قضاء الله.
وقوله: إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًاأمرًاهنا واحد الأمور أو واحد الأوامر؟ واحد الأمور؛ يعني: إذا قضى شأنًا سواء كان ذلك الشأن أمرًا أو نهيًا.
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا{أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} وأَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُأما على قراءة التاء فالأمر فيها ظاهر؛ لأن اسمها أيش؟ مؤنث فأُنِّثَ الفعل من أجله {أَنْ تَكُونَ}.
وأما عن قراءة الياء فإن الفعل يكون مذكرًا مع أن الاسم مؤنث ولكن هنا لا يجب التأنيث؛ لوجهين:
الوجه الأول: الفصل بين الفعل وفاعله وهنا بين الفعل واسمه.
والثاني: أن التأنيث في الخيرة تأنيث مجازي، وابن مالك يقول:
| وَإِنَّمـــا تَلْزَمُ فِعْــــــلَ مُــــضْمَرِ | مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِـــــرِ |
وقوله: الْخِيَرَةُأي: الاختيار، أفادنا المؤلف أن الخيرة هنا اسم مصدر بمعنى الاختيار أو بمعنى التخيُّر كالطيرة بمعنى التطيُّر فهي إذن اسم مصدر بمعنى الاختيار، وإن شئت فقل: بمعنى التخير.
وقوله: مِنْ أَمْرِهِمْقد يقول قائل: إن المتبادر أن يقول: (مِن أمره)؛ لأن لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍمفرد، والمتبادر أن يقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره) ولكنه جمع؛ لأن (مؤمن) و(مؤمنة) جاء منكرًا في سياق النفي فيكون للعموم، فعاد الضمير إليه باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ.
وقوله: مِنْ أَمْرِهِمْيعني معناه أي: من شأنهم، ويجوز أن يكون مِنْ أَمْرِهِمْأي: من أمر الله إياهم، فعلى الأول يكون الإضافة من باب إضافة الشيء إلى فاعله، وعلى الثاني من باب إضافته إلى مفعوله.
وقول المؤلف: (خلافَ) هذه بالنصب مفعول للخيرة بمعنى الاختيار يعني: ما كان لهم أن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، فتبين الآن معنى الآية؛ معنى الآية أن الله يقول: لا يمكن لمؤمن ولا مؤمنة، لا يمكن شرعًا ولَّا قدرًا؟ شرعًا، إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يخالفوا أمر الله ورسوله وأن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، لماذا لا يمكن؟ لأن ما في قلوبهم من الإيمان يمنعهم من المخالفة، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»؟ لأنه لو كان في قلبه إيمان حين الزنا ما زنى، «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فالإيمان إذا وقر في القلب لا يمكن أن يكون صاحبه مخالفًا لأمر الله ورسوله.
قال المؤلف: (نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة، فكره ذلك حين علم بظنهما قبلُ أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبها لنفسه ثم رضي للآية).
هكذا ذكر المؤلف أنها نزلت في هذه القصة، وهذ القصة ضعيفة؛ لأنها معضلة ومنقطعة فهي ضعيفة، ونحن لا يهمنا في الحقيقة سبب النزول، سبب النزول صحيح أن فيه فائدة وهو أنه يكشف أحيانًا المعنى ويُبَيِّنُه ويوضحه، لكن المهم الحكم وهو أنه لا يمكن لمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يختار خلافَ أمر الله ورسوله، أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ؛ لأنهم لا بد أن يوافقوا أمر الله ورسوله لما في قلوبهم من الإيمان؛ ولهذا كلما هَمَّ المؤمن بمعصية ذكَّره إيمانه بالله فكفَّ عنه، ألا ترى إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله قال: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ»؟ وهذه الدعوة كانت في مَحل خالٍ لا يطلع عليهما أحد سوى الله فقال: «إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» فمنعه إيمانُه من أي شيء؟ من أن يفعل الفاحشة مع سهولة أسبابها، وكذلك أحد الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار حين مَكَّنته ابنة عمه من نفسها فلما جلس منها منها مجلس الرجل مع امرأته -وأعتقد في هذه الحال أن الرغبة ستكون شديدة وقوية وأنه لا يفصمها إلا إيمان قوي لما جلس منها مجلس الرجل مع امرأته- قالت له: يا هذا اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقام منها وهي أحب الناس إليه . هذا من الإيمان بلا شك.
إذن نحن لا يهمنا أن تكون نزلت في زينب بنت جحش وأخيها عبد الله أو في غيرهم.
المهم أن حال المؤمن تمنعه من مخالفة أمر الله ورسوله وأما ما ذكره المؤلف فهو يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش . وقد خُطِبَت -كما ذكره غيره- خطبت من قبل رجال شرفاء وذوي جاه، فخطبها النبي عليه الصلاة والسلام فظنوا أنه خطبها لنفسه، ثم بعد ذلك بَيَّن لهم أنه خطبها لزيد بن حارثة، زيد بن حارثة مَنْ هو؟ هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسب ما ذكره أهل السير كان عبدًا لخديجة رضي الله عنها فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه، لما علم أنه خطبها لزيد امتنع فلما نزلت الآية رضي بذلك، وهذا ليس بغريب على الصحابة لو صح الحديث ليس بغريب أن يُقَدِّموا أمر الله ورسوله على ما تهواه أنفسهم.
الطالب: (...) خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وعني (...) زيد منها، ويش معنى (وعني)؟
الشيخ: عَنَى.
الطالب: وعنى؟
الشيخ: لا، ما عندنا بـ(عدى) و(عنى). (خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة فكره ذلك) أظن ما هي مهمة. اشطب عليها.
قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب: ٣٦] وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَمَنْاسم استفهام؟!
طالب: شرطية.
الشيخ: ما الذي أدراكم أنها شرطية؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، غير الجواب.
الطالب: فعل الشرط.
الشيخ: فعل الشرط؛ لأنه مجزوم وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَلكنه مجزوم بحذف حرف العلة مَنْ يَعْصِ اللَّهَ، المعصية مخالفة الأمر أو إن شئت فقل: المعصية خلاف الطاعة سواء كانت وقوعًا في منهيٍّ عنه أو تركًا لمأمور به، لكن إذا قيل طاعة ومعصية صارت الطاعة فعل المأمور والمعصية فعل المحظور.
أما إذا قيل: معصية وحدها أو طاعة وحدها فإنها تشمل الأمرين.
قال: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَسواء عصاهما جميعًا يعني: أمر من الله وأمر من رسوله وقعت فيه المعصية، أو عصى الله وحده أو عصى الرسول وحده فإنه قد ضلَّ ضلالًا مبينًا، معصيتهما جميعًا مثالها قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . لو خالف الإنسان في ذلك يكون قد عصى الله ورسوله؛ لأن الأمر هنا من الله ومن رسوله، وأحيانًا يَرِد الأمر في القرآن دون السنة فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا لله وأحيانًا يرد في السنة دون القرآن فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا للرسول.
ولكن لتعلم أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام معصية لله؛ لأن الرسول يتكلم عمن أرسله، فإذا عصيته فقد عصيت من أرسله؛ لو أن رجلًا أتاك وقال: إن فلانًا أرسلني إليك وقال: ليفعل كذا وكذا. وخالفت الرسول تكون مخالفًا في الواقع لمن؟ للمرسِل؛ ولهذا قال الله عز وجل: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] فعلى هذا يكون من يعص الله ورسوله سواء على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك.
مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًاهذا جواب الشرط، وقُرِنَ بالفاء؛ لأنها اقترنت في قَدْوهناك ضوابط لجواب الشرط الذي يجب اقترانه بالفاء ذُكِرَت في بيت قد أُنْشِدَ لكم من قبل فما هذا البيت؟
طالب:
| اسـْــــــمِيَّةٌ طَـــلَــبِيَّةٌ وَبِجَـــــــــــامِـــــــــــــدٍ | وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ) وَبالتَّنْفِيسِ |
الشيخ: نعم.
| اســْــــــــمِيَّةٌ طَـــلَـــــبِيَّةٌ وَبِجَــــــــــــامِـــــــــدٍ | وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ) وَبالتَّنْفِيسِ |
كم؟ سبعة، إذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة فإنه يقترن بالفاء وجوبًا ولا يَشُذُّ عن هذه القاعدة إلا أمر نادر كقول الشاعر:
| مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا | ......................... |
ولم يقل: فالله يشكرها. لكن هذا نادر أو ضرورة، هنا اللي معنا من الأشياء السبعة: قَدْوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًاقال المؤلف: (بَيِّنًا) ونحن تكلمنا من قبل أن (أبان) الرباعية تكون متعدية وتكون لازمة، إذا كانت لازمة فهي بمعنى (بان)، إذا كانت متعدية فهي بمعنى أظهر.
هنا قال: ضَلَالًا مُبِينًاهل تصلح بمعنى أظهر؛ يعني بمعنى ضلالًا مظهرًا؟ ما تصلح.
إذن فهي من (أبان) اللازم الذي يكون منه الاسم على بَيِّن لا على مبين.
وقوله: لا على مبين بمعنى مظهر، طيب ما هو المبين بمعنى مظهر؟
المبين بمعنى مظهر مثل قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس: ٦٩] هذا من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من المتعدي يقينًا، نعم؛ لأن القرآن مظهر للحقائق؛ ولهذا قال بعده: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس: ٧٠].
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا.
قال: (فزَوَّجها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد، ثم وقع بصره عليها بعد حين فبلغ في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أريد فراقها. فقال: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} كما قال تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} [الأحزاب: ٣٧]).
هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله ذُكِرَ عن بعض المفسرين من السلف والخلف، لكنه كما قال ابن كثير: أقوال ينبغي أن يضرب الإنسان عنها صفحًا؛ لأنها أقوال باطلة لا تليق بمقام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن القصة إذا قرأها الإنسان يتصور أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عاشقًا من العشاق، وما أشبه هذه القصة الباطلة بقصة داود عليه الصلاة والسلام التي ذكروا أن داود طلب من أحد جنوده أن يتزوج امرأته ولكنه أبى، فاحتال عليه بحيلة، شوف كيف؟ أيش الحيلة؟ قال: نطلعه مع الجيش عشان يُقْتَل فأتزوج امرأته. هل هذا يمكن أن يقع من نبي من أنبياء الله؟! أبدًا، هذه لو قال قائل: إنها وقعت من أحد السوقة من الناس لقيل: ما أظلم هذا الرجل وما أجهله! فكيف بنبي من أنبياء الله؟!
الرسول صلى الله عليه وسلم هل يمكن أن يتصور أحد أنه عشق هذه المرأة، لاحظوا لأن بعض الناس حتى بعض المفسرين والعياذ بالله صار يتلفظ بهذا اللفظ يقول: الرسول عشق المرأة زينب، ولكن هذا قول باطل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير الآية بيان معنى الآية وأن معناها ناصع واضح ولم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب: ٣٧] وأنه أخفى حبها؛ لأن الله قال في نفس الآية: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِفبَيَّن الله أنه سيبدي ما أخفاه في نفسه، لو كان الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه الحب لكان الله يبديه، لكن ما الذي أبدى الله؟ الذي أبدى الله تزويجه؛ أنه زوجه إياها، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام أخفى في نفسه ما أعلمه الله أنه سيتزوجها دون أن يكون هناك حب وعلاقة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام علم بما أعلمه الله أنه سيتزوجها، فلما جاء هذا الرجل يستشيره قال له: اتَّقِ اللَّهَلا تطلق المرأة. فعاتب الله رسوله لماذا قال له: اتق الله وأمسكها، وقد علم أن الله تعالى سيزوجه إياها؟ فالمسألة واضحة ما فيها أي إشكال.
ولكن المشكل أن بعض المفسرين يأخذون عن بعض من غير تمحيص ومن غير أن يكون هناك تَرَوٍّ في المسألة، حتى إن بعض الناس اعتذر وقال: إن محبة الإنسان للمرأة ولو كانت عند زوج آخر أمر لا يُنْكَر، إنما الذي ينكر أن يحاول التوصل لهذه المرأة بطريق غير شرعي، وأما أن يقع في نفسه محبة امرأة عند زوج فهذا لا بأس به، وهو أمر قد تدعو إليه الجبلة والطبيعة، وهذا وإن كانت المسألة تحتاج إلى نظر في هذا القول؛ وهو أن محبة الإنسان لزوجة غيره إما أن تكون محبة للجنس أو محبة للشخص، فإن كان محبة للجنس فهذا أمر جائز ولَّا لا؟ جائز أنا ما أبغي بالجنس الشهوة يعني، يعني جنس هذا الطراز من النساء، هذا المراد بقولي: الجنس، إن كان محبة للجنس؛ يعني معناه أنه يرغب مثل هذه المرأة فهذا لا بأس به، والإنسان دائمًا إذا سمع مثلًا من امرأة رجل أنها امرأة صالحة قانتة حافظة للغيب بما حفظ الله يحبها ويحب أن يكون له مثلها.
وأما إذا كان حبًّا شخصيًّا فعندي أن في جواز ذلك نظرًا وأن الإنسان يجب عليه أن إذا تعلقت نفسه بامرأة تعلقًا شخصيًا أو محبة شخصية يجب عليه أن يحاول التخلص من هذا لأنها مشكلة، المحبة في الحقيقة جذابة، المحبة كأنها رِشاء من حديد يجذب الإنسان، فإذا تعلَّق قلبه بامرأة فإن الغالب أن يحاول الوصول إليها إن لم تكن مُزَوَّجة يمكن يخطبها وإن كانت مزوجة مشكلة.
فالذي أرى في هذه المسألة أنه إذا أحبها محبة جنس بمعنى أحب جنس هذه المرأة فهذا لا شك أنه ما فيه مانع ولا يحصل فيه مفسدة، وأما إذا أحبها محبة شخصية فإن الأمر خطير.
الطالب: ويش يعني؟
الشيخ: يعني يحب هذه المرأة نفسها؛ إي هذه المرأة مثلًا شافها معها زوجها أنها قائمة باللازم وأحبها هي شخصيًّا.
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: ٣٧] إِذْيقول المؤلف: (إنه منصوب بـ (اذكر). أين (اذكر)؟ محذوف، (منصوب بـ (اذكر) محذوفًا، أي: اذكر يا محمد إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِإلى آخره. اذكر هذا القول حتى تكون مُسْتَعِدًّا لما يُلْقَى إليك من الموعظة؛ لأن الله تعالى وعظه في هذه الآية موعظة عظيمة حتى قالت عائشة رضي الله عنها: لو كان محمدًا صلى الله عليه وسلم كاتمًا ما أُنْزِل إليه لكتم هذه الآية . كما سترون.
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ(للذي أنعم عليه الله بالإسلام {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} بالإعتاق).
بَيَّن الله عز وجل أن هذا الرجل الذي أبهم اسمه هنا ثم أوضحه فيما بعد أن عليه نعمتين: النعمة الأولى لله، والثانية للرسول عليه الصلاة والسلام.
وهنا قال: لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَفأتى بالواو الدالة على الاشتراك، مع أن هذا ليس من باب الشرع أو ليس من باب التشريع حتى نقول: إنه يجوز اشتراك أو إشراك الله مع الرسول عليه الصلاة والسلام، بل هنا من باب النعمة والعطاء والفضل، فكيف جمع بين إنعام الرسول صلى الله عليه وسلم وإنعام الله بالواو الدالة على التشريك؟
فالجواب أن نقول: جمع بينهما بالواو الدالة على التشريك؛ لأن النعمتين مختلفتان؛ فالنعمة الأولى بماذا؟ بالإسلام، والثانية: النعمة من الرسول صلى الله عليه وسلم بالعتق، فلما اختلفت النعمتان صارت الواو لا تدل على الاشتراك لامتناع الاشتراك بين شيئين مختلفين.
(تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِبالإعتاق وهو زيد بن حارثة كان من سَبْيِ الجاهلية اشتراه النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وأعتقه وتبناه) المشهور أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان مملوكًا لخديجة فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو المعروف في السير.
وأيًّا كان فإن زيد بن حارثة كان مملوكًا للرسول صلى الله عليه وسلم ثم أعتقه وتبناه أيضًا، رفع معنويته بكونه أضافه إليه ابنًا له وكان يُدْعَى زيد بن محمد حتى أبطل الله ذلك في قوله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠]، وبقوله: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ [الأحزاب: ٤].
(تقول: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} في أمر طلاقها). أَمْسِكْ عَلَيْكَهنا عدَّى أَمْسِكْبـ (على)؛ لأنها بمعنى اضمم عليك زوجك؛ يعني: اجعلها منضمة عليك لا تفارقها.
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَوالمراد بها زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكان زيد قد تزوَّجها بمشورة النبي صلى الله عليه وسلم فجاء يستشيره في طلاقها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَيعني: لا تطلقها. وأمره بأن يتقي الله وَاتَّقِ اللَّهَإغراء له على إمساكها، وإن كان الرجل لم يفعل خطيئة لأن الطلاق مما يباح للرجال، لكن من باب الإغراء على إمساكها.
وقال بعض المفسرين: إنه -أي: زيد بن حارثة- إنه ذكر زينب بعيب، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: اتَّقِ اللَّهَيعني: لا تصفها بالعيب، وليس المعنى: اتق الله لا تطلقها؛ لأن الأصل في الطلاق أنه مباح أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ.
قال الله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِالواو حرف عطف وَتُخْفِيمعطوفة على قوله: تَقُولُيعني: واذكر أيضًا إذ تُخْفِي في نفسك ما الله مبديه، وأبهم الله تعالى ما أخفاه، لكنه بَيَّن أنه سيبديه، وننظر ماذا أبدى الله عز وجل وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَاهذه اسم موصول في محل نصب مفعول لـ تُخْفِي، واللَّهُمبتدأ ومُبْدِيهِخبره، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، يعني: تخفي في نفسك الذي الله مبديه، وهنا لم يقل: وتخفي في نفسك ما يبديه الله، بل قال: مَا اللَّهُ مُبْدِيهِالجملة هنا اسمية، وإنما أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت كأن هذا أمر لا بد منه، لا بد أن يبديه الله عز وجل، وهذا هو الذي وقع، ومعنى مُبْدِيهِأي: مظهره وهو مقابل لقوله: تُخْفِيوَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِإلا أن المقابلة اختلفت من حيث الصيغة؛ فالصيغة في الإخفاء جاءت بالمضارع، وأما الصيغة بالإبداء فجاءت بالجملة الاسمية.
قال: ({وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تَزَوَّجْتَها) هذا ما زعم المؤلف تبعًا لكثير من المفسرين؛ أن الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام هو محبته لهذه المرأة فأبدى الله ذلك، ولكنك إذا تأملت الآيات وجدت أن الذي أخفاه هو نية الزواج بها بأمر الله عز وجل، فإن الله تعالى أمره أن يتزوجها بعد زيد بن حارثة، وكأن هذا -والله أعلم- من أجل جبر قلبها حيث تزوجت زيد بن حارثة وهو مولى وهي من صميم العرب فأراد الله عز وجل أن يكافئها على خضوعها لمشورة النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم هذه من جهة، ومن جهة أخرى أمره الله أن يتزوجها لأجل أن يزول ما كان مشهورًا عندهم في الجاهلية منين؟ من أنَّ ابن التبني لا يجوز لمن تبناه أن يتزوج بامرأته فيكون هذا من باب البيان بالفعل الذي هو أقوى من البيان بالقول.
قال: ({وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجها)، وإذا نظرنا إلى الذي أبداه الله وجدنا أنه زواجه، لا أنه يحبها ما قال الله في القرآن: إنك تحبها أبدًا ولا تعرض للحب.
قال: ({وَتَخْشَى النَّاسَ} أي: تخاف من قولهم ومن كلامهم بأن يقولوا تزوَّج زوجة ابنه)، وهذا عند العرب عيب عندهم فهم يرونه من المنكرات.
قال الله تعالى: ({وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} في كل شيء، وتزوَّجْها ولا عليك من قول الناس، ثم طلقها زيد وانقضت عدتها) قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌإلى آخره.
قال الله: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُمنين؟ من الناس ولكنه هنا أطلق، قال الله: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُولم يذكر المفضل عليه من أجل العموم لأنه دائمًا يكون الحذف مفيدًا للعموم؛ يعني أحق أن تخشاه من كل أحد؛ من الناس، ومن الجن، ومن غيرهم.
وقوله: أَنْ تَخْشَاهُيعني: أن تخافه، ولكن الخشية خوف مع علم؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]، والخشية أيضًا خوف مع قوة المخشيِّ وعظمته، فالخوف دون الخشية؛ لأن الخوف يقع بدون علم، ولأن الخوف يقع من ضعف الخائف لا من قوة المخوف؛ ولهذا كانت الخشية أرفع مرتبة وأقوى وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ.
({فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا} حاجة {زَوَّجْنَاكَهَا} فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم بدون إذن وأشبع المسلمين خبزًا ولحمًا).
الطالب: عندنا بغير إذن.
الشيخ: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًاأي: حاجة، وهذا دليل على أن زيدًا رضي الله عنه طلَّقها عن رغبة، وأنها انقضت حاجته منها، ولم يطلقها عن ضغط أو إكراه.
وقوله: زَوَّجْنَاكَهَاشرعًا أو قدرًا؟ شرعًا وقدرًا، لكن المهم شرعًا؛ لأنه لو كان المراد قدرًا فقط لم يكن بَيْنَها وبين أمهات المؤمنين فرق؛ لأن أمهات المؤمنين أيضًا مما زوجهن الله قدرًا، وكانت هي أي زينب تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: زَوَّجَكُنَّ أهاليكُنَّ، وزوَّجَنِي الله من فوق سبع سماوات ، وهذا دليل على أنه تزويج شرعي، ولكنه قدري أيضًا في نفس الوقت.
وقوله: زَوَّجْنَاكَهَافي هذا ضميران مفعولان؛ الضمير الأول الكاف، والثاني هَاوهو متمشٍ على القاعدة، ابن مالك يقول:
| وَقَدِّمِ الْأَخَـــــــصَّ فِي اتِّصَـــــــــالِ | وَقَدِّمَنَّ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ |
وضمير المخاطب أخصُّ من ضمير الغائب؛ ولهذا قال: زَوَّجْنَاكَهَا.
الحكمة من ذلك قال: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًالِكَيْ لا يَكُونَاللام هنا للتعليل، وكَيْحرف مصدر؛ لأنها بعد اللام مصدرية محضة أي: لأن، و(لا) نافية، وقوله: حَرَجٌأي: ضيق ومشقة، وقوله: فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْمن أدعياؤهم؟ أبناؤهم الذين تَبَنَّوْهُم، هؤلاء هم الأدعياء، وهؤلاء الأدعياء ليسوا بأبناء كما قال الله تعالى: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ [الأحزاب: ٤].
وتأمل قوله: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْولم يقل: (أبنائهم الذين تبنوهم)؛ لأن هذه البنوة منتفية شرعًا وباطلة شرعًا ولهذا قال: أَدْعِيَائِهِمْ.
وبهذا نعرف أن قول مَنْ قال في قوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء: ٢٣] أن قوله: مِنْ أَصْلابِكُمْاحتراز من ابن التَّبَنِّي يتبيَّن لنا أن هذا القول لا وجه؛ لا لأن ابن التبني لم يسمِّه الله ابنًا أبدًا، بل نفى عنه البنوة فقال: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ، وقال هنا: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ، وإذا كان ابن التبني لا يُسَمَّى ابنًا شرعًا فإنه لا حاجة إلى أن نأتي بصفة تخرجه لماذا؟ لأنه ليس بداخل أصلًا حتى يُخْرَج بهذه الصفة الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ، ولكنها احتراز من ابن الرضاعة كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قال: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًاإِذَا قَضَوْاالفاعل يعود على من؟ على الأدعياء.
وقوله: إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًافيه إشارة إلى أنه لو كان ذلك بضغط من الأب المُدَّعِي لكان ذلك فيه حرج، بل لا بد أن يكونوا قد قضوا منهن وطرًا وأنهوا رغبتهنَّ فيهن.
قال: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًاوَكَانَ أَمْرُ اللَّهِقال المؤلف: (مقضي مفعولًا) أمر الله الكوني أو الشرعي؟ الكوني؛ لأن الشرعيَّ قد يُفْعَل وقد لا يفعل، ولكن الأمر الذي لا بد أن يُفْعَل هو أمر الله الكوني، فإذا أمر الله تعالى بشيء كونًا فلا بد أن يقع.
وخلاصة هذه الآية أو تفسير هذه الآية أن نقول: إن الله عز وجل ذَكَّر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر العظيم، وهو قوله لزيد بن حارثة حين جاء يستشيره في طلاق زوجته قال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَمع علم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله سوف يُزَوِّجُه إياها، وكان على النبي عليه الصلاة والسلام أن يسكت على الأقل ويقول: انظر ما يبدو لك في هذا الأمر. لكنه أشار عليه أن يُمْسِك، لماذا؟ لأنه يخشى أن يقول الناس: تزوج امرأة ابنه الذي تبناه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخاف من هذا الأمر، ولكن الله تعالى وَجَّهَهُ هذا التوجيه السليم.
ثم قال تعالى: ({مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ} أحل الله له) إلى آخره.
مَا كَانَ(ما) نافية و(كان) فعل ماض ناقص، واسمها قوله: حَرَجٍ، لكن فيها (مِن) الزائدة؛ لماذا؟ لإثبات النفي وتوكيده.
وقوله: عَلَى النَّبِيِّهذا خبرها مقدَّم.
مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُومعنى فِيمَا فَرَضَأي: فيما أحلَّ الله له أيًّا كان، فكل ما أحلَّ الله فإن لا حرج عليه عند الله، وإذا كان لا حرج عليه عند الله فإن لا يجوز لأحد أن يتكلم في هذا الذي أحلَّ الله له ويقول: لمَ فعلَ؟ لِمَ صنع؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أن هذا عام للرسول ولغيره.
وقوله: فِيمَا فَرَضَالفرض تارة يتعدَّى باللام، وتارة يتعدى بـ (على) فيتعدي باللام مثل هذه الآية: فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ، ويتعدى بـ (على) مثل فرض الله علينا كذا وكذا، فإن تعدى بـ (على) فهو بمعنى أوجب، وإن تعدى باللام فهو بمعنى أحل؛ لماذا؟ لأن الفرض في الأصل بمعنى التقدير، والمقدَّر قد يكون واجبًا وقد يكون مُحَلَّلًا.
قال الله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِأي: كسنة الله فنُصِبَ بنزع الخافض؛ يعني أن الله تعالى نفى عنه الحرج فيما أحل له؛ لأن هذا هو سنة الله تعالى فيمن سبق، وسُنَّةَ اللَّهِأي: طريقته، والمعنى كطريقة الله تعالى فيمن سبق من الأنبياء.
قال: ({فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ} فِعْلُه {قَدَرًا مَقْدُورًا} مقضيًّا).
يقول الله عز وجل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء السابقين؛ فما أحل الله له فإنه لا حرج عليه فيه؛ يعني: لا تضييق لا من قِبَل الله ولا من قِبَل عباد الله، وهكذا الأنبياء السابقون ليس عليهم حرج فيما فرَض الله لهم يفعلون ما يشاؤون ما دام الأمر مُحَلَّلًا لهم.
ثم قال: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَقال المؤلف في إعرابها: ({الَّذِينَ} نعت للذين قبله)، وين (الذين) قبله؟ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُأي: في الذين يبلغون.
وقوله: يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِجمع رسالة، والمراد بها المرسَل به، فهم يبلغون ما (...) به، والتبليغ معناه الإيصال ومنه ما جاء في الحديث: «لَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ» .





