وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ [الأحزاب: ٣٩] لأن الخشية عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله عز وجل، هذا في الأصل مع أن الخشية
قد تكون غير عبادة؛ قد تكون خوفًا طبيعيًا لا يتعبد به الإنسان للخائف، فيُفرَّق
بين خشية الإنسان للناس وبين خشية الإنسان لله قال: (فلا يخشون مقالة الناس فيما
أحل الله لهم) وكذلك في غيره.
وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًاحافظًا لأعمال خلقه ومحاسبتهم. إعراب كَفَى بِاللَّهِ؟
طالب: (...) جار ومجرور.
طالب آخر: (...).
الشيخ: كما قال،
طيب وبِاللَّهِ.
الطالب:
حرف زائد.
الشيخ: حرف جر زائد. كمل.
الطالب: (الله) فاعل. حَسِيبًا؟
الشيخ: اصبر، الفاعل
أيش؟ منصوب ولَّا مجرور؟
الطالب: (الله) فاعل مجرور
بالكسرة بدل الرفع.
الشيخ: فاعل، إذن ما هو
فاعل.
الطالب: (...) مقدرة.
الشيخ: لا، من يعرف؟ مر علينا هذا الإعراب كثيرًا.
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره.
الشيخ: لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: حَسِيبًاتمييز.
الشيخ: تمييز كذا؟ طيب.
إذن كَفَىتتعدى بالباء على أنه حرف جر زائد وهو كثير، وقد تتعدى بنفسها إلى الفاعل كقول
الشاعر:
| كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا | .......................... |
فلم يأتِ بالباء، لكن الأكثر أن يأتي بها.
***
يقول تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦].من فوائد الآية الكريمة: أن مقتضى الإيمان ألا يخالف المؤمن أمر الله ورسوله؛ لقوله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍإلى آخره.
ومن فوائدها: أنه كلما قُوِيَ الإيمان قويت الموافقة، ما وجهه؟ لأن الحكم المرتب على وصف يَقْوَى بقوته ويضعف بضعفه؛ وعليه فتأتي الفائدة الثالثة: أنه كلما نقص الإيمان وضعف كثرت المخالفة؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما قضاه الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمور فهو كما قضاه الله؛ لقوله: إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخير كلَّ الخير فيما قضاه الله ورسوله؛ لقوله: أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُيعني: ما يختارون غيره؛ لأنهم يرون أن الخير فيما قضاه الله ورسوله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعصية ضلال؛ لقوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا.
ومن فوائدها: أنه كلما كانت المعصية أكبر أو أكثر كان الضلال أبين وأوضح، وجهه ما أشرنا إليه من قبل؛ أن الحكم المرتب على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام كمعصية الله؛ لقوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًافإذا أتانا آتٍ ونهنيناه عن أمر جاء به النهي في السنة، وقال: هذا ليس في القرآن، ماذا نقول له؟ نقول: ما في السنة كما في القرآن، وقد توقع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي الْكِتَابِ اتَّبَعْنَاهُ. أَلَا وَإِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» .
وهذا الذي توقعه النبي عليه الصلاة والسلام وقع، بل صرحوا بأنه لا احتجاج إلا بما جاء في القرآن، وكما رأيتم الآن وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًامَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء: ٨٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تشريك الله ورسوله بالواو في الأحكام الشرعية، منين؟ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُبخلاف الأمور الكونية فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُشارَك مع الله بالواو؛ ولهذا لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم عامة لجميع البشر منذ بعث إلى أن تقوم الساعة؛ ولهذا قال الله تعالى: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] والخاتم لا شيء بعده، وكانت شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم لكونها عامة شاملة إلى يوم القيامة كانت صالحة لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونها صالحة أن العمل بها لا ينافي المصالح في أي زمان أو مكان، بل هو المصلحة هو عين المصلحة، وليس كما فعله بعض الناس وتصرف بهذه العبارة حيث زعم أن الدين أو أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان بمعنى أنه خاضع لكل زمان ومكان، فجعلوا الشرع تابعًا لا متبوعًا، وقالوا: إن العصر إذا اقتضى في زعمهم المصلحة فإن الشرع لا يعارضه، وبَنَوا على ذلك استحسان ما استحسنوه من الأمور التي لا شك في تحريمها؛ كتجويز الربا وأن هذه ينمي الاقتصاد ويقوِّي الأمة، وكتجويز التأمينات التي هي الميسر حقيقة والتي قرنها الله تعالى بالخمر والأنصاب والأزلام، إلى غير ذلك مما يرون أنه داخل في مسمى الدين الإسلامي بحجة أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان.
ونحن نقول: صالِح. ما نقول: خاضع. أنت اعمل بالإسلام في أي زمان أو مكان أو أمة وشوفها، وانظر هل ينافي المصالح أو ينمي المصالح، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا.
ثم قال تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِإلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بالأمور التي يحسُن أن يوعظ فيها؛ لقوله: وَإِذْ تَقُولُ؛ حيث قلنا: إنها منصوبة بفعل محذوف تقديره (اذكر).
ومن فوائدها: بيان منة الله على زيد بن حارثة بالإسلام والتمسك به حتى إن أباه وأعمامه لما جاؤوا يطلبونه وخيره النبي عليه الصلاة والسلام بينهم وبينه اختار أن يكون مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائدها أيضًا: أن الإعتاق نعمة مِنَ المعتق على عَتِيقه وهو كذلك، والْفَرَضيون يعبرون بها -يعبرون بالنعمة- عن الإعتاق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز عطف الأمور غير الشرعية بالواو إذا اختلف المعنى، وقلنا: إن الرسول ما يُسَوَّى بين الله وبين الرسول بالواو في غير الأمور الشرعية.
هنا عُطِفَ نعمة الرسول على نعمة الله بالواو مع أنها ليست من الأمور الشرعية، لكن الذي سَوَّغ ذلك اختلاف النعمتين؛ فالنعمة الأولى الإسلام والنعمة الثانية العتق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة تابعة للزوج؛ لقوله: أَمْسِكْ عَلَيْكَفكأنها يَضُمُّها ويحرسها ويصونها وكأنها تابعة له كما في قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة: ٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: استشارة ذوي الرأي؛ لأن زيدًا استشار النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائدها: أنه يجب على المستشار أن يبذل ما يراه -ولو باجتهاده- ما يراه هو الأولى؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أشار على زيد بإمساكها اجتهادًا منه خوفًا من إثارة المنافقين والمشركين عليه، ولكن لا يعني ذلك أن يكون الْمُشير مصيبًا فيما يتصرف فيه، قد يخطئ فيما يتصرف فيه، لكن هو في حال إشارته يرى أن ذلك هو الصواب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأفضل للزوج ألا يتعجل بالطلاق وأن يمسك عليه زوجته؛ لقوله: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَفأشار عليه بعدم الطلاق، وإن كان للرسول عليه الصلاة والسلام أغراض أخرى، لكن لا يمنع أن تتعدد الأسباب في الأمر بإمساكها، ومعلوم أن الله عز وجل قال في كتابه المبين: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: ١٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأنها رسالة حق؛ لقوله: وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُفلو كان النبي عليه الصلاة والسلام كاذبًا -وحاشاه من ذلك- لكان يَكْتُم مثل هذه الأشياء؛ لأنها صعبة في حقه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يفعل خلاف ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام عليه؛ بمعنى أن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون مخالفًا لما يريده الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِفالرسول أخفى في نفسه هذه الأمر لكن الله تعالى خالفه في ذلك فأبداه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن خوف الناس قد يقع من الأنبياء ولكنهم لا يُقَرُّون عليه؛ لقوله: وَتَخْشَى النَّاسَ.
ومنها: وجوب تقديم خشية الله عز وجل على خشية كل أحد؛ لقوله تعالى: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ؛ فالواجب على المرء ألا يخاف في الله لومة لائم وأن يتقيَ الله عز وجل في بيان الحق والعمل به، لا يَقُل: إن الناس يشمتون بي، إن الناس يسخرون مني، إن الناس يستهزؤون بي، وليكن ذلك فإنه لا يزداد بهذه السخرية والاستهزاء إلا رفعة عند الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يصح التزويج حتى ينتهي حق الزوج الأول من الزوجة بالكلية؛ لقوله: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَافكان التزويج بعد انتهاء زيد منها بالكلية، ولا يَرِدُ على ذلك أن يقال: إن ظاهر الآية جواز التزويج بعد الطلاق مباشرة؛ لأن نقول: إن الوطر والحاجة ما تنتهي إلا بانتهاء العدة؛ إذ إن الإنسان لو أراد أن يرجع إلى زوجته في العدة وهي رجعية لحصل له ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العظمة لله عز وجل والسلطان؛ لقوله: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُلما له من العظمة والسلطان.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة زينب رضي الله عنها؛ حيث زوجها الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، ما وجهه؟ أن غيرها يزوجه أولياؤه وأهلها، وأما هي فقد تَوَلَّى الله عز وجل تزويجها، وهذه منقبة عظيمة لها.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يثيب عبده أكثر من عمله؛ لأن هذه المرأة -كما سبق- تزوجت زيد بن حارثة مع أن زيدًا من الموالي وهي من صميم العرب وقد يكون في ذلك غض من حقها ومرتبتها، فرفع الله تعالى من شأنها؛ حيث زوَّجها رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم هو بنفسه تبارك وتعالى، ولا شك أن هذا رفعة من شأنها؛ فهي بعد أن كانت تحت هذا المولى -وهي من صميم العرب وكان في ذلك شيء من الغضاضة عليها- رفع الله من شأنها بهذا الأمر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ثَبَت في حق النبي من أحكام فهو ثابت في حق الأمة، منين نأخذها؟ ما وجه ذلك؟
الطالب: وجه ذلك أن هذا الحكم ثابت له وللمسلمين.
الشيخ: نعم؛ لأنه هذا الحكم خوطب به الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم.. لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًافدلَّ ذلك على أن ما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الأحكام فأمته تبع له إلا ما قام الدليل على تخصيصه.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل بزوجة مَنْ تبناه، منين تؤخذ؟ لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ.
ومن فوائدها: أن ابن التبني لا يُسَمَّى شرْعًا ابنًا، وما سماه الله ابنًا؛ لقوله: أَدْعِيَائِهِمْوقوله في أول السورة: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ [الأحزاب: ٤]، ويتفرع على هذه الفائدة أن قوله تعالى: وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ [النساء: ٢٣] أن هذا القيد ليس لإخراج ابن التبني؛ لأنه ما دخل في الأبناء حتى يحتاج إلى إخراجه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل الأمر الكوني لا بد أن يقع. السؤال موجه الآن إلى واحد.
طالب: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب: ٣٧].
الشيخ: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب: ٣٧]، لو قال قائل: أَمْرُ اللَّهِمفرد مضاف فيعُمُّ الأمر الكوني والشرعي، فبماذا نجيبه ونحن قد خصصناه الآن بالأمر الكوني؟
الطالب: أن الله سبحانه وتعالى يذكرها ولا تتحقق؛ الأمور الشرعية.
الشيخ: الشرعية. صح.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، أحسنت؛ لأن الأمر الشرعي ليس مفعولًا لكل أحد، بل فيه مَنْ لا يفعله.
ثم قال تعالى: مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ [الأحزاب: ٣٨] إلى آخره.
يستفاد منها؛ من الآية الكريمة: أنه لا حرج على النبي صلى الله عليه وسلم فيما أحلَّ الله له وإن كان مخالفًا لما يعتاده الناس؛ لعموم قوله: مِنْ حَرَجٍوفِيمَا فَرَضَ اللَّهُ؛ لأن (ما) اسم موصول، فكل ما أحل الله للرسول فلا حرج عليه فيه.
ويستفاد منه أيضًا: أنه لا حرج على الإنسان غير الرسول فيما أحل الله له، لا حرج عليه فيما أحل الله له منين يؤخذ؟ لأن ما ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حق أمته إلا بدليل ولكن يجب على الإنسان أن يراعي أحوال الناس وما يُسْتَنْكَر عليه فيه حتى لا يعرِّض نفسه للذم والقدح، فمراعاة أحوال الناس أمر لا بد منه إلَّا في الأمور الشرعية فإن الواجب على المرء إبانتُها وإظهارها.
طالب: ألا يخصص هذا بحديث: (...)؟
الشيخ: نعم، لا، كيف دنيا ويش معناها؟
الطالب: يعني في مسألة الزواج كونهم يتعففون عن الزواج بزوجة من التبني قد يدخل في الأمور الدنيوية.
الشيخ: إي، هو من الأمور الدنيوية؛ لأن الله ما حرمها.
الطالب: ولذلك لماذا لا نقول: ليس عليه حرج فيما (...)؟
الشيخ: لا فيما أحل الله له خاصة.
طالب: الحلال يتعلق (...).
الشيخ: نعم، وفيما حرم الله عليه عليه حرج.
الطالب: مسألة الذم والقدح فيما أحل الله له كيف..
الشيخ: نعم، ذَمَّ الناس له، ما هو ذم الله؛ يعني: بعض الأشياء المحللة إذا فعلها الإنسان صارت خارجة عن المروءة في عُرْف الناس، فمراعاة هذا الأمر ما نأخذه من هذه الآية، مراعاة هذا الأمر أمر لا بد منه؛ يعني: افرض أن هناك شيئًا حلالًا لكن الناس ينتقدونه عليك، ما هو من الأمور الشرعية التي لا بد من إبانتها فالأفضل للإنسان أن يَدَعَ هذا.
الطالب: ألا يخصص هذا بحديث: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ» ؟
الشيخ: لا، هذه من مراعاة المصالح، من دفع المفاسد؛ لأنه إذا تحققت المفسدة فإن المفسدة لا يجوز أن الإنسان أن يمارسها، يجب عليه الكف عنها فلا تكون داخلة في ما أحل الله له.
ويستفاد من الآية الكريمة: تكليف النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يلحقه الحرج فيما لم يُحِلَّه الله له؛ لقوله فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُفيستفاد من هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عبد من عَبِيدِ الله أو من عباد الله لا يخرج عن طاعته وشريعته كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم عَبْدٌ لا يُعْبَد ورسول لا يكذب. وهو كذلك، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية.
(...) البيان بالفعل أبلغ من البيان بالقول أو لا؟ لو تلحقونها. ذُكِرَت؟ ما أظن ذكرناها.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) بالفوائد، إن البيان بالفعل أبلغ وأقوى من البيان بالقول، من أين يؤخذ؟ من كون الله تعالى زوَّج زينب بنت جحش رسولَه صلى الله عليه وسلم فإن هذا أبلغ في الطمأنينة وثبوت الحكم. سبحان الله! هل ذكرنا أن في الآية دليل على أنما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الحكم فهو ثابت للأمة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ذكرناه وبيَّنا وجه الدلالة، وبيَّنَّا أن أمر الله الكوني لا بد من وقوعه.
إذن مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ [الأحزاب: ٣٨] ويش أخذنا منها؟
الطالب: أنه لا حرج على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعله وإن كان مخالفًا للناس فيما أحل الله (...).
الشيخ: تكليف؟
الطالب: تكليف. أن النبي صلى الله عليه وسلم عبد من عباد الله (...).
الشيخ: نعم، طيب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب: ٣٨].
من فوائد الآية الكريمة: أن ما شرعه الله لرسوله في هذه الآية فهو مشروع لمن كان قبله؛ لقوله: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ.
وربما يؤخذ منها فائدة أيضًا: وهي أن شرع من قَبْلَنا شرع لنا؛ لأن الله جعل هذا سنة الأولين، وقد يُنازَع في ذلك فيقال: إن الله بَيَّن أنَّ ما شرعه لنبيه أو ما نفاه عنه من حرج فيما فرض له هو سنة مَنْ قَبْلَه ولا يعني ذلك أن يوافقه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله قد كُتِبَ وقُدِّرَ؛ لقوله: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، وهل المراد بالأمر هنا الكوني أو الشرعي؟ الكوني.
ثم قال تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ. بناء على إعراب المؤلف أن الَّذِينَبدل من قوله: الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُيكون من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الرسل السابقين؛ لقوله: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ.
ومن فوائدها أيضًا: الثناء على مَنْ بَلَّغ شيئًا من شريعة الله من غير الرسل؛ وجه ذلك أنه إنما أُثْنِيَ على الرسل لكونهم بَلَّغوا الرسالة ولم يخشوا أحدًا فمن كان مثلهم في ذلك فهو محل الثناء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام ألا يَخْشَوا أحدًا في تبليغ الرسالة، وإنما يخشون الله في عدم تبليغها، لا يخشون الناس في تبليغها ويخشون الله في عدم تبليغها.
ومن فوائدها: أن إبلاغ الرسالة من خشية الله؛ فإنه لولا خشية الله ما بَلَّغوا رسالته.
ومن فوائدها: إثبات الرسالات في من سبق؛ لقوله: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ. واعلم أنه ما من أمة من الأمم إلا أَرْسَل الله إليها رسولًا لأجل أن تَنْتفيَ الحجة عن الله وتزول المعذرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن حِفْظَ الله عز وجل في غاية ما يكون من الحفظ؛ لقوله: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًاهذا إذا جعلنا الحسيب بمعنى الحفيظ الكافي لقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، أما إذا جعلنا الحسيب بمعنى المحاسب فإنه يؤخذ منها فائدة؛ وهي كمال محاسبة الله عز وجل عباده وأنه لا يفوته شيء.
ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًاسواء جانا الحسيب بمعنى المحاسب أو بمعنى الحفيظ فإنه لا محاسبة إلا عن عِلْم ولا حفظ إلا بعلم.
***
طالب: (...) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَالفعل المضارع (يبلغون) للاستمرار.الشيخ: لا، وقد يكون لوصف الحال؛ حكاية الحال، ما عرفت أنه يأتي الفعل المضارع في شيء مضى من باب الحكاية؟
الطالب: (...).
الشيخ: الذي أشار إليه المؤلف.
الطالب: عموم الآية فيما فرض الله له حلال يعني، هذا واحد لا يكون له (...) مطلقًا.
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: الإنسان في الأشياء..
الشيخ: المباحة.
الطالب: لا يكون له الحرية المطلقة.
الشيخ: هذا هو الأصل، لكنا ذكرنا في أثناء التفسير أنه ينبغي للإنسان أن يراعي شعور الناس في بعض الأمور.
قال الله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ [الأحزاب: ٤٠] مَانافية، وهل هي حجازية أو غير عاملة؟
الجواب: غير عاملة؛ لأن العمل لـ (كان) وليس لها.
مَا كَانَ مُحَمَّدٌيعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، لم يقل: ما كان رسول الله، بل قال: مَا كَانَ مُحَمَّدٌفتَحَدَّث عنه باعتباره شخصًا من الناس، ثم قال بعد ذلك: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِفأثبت له الرسالة.
وقوله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْأَبَابالألف؛ لأنها خبر كان، أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْفليس أبا زيد أي: والده فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب.
قوله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْتبنيًا أو تبنيًا وولادة؟ تبنيًا وولادة أيضًا؛ لأن أبناء الرسول صلى الله عليه وسلم الثلاثة تُوفوا قبل أن يبلغوا الرجولة، كلهم توفوا وهم صغار.
وقال بعض أهل العلم: إن المراد أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْتبنيًا؛ لأنه قال: مِنْ رِجَالِكُمْفأضاف الرجال إليهم، ولم يقل: أبا أحد من الرجال؛ وعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على أنه ليس أبًا لأحد من الرجال نسبًا وتبنيًا، وهذا هو الأقرب أن المراد أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْتبنيًا؛ لأجل أن ينفي ما كان معروفًا عندهم من أن زيد بن حارثة ابن لرسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْمر علينا فيما سبق وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْأن بعض السلف قرأ: (وهو أبٌ لهم) فكيف يُجْمَع بينه وبين هذه الآية؟
الجمع بينهما أن يقال هنا: ليس أبا أحدًا من الرجال بالتبني ولكنه أبٌ للمؤمنين باعتبار التعليم والتوجيه والإرشاد.
وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ({وَلَكِنْ} كان {رَسُولَ اللَّهِ}) أفادنا المؤلف أن رَسُولَ اللَّهِمنصوبة بفعل محذوف تقديره (كان) رسول الله.
رسولبمعنى: مُرْسَل أي: مرسل الله عز وجل لعباده.
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَيعني: وكان خاتم النبيين (فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيًّا)، وهذا التفسير الذي ذهب إليه المؤلف فيه نظر؛ لأنه يقول: خَاتَمَ النَّبِيِّينَإذن ليس له ولد بعده يكون رجلًا فيكون نبيًّا، وهذا بناءً على أنه يلزم أن يكون ابن النبي بعده نبيًّا، وهذا ليس بلازم فإن بعض الأنبياء ليس كلهم أولادهم أنبياء، صحيح أن كثيرًا من الأنبياء صار أولادهم أنبياء كإبراهيم مثلًا، ولكن لا يعني ذلك أن جميع الأنبياء يلزم من كونهم أنبياء إذا خلَّفوا أولادًا أن يكونوا أنبياء.
ولكن معنى قوله: خَاتَمَ النَّبِيِّينَأنه لا نبي بعده، هذا معنى الآية التي لا يحتمل غيرها.
وَخَاتَمَفيها قراءتان إحداهما بالكسر والثانية بالفتح، وهي عندي بالكسرة {وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ} على أن {خَاتِمَ} اسم فاعل؛ يعني الذي يختمهم، وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختْم أي به خُتِم فتح التاء خَاتَمَ، والخاتم ما يُخْتَم به الشيء مثل الخاتم الذي يكون في الإصبع وكُتِبَ عليه اسم صاحبه فإذا أراد أن يختم الكتاب ختمه بهذا الخاتم.
والنبي عليه الصلاة والسلام خاتِم وخاتَم؛ خاتِم لأنه آخرهم، وخاتَم كأنه طُبِعَ على الرسالات بعد ذلك فلا يمكن أن يأتي بعده رسالة، وهذا هو فائدة القراءتين.
وقوله: وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَهذا كما ترون في القرآن، وفي السنة أيضًا أدلة كثيرة تدل على أنه خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا نبي بعده.
فإن قلت: ألم يثبت أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل في آخر الزمان وهو نبي؟
فالجواب: بلى، ينزل وهو نبي لكن نبوة عيسى لم تتجدد بعد، بل كان نبيًّا من قبل أن يُرْفَع ولم يتجدد له نبوة بعد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء.
وهل يأتي عيسى بشريعة جديدة؟ لا، فإن قلت: أليس يضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام؟
فالجواب: بلى، وهذه الأحكام مخالفة لحكم الشريعة الآن، فهل معنى ذلك بأنه يأتي بأحكام متجددة؟ الجواب: لا؛ لأن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك يكون إقرارًا له فيكون هذا من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ يعني هو من المعلوم أن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام هي قوله وفعله وإقراره، فإذا قال ذلك عن عيسى مقررًا له صار ذلك من سنته، وحينئذ فلم يأت عيسى بنبوة جديدة ولم يأت بتشريع جديد، ولا إشكال في ذلك.
وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًاكَانَفيما مضى، وأما الآن؟ لا، إذن كَانَهنا مسلوبة الزمان، وإنما يؤتى بها لتحقق الصفة وهي العلم.
({وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} منه بأن لا نبي بعده) يعني: من العلم الذي علمه الله تعالى أنه لا نبي بعده؛ ولهذا قال: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠].
وقوله: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًايشمل حتى أعمال بني آدم؟ نعم وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦] قبل أن يعمله.
قال: (وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته) (إذا نزل السيد) هل وصفه الله بالسيد؟
طالب: نعم، وَسَيِّدًا وَحَصُورًا [آل عمران: ٣٩].
الشيخ: من هو هذا؟ ما هو يحيى؟ ما وصفه الله بالسيد في سورة آل عمران؟ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [آل عمران ٤٥، ٤٦].
طالب: وَجِيهًا.
الشيخ: وَجِيهًا. لكن ما قال: (سيد). على كل حال أنا أخشى أن هذه الكلمة دخلت على المؤلف من عبارات النصارى؛ لأنهم دائمًا يقولون: السيد المسيح، السيد المسيح. ولا شك أنه سيد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه نبي من الأنبياء.
يقول: (يحكم بشريعته) وحينئذ لا يأتي بشريعة جديدة فلا ينافي الآية: وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ.
وقد علمتم أنه يَرِدُ على قضية نزول عيسى إيرادان:
أولًا: أنه نبي، فكيف يكون نبيًّا والرسول هو خاتم الأنبياء.
وثانيًا: أنه يحصل به تغيير لبعض أحكام الشريعة، وأجبنا عن ذلك.
قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب: ٤١] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأَرْعِها سمعَك فإما خير تُؤمَر به وإما شر تُنْهى عنه .
وإذا نادى الله تعالى المؤمنين بوصف الإيمان فإن هذا من باب الإغراء لهم على امتثال الأمر إن كان الموجَّه إليهم أمرًا، وعلى اجتناب النهي إن كان الموجه إليهم نهيًا؛ لأنك إذا ذكرت الإنسان بوصف يقتضي الامتثال فمعنى ذلك أنك تغريه بأن يمتثل، وإذا خاطب الله المؤمنين بوصف الإيمان كان ذلك دليلًا على أنما ما خوطبوا به من مقتضيات الإيمان وأن مخالفته نقص في الإيمان، وإذا صدَّر الله الحكم بالنداء كان في ذلك دليل على أهميته والاعتناء به.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًاعلى أي حال، والذكر -كما سبق- يكون باللسان ويكون بالقلب ويكون بالجوارح.
وقوله: ذِكْرًا كَثِيرًاغير مقيد بمئة ولا مئتين ولا ألف ولا أَلْفَيْنِ؛ ذكرًا كثيرًا، والإنسان العاقل يمكنه أن يذكر الله تعالى دائمًا، والإنسان الغافل يغفل عن (...).
بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤٢] هذا ذكر خاص بعد عام في العمل وفي الزمن؛ أما في العمل فإن التسبيح من الذكر فهو تخصيص بعد تعميم، وأما في الزمن فهنا خصَّه بالبكرة والأصيل، وأما الذكر فأطلق، وهذه الآية كقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه: ١٣٠].
يقول: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ [الأحزاب: ٤١، ٤٢] التسبيح معناه التنزيه عن كل نقص وعيب، ومن العيب مشابهة المخلوقين أو مماثلة المخلوقين؛ فأنت إذا قلت: سبحان الله. المعنى أنك تُنَزِّهُ الله عن كل نقص وعيب، ومنه أي من العيوب مماثلة المخلوقين فهو منزه عن مماثلة المخلوقين وعن كل نقص في صفاته؛ فهو سميع منزه عن نقص في السمع، عليم منزه عن نقص في العلم، وهكذا بقية الصفات.
وقوله: سَبِّحُوهُ بُكْرَةًقال المؤلف رحمه الله: (أول النهار وآخره) يعني: البكرة أول النهار، والأصيل آخر النهار؛ وعلى هذا فيكون الله عز وجل قد أمرنا نسبحه في الصباح وفي المساء.
قال: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْأي: يرحمكم وَمَلائِكَتُهُأي يستغفرون لكم) فسَّر المؤلف الآن الصلاة بالنسبة إلى الله بالرحمة وبالنسبة إلى الملائكة بالاستغفار؛ فقال: يُصَلِّي عَلَيْكُمْيرحمكم وَمَلائِكَتُهُيستغفرون لكم، وهذا فيه نظر، والصواب أن معنى يُصَلِّي عَلَيْكُمْأي: يثني عليكم في الملأ الأعلى، والملائكة أيضًا يثنون عليكم. هذا هو معنى الصلاة ومن الملائكة أيضًا.
وقوله: يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُفيها إشكال من حيث الإعراب؛ مَلائِكَتُهُمرفوعة وابن مالك يقول:
| وَإِنْ عَلَى ضَـمِــــــــــــيرِ رَفْعٍ مُتَّـــــــصِـــــــــلْ | عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ |
وهنا ما جاء الضمير، ما قال: هو الذي يصلي عليكم هو وملائكته أو فاصل ما، وهذا داخل في قوله: أو فاصل ما، ما هو الفاصل هنا؟ الجار والمجرور؛ ولذلك إذا قلت: قمتُ وزيد، هذا ضعيف. والأرجح منه أن تقول: قمتُ وزيدًا على أنها مفعول معها. أما إذا فصلت فقلت: قمتُ أنا وزيد، أو قمتُ في الناس خطيبًا وزيد، وفَصَلْتَ فهذا لا بأس به. وهنا فَصَل بالجار والمجرور يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُأضاف الله الملائكة إليه من باب التشريف لهم؛ لأنهم ملائكته وهم أيضًا مخلوقون له، والملائكة -كما مر علينا- هم عالم غيبيٌّ خَلَقَهُم الله تعالى من نور يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦]، وهل يمكن أن يكونوا من عالم الشهادة؟
نعم كما جاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى مريم فتمثل لها بشرًا سويًا، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرْى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، وكما جاء في صورة دحية الكلبي، وغير ذلك لكن الأصل أنهم عالم غيبي.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، لهم أجساد، ولا جسد إلا بروح، لهم أجساد وأرواح؛ ولهذا سَمَّى الله جبريل روحًا، ورآه النبي عليه الصلاة والسلام على خلقته مرتين وله ست مئة جناح قد سدَّ الأفق.
وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِاللام في قوله: لِيُخْرِجَكُمْللتعليل.
قال المؤلف: (ليديم إخراجه إياكم) إنما صرف اللفظ إلى معنى الإدامة؛ لأنه يخاطب المؤمنين، وإذا كان يخاطب المؤمنين فإنه قد أخرجوا من الظلمات إلى النور من الأصل، ولكن قد يقال: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل، وأن معنى قوله: لِيُخْرِجَكُمْأي: ليزيدكم علمًا وإيمانًا.
وقوله: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِأي الكفر إِلَى النُّورِأي: الإيمان. لا شك أن الكفر ظلمات كما قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] ولا شك أيضًا أن الإيمان نور، ولكن الآية أعم مما قال المؤلف؛ فهو ليخرجكم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان، فيكون المؤلف قد قصَّر أو تقاصر في تفسيره للآية، والصواب أنه يخرجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان.
قال الله تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًاكَانَيعني الله عز وجل بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًابِالْمُؤْمِنِينَجار ومجرور متعلق بـرَحِيمًاقُدِّمَ عليه للحصر؛ لأن هذه الرحمة رحمة خاصة للمؤمنين تقتضي العناية بهم وتوفيقهم وهدايتهم إلى الخير، وأما الرحمة العامة فهي للمؤمنين وغير المؤمنين، لكن الرحمة الخاصة للمؤمنين فقط.
ثم قال تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ [الأحزاب: ٤٤] تَحِيَّتُهُمْالضمير يعود على المؤمنين، والتحية معناها الدعاء بالبقاء، فإذا قال: حياك. أي: دعا لك بالبقاء، ثم صارت اسمًا لما يستقبل به الضيف أو الداخل أو ما أشبه ذلك مما يدل على الإكرام، فالتحية إذن في الأصل أيش؟ الدعاء بالبقاء والحياة، ثم نُقِلَت في العرف إلى كل ما يُحَيَّا به المرء ويستقبل به من عبارات التكريم، فتحيتهم أي: تحية المؤمنين يَوْمَ يَلْقَوْنَهُيَلْقَون من؟ الله، يوم يلقون الله وذلك يوم القيامة، سواء كان في عرصات القيامة أو كان بعد دخولهم الجنة، فتحيتهم حينئذ سَلَامٌ.
قال المؤلف: (بلسان الملائكة) يعني: أن الملائكة هم الذين يسلمون على هؤلاء بأمر الله، فإذا سلموا على هؤلاء بأمر الله صار كأن المسلم هو الله، ولكن هذا صَرْفٌ للآية عن ظاهرها؛ فإن ظاهر الآية أن الذي يُسَلِّم هو الله عز وجل، وإذا كان السلام من الله فهو خبر محض وليس دعاءً؛ لأن الله تعالى لا يدعو أحدًا، ولكن يخبر بالسلام الدائم الذي لا يعتريه أي نقص أو أي خوف، أما إذا كان من الملائكة فإنه يحتمل الخبر ويحتمل الدعاء؛ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، إنما الصواب بلا شك أن هذا السلام من الله؛ لأنه يقول: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌالملاقى هو الذي يسلم، وهو الذي يُحَيِّي هؤلاء، ولا شك أن الرب عز وجل إذا قال لهم: سلام عليكم؛ بيذهب عنهم كل خوف؛ ولهذا تسمى الجنة دار السلام كما قال تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: ٢٥]؛ لأنها دار سالمة من كل آفة لا فيها مرض ولا فيها موت ولا فيها هرم ولا فيها نقص في الرزق، بل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَر على قلب بشر كما قال عز وجل: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧].
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًايقولون: التحلية بعد التخلية؛ يعني: تحلية الماء بعد أن نخليه من الجراثيم كذا؟ ويش معناه؟ التحلية يعني: إلباس الحل بعد التخلية، أولًا نَقِّش المرأة وأزل عنها العيوب والوسخ وبعدين حَلِّها، لكن تحليها وكلها أوساخ، ما يناسب.
إذن لما قال: سَلَامٌأي: من الآفات ذكر بعد ذلك وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًاوهذا تحلية بعد تخلية، حين أخبرهم أنهم سالمون من كل آفة بَيَّنَ أنه أعدَّ لهم أجرًا كريمًا. قال المؤلف: (هو الجنة)، والأجر بمعنى الثواب؛ وهو ما يُعْطًى الأجير في مقابلة عمله ويسمى أجرًا ويسمى أُجْرةً، ولكن سبق لنا مرات كثيرة أن أجر العاملين على عملهم ليس من باب المعاوضة؛ لأنه لو كان من باب المعاوضة لكان نعمة واحدة من نعم الله على العبد تستوعب جميع عمله، بل لو كان على سبيل المعاوضة لكان توفيقك للعمل نعمة يحتاج إلى أجر؛ ولهذا قال بعضهم:
| إِذَا كَانَ شُكْرِي نَعْمَةَ اللَّهِ نَعْمَةً | عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ |
| فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ | وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ |
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» .
إذن فالعمل بماذا نصفه إذا لم يكن عوضًا؟ نصفه بأنه سبب وليس بعوض؛ ولهذا صرح الله سبحانه وتعالى في عدة الآيات بأن الثواب هذا جزاء بما كانوا يعملون أي: بسبب ما كانوا يعملون، فالباء للسببية في قوله: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧] ، والباء للعوض في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، وبهذا يُجْمع بين النصين.
وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًاالأجر هو الكريم ولَّا الكريم هو المتفضل بالأجر؟
يجب أن نعلم أن الكريم يطلق على الجواد الباذل للمال ويطلق على الشيء الحسَن، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» يعني الحسنة.
فقوله: أَجْرًا كَرِيمًاأي: حسنًا، فما وجه كرم هذا الثواب أو هذا الأجر؟ أن الله جعل الحسنة بكم؟ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هذا من وجه، من وجه آخر أن مدة بقاء الإنسان في الدنيا كم بالنسبة للآخرة؟ ليس بشيء إطلاقًا ولا يُنْسَب، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» الدنيا اللي أنت فيها ولا الدنيا اللي قبلك ولا بعدك؟ اللي قبلك بعدك واللي أنت فيها، موضع السوط، والسوط -كما تعرفون- حوالي متر، «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» إذن فكرم هذا الثواب لا يُنْسَب إلى العمل، أو بالأصح لا يُنسب العمل إليه؛ لأنه كرم واسع لا نهاية له خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٥] اللهم اجعلنا وإياكم منهم.
***
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠].يستفاد من الآية الكريمة: إبطال بنوة الأدعياء؛ لقوله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ. وهل يستفاد منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس أبًا لأحد من الرضاع أو لأحد من النسب؟ ما يستفاد كذا؛ لأنه ثبت أن له أبناء، لكن بعض العلماء يقولون: إن أبناءه لم يبلغوا أن يكونوا رجالًا فالآية عامة، ولكنه تَبَيَّن لي أن هذا لا يصح أيضًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم له أبناء كانوا رجالًا ولهم ذرية وهم الحسن والحسين، الرسول قال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» فسماه ابنًا، وقد عقَّ أيضًا عن الحسن والحسين الرسول عليه الصلاة والسلام هو بنفسه، إذن هذه الآية لإبطال أيش؟ بنوة الأدعياء.
ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ.
ومن فوائدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء؛ لقوله: {وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ}.
ومن فوائدها: أنه أفضل الأنبياء على قراءة وَخَاتَمَبالفتح؛ لأن الخاتم هو الطابع على الشيء وهو الشيء الذي يكمُل به الشيء وينتهي؛ ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه مع الأنبياء بأنه كأنه قصر مشيد يطوف به الناس ويقولون: ما أجمل القصر إلا أن فيه موضع لبنة، لم يتم إلا موضع هذه اللبنة فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ» فبه تمت الرسالات وكملت؛ ولهذا دين الرسول صلى الله عليه وسلم -لاحظوا أن دين الرسول- شامل لجميع محاسن الأديان، كل محاسن الأنبياء اللي توجد فيها من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه دينه شامل لجميع محاسنها؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] فكل هدى الأنبياء قد أيش؟ كل هدى الأنبياء قد اقتدى به النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذن فما من صلاح في جميع الأديان وكمال إلا وجاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: {وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ}.
ومن فوائدها: أن من ادعى النبوة بعده فهو كاذب ولو جاء بما جاء به من الخوارق؛ لقوله: وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَوهذا خبر، وخبر الله صدق لا يمكن أن يتطرق إليه الكذب بوجه من الوجوه.
ومن فوائدها: أن من صدق مدعي النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر، ليه؟ لأنه مكذب للقرآن، والمكذب القرآن كافر.
ومن فوائدها -ولتكن محل مناقشة الفائدة هذه- أن من ادعى أن الأولياء أفضل من الأنبياء فهو كافر، ما يؤخذ؟ ما نقول: إن هذه الآية سيقت لبيان كمالات الرسول صلى الله عليه وسلم وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَولو كان هناك شيء أكمل من الرسالة لكان يوصف به، على كل حال ما تؤخذ الظاهر، الظاهر أن أخذها بعيد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا نبي ولا رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم أو نكتفي بالفائدة التي قبلها؟! ولا نبي ولا رسول أيضًا، إذا انتفت النبوة انتفت الرسالة؛ إذ أن الرسول نبي وزيادة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النبوات السابقة؛ لقوله: وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَوالنبيين جمع نبي وهم كثيرون جدًّا، لكن الرسل منهم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، لم يُذْكَر منهم في القرآن إلا خمسة وعشرون، وكل من ذُكِر في القرآن من الأنبياء فهو رسول حتى وإن لم يوصف بالرسالة؛ لقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨] فدلَّ هذا على أن كل من قصَّه الله علينا نبأه في القرآن فهو رسول حتى وإن لم يوصف بالرسالة مثل: إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم: ٤١] وما أشبهها.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله؛ لقوله: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن إقرار الله لرسوله عليه الصلاة والسلام وتأييده له شاهد لصدق رسالته؛ لأنه قال: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًافلو عَلِمَ الله أن محمدًا غير رسول ماذا يصنع به؟ هو ما أقره وبس، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] الوتينعرق في القلب إذا قُطِعَ مات، فكون الله يؤيده وينصره ويفتح على يديه وهو يقول: إنه رسول الله وإنه أَذِنَ له باستباحة أموالكم وأخذ رقابكم إذا لم تدخلوا في الإسلام ولم تؤدوا الجزية يكون هذه آية من آيات الله له ولهذا ختم الآية هذه التي أثبتت الرسالة بقوله: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
ومن فوائدها: وجوب مراقبة العبد رَبَّهُ، من أين تؤخذ؟ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًافأنت إذا علمت أن الله عالم بكل شيء، ومن الشيء قولك وفعلك وفكرك وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والله لو كان عندنا هذا الإيمان ثابتًا راسخًا لكان الإنسان تقل معاصيه ومخالفته، لكن الإنسان في غفلة، إذا علمت أنك إن تحركتَ عَلِمَ الله بك، إن سكنتَ عَلِم الله بك، إن نطقت علم الله بك، إن سكت علم الله بك، إن فكرت علم الله بك، هذا يوجب لك أيش؟ مراقبة الله عز وجل وألَّا يفقدك حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على غلاة القدرية، من أين تؤخذ؟ أنهم أنكروا علم الله بما يصنعه العباد قبل وقوعه منهم، والآية هذه فيها رد عليهم وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: سعة الله عز وجل؛ سعته بكل شيء في صفاته وفي أسمائه وفي أفعاله؛ كما قال الله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء: ١٣٠]، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٤٧] من أين تؤخذ من الآية؟ من قوله: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًافاللي بكل شيء عليم لا شك أنه واسع.
أنتم تحبون أن نقرأ ولَّا الجَفَلَى في السؤال عن وجه الشاهد من الآية؟
الطالب: الجَفَلَى.
الشيخ: الجَفَلى أسرع، الجَفَلَى أن يكون عامًّا، والنَّقَرَى؛ يا فلان أين الشاهد؟ الجَفَلَى أحسن؟ إذن.
| نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى | لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْــــــــتَقِرْ |
(المشتاة) زمن الشتاء (نَحْنُ فِي المَشْتاةِ نَدْعُو الجَفَلى) (الجَفَلى) نقول: يا جماعة، تفضلوا، كل اللي في المكان، (لَا تَرَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ) الآدب صانع المأدبة يَنْتَقِر يعني: يقول يا فلان تفضل فقط، إذن نمشي على (...).
طالب: (...) أعمال العبادة (...) هل تسمى شيئًا؟
الشيخ: إي نعم، تسمى شيئًا سيكون؛ لأن الشيء يطلق على الماضي والحاضر والمستقبل.
***
ثم قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤١، ٤٢].في الآية الكريمة: بيان العناية بالذكر؛ لأن الله عند الأمر به صدره بالنداء.
ومن فوائدها: أن الذكر من الإيمان بالله ومن مقتضياته؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ.
ومنها: أن الإيمان يزيد به؛ وجهُه: أن كل ما كان من مقتضيات الشيء فإنه يزداد به.
ومن فوائدها: أن نقص الذكر نقص في الإيمان.
ومن فوائدها: مشروعية ذكر الله تعالى بكثرة؛ لقوله: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية التسبيح؛ لقوله: وَسَبِّحُوهُ، لكن في الغدو والآصال وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: تَنَزُّه الله تعالى عن كل نقص وعيب؛ لقوله: وَسَبِّحُوهُفأمرنا بأن نُنَزِّهه؛ لأنه مستحق لذلك سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر حياة للقلب؛ لأن الله تعالى أمر به على وجه الكثرة، فلولا الفائدة العظيمة منه ما أمر به على سبيل الكثرة.
طالب: وسط النهار ما يدخل؟
الشيخ: لا، لا شك أن التسبيح في كل وقت، لكن كثرة التسبيح في أوله وآخره.
ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣].
من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان وأنه سبب في ثناء الله وملائكته على عبده، من أين تؤخذ؟ من قوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْبعد أن قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل، من أين تؤخذ؟ من قوله: يُصَلِّيلأن الصلاة هي الثناء على العبد في الملأ الأعلى.
ومن فوائد الآية الكريمة: محبة الله للمؤمنين ومحبة الملائكة لهم، من أين تؤخذ؟ من الثناء عليهم والصلاة عليهم؛ لأن من يحبك يثني عليك ومن يبغضك يذمك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا، بل يجب علينا محبة الله عز وجل وملائكته؛ لماذا؟ لما لهم علينا من الفضل والإحسان؛ فإنهم يصلون علينا فهذا يقتضي أن نحبهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: وَمَلَائِكَتُهُ.
ومنها: فضيلة الملائكة، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).؟
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
طالب: الإضافة.
الشيخ: وَمَلَائِكَتُهُالإضافة للتشريف والتكريم، ففيه فضيلة الملائكة؛ لأن الله أضافهم إليهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والحِكَم لأفعال الله؛ لقوله: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجهل والكفر ظلم؛ لقوله: مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وقد قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، وقال: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ-أي: في الجهل- لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام: ١٢٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة المؤمنين وأن لهم عند الله تعالى رحمة خاصة؛ لقوله: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًاكذا؟
ومن فوائدها: الحث على الإيمان والترغيب فيه، من أين تؤخذ؟ من قوله: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا؛ فإن الله ما أخبرنا هنا في هذه الآية الكريمة لمجرد أن نعلم أنه رحيم بالمؤمنين، ولكن من أجل أن نتعرض لهذه الرحمة الخاصة فنكون من المؤمنين وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله؛ لقوله: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا.
ومن فوائدها: الردُّ على الأشعرية ونحوهم ممن ينكرون وصف الله بالرحمة؛ لقوله: وَكَانَفالضمير في قوله: كَانَيعود على مَنْ؟ على الله، والرحيم خبر المبتدأ فهو وصفه.
ثم قال تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا.
في الآية الكريمة: إثبات البعث؛ من قوله: يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ.
وفيها: إثبات كلام الله وأنه يتكلم؛ لقوله: سَلَامٌ، ويؤيده قوله تعالى: سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: ٥٨]؛ لأنه يتكلم به تعالى، ويقوله قولًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: البُشْرى العظيمة للمؤمنين وأن الله نفسه جلَّ وعلا يحييهم بهذه التحية؛ لقوله: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ. لو أن ملكًا من ملوك الدنيا وعدك بهذا، وقال: إنه سيُحَيِّيك بالسلام، ويقدم لك القِرَى الكريم الحسَن، ويش يكون فرحك؟ شوي؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، تشيله، أو يطير بين السماء والأرض، المهم يفرح، كيف عاد إذا كان الله عز وجل يخبر عن نفسه بأنه سيحيي المؤمنين بهذه التحية مع تقديم هذا الأجر العظيم؟! ولهذا تُعْتبر هذه الآية فيها بشارة -وهي من فوائدها- البشارة العظمى للمؤمنين بأن الله يحيِّيهم ويُعِدُّ لهم الأجر الكريم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآخرة فيها آفات وأذى يسلم منها من يَسْلَم، ويَعْطَب فيها من يعطب؛ لقوله: يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ، أما غيرهم فلا سلام لهم؛ لأنهم مُعَذَّبون في النار والعياذ بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا.
ومن فوائدها: أن الأجر الذي أعده الله للمؤمنين أجر حَسَن، بل هو كما قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى [يونس: ٢٦] يعني أحسن شيء وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا.
***
(...) تشريفًا له وإظهارًا لنبوته، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَجَمَع له بين الوصفين النبوة والرسالة على وجه صريح وإلَّا فلو وُصِفَ بالرسالة وحدها لتضمنت وصفه بالنبوة؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الجمع بين الوصفين أولى على وجه النص والتعيين، وفي حديث البراء بن مالك فيما يقال من الذكر عند النوم أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه إذا أوى إلى فراشه أن يقول مما يقول: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» فلما أعادها عليه البراء قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت. فقال له: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» لماذا؟ قال العلماء: لأجل أن يجمع له بين وَصْفَيِ النبوة والرسالة على وجه التعيين؛ لأن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، وأما دلالة النبوة على النبوة فهو من باب دلالة النص والتعيين، هذا من وجه، وجه آخر أنه إذا قال: ورسولك الذي أرسلت لم يكن نصًّا في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ قد يجوز أن يراد به الرسول الملكي دون الرسول البشري، هنا يقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَولم يقل: يا أيها الرسول إنا أرسلناك؛ لماذا؟ ليجمع له بين وصفي النبوة والرسالة على سبيل التعيين والنص، لكن انظر إلى قوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [المائدة: ٦٧] حيث قال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُثم قال: بَلِّغْلأنه إنما يأمره بالبلاغ، وهذا يناسب الرسالة.
قال: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًاعلى مَنْ أُرْسِلْت إليهم، وكلمة شَاهِدًاحال من الكاف في قوله: أَرْسَلْنَاكَ، والشاهد يطلق على المخبر، ويطلق على الحاكم، والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد مُخْبِر حاكم فهو مخبر عن الله عز وجل بما أرسله به، وكذلك مخبر عمن أُرْسِل إليهم بالقبول أو الرفض، وكذلك هو حاكم فإن الحكم لله ورسوله؛ والدليل على أن الشاهد بمعنى الحاكم قوله تعالى: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٢٦، ٢٧] إذن شاهد بمعنى مخبر وحاكم، فهو مخبر عن الله ومخبر عن عباد الله؛ مخبر عن الله بما أوحاه إليه، ومخبر عن عباد الله بالقبول أو الرفض. وكذلك هو شاهد على من سبقه من الأمم في تبليغ رسالات الرسل وفي تكذيب قومهم لهم؛ كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]، إذن شاهد بما أوحاه الله إليه وحاكم به، وشاهد على من أُرْسِل إليهم، وشاهد على من سبقه من الأمم.
وقوله: وَمُبَشِّرًامعطوف على شَاهِدًا، قوله: مُبَشِّرًا؛ يعني: وأرسلناك مبشرًا، والبشارة تقتضي ثلاثة أمور مبشِّر ومبشَّر ومُبَشَّر به -أربعة أمور- وسببًا يوصل إلى المبشر به.
الرسول عليه الصلاة والسلام مبشر وقلت: إن البشارة لا بد فيها من أمور أربعة؛ مُبَشِّر ومُبَشَّر ومُبَشَّرٌ به وسببًا يوصل إلى المُبشَّر به، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام مبشرًا فلا بد أن يكون هناك من يُبَشِّره وهم الذين أُرْسِل إليهم واتبعوه على ما دعا إليه، ولا بد أن يكون هناك مُبَشَّرٌ به، وما هو المُبشَّر به؟
طالب: (...)؟
الشيخ: لا.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، الجنة، مبشرٌ به: الجنة، تقدم لنا في هذه الآيات: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب: ٤٧]، ولا بد أن يكون هناك سبب يوصل إلى المُبَشَّر به ما هو؟ الأعمال الصالحة.
إذن فالنبي عليه الصلاة والسلام قد بَيَّن وبَلَّغ الرسالة إلى المبشرين، وبَيَّن المبشر به وما يتضمنه من الثواب وأنواع النعيم، وبيَّن الأسباب الموصلة إلى ذلك وهي الأعمال الصالحة؛ ولهذا ترك النبي عليه الصلاة والسلام أمته على مَحَجَّة بيضاء ليلها كنهارها لا يَزيغ عنها إلا هالك.
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًاالنذير: هو من أتى بالإنذار وهو الإعلام بتخويف، الإعلام المقرون بالتخويف يُسَمَّى إنذارًا، وفي حديث جابر رضي الله عنه في صفة خُطْبة النبي صلى الله عليه وسلم: كأنه مُنْذِر جيش؛ يقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» .
وقوله: نَذِيرًانقول فيها كما قلنا في بَشِيرًا [البقرة: ١١٩]: لا بد فيها من أمور أربعة: منذِر، ويش بعد؟ ومُنْذَر، ومنذر به، وأسباب تُوصِل إلى ذلك، وكلها قد جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، فما هو المنذر؟ الأُمَّة عمومًا، والمُنْذَر به النار، وأسبابه الأعمال السيئة، والمنذِر هو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه الأمور؛ بَيَّن لكل المُنذَرين وأدَّى إليهم الرسالة أو أدى الأمانة، وكذلك بَيَّن المُنْذَر به وما فيه من العقوبات المتنوعات والعذاب الأليم..





