..مراد؛ بدليل أن مارية القبطية استحلَّها النبي عليه الصلاة والسلام وأتت منه
بولد، وستأتي إن شاء الله بالفوائد.
قال: ({وَبَنَاتِ
عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي
هَاجَرْنَ مَعَكَ} [الأحزاب: ٥٠] بخلاف من لم يهاجرن).
الطالب: صفية وجويرية (...)؟
الشيخ:
كن من ملك اليمين أولًا ثم أعتقهن وتزوجهن.
قوله: وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَهؤلاء الأربع هن الحلائل من الأقارب وما عداهن من الأقارب فحرام كما في سورة
النساء، فصار الأقارب الآن محللات ومحرمات، المحرمات ما ذُكِرْنَ في سورة النساء في
قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ [النساء: ٢٣] كم؟ سبع، والمحللات من الأقارب: أربع بنات العم
وبنات العمة وبنات الخال وبنات الخالة، كذا؟ هؤلاء المحللات من الأقارب.
(بنات
العم) يعني: وإن نزلن، (وبنات العمة) وإن نزلن، (وبنات الخال) وإن نزلن، (وبنات
الخالة) وإن نزلن، هذا وكلهن حلال.
وقوله: وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَتكلم المفسرون على قوله: بنات عمك وعماتك وخالك
وخالاتك، فقالوا: لم أَفْرَد في الذكور وجمع في الإناث؟ وين الذكور؟ عمك وخالك، وفي
الإناث قال: عماتك وخالاتك.
فقال بعضهم: إن هذا من باب تشريف الذكورة كأن الواحد
يقابله من النساء جَمْع، وإلى هذا ذهب ابن كثير رحمه الله، وقال بعضهم: إنه لما كان
لفظ العم والخال كلفظ المصدر صار الآن المناسب ألا يُجْمَع؛ لأن المعروف أن المصادر
لا تُجْمَع ولا تُثَنَّى، لكن هذا في النفس منه شيء.
والأقرب ما ذكره ابن كثير
رحمه الله أن قوة صلة العمِّ بالإنسان أقوى من قوة صلة العمة به؛ فلهذا جُمِعَ،
وإلَّا من المعلوم أن الإنسان له أعمام ليس له عم واحد فقط، وبنات أعمامه كلهن حلال
ولَّا حرام؟ حلال.
وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَفيه زيادة قيد بالنسبة للرسول صلى
الله عليه وسلم وهو قوله: اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَهَاجَرْنَ مَعَكَيعني: هاجرن من مكة إلى المدينة،
وسواء كُنَّ في مَعَيَّتِه مباشرة أو في معيته بالمعنى أي: بالهجرة؛ فليس بلازم أن
تكون بنت العم أو بنت الخال مع الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة يعني: تسير معه،
بل لو هاجرت قبله أو بعده فهي داخلة في هذا. اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ.
قال: ({وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً
إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ
يَسْتَنْكِحَهَا} يطلب نكاحَها بغير صَداق {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} النكاح
بلفظ الهبة من غير صداق يعني: الخالص والنكاح) قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْإلى آخره.
قال:
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةًيعني: وأحللنا لك امرأة مؤمنة،
وهذا نكرة في سياق الإثبات، والمعروف أن النكرة في سياق الإثبات لا تقتضي العموم،
لكن لما كان السياق سياق مِنَّةٍ صارت للعموم، الأصل في النكرة ألا تَعُم إذا كانت
في سياق الإثبات؛ فإذا قلت لك: اضرب رجلًا ليس معناها أني آمرك أن تضرب جميع
الرجال، لكن إذا كانت النكرة في سياق الإثبات يُراد بها الامتنان صارت للعموم؛
لأنها لو قُيِّدَت بالواحدة لم تكمُل بها المنة، فلا تكمل المنة إلا إذا كانت يراد
بها العموم.
إذن امْرَأَةًنقول: وإن كانت صيغتها
صيغة الوحدة، لكن المراد بها أيش؟ العموم، لماذا؟ لأنها سيقت للامتنان، والامتنان
بالوحدة لا يكمُل إلا إذا كان امتنانًا بكل شيء أو بكل فرد من أفراد هذه
النكرة.
إذن يكون معنى الآية: وأحللنا لك أيَّ امرأة.
وقوله: مُؤْمِنَةًهذا قيد يَخرُج به غير المؤمنة ولو كانت كتابية
فإنها لا تحلُّ للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن من خصائص
النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح ألا يتزوج امرأة كِتابيَّة، وهذا لم يقع، لم
يقع أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوَّج امرأة كتابية.
ومن المعلوم أن من خصائص
الرسول في النكاح ما هو توسعة وما هو تضييق؛ فالتوسعة النكاح بالهبة والتزوج بأكثر
من أربع، والتضييق أنه لا يحل له من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته
إلَّا مَن هاجرن معه، وكذلك على القول الراجح أنه بعد تخيير النبي صلى الله عليه
وسلم لزوجاته لا يحل له النساء كما سيأتي إن شاء الله.
قال: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّإِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَاوهبت هي بدون وليٍّ وَهَبَتْ نَفْسَهَاأي: أعطتها للنبي صلى الله عليه وسلم بلا عوض؛ لأن الهبة تعريفها
بذل المال بدون عوض، فمعنى وَهَبَتْ نَفْسَهَايعني:
جاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالت له: قد وهبت نفسي لك، فتحل له، لكن لما
كان الرسول عليه الصلاة والسلام مخيَّرًا في ذلك، وليس واجبًا عليه أن يقبل قال:
إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَاوهذا
الشرط داخل في الشرط الأول.
وقد عُلِمَ أن الشرط الثاني قيد في الشرط الأول فهو
متأخر لفظًا متقدم معنى. تداخل الشروط كلما تداخلت الشروط فاجعل الشرط الأخير قيدًا
فيما قبله؛ فهو متأخر رُتْبَةً لكن متقدم معنى. الآن نتكلم باللغة العربية ولَّا
باللغة الفارسية؟ واضح لكم ولَّا لا؟
إذا تعددت الشروط -إن الشرطية أو إذا أو ما
أشبهها- فإن الشرط التالي الأخير شرط فيما قبله، فيكون متأخرًا لفظًا متقدمًا معنى
ورتبةً؛ مثلًا إذا قلت: أخبرني إذا ضربك زيد إن ظلمك، صار الظلم سابقًا على الضرب،
وإن كان متأخرًا عنه في الذِّكْر، ويتضح ذلك تمامًا بقول الشاعر:
| إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا | مِنَّا مَعَاقِـــــــــلَ عِــــــــــزٍّ زَانَهَـــــا كَـــــــرَمُ |
وين الشرط الأول؟ (إن تستغيثوا) والثاني: (إن تذعروا)، الشرط الثاني متأخر عن الأول في اللفظ لكن متقدم عنه في المعنى والرتبة؛ لأن الذُّعر سابق على الاستغاثة، وهذه قاعدة كلما تعددت الشروط فإن الشرط الثاني سابق على الشرط الأول، هو على الشرط الذي قبله لو تعددت، لو كانت ثلاثة شروط، أربعة شروط، فالثاني سابق على اللي قبله، إذا قدَّرْنا أنها ثلاثة شروط فالثالث سابق على الثاني، والثاني سابق على الأول؛ يعني بالعكس.
هنا وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَالإرادة تَسْبِق الحِلَّ والقَبول؛ ولهذا قال: إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَاوفائدة هذا الشرط أنه لما كان رد النبي للمرأة إذا وهبت نفسها للنبي لما كان أمرًا شديدًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياءً، كان عَرْض المرأة نفسها على الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون شبه ملزم له بمقتضي خلقه، فلما كان كذلك فتح الله لرسوله الباب على مِصْراعيه حيث أثبت له التخيير والإرادة في هذا الحال فقال: إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا.
إذن ما فائدة ذكر الإرادة مع أن الموهوب له إن شاء قبل الهبة وإن شاء لم يقبل، يعني: هذا أمر معلوم، فما الفائدة من قوله: إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا؟ الفائدة لئلا يُلْزِم النبي صلى الله عليه وسلم نفسَه قَبول هذه الهبة لما عُلِم من خلقه صلى الله عليه وسلم بأنه أشدُّ الناس حياءً، ومعلوم أن رَدَّ الإنسان هبة المرأة نفسها له أمر صعب، كيف امرأة تهب نفسها لك وتأتي راغبة فيك أشد الرغبة بحيث أنها فدتك بنفسها فكيف تردها؟! هذا أمر فيه صعوبة في الواقع، وقد يكون رَدُّها منافيًا للمروءة والنبي عليه الصلاة والسلام أشد الناس حرصًا على المروءة وأشد الناس حياءً في مثل هذه الأمور، لكن الله أراد أن يفتح له الباب حتى لا يعترض أحد أو يقول قائل: كيف ردها؟ ويكون الرسول أعطاه الحرية الكاملة في ذلك؛ في قبولها أو ردها.
قال: إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَاقال المؤلف: (يطلب نكاحها). والصواب: يوافق على نكاحها؛ لأنه طالب ولَّا مطلوب؟ مطلوب، فالصواب أن المراد أَنْ يَسْتَنْكِحَهَاأي: أن يَقْبَل نكاحها.
هَاجَرْنَاللاتي أسلمن معك.
قال: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَقوله: خَالِصَةً لَكَيحتمل أن تكون صفةً لقوله: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةًويحتمل أن تكون مفعولًا لفعل محذوف، والتقدير: جعلناها خالصة لك؛ أي: هذه الشرعة جعلناها خالصة لك، والخالص من الشيء هو الذي لا يخالطه غيره؛ فمعنى خَالِصَةً لَكَيعني: لا يشاركك أحد فيها فيما إذا وهبت امرأة نفسها لأحد فإنها لا تحل له، وهل المراد بـ(الخالص) هنا أن يتزوج بلا مهر ولا ولي أو أن يقع ذلك بلفظ الهبة؟
الصحيح الأول؛ أن الخالص هو أن يكون ذلك بدون مهر ولا ولي ولا شهود على القول باشتراط الشهود؛ لأن الهبة ما هي؟ هي التبرع بلا عوض؛ فالمقصود المعنى لا اللفظ؛ يعني: أن الذي اختصَّ به الرسول عليه الصلاة والسلام هو أن المرأة تأتي إليه وتقول: وهبت نفسي لك ويأخذها، وهذا قد وقع فعلًا أكثر من مرة؛ تأتي النساء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ويَهَبْن أنفسهن له، فالخالص للرسول والخاص به هو أن يكون النكاح مجانًا بلا وَلِيٍّ ولا شهود.
وأما الهبة فإن العلماء اختلفوا هل يصح النكاح بلفظ الهبة مثل أن يقول: وهبتك بنتي على صداق قدره كذا وكذا، أو ملكتك بنتي على صداق قدره كذا وكذا؟
اختلف في هذا العلماء على قولين؛ منهم مَنْ يرى أنه لا يصح، وأنه لا بد أن يكون عقد النكاح بلفظ التزويج أو بلفظ الإنكاح، ومنهم من يرى أنه يصح، وهذا له محل آخر بحثه.
خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَدُونِبمعنى سوى؛ يعني: من سواهم المعنى أن المؤمنين لا يَحِلُّ لهم ذلك، والكافرون؟ من باب أولى؛ فإن الكافر لا يَحِلُّ له أن يتزوج بالهبة وكذلك المؤمن.
قال المؤلف: إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَاقال: (يطلب نكاحها)، وصوبنا أمس أن المراد يَسْتَنْكِحَهَا: يوافق.
قال: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَالنكاح بلفظ الهبة من غير صداق هذا خاص للرسول صلى الله عليه وسلم من دون المؤمنين.
({قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} أي: المؤمنين {فِي أَزْوَاجِهِمْ} من الأحكام) قَدْ عَلِمْنَاقَدْهذه للتحقيق، وقد قيل: إن (قد) إذا دخلت على الماضي فهي للتحقيق، وإن دخلت على المضارع فهي للتقليل وقد يُراد بها التحقيق؛ فإذا قلت: قد قمت فهذا للتحقيق، وإذا قلت: قد يجود البخيل وقد يصدق الكذاب، فهذا للتقليل، لكن تأتي للتحقيق في مثل قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور: ٦٤]، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ [الأحزاب: ١٨] هذه لا شك أنها للتحقيق.
وقوله: قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْيعني أننا قد فرضنا عليهم أشياء، وعلمنا أن المصلحة تقتضي ما فرضنا دون سواه فليس المراد بالآية مجرد العلم أو مجرد الإخبار بأن الله قد عَلِمَ ما فرض؛ لأن كون الله قد عَلِمَ ما فرض أمر معلوم.
قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْأقول: ليس المراد مجرد الإخبار بأن الله عَلِمَ؛ لأن كون الله فرضه معلوم أنه صادر عن علم، لكن المراد أن ما فرضناه قد صدر عن علم مِنَّا بما يناسبهم في أزواجهم وليس عن جهل؛ ولهذا قال: قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْفَرَضْنَاهنا بمعنى أوجبنا، ({عَلَيْهِمْ} أي: على المؤمنين {فِي أَزْوَاجِهِمْ} من الأحكام) أَزْوَاجِهِمْجمع زوجة أو جمع زوج، (من الأحكام بألَّا يزيدوا على أربع نسوة ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر) وغير ذلك من الأشياء التي تخالف الأحكام الثابتة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم خُصَّ في النكاح بأحكام، وخُصَّ المؤمنون بأحكام، وكل ذلك صادر عن عِلْمٍ من الله سبحانه وتعالى وعن حكمة.
وقوله -أي المؤلف-: (بألا يزيدوا على أربع) فلا يحل لمؤمن أن يزيد على أربع زوجات؛ لقول الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [النساء: ٣] فجعل آخر شيء الرُّباع أي: الأربع، مع العلم بأن المقام يقتضي الزيادة لو كان هناك زيادة بدليل أن الآية إنما ذَكَر الله فيها العدد الممكن؛ لأنها رُتِّبَت على شرط وهو وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىيعني: إن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى في النساء التي بين أيديكم كبنت العم وشبهها، إن خفتم ألا تعدلوا فيها فلديكم النساء كثير، فلو كان هناك زيادة عن الأربع لكان الله تعالى يذكرها حتى يكون المجال أوسع أنتم فاهمين هذا ولَّا لا؟
الآية نزلت مقيدةً بشرط وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىيعني: ألا تعدلوا في نكاحهن، وكانوا في الجاهلية إذا كان الإنسان عنده ابنة عم يتيمة كان يظلمها في النكاح؛ إما بمنعها أو يُعَلِّقها على أنها تكون له، فأنزل الله هذه الآية.
فَانْكِحُوايعني: فالنساء سواهن كثير، انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع؛ فلو كان عدد زائد على الأربع جائزًا لذُكِر هنا، ولقيل مثلًا: فانكحوا ما شئتم من النساء أو لقال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء ولم يُقَيَّد، فلما قَيَّد عُلِم أنه لا يجوز أكثر من الأربع.
ولم يخالف في ذلك إلا شُذَّاذٌ من أهل العلم أو الرافضة، والرافضة عندهم تَوَسُّعٌ في مسائل النكاح منها هذه المسألة؛ يجوزون أن يتزوج الإنسان إلى تسع، ومنها مسألة المتعة، وهذا مما يوجب لضعفاء الإيمان أن يعتنقوا مذهبهم؛ لأنهم يجدون فيهم إشباعًا لرغباتهم، فإذا كانوا يجيزون المتعة أن الإنسان إذا نزل ببلد له أن يذهب إلى امرأة ويقول: زوجيني نَفْسَكِ لمدة سبعة أيام أو لمدة عشرة أيام أو لمدة شهر، هم يُجَوِّزُون ذلك، ويُجَوِّزُون أيضًا أن يتزوج الإنسان إلى تسع.
كذلك يقول المؤلف: (ولا يتزوجوا إلا بولي) نعم لا يجوز النكاح إلا بولي؛ والدليل على ذلك من القرآن وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ [النور: ٣٢]: زوجوا، وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ: لا تزوجوا، فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ [البقرة: ٢٣٢] ولولا أن الولي شرط لم يكن لِعَضْلِه حكم.
ثانيًا: (ولا شهود)، الشهود مختلف في اشتراطه في النكاح؛ فالمشهور أنه لا بد من الشهود؛ لأن عقد النكاح خطير ويترتب عليه مسائل وحقوق؛ نَسَب ومال وحقوق؛ يعني: اللي غيره من الأمور العقود الأخرى تجدها إما مالية، وإما حقوقية أخرى غير المال، لكن هو جامع بين المال والنسب والحقوق، أو لا؟
المال كالمهر والنفقة والإرث، والنسب كإلحاق الولد بأبيه في الزواج، والحقوق ما يجب على الزوج وزوجته من المعاشرة بالمعروف؛ فلا بد من شهود.
ابن تيمية رحمه الله لا يشترط الشهود، بل المشترط إعلان النكاح أو الشهود؛ فإذا وُجِد الإعلان، ولو بلا شهود كفى.
الأقسام إما أن يجتمع الإشهاد والإعلان وهذا أعلى الأقسام، وإما أن يُفْقَد الإشهاد والإعلان وهذا لا يصح، وإما أن يوجد الإشهاد بلا إعلان قال: وفي صحة النكاح هنا تردد ونظر، وإما أن يوجد الإعلان بلا إشهاد وهذا عنده صحيح، فالأقسام إذن كم؟ أربعة: أن يوجد الإعلان والإشهاد، أن يعدم الإعلان والإشهاد، أن يوجد الإشهاد دون الإعلان، أن يوجد الإعلان دون الإشهاد.
طالب: الشهود يشهدون على الرضا ولَّا على العقد؟
الشيخ: يشهدون على العقد.
الطالب: على الرضا ولَّا على العقد؟
الشيخ: لا، على العقد. أما الإشهاد على الرضا فهو سُنَّة وليس بواجب.
الطالب: (...) الزواجات (...) ببساطة (...) أهل الزوجة (...)؟
الشيخ: إي، هو الإعلان ما هو لازم بالوليمة، قد يكون الإعلان مثلًا بالمشي ليلة الزفاف في الأسواق كما يُصْنَع فيما سبق، وكذلك الآن في السيارات، الآن بَيِّنٌ، وكذلك في وضع الأنوار على بيت الزوج وعلى بيت الزوجة، هذا أيضًا من الإعلان.
الطالب: إذا ما حصل؟
الشيخ: إذا ما حصل ما يكون إعلانًا.
الطالب: (...) مع وجود بعض الأقارب؟
الشيخ: إذا كان ما يظهر أنه عرس ما يكون إعلانًا، أما إن ظهر بأن كان المجتمع أكبر يعني من العادة هذا إعلان.
وقوله: (إلا بوليٍّ وشهود ومهر) ما هو المهر؟ المهر الصداق، وظاهر كلام المؤلف أن المهر شَرْطٌ في النكاح، واعلم أن للمهر ثلاث حالات؛ تارة يذكر معينًا، وتارة يُنفى، وتارة يُسكت عنه، ثلاث حالات؛ تارة ينفى، وتارة يثبت معينًا، وتارة يسكت عنه فلا يذكر معينًا ولا ينفى.
مثال الذي يُذْكَر معينًا أن يقول: زوجتك ابنتي بعشرة ريالات يَصِحُّ ولَّا لا؟ يصح، زوجتك ابنتي بريال واحد، يصح؟ لا تضحكوا، زَوَّجُوا بأقل من الريال. وتزوج رجل امرأة بريال فلما صار في الضحى وهو عندها قرع الباب رجل فذهب يفتح له فتنازعوا هو وإياه وعلت أصواتهما، فلما رجع إليها قالت: ما هذا الرجل الذي يأتي يخاصمك في أول يوم من زواجك؟ قال هذا رجل يطلبني بريال. قالت له: خذ هذا الريال أعطه إياه، مهرها. لكن الآن ما يوجد الظاهر أحد يُزَوِّج بريال. هذا إثباته معينًا بأن يقول: زوجتك بنتي بريال أو بعشرة ريالات أو بمئة ريال أو بأكثر أو بأقل.
الحال الثانية: أن يُنْفَى فيقول: زوجتك ابنتي، ويقول: قَبِلْتُ بلا مهر؛ فاختلف العلماء رحمهم الله في هذا العقد هل يصح أو لا يصح؟ والمشهور من المذهب أن العقد صحيح، ولها مهر المثل. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن العقد لا يصح؛ لأنه تزوَّج على غير الشرط الذي ذَكَر الله فإن الله تعالى يقول: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْويش بعدها؟ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء: ٢٤].
الحال الثالثة: أن يُسْكت عنه فلا يُذْكَر معينًا ولا يُنْفى بأن يقول: زوجتك ابنتي. فيقول: قبلت. فالعقد هنا صحيح ولها مهر المثل، وقد نَصَّ على ذلك قوله تعالى: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ [البقرة: ٢٣٦] فهنا يجب مهر المثل إذا دخل بها، فإن لم يدخل بها وطلَّقها قبل الدخول وجبت المتعة، عرفتم الأقسام الآن؟
وظاهر كلام المؤلف قوله: (وشهود ومهر) أن المهر شرط في صحة العقد فيكون ذلك موافقًا لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
(...) قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ(فَرَض) إذا تعدت باللام فهي بمعنى: أحل؛ كما في قوله فيما سبق: مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ [الأحزاب: ٣٨] أي: فيما أحل، وكقوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم: ٢] أي: أحلَّها وشرعها، أما إذا تعدت بـ(على) فهي بمعنى الإيجاب كما في هنا قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ.
وذكر المؤلف أن ما فرض الله علينا في الأزواج ألا نزيد على أربع، وألا نتزوج إلا بولي وشهود ومهر، وسبق لنا الكلام فيما يتعلق بالمهر وأنه لا يخلو من ثلاث حالات..
طالب: (...) ينفى (...) أن يسكت عنه؟
الشيخ: يسكت عنه، مثاله مذكورًا معينًا؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: إذا ذُكِرَ معينًا جائز ولَّا غير جائز؟
طالب: إذا ذُكِرَ معيَّنًا جائز.
الشيخ: جائز، وهو أفضل أيضًا، تسميته بالعقد أفضل، وإذا نُفِيَ؟
طالب: غير جائز.
الشيخ: يعني: ويش معنى غير جائز؟
الطالب: حرام، لايجوز.
الشيخ: العقد حرام ولا يصح؟ ولَّا يصح العقد ويجب لها مهر المثل؟
الطالب: فيه خلاف (...) العقد يصح ولها مهر المثل.
الشيخ: وشيخ الإسلام يقول: إن العقد لا يصح.
أيهما أصح فيما إذا نُفِيَ المهر أن يصح العقد ولها مهر المثل أو أن يبطل العقد؟
طالب: يصح ولها مهر المثل.
الشيخ: نعم، كأن عيسى يريد أن يخالف.
طالب: الصحيح كلام شيخ الاسلام.
الشيخ: أن العقد لا يصح؟ ما هو الدليل؟
الطالب: (...) أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ.
الشيخ: قال الله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ [النساء: ٢٤] فدلَّ هذا على أنه لا بد من أن يكون هناك مال.
طيب الولي هل هو شرط في النكاح؟
طالب: (...) الولي ركن لا بد في النكاح أن يكون فيه ولي؛ «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» .
الشيخ: طيب، ما هو الدليل من القرآن ومن السنة؟
الطالب: أما من القرآن فقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة..
الشيخ: (...) النفي فيُحْمَل أولًا على نفي الوجود، فإن لم يمكن فعلى نفي الصحة، فإن لم يمكن فعلى نفي الكمال، واضح؟ مثاله في نفي الوجود؟
طالب: من السنة؟
الشيخ: من اللي تبغي من السنة أو من القرآن أو منك أنت.
الطالب: لا إله إلا الله.
الشيخ: فيه إله غير الله؟
الطالب: لا إله إلا الله بحق.
الشيخ: أي لا إله حقٌّ إلا الله.
مثاله لنفي الصحة؟
الطالب: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِوُضُوءٍ» .
الشيخ: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِوُضُوءٍ» هذا لنفي الصحة؛ لأنه يمكن أن يصلي الإنسان بدون وضوء.
مثاله في نفي الكمال؟
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» .
الشيخ: «لَا صَلَاة بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» يعني: لا صلاة كاملة، وإلا لو صلى لصحت.
الطالب: (...)؟
الشيخ: ما يمكن نحمله على الكمال، وهو يمكن نفيه على الصحة؛ لا نكاح صحيح إلا بولي، فما دام يمكن حمله على نفي الصحة يجب، أول ما نسلط النفي على أيش؟ على نفي الوجود؛ لأن هذا هو ظاهر اللفظ فإن لم يمكن بأن كان موجودًا حملناه على نفي الصحة؛ لأن نفي الصحة نفي للوجود شرعًا فإن لم يمكن بأن دلت النصوص على الصحة يُحْمَل على نفي الكمال.
طيب نقرأ التفسير ابتداءً من الآن سنناقش إن شاء تعالى فيما سبق.
قال: ({فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من الإماء) يعني: وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم.
(من الإماء) خصَّ المؤلف مَاالعامة بالإماء؛ لأن مَا مَلَكَتْمَااسم موصول ولَّا لا؟ مَااسم موصول تفيد العموم، والإنسان يملك الإماء ويملك المواشي ويملك الدراهم ويملك البناء ويملك الأراضي أليس كذلك؟ فهل مَاهنا للعموم؛ يعني: وفي ملكت أيمانهم من كل شيء أو من الإماء كما قال المؤلف؟
نقول: إن اللفظ العام لا يمكن أن نخصصه نحن إلا بدليل، وإلَّا فالواجب إبقاء العام على عمومه، هنا خصصناه بالإماء بدليل، ما هو الدليل؟ قَرْنُه بالأزواج، والكلام الآن فيما يتعلق بالحقوق الزوجية؛ فقال: ({قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من الإماء) فتكون الدلالة على التخصيص من قوله: أَزْوَاجِهِمْ؛ وعلى هذا فنقول: كل موضع ذُكِرَ فيه الأزواج وما ملكت اليمين فالمراد بما ملكت اليمين الإماء.
يقول (بشراء وغيره) يعني: عَلِمْنا ما فرضنا عليهم من الإماء بالشراء وبغير الشراء، هل يُمْكِن أن يملك الإنسان الأمة بغير الشراء؟ يمكن بماذا؟ بالسَّبْيِ، بالهبة، بالإرث، وأسباب التملك كثيرة.
المهم أن ملك اليمين أسبابه متعددة.
(بأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنية) أفادنا المؤلف رحمه الله بأنه لا يحل للإنسان الأمة غير الكتابية، لا يحلُّ من الإماء إلا الأمة الكتابية وهي اليهودية والنصرانية، فأما الأمة المجوسية فلا تحل؛ يعني: لو سبينا إماءً من المجوس فإنه لا يحل لنا وطئهن، وكذلك الوثنية ويش هي الوثنية؟ التي تعبد الأوثان؛ فإنها لا تَحِلُّ لنا بملك اليمين.
ما الفرق بين المجوسية والوثنية؟ الفرق بينهما أن المجوسية تعبد النار، والوثنية تعبد الأصنام من الأشجار والأحجار وما أشبه ذلك، وكذلك من يعبد القبور، وكذلك مَنْ لا تصلي، لكن مَنْ لا تصلي مرتدة يجب أن تُقْتَل إذا لم تَتُبْ.
وقول المؤلف: (بخلاف المجوسية والوثنية) هذا أحد القولين في المسألة، والصحيح أن المجوسية والوثنية حلال بملك اليمين؛ لعموم قوله تعالى: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْإِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون: ٦] فكلمة مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْعام يشمل ما ملكته من الكتابيات وما ملكته من المجوسيات والوثنيات والشيوعيات وغير ذلك يشمل، ولا دليل على التقييد بالكتابية، نعم النكاح هو الذي لا يَحِلُّ إلا من الكتابية كما قال تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [المائدة: ٥] ما قال: إذا ملكتموهن، قال: إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّفدلَّ هذا على أن المراد بذلك أيش؟ النكاح؛ لأنها هي التي تُؤْتَى أجرها، أما المملوكة فتُشْتَرى فالصواب أنها تَحِلُّ لنا المملوكة إذا كانت مجوسية أو كتابية؛ لعموم الكتاب.
قال: (وأن تُسْتَبْرَأ قبل الوطء) هذا أيضًا مما فرض علينا أن نَسْتَبْرِأ الأمة التي ملكناها قبل أن نطأها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أوطاس نهى أن توطأ حامل حتى تضع، وألا توطأ ذات حيض حتى تحيض فلا بد من الاستبراء إن كانت حاملًا فبوضع الحمل، وإن كانت تحيض فبحيضة.
وهل الاستبراء واجب بكل حال أو لا تُسْتَبْرَأ البكر؟
ذهب بعض العلماء إلى أن الاستبراء واجب حتى في الأبكار، وقال بعض أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية: إن البكر لا تُسْتَبْرأ، لماذا؟
لأن الغرض من الاستبراء العلم بِبَراءة الرحم، والبكر براءة رحمها معلوم، واحتمال أن تَتَحَمَّل بعلاج غير الوطء وارد، لكنه بعيد؛ يعني: يحتمل أن تكون بكرًا، ولكنها تتحمل بمني رجل من الناس وتحمل، لكن هذا بعيد.
إذا ملكها من رجل أمين وأخبره أنه قد استبرأها (...) هل يجب الاستبراء؟
المذهب: يجب الاستبراء، والقول الثاني في المسألة أنه لا يجب الاستبراء لأنه ما دام البائع أمينًا.
الآن أسألكم عن إعراب (كي) من يعرفها؟ تعرفها؟
طالب: مصدرية.
الشيخ: مصدرية، ولا يصح أن تكون حرف جر للتعليل؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، كما لو قلت: جئت كي أقرأ. بأيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: وإذا سُبِقَت باللام.
الطالب: تكون مصدرية.
الشيخ: تتعين أن تكون مصدرية، صح، (كي) إذا اقترنت باللام يتعين أن تكون مصدرية؛ لئلا يُجْمَع بين حرفي تعليل، فإن لم تُسْبَق باللام صارت حرف تعليل والفعل بعدها منصوب بأن.
إذن لِكَيْاللام حرف جر، و(كي) مصدرية ولَانافية ويَكُونَفعل أمر مبني على الفتح في محل جر؟
طالب: لا، فعل مضارع.
الشيخ: كيف؟ فعل مضارع أيش منصوب بماذا؟
الطالب: (...).
الشيخ: بـ (كي) وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره.
لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًايعني: على النبي صلى الله عليه وسلم، الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، حَرَجٌأي: ضيق في النكاح.
قال المؤلف في لِكَيْلَا: (متعلق بما قبل ذلك) وأيش قبل ذلك؟
الطالب: (...).
الشيخ: المؤلف جيد، (قبل ذلك) يحتمل أن يريد أنه متعلق بـأَحْلَلْنَاإِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكإلى قوله: لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ، ويحتمل أن تكون متعلقة بـخَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ(خَالِصَةً لَكَ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ) وكلا المعنين صحيح؛ ولهذا قال بعضهم: إنها متعلقة بـأَحْلَلْنَا، وقال بعضهم: إنها متعلقة بـخَالِصَةً، وكلام المؤلف صالح للوجهين لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌيعني: أننا أحللنا لك هذا الحل حتى لا يكون عليك ضيق في النكاح، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم مطلوب فالنساء قد يأتين إليه يَعْرِضْن أنفسهن عليه فإذا لم تَحِل له الواهبة نفسها صار عليه في ذلك ضيق من وجهين؛ إن رغبها ففيه ضيق عليه ألا يتزوجها، وإن لم يرغبها ففيه ضيق عليه إن ردَّها، فالله عز وجل جعل الخيار له إن أراد النبي أن يستنكحها لئلا يكون أيش؟ عليه حرج، ضيق؛ حتى يتسع له المجال، والرسول عليه الصلاة والسلام خص بهذا أي بأن يتزوج ما شاء حتى في مَنْ وهبت نفسها له؛ لأن اتصاله بهن فيه مصلحة عظيمة لمن؟ لهن ولأهلن وللمسلمين؛ لهن ظاهر، ولأهلهن لأنه ليس من الشك في أن لمن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم منهم الشرف في مصاهرة النبي صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين لأن هذه المرأة سيكون عندها علم من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أليس كذلك؟ هذا العلم لولا اتصالها به ما حصلته؛ ولهذا كثير من السنن البيتية من أين تُلقيت؟ من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم.
لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًايجمع الله تعالى دائمًا بين هذين الاسمين الكريمين؛ لأن بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب، وإذا زال المكروه وحصل المطلوب فقد تمت الأمور.
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًاكَانَفيما مضى؟! لا، لأن (كان) هنا مسلوبة الدلالة على الزمن، والمراد بها تحقق الموصوف بالصفة، أن الصفة هذه في هذا الموصوف حقيقة.
غَفُورًاهل هو صيغة مبالغة ولَّا صفة مشبهة؟ يحتمل أن تكون صيغة مبالغة وأن تكون صفة مشبهة، وأيًّا كان فإنها مشتقة من المغفرة وهي ستر الذنب ويش بعد؟ والتجاوز عنه.
ورَحِيمًامشتقة من الرحمة، وهي صفة تتعلق بذات الله عز وجل من مقتضاها الإحسان والإنعام، والغفور والرحيم من أسماء الله سبحانه وتعالى، وكل اسم من أسماء الله فإنه دال على أمور ثلاثة إذا كان متعديًّا، وعلى أمرين إذا كان غير متعدٍّ.
ما هي الأمور الثلاثة التي يدل عليها الاسم إذا كان متعديًّا؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: وأن تعلموا أن العلم ليس بالأمر الهين، العلم يحتاج إلى تعب؛ ولهذا قال بعض السلف: العلم لا ينال براحة الجسم، اللي بده يستريح ما يكون طالب علم، اللي بده ينام ما يقول: إني طالب علم لا بد لطالب العلم أن يكون طالب علم على سبيل الحقيقة، وسيجد غِبَّ ذلك فيما بعد سيجد النتيجة والتحصيل، وهو قد يشق عليه في أول الأمر أن يحبس نفسه على العلم، لكن إذا اعتاد حبس نفسه على العلم صار ذلك سجية وطبيعة له، حتى إنه إذا فقد ذلك الحبس انحبس، وجرب تجد، أنا قد جربت وغيري قد جرب، إذا حبست نفسك عن العلم فإنك تفقد ذلك الحبس لو تأخرت عنه، أما إذا عودت نفسك الإهمال وعدم المبالاة فاعلم أنك ستبقى كالمريض بسلٍّ مؤنث، تعرفون المريض بالسل المؤنث؟ السل المذكر يمشي صاحبه ما يبقى إلا شهرين ثلاثة ويمشي إلى المقبرة، لكن البلاء السل المؤنث يبقي فيه السنوات العديدة لا حي ولا ميت، وهكذا طالب العلم إذا لم يجدَّ في طلب العلم يبقى لا حيًّا ولا ميتًا فاللهَ اللهَ يا إخواني في الحرص، اللهَ اللهَ على الحرص في طلب العلم إن كنتم تريدون العلم، أما إذا كنتم تريدون أن تُقَطِّعوا الوقت ويمشي الوقت فيما كان فهذا شيء آخر، لكن الذي يريد العلم لا بد أن يكب عليه وأن يجتهد، وهو إن أتعب جسمه الآن سيجد الراحة فيما بعد ولا سيما الشباب منكم، الشباب هو الذي إذا حفظ العلم إن شاء الله ما ينساه، لكن ثقوا أنه إذا تقادمت بكم السن فإنكم تدرسون اليوم وتنسون غدًا، صحيح أن الإنسان إذا تقدَّم في العلم يكون فهمه أكثر وأوسع وأدق، لكن في الحفظ، ما فيه حفظ إلا في الصغر، أبدًا فأنتم إن شاء الله تحرصون على طلب العلم، لا تظنوا أنكم في نزهة إلا في نزهة واحدة وهي نزهة العلوم؛ لأن العلوم فيها من كل فاكهة زوجان؛ هذا فقه، وهذا حديث، وهذا تفسير، وهذا توحيد، وهذا نحو، ما شاء الله، ثمرات متنوعة، فليكن نزهتكم هذا العلم، وأسأل الله لي ولكم التوفيق، أما أنا نبحث في المسألة أمس ونيجي نسأل عليها اليوم ما أحد يجاوب، أو ما يستطيع الواحد يجاوب، ما هو كلكم، كلكم ممكن تجاوبون، لكن فيكم من لا يجاوب مع إن المسألة ليست ببعيدة.
ذكرنا أن اسم الله عز وجل يُستفاد منه ثلاثة أمور إذا كان متعديًّا، وأمران إذا كان لازمًا، الثلاثة إذا كان متعديًّا؟
الطالب: الاسم والصفة والأثر؟
الشيخ: نعم، الاسم والصفة والأثر؛ مثال ذلك في الغفور: أن الغفور من أسماء الله، والصفة في الغفور المغفرة، والأثر أنه يغفر الذنوب جميعًا سبحانه وتعالى.
الرحيم مثلها؛ الاسم الرحيم، والصفة الرحمة، والأثر يرحم، عرفتم يا جماعة؟ أما إذا كان لازمًا لا يتعدي فهو يستفاد منه فائدتان: الاسم، والصفة؛ الاسم مثل العليِّ العظيم، يستفاد من العليِّ الاسم، والصفة وهي العلو ولا تتعدي إلى أحد حتى نقول: يستفاد من الأثر والعظيم كذلك.
({وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا} بما يعسر التحرز منه {رَحِيمًا} بالتوسعة في ذلك) هذا من بعض المغفرة والرحمة، وليس هو المغفرة والرحمة، بل المغفرة فيما يقابل الذنوب، والرحمة فيما يحصل به المطلوب، ثم نرجع الآن إلى الفوائد.
الطالب: قوله: لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌالعلة في هذه؟ مناسبتها مع المعلول قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ؟
الشيخ: هذه العلة علة لما سبق، ما هي لقوله: قَدْ عَلِمْنَا.
الطالب: وجه الفصل في ذلك؟
الشيخ: علة لقوله: أَحْلَلْنَا لَكَأو خَالِصَةً.
الطالب: ويش الفاصل بين العلة والمعلول؟
الشيخ: الفاصل لأنه لما قال: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَلما ذكر أن هذا من خصوصياته بَيَّن ما فرض عليه؛ يعني فأنت لك هذا خاصة، وهم لهم أحكام أخرى مختصة بهم.
قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: علو شأن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّفإنها -كما سبق- تصديرها بالنداء مع وصف النبوة يدل على رفعة شأنه صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائدها: أن الإحلال والتحريم إلى الله عز وجل؛ لقوله: إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ، وهذا لا ينافي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد أحيانًا ويحكم فإن القول الراجح أن الرسول صلى الله عليه وسلم له أن يُشَرِّع ثم إن أقرَّه الله على ذلك كان شريعة، وإن لم يقره كان على حسب ما أراد الله عز وجل؛ والدليل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام يستقل بالتشريع عدة أحاديث، بل من القرآن؛ لقوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]، وهذا يدل على أن للنبي صلى الله عليه وسلم أمرًا مستقلًا، ومن السنة مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» فإن هذا يدل على أنه يأمر وينهى، وإلا لقال: لولا أن الله لم يأمرني لأمرتهم؛ يعني: ما يعلقها بإرادته هو، بل بإرادة الله، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا الرُّومُ يَغِيلُونَ فَلَا يَضُرُّهُمْ شَيْئًا» ، وغير ذلك من الأمثلة مثل قوله في صلاة العشاء: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» ، والحاصل أن النبي عليه الصلاة والسلام له أن يأمر وينهى ويحلل ويحرم، ولكن إن أقره الله على ذلك كان ذلك من شريعة الله، وإلا فالأمر إلى الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد في النكاح من المهر؛ لقوله: اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ.
ومن فوائدها: أن النكاح عقد على المنفعة وليس على العين؛ لقوله: أُجُورَهُنَّ، والإجارة عقد على منافع لا على أعيان؛ ولهذا تملك المرأة نفسها بالبيع والشراء والهبة وغير ذلك، وليس لزوجها أن يعترض عليها في هذه الأمور؛ لأنه إنما يملك منفعة الاستمتاع فقط.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الوطء بملك اليمين، من أين تؤخذ؟ من قوله: وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ.
ومن فوائدها: صحة إضافة الشيء إلى البعض؛ لقوله: مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَوهذا كثير في القرآن؛ ومنه قوله: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠]، وقوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء: ٩٢] فإن الإنسان لا يحرر الرقبة وحدها بل يحرر كل العبد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن سبب ملك اليمين سببه الفيء؛ لقوله: مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ.
ومن فوائدها: أن أموال الكفار إذا عادت إلى المسلمين فقد عادت إلى أهلها تُؤْخذ من قوله: أَفَاءَ؛ لأن الفيء بمعنى الرجوع؛ فالكفار يتمتعون بأموالهم لكنهم بغير حق؛ ولهذا يحاسبون عليها يوم القيامة، أما الأموال فهي حقيقة للمسلمين.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز هؤلاء الأربع من الأقارب وهم بنات العم وبنات العمات وبنات الخال وبنات الخالات؛ وأما غيرهن من الأقارب فحرام كما في آية النساء.
ومن فوائدها: أنه يُشترط لحِلِّ هؤلاء الأقارب في حق النبي صلى الله عليه وسلم أن يكُنَّ قد هاجرن معه؛ لقوله: اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ، ويتفرع على هذه الفائدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يخص بأشياء في النكاح تضييقًا وتوسيعًا، من أين تؤخذ؟ من قوله: اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَفإن في هذا تضييقًا لأن غيره يحل له بنات العم والخال والخالات مطلقًا بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بالهبة، منين تؤخذ؟
الطالب: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا.
الشيخ: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَالمن؟
الطالب: لِلنَّبِيِّصلى الله عليه وسلم.
الشيخ: طيب للنبي.
ومن فوائدها: جواز نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بالهبة؛ لقوله: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا، ويشترط في هذه الواهبة أن تكون أيش؟ مؤمنة؛ لقوله: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةًفلو وهبت كتابية نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم لم تحلَّ له.
ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا.
ومن فوائدها أيضًا: بيان علو شأن النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّولم يقل: إن أردتَ مع أن المقام يقتضي أن يقول: إن أردت أن تستنكحها؛ لأن الخطاب له إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَاكان مقتضى السياق أن يقول: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها لك إن أردت أن تستنكحها، ولكنه أتى بالنبي لبيان علو شأنه ومرتبته.
ومنها، ومن الفوائد: أن الإظهار هنا لبيان علة الحكم، الإظهار هنا في مقام الإضمار من فوائده بيان علة الحكم، كيف؟ لو قال: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها لك إن أردت أن تستنكحها ما تبين لنا وجه الخصوصية، لكن لما قال: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَاتبين الآن وجه الخصوصية؛ لأنه كان نبيًّا، فالعلة أنه نبي فأُحِلَّت له هذه الواهبة نفسها.
ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على الجبرية؛ إِنْ أَرَادَحيث أثبت للنبي صلى الله عليه وسلم إرادة، والجبرية لا يثبتون إرادة للإنسان، يقولون: إنه مجبر على عمله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن جواز النكاح بالهبة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم الثابت للرسول صلى الله عليه وسلم ثابت لأمته إلا بدليل، من أين يؤخذ أن الحكم الثابت للرسول ثابت للأمة إلا بالدليل؟ لقوله: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَفلولا أن الحكم الثابت له ثابت لأمته لكان قوله: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَلغوًا لا فائدة منه، فلما أخرج المؤمنين من ذلك الحكم عُلِمَ أن الأصل مشاركة أمته له في الأحكام، خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن لله تعالى أن يَخْتَصَّ بأحكامه مَنْ شاء؛ من تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحكم، فالله تعالى له أن يختص بأحكامه ما يشاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التخصيص للحكم لا بد أن يكون له علة تقتضي تخصيص ذلك المحكوم له، من أين يؤخذ؟
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، انتبهوا، أن التخصيص لا بد له من علة تقتضي ذلك التخصيص..
طالب: قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا.
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّفإن العلة في ذلك أنه نبي، وهذه العلة لا تكون للمؤمنين.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله عز وجل؛ لقوله: قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ.
ومن فوائدها: أن الله تعالى فرض علينا فرائض في أزواجنا علينا مراعاتها؛ لقوله: قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ، وكذلك نقول في ملك اليمين وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ.
ومنها: جواز وطء ملك اليمين، وقد سبق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأحكام، أحكام الله عز وجل مُعَلَّلة بالحِكَم أو مقرونة بحِكَمِها؛ لقوله تعالى: لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ.
ومن فوائدها: عناية الله تعالى برسوله ولطفه به؛ حيث أحلَّ له ما يزول به عنه الحرج؛ لقوله: لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ.
ومن الفوائد أيضًا: إثبات اسمين من أسماء الله وهما الغفور الرحيم، وإثبات ما تضمنها من الوصف أو من الصفة ومن الأثر وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.
هل نأخذ منها فائدة: أن النكاح بلفظ الهبة لا يصح أو لا؟ أن النكاح بلفظ الهبة لو قال: وهبتك بنتي فقال: قبلت. لا يصح، الظاهر أنه يصح؛ لأن العلة إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّأنه يتزوج بدون مهر ما هو العلة اللفظ، العلة أن يكون الزواج بدون مهر؛ فهذا هو الذي يكون خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم، أما لفظ الهبة فإنه قد جاء في أحد ألفاظ حديث سهل بن سعد في الواهبة نفسها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» وهذا أحد ألفاظ البخاري، وهذا يدل على جواز عقد النكاح بمثل هذا اللفظ.
طالب: هل هناك (...)؟
الشيخ: أبدًا هذا ما فيه شيء، أبدا.
الطالب: يعني: ما يحصل بسرقة أبناء الكفار ثم بيعهم؟
الشيخ: ما يجوز (...).
الطالب: ما يحصل من سرقة أبناء الكفار ثم بيعهم للمسلمين؟
الشيخ: إي، هذا ما يجوز ولا يكونون أرقاء بهذا.
طالب: الهبة على مقابل (...) وهبتك في النكاح؟
الشيخ: الهبة على عوض حكمها حكم البيع في كل شيء.
الطالب: زواج (...) على عوض (...)؟
الشيخ: فهذا زواج بمهر؛ يعني: اللفظ لا يضر، الصحيح أن جميع العقود تنعقد بما دلَّ عليها.
الطالب: هل نقول بأن الهبة على عوض؟
الشيخ: هنا لا، لا، نقول: نكاح بمهر، وإن كان بلفظ الهبة، لكنه نكاح.
***
ثم قال: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ [الأحزاب: ٥١] تُرْجِييقول المؤلف: (بالهمزة والياء بدله تؤخر) {تُرْجِئُ} وتُرْجِيبمعنى تؤخر.
وقوله: مَنْ تَشَاءُهذه مفعول تُرْجِي.
({مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} أي: أزواجك عن نوبتها {وَتُؤْوِي} تضم {إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} منهن فتأتيها {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ} طلبت {مِمَّنْ عَزَلْتَ} من القسمة فلا جناح عليك في طلبها وضمها إليك، خُيِّر في ذلك بعد أن كان القَسْم واجبًا عليه).
كلام المؤلف الآن يدل على أن قوله: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّأن الضمير يعود على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي في حباله، وأن معنى تُرْجِيتؤخرها فلا تَقْسِم لها وَتُؤْوِيتضمها فتَقْسِم لها فتكون الآية نازلة في قَسْم النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته، وأن الله تعالى خَيَّره بين أن يُرْجِئ وبين أن يضم؛ يعني: خيره بين أن يقسم للزوجات وألا يقسم، فيكون في هذا توسعة للنبي صلى الله عليه وسلم في القَسْم إن شاء قَسَم وإن شاء لم يَقْسِم، وهذا هو أحد القولين في تفسير الآية الكريمة، وربما يدل عليه السياق يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّإلى أن قال: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّأي: من أزواجك وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ، فيكون الإرجاء بمعنى تَرْكِ القسم، والإيواء بمعنى القَسْم.
والقول الثاني في المسألة تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّأي: من الواهبات أنفسهَنَّ لك؛ يعني أنك إن شئت قَبِلْت وإن شئت رددت، وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَيعني: لو أنك رددتها أولًا ثم أردتها ثانيًا فلا جناح عليك، وقد سبق لنا قاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فإن الواجب حملها على المعنيين؛ ولهذا اختار ابن جرير رحمه الله أن الآية شاملة للمعنيين جميعًا، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام خُيِّرَ بين القَسْم وعدمه وخير بين قَبول الهبة وعدمه، وأنه أيضًا إذا لم يقسم ثم أراد أن يقسم فله ذلك، وإذا ردَّ الهبة ثم أراد أن يقبل فله ذلك، فليس للمرأة إذا لم يَقْسِم لها ثم أراد القسم ليس لها أن تمتنع؛ لأن الخيار بيد النبي صلى الله عليه وسلم.
طالب: شيخ، (...) يحمل على النسخ (...) الرسول كان (...)فدلَّ على أنه كان يقسم؟
الشيخ: إي، لكن يقسم من عنده، قَسْمٌ من عنده عليه الصلاة والسلام ما هو على سبيل الوجوب من الله؛ يعني هو من ذات نفسه يقسم مع أنه مُخَيَّر.
الطالب: ما الدليل على أنه مُخَيَّر؟
الشيخ: هذه الآية.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، لكن صالحة فسَّرها السلف بذلك فهي صالحة للوجهين.
طالب: (...) دليل على (...)؟
الشيخ: إي، فيه دليل خاص؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» ، هذا وعيد.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا تركه بالكلية وإن شاء رَدَّ.
({مِنْهُنَّ} أزواجك عن نوبتها {وَتُؤْوِي} تضم إليك {مَنْ تَشَاءُ} منهن فتأتيها).
({وَمَنِ ابْتَغَيْتَ}طلبت {مِمَّنْ عَزَلْتَ} من القسمة فلا جناح عليك في طلبها فتضمها إليك، خُيِّرَ في ذلك بعد أن كان القسم واجبًا عليه).
أفادنا المؤلف رحمه الله أن الآية في حُكْم القَسْم بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأن الله تعالى خيَّره بين أن يقسم بين زوجاته وألا يقسم، وأن من لم يَقْسِم لها إذا بدا له أن يقسم لها فلا حرج عليه، وهذا هو أحد القولين في الآية.
والقول الثاني أن المراد بقوله: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّيعني: من الواهبات أنفسهَن فلك الخيار في أن تقبل وألا تقبل، ومن رددت منهن فلا حرج عليك فيما بعد أن تطلبها، واختار ابن جرير رحمه الله أن الآية عامة للمعنيين جميعًا، وهذا هو الذي مشينا عليه فيما سبق من أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فإن الواجب حملها على الجميع.
قال الله تعالى: ({ذَلِكَ} التخيير) المشار إليه: التخيير، تُرْجِي مَنْ تَشَاءُوَتُؤْوِيأي: ذلك التخيير المستفاد من الجملتين.
({أَدْنَى} أقرب إلى {أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ} ما ذُكِرَ المُخَيَّر فيه {كُلُّهُنَّ}).
قوله: أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّكيف ذلك؟ يعني: ما وجه كون ذلك أقرب إلى أن تقرَّ أعينهن؟ لأنهن إذا عَلِمْنَ أن التخيير بين القسم وعدمه من الله عز وجل قَرَّت أعيُنهن؛ لأنهن يرضين بحكم الله عز وجل، لكن لو كان هذا من النبي صلى الله عليه وسلم إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم لكان في نفوسهن بعض الشيء؛ إذ تظن الواحدة منهنَّ أن ذلك من قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم وليس من شرع الله، فإذا علمت النساء بأن هذا من شرع الله فإن أعينهن تقر.
وقوله: تَقَرَّمأخوذة إما من القرار وإما من القَرِّ وهو البرد؛ وذلك أن العين إذا بَرَدَتْ فمعناها أنها غير حزينة، وإذا حَمِيَت فمعناها الحزن؛ ولهذا يقولون: دمع الحزن حار؛ لأنه يَخْرج من العين إذا حَمِيت من الحزن، أما إذا لم يكن هناك حزن فإنها تَبْرُد وتستقر.
وقوله: أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّمعطوفة على قوله: تَقَرَّ، وهل هو منصوب وَلَا يَحْزَنَّ؟ لأن تَقَرَّمنصوب بـ(أن) ويَحْزَنَّمعطوف عليه، فهل هو منصوب؟ لا، مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة ونون الفعل مدغمة في نون النسوة؛ لأن (يحزن) هذا الفعل، والنون الثانية هي نون النسوة وهي فاعل.
طالب: واو العطف ماذا صنعت؟ ليس لهل وظيفة؟
الشيخ: لا، لها وظيفة، لكن الفعل هنا مبني على السكون في محل نصب وَلَا يَحْزَنَّ.
وقوله: وَيَرْضَيْنَالواو حرف عطف، وَيَرْضَيْنَمعطوفة على تَقَرَّ، وليس على يَحْزَنَّ؛ لأنه لو كان على يَحْزَنَّلفَسَد المعنى؛ إذ لو كان معطوفًا على يَحْزَنَّلكان المعنى ولا يحزن ولا يرضين، والمراد خلاف ذلك؛ فالمراد ذلك أدنى أن تقرَّ أعينهن ويرضين.
فإن قلت: ما الفائدة من اعتراض الجملة الثانية وَلَا يَحْزَنَّ؟
نقول: لأن صلتها بقوله: تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّأقوى، فإن قوله: وَلَا يَحْزَنَّيُراد به كمال قرار العين؛ يعني أنها تقر أعينهن حتى لا يبقى فيهن حزن إطلاقًا؛ فلهذا اعترضت هذه الجملة بين المعطوف والمعطوف عليه.
قوله: وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّآتَيْتَهُنَّبالمد بمعنى أعطيتهن؛ لأن (آتى) تنصب مفعولين؛ مفعولها الأول الهاء، ومفعولها الثاني محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (ما ذُكِرَ) وما الذي ذُكِر؟ قال: المُخَيَّر فيه يعني: أنهن يرضين بما أعطيتهن من التخيير من القَسْمِ وعدمه.
وسبق أن بيَّنَّا العلة في كونهن يرضين بذلك؛ وهو أنه إذا جاء الحكم من الله سبحانه وتعالى رضين به بخلاف ما لو كان من النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء فقد لا يرضين بذلك تظن الواحدة منهن أن هذا هوى من النبي صلى الله عليه وسلم.
طالب: وَلَا يَحْزَنَّ(...)؟
الشيخ: إي نعم، معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهي معطوفة، لكنها الآن معترضة بمعنى أنه لا يصح أن نعطف ما بعدها عليها، بل يُعْطَف على ما قبلها.
قال: كُلُّهُنَّتأكيد للفاعل في يرضين، وإنما قال ذلك لأنه لو كان تأكيدًا للهاء في قوله: بِمَا آتَيْتَهُنَّلكانت منصوبة بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ، ولكنها كما قال: تأكيد للفاعل في قوله: يَرْضَيْنَ.
ألا يصح أن تكون تأكيدًا للضمير في قوله: أَعْيُنُهُنَّ؟ لا يصح؛ لأنه لو كانت توكيدًا له لكان مجرورًا كلِّهِن؛ فإذن يَتَعَيَّن أن يكون تأكيدًا لقوله: وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ
({وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} من أَمْرِ النساء والميل إلى بعضهن) لمَّا بَيَّن الله عز وجل أن النبي صلى الله عليه وسلم مُخَيَّر بَيَّن أنه عز وجل يعلم ما في القلوب من ميل الإنسان إلى بعض النساء دون بعض، وقد بَيَّن الله تعالى هذا المعلوم بقوله: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء: ١٢٩]، وهذا أمر يؤيده الواقع ويشهد له؛ فإن الإنسان لا يمكن أن تكون مودة زوجتيه على حدٍّ سواء أبدًا، حتى لو فُرِضَ أن إحداهما كانت عنده أرجح من وجه والأخرى أرجح من وجه آخر فلا يمكن التساوي، وهذا هو ما يؤيده قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ.
وقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْهل يستفاد منها التهديد والوعيد أو يستفاد منها أن هذا أمر لا تملكونه؟ الظاهر الثاني وأن هذا أمر لا نملكه.





