تفسير سورة الأحزاب - 13
عدد الزيارات 3636

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (53-54)

عن عقابه، هذا كالتعليل لقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [الأحزاب: ٥١] فهو سبحانه وتعالى عليم بكل شيء، ومنه ما في قلوبنا من الميل إلى بعض النساء دون بعض، وقوله: حَلِيمًا [الأحزاب: ٥١] ما هو الحلم؟ الحلم هو عدم التعجل بالعقوبة، وليس هو ترك العقوبة، ولهذا قال ابن القيم:

وَهُوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ بِعُقُــــوبَةٍ لِيَتُوبَ مِــنْ عِــصْيَانِ

فالحلم إذن تأخير العقوبة وليس العفو عنه، يؤخر العقوبة لماذا؟ لعل هذا المذنب يتوب إلى الله عز وجل فترتفع العقوبة عنه.
ثم قال تعالى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب: ٥٢]، قال: لَا يَحِلُّبالتاء والياء: {لا تحل} ولَا يَحِلُّ، فأما على قراءة {لا تحل} فلا إشكال؛ لأن النساء جمع نسوة، والنسوة جمع امرأة؛ لأن امرأة ليس لها جمع من لفظها، وإنما لها جمع من معناها، كالإبل جمع بعير، ليس لها مُفْرد من لفظها، فقوله: {لا تحل لك النساء} لا إشكال فيه، لكن قوله: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُكيف ذَكَّر الفعل مع أن الفاعل مؤنث، أجب؟
طالب: شيخ، أعد السؤال.
الشيخ: ما نعيد السؤال.
طالب: (...).
الشيخ: فعل مضمر متصل، أو مكمل (لا تحل) لكن مع الاتصال، أما مع الفصل فيجوز لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ، قال المؤلف: (بعد التسع التي اخترنك) كذا عندكم التي ولّا اللاتي؟
طالب: التي.
الشيخ: التي اخترنك التسع كان مقتضى الكلام أن يقول: اللاتي اخترنك، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خير نسائه اخترن الله ورسوله، فلما اخترن الله ورسوله شكر الله لهن، فقال: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ [الأحزاب: ٥٢]، وعلى هذا فيكون هذا من باب الجزاء العاجل، ولهن الجزاء الآجل أيضًا؛ لأنهن لما اخترن الله ورسوله على الدنيا وزينتها شكر الله لهن، فمنع نبيه صلى الله عليه وسلم من أن يتزوج بسواهن، أو أن يطلق واحدة ويتزوج سواها فقال: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُوهذا أحد القولين في الآية.
والقول الثاني: أن معنى الآية لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُأي: من بعد ما ذكرن لك، وهو قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ [الأحزاب: ٥٠]، والمعنى على هذا: لا يحل لك النساء من بعد ما ذكرنا لك، وعليه فلا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج امرأة من العرب سوى بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، ولا يحل له أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب؛ لأنها ليست من هؤلاء.
واختار ابن جرير -رحمه الله- أن الآية شاملة للمعنيين جميعًا، فلا يحل له أن يتزوج على أمهات المؤمنين، ولا أن يتزوج سوى هؤلاء، فإن قلت: أفلا يمكن أن نقول: إن المعنى الأول الذي هو لا يحل لك النساء سوى هؤلاء النساء يدخل فيه المعنى الثاني فلا حاجة إلى القول الثاني، فاهمين هذا ولّا لا؟ إذا قلنا: لا يحل لك سوى هؤلاء اللاتي معك، فإن هذا يدخل فيه القول الثاني أنه لا يحل له سوى من ذكر إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَفما فائدة القول الثاني إذن؟
فالجواب على هذا أنه لو قدر أن هؤلاء النساء متْنَ في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام فهل يحل له أن يتزوج سوى هؤلاء اللاتي أحل الله له؟ فحينئذ يكون للقول الثاني فائدة، وهذه الفائدة تظهر فيما لو قدر أن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم اللاتي معه يتوفين قبله، فإنه لا يحل له من النساء إلا ما ذكر الله وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ [الأحزاب: ٥٠].
قال الله تعالى: ({وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ} [الأحزاب: ٥٢] بترك إحدى التاءين في الأصل) وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّيقول: (بترك إحدى التاءين في الأصل) وهي كلمة تَبَدَّلَأصلها تتبدل، والدليل على أنها أصلها تتبدل وأنها ليست فعلًا ماضيًا، أن أندخلت عليها ونصبتها، وأن لا تدخل وتنصب إلا المضارع، وإلا فإن كلمة تَبَدَّلَتصح أن تكون فعلًا ماضيًا، لكنه لما دخلت عليها أنوعملت فيها النصب عُلِم أنه فعل مضارع حُذفت منه إحدى التاءين، وهل لهذا نظير؟ نعم له نظير، مثل: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ [القدر: ٤] أي: تتنزل، فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل: ١٤] أي تتلظى، من اللي يسأل؟
طالب: (...) الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا يعارض القول الأول؟
الشيخ: اللي هو؟
طالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر أيامه أراد أن يطلِّق.
الشيخ: نعم، وطلَّق حفصة أيضًا، طلَّق حفصة ثم راجعها.
طالب: كيف يكون مع هذا المعنى؟ أنه لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ..
الشيخ: ما ينافي؛ يعني أنه ما يجوز يتزوج غيرهن لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ، ولا يجوز أن يطلق واحدة ليتزوج أخرى غيرها؛ لأنه قال: وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ، ما قال: ولا أن تطلق، قال: وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍبأن تطلق واحدة وتتزوج غيرها.
({وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} بأن تطلقهن أو بعضهن وتنكح بدل من طلقت) هذا أيضًا لا يحل له، ولم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت هذه الآية، فإنه ما طلق واحدة ليتزوج أخرى، ولا تزوج عليهن سواهن، بل بقين معه إلى أن توفي، لكنه توفي له من زوجاته في حياته زوجتان، من هما؟ خديجة، من بعد؟ زينب بنت خزيمة هذه تزوجها بعد أنه استشهد زوجها في أحد، وبقيت عنده أشهرًا ثم توفيت، والبقية من نسائه توفي عنهن.
وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [الأحزاب: ٥٢]، المراد الحُسن الظاهر أو الحُسن الباطن أو كلاهما، يشمل هذا وهذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام كغيره من البشر قد يتزوج المرأة لجمالها لكن مع الدين، وقد يتزوجها لدينها أو لمعرفتها وفهمها، فقوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّيشمل الحُسن الظاهر والحُسن الباطن، وقوله: أَعْجَبَكَأي: بلغ الإعجاب منك، وذلك لكمال حسنها الظاهر والباطن.
طالب: (...).
الشيخ: قال: إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَمن الإماء، فتحل لك.. إلى آخره؛ يعني استثنى الله عز وجل ما ملكت يمينه، وذلك لأن ما ملكت يمينه لا يحصل للزوجة غيرة منها، بخلاف الزوجة، وإنما لا يحصل للزوجة غيرة من ملك اليمين؛ لأنها لا تساميها ولا تساويها، ولأنها ليس لها قسم، فإن ملك اليمين لا يجب لهن القسم.
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًالما بَيَّن الله عز وجل ما أحل لرسوله وما حرم عليه ختم الآية بذكر رقابته تبارك وتعالى على كل شيء، بين الله تعالى رقابته على كل شيء لأجل الحذر من مخالفة أمره؛ لأنه إذا كان سبحانه وتعالى رقيبًا على كل شيء فإن الإنسان يحذر ويخاف من مخالفته.
وقوله: وَكَانَ اللَّهُسبق لنا نظيرها عدة مرات، وقلنا: إن الماضي هنا مسلوب الدلالة على الزمن، إذ ليس المعنى أن الله كان في زمنٍ مَضَى وتخلف الحكم عنه في هذا الزمن، وإنما هو لتحقيق اتصاف الله سبحانه وتعالى بالرقابة، وقوله: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًاعلى كل شيء يشمل ما كان خفيًّا، وما كان ظاهرًا، وما كان خاصًّا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان عامًّا فيه وفي الأمة، ويشمل ما كان من أعمال الجوارح، وما كان من أعمال القلوب، كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦] نرجع الآن إلى استنباط الفوائد من الآية الكريمة.
قال الله تبارك وتعالى: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ [الأحزاب: ٥١] إلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن لله سبحانه وتعالى أن يختص بأحكامه من يشاء لقوله: تُرْجِيوَتُؤْوِيعلى القول بأن المراد بذلك القسم، فإن الله خيره بين التزام القسم وعدمه، وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، أما الأمة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» وهذا يدل على وجوب العدل بين الزوجات في الأمة.
وعلى القول الثاني في قوله: تُرْجِيوَتُؤْوِيأن المراد به قبول من وهبت نفسها وردها، فيكون فيه أيضًا دليل على توسيع الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالنكاح أن له أن يقبل وله ألا يقبل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز للإنسان أن يرجع في حقه بعد إسقاطه؛ لقوله: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ [الأحزاب: ٥١]، هذا إذا كان الحق متجددًا أما إذا كان الحق غير متجدد فإن الإنسان إذا أسقطه لا يملك الرجوع فيه، مثال ذلك: أسقطت المرأة نصيبها أو حقها من نفقة ماضية بأن يكون الزوج قد ترك الإنفاق عليها لمدة سنة فأسقطت الحق، فهل لها الرجوع؟
ليس لها الرجوع؛ لأن الحق هنا غير متجدد بل هو في شيء مضى، أسقطت المرأة حقها من القسم، فهل لها أن ترجع في المستقبل؟ نعم، لها أن ترجع؛ لأن حقها يتجدد اللهم إلا أن يكون ذلك مشروطًا في العقد؛ بأنْ شرط الزوج على زوجته الجديدة ألا يقسم لها، فقبلت، ففي هذه الحال لا تملك الرجوع؛ لأنه صار شرطًا في العقد، والشرط في العقد يجب الوفاء به لدخوله في عموم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، بخلاف ما لو أسقطته بعد العقد، فإن هذا إسقاط لها أن ترجع فيه؛ لأنها لا تملك إسقاط المستقبل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم داخل في التكليف لقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ؛ لأن نفي الوصف عن شيء ما يدل على إمكان اتصافها به إذ لو كان منتفيًا من الأصل ما احتيج إلى نفيه فدل هذا على أنه يمكن أن يكون على النبي صلى الله عليه وسلم جناح وهذا دليل على تكليفه بأحكام الرسالة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية من أين يؤخذ؟ وَمَنِ ابْتَغَيْتَأي: طلبت وأردت، والجبرية يرون أن الإنسان ليس له إرادة، وإنما يُجبر ويُسخَّر على عمله بدون إرادة منه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والحكم للأحكام، أن الأحكام مربوطة بعللها وحكمها من أين تؤخذ؟ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ [الأحزاب: ٥١]، وإثبات الحكم في أحكام الله سبحانه وتعالى الكونية والقدرية كثيرة جدًا، وكلها ترد أيضًا على الجبرية؛ لأن الجبرية يرون أن أفعال الله سبحانه وتعالى وأحكامه غير معللة، وأنه تعالى يفعل لا لعلة وحكمة بل لمجرد المشيئة، هل فيه ما يؤيد مذهب المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح أو الصلاح في حق الله عز وجل ما أدري تعرفون هذا ولّا لا؟ هذا مر علينا في العقيدة السفارينية، حيث قال:
فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَصْلَحِ وَلَا الصَّــــــلَاحِ وَيْحَ مَنْ لَمْ يُفْلِـــــحِ

والمعتزلة يقولون: إنه يجب عليه فعل الأصلح فيما إذا تعارض الصالح والأصلح، وفعل الصالح فيما إذا تعارض الصالح والفاسد، قال: يجب على الله أن يفعل الأصلح في تعارض الصالح والأصلح، والصالح في تعارض الصالح والفاسد، ولكن الصحيح أن في ذلك تفصيلًا إن قلنا بالوجوب؛ بمعنى أن عقولنا أوجبت على الله ذلك، فهذا باطل، إذ أن العقول لا توجب على الله شيئًا، فهي أدنى وأحقر من أن توجب على الله شيئًا، وإن قلنا: إن ذلك واجب بمقتضى حكمته، فهذا حق وصحيح، فإن الله عز وجل لا يفعل شيئًا إلا وهو أصلح، كما قال الله تعالى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: ٢٠٥]، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤]، وإِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف: ١٧٠].
فإذا كان الله عز وجل أثنى على المصلحين، ونفى أن يكون محبًّا للفساد أو للمفسدين دل ذلك على أنه لا يمكن أن يريد ذلك، أي أن يريد الفساد، وعلى هذا فنقول: المعتزلة أخطؤوا، حيث أوجبوا ذلك على الله بعقولهم؛ لأن العقل أدنى وأحقر من أن يوجب على الله شيئًا، وقد يرى العقل أن هذا الشيء واجب وهو في الحقيقة غير واجب؛ لأن العقول قاصرة، قد ترى أن هذا أصلح وليس بأصلح، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [البقرة: ٢١٦]، وأما أن نقول إنه واجب بمقتضى حكمته، فهذا حق، نعم، هنا نقول: إن إثبات العلل فيه رد على الجبرية، وهم الجهمية أيضًا في هذا الباب، وليس فيه تأييد لقول المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح أو الصلاح.
ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة قلوب زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخال السرور عليهن من أين تؤخذ؟ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ [الأحزاب: ٥١]، فإن في هذا مراعاة لقلوب هؤلاء النساء حتى تقر أعينهن.
ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي مراعاة المؤمن بإدخال السرور عليه وانتفاء الحزن عنه لقوله: وَلَا يَحْزَنَّ [الأحزاب: ٥١] أي: لا يدخلهن الحزن والغم مما مضى، وهذه الحال للمؤمن تنافي حال الشيطان، فإن الشيطان يسعى بكل ما يُحزن بني آدم كما قال تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة: ١٠]، ولهذا كل من حاول إدخال الحزن على أخيه المسلم فإنه شبيه بالشيطان الذي يريد إدخال الأحزان على المؤمنين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأنواع من الأساليب الدفاعية، وجهه أن الله لما خيره بَيَّن أن هذا الحكم من أين هو؟ من الله؛ لأجل إذا علمت زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذا الحكم من الله زال ما في نفوسهن من عدم الرضا أو من الحزن؛ لأنه بلا شك أن رضا الإنسان بما كان من الله أبلغ من رضاه بما كان من غير الله، هذا من جهة.
وإن كان المؤمن يرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يرضى بالشيء الذي من الله، لكن لما كان النبي صلى الله عليه وسلم زوجًا لهؤلاء النساء فإنه يمكن أن يرد في نفوسهن أن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يقسم ولا يقسم، أو يقبل ويرد، أن ذلك لمجرد هوى في نفسه، وإذا اعتقدن أن ذلك لمجرد هوى في نفسه دخل عليهن الحزن، فإذا علمن أن ذلك من الله وأن الله هو الذي وسع له في هذا زال عنهن الحزن.
فربما يتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي أنه ينبغي للإنسان أن يدفع عن نفسه ما يُلام عليه به كل شيء تخشى أن يلومك الناس فيه فادفع الشبهة عن نفسك ولهذا أصل، ما هو؟
طالب: (...) قول الرسول (...)، قال: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ» .
الشيخ: وأيش الثاني؟
الطالب: (...).
ويُستفاد من الآية الكريمة: استعمال أدوات التوكيد فيما تدعو الحاجة إليه، لقوله: كُلُّهُنَّ [الأحزاب: ٥١]، حتى لا يتوهم واهم أن رضا بعضهن وانتفاء الحزن عنهن كافٍ في ذلك، بل الرضا يكون للجميع.
ويُستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله سبحانه وتعالى بالظواهر والبواطن، لقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [الأحزاب: ٥١].
ويُستفاد من الآية الكريمة: أن ما في القلب مما لا يملكه الإنسان لا يُؤاخذ عليه؛ لأنه لما ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم مخير قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْيعني: من الشيء الذي لا تملكونه، ولهذا يجوز للإنسان -أو لا يحرم على الإنسان- أن يفضل إحدى نسائه على الأخرى في المحبة؛ لأن المحبة محلها القلب، ولا يمكن للإنسان أن يسلط قلبه ويسخره حتى يحب ويكره.
ويُستفاد من الآية الكريمة: أن محل الإرادات هو القلب؛ لقوله: مَا فِي قُلُوبِكُمْ، وهل المراد بالقلب القلب الحسي أو القلب المعنوي الذي هو العقل؟ القلب الحسي؛ لأن الصحيح أن القلب الحسي هو الذي عليه المدار، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .
وقد اختلف العلماء هل العقل في القلب أو العقل في الدماغ؟ وظاهر القرآن الكريم أن العقل في القلب كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] ويدل لهذا أيضًا من السنة قوله عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»، فدل هذا على أن العقل في القلب، ولكن قال الإمام أحمد إن له اتصالًا في الدماغ؛ يعني: هو في القلب لكنْ له اتصال بالدماغ، ولهذا إذا فسد الدماغ فسد العقل، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع من كلامه أن الدماغ محل التصور وتكييف الأشياء، وأن القلب محل التدبير والتصريف، فكأن الدماغ سكرتير القلب، يهيئ الأمور له ويصورها ويكيفها ثم يرسلها إلى القلب، والقلب يأمر أو ينهى أو يقر أو ينكر.
ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العليم والحليم، فالعليم هو الذي أحاط بكل شيء علمًا، والعلم عند أهل الفقه أو عند الأصوليين هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، فقولهم: (جازمًا) خرج به الشك والظن والوهم، فهذا لا يسمى علمًا؛ لأنه غير جازم، وخرج بقولهم: (مطابقًا) الجهل المركب؛ لأن الجهل المركب يدرك الإنسان به الشيء إدراكًا غير مطابق، وخرج بقولهم: (إدراك الشيء) الجهل البسيط؛ لأن الجهل البسيط ليس فيه إدراك إطلاقًا، فهذا هو العلم.
والله عز وجل لا يتجدد له العلم، وإنما الذي يتجدد المعلوم، وتعلق علم الله عز وجل بالمعلوم له حالان: تعلق به قبل وقوعه وتعلق به بعد وقوعه، فالتعلق به قبل وقوعه معناه أنه عالم بأنه سيقع، والتعلق به بعد الوقوع أنه عالم بأنه وقع، والذي يترتب عليه الجزاء هو التعلق الثاني، التعلق بالمعلوم بعد وقوعه، وعلى هذا يزول الإشكال الذي أورده بعض أهل العلم في مثل قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ [محمد: ٣١]، حَتَّى نَعْلَمَهل ما علم المجاهدين؟ نقول: نعم هو عالم، لكن العلم الذي يترتب عليه الجزاء هو العلم بالشيء بعد الوقوع، فالتجدد إذن ليس للعلم، ولكن للمعلوم.
هل علم الله يتعلق بالواجب والممكن والمستحيل أو بالواجب والممكن دون المستحيل، أو بالممكن فقط، ما تقولون؟ بالجميع، بالواجب والممكن والمستحيل، أما علم الله تعالى بالواجب فعلمه بما يستحق من الأسماء والصفات، فإن هذا علم بالواجب، فإن الله قد وجب له من الكمال ما هو أهله.
وأما علم الله تعالى بالمستحيل ففي مثل قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١]، وقوله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، فإن هذا من العلم بالمستحيل، وأما الممكن فمعروف علمه بما يفعل الإنسان وما لا يفعله، هذا من العلم بالممكن.
ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسم الحليم، والحليم هو الذي لا يعاجل بالعقوبة، وليس الذي لا يعاقب، الذي لا يعاقب هو العَفُوُّ، وهذا هو الفرق بين الحليم وبين العَفُو، فهو سبحانه وتعالى حليم لا يعاجل بالعقوبة، وعَفُو يعفو عن الذنب فلا يعاقب عليه.
قال تعالى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [الأحزاب: ٥٢].
يُستفاد من هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم مكلف كغيره من البشر؛ يعني: أنه يُحَلل له ويُحَرَّم عليه، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي أن التكليف لا يمكن أن يسقط عن أحد مهما بلغت منزلته في الدين، فيكون في ذلك رد على أولئك الذين يزعمون أن الأولياء إذا بلغوا مرتبة من المراتب سقط عنهم التكليف؛ لأننا نعلم أن أعلى درجات الخلق عند الله هم الأنبياء والرسل، وأن أعلاهم محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كان هو محلًّا للتكليف فمن دونه من باب أولى.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات شكر الله عز وجل لمن قام بطاعته واتبع مرضاته، وهذا من مقتضى اسمه الشكور، فإن الله تعالى سمى اسمه بالشكور في قوله: وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: ١٧] فمن شكره أنه سبحانه وتعالى يُنْعِم على من قام بطاعته حسب ما تقتضيه تلك الطاعة، بناء على أن قوله: مِنْ بَعْدُأي: من بعد التخيير.
أما على الرأي الثاني أن المراد من بعد هؤلاء النساء؛ فلا تتأتى هذه الفائدة، ولكنا ذكرنا أن الآية إذا صلحت لمعنيين لا يتنافيان فإن الواجب حملها عليهما.
ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يطلق أحدًا من نسائه ليتزوج غيرها لقوله: وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ [الأحزاب: ٥٢] والله عز وجل لم يُحَرم الطلاق، وإنما حرم عليه أن يتبدل بهن من أزواج، وفرق بين الطلاق وبين أن يتبدل بهن من أزواج.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر، يعجبه حسن النساء الظاهر والباطن، لقوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [الأحزاب: ٥٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل للمرأة لحسنها؛ لقوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ، ويؤيد هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ؛ لِمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ» .
ويُستفاد من الآية الكريمة: أن الوطء بملك اليمين أهون على المرأة من الوطء بالزواج لقوله: إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [الأحزاب: ٥٢]، ولهذا أباح الله عز وجل للإنسان ألا يعدل بين سراريه؛ لأن الغيرة بينهن ليست كالغيرة بين الزوجات، فلهذا قال أو ما ملكت يمينك.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرق لقوله: إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَوالرق ثابت في الإسلام، ومن أنكر ثبوت الرق فقد كَذَّب القرآن والسنة وإجماع المسلمين، فيكون مرتدًا، حتى يتوب ويقر بثبوت الرق، والناس في هذا الباب طرفان ووسط، منهم: من يسترق الأحرار ومنهم من ينكر ثبوت الرق مطلقًا، ومنهم من يثبت الرق بأسبابه وشروطه، فنسمع عن بعض فئات من الناس أنهم يسترقون أولادهم ويبيعونهم على غيرهم، وهذا كثير في أفريقيا وفي شرق آسيا، حتى إن بعض الهمج والرعاع ظنوا أن ذلك يبيح الوطء بهذا الملك الفاسد، فصاروا يشترون من هؤلاء بناتهم ويطؤونهن بهذا الملك الفاسد، وهذا لا يثبت به الملك، وليس سببًا للرق.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله قال: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» ، هذا قسم من الناس.
القسم الثاني: من ينكر الرقَّ مطلقًا حتى مع وجود أسبابه الشرعية، وهذا يقوله أولئك الأمم المتمدينة التي تزعم الحضارة والتقدم، لكن من العجب أنهم ينكرون الرق الذي له أسباب شرعية إلهية ولكنهم يسترقون عباد الله استرقاقًا أشد من الاسترقاق الإسلامي بغير سبب شرعي، وما مشكلة جنوب أفريقيا الحاضرة الآن إلا أنموذجًا من ذلك، فإنهم يسترقون السود استرقاقًا مشينًا ويحرمونهم من حقوقهم، وهذا أقبح بكثير من الاسترقاق الشرعي الإسلامي على أن الاسترقاق الشرعي الإسلامي ليس فيه قبح؛ لأنك إذا تأملت النصوص الواردة في أحكام الرقيق وجدت أن الشرع إنما أباح استرقاقهم لمصلحتهم؛ لأن سبب الرق واحد وأسباب الحرية متعددة، ولأن الرقيق يجب على مالكه أن يعامله بالمعروف، وعلى هذا فيكون الطريق الثالث الذي هو إثبات الرق بالأسباب الشرعية الإلهية هو الحق، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، ولا ينكره إلا مكابر، ومن أنكره فهو كافر.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالبعض عن الكل لقوله: مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [الأحزاب: ٥٢].
ومنه: تفضيل اليمين على الشمال، حيث نسب الملكية إليها دون الشمال، ولم يعبر باليد الشمال عن الذات أبدًا، لكن عبر بالأيدي عمومًا، وعبر باليمين، وأما التعبير بالشمال فلم يرد.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم من أسماء الله وهو الرقيب في قوله: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [الأحزاب: ٥٢]، والرقيب بمعنى الحفيظ، والإيمان برقابة الله سبحانه وتعالى يوجب للعبد كمال مراقبة الله والخوف منه، وأن لا يتجرأ على معصيته ولا يتخلف عن طاعته؛ لأنه لو كان أحد الملوك -ملوك الدنيا- قد جعل عليك رقيبًا، وهو ما يسمى برجال المخابرات والمباحث، فهل يمكنك أن تتكلم أو أن تفعل ما يكون سببًا لعقوبتك عند هذا الملك؟ الجواب: لا، حتى إنهم يتواصون، يقول: لا يكن عندكم أحد من رجال المباحث، لا يكن عندكم أحد من رجال المخابرات، وما أشبه ذلك، ويخشونه، هذا بالنسبة للمخلوق، فرقابة الخالق عز وجل أكمل وأعظم.
ويُستفاد من الآية الكريمة: بلاغة القرآن، حيث يختم الآيات بما يناسب الأحكام الموجودة فيها؛ لأنه لما كان المقام مقام تحليل وتحريم ختمها بقوله: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًايعني: فهو يراقبك لو خالفت ما شرع لك.

***

تفسير الآيتين (53-54)
00:47:03

ثم قال الله عز وجل: ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب: ٥٣] "في الدخول بالدعاء {إِلَى طَعَامٍ} فتدخلوا {غَيْرَ نَاظِرِينَ} منتظرين إياه {إِنَاهُ} نضجه، مصدر أنى يأني) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواسبق لنا الكلام على مثل هذه العبارة، وبيَّنَّا أن تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى، وأن وصف هذا النداء بالإيمان يدل على أن التزام هذا الحكم من مقتضيات الإيمان، وأن التخلف عنه سبب لنقصان الإيمان، ثم إن التعبير بالإيمان فيه إغراء وحث؛ لأن المؤمن حقًّا يلتزم ما أمر به، ويترك ما نهي عنه، ومن ذلك إذا قلت: يا رجل، افعل كذا. المعنى: بمقتضى رجولتك يلزمك أن تفعل كذا يا مؤمن، افعل كذا؛ أي بمقتضى إيمانك يلزمك أن تفعل كذا، ففيه إغراء وحث.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوايعني لإيمانكم وجهنا إليكم هذا الخطاب لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ، بُيُوتَ النَّبِيِّجمع ومضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن بيوته كانت تسعة، كل امرأة من نسائه لها بيت، لم يجمعهن عليه الصلاة والسلام في بيت واحد، بل جعل لكل امرأة بيتًا.
وإضافته إلى النبي عليه الصلاة والسلام بُيُوتَ النَّبِيِّ، مع أنه أُضيف إلى النساء أنفسهن كما سبق في قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الأحزاب: ٣٤] هل هذا يتناقض مع ذاك؟ لا يتناقض فهو مضاف إلى كل شيء منهما بنسبة معينة، فباعتبار أن هذه البيوت مأوى النبي صلى الله عليه وسلم ومسكنه أضيفت إليه، وباعتبار أنها -أي: هذه البيوت- ملك لزوجاته أضيفت البيوت إليهن.
والعلماء اختلفوا؛ هل بيوت زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام ملك لهن أو ملك للرسول عليه الصلاة والسلام؟ فيه قولان لأهل العلم، وسبق لنا أن الأظهر أنها ملك للزوجات، بدليل أنهن ورثن هذه البيوت، ولو كانت ملكًا للرسول عليه الصلاة والسلام ما ورثنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» .
ولا يرد على هذا أن هذه البيوت أُدخلت في المسجد فيما بعد؛ لأنها إما أن تكون أدخلت بعوض وإما أن تكون أدخلت برضا مستحقيها، وهذا لا ينافي التمليك.
بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ، إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَبالبناء للمجهول، ولم يقل: إلا أن يأذن النبي؛ لأنه قد تأذن المرأة من نسائه لأحد فيدخل، فليس بشرط أن يكون الإذن من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الله تعالى اشترط ثلاثة شروط: الإذن، وإِلَى طَعَامٍ، والثالث: غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ.
ولننظر هذه القيود، هل هي معتبرة أو لا؟ فقوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْيشمل الإذن العرفي والإذن اللفظي، فالإذن اللفظي أن يُقال: ادخل، والإذن العرفي أن يكون هناك علامة تدل على أن المقام مقام إذن كفتح الباب وما أشبه ذلك، فهل يمكن الدخول بدون إذن؟ لا يمكن، فالإذن إِذَنْ مُعتبرٌ، قيدٌ.
قال: إِلَى طَعَامٍهل هذا يدل على أنه لو أذن لهم بالدخول إلى غير طعام لا يحل؟ لا، إلى طعام، فلو دعي إلى غير طعام هل يدخل أو لا؟ إن نظرنا إلى ظاهر قوله: إِلَى طَعَامٍقلنا: لا يدخل؛ لأن الله تعالى قال: إِلَى طَعَامٍ، ولكننا نقول إن هذا القيد بيان للواقع، وما كان بيانًا للواقع فإنه لا مفهوم له، فالآية وردت في قضية مُعينة وهي دخول هؤلاء إلى الطعام بدون دعوة، فلهذا قُيدت بقوله: إِلَى طَعَامٍ.
الثالث: غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ، (ناظر) إن تعدت بـ(إلى) فهي من النظر بالعين، وإن تعدت بنفسها فهي بمعنى الانتظار، تقول: نظرت إليه، وتقول: نظرته، بمعنى: انتظرت، قال الله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ [الأنعام: ١٥٨]، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣]، المعنى: هل ينتظرون؛ لأنها تعدت بنفسها.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] هذا من النظر بالعين، هنا نَاظِرِينَمتعدية بنفسها ولّا بـ(إلى)؟ بنفسها، فتكون بمعنى منتظرين، وقوله: إِنَاهُأي: نضجه، هل هذا شرط ولّا غير شرط؟ نقول: إنه شرط لجواز الدخول أن يدخلوا لطعام غير منتظرين نضجه، وكانوا يتحرون نضج الطعام، فإذا تحروا أنه قد نضج وقارب أن يقدم أو قَدِم دخلوا البيوت؛ لأجل أن يأكلوا، ولا شك أن مفاجأة الإنسان عند أكله تؤذيه، ويُسمى هذا الذي يفجأ الناس عند تقديمه الطعام يسمى طفيليًّا، وضيفنًا، ما هو بضيف، ضيفنٌ بالنون؛ لأن النون هذه مثل اللي يتكأ على عصا كأنه ثقيل.
فإذا كان واحد عندك ضيفًا، وأنت ما تحب أنه يكون عندك، فقلت لصاحبك، قال: عندك ضيف؟ قلت: لا عندي ضيفن؛ يعني: ثقيل طفيلي جاء بلا دعوة، ونام على (...) صاحب البيت، لا يتزحزح ولا يطلع، ويتطلب هات ماء هات شراب هات كذا، أبغي الحمام أبغي كذا، يتعبك.
المهم أن قوله: غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُهذا شرط؛ يعني لا يجوز لكم أن تتحروا إنى الطعام حتى تدخلوا، لما في ذلك من التضييق على النبي عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن المعنى: لا تدخلوا مبكرين بحيث تبقون في البيوت حتى ينضج الطعام؛ لأن في هذا أيضًا إشقاقًا على صاحب البيت، إذا كان تجهيز الغداء في الساعة الواحدة فجاء هؤلاء في الساعة الثانية عشرة انتظروا ولّا لا؟ كم انتظروا؟ ساعة، هذا فيه تضييق على النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام حيي كريم، لو استأذنوا عليه قبل نضج الطعام بساعة ما يردهم صلى الله عليه وسلم، وإن كان يتأذى بذلك لكن لكرمه وحيائه لا يردهم.
فتبين بهذا النهي عن دخول بيوت الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بثلاثة شروط: الإذن، وأن يكون إلى طعام، وأن يكونوا غير ناظرين إناه، لكن إلى طعام قلنا: إن هذا ليس بشرط؛ لأنه قيد لبيان الواقع، فلا مفهوم له، كل قيد لبيان الواقع فإنه لا مفهوم له، ولهذا لو دُعُوا إلى غير الطعام فلا بأس أن يدخلوا.
الآن نرجع إلى الآية إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْقال المؤلف: (فِي الدُّخُول بِالدُّعَاءِ {إلَى طَعَام}) أفادنا المؤلف بقوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْما يتعلق يُؤْذَنَإلا على وجه التضمين؛ لأن يؤذن لا تتعدى بـ(إلى) وإنما تتعدى بـ(في) أو بـ(اللام)، لكنها بـ(اللام) للمأذون له لا للمأذون إليه، فتتعدى بـ(في) إلا أن يؤذن لكم في طعام، لكنها جاءت بـ(إلى)؛ لأن الإذن هنا ضُمِّن معنى الدعاء؛ يعني: إلا أن تُدْعَون إلى طعام.
وقوله: غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُلماذا جاءت منصوبة مع أن الذي قبلها مجرور؟ يعني لم تكن بلفظ إلى طعام غير ناظرين إناه؛ لأنها حال من الكاف في قوله: يُؤْذَنَ لَكُمْإلى طعام حال كونكم غير ناظرين إناه، فإن كنتم منتظرين نضجه وتتحرون نضجه فلا تدخلوا عليه أيضًا؛ لما في ذلك من الإشقاق والأذية.
وقوله: إِنَاهُيقول المؤلف: إنها (مصدر أنى يأني إنًى)، ليست هي شيئًا محذوفًا؛ يعني ليست: (إناءه) في الأصل، بل هي إِنَاهُأصلًا وفرعًا مصدر أنى يأني إنًى.
وقوله: وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب: ٥٣] لما كان قوله: لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْقد يتوهم منه واهم بأنهم لا يدخلون أبدًا، قال: وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوافكان في قوله: وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواكان فيه فائدة، وهو أنه متى دُعوا دخلوا، إذا دعوا يدخلون، فكونهم هم يدخلون بأنفسهم لا يجوز إلا بالشروط السابقة، لكن إذا دعوا فيدخلون، فإذا طعموا فإنهم ينتشرون، ولهذا قال: وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواولا تدخلوا بغير دعوة.
وهذا غير قوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ [الأحزاب: ٥٣] لأن (يؤذن) معناه أنهم جاءوا فاستأذنوا، وأما التي معنا الجملة الثانية: وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْفهذه هم الذين دُعوا، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى طعامه كما دعا أبا هريرة رضي الله عنه حين وجده جائعًا في يوم من الأيام، خرج أبو هريرة من بيته وهو جائع حتى كاد يسقط مغشيًا عليه من الجوع، فلما خرج الناس تَبِع عمر بن الخطاب يسأله عن آية من كتاب الله، وأبو هريرة حينما سأله عن الآية يعرف الآية لكن يُؤَمل، لعل عمر يقول: اتبعني، ولكن عمر رضي الله عنه ما فكر في هذا الأمر، أخبره بالآية ومضى، يقول: فلما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام ورآني عرف ما في وجهي، فدعاه، فدخل، فجيء بلبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يدعو أهل الصُفَّة -أهل الصفة هم الفقراء المهاجرون الذين ليس لهم مأوى في المدينة، فكان لهم صُفَّة في المسجد يجتمعون فيها، أحيانًا يبلغون الثمانين وأحيانًا يكونون أكثر وأحيانًا يكونون أقل- يقول: لما قال: «ادْعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ» واللبن قليل، كأنه تردد رضي الله عنه، قال ما يغني هذا اللبن لأهل الصفة، إذا دعوت أهل الصفة وشربوا اللبن بقيت أنا جائعًا، يقول: ولكن لم يكن لي بد من طاعة الله ورسوله، فذهب فدعا أهل الصفة، فجاءوا فشربوا، كُلٌّ يشرب من هذا اللبن، وكل يشرب، وكل يشرب، فلما بقي بقية قال: «اشْرَبْ»، يقول: فشربت حتى رويت، فقال: «اشْرَبْ أَبَا هِرٍّ»، فقلت: والله يا رسول الله لا أجد له مساغًا، فبقيت بقية فشربها النبي صلى الله عليه وسلم .
ففي هذه دعوة عامة ودعوة خاصة، وكذلك في حديث أنس لما صنع النبي عليه الصلاة والسلام طعامًا، قال: «اخْرُجْ فَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ» ، فإذا دعي المسلمون إلى طعام فادخلوا وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب: ٥٣]، ولم يَقُل: فإذا شبعتم، قال: فَإِذَا طَعِمْتُمْ؛ لأن الطعام قد يُشبع، وقد لا يُشبِع، وقوله: انْتَشِرُواأي: تفرقوا.
(ولا تمكثوا {مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} [الأحزاب: ٥٣]) أفادنا المؤلف بقوله: (ولا تمكثوا) أن كلمة مُسْتَأْنِسِينَحال من فاعل محذوف مع فعله، والتقدير: ولا تمكثوا مستأنسين لحديث، والاستئناس بالشيء معناه الاطمئنان إليه؛ يعني: لا تبقوا بعد الأكل تتحدثون وتنبسطون وتطمئنون، وأما الحديث العابر فلا بأس به بعد الأكل، ولكن هذا ليس من آداب الطاعم على كل حال؛ لأنه علل قال: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ [الأحزاب: ٥٣].
قال: ({مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} مِنْ بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ {إنَّ ذَلِكُمْ} الْمُكْث {كَانَ يؤذي النبي فيستحيي منكم} أن يخرجكم {والله لا يستحيي مِنْ الْحَقّ} أَنْ يُخْرِجكُمْ)، وعلى هذا فيُنْهون عن البقاء مطمئنين للحديث لِعِلَّة وهي الأذية، أذية النبي عليه الصلاة والسلام، وبناء على هذه العلة لو قُدِّر أنه لا يتأذى بذلك فلا حرج على الإنسان أن يبقى، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ما يستعمله بعض الناس أنه إذا طعم يقول له: اجلس شوي، فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواأن هذا استدلال في غير محله.
(...) إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّأعاد الاسم الظاهر في موضع الضمير تعلية لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا لكان المتوقع أن يقول: إن ذلكم كان يؤذيه، ولكن قال: يُؤْذِي النَّبِيَّإعلاءً لشأنه صلى الله عليه وسلم، وإشارة إلى أنه لنبوته يجب أن يتحاشى المرء أذيته لما له من الفضل، وقوله: إِنَّ ذَلِكُمْلماذا جمع في الخطاب إِنَّ ذَلِكُمْ؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، لماذا جمع؟ لأن المخاطبين جمع، اسم الإشارة إذا اقترنت به الكاف فإنه يراعى فيه المخاطب والمشار إليه، المشار إليه يتغير به اسم الإشارة، والمخاطب تتغير به الكاف، أفهمتم القاعدة هذه؟ إذا اقترنت الكاف باسم الإشارة فإنه يُراعى في اسم الإشارة المشار إليه، وفي الكاف ويش اللي يُراعى؟ المخاطب.
فلنفرض أنني أشير إلى جماعة وأخاطب واحدًا، أقول: أولئك، وبالعكس أشير إلى واحد وأخاطب جماعة أقول: ذلكم، أشير إلى جماعة وأخاطب جماعة أقول: أولئكم، أشير إلى جماعة وأخاطب جماعة نساء أقول: أولئكن، أشير إلى واحد وأخاطب جماعة نساء أقول: ذلكن، قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف: ٣٢].
والمهم أن اسم الإشارة إذا اقترنت به الكاف فإنه يُراعى في الكاف المخاطب، ويُراعى في اسم الإشارة المشار إليه إن كان جمعًا اجمعها، إذا كان مثنى ثَنِّها، إن كان مفردًا فأفردها، إذا كنت تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين كيف تقول؟ تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين.
طالب: ذلك.
الشيخ: لا، تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين؟
طالب: ذلكما.
الشيخ: ذلكما لا، ذانكما، إي نعم.
تشير إلى اثنتين مخاطبًا اثنتين؟
طالب: ما أدري.
الشيخ: كيف ما تدري.
طالب: تانكما.
الشيخ: تانكما، إي نعم، واضح؛ لأن المثنى المؤنث يُقال: تَان، قال ابن مالك:
...................... وَذَانِ تَـــانِ لِلْمُثَنَّى الْمُرْتَـــــفِعْ

فهمتم يا جماعة؟ ترى هذه يغلط فيها كثير من الطلبة، يلتبس عليه المشار إليه بالمخاطب.
إذن إِنَّ ذَلِكُمْالمشار إليه هنا مفرد ولّا جمع؟ المشار إليه مفرد، والمخاطب جمع؛ لأنه يخاطب جماعة المؤمنين ويشير إلى شيء مذكور، أن ذلك المذكور يؤذي النبي فيستحيي منكم.
وقوله: يُؤْذِي النَّبِيَّالأذية ليست هي الضرر، إذ قد يتأذى المتأذي ولا يتضرر بذلك، ولهذا يوصف الله تعالى بالتأذي، ولا يوصف بالضرر، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [الأحزاب: ٥٧]، وقال تعالى: في الحديث القدسي «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ» أما في الضرر فقال في الحديث القدسي فقال: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» ، ونحن نشاهد الآن في أنفسنا أننا نتأذى بالشيء ولا نتضرر به، يتأذى الإنسان بالرائحة الكريهة كرائحة البصل والكراث والوسخ والعرق وما أشبه ذلك، ولكنه لا يتضرر به، إذن لا يلزم من الأذية الضرر.
إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ [الأحزاب: ٥٣]، الفاء عاطفة على قوله: يُؤْذِييعني فكان أيضًا يستحيي منكم أن يخرجكم إذا دخلتم في هذه الحال، وقوله: فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْما هو الحياء؟ عَرِّف الحياء؟ الحياء نكتب عليه (ميم) بخط عريض أي: معروف في القاموس إذا جاءت كلمة معروفة كتب: (ميم) يعني: معروف، ما يحتاج إلى أن نحده كما لو قيل لك: ما هي المحبة؟ ما تستطيع، مثل ما قال ابن القيم في روضة المحبين يقول: إن المحبة ما تُحد بأوضح من لفظها، المحبة هي المحبة.
ما هي الكراهة؟ هي الكراهة، ما تستطيع أن تَحُدَّها؛ لأن هذه انفعالات نفسية يحس بها الإنسان من نفسه، ولا يستطيع أن يعبر عنها، فالحياء هو الحياء ما هو النوم؟ النوم هو النوم، معروف، وبعضهم يقول: إنها غشية ثقيلة تهجم على المخ فتفقد له الوعي والإحساس، أنا لو أتصور أن هذا هو النوم ما جاني النوم، لو أتصور أنه غشية الله يدفع البلاء، فالحاصل أنك إذا قلت: النوم معروف، هذا معروف لكل أحد.
الجوع أو انصفات البطن من قلة الطعام، هذا أثره، أما هو فإنه معروف، فهذه المعاني النفسية لا يمكن في الحقيقة أن يعرِّفَها أحد لا يمكن أن تُعَرَّف بأوضح من لفظها، إذن الحياء معروف، والنبي عليه الصلاة والسلام يستحي من هؤلاء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أكمل الناس إيمانًا، والحياء من الإيمان، ولأنه صلى الله عليه وسلم أكرم الناس، والكريم يستحي من ضيفه أن يخرجه أو أن يتبرم بوجوده أو أن يتكرَّه له، فلهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يصبر وإن كان متأذيا من ذلك لما جبله الله عليه من كمال الإيمان وكمال الكرم فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ.
قال المؤلف: ({فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} أن يخرجكم) قوله: (أن يخرجكم) هذه في محل جر بدل اشتمال؛ لأن التقدير فيستحيي من إخراجكم.
وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب: ٥٣]، الله عز وجل لا يستحي من الحق، وهو العدل في الأحكام، والصدق في الأخبار، فالرب عز وجل لا يستحي من الحق؛ لأن الحياء من الحق معناه ترك الحق أو يستلزم ترك الحق والخور وعدم الحزم، والله عز وجل لا يستحي من أن يبين الحق.
ويقول المؤلف: لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ(أن يخرجكم) هكذا قال المؤلف، إن الله لا يستحي أن يخرجكم، وفي ما قاله نظر، بل الصواب: لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّأن يبينه لكم؛ لأن المقام هنا ما هو مقام إخراج، المقام مقام تبيين، لما يجب على هؤلاء الذين استأذنوا على الرسول عليه الصلاة والسلام فالمعنى لا يستحي من الحق، قلت: إن الحق هو الصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، والمراد بالحق هنا -على رأي المؤلف- هو الإخراج؛ يعني لا يستحيي أن يخرجكم، ولكن الصواب: لا يستحيي أن يبين لكم ما يلزمكم فتخرجوا.
ثم قال المؤلف -عفا الله عنه: (أي لا يترك بيانه) أي: لا يترك بيان الحق، وهذا من التحريف، حيث فسر الحياء بلازِمِهِ وهو الترك؛ لأن من لازم الحياء من الشيء أن يدعه الحيي منه، والمؤلف فسر الحياء بلازمه وهو الترك؛ أي: لا يترك بيان الحق.
وفي قوله: (لا يترك بيان الحق) مع قوله: (لا يستحي أن يخرجكم) فيه شيء من التناقض؛ لأنه جعل المستحيا منه هنا بيان الحق، وجعله بالأول الإخراج، والصواب الرأي الثاني، قوله الثاني هو الصواب، أي: لا يستحي من بيان الحق، لكن تفسيره الاستحياء بالترك هذا باطل؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، والواجب علينا فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته الواجب علينا أن نجريها على ظاهرها اللائق بالله سبحانه وتعالى، معتقدين أنه لا مثيل له في هذه الصفة، ومبتعدين عن تكييفها.
أما وجوب إجرائها على ظاهرها فلأن الله خاطبنا بلسان عربي مبين، ولو أراد خلاف ذلك الظاهر لكان التعبير بهذا الذي يفيد ظاهره الكفر أو التمثيل لكان التعبير به بيانًا أو خلاف البيان، والله عز وجل يقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء:٢٦]، وكيف يعبر سبحانه وتعالى أو يتكلم بما هو خلاف البيان فيما يُعتبر صميم العقيدة، وهو ما يتعلق بأسماء الله وصفاته؟!
ولهذا كان طريق هؤلاء المحرفين من أبلغ ما يكون طعنًا في كلام الله عز وجل، بل من أبلغ ما يكون طعنًا في الله نفسه، إذ إن طريقتهم تستلزم أن يكون الله عز وجل لم يبين الحق فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وجعل الحق موكولًا إلى ما تقتضيه عقولهم، ويحاولون بعد ذلك أن يردوا كلام الله عز وجل وكلام رسوله إلى ما تقتضيه هذه العقول الفاسدة المتناقضة، والطريق الأسلم والأعلم والأحكم هي طريق السلف، أن تأخذ كلام الله ورسوله على ظاهره؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه لا أحد أعلم من الله بنفسه، ولا أحد من الخلق أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعلم أيضًا أنه لا أحد أصدق كلامًا من الله، ولا أحد من المخلوقين أصدق كلامًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا ثابت أيضًا.
الأمر الثالث: أنه لا أحد أوضح بيانًا في كلامه من الله عز وجل، ولا أحد من المخلوقين أعظم بيانًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ثلاثة أمور.
الأمر الرابع: نعلم أيضًا أنه لا أحد أصح إرادة وقصدًا من الله عز وجل، فإن الله ما أراد من عباده إلا أن يبين لهم الحق، وكذلك بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا نعلم أحدًا أنصح منه للخلق، وأصدق إرادة في بيان الحق.
فإذا تمت هذه الأمور الأربعة في كلام -من أي كلام- يكون صار ما يدل عليه ظاهره هو المراد الذي يجب علينا أن نأخذ به، فهذه أمور أربعة إذا اجتمعت في الكلام صار الكلام واجب الأخذ بظاهره، الأربعة هي؟
طالب: العلم والقصد والصدق..
الشيخ: نعم، والصدق والبيان، أربعة أمور.
ضدها ما يُؤخذ ولا يُعتبر، لو جاء إنسان جاهل يتكلم لك بكلام من أفصح الكلام، وهو رجل نعرف أنه من أنصح الخلق وأصدقهم، هل تثق بقوله؟ ما نثق بقوله، جاء رجل يتكلم عن الطب ونحن نعلم أنه ما درس في الطب أبدًا، وقام يشرح لنا الطب، نثق به؟ ما نثق به؛ لأنه جاهل.
لو جاء عالم نعرف أنه عالم بما يتكلم به لكنه كذوب هل نثق بكلامه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه كذوب، يمكن كذب علينا.
لو جاءنا رجل عالم وصدوق لكنه سيء الإرادة قد يغش ويقصد ضلال الخلق هذا أيضًا ما نثق به؛ لأننا نخشى أنه غشنا فيما قال.
الرابع: لو جاءنا إنسان عالم وناصح وصدوق لكن ما يحسن يعبر، مثل إنسان فارسي ما يعرف اللغة العربية وقام يعبر باللغة العربية هل نثق من قوله؟ لا، ما نثق؛ لأنه ما يعرف –أحيانًا- يقول، إذا بغى يضيف الضمير إلى نفسه يقول: أنت أكلت، وإذا بغى يقول: أنا أكلت، يقول: أنت أكلت، وإذا بغى يقول: أنت أكلت، يقول: أنا أكلت، ما نثق بكلامه يمكن يقلب الكلام؛ لأنه عيي، لكن كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمعت فيه صفات القبول الأربع، فلهذا يجب علينا أن نؤمن بكل صفة وصف الله بها نفسه.
فإن قال قائل: الآية وما أشبهها فيها نفي الحياء، والنفي ضد الإثبات، فكيف تقول: إن في الآية أنها إثبات للحياء؟ نقول: منطوق الآية: لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب: ٥٣]، ومفهومها: يستحي من غير الحق، ولّا لا؟ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لكان نفي الاستحياء عن الحق لغوًا من القول لا معنى له، ثم نقول: إنه قد ثبتت صفة الحياء لله عز وجل بصيغة الإثبات كما في الحديث الذي في المسند «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ» ، هذا هو إثبات الحياء لله سبحانه وتعالى.
فكل صفة أثبتها الله لنفسه فإنه يجب علينا أن نأخذها بالقبول، ولكننا ننزه اعتقادنا عن محظورين عظيمين وهما؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، التمثيل والتكييف، والتمثيل أحسن من التشبيه؛ يعني التعبير بالتمثيل أحسن من التعبير بالتشبيه؛ لأن هذا هو الذي نفاه الله عن نفسه، ولأن نفي التشبيه المطلق هذا ليس بصواب؛ لأننا ذكرنا أنه ما من موجودين إلا ويشتركان في صفة الوجود، وإن كانا يتباينان فيما تقتضيه هذه الصفة في مقتضياتها ومستلزماتها، وما من سميعين إلا ويشتركان في صفة السمع، وإن كانا يختلفان في ملزوماتها ومقتضياتها، وما من بصيرين إلا ويشتركان في صفة البصر، فيكون بينهما مشابهة من بعض الوجوه فيما يشتركان فيه، ولهذا نفي التمثيل هو الذي ينبغي لنا -معشر طلبة العلم- أن نعبر به؛ لأنه هو الذي جاء في القرآن، وهو أسلم.
قال: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، ثم قال: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّأي: لا يترك بيانه، وقرئ {يستحي} بياء واحدة، شاذًا أو سبعية؟ شاذًا؛ لأن قاعدة المؤلف -رحمه الله- أنه إذا قال: وقرئ. فهي قراءة شاذة، بخلاف ما إذا قال: وفي قراءة. أو قال: بالياء والنون، أو: بالياء والتاء، وما أشبه ذلك، فهما قراءتان سبعيتان.
طالب: يكون فيه قصور أو لا يؤدي المطلوب؟
الشيخ: ما يؤدي المطلوب وفيه قصور؛ لأنه خلاف تعبير القرآن ولأن هذا أدى إلى أن تنكر كثير من الصفات بهذه الدعوى.
طالب: تعبير الطحاوي؟
الشيخ: إي نعم، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في العقيدة الواسطية ما قال: من غير تشبيه، قال: من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهذا هو الأولى.
وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّالفاعل يعود على الصحابة، والمفعول يعود على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وهن لم يسبق لهن ذكر في الآية، لكن قوله: بُيُوتَ النَّبِيِّيدل على ذلك؛ لأن ساكن بيوت النبي هن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
({وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ} أي: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم) (أي): هذه تفسيرية، و(أزواج): عطف بيان للهاء في قوله: ({وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ} أي: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم) مَتَاعًاالمراد بالمتاع: ما يُتمتع به من ملابس ومطاعم ومشارب وغيره، حتى الدراهم تعتبر متاعًا، فكل ما يُتمتع به فهو متاع.
({وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} ستر) فَاسْأَلُوهُنَّتنصب مفعولين، الأول الهاء في قوله: فَاسْأَلُوهُنَّ، والثاني: محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: فاسألوهن المتاع من وراء حجاب، وقوله: مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍحجاب بمعنى ستر، وكلمة مِنْتدل على أن هذا الستر لا بد أن ينفصل، وأنه غير ستر الوجه أو البدن بالثياب، بل هو ستر آخر؛ حجاب، وحجاب أمهات المؤمنين غير حجاب نساء المؤمنين؛ لأن حجاب نساء المؤمنين يصح أن يكون متصلًا بالبدن كالخمار والملحفة وما أشبهها من الثياب، أما حجاب أمهات المؤمنين فإنه حجاب آخر منفصل، يحول بين الرجل وبين رؤية أمهات المؤمنين، ولهذا قال: مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، فتدل على أن هذا الحجاب منفصل عن المستتر به، ومنه قوله تعالى عن الكفار يقولون للرسول: وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت: ٥] كأنه..