تفسير سورة سبأ - 1
عدد الزيارات 3324

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (1-2)
تفسير الآية (3)
تفسير الآيات (4-6)

تفسير الآيتين (1-2)
00:00:03

(إلا وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [سبأ: ٦] الآية، وهي أربعة)، عندكم (أربعة)؟ (أربعٌ) هذا الصواب، (وهي أربع أو خمس وخمسون آية)، الصواب أن يقال: أربع.
قوله: (مكية إلا) كذا، المكي على المشهور هو الذي نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، فيعتبر الجمهور المكي والمدني بالزمن لا بالمكان، فما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما كان قبلها فهو مكي.
وقوله: (إلا وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَسبق لنا أنه لا يُقْبَل استثناء شيء من السور المكية والمدنية إلا بدليل، أي أنه إذا كانت الصورة مكية فجميع آياتها مكية إلا بدليل، وإذا كانت مكية فجميع آياتها مدنية إلا بدليل، فاستثناء المؤلف لهذه الآية ننظر إن شاء الله تعالى إذا وصلناها؛ إذا كان هناك دليل يدل على أنها نزلت في المدينة قبلناها، وإلا فلا.
قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
قبل: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالبسملة تقدم أنها آية مستقلة من كتاب الله عز وجل يُؤتَى بها للفصل، أو يُؤتَى بها لبدء السورة، إلا في (براءة) فإنه ليس فيها بسملة؛ لأنها لم تنزل بسملة بينها وبين الأنفال فتُرِكَت.
وسبق لنا أن الجارّ والمجرور متعلِّق بمحذوف؛ لأن كل جارّ ومجرور لا بد أن يتعلق بشيء؛ إذ إن الجارّ والمجرور معمول، وكل معمول فلا بد له من عامل، وعليه فكل جارّ ومجرور فإنه لا بد له من متعلَّق، أي شيء يتعلق به، وكذلك الظرف.
والمتعلَّق إما أن يكون فعلًا، أو ما بمعنى الفعل، هنا نقدِّر المتعلَّق فعلًا؛ لأنه الأصل في العمل، ولذلك لا يعمل غيرُ الفعل عملَ الفعل إلا بشروط، وكل شيء لا يتم عمله إلا بشروط فإن ذلك لأن الأصل عدمه؛ عدمُ العمل، انتبه الآن، كل جارّ ومجرور لا بد له..
طالب: متعلّق بمحذوف
الشيخ: علِّل؟ لأن الجارّ والمجرور معمول، وكل معمول لا بد له من عامل.
المتعلَّق إما أن يكون فعلًا، أو ما بمعنى الفعل، وهنا نقدِّره فعلًا، لماذا؟ لأنه الأصل؛ الأصل في العمل الأفعال، ولهذا غيرُ الأفعال كالأسماء والمصادر وشبهها لا تعمل عمل الفعل إلا بشروط، أما الفعل فيعمل بدون بشروط، ونقدِّره متأخرًا، نقدره -أي: الفعل- متأخرًا عن الجارّ والمجرور لفائدتين:
الفائدة الأولى: التَّيَمُّن بالابتداء بذكر اسم الله.
الفائدة الثانية: الدلالة على الحصر، فنقدِّر العامل متأخرًا نظرًا لهاتين الفائدتين، ونقدِّره فعلًا خاصًّا فنقول مثلًا عند ابتداء القراءة: التقدير: باسم الله أقرأ، وعند الوضوء التقدير: باسم الله أتوضأ، وعند الأكل: باسم الله آكل، وهكذا، وإنما نقدِّره خاصًّا لأنه أدلّ على المقصود، يصح أن نقدِّره عامًّا فنقول: التقدير: باسم الله أبتدئ، أو باسم الله أبدأ، ولكن الخاصّ أولى.
فصار عندنا الآن ثلاثة أمور: لا بد من متعلَّق، متأخِّر، خاصّ، وعرفنا التعليل.
وهنا بِسْمِ اللهِمفرد مضاف فيَعُمّ، ويكون المعنى: بكل اسم من أسماء الله أبتدئ، وناسب ذِكْر الرحمن الرحيم دون غيرهما من الأسماء لأنها –أي: البسملة- يؤتَى بها للاستعانة، وأنسب ما يكون للاستعانة هي الرحمة، فلهذا أتبع لفظ الجلالة بهذين الاسمين الكريمين.
و(الله) أصله: الإله، هذا أصحّ ما قيل فيه، وحُذِفَت الهمزة لكثرة الاستعمال، كما حُذِفَت الهمزة من (الناس)، وأصلها (أناس)، وحذفت الهمزة من (شر وخير) وأصلها (أشر وأخير).
وأما الرَّحْمَنِفهو اسم من أسماء الله دالّ على سعة رحمته سبحانه وتعالى؛ لأن الرحمن فَعْلَان يدل على السعة والامتلاء، وانظر ذلك في كلمة غضبان وندمان وسكران وعطشان وريان، وما أشبهها، تجد أن هذه الصيغة دالة على أيش؟ على السعة والامتلاء، ولهذا قال بعض السلف: إن الرحمن رحمة عامة لجميع الخلق.
وأما الرَّحِيمِفهي دالة على الفعل، أي أنه سبحانه وتعالى يرحم برحمته الواسعة.
فالرحيم دَالٌّ على الفعل، وهو إيصال الرحمة إلى المرحوم.
والرحمن دالّ على الصفة، وهي اتصاف الله سبحانه وتعالى بهذه الرحمة الواسعة.
ثم قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِحَمِدَ تعالى نفسه بذلك، والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد، وهو الوصف بالجميل لله تعالى).
قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [سبأ: ١]
الْحَمْدُ لِلَّهِ(أل) يقول العلماء: إنها للاستغراق، أي: كل حمد، و(أل) التي للاستغراق هي التي يحل محلها (كل)، مثل: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ٢]، أي: كل إنسان لفي خسر، وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨] أي: كل إنسان، فـ(أل) في الْحَمْدُ لِلَّهِ؟
طالب: للاستغراق.
الشيخ: للاستغراق، إذن معناه أن كل حمد فهو لله، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص؛ للاستحقاق لأنه لا أحد يستحق أن يُحْمَد لذاته إلا الله عز وجل، والاختصاص لأن الحمد المستغرِق لكل المحامد لا يكون إلا لله.
يقول المؤلف: (حَمِدَ تعالى نفسه بذلك) يعني: حَمِدَ الله تعالى نفسه بهذا الوصف الذي هو الحمد.
(والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد)، يعني: ليس هذا تجديدًا لحمد الله، ولكنه ثناء على الله تعالى بمضمون الحمد.
(وهو الوصف بالجميل لله تعالى)، لو قال المؤلف: الوصف بالكمال، لكان أعمّ؛ فالحمد وصف المحمود بالكمال، هذا الحمد، فإن كرر وصفه بالكمال صار ثناءً، قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، فيجيب الله: «حَمِدَنِي عَبْدِي»، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ٣]، يجيب الله: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» ، والله سبحانه وتعالى يُحْمَد على ما له من الكمال الذاتي والكمال المتعدي للغير، أي: على كماله بذاته، وعلى كماله بفعله وإحسانه سبحانه وتعالى، فيُحْمَد على الأمرين جميعًا، أما غيره فلا يُحْمَد إلا على فعله إن كان فعله مما يُحْمَد عليه، أما حمدٌ للذات نفسها فهذا لا، ما يكون إلا لله.
فمثلًا إذا حمدنا الله عز وجل على ما له من صفات الكمال؛ كالسمع والبصر والعلم والقدرة والعظمة، وما أشبهها، فهذا حَمْدٌ على الكمال الذاتي، وإذا حمد الله تعالى على ما له من الإحسان والإنعام فهو حمد على الكمال المتعدي، إذا حمدناه سبحانه وتعالى على إنزال الغيث وإنزال الكتب وإرسال الرسل ودفع الضرر، فهذا حمد على الكمال المتعدي.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [سبأ: ١] (ملكًا وخَلْقًا).
الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِهذا كالتعليل للحمد؛ لأن هذا الوصف يدل على العِلِّيَّة، أي: يحمد الله نفسه؛ لأنه مالك لما في السماوات وما في الأرض.
وقوله: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِيشمل العقلاء وغير العقلاء، ولهذا أتى بـمَالأجل يشمل هؤلاء وهؤلاء، وإنما غَلَّبَ غير العقلاء لأنهم أكثر من حيث النوع، أما من حيث العدد فإن في هذا شكًّا؛ لأن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لا شك أنهم من العقلاء، وهم لا يحصيهم إلا الله، ما من موضع أربع أصابع في السماء إلا وفيه ملك .
وقوله: السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، السماوات جمع، وجُمِعَت لأنها متعددة، كم؟ سبع سماوات، كل واحدة فوق الأخرى، وهي مأخوذة من السمو وهو العلو والرفعة.
وَمَا فِي الْأَرْضِأُفْرِدَت، لكن المراد بها الجنس، فتشمل الأرضين السبع؛ لأن الأرضين سبع بصريح السنة، وسبع بظاهر القرآن؛ فهي سبع بصريح السنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
وبظاهر القرآن؛ لقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، فإن المثلية هنا قطعًا ليست بالصفة، فتكون للعدد.
وقول المؤلف: (ملكًا وخَلْقًا)، يعني أنه هو الذي خلقها سبحانه وتعالى، وهو المالك لها المدبِّر، ولو قال المؤلف: وتدبيرًا، لكان أَبْيَن، وإن كان كلمة (ملكًا) يتضمن التدبير، فالله سبحانه وتعالى له ما في السماوات وما في الأرض خلقًا، فلم يخلقها إلا الله، وملكًا فلا مالك لها إلا الله، وتدبيرًا فلا تدبير لأحد فيها على وجه الإطلاق إلا الله سبحانه وتعالى.
وقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِكالدنيا يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة).
قوله: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِهنا خصّ الحمد في الآخرة مع أنه محمود في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى في آية ثانية: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ [القصص: ٧٠]، لكنه ذَكَرَ ذلك لأن ظهور حمده في الآخرة أَبْيَن وأوضح، فإن في الدنيا مَن ينكر حمد الله عز وجل ويكفر به، ولا (...) إلا أن هذه الدنيا طبيعة تتفاعل بذاتها وليس لها مُدَبِّر، ومَن اعتقد هذا الاعتقاد فهل يمكن أن يحمد الله؟ أبدًا، لا يمكن، حتى لو رأى الخير واندفاع الشر فإنه لا يحمد الله؛ لأنه لا يقر به، لكن في الآخرة لا يمكن لأحد إلا أن يحمد الله، فالحمد في الآخرة لله.
كما أنه في الآخرة لا أحد يحمد إلا النادر، قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩]، أما بقية الناس ممن لم يحمدهم الله عز وجل فإنهم ليس لهم حمد في الآخرة، فأنت في الدنيا تحمد مَن يحسن إليك، لكن في الآخرة ما تحمد صديقك ولا صاحبك، اللهم إلا أن يكون ذلك بعد دخول الجنة فربما.
يقول: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ(كالدنيا)، يعني: كما أن له الحمد في الدنيا، وكأن المؤلف بهذا التقدير -رحمه الله- يقول: إنه حذف الشق الآخر لدلالة السياق عليه، كما في قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] يعني: والبرد.
قوله: (يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة)، قال الله تعالى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ [الزمر: ٧٤].
ولكن الصحيح أنه يُحْمَد حتى على جزائه الكافرين، فإن الله تعالى في آخر سورة الزمر لما ذكر سَوْق أهل النار إلى النار، وسَوْق أهل الجنة إلى الجنة قال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر: ٧٥]، فإن الله تعالى يُحْمَد على كمال عدله وكمال فضله، ومجازاته لأهل النار، من باب أيش؟ من باب العدل، فيُحْمَد عليه.
قال: (يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة، وَهُوَ الْحَكِيمُفي فعله الْخَبِيرُفي خلقه).
الْحَكِيمُ، يقول المؤلف: (في فعله)، وهذا فيه قصور؛ لأنه حكيم في شرعه وفعله أيضًا الذي هو القدر، فليست الحكمة خاصة بالفعل، بل حتى في الشرع الذي يكون بكلامه فإن الشرع هو الوحي، وهو كلام الله وليس فعل الله، بل هو كلام، وكذلك فعله هو حكيم فيه.
والحكمة مأخوذة من الإحكام وهو الإتقان، ولهذا يقال في تفسيرها: إنها وضع الشيء موضعه، وهذا هو الإتقان.
ولكنه سبق لنا أن الحكيم له معنيان: الحاكم والْمُحْكِم؛ لأنها مأخوذة من الْحُكم ومن الإحكام، وأن حكم الله كم نوعًا؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: شرعي وكوني.
الشيخ: صح، حكم شرعي وكوني، وأن الحكمة نوعان أيضًا؟
طالب: الحكم من الإحكام.
الشيخ: حكم منين؟
الطالب: الحكمة..
الشيخ: إي نعم، نوعان.
الطالب: الحكمة من الإحكام.
الشيخ: هي كلها من الإحكام، لا، ما لها دخل في الحكم.
طالب: صورية وغائية.
الشيخ: صورية وغائية؛ الصورية بمعنى أن كون هذا الشيء على هذه الصورة المعينة موافق للحكمة، والغائية بأن الغاية من هذا الشيء حكمة يُحْمَد الله عليها.
فمثلًا: كون الصلاة على هذا الوجه، والصيام على هذا الوجه، والوضوء على هذا الوجه، هذه في الأمور الشرعية.
وكذلك في الأمور الكونية كَوْن خِلْقة الإنسان على هذا الوجه، والشمس والقمر، وما أشبه ذلك، هذه حكمة صورية، بمعنى كون الشيء على هذه الصورة المعينة هذا لا شك موافق للحكمة، ثم الغاية من ذلك الشيء حكمة أخرى.
تكون هذا الحكمة الصورية والغائية في الشرع، أيش بعد؟ وفي القدر، وإذا ضربت اثنين في اثنين تكون أربعة، حكمة غائية في الشرع، حكمة صورية في الشرع، حكمة غائية في القدر، حكمة صورية في القدر، وكل ذلك ثابت لله عز وجل، وإذا آمن الإنسان بهذا اطمأن إلى أحكام الله تعالى الكونية والشرعية، ولم ينقدح في ذهنه أي اعتراض؛ لأنه يعلم أن هذا صادر عن حكمة، وإذا علم أنه صادر عن حكمة فإنه لا يبقى في قلبه شك من أن هذا هو عين الصواب، وهو الذي تقتضيه الحكمة، وبهذا يطمئن الإنسان إلى شريعة الله، ويطمئن الإنسان أيضًا إلى قدر الله عز وجل، ويعلم أن هذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره.
وقوله: الْخَبِيرُيقول المؤلف: (بخلقه)، والخبير معناه: ذو الخبرة؛ وهي العلم ببواطن الأمور، ومنه سُمِّيَ الزارع خبيرًا؛ لأنه يستر الحبة بالحرث، فالخبير ذو الخبرة، وهي العلم ببواطن الأمور.
وهل ينافي ذلك العلم بظواهر الأمور؟ لا، بل إنه يؤيده؛ لأن الذي يعلم ببواطن الأمور من باب أولى أن يعلم بظواهرها.
والحكمة دائمًا يقرنها الله عز وجل بالعزة والعلم، هنا قُرِنَت بماذا؟ بالعلم الذي تتضمنه الخبرة، وإنما يقرنها الله بذلك ليتبين أن حكمته سبحانه وتعالى مبنية على علمه، وأنه إذا تراءى لك أن هذا الشيء ليس بحكمة فذلك لنقصان علمك، وإلا لو كان عندك علم وفهم لعرفت أن الحكمة فيما شرعه الله وفيما قَدَّرَه.
ثم فَسَّر أو فَصَّل شيئًا من علمه، فقال: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ [سبأ: ٢] يدخل في الأرض كماء وغيره، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَاكنبات وغيره، وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِمن رزق وغيره، وَمَا يَعْرُجُيصعد فِيهَامن عمل وغيره)، هذا من باب التفصيل.
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ، ومَااسم موصول تفيد العموم، ويَلِجُبمعنى: يدخل، كل ما يدخل في الأرض فالله سبحانه وتعالى يعلمه.
يقول المؤلف: (كماء)، الماء يدخل في الأرض ولَّا يخرج منها؟ يدخل ويخرج، فإذا أنزل الله الماء من السماء أدخله في الأرض ينابيع، وإذا أراد الله تعالى أن يخرج خرج بآلة أو بغير آلة.
وقوله: (وغيره) ويش غير الماء مما يدخل في الأرض؟
طالب: الأموات.
الشيخ: الأموات، وغير؟
طالب: الحيوانات كالثعابين.
الشيخ: نعم، والأشياء التي لها جحور في الأرض، كذا؟ ما نقول: النبات أيضًا؟ النبات أيضًا بذوره كلها داخلة في الأرض.
المهم أن ما يَلِج في الأرض لا يُحْصَى أصنافه، فضلًا عن أفراده، وهو واسع جدًّا، والله سبحانه وتعالى يعلمه، حتى الذرة التي تدخل في جُحْرِها يعلمها الله سبحانه وتعالى.
وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، يقول المؤلف: (كنبات وغيره)، النبات واضح، وغيره كالماء والمعادن والحيوانات التي تنتشر في الأرض، وهل نقول: ومن ذلك الإنسان؟
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ [طه: ٥٥]، هذا الأصل إي نعم، مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْإخراج وإدخال، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح: ١٧، ١٨].
يقول: وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ [سبأ: ٢] (من رزقٍ وغيره)، الرزق كيف ينزل من السماء؟ أنت تبقى في البيت كل يوم ويعطيك التمر ينزل عليك من السماء أو الثياب؟ لا، ولكن الرزق يكون بالمطر، مثلًا ينزل الله المطر فتنبت الأرض ويخرج منها الماء والمرعى، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [النازعات: ٣٣]، واضح؟
وغير هذا أيش ينزل؟ ينزل أمر الله عز وجل، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ [السجدة: ٥]، وتنزل أيضًا الملائكة، وتنزل الشُّهُب تُرْمَى بها الشياطين، وأشياء كثيرة من هذا، والله يعلمه.
وَمَا يَعْرُجُيقول: (يصعد فِيهَامن عمل وغيره).
هنا يَعْرُجُبمعنى يصعد، كذا؟ ويعرج تعدَّى بـ(إلى) كما قال تعالى: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج: ٤]، وقال: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة: ٥]، وهنا قال: يَعْرُجُ فِيهَا، والنحويون اختلفوا في مثل هذا؛ فمنهم مَن قال: إن الحرف بمعنى يناسب الفعل، يعني: يجعل الحرف بمعنى حرف آخر يناسب الفعل، فمثلًا يقول: (في) بمعنى (إلى).
ومنهم مَن يقول: بل الحرف باقٍ على معناه الأصلي ويُضَمَّن الفعل معنى يناسب ذلك الحرف، وهذا مذهب البصريين، فيقول: يَعْرُجُمُضَمَّن مع معناه الظاهر وهو العروج معنى الدخول، يعني: يعرج فيدخل فيها، ليس المراد ما يعرج فقط ولا يدخل، يعرج ويدخل فيها.
وسبق لنا في مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا المذهب هو المذهب الصحيح المحقَّق، وهو أن يُضَمَّن الفعل معنى يناسب الحرف؛ لأن هذا التضمين يجعل للفعل معنيين:
أحدهما: المعنى الظاهر من اللفظ.
والثاني: المعنى الذي تَضَمَّنَه ليناسب الحرف الذي تعلَّق به، ويظهر لك ذلك جليًّا في قوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦]، معلوم أننا لا نشرب بالعين، ما هي آلة، ما هي بإناء، ما هي آلة الشرب، أنت تقول: أنا أشرب بالإناء، صح، لكن يشرب بها وهي عين؟ لا يمكن أن تكون إناءً له.
يرى بعض العلماء أن نجعل الباء بمعنى (مِن)، أي: يشرب منها.
ويرى آخرون أننا نُضَمِّن يَشْرَبُمعنى يَرْوَى، إذا ضَمَّنَّا (يشرب) معنى (يروى) استفدنا فائدتين: الشرب، أيش بعد؟ والري، لكن إذا قلنا: إن الباء بمعنى (مِن) لم نستفد هذه الفائدة.
فالمهم أن المذهب الصحيح هو أننا نُضَمِّن فعلًا معنى يناسب الحرف، ولا نجعل الحرف بمعنى حرف آخر.
قال: (وَهُوَ الرَّحِيمُبأوليائه الْغَفُورُ [سبأ: ٢] لهم)، هذا أيضًا من التخصيص بلا دليل.
كلمة الرَّحِيمُلم يُذْكَر مُتَعَلِّقُها، والمؤلف رحمه الله يقول: (بأوليائه)، فعليه يكون أعداؤه لا رحمة لهم، هذا كلام المؤلف، والْغَفُورُأيضًا لأوليائه، فأعداؤه لا مغفرة لهم.
ولكن الصحيح العموم؛ لأن هذين الاسمين مطلقان، فيبقيان على إطلاقهما، فهو رحيم حتى بأعدائه؛ الكافر قد أعطاه الله تعالى صحة ورزقًا من اللباس والطعام والشراب والمسكن والزوجة والأهل، وكل هذا رحمة، لكنها رحمة عامة، يعني أنها لا تكن خاصة كرحمة المؤمنين.
والمغفرة أيضًا يستحقها مَن تاب من عداوته لله، وإذا تاب فهو وَلِيّ من أولياء الله عز وجل، ولكن قد يكون في الإنسان عداوة وولاية، أو لا؟ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا [التوبة: ١٠٢] وهم مستحقون لمغفرة الله سبحانه وتعالى، والله أعلم.
طالب: (...) خاصة بالمؤمنين.
الشيخ: لا، عامة، كما قلنا قبل قليل: الرحيم معناها تختص بالفعل، يعني: إيصال الرحمة إلى المرحوم، بعده التوحيد أظن؟
طالب: دلالة السبع.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ما فيه احتمال أن هذه السبع زيادة في النكال عليهم؟
الشيخ: لا، ما فيه احتمال.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، تركناه؛ لأن بعض العلماء ضَعَّفَه (...).
الْحَكِيمُ [سبأ: ١] بمعنى حاكم، فهو إذن صيغة مبالغة فَعِيل، وإذا كان حكيم مِن أَحْكَمَ فهو بمعنى مُحْكِم.
وفَعِيل تأتي بمعنى مُفْعِل، وقد أنشدناكم بيتًا سابقًا:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ يُؤَرِّقُنِي .................

(...).
طالب: الفوائد.
الشيخ: الفوائد.
من فوائد الآيات السابقة: ثبوت الحمد الكامل لله عز وجل في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِإلى آخره.
وثانيًا: أن هذا الحمد الذي ثبت له هو أهل له؛ لقوله: لِلَّهِ؛ لأن اللام -كما قلنا- للاستحقاق والاختصاص.
ومن فوائد الآية الكريمة: ثناء الله عز وجل على نفسه لأجل مصلحة العباد؛ لأننا نحن لا نستطيع أن نثني على الله أو نحصي ثناء عليه، فإذا حمد الله نفسه فهذا من مصلحتنا؛ لأنه يعلِّمنا عز وجل كيف نحمده، وكيف نثني عليه، وهو أهل لأن يمدح نفسه سبحانه وتعالى ويُثْنِي عليها لمصلحة عباده، وإلا فهو في غِنًى عن كونه يُظْهِر لنا من صفات الكمال ما يُظْهِر، في غِنًى عن أن نعرف ذلك، ولكن هذا من أجل مصلحتنا.
وهذه الفائدة قد تكون مبنية عن سؤال مُقَدَّر: كيف يثني الله تعالى على نفسه؟ وهل مَدْح الشخصِ نفسَه يعتبر مَنْقَبَة أم لا؟
فالجواب أن يقال: إن الله يمدح نفسه لا لحاجته إلى أن نثني عليه، أو أن نعرف كماله؛ لأنه كامل، لكن من أجل أيش؟ من أجل مصلحتنا؛ إذ إننا لا نحصي ثناءً عليه، ولا نعرف ماذا نثني به عليه إلا عن طريق وَحْيِه.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ملك الله؛ لقوله: الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [سبأ: ١]، وهنا حَمِد نفسه على عموم ملكه، وقد يحمد نفسه على فعله، مثل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [سبأ: ١]، وقد يحمد نفسه على شرعه، مثل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١]، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف: ١].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات جمع، يعني أكثر من واحدة؛ لقوله: السَّمَاوَاتِ، ومن أدلة أخرى قد ثبت أنها سبع، وكذلك الأرض.
ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور كمال الله عز وجل يوم القيامة أظهر مما يكون في الدنيا؛ لقوله: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ، فالملك عامّ، وظهور الحمد جليًّا واضحًا يكون في الآخرة.
ومنها: ثبوت البعث؛ لقوله: الْآخِرَةِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكم الله عز وجل الكوني والشرعي، وإثبات حكمته المتعلِّقة بالكون والمتعلِّقة بالشرع.
ويتفرع على هذه القاعدة: وجوب التسليم لقضائه الكوني والشرعي، بحيث لا نريد أيّ اعتراض، حتى وإن جاء على ما ظاهره خلاف الحكمة فإنه يجب أن نتهم أيش؟ عقولنا؛ لأنه إذا ثبت أنه سبحانه وتعالى حكيم في الْحُكْمَيْن الكوني والشرعي لزم من ذلك التسليم للقضاء الكوني والشرعي؛ لأنه صادر عن حكمة، لكن هذه الحكمة قد تخفى علينا.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله، يؤخَذ من قوله: الْخَبِيرُ، وما جاء من التفصيل بعدها؛ لأن الخبير هو العالِم بالبواطن، والعالم بالبواطن عالم بالظواهر.
ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل، وهما: الحكيم، الخبير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الأساليب البلاغية الإجمال ثم التفصيل؛ لقوله: الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُإلى آخره [سبأ: ١، ٢].
وفائدة هذه الطريقة البلاغية هو أن الشيء إذا جاء مُجْمَلًا تَشَوَّفَت النفوس إلى تفصيله، فجاء التفصيل واردًا على نفوس تتطلع إليه، فإذا ورد التفصيل على نفوس تتطلع إليه كان أوقع في النفس وأرسخ في القلب، أليس كذلك؟
لو قلت لك: حدث البارحة شيء عظيم، ما دريت، البارحة الساعة الواحدة من الليل حدث أمر عظيم ما علمت، ويش يكون؟ تتشوَّف لهذا، تتطلع، أيش هذا الشيء العظيم، لكن لو قلت لك: حدث البارحة -مثلًا- أن رُمِيَ بنجم فاستنار نورًا عظيمًا، على كل حال تقبل هذا الخبر، لكن ليس كالأول؛ لأنك ستقول: ويش هذا الشيء العظيم؟ (...) شيء عظيم، ويش هذا الشيء؟ (...) ويش هذا الشيء؟ حتى يرد على قلبك وقد تَشَوَّفْت إليه كثيرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: تمام تصرُّف الله سبحانه وتعالى في مخلوقاته، هذا يلج، وهذا يدخل، وهذا ينزل، وهذا يعرج، يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا [سبأ: ٢].
ومن فوائدها -وهي فائدة بلاغية-: البداءة بما يماس الإنسان، وإن كان غيره أشرف منه؛ لأنك تتحدث عما يَلِج في الأرض وما يخرج منها قبل أن تتحدث عما ينزل من السماء وما يعرج فيها.
هنا هذه الفائدة بناء على أن السماء أشرف من الأرض، وهل هذا مسلَّم؟ لا تستعجلوا، هل هو مسلَّم أن السماء أشرف من الأرض، أو الأرض أشرف من السماء؟
هذا فيه خلاف بين العلماء، فيه جدل كثير؛ منهم مَن يرى أن السماء أشرف، ويقول: إن السماء لو لم يكن فيها إلا الملائكة المقرَّبُون، وهي جهة عُلُوّ، والسماء فيها أيضًا الله عز وجل فوقها.
ومنهم مَن يرى أن الأرض أشرف، يقول: لأنها خُلِقَ منها أفضل المخلوقات وهم الأنبياء والرسل، فهي أشرف، وهذا النزاع وإن كان نزاعًا قد يقال: إنه من فضول العلم، لكنه على كل حال في أول وهلة يرى الإنسان أن السماء أشرف من الأرض، ولكن ذُكِرَت الأرض هنا لأنها تُمَاسُّنَا أكثر ونعرف عنها أكثر.
وفيها أيضًا -من فوائد الآية الكريمة-: إثبات الرحمة والمغفرة لله عز وجل، في قوله: وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ، وهنا قدم الرحيم على الغفور، وإن كان الأكثر في القرآن تقديم الغفور على الرحيم؛ لما يكون في السماء والأرض من المصالح والمنافع، والمصالح والمنافع من آثار أيش؟ الرحمة، ودَفْع المصائب من آثار المغفرة؛ لأن المغفرة مَحْو الذنب الذي تدور فيه المكروهات، والرحمة حصول الخير.
الرحمة عند أهل السنة والجماعة صفةٌ من صفات الله عز وجل حقيقة ثابتة له، وعند الأشاعرة يقولون: إن الرحمة هي الإحسان، أو إرادة الإحسان، فيفسرونها بالشيء المفعول لله، يعني بالنعم أو بإرادة النعم، لماذا؟ لأنهم يُقِرُّون بصفة أيش؟ بصفة الإرادة، فيفسرون الرحمة بإرادة الإنعام والإحسان، أو بالإنعام والإحسان نفسه.
ولكن سبق لنا أن القول الصواب المقطوع به هو أن تُجْرَى نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على ظاهرها.
يحتاج أن نقول: اللائق بالله، ولَّا ما حاجة؟ لا نقول: اللائق بالله، إلا على سبيل الإيضاح فقط؛ لأننا نعلم علم اليقين أن ظاهرها لائق بالله، وليس ظاهرها كما يقول أهل التعطيل: التشبيه؛ لأنه لو كان ظاهر نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته التشبيه أو التمثيل لكان ظاهر القرآن والسنة في هذا الباب هو الكفر؛ لأن مَن شَبَّهَ الله بخلقه فقد كَفَرَ حيث كذَّب قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، ومحال أن يكون ظاهر الحق أيش؟ باطلًا وكفرًا، ولهذا إذا قلنا: إن نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته تُجْرَى على ظاهرها اللائق بالله، فهذا من باب أيش؟ من باب الإيضاح، وإلا فإننا نعلم علم اليقين الذي هو عندنا أيقن من الشمس أن ظاهرها هو ما يليق بالله، فلا حاجة إلى التقييد به، لكننا قد نقيِّده على سبيل الإيضاح فقط.
والرحمة هل هي صفات كمال من حيث هي، بقطع النظر عن موصوفها، أو صفة نقص؟ هي صفة كمال في الواقع، حتى الرحمة في (...).
....................... ...كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى

معروف البيت، معروف؟
يقول: ووضع الندى، الندى: العطاء والبذل.
وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَا مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى

حكمة هذا، يقول: وَضْع الندى في موضع السيف مُضِرٌّ بالعُلَا والأخلاق، ليش؟ لأن الذي يستحق السيف أحسن ما نضع له السيف، واحد مجرم مُفْسِد في الأرض أمسكناه وقَدَرْنَا عليه نقول: يا ولد شوف هذه الفيلَّا لك، وهذه السيارة لك، وهذا المستودع المملوء بخزائن الذهب والفضة لك، لأنك مجرم، حكمة ولَّا لا؟ ما هي حكمة.
كوضع السيف في موضع الندى، إنسان صاحب خير وإحسان ومُسْتَحِقّ لأن يُكْرَم، فجِيءَ به فوضعناه على نطع القتل، قلنا: بنقتلك الآن، ليش؟ لأنك محسن، هذا حكمة ولَّا لا؟ ليس بحكمة، فالبيت هذا من أعظم ما يكون من أبيات الحكمة، والمتنبي معروف أنه حكيم الشعراء.
طالب: أبو العلاء
الشيخ: لا، المتنبي.
إذن نقول: إن الرحمة صفة كمال من حيث هي هي، فإذا أضيفت إلى الله صارت أكمل وأكمل.

***

تفسير الآية (3)
00:50:26

ثم قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ [سبأ: ٣]، الذين كفروا بالله عز وجل وبقدرته وبحكمته قالوا: لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ، قالوا هذا اللفظ ولَّا قالوا معنى هذا اللفظ؟
الجواب: قالوا هذا اللفظ؛ لأن الأصل إنما نقل عن الغير فإنه منقول بنصه وفصله، فهم قالوا: لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ.
وقالوا في موضع آخر: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]، وتنوعت عباراتهم في إنكار القيامة، هم قالوا: لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ، يعني: لا يمكن أن تأتينا الساعة، مع أن الله يقول: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج: ٧]، فكذَّبُوا بذلك قول الله مستَنِدِين إلى استبعاد عقولهم أن ترجع هذه العظام النخرة حتى تعود إنسانًا حيًّا، وما علموا أن الذي بدأ الخلق قادر على إعادته، وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧].
فشُبْهَتُهم إذن في هذا الإنكار هي أيش؟ الاستبعاد فقط، هذه واحدة.
ثانيًا: يقولون: إذا كنتم صادقين في أننا سنُبْعَث ائتوا بآبائنا، ابعثوهم لنا، وهذا تحدٍّ في غير موضعه؛ لأن الرسل لم تقل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، تبعثون متى؟ إذا مات الخلق، إذا انتهت الخلائق ومات الخلق كلهم بُعِثُوا، فهذا التحدي في غير موضعه، هذا التحدي في موضعه لو كانت الرسل تقول: إن الناس يُبْعَث أولهم الآن مع وجود آخرهم، صح أن يقال: ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين، أَمَا وقد قالت: إنهم سيُبْعَثُون بعد أن يفنى الخلق كله ممن سيُبْعَث، فهذا ليس فيه التحدي.
المهم إذن شُبْهَتهم الاستبعاد والتحدي في غير موضعه، حيث قالوا: ائتوا بآبائنا.
يقول الله عز وجل: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ: ٣]، بَلَىهذه يؤتَى بها لإبطال النفي، قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ، أمر الله النبي عليه الصلاة والسلام أن يصدع بخلاف ما قالوا مُؤَكِّدًا ذلك بالقسم واللام والنون، وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.
قلت: بَلَىجواب لإبطال النفي، وَرَبِّيقسم، واللام للتوكيد، والنون أيضًا للتوكيد، فالجملة مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات.
لَتَأْتِيَنَّكُمْأي: الساعة، وهذا أحد المواضع الثلاثة التي أمر الله نبيه أن يُقْسِمَ عليها.
والموضع الثاني: قوله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس: ٥٣].
والموضع الثالث: قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن: ٧].
وإنما أمر الله تعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يُقْسِم على ذلك لأهميته وعِظَمِه، ولأنه مقتضى البلاغة، فإن مقتضى البلاغة أن المنكِر يؤتَى له بالكلام مؤكَّدًا بمؤكِّد واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، حسب ما يقتضيه المقال.
ولأهمية هذا الموضوع أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقسم عليه.
فإن قلت: ما فائدة القَسَم أمام مَن يُنْكِر؛ لأن مَن أنكرك بدون قَسَم أنكرك مع القسم، فما الفائدة؟
الجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا هو مقتضى اللسان العربي؛ أن الأخبار تؤكَّد بأنواع المؤكِّدات.
الثاني: أن التأكيد يدل على أن المتكلِّم جازم بهذا الْمُقْسَم عليه جزمَه بما أقسم به، فكما أننا جازمون بالله عز وجل بوجوده وكماله، فنحن جازمون أيضًا بما أقسم عليه، وهو إتيان الساعة.
قال: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ، عَالِمِ الْغَيْبِبالجر، عندي يقول: (بالجر صفة، والرفع خبر مبتدأ)، و{عَلَّامِ} بالجر، ففيها إذن ثلاث قراءات.
طالب: عالم.
الشيخ: لا، و{عَلَّامِ} صَحِّح، و{عَلَّامِ} بالجر، فالقراءات إذن ثلاث: عَالِمِمرفوعة ومجرورة، و{عَلَّامِ} مجرورة فقط.
قوله: عَالِمِ الْغَيْبِ، مناسبة ذكر هذه الصفة لإثبات القيامة ظاهر؛ لأن قيام الساعة مِن عِلْم الغيب، والذي أخبر به هو عَلَّام الغيب، فإذا صدر هذا الخبر من عالم الغيب وجب علينا قبوله، ولهذا الخبر عن المستقبل إذا صدر من جاهل لا يدري فإننا نرفضه، وإذا صدر من عالم فإننا نقبله، وعِلْم الله الغيب أمرٌ معلوم حتى عند الكفار، فإن الله سبحانه وتعالى يخبر بأشياء ثم تقع ويشاهدونها، وهذا شيء لا يَمْتَرُون فيه، فلهذا وصف الله نفسه بهذه الصفة بعد إثبات إتيان الساعة؛ لأنه أمر معلوم عندهم، فإذا صدر هذا الخبر من عالم الغيب الذين يُقِرُّون بعلمه الغيب صار الخبر مؤكَّدًا واقعًا.
وقوله: عَالِمِ الْغَيْبِبالجر صفة لـ(رب)؛ لأن (رب) مجرور.
فنقول في إعرابه: الواو حرف قسم وجَرّ، (رِبِّ) مُقْسَم به مجرور بالكسرة الظاهرة، و(رب) مضاف، والياء مضاف إليه مبنية على السكون في محل جر، صحيح إعرابي؟
طالب: غير ظاهرة.
الشيخ: الباء رَبِّي.
طالب: ما فيه ياء.
الشيخ: فيه، عندي أنا رَبِّيفيها ياء.
طلبة: (...).
الشيخ: إي، إذن يكون معربًا مجرورًا بكسرة مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلِّم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، فليست الكسرة هذه كسرة الإعراب، عرفتم؟ وإنما قلنا ذلك لأنه ربما يَرِد علينا مثل قولنا: ربي الله، كيف تكون مجرورة؟ ما هي مجرورة هذه، الكسرة هذه لأجل المناسبة، فالكسرة إذن ثابتة قبل أن يدخل حرف الجر، فلذلك تكون الكسرة الإعرابية مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلِّم.
إذن هو مجرور، عَالِمِ الْغَيْبِصفة لـ(رب)، وصفة المجرور مجرور.
أما بالرفع فيقول: (خبر مبتدأ) يعني: هو عالم الغيب، والجملة كلها إما حال من (رب)، وإما استئنافية لبيان اتصاف الله تعالى بهذا العِلْم.
والغيب ما غاب عن الإنسان، وهو أمر نسبي، لكن الغيب المطلَق لا يكون إلا لله عز وجل.
أقول: إن الغيب أمر نسبي؛ لأنه قد يَغِيب عنك ما لا يغيب عن غيرك، فصاحب الدكان اللي عند المسجد الآن تَصَرُّفُه الذي يتصرفه الآن بالنسبة لنا غيب، لكن بالنسبة لمن عنده شهادة، فالغيب أمر نسبي.
ولذلك الخبر عن الشيء الواقع هل يُعْتَبَر من الغيب الذي يختص به الله؟ لا؛ لأنه يعلمه مَن وقع عنده وحدث عنده، لكن الغيب المستقبل هذا هو الذي من خصائص علم الله عز وجل، ولهذا مَن ادَّعَى علم الغيب في المستقبل صار مكذِّبًا لقول الله تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥]، ومَن ادَّعَى علم غيب واقع فهذا الغيب ليس غيبًا مطلقًا، ولكنه غيب نسبي يعلمه مَن شاهده، ولا يعلمه مَن لم يشاهده.
فغيب الله في قوله: عَالِمِ الْغَيْبِيشمل الأمرين ولَّا يشمل المستقبل فقط؟ يشمل الأمرين؛ لأن كل ما حدث ولو في أزمان بعيدة جدًّا فالله عالم به، وكل ما سيحدث فالله عالم به، فالغيب المطلَق للواقع وغيره، والمنتظَر هذا من خصائص علم الله، والغيب المقيَّد بالواقع هذا أيش؟ ليس من خصائص علم الله، بل هو حاصل لكل مَن شاهده.
قوله: لَا يَعْزُبُ عَنْهُيقول: (يغيب، عَنْهُيعني: عن الله عز وجل، مِثْقَالُ: وزن، ذَرَّةٍ: أصغر نملة، فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [سبأ: ٣]).
هذا قوله: لا يَعْزُبُ عَنْهإلى آخره، صفة من الصفات السلبية، وعَالِمِ الْغَيْبِمن الصفات الثبوتية.
والصفات الثبوتية كما تَقَرَّر كلها صفات كمال، والصفات السلبية تأكيد لصفات الكمال؛ لأنها تتضمن صفة الكمال المنفي عنها هذا العيب، انتبه! الصفات السلبية يعني: النفي تأكيدٌ للكمال؛ لأنها تتضمن ثبوت الصفات الكمالية الخالية من هذه الصفة التي تعتبر صفة نقص، ولهذا ما مِن نفي في صفات الله إلا وهو متضمِّن لإثبات ضده، بل لإثبات كمال ضده.
فمثلًا إذا قلنا: لا يعزُب عن علم الله شيء، فذلك لكمال علمه، إذا قلنا: إنه عز وجل خلق السماوات في ستة أيام ولم يَمَسَّه لغوب، فذلك لكمال قدرته، وعلى هذا فَقِسْ.
فكل صفات النفي المضافة إلى الله عز وجل يُرَاد بها إثبات كمال الضد، كأنه وصف الله بالكمال الخالي عن هذا النقص.
وقوله: مِثْقَالُ ذَرَّةٍيقول المؤلف: أنها صغار النمل (أصغر نملة)، أفادنا المؤلف أن من النمل ما هو صغير وما هو كبير، ونحن في عُرْفِنا على خلاف ذلك، عندنا أن النملة نوع معين من الذَّرّ، ولَّا لا؟ عندنا الذرة الصغار، وعندنا شيء يسمونه نملة، النمل معروف هذا اللي أكبر من الذَّرّ شوي ودون القعر، القعر ما أدري أنتم تسمونه بهذا الاسم ولَّا لا؟ تسمونه بهذا الاسم؟
طالب: ما أعرفه.
الشيخ: إي ما تعرفه؟ يمكن تقرصك في يوم من الأيام تعرفه إن شاء الله.
هي يقولون: إن هذا القعر هذه من أَعْنَد ما يكون، يُضْرَب بها المثل في العناد؛ لأنك تزحزح عنك ولكنها ترجع، ثم إذا مسك ثوبك ولَّا جلدك ما يمكن تنفك، تنقطع ولا تنفصل، سبحان الله! من عنادها إذا أمسكت بالثوب، يعني عضدته بقرنيها ولَّا الجلد ما تتزحزح أبدًا، تجيء تزيلها تنقطع.
وفيه أيضًا يسمونه عندنا القِعْس، لكن هذه أنواع لجنس في الواقع، كلها تسمى نملًا، كلها نمل وكلها ذَرّ، ولهذا نَهْي الرسول صلى الله عليه وسلم عن قَتْل النمل يشمل هذا كله.
قوله: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [سبأ: ٣] وهو اللوح المحفوظ)، هل في هذا علم؟
وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، نقول: فيه إثبات العلم؛ لأنه لا كتابة إلا بعد العلم، كتابة المجهول لا تتصور، فيكون فيه فائدة زائدة على إثبات العلم، وهو أن معلوم الله عز وجل مكتوب في اللوح المحفوظ، وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا (...).
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما يدل على هذا.
الطالب: (...).
الشيخ: قد يَعْرُج الشيء ولا يصل إلى السماوات ولا يدخل فيها، فروح الكافر -مثلًا- تُغْلَق عنها أبواب السماء ما تدخل، وهي تعرج.
طالب: (...).
الشيخ: الواقع اللي حادث مثلًا.
الطالب: لو قال قائل: الجنة وما فيها شيء واقع، هذا ما يختص، يعني: ما يختص بعلم الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: لا أبدًا، نحن نعلم الجنة من وجه، ونجهلها من وجه آخر.
الطالب: نجهل كيفية (...) نعرف أنها (...).
الشيخ: نعم، نعرف الأسماء من هذه دون المسميات.
الطالب: هذا أيضًا من علم (...).
الشيخ: إي، ما فيه شك، هذا علم واقع، نعرف أن هناك جنة الآن، وفيه نار، وفيها ما ذُكِرَ من النعيم أو من العذاب.
الطالب: لكن نجهل كيفيتها وكيف..
الشيخ: صحيح؛ لأن ما باشرناها، عندنا الآن لو يعلمك إنسان بخبر واقع في بلادك -مثلًا- بل في بيتك الآن اللي أنت فيه تعرف المعنى لكن ما تعرف الحقيقة كما هي إلا إذا شاهدتها.

***

طالب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الثالث: بيان ما يلزم على نفيهم من لوازم باطلة فإن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
الرابع: أن النصوص الواردة في الصفات لا تحتمل التأويل، ولئن احتمله بعضها فليس فيه ما يمنع إرادة الظاهر، فتعيَّن المصير إليه.
الخامس: أن دعوى هذه (...).

الشيخ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ، أين مقول القول في قول (...).
فيه أيضًا قبل أَخْذ الفوائد أَمَرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقسم هنا بأن الساعة تأتيهم، هل لها نظير في القرآن؟
طالب: نعم، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ [يونس: ٥٣].
الشيخ: لا، الإقسام على هذا المعنى نفسه.
طالب: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.
الشيخ: ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن: ٧]، فيه موضع ثالث أيضًا أمر الله نبيه بالقسم به.
طالب: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: ١].
الشيخ: لا، أمر الله نبيه أن يقسم.
طالب: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس: ٥٣].
الشيخ: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إنكار الكافرين للبعث؛ لقولهم: لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ.
ومن فوائدها: أن إنكار البعث كفر؛ لقوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فإن قلت: ما وجه الدلالة؟ فالجواب: أن وجه الدلالة أنه لو لأن هذا الوصف تأثيرًا لما قاله الله تعالى بهذا الوصف، لقال: وقالوا لا تأتينا الساعة، فلما قال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، عُلِمَ أن هذا القول لا يصدر إلا عمَن؟ عن كافر، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم شأن القيامة؛ لأمر الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يُقْسِم على أنها ستقع، قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: كمال رحمة الله عز وجل بعباده، حيث أخبرهم بالبعث وأكَّده بالمؤكِّدات اللفظية والمعنوية والحسية أيضًا؛ لأن الإيمان بالبعث هو الذي يحمل الإنسان على القيام بطاعة الله؛ إذ لو لم يكن هناك بعث ما عمل الإنسان للآخرة أبدًا.
فنقول: إن هذا دليل على رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد؛ أن يؤكِّد لهم البعث الذي يكون فيه الجزاء على العمل من أجل أن يعملوا لهذا اليوم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الساعة موكولة إلى علم الله؛ لقوله: لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ، فهي خبر من أخبار الله سبحانه وتعالى الغيبية التي لا يطلع عليها إلا الله.
والآيات في هذا المعنى والأحاديث أيضًا كثيرة، فمن ادَّعَى علم الساعة فهو كافر؛ لأنه مُكَذِّب للقرآن والسنة وإجماع المسلمين.
ومن فوائد الآية الكريمة: شمول علم الله لكل شيء؛ لقوله: لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ.
ومنها: إثبات السماوات، وأنها عدة، يؤخَذ ذلك منين؟ (...).
نعم من قوله: فِي السَّمَاوَاتِوجمعها، ففيه إثبات السماوات وأنها عدة.
الأرض هل هي كالسماوات؟
الجواب: نعم، كما تدل عليه نصوص أخرى غير هذه الآية.
ومن فوائدها: أن هناك شيئًا أصغر من الذرة؛ لقوله: وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَوهو الواقع، فإن في مخلوقات الله عز وجل ما لا تكاد تراه بعينك، ما لا تراه إلا بالمجهر، ومع ذلك إذا رأيت هذا الشيء -سبحان الله العظيم!- في مجهر يُكَبِّر يخلي الشيء مليون مرة، كبّره مليون مرة، إذا رأيت هذا الشيء اللي ما تراه بعينك تجد له جميع مصالحك أيدي وأرجل وأعين، كل شيء، حتى الزغب اللي على ظهره لوقايته تجده موجودًا، وهذا دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه لطيف خبير سبحانه.
وفيها أيضًا -من فوائد الآية الكريمة-: إثبات اللوح المحفوظ؛ لقوله: كِتَابٍ.
ومن فوائدها: أن هذا اللوح كُتِبَ فيه مقادير كل شيء الصغير والكبير؛ لقوله: وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
ومنه -من فوائده أيضًا-: أن هذا الكتاب مُبِين، أي: مُفَصِّل لكل شيء، كما قال الله تبارك وتعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ٣٨]، ففي هذا اللوح المحفوظ كل ما يكون إلى يوم القيامة كما جاءت بذلك السنة موضحة هذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إباحة القَسَم، بل وجوبه إذا دعت الحاجة إليه، من أين يؤخذ؟ من أَمْر الله نبيه أن يُقْسِم أيش؟ على قيام الساعة: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.
ولهذا نجد بعض الأئمة رحمهم الله إذا ذَكَرُوا حكم مسألة من المسائل أحيانًا يُقْسِمُون عليها، وهذا يوجد في كلام الإمام أحمد، وربما في كلام غيره لكن لم نطلع عليه، فإنه أحيانًا يُسْأَل: هل تقول بكذا وكذا؟ فيقول: إي والله، فيُقْسِم على الشيء تثبيتًا له وتأييدًا، وإيحاءً بطمأنينته إليه بالنسبة للمخاطب.
وعلى هذا فيجوز للمفتي أن يحلف على الحكم إذا دعت الحاجة إلى ذلك، بل قد يكون ذلك واجبًا حسب ما تقتضيه الحال.
قوله: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْهل يستفاد من هذه الآية الكريمة أن الخطاب الخاص بالرسول صلى الله عليه وسلم يشمله والأمة؟ ليس فيها دلالة ظاهرة على هذا، ولكنه سبق لنا أن الخطاب الموجَّه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، إلى ثلاثة أقسام؛ قسم فيه الدلالة الصريحة على أن المراد به الأمة، يعني مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
والقسم الثاني: الدلالة الصريحة على أنه خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم.
والقسم الثالث: ما ليس فيه دلالة ولا قرينة، فهذا مختلَف فيه عند أهل العلم؛ هل هذا الخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام يشمل الأمة بمقتضى الصيغة، أم يشمل الأمة بمقتضى الأسوة؟
مثال الذي فيه الدلالة على أنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ١، ٢]، فهذا بلا شك خاصّ بالرسول عليه الصلاة والسلام.
ومثال ما قام الدليل على العموم: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١]، ففي قوله: إِذَا طَلَّقْتُمُدلالة واضحة على أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مرادًا به الأمة أيضًا، وما عَدَا ذلك فهو كثير.
فهل يشمل الأمة الحكم بمقتضى الخطاب أو بمقتضى الأسوة؟ فمنهم مَن يقول: إنه يشمل الأمة بمقتضى الخطاب، لكنه وُجِّه للرسول عليه الصلاة والسلام لأنه إمامهم، وأن نظير ذلك أن تقول لقائد الجيش: اذهب إلى الجبهة الفلانية، فالمراد: اذهب ومَن معك، مَن يتبعك مِن الجنود.
ومنهم مَن يقول: إنه خاصّ بالرسول عليه الصلاة والسلام لا يشمل الأمة، لكن الأمة مأمورة بالتأسي به؛ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١].
والخلاف في هذا قريب من اللفظ؛ للاتفاق على أن هذا الحكم يشمل الأمة.
إذن لو سمعنا شخصًا ينكر الساعة لنا أن نحلف، أو هل نحن مأمورون أن نحلف على ثبوتها؟ نعم، مأمورون بأن نحلف على ثبوتها.
ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد الحكم على حسب ما تقتضيه الحال، أو بعبارة أصح: تأكيد الخبر على حسب ما تقتضيه الحال، وقد ذكر البلاغيون أن الخبر ينقسم إلا ثلاثة أقسام:
إما أن يُلْقَى إلى خالي الذِّهْن، أو إلى المتردِّد، أو إلى الْمُنْكِر؛ فإن أُلْقِي إلى خالي الذهن فإنه لا حاجة إلى تأكيده، ولا يمكن أن يؤكَّد حسب قواعد البلاغة إلا لنكتة، وإن ألقي إلى متردد حَسُن توكيده؛ ليزول عنه هذا التردد والشك، وإن أُلْقِي إلى مُنْكِر وجب توكيده.
فالأول: ابتدائي، والثاني: طلبي، والثالث: إنكاري، مَرَّ علينا هذا في البلاغة.
هذه المسألة تأكيد هذا الخبر: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْمن أي الأقسام الثلاثة؛ الإنكاري، أو الطلبي، أو الابتدائي؟ الإنكاري؛ لأنه يخاطَب به قومٌ مُنْكِرُون، فكان تأكيده واجبًا.
ذكرنا أثناء الشرح إيرادًا، وهو أنه إذا كان هؤلاء مُنْكِرين فلا فائدة من القَسَم لهم؛ لأن الْمُنْكِر للخبر سواء أقسمت أم لم تقسم ما هو مصدقك، وأجبنا عن ذلك.
طالب: بحوابين، قلنا: الأول: أنه أسلوب من أساليب العرب إذا أُنْكِر عليهم يُقْسِمون، يعني يُبَيِّن صدق اعتقاد هذا الشخص أنه مستيقِن المنقول عن الشيخ، فهو يُقْسِم.
الشيخ: كما استيقن مِن وجود المحلوف به.
طالب: قوله في الشرح: (حَسَن في الجنة).
الشيخ: إي نعم، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [سبأ: ٤] هنشرح الحين دي؟ ما شرحناها.
طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى يقول: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ [البقرة: ٢٢٤].
الشيخ: نعم، لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْكَمِّل الآية.
الطالب: أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
الشيخ: أصحّ ما قيل فيها: إن المعنى لا تجعلوا اليمين مانعًا لكم مِن فِعْل البِرّ والتقوى والإصلاح بين الناس، لا تجعلوه عرضة في كذا وكذا، هذا أصح ما قيل فيها.
تفسير الآيات (4-6)
01:27:12

فيها أيضًا: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [سبأ: ٤]، محل هذه الآية مما قبلها في المعنى، أو اللام في قوله: لِيَجْزِيَمتعلِّقة بماذا؟ مَن؟ إحنا ما فَسَّرْنَاها؟
طلبة: لا، اللي قبل يا شيخ، (بَيِّن هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ).
الشيخ: قال الله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِقال: (لِيَجْزِيَفيها)، (فيها) الضمير يعود على الساعة.
لِيَجْزِيَاللام هنا للتعليل، وقد علمنا من قواعد اللغة العربية أن حروف الجر لا بد لها من متعلَّق، فأين متعلَّق اللام، متعلَّق هذه اللام قوله: لَتَأْتِيَنَّكُمْ، أي: لتأتينكم ليجزي الذين، فهذه اللام للتعليل، وهي متعلقة بقوله: لَتَأْتِيَنَّكُمْ.
ويَجْزِيَبمعنى: يكافئ، أو يثيب، والفاعل هو الله سبحانه وتعالى.
وقوله: (فيها) أشار المؤلف بقوله: (فيها) إلى أن الجارّ والمجرور متعلِّق بـ(تأتِينكم)؛ لأن الضمير في قوله: (فيها) يعود على الساعة، (لِيَجْزِيَفيها).
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: آمنوا بالقلب، وعملوا الصالحات بالجوارح، والإيمان إذا أُطْلِق شمل الأعمال الظاهرة؛ أعمال الجوارح، وكذلك العمل إذا أُطْلِق يشمل الإيمان بالقلب؛ لأن الإيمان بالقلب من أعمال القلوب فإذا قُرِنَا جميعًا صار الإيمان في القلب، والعمل في الجوارح، الإيمان سر، والعمل علانية.
وقوله: آمَنُوا، الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، ليس مجرد تصديق، بل هو التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، القبول في الأخبار، والإذعان في الطلب، فيقبل -مثلًا- ما أخبر الله به ورسوله، ويقبل كَوْن هذا الحكم فرضًا، وكونه تطوعًا، وما أشبه ذلك، ويُذْعِن لذلك، بمعنى أنه يتعبَّد لله بمقتضى ما آمن به، وبمقتضى ما شَرَعَه الله سبحانه وتعالى.
وفي قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، عَمِلُوا الصَّالِحَاتِيعني: عملوا الأعمال الصالحات، فتكون الصَّالِحَاتِوصفًا لموصوف محذوف.
وحَذْف المنعوت جائز إذا قامت القرينة عليه، قال ابن مالك:
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ

ومِن حذف المنعوت قوله تعالى: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ: ١١] أي: دروعًا سابغات.
فعلى هذا تكون الصَّالِحَاتِصفة لموصوف محذوف، أي: الأعمال الصالحات، وما هي الأعمال الصالحات؟ العمل الصالح هو الذي جمع بين أمرين:
الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، فإن فُقِدَ الأول لم يكن صالحًا، وكان مردودًا على العامل، وإن فُقِدَ الثاني لم يكن صالحًا، وكان مردودًا على العامل أيضًا.
الدليل: في الأول قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
وفي الثاني قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، أو «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» ، فلا يمكن أن يكون العمل صالحًا إلا بهذين الشرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
لو أن رجلًا أحدث بِدْعًا من البدع يتدين بها لله سبحانه وتعالى، ويجد من قلبه الاطمئنان إليها والخشوع والبكاء، لكنها مُحْدَثَة في دين الله، هل تكون عملًا صالحًا؟ ما تكون، حتى وإن زُيِّنَ للإنسان هذا العمل واطمأن إليه فإنه ليس من العمل الصالح، فلا يكون مقبولًا ولا نافعًا، بل يأْثَم به الإنسان؛ لأنه مِن التقرُّب إلى الله تعالى بما يكرهه، والتقرب إلى الله تعالى بما يكرهه نوع من الاستهزاء بالله عز وجل.
أرأيت لو أنك أتيت لشخص، ملك من الملوك، وأهديت إليه قارورة فيها ما تريد أن تذهب به إلى التحليل، هل تكون مُكْرِمًا له ولَّا لا؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذا هو يكره هذا الشيء، كيف تقول: أهدي إليه طِيبًا، جَرَّة طِيب، لا بأس أما تهدي إليه هذا الشيء وتقول: أتقرب إليه بذلك، فهذا ضد ما تريد، وهو نوع من الاستهزاء بهذا الْمُكْرَم أو الْمُعَظَّم.
إذن الصالحات ما هي؟ الأعمال الصالحات التي جمعت بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
يوجَد بعض الأعمال مما يُكْرَه في الشرع، لكن الإنسان يطمئن إليه ويرتاح له، فنقول: لا تغترّ بهذا الراحة وهذه الطمأنينة؛ فإن ذلك من تزيين أيش؟ من تزيين الشيطان، عُبَّاد الأصنام الذين جعلوها شفعاء لهم عند الله يرتاحون لهذا، ويرون أنها واسطة بينهم وبين الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فهي من الشرك.
مثال هذا: يوجد بعض الناس يغمض عينيه في الصلاة، ويقول: إن ذلك أدعى للخشوع، فهذا مِن تزيين الشيطان؛ لأن تغميض العين في الصلاة لغير سبب مكروه، وخلاف هَدْي النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يغمض عينيه، ولكنه إما أن ينظر إلى موضع سجوده أو إلى تلقاء وجهه، أما أنه يغمض عينيه فهذا خلاف السنة، ولهذا كرهه الفقهاء رحمهم الله، نعم لو كان هناك سبب للتغميض، كما لو كان أمامك شيء يجهر عينيك، أو نقوش تشغلك، فهنا التغميض لسبب لا للتقرب به إلى الله، ولكن لدفع ما يشوش عليك ويُخِلّ ..