تفسير سورة سبأ - 3
عدد الزيارات 1678

عناصر المادة :
تفسير الآيات (7-9)
تفسير الآيتين (10-11)

ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن منار وهدى يهتدي به الناس ويستضيؤون به؛ لقوله: وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ: ٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ابتغى الهدى من غيره ضلَّ؛ لأنه إذا كان هو الذي يهدي إلى صراط العزيز الحميد فإذا ابتغيت الهدى من غيره المخالف له فإنك لا تُهْدى إلى صراط العزيز الحميد؛ ولهذا لما طلب أهل البدع الوصول إلى الخالق عن طريق غير القرآن ماذا حصل لهم؟ ضلوا وتاهوا وبقوا متحيرين مضطربين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تمسَّك بهذا القرآن نال العزة والحمد أي: صار عزيزًا محمودًا؛ لقوله: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، ولم يقل: إلى صراط الله، بل قال: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِإشارة إلى من تمسَّك بهذا القرآن فله العزة وله الحمد يُحْمَد على فعله وقوله وتركه.
ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما العزيز الحميد، وقلنا: إن العزة التي اتصف الله بها سبحانه وتعالى لها ثلاثة أنواع..
طالب: عزة القهر، وعزة القدر، وعزة الامتناع.
الشيخ: عزة الامتناع، صح؟ عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، كذا؟ طيب، شرحها؟
طالب: عزة القدر أن تكون إنسانًا.. هذا إنسان عزيز (...)، وأما عزة القهر يقول الله سبحانه وتعالى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص: ٢٣] أي: غلبني، وأما الامتناع أن تقول: هذه أرض عَزاز أي: قوية صلبة ممتنعة.
الشيخ: طيب، أحسنت.
الحميد من أسماء الله أيضًا وهو مشتق من الحمد، فهل هو بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟
(...) العزة وإثبات الحمد لله، فيه عبارة عند الناس يقول: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على مكروه سواه، ويش تقولون في العبارة هذه؟
طلبة: غير صحيحة.
الشيخ: ما هي بمناسبة؛ لأنك تُعْلِن إعلانًا تامًا بأنك تكره ما قضى الله، الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أصابه أَمْرٌ يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وإذا أصابه ما يكره قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»  ولا يذكر شيئًا مكروهًا؛ ولهذا ينبغي لنا أن نُنَبِّه من تكلم بهذه العبارة نقول: يا أخي، لا تقل هكذا، هذا يشعر بأنك لم ترض بقضاء الله، قل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».
الآن نحن نعلم أن الله رب كل شيء ويدخل في ضمن ذلك الكلاب والخنازير والحشرات وما أشبه ذلك أو لا؟ لكن هل من اللائق أن تقول: إن الله رب الكلاب ورب الخنازير ورب الحشرات، هذا ليس من الأدب أن تُخَصِّص كما نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فهنا فرق بين التعميم وبين التخصيص؛ ولهذا قال الرسول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».

***

تفسير الآيات (7-9)
00:05:03

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}
[سبأ: ٧] إلى آخره.
أولًا في الإعراب والمعاني البلاغية: هَلْ نَدُلُّكُمْالمقصود بالاستفهام هنا السخرية، ورَجُلٍنُكِّر عَلَى رَجُلٍنُكِّر للتحقير، يعني أنه رجل حقير كقوله تعالى عمن كذب الرسل عمومًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ.
وقوله: أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان: ٤١] فإن هذا للتحقير.
وقوله: يُنَبِّئُكُمْتنصب ثلاثة مفاعيل؛ المفعول الأول الكاف، والمفعول الثاني والثالث مُعَلَّق بقوله: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.
يقول الله عز وجل عن الكافرين أن بعضهم يقول لبعض على جهة التعجب كما قال المؤلف، بل على جهة التحقير قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواأي: (فقال بعضهم على جهة التعجب لبعض هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍهو محمد) الاستفهام هنا قلت: إنه للسخرية، والمؤلف زاد معنى آخر وهو (التعجب) يعني: ألا تتعجبون مما سندلكم عليه.
وقوله: عَلَى رَجُلٍيقول: (هو محمد) لكنهم قالوه بالتنكير على سبيل التحقير، لم يذكروه باسمه؛ لأن ذِكْر الشخص باسمه قد يعني تعلية منزله، ولكنهم قالوه بهذا اللفظ المُنَكَّر تحقيرًا له.
(يُنَبِّئُكُمْيخبركم أنكم إِذَا مُزِّقْتُمْقُطِّعْتُم كُلَّ مُمَزَّقٍبمعنى تمزيق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍهذا المنبأ به) يقول: يُنَبِّئُكُمْأي: يخبركم، فالنبأ بمعنى الخبر، وقد يكون النبأ في الأشياء الهامة، والخبر فيما هو أعم، فتُخْبِر عن الشيء الهام وعن الشيء الحقير، ولكنك لا تنبأ إلا بشيء عظيم كقوله تعالى: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [النبأ: ١، ٢]، وقال تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧، ٦٨] فالنبأ قد يُسْتَعمل في الأشياء العظيمة بخلاف الخبر فإنه يكون أعمَّ.
وقوله: إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍيقول: (إذا قُطِّعْتُم) وهذا التمزيق يعني تمزيق الأرض للحوم البشر؛ فإن الإنسان إذا دُفِن مَزَّقته الأرض وصارت عظامه الصلبة كانت رميمًا، فهم يقولون: يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍقال المؤلف: (بمعنى تمزيق)، وعلى هذا فكلمة (ممزق) لكنها مصدر مميميٌ.
وقوله: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍهذا هو محل النبأ وهو في محل نصب سَدَّ مَسَدَّ مفعولي يُنَبِّئُكُمْالثاني والثالث.
وقوله: إِذَا مُزِّقْتُمْكلمة إِذَاهذه ظرفية، فهل هي متعلقة بـيُنَبِّئُكُمْأو متعلقة بشيء محذوف يدل عليه السياق؟ الأخير؛ لأن إنباء الرسول صلى الله عليه وسلم ليس في وقت تمزيقهم، ولكنه أنبأهم في الحياة الدنيا، إنما تمزيقهم إذا دُفِنوا يعني: أنكم إذا دُفِنْتم ومُزِّقْتم تكونون في خلق جديد، وهذا الخلق الجديد هو البعث، وهل البعث إعادة لما مضى أو ابتداء خلق غير الأول؟ الصواب أنه إعادة ما مضى كما قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم: ٢٧] ولكنه سُمِّي خلقًا جديدًا؛ لأن الإنسان إذا بُعِثَ فإنه لا يُبْعَث كحاله في الدنيا، بل يبعث في حال أشد وأقوى؛ لأنه إذا بُعِثَ فإنه يكون في حال أقوى؛ إذ أنه سيبعث على أنه مُؤَبَّد لا يموت؛ ولهذا يتحمل الناس يوم القيامة من الكَرْب والهم والغم ما لا يتحملونه في الدنيا، فالناس مثلًا لو دنت الشمس منهم قدر ميل في الدنيا لأحرقتهم، ولكنها في الآخرة تدنو منهم ومع ذلك لا تحرقهم.
يقول: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍإذن جديد بماذا؟ جديد في ذاته وأجزائه، أو في أوصافه؟
في أوصافه؛ لأن الصحيح أن الخلق هو إعادة ما مضى (...).
أَفْتَرَىبفتح الهمزة للاستفهام واستُغْنِي بها عن همزة الوصل أَفْتَرَىأصلها (أافترى) لكن همزة الوصل مع همزة الاستفهام تسقط، ومثالها أيضًا قوله تعالى: أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ [الصافات: ١٥٣] [الصافات:١٥٣] أَصْطَفَىبمعنى أاصطفى فسقط الهمزة؛ لأنها وقعت بعد همزة الاستفهام وأظن سقوطها معلومًا؛ لأن همزة الوصل تَسْقُط في الوصل فإذا جاءت همزة الاستفهام صار الكلام متصلًا، وإذا كان متصلًا سقطت همزة الوصل.
أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون: ٢٧] أين ذهبت همزة الوصل في اصْنَعِ؟ سقطت لاتصال الكلام فإذن أَفْتَرَىسقطت لاتصال الكلام.
(أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًافي ذلك) يعني: في قوله: إنكم ستبعثون وتُنْشَؤون خلقًا جديدًا، هل هذا افتراء على الله؟ سيبين الله ذلك، لكن هم يقولون: إن حاله دائرة بين أمرين: إما رجل مفترٍ على الله (أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًافي ذلك أَمْ بِهِ جِنَّةٌجنون تَخَيَّل به ذلك) إذن هم -والعياذ بالله- قسَّموا حال النبي صلى الله عليه وسلم إلى حالين لا ثالث لهما وهما الافتراء على الله والثاني الجنون.
(أَمْ بِهِ جِنَّةٌأي جنون تخيل له ذلك به) هل هناك حال ثالثة؟ نعم هناك حال ثالثة لكن هم لا يُقِرُّون بها وهو أنه صادق عاقل، صادق لم يفتر وعاقل ليس به جنة، وهذا هو الواقع، لكنهم هم والعياذ بالله أسقطوا هذا القسم الثالث؛ لأنهم لا يُقِرُّون به ومن عجب أن هؤلاء الذين يقولون في الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الوصف أنه إما مفترٍ أو مجنون أو شاعر أو كاهن أو ما أشبه ذلك كانوا يسمونه قبل النبوة بالأمين، ويرون أنه من أصدق الناس وأعظمهم أمانة، لكن -والعياذ بالله- لما جاء بما لم يوافق أهواءهم صاروا يلقبونه بهذه الألقاب، وهذه الألقاب السيئة التي لقب المشركون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم موروثة لمن؟ موروثة ورثها أعداء المؤمنين وأولياء المجرمين كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ [المطففين: ٢٩، ٣٠] فهذه الألقاب السيئة موجودة الآن،كل أعداء الرسل يُلَقِّبون أولياء الرسول بمثل ما لُقِّبَ به الرسل.
تعلمون أنه مَرَّ علينا في العقيدة أن من الناس بمن يُلَقِّب أهل السنة والجماعة بماذا؟ بالحشوية والنوابت والغثاء والمجسمة وما أشبه ذلك، كل هذا؛ تنفيرًا للناس عن سلوك مذهبهم.
يقول: أَمْ بِهِ جِنَّةٌقال الله تعالى مبطلًا ذلك: (بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِالمشتملة على البعث والعذاب).
فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ(فِي الْعَذَابِفيها وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِعن الحق في الدنيا).
قوله: بَلِهذه للإضراب، وهل هو الإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي، الإضراب الإبطالي معناه أن ما قبل (بل) باطل، والإضراب الانتقالي معناه أن ما قبل (بل) مرحلة انتقل منها إلى المرحلة الأخرى بدون إبطال لها، فهنا بَلِللإضراب الإبطالي؛ يعني أن الله أبطل هذين القسمين اللَّذينِ ردد هؤلاء الكفار حال النبي صلى الله عليه وسلم بينهما؛ يعني: بل هو غير مفتر، وليس به جنة، ولكن هؤلاء الذين لا يؤمنون في العذاب والضلال البعيد ولا يمكن أن نُقِرُّهم؛ ومثال الإضراب الانتقالي قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل: ٦٦] فإن هذا انتقالي؛ يعني أنهم أولًا بَعُد عِلْمُهم في الآخرة، ثم شكوا فيها، ثم بعد ذلك عَمُوا عنها والعياذ بالله، فهذه أحوالهم الانتقالية.
قال الله: بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِأي: لا يصدقون بها ويعترفون.
طالب: (أو) يا شيخ ما قلنا: بمعنى (بل)؟
الشيخ: قد تأتي أحيانًا مثل أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧].
قال: بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِأي: لا يؤمنون بوجودها ولا يؤمنون بما يحصل فيها، وقد مر علينا أن اليوم الآخر يدخل فيه كلُّ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، فكل ما أخبر به الرسول مما يكون بعد الموت كفتنة القبر ونعيمه وعذابه فإنها داخلة في الآخرة.
قال: (المشتملة على البعث والعذاب فِي الْعَذَابِفيها وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِعن الحق في الدنيا) المؤلف رحمه الله قيَّد المطلق في الموضعين هنا قال الله: فِي الْعَذَابِوالمؤلف قال: (في الآخرة)، وقال: وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِوقال: (في الدنيا)، والأصح أن الآية مطلقة فَهُمْ في العذاب في الدنيا وفي الآخرة، أما عذاب الآخرة فظاهر وأما عذاب الدنيا فما في قلوبهم من الحرج والضيق وما يحصل عليهم أيضًا من العذاب من الله عز وجل كما قال تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت: ٤٠]، وكذلك العذاب الذي يجرى على أيدي الرسل كالعذاب الذي يحصل لهم بالهزائم فإن هذا من عذاب الدنيا، أما في الآخرة فظاهر.
إذن فِي الْعَذَابِيشمل الدنيا والآخرة، وتقييده بالآخرة فيه نظر، بل إنه ينبغي لنا بل يجب علينا ألا نُقَيِّدَ شيئًا أطلقه الله إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو الإجماع.
وقوله: الضَّلَالِ الْبَعِيدِيقول: (في الدنيا) فهم في ضلال بعيد عن الحق، وهم أيضًا في ضلال في الآخرة، فإنهم لا يُهْدَون إلى الصراط الذي ينجو به من عبره من النار، ولكنهم يُهْدَون إلى صراط الجحيم فيَضِلُّون عن الصراط الذي به النجاة قال الله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٢، ٢٣]، وقال سبحانه وتعالى عن المؤمنين: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم: ٨]، فدلَّ ذلك على أن الضلال كما يكون في الدنيا يكون كذلك في الآخرة، فالأَوْلى إذن إبقاء النص على عمومه في الدنيا وفي الآخرة.
ثم قال الله تعالى: (أَفَلَمْ يَرَوْاينظروا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْما فوقهم وما تحتهم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) إلى آخره.
الاستفهام هنا للتهديد؛ يعني أن الله هدد هؤلاء الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: إنه سيعادون هددهم بأحد أمرين: بالخَسْف أو إسقاط الكِسَف أي: القِطَع من العذاب من فوقهم، وإنما ذَكَر الفَوْق والتحت؛ لأنه لا يمكن الفرار منهما، أما اليمين والشمال والخلف والأمام فيمكن الفرار؛ لو جاءك عدو من الخلف أمكنك أن تَفِرَّ إلى الأمام، ولو جاءك من الأمام أمكنك أن تفر إلى الخلف، لكن إذا جاء من أسفل إلى أين تذهب؟ تقفز، ما تستطيع، وإذا جاء من فوق أين تذهب؟ لا تستطيع؛ لهذا هدَّدهم الله تعالى بأمرين لا يمكنهم الفرار منهما.
وقول المؤلف: (أفلم ينظروا)، فسر يَرَوْابمعنى (ينظروا)، والأَوْلى أن تكون شاملة للرؤية البصرية التي بمعنى النظر والرؤية القلبية التي بمعنى العلم والتفكر؛ يعني أن الله عز وجل يَحُثُّهم على أن يتفكروا حَثًّا يراد به التهديد، فالرؤيا هنا شاملة رؤية النظر بالعين ورؤية القلب بالتفكر.
وقوله: إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْفسَّرها المؤلف أيضًا: (ما فوقهم وما تحتهم) طيب، ما الذي بين الأيدي؟ على كلام المؤلف بناء على أنه لَفٌّ ونَشْرٌ مرتب يكون ما فوقهم هو الذي بين أيديهم، وما خلفهم هو الذي تحتهم.
ولكن قد يقول قائل: إن هذا صرف للكلام عن ظاهره بلا دليل، بل نقول: إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْأي ما أمامهم، وَمَا خَلْفَهُمْ: ما وراء ظهورهم، فيحتمل أن المراد بـمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْأمامهم من الزمن ويحتمل أن يكون المراد بـمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْأي: في المكان، وكذلك نقول فيما خلفهم.
قد يكون ما بين اليد هو ما أمامك من الزمان، وما خلفك ما خَلَّفْتَه من الزمان كما في قوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [البقرة:٢٥٥]، أي مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْما يُسْتَقْبَل وَمَا خَلْفَهُمْما مضى، وقد يكون به المكان كما تقول: مررت بين يديِ المصلي، أي: أمامه، وتقول: المأموم يقف خلف الإمام أي: وراءه في المكان ولَّا في الزمان؟ في المكان.
هنا أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْنقول فيها: يحتمل أن يكون المراد المكان ويحتمل أن يكون المراد الزمان، والمراد أن يتفكروا في الأمر هل نجا أحد من عذاب الله؟ انظر ما بين يديك في المكان أو ما بين يديك في الزمان وما خلفك من المكان أو الزمان هل نجا أحد من عذاب الله؟
والجواب: لا، لم ينجُ. إذن هم أيضًا لا ينجون من عذاب الله.
إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَالجملة هنا شرطية، وفعل الشرط وجوابه مضارع مجزوم إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ.
وقوله: أَوْ نُسْقِطْمعطوفة على نَخْسِفْيعني: أو إن نشأ نُسْقِط عليهم كِسَفًا.
قال المؤلف في قراءة: (بسكون السين وفتحها: قطعة) يعني أن فيها قراءتين سبعيتين سكون السين كِسْفًا، أو كِسَفًابفتح السين، ويجوز القراءة فيهما جميعًا، وقد سبق أن قلنا: إن القراءات إذا تعدَّدت فالأفضل أن يقرأ بهذا تارة وبهذا تارة؛ لأنها كلها حق، وكونه يلتزم بقراءة واحدة هذا فيه قصور إلا أن القراءات التي لم تَتَيَقَّن أنها ثابتة لا يجوز لك أن تقرأ بها؛ لأنه يجب أن تقرأ بما ثَبَتَ عندك.
قال: كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِوفي قراءة في الأفعال الثلاثة بالياء، أين الأفعال الثلاثة؟ نَشَأْنَخْسِفْنُسْقِطْبالياء فيقال: {إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ}، والفاعل في الضمائر هنا يعود على الله عز وجل، أما على قراءة النون إِنْ نَشَأْفالأمر ظاهر؛ لأن الضمير فيها ضمير متكلم، لكن على قراءة الياء الضمير فيها ضمير الغائب، وضمير الغائب لا بد فيه مِنْ مرجع يرجع إليه إما سابق وإما لاحق، فأين مرجوع الضمير {إِنْ يَشَأْ} يقال: إنه معلوم من السياق، كما في قوله: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء:٢٨]، من الذي خلقه؟ الله، فهنا يعلم كل أحد أنه لا يستطيع أحد من البشر ولا من غير البشر أن يخسف الأرض بالناس أو يُسْقِط عليهم قِطَعًا من العذاب فيكون مرجع الضمير معلومًا بالسياق.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَالمرئي لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍراجع إلى ربه تدل على قدرة الله على البعث) إلى آخره. يعني: إن الآية تدل على البعث.
إِنَّ فِي ذَلِكَأي فيما بين أيديهم من السماء والأرض لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ. إحنا ذكرنا أن من بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض يشمل كل ما سبق وكل ما مضى وكل ما أمامهم من المكان وكل ما كان خلفهم، من ذلك أننا نرى الآية في السماء ينزل المطر من السماء على الأرض الهامدة اليابسة فترجع مُخْضَرَّة حية، أفلا يكون في ذلك دليل على إمكان إعادة الخلق؟ الجواب: بلى؛ ولهذا قال: إِنَّ فِي ذَلِكَأي المنظور مما بين أيدينا وما خلفنا من السماء والأرض لَآيَةًأي علامة على قدرة الله عز وجل وعلى علمه وحكمته، لكن هذه الآية ليست آية لكل أحد، بل لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍعَبْدٍمأخوذ من العبودية، وهي التَّذَلُّل، وقد سبق لنا أن التذلل نوعان: تذلل للأمر الشرعي، وتذلل للأمر الكوني، وأيهما المحمود المُثاب عليه؟ التذلل للأمر الشرعي، أما التذلل للأمر الكوني فإن هذا لا طاقة للإنسان به ولا يُحْمَد عليه، كون الإنسان يَذِل لأمر الله الكوني من مرض أو فقر أو موت أهل أو ما أشبه ذلك، هل يُحْمَد عليه؟ لا لأنه ليس من فعله، لكن كونه يَذِلُّ لأمر الله الشرعي فيقوم بشرائع الله هذا هو الذي يُحْمَد عليه.
هنا المراد بـ(العبد) العبد المتذلل للأمر الكوني أو الشرعي؟ الشرعي، طيب بدليل قوله: مُنِيبٍأي: راجع إلى الله سبحانه وتعالى، راجع إلى الله منين؟ من معصيته إلى طاعته فيشمل القائم بالعبادة ولو بدون أن يُذْنِب ويشمل التائب من الذنب، فإن الرجل إذا قام يصلي يتعبد لله عز وجل يقال: إنه أناب إلى الله، ويقال: إذا أذنب ثم استغفر وعاد يقال: إنه أناب إلى الله أيضًا فالإنابة هنا تشمل الإنابة من ذنب فَعَلُه فتكون بمعنى التوبة، وتشمل الإنابة إلى الله القيام بطاعته فتكون أشمل وأعم.
وفي قوله: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ-وهو أمر نسيت أن أنبه عليه- فيه الإعراض الذي اختلف فيه علماء النحو، وهو أن النحويين اختلفوا في إعراب الجملة إذا كانت مصدرة بهمزة الاستفهام وبعدها حرف عطف فقيل: إن الهمزة -أعني همزة الاستفهام- داخلة على شيء مُقَدَّر بحسب السياق، وقيل: وقيل: إن الهمزة داخلة على الجملة الموجودة بدون تقدير وإن حرف العطف كان من حقه أن يتقدم على الهمزة، لكنها قُدِّمَت عليه؛ لأن لها الصدارة.
هذا الوجه الأول يكون التقدير في قوله: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمأَغَفَلوا؟ أو أَأَعرضوا؟ وما أشبه ذلك.
وأما على الثاني فلا حاجة إلى هذا التقدير، بل نقول: إن الهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وتأخرت عن الهمزة؛ لأن لها الصدارة، أيهما أحسن؟
الثاني أحسن؛ يعني: كوننا نقول: إن الهمزة داخلة على هذه الجملة نفسها أولى وذلك؛ لأن القول الأول قد يُعْوِذُك تقدير المحذوف بمعنى أنه يَصْعُب عليك أن تُقَدِّر المحذوف، أما هذا فبناء على أن الجملة هذه معطوفة على ما سبق لا تحتاج إلى تقدير فلا تَتْعَب فيها.
ثم قال الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا [سبأ: ١٠] الواو حرف عطف، ويجوز أن تكون للاستئناف، واللام موطئة للقسم.
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، (...)، اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، ومثل هذا التركيب يأتي في القرآن كثيرًا، ويقال فيه: إن الجملة مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، و(قد) فتقدير هذه الجملة (والله لقد آتينا داود منا فضلًا)، هل يجوز أن تُحذف اللام؟ نعم يجوز، قال الله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ١ - ٥] إلى أن قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَاهذا جواب القسم، ويجوز في قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَافي غير القرآن أن نقول: لقد أفلح، طيب، وهل يجوز أن تُحذف اللام و(قد)؟ نعم يجوز؛ كقوله: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ [البروج: ١ - ٤] فـقُتِلَهذا جواب القسم، ليس فيه (قد) ولا اللام، فصار جواب القسم إذا كان فعلًا ماضيًا جاز فيه ثلاثة أوجه: أن يقترن باللام و(قد)، أن يقترن بـ(قد)، أن تُحذف (...) اللام و(قد)، لكن لا تحذف اللام ولا تحذف (قد) في الغالب إلا إذا طال القسم، أما إذا لم يطل فإنها لا تحذف.
إذا قلت: والله لقد قام زيد، صح؟ والله لقد قام زيد، صحيح ولَّا لا؟ صحيح، وهذا هو الأصل. والله قد قام زيد، هذا أيضًا صحيح حَذَفْنا اللام. والله قام زيد هذا أيضًا صحيح حذفنا منه اللام وقد، والله أعلم.
(...) من فوائد الآية الكريمة وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ [سبأ: ٧] إلى آخره: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الإيمان باليوم الآخر، من أين تُؤخذ؟ من قوله: يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عُتُو الكافرين واستعلائهم واستكبارهم؛ حيث عبَّروا بهذا التعبير ساخرين بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وجه علوهم واستكبارهم:
أولًا: السخرية بهذا النبأ.
والثاني: تحقير النبي صلى الله عليه وسلم.
والثالث: وصفه بأنه لا تخلو حاله من أحد أمرين: إما كاذب، وإما مجنون. هذه ثلاثة أوجه كلها تدل على علو هؤلاء الكافرين وعنادهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم من الأذى وأنه صبر؛ لأن أمرًا يصل إلى هذا الحد في الاستخفاف به والاستهانة بخبره لا شك أنه يُؤَثِّر على نفسه تأثيرًا بالغًا، وأعتقد أن صاحب الدعوة إذا أوذي بمثل هذا الإيذاء كان أشد عليه من أن يُضْرَب ويحبس.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل حيث يعيد هذا الخلق بعد أن يتمزق كل تَمَزُّق؛ لأنه ظاهر من قوله: يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.
ومن فوائدها: أن الكافرين الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون بالله، من أين تُؤْخذ؟ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.
ومن فوائدها: بيان قبح الافتراء على الله حتى إن الكافرين يستقبحونها؛ لقوله: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أعداء الرسل بل أعداء دعوة الرسل يَكيلون السب والقدح والعيب لما جاءت به الرسل، أو للرسل ولما جاؤوا به الرسل؛ لقولهم: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ، ومعلوم أن كلام الكاذب وكلام المجنون ليس بمقبول، فهم يأتون بعبارات التشويه والتقبيح حتى لا يُقْبَل الحق، وهل هذا جارٍ إلى وقتنا هذا؟ نعم، جارٍ إلى وقتنا هذا؛ لأن أعداء دعوة الرسل لا يزالون إلى يوم القيامة، ولكن على أتباع الرسل أن يصبروا وألَّا يَثْنِي عزمَهم مثل هذا الكلام؛ لأنهم على الحق، كما قال تعالى: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل: ٧٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل تَكَفَّل ببيان الحق وإظهاره وإبطال الباطل واندحاره؛ لقوله: بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الكفر يوجب عدم قَبول الحق والاهتداء به تُؤْخَذ من قوله: فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ، وفِيللظرفية، ومعناه أن الضلال محيط بهم من كل جانب؛ ولهذا قال الله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَا نِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠]، فإذا لم يؤمن الإنسان بالحق بقي في ضلال، والشواهد على هذا كثيرة؛ استمع إلى مثل هذه الآية وإلى قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق: ٥] يعني: مضطرب ومختلف، فكل من كذَّب بالحق فإنه لا يزداد إلا ضلالًا حتى لو جاءته الآيات البينات الظاهرات فإنه لا ينتفع بذلك، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٥] مع أنها آيات بينات واضحات.
ومن فوائد الآية الكريمة: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ: وجوب النظر والاعتبار فيما حصل من الآيات في السماء والأرض؛ لقوله: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ لأن هذا الاستفهام للتوبيخ، ولا يُوَبَّخ إلا على ترك واجب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماوات والأرض آيات، لكنها لمن؟ للعبد المنيب إلى الله، وأما مَنْ لا يريد إنابة إلى ربه فإنه لا ينتفع بهذا الآيات حتى لو رآها ونظر فيها وفَكَّر فإنه لا ينتفع.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما يحصل من الخسف والزلازل والنوازل فإنه بإذن الله عز وجل عقوبةً للعباد واعتبارًا خلافًا لمن قال: إن هذه أمور طبيعية لا تدل على غضب الله عز وجل ولا على إنذاره كما هو رأي من لا يؤمن بالله، فالخسف في الأرض عقوبة، وما يأتي من الصواعق والكوارث الأُفُقِيَّة فهي أيضًا عقوبة؛ ولهذا قال: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى محيط بالعباد لا يمكنهم الفرار من قضائه وقَدَرِه؛ أن الله تعالى محيط بكل شيء لا مفر للعباد منه؛ لقوله: نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يمن على العبد بظهور الآيات له حتى يتبين له الحق؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وإذا مَنَّ الله على العبد بالنظر في آياته والتدبر ازداد بذلك إيمانًا بالله عز وجل وإيمانًا ما تقتضيه هذه الآيات من صفاته فإن كل آية تدل على صفة معينة من صفات الله؛ فإنزال المطر يدل على القدرة والعلم والرحمة، وكونه في وقت مناسب يدل على الحكمة، كل شيء مما يقع في السماوات والأرض فإنه يدل على صفة من صفات الله تعالى تناسبه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السماء والأرض آيات عظيمة لمن نظر وتدبر، وهذا أثبته الله سبحانه وتعالى في القرآن في مواضع كثيرة: وَفِي الْأَرْضِ آيَا تٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذاريات: ٢٠]، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَا تٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: ٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فكل مَنْ تدبر ما في السماء وما في الآرض وما بينهما تبين له من آيات الله ما يُقَوِّي إيمانه ويزيده طمعًا في فضل الله تعالى وخوفًا من عقابه.

***

تفسير الآيتين (10-11)
00:49:18

قوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ: ١٠].
آتَيْنَابمعنى أعطينا، وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وكل فعل ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر يُسَمَّى من باب (أعطى وكَسَى)، فهنا آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًادَاوُودَالمفعول الأول، وفَضْلًاالمفعول الثاني، ولا يمكن أن يكون هذا مبتدأ وخبرًا، لو قلت: (داود فضل) يصلح؟ ما يصلح، طيب.
ويقال: (أَتَيْنَا) ولكنها يختلف معناها عن آتَيْنَا، بل معنى (أَتَيْنَا) جئنا، قال الله تعالى: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ [الأعراف: ٥٢]، وقال تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: ١] أي جاء أمر الله.
قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًاداود هو أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو بعد موسى ولَّا قبله؟
طلبة: قبله.
طلبة آخرون: بعده.
الشيخ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: ٢٤٦] وفي القصة أن داود كان منهم، إذن فهو بعد موسى وهو نبي من الأنبياء وقد أنكرت اليهود -لعنة الله عليهم- كونهم نبيًّا ووصفوه بأنه ملك وقد كذبوا في ذلك، فإنه كان نبيًّا من أنبياء الله الذين يجب علينا أن نؤمن بهم ولا يتم إيماننا إلا بالإيمان بهم؛ لأن أركان الإيمان -كما نعلم- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهو أيضًا رسول؛ لأن كل نبي ذكر في القرآن فهو رسول.
قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًامِنَّافبدأ بالجهة قبل الفضل ليتبين عِظَم ذلك الفضل؛ لأن الشيء إذا نُسِبَ إلى جهة عظيمة كان عظيمًا؛ كما في قوله في الحديث الصحيح: «وَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي» «مِنْ عِنْدِكَ» فأضافها إلى الله حتى يتبين ذلك عظمها.
(آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًانبوة وكتابًا) وهذا الذي فَسَّر المؤلف الآية به من باب التمثيل، فإن الله أعطاه النبوة والرسالة أيضًا، وأعطاه الكتاب؛ قال الله تعالى: وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [النساء: ١٦٣] وهل أعطاه شيئًا آخر غير هذا؟ نعم؛ ولهذا نَكَّر كلمة (فضل) جاءت منكرة؛ لتشمل كل ما أُعْطِيَه من فضل سواء كان ذلك دينيًّا أو دنيويًّا، وكان داود عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس صوتًا وترنُّمًا بالذكر حتى إن الله عز وجل أمر الجبال أمرًا إما كونيًّا وإما شرعيًّا قال لها: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ(أَوَّبَ) بمعنى رَجَّع، ومنه الأوَّاب أي: رَجَّاع إلى الله، ومنه (آب يؤوب أوبًا) بمعنى رجع فـأَوِّبِي مَعَهُأي: رجعي معه، والترجيع معناه أن تُرَدِّد الصوت الذي يقوله، فمثلًا إذا قرأ سمعت كأن الجبال التي حوله كلها تقرأ بقراءته، وهذا غير ما نسمعه من الصدى الذي يحصل لكل إنسان؛ لأن هذا الصدى الذي يحصل لكل إنسان إذا كانت قد أحاطت به الجبال هذا أمر طبيعي، لكن هذا الذي أوتيه داود فوق ذلك فكانت الجبال تُرجِّع معه؛ وذلك لحسن صوته ونغماته، حتى إن الجبال تُرَجِّع معه بأمر الله سبحانه وتعالى.
وَالطَّيْرَالطَّيْرَيقول: (بالنصب عطفًا على محل الجبال) كيف؟ يَا جِبَالُهذه منادى، ولَّا لا؟ مبنيٌّ على الضم في محل نصب، وإنما بُنِيَ على الضم وهو نكرة؛ لأنه مقصود، والنكرة المقصودة بمعنى العَلَم؛ فلهذا بُنِيَت على الضم، الطَّيْرَلو عُطِفَت على اللفظ يَا جِبَالُلكانت مرفوعة مبنية على الضم، لكنها عُطِفت على محلِّ الجبال وهو النصب؛ يعني: وكذلك أمر الله الطير بأن تُرَجِّع معه، فكانت الطيور في جوِّ السماء تقف عند سماع قراءة داود عليه الصلاة والسلام، وتُرَجِّع معه، وأنت إذا تَصَوَّرت هذا الأمر وأن رجلًا يقرأ الزبور بذلك القراءة والنغمات الجميلة، ثم الطيور من فوق تُسَبِّح والجبال لا شك أنه مشهد عظيم ورهيب، كل شيء يقرأ بقراءة هذا الرجل بأمر مَنْ؟ بأمر الله عز وجل.
وقوله: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ(أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَفكان في يده كالعجين) أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَأي: جعلناه لينًا بيده حتى إنه كالعجين في يد أحدنا، وهل المراد أن المراد ألانه له بالوسائل التي تُلَيِّن الحديد سُخِّرَت له وهُيِّئَت له، أو أن الله ألان له الحديد بغير سبب المعلوم؟
يرى بعض الناس أنه الأول، وأن المراد بقوله: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَأي: يسَّرْنا له الأسباب التي تُلَيِّن له الحديد؛ لأن تيسير الأسباب لا شك أنه من نعمة الله، أرأيت لو أنك تريد أن تَعكُف سيخًا من الحديد وعندك نار ضعيفة تتعب في ذلك ولَّا لا؟ لكن لو كان عندك نار قويَّة جدًّا كان في خلال دقائق قليلة يلين هذا الحديد كما تشاء، فيرى بعض العلماء أن المراد من تَلْيِين الحديد لداود تَيْسِير الأسباب التي يَسهُل بها لينه، ولكن بعض أهل العلم يقول: إن الله ألان له الحديد بغير سبب، بل بقدرة الله عز وجل، وجعل الله ذلك آية له، كما جعل الله عصا موسى إذا نزلت في الأرض صارت حية وإذا رفعها صارت عصا في آن واحد في لحظة واحدة، فالله على كل شيء قدير، والذي جعل الحديد صلبًا قادر على أن يجعله لَيِّنًا، وعندي أن هذا أقرب إلى المعنى؛ أولًا: أن الله قال: وَأَلَنَّا لَهُفجعل التليين مضافًا إليه إشارة إلى أن لِين هذا الحديد بمجرد القدرة، وكوننا نقول: إن هذا بأسباب عادِيَّة لكنها يُسِّرَت له هذا خلاف ظاهر الآية، ثم لو قلنا بهذا القول هل تكون هذه آية له؟ لا؛ لأن كل مَنْ تَيَسَّر له أسباب إِلَانَة الحديد ألان الله له الحديد، طيب، ألان الله له الحديد حتى صار بيده كالعجين يقدر على أن يُدَوِّرَه على أن يجعله دقيقًا، على أن يجعله غليظًا حسب ما يريد؛ ولهذا قال: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍهذه هي الحكمة من كون الله ألان له الحديد أن يعمل منه الدروع للمجاهدين في سبيل الله.
قال أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍأفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: (وقلنا أَنِ اعْمَلْ) أن (أن) مصدرية حُذِفَ عاملها، والتقدير: (وقلنا: أن اعمل)؛ أي: بأن اعمل، أي: بالعمل، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية وأن نقدر المحذوف بـ(أوحينا) (وأوحينا إليه أن اعمل)؛ لأن (أن) التفسيرية هي التي سبقها معنى القول دون حروفه، وهذا أقرب من تقدير المؤلف، وأَنِ اعْمَلْأي: ووأحينا إليه أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ.
اعْمَلْبمعنى اصنع منين؟ قال: (منه) أي: من الحديد، سَابِغَاتٍويش بعدها عندكم؟ دروعًا بالنصب؟ أنا عندي ما هي منصوبة، (كوامل يَجُرُّها لابسها على الأرض).
سَابِغَاتٍفسرها المؤلف بقوله: (كوامل يَجُرُّها صاحبها على الأرض)، وأفادنا بقوله: (دروعًا) أفادنا بأن سَابِغَاتٍصفة لموصوف محذوف، وهذا المحذوف تقديره دروعًا، وحَذْف الموصوف جائز؛ قال ابن مالك:
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ

السابغ من كل شيء هو الكامل الظافر التام، ومنه قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان: ٢٠] أي: أتمها وأكملها، ومنه إسباغ الوضوء أي: إتمامه وإكماله، فهذه الدروع السابغات يعني الوافيات الكوامل التي تمنع لابسها من أن يناله أذى.
وأما قول المؤلف: (يجرها لابسها على الأرض) ففي هذا نظر؛ لأنه ليس هناك حاجة إلى أن يَجُرَّها على الأرض، ولأنها إذا بلغت إلى هذا المستوى فربما تعيق إلى الكَرِّ والفَرِّ، والمعروف أن الدروع تصل إلى الركبة فقط هذا غايتها؛ لأنها حديد وإذا لبس الإنسان حديدًا يصل إلى الأرض فإنه سيكون مكبَّلًا بالأغلال فالواجب أن نقول: سَابِغَاتٍأي: كاملات ليس فيها نقص، وكمال كل شيء بحسبه.
أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ(أي: نسج الدروع، قيل لصانعها: سَرَّاد أي: اجعله بحيث تتناسب حِلَقُهُ) قَدِّرْ فِي السَّرْدِ(السرد) معناه نسج الدرع، كما ينسج الثوب من القطن، ومن الصوف، يُنْسَج الدرع من الحديد، ومعنى التقدير في السرد؛ أي: اجعل هذا السرد، أي: النسج مُقَدَّرًا مُتَناسِبًا، من التقدير أن..