تفسير سورة سبأ - 7
عدد الزيارات 2773

عناصر المادة :
تفسير الآيات (24-26)

..لهؤلاء المشركين أن تنفعهم هذه الآلهة، فهل تنفعهم؟ لا، لا يمكن أن تنفعهم؛ وذلك لانتفاء أسباب النفع من عدة أوجه: أولًا: لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض استقلالًا، ولا يملكون ذلك مشاركة، وليس لهم معونة يعينون الله تعالى بها، والرابع ليس لهم شفاعة إلا بعد إِذْن الله، فبيَّن الله تعالى أن أسباب النفع في هذه الآلهة منتفية.
فقوله: لَا يَمْلِكُونَالجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الآلهة، (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍوزن ذرة من خير أو شر فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) صح هذا، لا يملكون مثقال ذرة لا في السماوات ولا في الأرض، ويملكون دون المثقال! ولا دون المثقال؟! نعم؛ لأن التقدير إذا قُصِدَ به المبالغة فلا مفهوم له سواء كان في الكثرة أو في القلة، فهنا لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍيعني: ولا دونها واضح؟
طيب، في الكثرة: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ [التوبة: ٨٠]، ولو أكثر من سبعين ما يغفر الله لهم؛ ولهذا قال في آية (المنافقين): سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون: ٦]، فإذا جاء القيد للمبالغة قلة أو كثرة فليس له مفهوم.
إذن لا يملكون مثقال ذرة ولا دونها في السماوات ولا في الأرض، ولو كانوا يملكون ذلك لقلتم: نتعلق بهم لعلهم يعطوننا مما يملكون، صحَّ ولَّا لا؟ طيب، هل لهم شرك في السماوات أو في الأرض؟ لا، ولو كان لهم شرك لقلتم: لعلهم يعطوننا من نصيبهم، ولهذا قال: (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍشركة) مِنْهذه زائدة لفظًا لا معنى، وعلى هذا فـشِرْكٍمبتدأ مؤخر، وخبره الجار والمجرور المقدم وَمَا لَهُمْما لهم شرك في السماوات ولا في الأرض.
(وَمَا لَهُتعالى: مِنْهُمْمن الآلهة مِنْ ظَهِيرٍ) وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍمِنْ ظَهِيرٍأيضًا نقول في إعرابها كما قلنا مِنْ شِرْكٍ؛ أي: أن مِنْزائدة لفظًا لا معنى، وظَهِيرٍمبتدأ مؤخر، والظهير بمعنى المعين، كما قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]، إذن ليس لهم مع الله معونة حتى يُدْلُوا على الله بها، ويقولون: أعطنا عوض معونتنا لننفع مَن أيش؟ من يدعونا، ما لهم مساعدة مع الله، (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍمعين).
(وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُتعالى ردًّا لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده إِلَّا لِمَنْ أَذِنَبفتح الهمزة وضمها {أُذِنَ لَهُ} فِيهَا) إذا قالوا: نعم آلهتنا لا تملك شيئًا في السماوات ولا في الأرض، آلهتنا ليس لها مشاركة مع الله، آلهتنا لم تُعِن الله، لكنها تشفع، كما قالوا؛ يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: ١٨]، تشفع، قطع الله هذه الوسيلة الأخيرة وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُإذن هذه الآلهة ما تستطيع أن تشفع إلا بعد إِذْنِ الله، وهل يمكن أن يأذن؟ لا، لا يمكن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦]، ويقول عز وجل: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]، ومعلوم أنه سبحانه وتعالى لا يرضى عن الكافرين لا أن يشفعوا، ولا أن يُشْفَع فيهم، فتبين أن جميع ما يتعلق به المشركون في شركهم مع الله كلُّه باطل وكلُّه ممتنع؛ فإن الأسباب التي يمكن أن ينتفعوا بها واحد من أمور أربعة -نعدها-: الملك استقلالًا، الملك مشاركة، الإعانة، الشفاعة، وكل هذه الأربعة منتفية في عبادة هذه المدعُوَّة من دون الله، فانقطع جميع كل سبب يتشبث به المشركون، وحينئذ فيجب أن تكون العبادة والدعاء لمن؟ لله تعالى وحده؛ لأنه هو الذي له ملك السماوات والأرض.
طيب، ما هي الشفاعة عنده؟ الشفاعة في اللغة: جَعْل الفرد شِفْعًا، أو جَعل الوِتْر شفعًا، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣]، فضموا واحدٍ إلى واحد؟
طلبة: شفع.
الشيخ: وضم واحد إلى ثلاثة؟
طلبة: شفع.
الشيخ: شفع، وهكذا. لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة؛ أن تتوسَّط لغيرك إما بجلب منفعة له أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة في جلب منفعة، والشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها وفيمن دخلها أن يُخْرَج هذه شفاعة لدفع الضرر، فلا تخرج الشفاعة عن هذين الأمرين: إما لجلب النفع، وإما لدفع الضرر.
إنسان شفع لشخض في أن تُعْلَى مرتبتُه؟ جلب منفعة. شفع لشخص أن كتب عليه غرامة أن ترفع عنه الغرامة، هذه دفع مضرة.
وقوله: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُأو {أُذِنَ لَهُ} الإذن هنا الكوني ولَّا الشرعي؟ الكوني يعني: إلا لمن رَخَّص الله له في أن يشفع، وشرط الإذن أن يكون الله تعالى راضيًا عن الشافع أيش؟ والمشفوع له، فيأذن فيها سبحانه وتعالى كرامةً للشافع وبيانًا لفضله ورحمة بالمشفوع له وإحسانًا إليه، والله (...).
مِنْ دُونِ اللَّهِالدعاء هنا (...).
يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ [سبأ: ٢٠] يستفاد من هذا أن إبليس يوصف بالصدق ويوصف بالكذب وما هو الوصف اللازم له؟ الكذب؛ قال الله تعالى: وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء: ١٢٠]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ» ، ولكن قد يصدُق.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في تسليط الشيطان على بني آدم؛ وهي أن يعلم من يؤمن بالآخرة فيعمل لها ممن لا يؤمن ويكون في شك فلا يَعْمَل؛ لقوله: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان؛ لقوله: فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، ولهذا يمر بكم كثيرًا: لا يؤمن أحدكم حتى يكون كذا وكذا، من كان يؤمن بالله واليوم فليقل كذا وكذا أو فليفعل كذا كذا، مما يدل على أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان وموجب لاتباع هديِ الرُّسل عليهم الصلاة والسلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان إمام لكل ضالٍّ؛ لقوله: فَاتَّبَعُوهُ، فكل الضالين إمامهم الشيطان وهم مُتَّبِعون له.
ومن فوائد الآية الكريمة -على إذا قلنا بأن مِنَللتبعيض، وأن المراد بالاتباع الاتباع المطلق- من فوائدها: أن بعض المؤمنين قد يتبع الشيطان في بعض الأمور، لأنه قلنا: ربما يكون الاستثناء متصلًا، وتكون مِنَ؛ إذ إن بعض المؤمنين قد يتبعون الشيطان في بعض الأمور مثال ذلك: «لَا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» إذا فعل أحد ذلك صار متبعًا للشيطان، ولهاذ كان القولُ الراجح تحريمَ الأكل بالشمال والشرب بالشمال، وأنه ليس مكروهًا بل هو حرام، والإنسان يكون عاصيًا بذلك، إلَّا إذا كان أفندينًا تَقَدُّمِيًّا حضاريًّا فإنه يأكل بالشمال.
طالب: بالشوكة.
الشيخ: لا، الشوكة ما تخالف، لكن الكلام على الشمال، إذا أكلت باليمين كُلْ بثلاث شوك ما يهم، لكن إذا أكلت باليسار هذه هي المشكلة الذي يزعم فاعلوها أنهم تقدميون وحضاريون، نعم، ولكن ليس كل تقدُّمٍ محمودًا؛ فإن الله يقول عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]، طيب، إذن على هذا القول الأخير: أن مِنْللتبعيض يكون الاستثناء متصلًا ويكون لبعض المؤمنين شيء من اتباع الشيطان لا الاتباع الكامل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: إِلَّا لِنَعْلَمَ، وتعلق علم الله تعالى بالموجودات سبق لنا أمس أنه ينقسم إلى قسمين: تعلق بها قبل الوجود، وتعلق بها بعد الوجود؛ فالتعلق بها بعد الوجود يكون علمه بها علم أمر واقع، والأول يكون تعلق علمه بها أنه علم بما سيقع، وبهذا يزول الإشكال في مثل هذه الآية حيث إن ظاهرها يفيد تجدد علم الله سبحانه وتعالى، لأنا نعلم أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء علمًا أزلًا وأبدًا، ومن ظن أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وجوده فقد كفر.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها، تؤخذ.. منين تؤخذ؟
طالب: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ.
الشيخ: إذن فيه إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشك فيما يجب فيه اليقين كفر؛ لقوله: مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ، ولم يقل: ممن هو منكر لها؛ لأنه قد تقول: ظاهر الحال إنه لما قال: يؤمن بالآخرة كان يقول اللي يقابله: (يكفر بالآخرة)، لكن قال: مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّلنستفيد منها فائدة وهو أن ما يُطلَب فيه اليقين يكون الشك فيه كالإنكار كفرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رعاية الله ومراقبته لكل شيء، تؤخذ منين؟
طالب: وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ.
الشيخ: وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌصح.
ومن فوائدها: أن ربوبية الله عز وجل تنقسم إلى خاصة وعامة، والخاصة إلى أَخَصّ وإلى خاصة؛ لقوله: وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌفهذه ربوبية أخص من الخاصة، فإن ربوببة الله عز وجل لخواص عباده كالأنبياء أخص من ربوبيته لعموم المؤمنين، وربوبيته للمؤمنين أخص من ربوبيته لعامة الناس؛ شوف إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا [النمل: ٩١] خاصَّة ولَّا عامة؟
طالب: عامة.
الشيخ: يا إخوان، رب هذه البلدة خاصة كيف عامة؟ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَابعدئذٍ لما كانت الربوبية الخاصة هنا قد تُوهِم اختصاص ربوبيته لهذه البلدة، بعد هذا قال: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍعامٌّ.
ثم قال الله عز وجل: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ: ٢٢] في هذا دليل على أنه ينبغي في المناظرة التحدي للمناظر فيما يُعْلَم أنه لن يكون؛ لقوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ؛ فيجب على كل دعاة حق أن يتحدوا هؤلاء المبطلين بأن يُبْرِزوا لباطلهم شيئًا من النفي، وهذا كما أنه في الشرك يكون أيضًا فيما دونه، فإنه ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عز وجل على علم بالأمور حتى يستطيع الجدل فيها؛ لأن من لم يكن على علم فيها فإنه سيقف حيران ولا يتمكن من مقابلة الخصم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأصنام المدعوة من دون الله لا تملك شيئًا لنفسها فلا تملك شيئًا لغيرها، ليس لها ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة على تَصَرُّف ولا شفاعة، والأمر في هذا واضح لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُأي ما لله مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.
ومن فوائدها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، ولو كانت الشفاعة لا تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح النفي، انتبه لو كانت الشفاعة مطلقًا تنفع، أذن الله فيها أم لم يأذن، ما صحَّ النفي، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، إذن فهي تنفع بإذن الله.

***

وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُأي: عند الله إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، وهنا لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ؛ لكمال سلطانه، فالنفي هنا متضمن لإثباتٍ وهو كمال السلطان؛ لأن من كمال السلطان ألا يتكلم أحد عند الملِك المشفوع إليه أبدًا إلا بإذنه؛ ولهذا تجد الإنسان إذا كان ذا هيبة عند الناس وكان في مجلس تجد الناس لا يتكلمون هيبةً له، وتجد السلطان إذا كان ذا هيبة ما أحد يقدر يتكلم في مكان جلوسه ولا مع أخيه سرًّا؛ لأنهم يهابونه، فلكمال سلطان الله عز وجل لا يستطيع أحد يشفع إلا بإذنه، حتى أخص عباده به وهم الأنبياء، وأخصهم محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يشفع إلا إذا أَذِن الله، حتى في مقام الرحمة يوم القيامة فإن الله تعالى يجعل مئة رحمة يرحم بها الخلق، في مقام الرحمة وعند شدة الهَمِّ والغم المقتضي لرحمة الله ما يمكن يشفع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بإذن الله أبدًا؛ لماذا؟ لكمال سلطان الله عز وجل إذا كانت الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله، فهل هذه الأصنام المكروهة عند الله المُنْحَطَّة عنده قَدْرًا هل يمكن أن تشفع لعابديها؟ أبدًا، حتى عيسى عليه الصلاة والسلام الذي عُبِدَ من دون الله لا يمكن أن يشفع لعابديه؛ ولهذا يقول يوم القيامة: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة: ١١٧]، ولا يمكن أن يشفع لهم.
وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُوقد سبق في الدرس الماضي أن الله لا يأذن إلا إذا كان الشافع والمشفوع له من أهل الشفاعة؛ قال الله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦]، وقال عز وجل: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]؛ ولهذا قال العلماء: إن شروط الشفاعة ثلاثة: رضا الله عن الشافع، ورضاه عن المشفوع له، والثالث إذنه بالشفاعة.
قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْحَتَّىهنا ابتدائية، وليست غائية؛ لأن (حتى) تأتي للغاية، وتأتي للابتداء، وتأتي للتعليل، ولها معانٍ متعددة مَنْ أحب الوقوف عليها فليرجع إلى كتاب المغني، أعني: مغني اللبيب لابن هشام رحمه الله فإنه مفيد لطالب العلم.
يقول: حَتَّى إِذَا فُزِّعَفيها قراءتان فُزِّعَو{فَزَّعَ} كما قال المؤلف: (بالبناء للفاعل والمفعول).
عَنْ قُلُوبِهِمْأي: قلوب الخلق أو عن قلوب الملائكة، فيها قولان لأهل العلم وسيأتي إن شاء الله بيانهما.
فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْقال: (كشف عنها الفزع بالإذن فيها)، فَزَّعو{فُزِّعَ} بمعنى: أزال الفزع، وليس فَزَّعبمعنى ألحق الفزع، بل بمعنى أزاله، وهو فعل يُراد به السلب؛ لأن هناك أفعالًا يراد بها سلب المعنى؛ يعني ضد هذا المعنى، قالوا: ومنه قولهم: قَرَّد البعير، ويش معنى (قَرَّدَ)؟ أزال منهم القراد، (...) والله تعرفون البعير والقراد اللي فيها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: معروف، والقراد معروف.
طالب: ما أدري.
الشيخ: البعير تعرفه. القراض هذا شيء يكون في جِلْد البعير دابة حشرة صغيرة تعض البعير وتشرب الدم منها، اسمه؟
طالب: جراد.
الشيخ: جراد؟ لا، لا.
طالب: مثل القمل، يا شيخ؟
الشيخ: مثل القمل للإنسان، هو قمل الإبل.
الطالب: يمسك (...).
الشيخ: إي نعم، هو إذا مسك الجلد ما عاد يطلقه أبدًا، إلا كنت تمسكه أنت وتجره جرًّا.
على كل حال إن شاء الله ربما نطلع على البر ونشوف بعيرًا فيها قراض ونوريك إياها.
طيب المهم أن قرد البعير ما هو معناه وضع القراض فيها، معناه أزاله عنها، فـفُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْأو {فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} يعني: أزال الفزع.
عَنْ قُلُوبِهِمْقال المؤلف: (بالإذن فيها) أي: في الشفاعة، وعلى هذا فيكون الضمير هنا عائدًا على المشفوع له؛ يعني: إذا لَحِقَ المشفوع له من الهم والكرب والغم ما لحقه، وكذلك الخوف والفزع فأذن الله في الشفاعة زال الفزع عن القلوب؛ لأنه قَرُب الفرج.
قال: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) بالإذن فيها قَالُوابعضهم لبعض استبشارًا قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْفيها -أي: في الشفاعة- قَالُواالقول الْحَقَّأي: قد أذن فيها وَهُوَ الْعَلِيُّفوق خلقه بالقهر الْكَبِيرُالعظيم).
أفادنا المؤلف رحمه الله أن الضمير في (بِهِمْ) يعود على من؟ المشفوع له، فإن المشفوع قبل الشفاعة يلحقه الفزع والخوف من ذنوبه أو من غير ذلك، فإذا أُذِن في الشفاعة زال الفزع، وقالوا: ماذا قال الله؟ يقول ذلك: فيقول بعضهم لبعض: قَالُوا الْحَقَّأي: قالوا القول الحق، الْحَقَّبمعنى الثابت الموافِق لمحله.
وقد سبق لنا أن الحق في الأخبار هو الصدق، والحق في الأحكام هو العدل؛ كما قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: ١١٥]. طيب، هذا ما ذهب إليه المؤلف على أن الضمير في قلوبهم يعود إلى المشفوع لهم، وأن التفزيع بمعنى إزالة الفزع وهو الخوف بالإذن في الشفاعة، نعم، والسياق لا يأباه، لكن قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن المراد به غيرُ ذلك، وأن المراد به الملائكةُ الذين هم عند الله، إذا تكلم الله بالوحي صعقوا فإذا صعقوا فُزِّع عن قلوبهم، يعني: أُزيل الفزع عنها ثم صاروا يتساءلون: ماذا قال الله؟ فيقال: قال الحق وهو العلي الكبير.
وإذا جاءت السنة في تفسير القرآن كانت أولى، على أننا سبق أن قلنا: إن القرآن إذا دلَّ على عدة معانٍ لا تتناقض حُمِلَ على جميع المعاني؛ لأنه أوسع وأعظم مما يصل إليه فكر الإنسان، فقد يصل فكري إلى شيء ويصل الفكر الآخر إلى شيء آخر وفكر الثالث إلى شيء ثالث والآية كلها تحتمل هذه المعاني فتُحْمَل عليها، أما إذا كان لا يحتمل إلا معنى فإنه يجب أن يُحْمَل على ما قام الدليل عليه.
وقال بعض أهل العلم: حتى إذا فزع عن قلوبهم عند الموت، ما هو ليس يوم القيامة عند الإذن بالشفاعة، ولكن إذا فُزِّع عن قلوبهم عند الموت، لكن هذا ضعيف، وإن كان قد يرد فيُفَزَّع عن القلب عند الموت ويعترف بالحق، فإن فرعون حين غَرِقَ ماذا قال؟ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠]، وقال الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [غافر: ٨٤]، لكن هذا المعنى ضعيف، فالآية دائرة بين ما قاله المؤلف وما ثبت به الحديث الصحيح، وهي دالة قطعًا على ما جاء به الحديث الصحيح، وما ذكره المؤلف فهو محتمل ولا تأباه الآية.
وقوله تعالى: قَالُوا الْحَقَّالْحَقَّما إعرابهًا؟ أيش؟ صفة لمصدر محذوف، أي: قالوا القول الحق، ولا يصح أن تكون مفعولًا لقال؛ لأن القول لا يَنْصِب إلا جملة أو ما بمعنى الجملة، القول لا ينصب إلا جملة أو ما بمعناها؛ إلا جملة: كقوله تعالى: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: ٣٠]، أين مقول القول؟ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِجملة، أو بمعنى الجملة كقولك: قلت قصيدة، قلت كلمة، هذه بمعنى الجملة؛ لأن الكلمة والقصيدة والشعر لا يكون إلا جملة.
طيب، فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا [النحل: ٣٠]؟
نقول: هذه ليست مفعولًا لقال، لكنها مفعول لفعل محذوف ويش التقدير؟
طالب: قالوا قولًا خيرًا.
الشيخ: لا.
طالب: أنزل خيرًا.
الشيخ: أنزل خيرًا، وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا.
يقول المؤلف رحمه الله: (وَهُوَ الْعَلِيُّفوق خلقه بالقهر) هذا فيه إما تقصير وإما قصور؛ لأن علو الله عز وجل ليس بالقهر، بل علوه ثلاثة أقسام: علو القهر، وعلو القَدْر، وعلو الذات، لكن المؤلف -عفا الله عنا وعنه- كأنه لا يرى علوَّ الذات، والمنكرون لعلو ذات الله سبحانه وتعالى يَنْقَسِمون إلى قسمين: حلولية، ومعطلة تعطيلًا محضًا.
فالحلولية يقولون: إنه يجب عليك أن تؤمن بأن الله في كل مكان بذاته، وتُنْكِر علوه، في كل مكان بذاته؛ إن كنت في المسجد أو كنت في السوق أو كنت في البر أو كنت في البحر، فالله سبحانه وتعالى بذاته في ذلك المكان، وإن كنت في الحُش فهو في الحش، الحش ما هو؟ مكان التخلي يعني -والعياذ بالله- ما نزهوا الله عن الأنتان والأقذار، نسأل الله العافية ولا شك أن هذا كفر محض، ولا يشك أحد في كفر مَنِ اعتقد هذه العقيدة.
الطائفة الثانية المنكرة للعلو يقولون: إنه لا يجوز لنا أن نقول: إن الله فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل، وهذا أيش؟ هذا تعطيل محض؛ يعني: لو قيل لك: صف لنا المعدوم ما وجدت أشد إحاطة بالمعدوم من هذا الوصف؛ الذي ليس فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف ولا أمام، ولا متصل ولا منفصل، هذا ليس بموجود قطعًا، أمَّا الرسل وأتباعهم فيؤمنون بأن الله عز وجل بذاته فوق كل شيء، وهذا هو الذي دلَّ عليه العقل والفطرة والإجماع والكتاب والسنة، ولنستعرض لهذا الأمر، وإن كان -الحمد لله- الأمر ظاهرًا، لكن.. الكتاب دلَّ على أن الله بذاته فوق عرشه من وجوه متنوعة؛ فتارة بذكر العلو مثل: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥]، وتارة بذكر الفوقية وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨]، وتارة بذكر صعود الأشياء إليه؛ مثل: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠]، وتارة بذكر نزول الأشياء منه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ [السجدة: ٥]، فقد تنوعت الأدلة من كتاب الله على علو الله سبحانه وتعالى.
وأما السنة فكذلك دلت السنة على علو الله بذاته من قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وإقراره؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ» وقال: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» .
وأما فعله فإنه في يوم عرفة وهو يخطب الناس عندما خطب تلك الخطبة العظيمة قال لهم: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى السماء. «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» هذا أيش؟ سنة فعلية، لإشارته عليه الصلاة والسلام حين ذكر الله، وأما الإقرارية فإنه أُتِيَ إليه بجارية فسألها فقال: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» . هكذا قال، ويعتبر هذا أيش؟ إقرارًا، فقد تنوعت السنة بالدلالة أو في الدلالة على علو الله تعالى بذاته.
وأما الإجماع فقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الأمة على أن الله تعالى في السماء بذاته ولم يقل أحد منهم بحرف واحد إن الله ليس في السماء أو إن الله في كل مكان بذاته أبدًا.
وأما العقل فاسأل عقلك هل الكمال في علو الذات أو في نفي العلو عنها؟ الأول بلا شك، علو الذات تدل على الكمال، بل هي الكمال، فإذا كان العلو هو الكمال فإن من المعلوم عقلًا أن الرب متصف بماذا؟ بالكمال، وحينئذ يَثْبُت له العلو عقلًا، أما الفطرة فاسأل فطرتك عندما تسأل الله شيئًا، افرض إنك ما درست ولا حضرت في المساجد ولا شيء، إذا سألت الله عز وجل شيئًا أين يَنْصَرِفُ قلبُك؟ إلى الأعلى؛ ولهذا كان أبو المعالي الجويني كان يقرر فيقول: كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء. يريد بذلك أن ينكر استواء الله على العرش الذي مِنْ لازمه الإقرار بالعلو فقال له أبو العلاء الهمداني رحمه الله: دعْنَا من ذكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد مِنْ قلبه ضرورة بطلب العلو، صح، فلطم الجويني لطم على رأسه وصرخ، وقال: حيرني الهمداني. ليش؟ لأن الدليل الفطري لا يمكن النزاع فيه، الدليل الفطري لو نازعك منازع قلت: هذا مجنون.
الطالب: هل في الحديث الذي سرد (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، لما قال: وكان عرشه على الماء، وكان الله لم يكن شيء قبله. يعني ما ذكر استوى على العرش، لم يذكر استواءه على العرش، هذا يريد أن يُقَرِّر أن الله تعالى لم يستوِ على العرش فينتفي علوه.
الطالب: حذف شيئًا من الحديث يعني؟
الشيخ: لا، أبدًا هو نفس الحديث، لكن هو أراد أن يقرر أن الله كان ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء؛ يعني: ولا فيه استواء وعلو.
فالآن نقول: إن الأمر الفطري لا يمكن أبدًا لأحدٍ أن يُنْكِرَه، لو أن أحدًا أنكر طلبَ الطعام للجائع يُصَدَّق؟ لو قال: الجائع ما هو بيطلب الطعام؟ ما يُصَدَّق؛ ولهذا تحيَّر أبو المعالي الجويني وعجز عن الإجابة؛ لأن هذا دليل فطري لا ينازع فيه أحد.
إذن فقد تطابقت الأدلة على علو الله تعالى بذاته، أما علوه بصفاته؛ سواء كانت صفات قدر أو قهر، فهذا يقرُّ به جميع المنتسبين إلى الإسلام حتى الجهمية والأشاعرة وغيرهم يُقِرُّون بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ علوًّا معنويًّا؛ وهو علو الصفات.
قال المؤلف رحمه الله: (وَهُوَ الْعَلِيُّفوق خلقه بالقهر الْكَبِيرُالعظيم) (الْكَبِيرُالعظيم) لا شك أن هذا ليس تفسيرًا مطابقًا، ولكنه كأن المؤلف أخذه من قَرْنِ العظيم بالعليِّ في آية الكرسي؛ حيث قال: وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥] وهنا قال: الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، ففسَّر الْكَبِيرُبأيش؟ بالعظيم، ولكن الصحيح أن الْكَبِيرُليس معناه العظيم، بل معناه ذو الكبرياء، ومعناه أن الله تعالى لا يماثله شيء في ذاته، فالسماوات السبع والأرضين السبع في كفه سبحانه وتعالى كخردلة في كفِّ أحدنا؛ يعني: السماوات السبع على عظمها، والأرضين السبع مثل ما لو وضع الإنسان في يده خردلة. حب الخردل تعرفونه، حب الخردل صغير. كبر أيش؟
طالب: السمسم.
طالب آخر: حبات العدس.
الشيخ: كبر السمسم، هذا الخردلة لو حطتها في كفك ليست بشيء، وهذا أيضًا تمثيل على سبيل التقريب، وإلَّا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له سبحانه وتعالى ليست بشيء، فينبغي أن نقول: إن الْكَبِيرُليس هو العظيم، بل يفيد معنىً آخر، وهو الذي له الكبرياء، وهو الذي لا يُنْسَب إلى شيء من خلقه، فالسماوات السبع والأراضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدنا.
(...) في هذه الآية دليل على إثبات الشفاعة؛ لقوله: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ، فإن قلت: ما وجه الدلالة على إثبات الشفاعة مع أنها نفي لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ؟
(...) ولم يقل: ولا تكون الشفاعة، وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ، دلَّ على إثباتها، لكن لا تنفع إلا بإذنه.
ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة الله تعالى وقوة سلطانه، من أين يؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: وجه ذلك أنها تدل على عظمة الله وقوة سلطانه، وجه الدلالة؟
طالب: (...).
الشيخ: هذا ما فيها.. ما قال: إن الله قوي ذو سلطان أو عظيم ذو سلطان، لكن هي تدل على ذلك باللازم، فما وجه الدلالة؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما (...).
طالب: (...).
الشيخ: بخلاف المخلوقين مهما عَظُم ملكهم فإنه يدخل الشافع على الملك والسلطان ويشفع بدون إذن، فكلما عظم السلطان ازدادت الهيبة، وصار لا يتكلم أحد إلا بإذن الله؛ كما قال تعالى في سورة (عم يتساءلون): وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ: ٣٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: قطع كل سبب يتعلق به المشركون في آلهتهم، ما وجهه؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، قطع كل الأسباب التي يستدلون بها على أنها تنفعهم، وهي:
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، وأنه لا تنفع الشفاعة، هذا آخر سبب يمكن ومع ذلك نفاها الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ كرم الله عز وجل على كلٍّ من الشافع والمشفوع له، منين تأخذ كرم الله على الشافع والمشفوع له؟
طالب: (...).
الشيخ: أحسنت.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام مسموع، ونحن الآن نأخذ الفوائد بناء على القول الراجح في قوله: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...).
الشيخ: والله ممكن إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، ولكن أنا أردت في الآية: إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
الطالب: (...).
الشيخ: أيش بين؟
الطالب: (...) صعق الملائكة.
الشيخ: صعق الملائكة، ولولا أنهم يسمعون كلامه لم يصعقوا.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كلام الله عز وجل ليس ككلام المخلوقين، بل هو أعظم؛ لأن السامع له يَصْعَق إلا أن يُثَبِّتَه الله عز وجل؛ لقوله: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
ومن فوائدها: أن قول الله عز وجل كله حق؛ لقوله: قَالُوا الْحَقَّ.
ومن فوائدها: إثبات الربوبية؛ لقوله: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ.
ومن فوائدها: إثبات علوه سبحانه وتعالى؛ لقوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ، وهو ينقسم إلى: علو الذات، وعلو الصفات، وكلاهما ثابت لله عز وجل.
ومن فوائدها: إثبات الكبرياء لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.
ومن فوائدها أيضًا: أن للملائكة عقولًا وفَهْمًا وإدراكًا وقلوبًا؛ لقوله: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ولكن هل قلوبهم كقلوب الآدميين؟ الله أعلم، لا نعلم كيفيتها، والملائكة صمت لا يشربون ولا يتكلمون وليس لهم أجواف ولا أمعاء؛ لأنه لا يحتاج إلى الجوف والأمعاء إلا مَنْ يأكل ويشرب.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا. يتكلمون، أنا قلت: لا يتكلمون؟! يتكلمون، لا أنا أقول: إنهم لا يأكلون ولا يشربون.
ومن فوائد الآية: أن الملائكة يتكلمون؛ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.
تفسير الآيات (24-26)
00:50:36

ثم قال الله عز وجل: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [سبأ: ٢٤] مَنْاسم استفهام، والمراد به التحدي؛ تحدي هؤلاء المشركين الذين يعبدون مع الله غيره، هل هذه الأصنام ترزقهم مِنَ السماوات والأرض؟ لا، ولكن الذي يَرزق هو الله فيتحداهم بالسؤال: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟
وقوله: مِنَ السَّمَاوَاتِمِنَلابتداء الغاية؛ أي: أن الرزق يأتي من السماوات، والرزق بمعنى العطاء، فما هو الرزق من السماوات؟ قال المؤلف: (بالمطر)، فإن المطر رِزْق ينزل للأرض فتنبُت، وأما الرزق من الأرض فأمره ظاهر هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩]، ثم إننا قد نقول: بأن الرزق من السماوات أشمل من المطر فإن السماوات ينزل منها المطر وينزل منها المن والسلوى، وربما نقول: إن الطيور في جوِّ السماء إنها من رزق السماء؛ لأنها تأتي من فوق، فكل ما يأتي من فوق فإنه يصدُق عليه من رزق من السماوات.
مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِالخطاب في قوله : قُلْللرسول صلى الله عليه وسلم، والمخاطب في قوله: يَرْزُقُكُمْ؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، المخاطب الله! كيف؟! مَنْ يَرْزُقُكُمْالمشركون والكفار، فبماذا يجيبون؟ أحيانًا يجيبون بالصواب كما في قوله في سورة يونس: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس: ٣١]، هذا جواب صحيح، أحيانًا لا يجيبون يتلعثمون، أو يَأْبَوْن أن يتكلموا عِنادًا وخوفًا من الإلزام؛ لأنهم إذا قالوا: الله. ألزموا بألا يعبدوا إلا الله، كيف تعبدون مَنْ لا يرزق؟ فهم أحيانًا يجيبون بالصواب، ويقولون: الله. ثم يكابرون ويعاندون، ويقولون: إنَّ ما نعبدهم شفعاء لنا عند الله ليقربونا إلى الله زلفى، ما نعبدهم لذواتهم، وأحيانًا يَأْبَوْن الجواب، يتلعثمون؛ لأن الحق ثقيل عليهم، إذا لم يقولوا شيئًا، فقل: الله؛ ولهذا قال: قُلِ اللَّهُهو الذي يرزقكم من السماوات والأرض، فإن أَبَوْا قالوا: لا، هو غيره، ولكن لا يمكن أن يقولوا: هو غيره، فقل مَنْ؟ أعد عليهم السؤال مرة ثانية.
قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُ، قال المؤلف: (إن لم يقولون)؛ يعني إن لم يقولوا الله (...).

***

من فوائد الآية الكريمة: قوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُوجوب مناظرة المشركين ومحاجتهم، ويؤخذ الوجوب من قوله: قُلْلأن الأصل في الأمر الوجوب.
ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي أن يُستدل بالأوضح والأبين؛ فإن الرزق من الله عز وجل أمر معلوم (...)، لا يستطيع أحد أن يقول: إنه ينزل المطر أو أنه ينبت النبات، ففي باب المناظرة ينبغي للإنسان أن يستدل بما هو أَبْيَن وأوضح، وهذه طريقة القرآن كما مرَّ علينا في قواعد التفسير.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إجابة السائل فيما هو واضح، جواز إجابة السائل عما سأل فيما هو واضح؛ لقوله: قُلِ اللَّهُ، ومثاله في الأمور العادية أنا أسألك مثلًا، مَنِ الذي جاء بكذا وكذا؟ توقف، عنده تلعثم إما جهلًا أو مكابرة، فأقول: أليس فلان هو الذي جاء به؟ فأقرِّرُك. وهذا -أعني إجابة السائل- إنما هي في الأمور الواضحة، أما في الأمور غير الواضحة فقد يُعارَض ولا يكون جوابه مقنعًا، لكن في الأمور الواضحة للسائل أن يجيب نفسه أيش؟ إذا تلعثم الخصم ولم يجب، أما إذا أجاب فالأمر واقع، وهذا الاستفهام الموجود في الآية الكريمة هذه هل أجاب عنه المشركون عنه بالحق في موضع آخر؟ نعم، في سورة يونس قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس: ٣١].
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز محاجة الخصم بما يعرف في باب المناظرة بالسَّبْرِ والتَّقْسِيم، السبر يعني تتبع الشيء، والتقسيم يعني الترديد بَيْنَ هذا أو هذا؛ فمثله هنا وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍتتبعنا الحال، وجدنا أن حالَ كُلٍّ مِنَّا لا تخرج عن حالَيْن إما هدى وإما الضلال، وهي إما لنا وإما لكم وليس هناك شيء ثالث، هذا يعرف بالسَّبْرِ والتقسيم، ونظيره قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [مريم: ٧٧] هذه دعواه؛ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا، قال الله تعالى: أَطَّلَعَ الْغَيْبَيعني: هل يعلم الغيب أنه سيؤتى مالًا وولدًا؟ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: ٧٨] يعني: أم أن الله أعلمه بذلك وعهد به إليه؟ فيه قسم ثالث؟ القسم الثالث الكذب؛ ولهذا قال: كَلَّاأي أنه لم يَطَّلِع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، قل لي يا أخ: ما الذي قلتُ؟ وما المثال الذي مَثَّلْتُ به؟ (...) بين هذا أو هذا، حتى يتبين أنه لا بد أن يكون أحد أمرين؟
الطالب: المثال؟
الشيخ: هات الآية مثالًا، نحن أو أنتم، الآن أمامنا طريقان هدى وضلال، إما نحن على الهدى وأنتم على الضلال، أو نحن على الضلال وأنتم على الهدى، كذلك الآية التي في سورة مريم واضحة أيضًا جدًّا: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: ٧٧، ٧٨]، وجه ذلك أن الله قال: هل هذا اطلع الغيب وعلم أنه سيُؤتى مالًا وولدًا؟ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًاأي: أن الله أخبره وعهد به له بأنه سيؤتيه مالًا وولدًا؟ لأن دعواه هذه إما أن تكون كذبًا أو عنده علم من الغيب أو عَهْدٌ من الله، ويش قال الله تعالى في هذا؟ كَلَّايعني: لا هذا ولا هذا، إذا انتفى هذا وهذا ويش يبقى الأمر؟ يبقى الكذب، أنها دعوى كاذبة لا حقيقة لها، ولهذا قال: سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [مريم: ٧٩، ٨٠].
ومنه أيضًا قوله: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠] ويش الجواب؟ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُإن كان عنده عهد من الله فإن الله لا يخلف العهد قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، والجواب أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون.
طيب هنا أي قلت: يستفاد من الآية الاستدلال بما يُعْرَف عند علماء المناظرة أو علماء المناظرة والجدل بماذا؟ بالسَّبْر والتقسيم؛ من قوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى.
ومن فوائدها: التلطف مع الخصم والتَّنَزُّل معه للوصول إلى الإقرار بالحق؛ من قوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ؛ لأن هذا في غاية التنزل مع الخصم والتلطف معه ليقرَّ بالحق، وانظر إلى نحوٍ من ذلك في قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، معلوم أن الله خير، أليس كذلك؟ لكن من باب التنزل معهم قيل لهم: آللَّهُ خَيْرٌأم أصنامكم وآلهتكم؟
ومن فوائد الآية الكريمة: المبالغة في التَّنَزُّل مع الخصم وتحمل الغضاضة للوصول إلى الغاية المقصودة؛ لقوله: قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [سبأ: ٢٥]، ونظير هذا التنزل مع الخصم وتحمل الغضاضة الشروط التي وقعت بَيْنَ مَن؟ بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش في صلح الحديبية، وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم.