تفسير الآية (1)
تفسير الآيات (2-4)
تفسير الآيات (5-8)
تفسير الآية (1)
00:00:04
(ست وأربعون آية).
قوله: (مكية) أصح الأقوال في المكي والمدني: أن ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل بمكة، وما نزل قبل الهجرة -أي قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة- فإنه مكي ولو نزل في غير مكة، هذا هو أصح ما قيل في تعريف المكي والمدني.
الغالب في الآيات المكية: قوة العبارة وشدتها وقصر الآيات، وموضوعها غالبًا في أصول الدين وتقرير التوحيد.
وأما الآيات المدنية فإنها بالعكس تجد عباراتها أسهل وأطول، وغالب موضوعها في فروع الدين؛ لأن الناس غالبهم قد قاموا بالتوحيد. ولها ضوابط معروفة في أصول التفسير وعلامات.
وهنا يقول: إنها مكية.
واعلم أن السورة إذا كانت مكية واستُثني بعض آياتها مثلًا يقول: مكية إلا آية كذا وكذا. فإن هذا الاستثناء غير مقبول من قائله إلا بدليل؛ لأن الأصل أن السورة جزء واحد؛ بمعنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا نزلت آية قال: «ضَعُوهَا فِي مَوْضِعِ كَذَا مِنْ سُورَةِ كَذَا» .
فالسور المكية مكية، ولا يُستثنى منها شيء، والسورة المدنية مدنية، ولا يُستثنى منها شيء إلا بدليل، دليل لا يكفي أن يقول العالم: إلا كذا إلا كذا، لا بد فيه من سند؛ لأن هذا خبر، والأخبار لا بد من سند لها حتى تصل إلى غاية السند.
وقول المؤلف: (إنها خمس أو ست وأربعون آية) هذا لا يضر، الاختلاف في عدد الآيات أمر ليس بضار؛ ولهذا في سورة الفاتحة كما تعلمون، اختلف العلماء هل البسملة آية من آياتها أو مستقلة مع الاتفاق على أن الفاتحة سبع آيات.
قال الله عز وجل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
البسملة آية من كتاب الله مستقلة، لا تكون تبعًا لما قبلها، ولا مُقدِّمة لما بعدها؛ بمعنى: أنها ليست من التى قبلها ولا من التي بعدها لكنه يؤتى بها في ابتداء السور علامة على ابتدائها، إلا في سورة براءة، فإن الله تعالى لم يُنزل فيها بسملة، لماذا؟
يقول بعض العلماء: لأنها بعض من سورة الأنفال.
ويقول آخرون: لأنها نزلت بالسيف والشدة على المنافقين والكفار، وهذا لا يناسبه البداءة بالبسملة التي هي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فإن البسلمة بركة ورحمة لا تتناسب مع الشدة والغِلْظة والقتل والقتال.
ولكن هذا ليس بصحيح بل أقرب شيء أن الصحابة أشكل عليهم، هل هي من الأنفال أو مستقلة فوضعوا فاصلًا ولم يضعوا البسملة، فلم يجزموا لا بهذا ولا بهذا على أننا نعلم بأن الله تعالى لم يُنزلها؛ لأنها لو نزلت -البسملة بين الأنفال وبراءة- لو نزلت لكان بقاؤها حتميًّا؛ لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، وعلى هذا فيكون اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم مطابقًا تمامًا بواقع الحال.
أما إعرابها: فقد تقدم مرارًا، وذكرنا أن أحسن الإعرابات فيها أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف مؤخر فعلي مناسب.
فإذا أردت أن تتوضأ وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم؛ فالتقدير: باسم الله أتوضأ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِإلى آخره [فاطر: ١]. اعلم أن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، هذا هو الحمد. وقد حمد الله نفسه سبحانه وتعالى في أول الأمور وآخرها، وفي أول الأمور الكونية قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ١]، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١].
وفي أول الأمور الشرعية قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف: ١].
كما حمد نفسه على منتهى الأمور أيضًا، قال الله تعالى في آخر سورة الزمر: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر: ٧٥]، فحمد الله سبحانه وتعالى نفسه في أول الأمر وفي منتهى الأمر؛ لأن الله سبحانه وتعالى له الأمر أولًا وآخرًا، وكل أمره فإنه محمود عليه؛ لأنه مبني على الحكمة والرحمة.
هنا يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ [فاطر: ١] الْحَمْدُمبتدأ، ولِلَّهِخبره، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص للمعنيين جميعًا، أما كونها للاستحقاق فلأنه لا أحد أحق بالحمد من الله عز وجل، فإنه محمود على كل حال؛ لأن كل ما يفعله وكل ما يشرعه سبحانه وتعالى فإنه محمود عليه لكماله.
وأما كونها للاختصاص: فلأن الحمد (أل) هنا للاستغراق، أي: كل حمد فهو لله ثابت له، ومعلوم أنه لا أحد يختص بهذا الوصف العام الشامل إلا الله عز وجل؛ لأن من يُحمَد سوى الله لا يُحمد إلا على أشياء جزئية، الجزئية غير شاملة، لكن الذي يُحمد على كل شيء هو الله؛ وبهذا عرفنا أن اللام للاستحقاق والاختصاص أيضًا.
قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ [فاطر: ١] قال المؤلف: (حمد تعالى نفسه بذلك كما بَيَّنَ في أول سبأ) في أول سبأ قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ [سبأ: ١].
لكن هناك حمد نفسه لعموم مُلكه الذي له ما في السماوات والأرض، وهنا حمد نفسه لابتداء خلقه، قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ١].
فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِقال المؤلف في تفسيره: (...). بل لهم عقول أخص من عقول البشر؛ لأن عقول البشر قد تستولي عليها الشهوة فيضيع الإنسان عقله.
جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: ١] جمع (رسول). يقول: (إلى الأنبياء) والأصح: إلى الأنبياء وغيرهم، يقول الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١] رسل الله عز وجل إلى هذا المحتضر ليقبضوا روحه فهم رُسل إلى الأنبياء وإلى غيرهم، فتخصيص الآية بالأنبياء يُعتبر قصورًا في التفسير.
أُولِي أَجْنِحَةٍ [فاطر: ١] أُولِيبمعنى أصحاب، يعني أن الملائكة لهم أجنحة وهو جمع (جَنَاح)، هذا الجناح يطيرون به بسرعة فائقة أسرع من الجن؛ بدليل أن العفريت من الجن قال لسليمان لما قال: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٨، ٣٩].
وكان له عادة يقوم في وقت معين فقال: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٩] يعني في الوقت المعين، وإلا لكان الأمر مبهمًا، قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٤٠] يعني مثلًا النظر أبعد شيء أنه قال هكذا قبل أن يرتد إليه طرفه فإنه يأتيه به، وفعلًا أتاه؛ ولهذا قال: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا [النمل: ٤٠].
قال العلماء: إن الذي عنده عِلم من الكتاب كان يعرف اسم الله الأعظم، وأنه دعا باسم الله الأعظم فحملته الملائكة، وألقته بين يدي سليمان، وهذا يدل على أن الملائكة أسرع من الجن، ولا شك في هذا أنهم أسرع وأقوى، فهم لهم أجنحة يطيرون بها بسرعة فائقة عظيمة.
جبريل عليه الصلاة والسلام كان له ست مئة جناح، كل جناح له قوة عظيمة في الحمل والطيران، ماذا تكون سرعته؟ لا شك أنها سرعة فائقة جدًّا؛ لأننا إذا رأينا الآن الطائرات النفاثة أجنحتها اللي تحملها وهي المراوح التي تُدخل الهواء ليحمل الطائرة ما تبلغ هذا المبلغ ولا عُشْره، ومع ذلك ترتقي بهذه السرعة العظيمة وهذا الارتفاع العظيم، فجبريل عليه الصلاة والسلام له ست مئة جناح قد سد الأفق، وهذا يدلك على أنهم لهم سرعة فائقة عظيمة.
هذه الأجنحة: مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [فاطر: ١] وأكثر ولَّا لا؟ نعم وأكثر يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر: ١].
قوله: مَثْنَىظاهرها أن ذلك في العدد لا في الصنف؛ لأن هذا هو الأصل، ويحتمل أن يكون في الصنف؛ لأننا مثلًا نرى الطائر مثلًا له جناحان، لكن كل ريشة من هذه الأجنحة لها عمل خاص في تكييف الطيران، منها مثلًا ما ينصبه حتى يرتفع، ويخفضه حتى ينزل، ويفرشه حتى يستقر، هذا شيء مُشاهَد؛ ولهذا بعض الأحيان تنتف أشياء معينة من الجناح، ثم لا يطير مع أن الباقي في جناحها أكثر مما نتفت بكثير.
فيحتمل أن قوله: مَثْنَىيعني باعتبار الصنف وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [فاطر: ١]، ويحتمل أنه باعتبار العدد، وأن الملائكة بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، ولا يُنافي ذلك أن جبريل عليه الصلاة والسلام له ست مئة جناح؛ لأن الله يقول: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر: ١] ويكون مما زاده أن جعل لجبريل ست مئة جناح.
أُولِي أَجْنِحَةٍ [فاطر: ١] فإذا قلت: هل نعرف كيفية هذه الأجنحة؟
فالجواب: لا، تعرفها؟
طالب: في الحديث (...).
الشيخ: أيش لونها؟
الطالب: (...) أن كل جناح فيه كذا من الياقوت والزمرد، أنه وصف جناح جبريل والله أعلم بصحة الحديث هنا فيه كذا من الياقوت والزمرد.
الشيخ: إي نعم، هذا إن شاء الله تحقق من الحديث.
طالب: (...) بائع الزهور.
الشيخ: إي نعم، كبائع الزهور، وهذه كلها (...) أبدًا، زهور ذابلة يابسة ما جاتها الحياة أبدًا.
كيفية هذه الأجنحة لا نعلمها، وهذا نظيره تمامًا ما جاء في صفات الله عز وجل فإننا نعلم معنى الصفة، ولكننا نجهل كيفية الصفة، لله عز وجل وجه، نعلم ما معنى الوجه لكن هل نعلم كيفيته؟ لا؛ لأن ما غاب عنك لا يخاطبك الله به إلا ببيان معناه فقط، وأما كيفيته فلا يمكنك إدراكها؛ لأنه غائب ولا نظير لها، والشيء لا يُعرف إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره، أو الخبر الصادق عنه.
يقول: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا، مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَكيف نعرب مَثْنَى؟
طالب: مفعول.
الشيخ: لا.
طالب: ملحق بالمثنى.
الشيخ: ملحق بالمثنى؟ لا.
طالب: صفة لـأَجْنِحَةٍ.
الشيخ: كمل، في بدل أو صفة، يصح أن تكون صفة، لكن أعرب المهم إعراب.. أما محلها من الإعراب فالأمر جائز في هذا وهذا.
مَثْنَى [فاطر: ١] بدل أو صفة لـأَجْنِحَةٍ [فاطر: ١].
الطالب: بدل مجرور.
الشيخ: وبدل المجرور مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة؟
طالب: مجرور بالفتحة؛ لأنه ما ينصرف.
الشيخ: فتحة مقدرة على أيش؟ على الألف نيابةً؟
الطالب: نيابةً عن الكسرة.
الشيخ: والمانع من الصرف؟
طالب: الوصف والعدل.
الشيخ: الوصفية والعدل، وكذلك نقول في وثُلَاثَ وَرُبَاعَ [فاطر: ١]؛ ولهذا قال: ثُلَاثَولم يقل: ثلاثًا، وَرُبَاعَولم يقل: رباعًا أو رباعٍ بالكسر، ما قال: ثلاثًا ورباعٍ.
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ(يَزِيدُ فِي الْخَلْقِفي الملائكة وغيرها).
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِسواء كان في الملائكة أو غيرهم. يَزِيدُمَا يَشَاءُمما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى؛ ولذلك تجد المخلوقات لها أيدٍ وأرجل بحسب حاجتها إلى هذه الأيدي والأرجل، فبنو آدم لهم أرجل يمشون بها، ولهم أيدٍ يبطشون بها، ولا يمشون بها؛ لأن هذه الأيدي محل الأخذ والعطاء، فأُكْرِم الإنسان بأن تكون يداه غير مُستعْمَلة في المشي، بخلاف الحيوان؛ الحيوان يداه مستعملة في المشي؛ لأنه يأخذ بفمه، ويُعطي بفمه، وينقل بفمه؛ حتى الهرة إذا أرادت أن تنقل أولادها بفمها، لكن الآدمي مُكرَّم، فجعل الله تعالى يديه غير مستعملتين في المشي.
فهو يزيد في الخلق ما يشاء على حسب ما تقتضيه الحكمة وحاجة ذلك المخلوق، وكل ما ذكره الله عز وجل مما هو معلق بمشيئته فقد سبق لنا أنه مقرون بالحكمة.
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فاطر: ١] هذا تعليل لقوله: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُيعني كأن سائلًا يسأل: وهل ذلك صعب عليه؟ فكان الجواب من هذه الجملة أنه سهل؛ لأن الله على كل شيء قدير.
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌكل شيء موجود قادر على إعدامه، وكل معدوم قادر على إيجاده.
لكن لو قال لك قائل: هل يقدر على أن يجعل المتحرك ساكنًا في آنٍ واحد؟
طالب: لا يجوز، ما جاء به نص.
الشيخ: هل يقدر على أن يجعل الشيء المتحرك ساكنًا في آنٍ واحد؟ ما هو بأن يجعل المتحرك ساكنًا؛ يعني يسكن المتحرك، أو يحرك الساكن هذا واضح، لكن في آنٍ واحد؟
طالب: يقدر ولكن (...).
الشيخ: يقدر؟
طالب: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان: ٤٥].
الشيخ: إي، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًاما يخالف، إحنا نقول: المتحرك، يقدر أن يجعل المتحرك ساكنًا، لكنه لا ساكن في حال تحركه؛ لأن متحرك ساكن يمتنع.
طالب: يقدر ولكنه ما جرت به العادة.
الشيخ: لا، يقدر عز وجل أنه يطلع الشمس الساعة الثانية عشرة من الليل لكن ما جرت به العادة، لكن كلمة متحرك ضد، أو نقيض ساكن، أنت إذا وصفته بالمتحرك يقين ليس بساكن، وصفته بأنه ساكن يقين ليس بمتحرك؛ فلذلك قال العلماء: إن المستحيل غير وارد، لأنه مستحيل يعني ما يمكن وجوده، ما هو ما يمكن باعتبار قدرة الله لكن الله عز وجل إذا أراد أن يجعل هذا المتحرك متحركًا صار متحركًا لا ساكنًا، أما يكون متحركًا ساكنًا، كيف يكون متحرك ساكن؟ المتحرك غير ساكن.
يقال: إن الشيطان كان يفرح بموت العالِم إذا قيل: مات فلان العالم؛ فرح وسوَّى حفلة، واستأنس، لكن إذا قيل: مات عابد يقول: هذا هين، ما يهم، يموت ولَّا ما يموت، عرفتم؟
فقال له جنوده: يا سيدنا، ليش أنك تفرح بموت العالم هذا الفرح العظيم، وموت العابد ما يهمك؟ مع أن العابد منقطع عن الدنيا وزاهد في الدنيا ويُكثِر الذكر والصلاة وغيرها؟
قال: إي، لأن العالم أشد عليَّ من العابد، قال: كيف؟ قال: أنا أُريكم الآن، روحوا للعابد وقولوا له: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ في جوف بيضة ولَّا لا؟ راحوا للعابد قالوا له: هل إن الله يقدر على أن يجعل السماوات والأرض في جوف بيضة؟ قال: عاد هذا مستحيل هذا، السماوات والأرض على كبرها ما تصير في بيضة، رأسي لو يصير في بيضة فقسها، رأسه وهو ما هو شيء بالنسبة لك، ما يصح هذا، ما يمكن هذا، ولا يقدر الله على هذا. قال: زين. قولوا له: هل يقدر الله أن يخلق مثله؟ أن يخلق مثل الله؟ فذهبوا له قالوا: ما تقول هل يقدر الله أن يخلق مثل الله؟ قال: نعم، بسيط هذا، إن الله على كل شيء قدير، يقدر الله أن يخلق ربًّا مثله.
إذن كفر هذا العابد سلبًا وإيجابًا، نفيه القدرة في الأول كفر، وإثباته القدرة في الثاني كفر. قال: يلَّا شوفوا، يلَّا روحوا للعالم، اسألوه عن السؤالين، جاؤوا للعالم قالوا: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل السماوات والأرض في جوف بيضة؟
قال: نعم، يقول: كن فيكون، إما أن تصغر السماوات والأرض وإما تكبر البيضة، المهم إذا أراد قال فكان. قال: هل يقدر الله أن يخلق مثله؟ قال: هذا مستحيل، هذا أمر مستحيل، والْمِثلية لا يمكن أن تتطابق أبدًا، لو لم يكن من الفارق العظيم إلا أن هذا حادث، وذاك واجِد الوجود، هذا مستحيل، قال: يلَّا شوفوا.
فالمهم أن الله عز وجل على كل شيء قدير، لكن الشيء المستحيل الذي لا يتصور لا يتصور، وليس المراد هنا المستحيل عادةً، المستحيل عادةً يخلفه الله عز وجل؛ لأن الله هو خالق العادة وقادر على تغييرها، وهذه النار التي تحرق كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم، وهذا الماء السيال صار جامدًا كالطود العظيم، والعادة ممكن أن الله يغيرها عز وجل وبكل سهولة، لكن الكلام على الأمر الممتنع المستحيل.
يقول العلماء: إنه لا تتعلق به القدرة لأنه مستحيل؛ ولهذا قال السفاريني في العقيدة: -
| ..................... | ................ وَاقْتَدَرْ |
| بِقُــــــدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْــــكِنْ | ...................... |
وهذا أمر متفق عليه عند العقلاء.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فاطر: ١] ما فيه استثناء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌكتب الجلال رحمه الله -وهو السيوطي- على هذه الآية في سورة المائدة قال: (وخص العقل ذاته فليس عليها بقادر) يعني على كل شيء قدير إلا على ذاته فليس عليها بقادر، ما تقولون في هذا الاستثناء؟ باطل؟ نقول: هذا لا شك أنه باطل؛ لأن الآية: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌكُلِّ شَيْءٍوقولك: إن العقل خص ذاته فليس عليها بقادر، نقول: إن العقل لا يمكنه أن يخصص هذا الخبر بدون دليل، ولو ذهبنا نُخصِّص مثل هذه العمومات بالعقول لأبطلنا كثيرًا من دلالات الكتاب والسنة.
وماذا تريد بقولك: (خص العقل ذاته فليس عليها بقادر)؟ إن أردت أنه سبحانه وتعالى لم يكن قادرًا على ذاته؛ بمعنى أنه لا يقدر مثلًا أن يمرض نفسه، أو أن يعدم نفسه -سبحانه وتعالى - فهذا أصل لم تتعلق به القدرة؛ لأن هذا من الأمور المستحيلة، وإن أردت أنه لا يقدر على أن يفعل -ولعل هذا مراده- إن أردت أنه ليس قادرًا على أن يفعل؛ لأن الأشاعرة ومن شابههم ينكرون الأفعال الاختيارية؛ فهذا كذب، بل العقل يدل على أنه سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال فعَّالًا لما يريد حقيقة.
فيه عبارة تقع كثيرًا بين الناس يقول: إن الله على ما يشاء قدير، ما تقولون في هذه العبارة؟
طلبة: (...).
الشيخ: (...) بنناقشه ما هي بمسألة هينة، اجزموا وإلا انسحبوا، لماذا؟
طالب: لو قال: إن الله على ما يشاء قدير لكان (...) على غير ما يشاء غير قدير مثل القدرة (...).
الشيخ: يعني هذا يوهم أن ما لا يشاؤه فليس قادرًا عليه، هذا واحد.
طالب: إن كان الإنسان يعني يقول ما أريد هذا (...) المشيئة لا يلزم من إثباتها (...) ينفي، يعني على ما يشاء قدير لا تنفي أنه قادر على غير..
الشيخ: أنه عاجز.
الطالب: أنه عاجز على غير ما يشاء، أن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه هذا.
الشيخ: دعنا من أنه أثبت، لكن هذه العبارة هل جاءت في كتاب الله أو سنة رسوله؟
الطالب: نعم، جاءت.
الشيخ: وين؟
طالب: إن الله على ما يشاء.
طالب آخر: إن الله فعال لما يريد.
الشيخ: دعنا من فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.
الطالب: هو المشيئة والإرادة.
الشيخ: الفعل غير القدرة، هل هو وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ؟ هذه في القرآن وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧] لكن القدرة؟
طالب: الاختلاف ما في هذا.
الشيخ: لا؛ لأن القادر قد يفعل وقد لا يفعل.
طالب: نعم، لكن لا يكون أنه قادر على غير ما يشاء.
الشيخ: لا، على كل حال ما ردك سليمًا؛ لأن قوله: على ما يشاء، أيضًا مقدم، والتقديم يفيد التخصيص، مقدم على عامله والتقديم يفيد التخصيص، أي: على ما يشاء.
طالب: كيف ترد هذه أيضًا؟
الشيخ: ترد بلسان مَنْ؟
الطالب: في القرآن.
الشيخ: أعطنا من هذا الكثير الشيء اليسير؟
الطالب: في هذه.. في سورة.
الشيخ: لك الآن من الآن إلى أسبوعين، اقرأ القرآن من أوله إلى آخره، إذا وجدت أن الله على ما يشاء قدير.
الطالب: لا، ليس إن الله على ما يشاء قدير، لكن يعني في نفس المعنى وليس في هذا اللفظ.
الشيخ: ما يخالف، ولو في نفس المعنى، كأنك تريد إن الله قال: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩]، لكن هنا المشيئة عائدة مو على القدرة، عائدة على الجمع، يعني إذا شاء جمعهم فإنه قدير عليهم ردًّا على من أنكروا البعث وقالوا: كيف إن الله يجمع الناس ويبعثهم بعد أن ماتوا؟ هذا واحد.
ثانيًا: أنك إذا قلت: إنه على ما يشاء قدير فقد خالفت التعبير القرآني الذي أطلق الله فيه وعمَّم إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فاطر: ١].
ثالثًا: أن هذا مأخوذ من مذهب القدرية؛ لأن القَدَرِيَّة يقولون: إن الله لا يقدر على عمل العبد فهو غير داخل في قدرة الله، وإذا لم يقدر عليه فإنه لا يشاؤه.
وكذلك يقولون: إنه سبحانه وتعالى إذا كان فعل العبد في غير مشيئته فإنه غير قادر عليه؛ لأن الله قادر على ما يشاء فقط.
فلأجل هذا نقول: إن هذه العبارة لا تنبغي، وإن كان صاحبها يريد بها معنًى صحيحًا، وقد يريد بها معنًى صحيحًا كما هو ظاهر عبارة كثير من المسلمين اليوم تقول بهذا الشيء، ونقول: إن الأكمل أن تقول: إن الله على كل شيء قدير.
فإن قلت: إنه ورد في قصة الرجل الذي يدخله الله الجنة آخر من يدخل الله الجنة فيقول الله له لما قال: «هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». قال الله له: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» . هذا حديث قدسي.
فالجواب: أن هذا في قضية معينة؛ يعني لو وقع شيء يستغرب الإنسان وقوعه ويستبعده، فلنا أن نقول: إن الله تعالى إذا شاء شيئًا فهو قادر عليه؛ بمعنى أنه فاعله كقوله تعالى: وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧] بخلاف القدرة المجردة عن الفعل، فإن هذه لا تقيد بالمشيئة (...).
ظاهر الآية الكريمة أن جميع الملائكة رسل، فهل هذا الظاهر مراد؟
تقول: غير مراد بدليل قوله: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج: ٧٥].
فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ١].
في هذه الآية الكريمة: بيان كمال الله عز وجل حيث أثنى على نفسه بالحمد، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ [فاطر: ١].
وفيه أيضًا: أن الله عز وجل رحيم بعباده يُعلِّمهم كيف يحمدونه؛ لأن قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِخبر لكن معناه الإرشاد والتوجيه، كما قال تعالى في آية أخرى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الإسراء: ١١١].
ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنها كلما جاءت (الحمد لله) فهو على تقدير (قل) حتى قالوا في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] المعنى: قل الحمد لله.
ولكن الصواب خلاف ذلك، وأن هذا خبر من الله، ونحن نتلوه نثني به على الله، ولا حاجة إلى أن يأمرنا الله بذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم (الله) للرب عز وجل، وهذا الاسم خاص به لا يُقال لغيره وهو أصل الأسماء؛ ولذلك تأتي الأسماء بعده -في الغالب- صفةً له، ولا تأتي سابقةً عليه إلا نادرًا كما في قوله تعالى: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [إبراهيم: ١، ٢] وإلا فإن الغالب أن الأسماء تأتي تابعةً له فهو أصل الأسماء؛ ولهذا لا يسمى به غيره أبدًا لا علمًا ولا صفة بأي حال من الأحوال.
وهل هو مشتق أو اسم جامد؟ الصحيح -بلا شك- أنه مشتق؛ لأن جميع أسماء الله تعالى مشتقة بمعنى أنها دالة على المعاني التي أُخِذت منها، منين مشتق (الله)؟
طلبة: من الإله.
الشيخ: من الأُلوهية، الاشتقاقات تكون بالمصدر، ما هو أصل الإله؟ صح أصله (الإله)، لكن (الإله) من أين مشتقة؟ من الألوهية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل هو فاطر السماوات والأرض لم يشاركه أحد في ذلك؛ لقوله: فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ١].
ومنها؛ أي من فوائد الآية الكريمة: كمال قدرته وحكمته حيث ابتدأ خلق هذه السماوات العظيمة والأرض على هذا النظام البديع من غير أن يسبق مثال يحتذيه ويقتدي به، ومعلوم أن مبدأ الصنعة يُشْهد له بالخبرة والقدرة؛ يعني من أنشأ شيئًا جديدًا، وصار هذا الشيء الجديد منتظمًا على تمام الانتظام وغاية الإحكام فإنه يُشهد له بماذا؟ بالكمال والخبرة.
وفي كونه فطر السماوات والأرض دليل على القدرة وعلى الحكمة؛ لأنه خلقهما على غير مثال سبق.
ومن فوائدها: أن السماوات متعددة، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أنها سبع فقال: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]، وأما الأرض فذُكِرَت مفردة باعتبار الجنس وهي كم عددها؟
طالب: عدد الأرض؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: واحدة.
الشيخ: واحدة فقط؟
طالب آخر: سبع طبقات.
الشيخ: كم الأرض؟
الطالب: سبع أرضين.
الشيخ: سبع أرضين ما دليلك من القرآن والسنة؟ من القرآن؟
طالب: خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] .
الشيخ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] ومن السنة؟
طالب: الحديث: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
الشيخ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» بارك الله فيك.
طالب: في حديث ثالث: «السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضِين السَّبْع».
الشيخ: أقول: فيه أحاديث ما هو حديث..
طالب: لكن ما هو يعني أصرح من هذا؟
الشيخ: لا، هذا أصرح.
الطالب: (...) يطوقه.
الشيخ: من سبع أرضين.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ [فاطر: ١].
ومن فوائدها: أن من الملائكة من اصطفاهم الله تعالى رسلًا إلى الخلق بالوحي، وغير الوحي، بالوحي وغيره؛ لقوله: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: ١].
ومنها: أن هؤلاء الرسل لهم أجنحة؛ أجنحة متعددة الأصناف ومتعددة الأعيان، يعني أنها متعددة كمية وكيفية؛ لقوله: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [فاطر: ١].
ومنها؛ أي من فوائد الآية: أن فيها إشارةً إلى سرعة تنقل الملائكة لقوة أجنحتهم؛ لقوله: أُولِي أَجْنِحَةٍ، وإنما قلت: لقوة أجنحتهم؛ لأنه لولا أن لهذه الأجنحة مزية عظيمة استحقت أن يُنَصَّ عليها لكان يُذكر غير الأجنحة كالرؤوس مثلًا، ولكن ذكر الأجنحة لما فيها من القوة لحملها هؤلاء الملائكة؛ ولأنها تكون عند الإرسال أسرع. وقد ذكرنا مثالًا لذلك يدل على أن الملائكة أسرع من غيرها في الطيران في قصة عرش بلقيس.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يزيد على الاثنين والثلاث والأربع بما يشاء؛ لقوله: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر: ١].
ومنها أيضًا: أن الله تعالى فضل المخلوقات بعضها على بعض؛ لقوله: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِوالزيادة مقابلها نقص.
إذن: فهناك مفاضلة بين المخلوقات بعضها مع بعض.
ولكن هل المراد القوة أو كِبَر الجسم، أو العقل، أو العلم، أو المعدن؟
الجواب: العموم؛ لأنه قال: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر: ١]، فهذا يزيده قوةً في الجسم، وهذا يزيده قوةً في العقل، وهذا يزيده قوةً في (...)، وهذا يزيده قوةً في العلم إلى آخره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنك إذا وجدت من نفسك نقصًا في خلقك فاطلبه ممن؟
طالب: من الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: طلبناه من؟ من الله؛ لأن قوله: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُمعناه: لا تسأل الزيادة في خَلْق ولا خُلُق إلا من الله عز وجل؛ لأنه هو المان بما يزيد به سبحانه وتعالى.
ومن فوائدها: إثبات المشيئة؛ لقوله: مَا يَشَاءُ. وقد مر علينا أن المشيئة في كل ما وردت مُعلَّقة بماذا؟ بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القدرة العامة إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فاطر: ١]، فهو قادر على أن يزيد في الخلق ما يشاء، وقادر على الإيجاد والإعدام.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية الذين يزعمون أن أفعال العبد غير مخلوقة ولا مقدورة لله، من أين يؤخذ؟ ما وجه أخذها؟
طالب: (...) كل هذا الشيء نكرة كل شيء (...).
الشيخ: كل ما يحتاج نقول: نكرة؛ لأن (كل) من صيغ العموم سواء كانت نكرة أو معرفة.
الطالب: (...).
الشيخ: صح؛ لعموم قوله: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌوأفعال العبد من الأشياء.
تفسير الآيات (2-4)
00:41:51
ثم قال الله تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَايقول: مَا يَفْتَحِمَاشرطية تجزم بدليل الفعل بعدها مَا يَفْتَحِولكن الفعل بعدها أمامنا مكسور مَا يَفْتَحِ اللَّهُفنقول: إن هذه الكسرة عابرة من أجل توقي التقاء الساكنين وإلا فإنها مجزومة، فأصلها: (ما يفتح) حذف بالكسر؛ لالتقاء الساكنين كقوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١] وأصلها: لم يكن.
وقوله: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ [فاطر: ٢] الفتح فتح الشيء إزالة الحواجز دونه، يعني مثلًا فتحت البيت؛ يعني أزلت الحاجز المانع من دخوله وهو الباب.
والرحمة إذا فُتِحت فإن الإنسان يدخل إليها و(...) فيها.
وقوله: مِنْ رَحْمَةٍمِنْبيان لـ(ما)، و(ما) شرطية مفيدة للعموم، وعلى هذا فيكون في الآية عموم؛ أي: أي رحمة يفتحها الله عز وجل للناس فلا أحد يستطيع إمساكها.
وقوله: مِنْ رَحْمَةٍقال المؤلف: (كرزق ومطر). وهذا على سبيل التمثيل لا الحصر؛ لأن رحمة الله أكثر من ذلك، قال الله تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١٨] فرحمة الله عز وجل لا تحصى في أنواعها فضلًا عن أفرادها.
وقوله: فَلَا مُمْسِكَ لَهَا [فاطر: ٢] أي: فلا أحد يمسكها بل ستصل إلى من فتحها الله تعالى له، ولا يردها أحد، كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول بعد الرفع من الركوع: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» . ويقوله كذلك بعد الصلاة: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وقال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» .
فلا أحد يستطيع أن يُمسك رحمة الله مهما عمل حتى لو حاول الحسد والتشويه ومنع الرزق ما يستطيع، إذا فتح الله الرحمة للعبد لا أحد يستطيع أن يحول بينه وبينها.
ولهذا جاءت لَا مُمْسِكَ لَهَاولَانافية للجنس، وهي أنص شيء على العموم؛ ولهذا عموم لَاالنافية للجنس لا تخصيص فيه أبدًا.
قال: فَلَا مُمْسِكَ لَهَاوهنا قال: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا [فاطر: ٢] الضمير في لَهَايعود على الرحمة.
وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ [فاطر: ٢] لعلك تتوقع أن يكون نص الآية الكريمة: وما يمسك فلا مرسل لها؛ لأن الكلام الآن في الرحمة، في الجملة الأولى قال: فَلَا مُمْسِكَ لَهَافيقتضي أن تكون الجملة الثانية كالأولى؛ أي: وما يمسك فلا مُرْسِل لها، هكذا تتوقع، ولكن ليس الأمر كذلك؛ لأن قوله: وَمَا يُمْسِكْلم يُخَصَّص بالرحمة حتى نقول: إن المتوقع أن يقول: فلا مرسل لها، بل قال: وَمَا يُمْسِكْوحذف المتعلق؛ ليفيد العموم أي: ما يمسك من رحمة، وما يمسك من شر، فلا مُرسل له، حتى الضرر الذي يمسكه الله عز وجل لا أحد يرسلك إليه أو يوصله إليك حتى الرحمة التي أمسكها الله عنك لا يمكن أن يُرسلها أحد إليك؛ ولهذا أحيانًا يسعى الإنسان إلى ما يرى أنه من رحمة الله من رِزْق وغيره، ثم يحول القدر بينه وبينه، أحيانًا يتعرض الإنسان لأخطار ولكن يسلم منها، قد يحصل بالسيارة انقلاب أو صدم فيموت أناس أطول منك أجسامًا وأقوى منك منعة وتبقى أنت.
إذن الله أمسك عنك الضرر ولَّا لا؟ ولولا هذا الإمساك لهلكت فيمن هَلَكَ.
إذن نقول: مَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُأي لما أمسكه، فعاد الضمير في (لا مرسل له) على لفظ مَا.
ولفظ مَامذكر ولَّا مؤنث؟ لفظ مَامذكر بخلافه في الأول فعاد على رحمة؛ لأنها مؤنثة.
الآن تبين لنا أن السياق على أتم ما يكون من البلاغة، وأننا كنا نتوقع أنه يقال: فلا مرسل لها، ليس على ما نتوقع، ليش؟ لأن قوله: وَمَا يُمْسِكْلا يعني الرحمة بل هو عام؛ ولهذا نقول: إن قول المؤلف: (وما يمسك من ذلك) فيه قصور؛ لأن قوله: (من ذلك) يعود إلى الرحمة، ولكن نقول: وما يمسك من ذلك وغيره فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ.
قوله: مِنْ بَعْدِهِقال المؤلف: (أي بعد إمساكه) وهذا لا شك أنه احتمال، وأنه يحتمل أن يكون الضمير راجعًا إلى (إمساك) المستفاد من قوله: يُمْسِكْ.
إذا قيل: هل لهذا نظير أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل قبله؟ لأنه من المعلوم أن مرجع الضمير لا بد أن يكون اسمًا، مذكورًا قبل أو بعد أو مقدر.
المهم أن مرجع الضمير اسم.
الاسم إما أن يُذكر بلفظه الصريح مُقدمًا أو مؤخرًا أو مقدرًا، وإما أن يؤخذ من مصدر فعل سابق.
هنا أرى على كلام المؤلف: مِنْ بَعْدِهِيقول: (أي من بعد إمساكه).
فنقول: أين كلمة إمساك هل سبقت؟ نعم، سبقت؛ لأن يمسك فعل مأخوذ منين؟ من الإمساك.
إذن فقد تضمن الفعل ذلك المرجع وهو الإمساك. ونظيره قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨] هُوَأي العدل المفهوم من قوله: اعْدِلُواأقرب للتقوى.
نرى الثاني يقول: الأصل في مرجع الضمير أن يكون اسمًا مذكورًا متقدمًا، مطابقًا أيضًا، وقد يتأخر، وقد يُقدَّر، وقد يكون مفهومًا من مصدر فعل سابق كما في قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىوكما في هذه الآية على تقدير المؤلف.
هل يمكن أن يحتمل عود الضمير على غير الإمساك؟ شوف الآية، على الله عز وجل؛ لأنه قال: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر: ٢] أي: من بعد الله، وتكون كقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية: ٢٣]. ويكون الضمير في قوله: مِنْ بَعْدِهِعائدًا إلى الله عز وجل وهذا أقرب؛ لأنه أدل على كمال التصرف في حق الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر: ٢] قال: (العزيز الغالب على أمره الحكيم في فعله) أظن أن كل واحد منكم بإمكانه أن يقول: إن هذا التفسير قاصر، تفسير المؤلف الآن قاصر؛ لأن قوله: (العزيز الغالب على أمره) هذا أحد معاني العزيز، فإن (العزيز) له ثلاثة معانٍ: عزة القدْر، والقهر، والامتناع، القهر هو معنى قوله: (الغالب على أمره).
ونقول: إنه يشمل الغالب على أمره الذي لا يُغلَب، وهذا هو القاهر، ذو القدْر الرفيع العالي، وهذا معنى قولنا: عِزَّة القدر، عزة الامتناع: يعني أنه يمتنع أن يناله سوء أو نقص أو عيب. فالعزة إذن ثلاثة معانٍ، وليست معنًى واحدًا.
أما الْحَكِيمُفقال المؤلف: (في فعله) وهذا أيضًا قصور، فإن الله تعالى حكيم في فعله وقوله، في قدَرِه وشرْعه، في الكل، بل إن الحكيم لها معنًى آخر؛ لأنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فهو ذو حكم وذو إحكام، والحكم كوني وشرعي، والإحكام في الغاية أو في الصورة التي عليها الشيء، فالجميع أربعة أنواع.
ولكن يقرن الله تعالى دائمًا بين العزة والحكمة لما في ذلك من كمال عزته (...).
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [فاطر: ٣] نقول: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به؛ لأن النداء يتضمن التنبيه؛ ولهذا إذا قلت للطالب: يا ولد! فإنه ينتبه، فتصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء يفيد التنبيه.
وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُقال المؤلف: (أهل مكة). وهذا بلا شك قصور؛ لأن (الناس) عام، والواجب علينا في القرآن والسنة أن نُبقي العام على عُمومه حتى يقوم دليل على إرادة الخصوص، وإلا فإن الواجب إبقاؤه على عمومه؛ لأنه ليس لنا حق في أن نتصرف في مدلولات الألفاظ المخالفة لظاهرها إلا بدليل من المتكلم، أو من يتكلم مبينًا كلامه كالرسول عليه الصلاة والسلام. فالنداء إذن عام لجميع الناس.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِاذْكُرُواالمراد بالذكر هنا ذِكْر النعمة بالقلب، وذِكْرها باللسان، وذِكْرها بالفعل بالجوارح؛ ذكرها بالقلب بأن يتأمل الإنسان من أين هذه النعمة أتت؟ من الذي خلقك؟ من الذي أمده بالرزق وهو في بطن أمه لم يخرج من بعد؟ من الذي أعده لقبول ما يمر به وتصوره وتعقله وتنفيذه؟
الجواب: الله، فأنت إذا تذكرت في قلبك -ونسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الغفلة- إذا تذكرت في قلبك هذه الأمور عرفت أن ما بك من نِعمة فهو من الله عز وجل؛ فذكر النعمة بالقلب أن الإنسان يتأمل، يقول: من الذي أوجدني؟ مَنْ؟ أجب! الله، من الذي أمدني بالنعم وأنا في بطن أمي لا يستطيع أحد أن يوصل إليَّ لقمة العيش أو جرعة الماء؟ هو الله عز وجل، ثم من الذي أعدني وهيأني لأن أكون قابلًا لما فيه منفعتي في الدنيا والآخرة؟ الله عز وجل، فالنِّعم إيجاد وإمداد.
والشق الثالث: إعداد. إيجاد وإمداد وإعداد كل ذلك من الله سبحانه وتعالى هذا ذكرها بالقلب، ذكرها باللسان أن نثني على الله بها وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]، فيتحدث بالنعم لا على سبيل الافتخار ولكن على سبيل الثناء.
ذِكْرها بالجوارح أن يُرى أثر هذه النعمة عليه، فإن كانت النعمة علمًا رُئي أثر هذا العلم عليه بحسن التصرف والوقار والسكينة والأدب ونشر العلم والدعوة إلى الله عز وجل، هذا مثال، إذا كان بمال يُرى أثر نعمته عليه بالإنفاق فيما يحبه الله عز وجل من الزكاة والنفقات الواجبة والصدقات المستحبة والثياب الجميلة، وما أشبه ذلك، إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه هذا ذكر بماذا؟ بالجوارح.
فصار الذكر يشمل ثلاثة أمور: الذكر بالقلب إيش بعد؟ واللسان والجوارح.
ومن ذكر النعمة بالجوارح أيضًا: أن يقوم بشكرها، أن يقوم بالشكر والله عز وجل أمرنا بذكر نعمته للغاية وهي: قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥٢] ليس المراد أيضًا أن تذكر النعمة فقط بل لا بد من قرن هذا الذِّكْر بالشكر اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [فاطر: ٣].
وقوله: نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْنِعْمَتَهنا مضاف، نكرة مضاف فيشمل جميع النعم وهي (...) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤].
اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِقال المؤلف: (بإسكانكم الحرم ومنع الغارات عنكم) هذا التفسير بناءً على أن المخاطب أهل مكة ولكن نقول: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْبالنعم التي لا تحصى وهي كثيرة جدًّا كما أسلفنا الأمثلة عليها، تكون النعمة بالإيجاد والإمداد والإعداد، كل هذه من الله عز وجل اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.
هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: ٣] يعني إذا تقرر أن ذكرتم نعمة الله عليكم فإننا نوجه إليكم هذا السؤال المتضمن للنفي هَلْ مِنْ خَالِقٍ(مِنْزائدة. وخَالِقٍمبتدأ غَيْرُ اللَّهِبالرفع والجر نعت لـخَالِقٍلفظًا ومحلًّا. وخبر المبتدأ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ).
أولًا: هَلْ مِنْ خَالِقٍ(هل) أداة استفهام حرف، و(من) زائدة زائدة.
كيف زائدة زائدة؟ هذا قلناه. زائدة لفظًا زائدة للمعنى؛ لأنها تفيد توكيد النفي والتنصيص على العموم.
هَلْ مِنْ خَالِقٍوخَالِقٍإذن مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة.
غَيْرُ اللَّهِفيه قراءتان غَيْرُو{غَيْرِ}، وكلاهما صحيح.
أما على قراءة الجر {غَيْرِ اللَّهِ} فهي صفة تابعة للفظ، لفظ خَالِقٍ؛ وخَالِقٍمجرور.
وأما على قراءة الرفع فهي صفة تابعة لمحل خَالِقٍ؛ لأن محله الرفع على الابتداء؛ ولهذا قال المؤلف: (بالرفع والجر نعت لـ(خالق) لفظًا ومحلًّا) في كلام المؤلف: لف ونشر مشوَّش، يبين لنا هذا في كلام المؤلف لف ونشر مُشوَّش.
طالب: (...) هو على كل، اللف والنشر (...) هو أن يقدم.
الشيخ: ما أريد أن تُعرِّفني به، أنا أعرفه.
الطالب: (...).
الشيخ: من يعرف (...)؟
الطالب: لأنه قال: بالجر.
الشيخ: لا.
الطالب: قال: نعت لـخَالِقٍ.
الشيخ: غَيْرُ اللَّهِأيش يقول بعدها؟
طالب: (الرفع والجر) (...)
الشيخ: لا.
طالب: لما ذكر الرفع والجر بعدها قدم الجر قال: (...).
الشيخ: وهذا الجر؟ ومحله هذا للرفع، لا، هذا لف ونشر مشوش.
طالب: غير مرتب.
الشيخ: نقول: غير مرتب إذا صار في القرآن أو في الحديث، أما في كلام الناس نقول: مشوش، فليكن مشوشًا.
(بالرفع والجر نعت لـخَالِقٍ) لو كان مرتبًا لقال: نعت لـخَالِقٍمحلًّا ولفظًا؛ لأنه بالرفع يكون نعت المحل، بالجر يكون نعتًا للفظ.
على كل حال إنه غَيْرُ اللَّهِفيها قراءتان، ولكل منهما وجه في اللغة العربية.
وقوله: يَرْزُقُكُمْيقول المؤلف: (خبر المبتدأ) هل الفعل نفسه خبر المبتدأ أو الجملة؟
الطلبة: الجملة.
الشيخ: الجملة، لكنهم عند الإعراب يتساهلون.
فمثلًا لو قلت: فلان في المسجد يقول: في المسجد جار ومجرور خبر المبتدأ.
هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ [فاطر: ٣] يقول: يَرْزُقُكُمْخبر المبتدأ، وإن كان هذه جملة.
قوله تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍهو استفهام بمعنى النفي، وقد ذكرنا سابقًا أن الاستفهام إذا كان بمعنى النفي فإنه مُشرَب معنى التحدي، يعني لو قال: لا خالق غير الله يرزقكم. استقام الكلام لكن قال: هَلْ مِنْ خَالِقٍصار أبلغ؛ لأنه يتضمن النفي والتحدي كأنه يقول: أروني خالقًا غير الله يرزقكم من السماء والأرض، كما قال تعالى في آية أخرى: أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [فاطر: ٤٠].
يقول: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِخَالِقٍالخلق في اللغة: التقدير، ومنه قول الشاعر:
| وَلَأَنْتَ تَفْـــرِي مَــا خَلَـــقْتَ | وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي |
(تفري ما خلقت) يعني ما قدَّرت، ولكنه يُطلق على الإيجاد المسبوق بتقدير، فهنا خَالِقٍبمعنى؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، بمعنى مُوجِد إيجادًا مسبوقًا بتقدير.
هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟
الجواب؟ لا، لا خالق غير الله يرزقنا من السماء والأرض. وقد سبق لنا إيراد على نفي الخلق عما سوى الله، وقلنا: إنه قد جاء في نصوص تدل على أن غير الله يخلق، وأجبنا عن ذلك بماذا؟ بأن خلق غير الله ليس إيجادًا، ولكنه تحويل من صورة إلى صورة، وأيضًا ليس عامًّا.
وشيء الثالث: أن خلق غير الله هو من خلق الله في الواقع وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] حتى (...) إذا خلقت هذا الشيء يعني أوجدته بمعنى غيَّرته من حال إلى حال فإن فعلي هذا مخلوق لله عز وجل.
فعليه نقول: إن الخالق الحقيقي هو الله.
وقوله: يَرْزُقُكُمْبمعنى يعطيكم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء كما في قوله تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨].
وقوله: مِنَ السَّمَاءِ. فسر المؤلف الرزق من السماء بالمطر، وهذا لا شك أنه داخل فيه، فإن المطر من الرزق النازل من السماء، وهل هناك غيره رزق ينزل من السماء؟
طالب: الوحي.
الشيخ: نعم، الوحي وهو ليس معنا، وفي شيء آخر.
طالب: الْمَنُّ والسلوى.
الشيخ: المن والسلوى، ويش المن والسلوى؟
الطالب: (...) أنزل على بني إسرائيل.
الشيخ: على بني إسرائيل، لماذا لا نقول: الطيور مطلقًا مثلًا؟ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ [النحل: ٧٩] فهي تنزل من السماء وهي رزق للعباد أيضًا.
طالب: ومن الأرض.
الشيخ: ومن الأرض، هي من الأرض ومن السماء.
ممكن أن نقول: إن الطل من الرزق؟ (...) الرطوبة هي من السماء أيضًا وهي رزق؛ لأنها تنفع الأشجار.
وقوله: مِنَ السَّمَاءِوَ(من) الْأَرْضِقدَّر (مِن) إشارةً إلى أن الأرض معطوفة على السماء، النبات صح؟
طالب: (...).
الشيخ: صح لكنه قاصر؛ لأن الرزق من الأرض أكثر من النبات: النبات، والمعادن، والمياه، وغير ذلك، كثير من الأرض.
وقوله: (والاستفهام للتقرير أي لا خالق رازق غيره).
قوله: (للتقرير) ثم قال: (أي لا خالق) هذا شبه تناقض؛ لأن قوله: (لا خالق) يقتضي أن يكون معناه النفي، وهو كذلك، فهو للنفي المشرب التحدي، وأنه لا خالق إلا الله، إذا كان لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى فما الواجب: أن نعبد الله وحده أو لا؟
استمع، قال الله عز وجل: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَأي: لا معبود حق إلا هو، وكيف تعلمون أنه لا رازق يرزقنا من السماء والأرض إلا الله، ثم تذهبون تعبدون غيره؟! هل هذا إلا نقص في التصوُّر، ونقص في العقل أيضًا والتصرف، نقص في التصور والعقل والتصرف، أليس كذلك؟ إذا كان لا رازق إلا الله كيف تعبد اللات والعزى ومناة وهبل والأشجار والأحجار والشمس والقمر والبقر أيضًا؟! فيه ناس يعبدون البقر، يقولون: إن فيه ناسًا في الهند يعبدون البقر، وأنه إذا مرت البقرة على طريق القطار الحديد فإنه يجب أن يقف ولو تكسر كل من فيه، وطبعًا القطار يمشي بسرعة إذا وقف تصادمت الأقواس ومات اللي فيها وتكسر، يقول: لازم؛ لأن هذه إله، والإله ما يمكن إنك تدعسه.
طالب: (...) تدخل الدكان وتأكل.
الشيخ: وتأكل ما شاءت، وتدع ما شاءت، المهم هل هذه عقول؟ ما هي عقول، في الجاهلية يصنعون إلهًا من التمر، فإذا جاعوا أكلوه، أكلوا الإله.
فإذا كان الله عز وجل هو الرازق وحده بإقراركم واعترافكم فيجب أن يكون هو المعبود وحده؛ لقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَإعراب هذه الجملة العظيمة التي بها يدخل الإنسان في الإسلام أو يخرج، يدخل إن أقر بها، ويخرج إن أنكرها.
إعرابها: فيها ست أوجه للنحويين، وألَّف بعض العلماء رسالة في ذلك ولكن أحسن ما يقال في إعرابها: أن لَانافية للجنس وإِلَهَاسمها، وخبرها محذوف تقديره حق (لا إله حق). وإِلَّاأداة استثناء وحرف واللهُبدل من الخبر المحذوف.
وهل النفي هنا مُسلَّط على الوجود أو على الوجود بحق؟ على الوجود بحق؛ لأن هناك آلهة دون الله تُعبَد لكن ليس بالحق، قال الله تعالى: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص: ٨٨]، وقال: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١] فالآلهة موجودة لكنها لا تستحق أن تكون آلهةً؛ لأنها ليس لها ربوبية.
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: ٣] (من أين تُصرَفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق) لو قال المؤلف: عن عبادته لكان أحسن؛ لأن (لا إله إلا هو) هذه توحيد ربوبية ولَّا ألوهية؟
طلبة: ألوهية.
الشيخ: ألوهية، كلمة (توحيد) تشمل يعني الربوبية أيضًا، ولو قال: فأنى تُصرفون عن عبادته وحده مع إقراركم أنه الخالق وحده لكان أحسن.
وقوله: تُؤْفَكُونَ [فاطر: ٣] قال: (أي تُصرفون)، فالأفك بمعنى الصرف، ماضيه: أفك، ومضارعه: يأفك أفكًا ما هي إفكًا، أفكًا بالفتح، أما الإفك بالكسر فهو الكذب، والكذب في الواقع يتفق مع الأفك من حيث المعنى؛ لأن الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع فهو صرف للشيء عن حقيقته، قال الله تعالى: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات: ٩] أي: يُصرف عنه من صُرف.
إذن: تُؤْفَكُونَأي: تصرفون عن عبادته وحده مع إقراركم بأنه الخالق وحده.
والاستفهام في قوله: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَالاستفهام للتوبيخ والتقريع؛ يعني كيف تقرون بأنه الخالق وحده ثم تعبدون معه غيره؟
ثم قال عز وجل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ [فاطر: ٤] (يا محمد في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب والعقاب) فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ.
قال: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَإِنْهنا شرطية وفعل الشرط؟ يُكَذِّبُوكَوجوابه؟ فَقَدْ كُذِّبَتْواقترن بالفاء؛ لأنه مصدر بـ(قد).
إِنْ يُكَذِّبُوكَأي: ينسبوك إلى الكذب فيقولون: إنك كاذب، لست رسولًا لله عز وجل، بل أنت ساحر ومجنون وكاهن وشاعر وما أشبه ذلك، وبعضهم يقول: لا بعث، ولا جزاء، ولا حساب، ولا عقاب.
إن كذبوك فهذا أمر ليس ببدع من بني آدم وليس غريبًا من صنيع بني آدم فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [فاطر: ٤] من كذبهم؟ كذبهم أقوامهم حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» .
حتى إن نوحًا عليه الصلاة والسلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم سرًّا وجهرًا وبالتوبيخ وبالوعيد وبالوعد، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل.
وقوله: رُسُلٌالتنكير هنا للتكثير والتعظيم؛ يعني رسل كثيرة، ورسل عظيمة أيضًا كُذِّبَتْكُذِّب نوح، وكُذِّب إبراهيم، وكُذِّب موسى، وكُذِّب هارون، وكُذِّب عيسى، وهؤلاء أولوا العزم من الرسل وأفضل الرسل كذبوا، فتكذيبك إذن ليس ببدع.
ويراد بهذا أمران: أحدهما: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الإنسان إذا علم أن غيره أُصِيب بمثل مصيبته تسلَّى، يتسلى بذلك، فلو أن أحدًا أُصِيب بحادث، ثم رأينا الحوادث، واحد انكسر إيده، واحد انكسر أصبعه، واحد انكسر فخذه، وواحد انكسر صلبه، فقام الذي انكسر أصبعه يصيح ويتضجر.
قلنا له: فلان انكسر صلبه ويش يكون؟ يخف عليه الألم وينساه؛ لأن تسلي النفس بالغير له أثر عظيم، قال الله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩] فاشتراككم في العذاب لن يُخفِّف عنكم كما هو الشأن في حال الناس في الدنيا، وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا، ماذا قالت؟
قالت:
| وَلَــــوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِـــــينَ حَــــــــوْلِي | عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي |
| وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ | أُسَـــلِّي النَّفْــــسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي |
شوف كيف تقول: أسلي النفس عنه بالتأسي، أقول: هذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، فأنت وغيركِ سواء.
فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [فاطر: ٤]. قوله: إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُالجار والمجرور متعلق بـتُرْجَعُوقُدِّم؛ لإفادة الحصر؛ لأن إلى الله لا غيره تُرْجَع الأمور.
وقد يقال: إنه قُدِّم أيضًا لفائدة لفظية وهي مراعاة الفواصل.
قال المؤلف: تُرْجَعُ الْأُمُورُ(في الآخرة فيجازي المكذبين وينصر المرسلين) وهذا أيضًا من القصور؛ لأن تُرْجَعُ الْأُمُورُفي الآخرة وفي الدنيا أيضًا، فإن الله ينصر المرسلين في الدنيا، ويعاقب المكذبين إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
إذن: تُرْجَعُ الْأُمُورُ [فاطر: ٤] عام، أمور الدنيا والآخرة، وأمور الشرع، وأمور القدر، فكل الأمور تُرجع إلى الله عز وجل؛ هو الأول والآخر، منه المبتدأ، وإليه المنتهى، قال الله تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، قال ابن عمر رضي الله عنه: من كان له شيء فليأتِ به؛ لأن الله يقول: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُويش يبقى؟ إذا كان الخلق وهو الإيجاد لله، والأمر في التصرف والتصرف لله أيش بقي لنا؟ ما بقي شيء؛ ولهذا لم يبقَ شيء من أحد لأحد أبدًا فالأمور كلها لله.
الأمور هنا جمع (أمر)، وما معنى الأمر هنا؟ طلب الفعل على وجه الاستعلاء؟
طالب: الشؤون.
الشيخ: الأمور بمعنى الشؤون؛ لأن الأمر الذي بمعنى طلب الفعل على وجه الاستعلاء جمعه (أوامر) لا أمور، فالأمور هنا جمع (أمر) بمعنى الشأن؛ أي شؤون الدنيا والآخرة وشؤون القدرية والشرعية كلها تُرْجَع إلى الله سبحانه وتعالى.
وإذا كانت تُرجع إلى الله وقد كُذِّبت الرسل، فما مصير الرسل والمكذبين؟ مصير الرسل النصر في الدنيا والآخرة، ومصير المكذبين الخذلان والخزي والعار في الدنيا وفي الآخرة والله أعلم (...).
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [فاطر: ٣].
يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: وجوب ذكر نعمة الله عز وجل في المواضع الثلاثة التي أشرنا إليها من قبل: القلب، واللسان، والجوارح.
ويستفاد منه: أهمية ذكر النعمة؛ لأنها صُدِّرت بأيش؟ بـيَا أَيُّهَا النَّاسُ [فاطر: ٣]، وهذا يدل على الأهمية؛ لأن ما صُدِّر بالنداء معناه تنبيه المخاطب على الاستماع.
ويستفاد من ذلك من هذه الآية: أن الكفار مخاطبون بالشرائع، من أين يؤخذ؟ الناس يَا أَيُّهَا النَّاسُ، فكما يجب على المسلم أن يذكر نعمة الله يجب على الكافر أيضًا أن يذكر نعمة الله، وبناءً عليه فإنه يُعاقَب على عدم ذكر النعمة في الآخرة، وقد يُعاقَب عليه أيضًا في الدنيا.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على عباده بالنعم اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ [فاطر: ٣] وليس نعمة فقط ولكنها جنس، فيشمل جميع ما أنعم الله علينا من نعم الدين والدنيا سواء كان في البدن أو العقل أو العِرض أو المال.
ومن فوائدها أيضًا: أنه لا خالق إلا الله، بدليل؟
طالب: لا خالق إلا الله.
الشيخ: أي نعم، بدليل؟
الطالب: بدليل أنه خلقنا.
الشيخ: من الآية هنا، نحن الآن نتكلم على فوائد الآية، فنريد أن نأخذ الفائدة من كل لفظ أو كل جملة.
طالب: قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: ٣].
الشيخ: في أي كلمة؟ خصص لي محل الفائدة.
الطالب: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ.
الشيخ: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِنعم، وجه ذلك أنه لا خالق غير الله؟
الطالب: هو الذي رزقنا.
الشيخ: لا، وجه ذلك من صيغة اللفظ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ.
الطالب: إنهم أقروا.
طالب آخر: هنا الاستفهام بمعنى النفي.
الشيخ: صح، الاستفهام بمعنى النفي كأنه قال: لا خالق إلا الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرزق يأتي للإنسان من فوق ومن تحت، من أين يؤخذ؟
طالب: مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ٣].
الشيخ: مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِكذا؟ كما قال الله تعالى: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: ٦٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل له الإيجاد والإعداد والإمداد، من أين تؤخذ؟
طالب: يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ [فاطر: ٣].
الشيخ: نعم، هذه فيها إمداد؛ لأن الرزق إمداد للإنسان.
الطالب: مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: ٣].
الشيخ: هذا إيجاد، الثالث؟
الطالب: (...).
الشيخ: كيف ذلك؟ أن الله أعد لنا القبول كقبول الحق ولَّا لا؟ فإذا كان الله أعدكم لهذا القبول والاستدلال بالأدلة على مدلولاتها فأنى تؤفكون عنها؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، من أين تؤخذ؟
طالب: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ(...).
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: (...) لا خالق غير الله (...) عبادته.
الشيخ: (...) يعني كونه الخالق وحده فيجب أن يكون هو المعبود وحده؛ ولهذا نقول: توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، يتضمنها؛ يعني لا يُعبد إلا من عُلِم بأنه الرب الخالق الكامل في صفاته، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.
ومن فوائد الآية الكريمة: بطلان ألوهية ما سوى الله. لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَكيف تجمع بين هذا النفي وبين إثبات الآلهة لغير الله في قوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ [هود: ١٠١]؟
طالب: (...).
الشيخ: أن الألوهية الحق ليست إلا لله، قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: سفاهة أولئك القوم الذين يعبدون مع الله غيره مع إقرارهم بأنه الخالق الرازق، تؤخذ منين؟
طالب: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.
الشيخ: من قوله: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتوبيخ.
ثم قال الله عز وجل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَإلى آخره [فاطر: ٤].
من فوائد الآية الكريمة: أن تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليس ببدع؛ فالرسل قد كُذِّبت من قبل، وهذا واضح من اللفظ.
ومن فوائدها: عناية الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وسلم، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: تؤخذ من أن الله سبحانه وتعالى سلَّى؟
طالب: رسوله (...).
الشيخ: بذكر من كذب من قبل.
قلنا: من فوائد الآية الكريمة: أن سنن الله تعالى في خلقه ظاهرة، كيف؟
طالب: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ [فاطر: ٤] إذا كُذِّبت أنت فقد كذب الرسل أنهم كذبوا الرسل كما كذب النبي صلى الله عليه وسلم، هذه يعني السنة.
الشيخ: لأن التكذيب من فعل الغيب ما هو فعل الله؟
طالب: لا، ليس من فعل الله يعني هكذا خلق الله سبحانه وتعالى الناس أنهم يكذبون الرسل، وأن الرسل يُؤاذوا ويكذبوا.
طالب آخر: سنن الله في رسله أنهم يعني غاية ما يستقبلونه بالتثبيط.
الشيخ: هذا (...).
طالب: من قوله: فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ [فاطر: ٤] فهذا لما بين الله سبحانه وتعالى أن الرسل لما جاءت تُكذِّب بالكلمات.
الشيخ: هذا هو اللي قاله (...).
طالب: (...) الرسل التكذيب من غيرهم.
طالب آخر: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [فاطر: ٤].
الشيخ: لا، قلنا: فيها تسلية للرسول وتهديد للكفار، ما يمكن يثبت التهديد حتى نقول: إن سنن الله تعالى في الأمم واحدة؛ لأنه لولا ذلك لقال الكفار: وإذا كذبت القوم وأهلكوا ما لنا ولهم؟ يعني ما يمكن يصدق بأن في هذه الآية تهديد حتى نقول: إن سنن الله تعالى واحدة.
أيضًا نقول في استفادة أن سنن الله تعالى في الناس واحدة؛ لأنه أهلَك من كذب الرسل وهدد من كذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم.
هل يُستفاد من الآية أن محمدًا رسول الله؟
طالب: أي نعم.
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ [فاطر: ٤] يعني رسول وهم رسل.
الشيخ: أي نعم، ولولا ذلك لم يكن في قوله: فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [فاطر: ٤] فائدة.
من فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الأمور الشؤون كلها إلى الله سبحانه وتعالى.
طالب: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [فاطر: ٤].
الشيخ: ويش وجهه؟ وجه اختصاص هذا بالله؟
الطالب: كل الأمور كلها إلى الله.
الشيخ: ما وجه اختصاص ذلك بالله؟
طالب: تقديم الجار والمجرور (إلى الله) خبر.
الشيخ: تقديم المعمول يفيد الحصر.
إذن إلى الله لا إلى غيره تُرجع الأمور.
من فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا أصابته الضراء أن يلجأ إلى ربه، وأن يتعلق به.
طالب: (...).
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: (...).
الشيخ: إذا كانت الأمور ترجع إلى الله فليكن طلب إزالة الضرر من الله.
وفيه أيضًا: وجوب تحكيم الكتاب والسنة، وأنه لا يجوز العدول عما دل عليه الكتاب والسنة.
طالب: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: أن الأمور والشؤون الخلق جميعًا ترجع إلى الله.
الشيخ: ومنها الحكم بين الناس، فيجب أن يكون مرجِعه إلى الله.
ومنها: أن من حكَّم غير الكتاب والسنة فقد اعتدى على حق الله.
طالب: قال: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [فاطر: ٤] (...).
الشيخ: لأن الله قال: وَإِلَى اللَّهِوحده تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
ومنها أيضًا: أنه لا يجوز للإنسان أن يسند ما رزقه الله من رزق: علم أو مال أو جاه أو ولد أو زوجة إلى نفسه فيقول: إنما أوتيته على علم عندي.
طالب: ترجع الأمور إلى الله؛ لأنه إذا أرجعها إلى نفسه أو إلى غيره ما أرجعها إلى الله.
الشيخ: لم يرجعها إلى الله.
ومنها: إثبات نعمة الله عز وجل على العباد بإرسال الرسل؛ لقوله: فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ [فاطر: ٤] والرسل إرسالهم من أكبر النعم؛ لأننا لا نستطيع أن نعرف كيف نعبد الله إلا عن طريق الرسل، الإنسان يعرف مثلًا بفطرته أن الله تعالى موجود، وأن له ربًّا خالقًا مدبرًا لكن لا يعرف كيف يصل إلى هذا الرب إلا من طريق الرسل.
ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات حكمة الله عز وجل حيث جعل للرسل من يكذبهم؛ لأنه لولا تكذيب من كذب الرسل ما حصل الامتحان، فهذه من الحِكم العظيمة أن يجعل الله للرسل من يكذبهم، لولا تكذيبهم لم يحصل الامتحان؛ إذ لو كان الناس كلهم على الطاعة ما تميز الخبيث من الطيب، ولا تميز المؤمن من الكافر، ولا قامت سوق الجهاد، ولا الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر؛ ولهذا قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]. وقال تعالى: وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد: ٤] فهذه من الحكمة في وجود المكذبين للرسل، في هذا حكم كثيرة، منها أيضًا أنه لا يتبين الحق حتى يُعرف الباطل، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء، فلولا الباطل الذي ينازع الحق ما عرفنا الحق لكان الكل سواءً، ولا نعرف هذا ولا بالباطل.
***
تفسير الآيات (5-8)
01:39:14
ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [فاطر: ٥] النداء موجه في عموم الناس، كل الناس، المؤمن والكافر، قال: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ. قال المؤلف: (بالبعث وغيره). وصدق فكل ما وعد الله به فإنه حق سواء البعث أو العقاب أو الثواب أو النصر أو الخذلان أو غير ذلك مما وعد الله به فإنه حق.
حَقٌّهما بمعنى صدق وثابت فهو باعتبار الإخبار به صدق وأنه سيكون، وباعتبار وقوعه؟
طالب: عدم.
الشيخ: ما هو عدم، ثابت، باعتبار وقوعه ثابت ولا بد، فالحق هنا بمعنى الصادق من حيث الخبر به، الواقع من حيث ثبوته، وأنه أمر كائن لا محالة، ليس وعد الله عز وجل كوعد غيره، قد..





