تفسير سورة فاطر - 6
عدد الزيارات 3798

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (25-26)
تفسير الآية (27)
تفسير الآية (28)
تفسير الآية (29)
تفسير الآية (30)
تفسير الآيات (31-36)

فلنجعل دليلًا مستقلًّا وإلا فليس من الشرع، وليس فيه مصلحة، والمصالح الموهومة فيه إذا كانت مخالفة للشرع لا بد أن يخلفها مفاسد كثيرة.
من فوائد الآية الكريمة: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام تتضمن من حيث الجزاء أمرين: هما البشارة والإنذار، البشارة لمن أطاع، والإنذار لمن خالف سواء كانت تلك الطاعة عامة أو في بعض الأشياء، وكذلك نقول في المخالفة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الناس إما إلى جنة، وإما إلى نار وليس ثمة دار ثالثة؛ لأن البشارة بالجنة، والإنذار بالنار، وليس هناك دار ثالثة يصل الناس إليها.
ومن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: بَشِيرًا وَنَذِيرًا [فاطر: ٢٤]، والتخويف من مخالفته؛ لقوله: بَشِيرًا وَنَذِيرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بعباده بإرسال الرسل إلى جميع الخلق وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]؛ يعني إلا لنرحم بك العالمين، وليس الرسول نفسه هو الرحمة، ولكنه أرسل لرحمة الخلق؛ ليرحم الله الخلق برسالته.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بطلان الاحتجاج بالقدَر على معصية الله؛ لقوله: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ. ولو كان الاحتجاج بالقدَر على المعاصي والمخالفات، لو كان ثابتًا لم يرتفع بإرسال الرسل؛ لأن القدَر لا يرتفع بإرسال الرسل، فالرسل أرسلهم الله تعالى إقامةً للحجة على الخلق ورحمةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس ببِدْع من الرسل حتى تُنكَر رسالته، ويقال: كيف جاء هذا الرجل برسالة من عند الله؟ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ، ويشهد لهذا قوله تعالى: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: قصور العقول عن معرفة ما يجب لله تعالى؛ لأنها لو استقلت بذلك ما احتاجت إلى إرسال الرسل.
ومنها أيضًا: بطلان ما ذهب إليه المتكلمون من أهل البدع الذين بنوا عقيدتهم على ما يقتضيه العقل وقالوا: ما اقتضى العقل إثباته لله أثبتناه سواء كان مذكورًا في الكتاب والسنة أم لم يُذكر، وما نفاه العقل وجب علينا نفيه، وإن ذُكِر في الكتاب والسنة، وما لم يدل العقل على نفيه وإثباته فإننا نتوقف فيه، وأكثرهم قالوا: ننفيه؛ لأنه لا بد من دلالة العقل على إثباته، فإذا لم يدل على إثباته وجب نفيه؛ لعدم وجود الدليل، ويش تقول في هذه الفائدة؟
طالب: (...).
الشيخ: وإثباته، وما لا يقتضي إثباته ولا نفيه؟
الطالب: يتوقفون وأكثرهم (...).
الشيخ: تؤخذ من قوله: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ. ووجه ذلك أنه لو كانت العقول هي المرجع ما احتيج إلى إرسال الرسل.

تفسير الآيتين (25-26)
00:05:04

ثم قال الله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَأي: أهل مكة، هذا تفسير للواو في قوله: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [فاطر: ٢٥]؛ يعني فليس ببدع أن يكذبك قومك؛ لأن الذين من قبلهم كذبوا الرسل كقوله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا [الأنعام: ٣٤]؛ يعني ليس الأمر مقتصرًا على أنه التكذيب فقط بل تكذيب وأذية بالقول وأذية بالفعل، بل أعظم من ذلك القتل، فإن كثيرًا ممن أرسل الله إليهم الرسل قتلوهم.
يقول: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَأي أهل مكة)، لماذا نخصهم بأهل مكة؟ الصحيح أنه ليس خاصًّا بأهل مكة، بل أهل مكة وغيرهم، الرسول كذبه أهل مكة، وكذبه أهل الطائف، وغيرهم من المشركين، فالصواب العموم وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، الَّذِينَويش تعربونه؟
طلبة: فاعل.
الشيخ: فاعل، وأين المفعول؟ محذوف؛ أي: فقد كذب الذين من قبلهم رسلهم، قال: جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [فاطر: ٢٥] ومع ذلك كفروا.
جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ(الباء) هذه للمصاحبة، ويحتمل أنها للتعدية يعني: أتوا بالبينة التي تبين صدقهم، وقول المؤلف: (المعجزات)، هذا هو تعبير كثير من المتأخرين، ولكن الصواب أن يقال: بالآيات، وأن (البينات) هذه صفة لموصوف محذوف تقديره: بالآيات البينات؛ أي الظاهرة.
والآيات التي جاءت بها الرسل حسية ومعنوية، فمن الآيات الحسية ما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام من العصا واليد وغير ذلك، ومن الآيات المعنوية ما جاء به من التوراة، وكذلك عيسى وغيرهما من الرسل، كل رسول لم يأتِ إلا ببينة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه مَا مِنْ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ ، وإنما كان كذلك؛ لأنه ليس من الحكمة، ولا من الحجة، ولا من الرحمة أن يُرسل رسول إلى الخلق يستبيح دماء المخالفين له وأموالهم ونساءهم بدون بينة، حتى لو فُرِض أن أحدًا كذبه وهو لم يأتِ ببينة لكان المكذِّب معذورًا؛ لأن البينة على المدَّعِي فكان من حكمة الله ورحمته وإقامة حُجَّته أن يجعل مع الرسل آيات تشهد بصدق ما جاؤوا به.
وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله أن الآيات التي جاءت بها الرسل ولا سيما الآيات الحسية تكون مناسبةً لما كان في عصرهم، أو لأبرز الأمور في عصرهم، وضربوا لذلك مثلًا بأن موسى عليه الصلاة والسلام جاء بالعصا واليد؛ لأنه اشتهر في عصره وبرز في عصره صناعة السحر، فجاء بأمر فوق ما تجيء به السحرة، السحرة إنما يموهِّون ويخيلون وهو جاء بالحقيقة، وألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا هو يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، يخيل إليه ولكنه ليس بحقيقة، هو ألقى عصاه فصارت حقيقةً فعلية تلقف ما يأفكون.
قالوا: وعيسى عليه الصلاة والسلام أتى في وقت ترقَّت فيه صناعة الطب، فجاء بأمر يعجز عنه الأطباء ولا يستطيعونه، جاء بإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وخلق صورة من الطين ينفخ فيها فتطير، تكون طيرًا حقيقيًّا، وهذا يعجز عنه الطب، لا يمكن لأي طبيب يكون أمامه رجل ميت فيقول: قم فيقوم أبدًا، لا يمكن لأي طبيب يأتي إلى المقابر ويقف على القبر ويقول: اخرج؛ فيخرج، وعيسى يفعل ذلك، كما قال الله تعالى: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠] تخرجهم من مدافنهم، ولا يمكن لأي إنسان من الأطباء أو غيرهم أن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، أبدًا، الأكمه والأبرص لا يمكن لأحد أن يبرئه من المرض الذي أصابه بمثل ما يبرئه عيسى عليه الصلاة والسلام، يُؤتَى إليه بذوي العاهات ويمسح بيده عليه ويبرأ يزول؛ يعني هذا البرص الذي قد ملأ الجلد أو أكثره يُمِر يده عليه فلا تتعدى يده مكانًا إلا عاد على طبيعته، هذا لا يستطيع أحد من الأطباء مهما بلغ في الطب أن يصل إلى هذا الحال.
قالوا: ومحمد صلى الله عليه وسلم أتى إلى قوم قد بلغوا في البلاغة ذروتها، فجاء بكلام لا يستطيعون مباراته أبدًا وهو كلام الله، وتحداهم الله تعالى في عدة آيات أن يأتوا بسورة مثله، أو بعشر سور مثله، أو بحديث مثله فلم يستطيعوا، المهم أن جميع ما جاءت به الرسل آيات بينات.
يقول: {وَبِالزُّبُرِ} قال: (كصحف إبراهيم) (الزُّبُر) جمع (زَبُور) وهو ما يُزْبَر ويُؤْثَر؛ يعني الكتاب، ولو أن المؤلف قال: كزبور داود لكان أنسب للآية؛ لأن صحف إبراهيم ما ذكر الله أنها زبر، ولكن ذكر وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [النساء: ١٦٣].
(وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِهو التوراة والإنجيل) الكتاب المنير الصواب أنه ليس التوراة والإنجيل بل كل كتاب بعث الله به الرسول ينير الطريق لأمته، فيشمل التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وغير ذلك، ما من رسول أرسله الله إلا معه كتاب لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ [البقرة: ٢١٣]، فلا يمكن أن نقول: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام أُرسل بدون كتاب أبدًا، لا بد أنه أُرسل بكتاب لكن لا يلزم من كونه أُرسل به أن يُذكر لنا هذا الكتاب.
قال: وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِيقول المؤلف: (فاصبر كما صبروا) هذه الواو حرف عطف، و(الزُّبُر) معطوفة على البينات بإعادة حرف الجر.
طالب: الباء.
الشيخ: مثلما قلنا إما أنها للمصاحبة؛ يعني: جاؤوا مصطحبين هذه الأشياء، أو أنها للتعدية كما تقول: أتيته بدرهم، أتيته بطعامه، أتيته بشرابه وما أشبه ذلك. يقول: (فاصبر كما صبروا) وهل صبر الرسول؟ نعم، صبر صبرًا لا يصبره إلا أولو العزم.
قال الله تعالى: (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوابتكذيبهم) الباء للسببية في كلام المؤلف أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوالماذا أخذهم؟ للعقاب، فقوم نوح أغرقهم، وقوم هود أتلفهم بالريح، كذا؟ وقوم صالح بالرجفة والصيحة، وقوم لوط جعل عالي قُراهم سافلها، كل المكذبين أخذهم الله عز وجل؛ ولهذا قال: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرأي إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك؛ أي: هو واقع موقعه)؛ يعني أن الاستفهام هنا للتقرير؛ يعني فكان نكيري؛ أي: إنكاري عليهم بالعقوبة كان واقعًا موقعه؛ ولهذا لو سئلت: كيف كان إنكار الله لهم؟ الجواب أن نقول: كان شديدًا، وكان واقعًا موقعه، فهو مطابق للحكمة تمامًا، وهو عقاب شديد لم يُبقِ منهم أحدًا.
في الآية الكريمة هذه فوائِد، منها: أن تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليس ببدع من البشر، فقد كذبت الأمم قبله وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
ومنها: عناية الله تعالى بالرسول صلى الله عليه وسلم بذِكْر ما يسليه ويُهَوِّن عليه الأمر ولَّا لا؟ وذكر المصيبة المماثلة تقتضي تسلية الإنسان وتهوين الأمر عليه؛ ولهذا لو جئت إلى مريض وقلت: والله أنت اليوم طَيِّب، ومرضك أهون من مرض فلان، فلان أُصيب بمرض فيه كذا وكذا. يتسلَّى ولَّا لا؟ يتسلى بلا شك، وكذلك لو أُصِيب بحادث وقلت: إن فلانًا أصيب بحادث أعظم يتسلَّى، إذن ففيه عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم، حيث يذكر له ما يُهَوِّن عليه المصائب ويُسَلِّيه.
ومن فوائد الآية: إنذار المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله ذكر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، وكان عاقبتهم الدمار والهلاك، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد: ١٠]؛ يعني: لا تظنوا أن الدمار الذي لحق المكذبين السابقين، لا تظنوا أنه خاص بهم بل إذا كذبتم أصابكم ما أصابهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لم يترك الرسل هملًا بل آتاهم من البينات ما يؤمن على مثله البشر؛ لقوله: جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ.
ومنها أيضًا: تمام حكمة الله عز وجل ورحمته وإقامة حجته، لماذا؟ تؤخذ من قوله: جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِلأنه إنما أعطى هؤلاء الرسل البينات لتمام إقامة الحجة والرحمة والحكمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أعظم البينات ما جاءت به الرسل من الشرائع التي تضمنتها الكتب، وجه ذلك التنصيص عليها مع أنها من البينات، انتبه، أيضًا هو تنصيص أُعِيد معه العامل بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِفكأنها مستقلة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب السماوية متضمنة للنور، وأن كل من أخذ بها فقد أخذ بنور يمشي به في الظلمات؛ لقوله: وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ.
ومنها: أن المفرد إذا أُريد به الجنس صار عامًّا؛ لأن قوله: بِالْكِتَابِهذا مفرد، ولكن هل الكتب التي جاءت الرسل كتاب واحد؟ لا، بل هي كتب كثيرة بحسب الرسل.
تفسير الآية (27)
00:20:33

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}
[فاطر: ٢٧] إلى آخره، فيما سبق: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِإلى آخره، الاستفهام هنا للتقرير، وهذا هو الغالب فيما إذا أتى حرف النفي، أو إذا أتت أداة النفي بعد همزة الاستفهام أن يكون للتقرير مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة: ٤٠]، أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] وأمثال ذلك، فإذا أتت أداة النفي بعد همزة الاستفهام فالغالب أن يكون الاستفهام للتقرير.
وقوله: أَلَمْ تَرَحُذفت الألف للجازم؛ لأن اللام تجزم، والفعل المعتل يُجزم بحذف حرف العلة.
وقوله: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ [فاطر: ٢٧] مبتدأ وخبر، والخبر فيها مُقدَّم، وهو قوله وَمِنَ الْجِبَالِ.
وقوله: مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَاصفة لـجُدَدٌ.
وقوله: سُودٌقيل: إنه على التقديم والتأخير؛ أي: وسود غرابيب، وقيل: إنه على الأصل، وأن سُودٌتقع موقع التوكيد مما قبلها؛ لأن الغِرْبيب هو الشديد السواد.
قوله: أَلَمْ تَرَقال المؤلف: (تعلم) فالرؤية هنا عِلْمية، وعُلِّقت عن العمل بـ(أن) وما دخلت عليه، فإن (أنَّ) وما دخلت عليه تُعَلِّق أفعال القلوب عن العمل، ويحتمل أن تكون الرؤية هنا بصرية؛ يعني: ألم تنظر وتُبصر؛ لأن ما ذُكِر يُرَى بالعين، وما كان يُرَى بالعين فإنه يجوز أن يُراد به الرؤية بالعين، لكن إذا جعلناها علمية كان ذلك أعم؛ لأن هذا الأمر قد لا تراه بعينك، ولكن تسمعه في بلاد أخرى غير بلادك.
وقوله: أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءًالمراد بالسماء هنا العلو، والمراد بالماء المطر، وليس المراد بالسماء الأجرام السماوية المعروفة؛ لأن الماء إنما ينزل من السحاب، والسحاب عالٍ، ولكنه بين السماء والأرض.
وقوله: فَأَخْرَجْنَا بِهِ. قال: (فيه التفات عن الغيبة) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِلو كان الكلام على نسق واحد لقال: فأخرج به؛ بضمير الغيبة، لكنه صار فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم فَأَخْرَجْنَا بِهِ، والالتفات فيه فائدة بل فوائد؛ فيه فائدة مشتركة في جميع موارده ومواضعه، وهي تنبيه المخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد استمر الإنسان معه، ولم يكن هناك شيء يُوجِب أن ينتبه ويتفطن، فإذا اختلف السياق من غيبة إلى تكلم أو إلى خطاب أو ما أشبه ذلك فإن الإنسان ينتبه؛ يعني كأنه يكون علمًا على تغير الأسلوب لينتبه المخاطَب.
الفائدة الثانية هنا قوله: فَأَخْرَجْنَا بِهِفإن (نا) هذه تفيد التعظيم؛ لأن الإخراج أعظم من الإنزال بالنسبة للنعمة علينا، فإنه لو نزل المطر ولم يخرج النبات؛ لم نستفد من المطر كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم : «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا فَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا». فلما كان إنعام الله تعالى بإخراج النبات أعظم صار الالتفات إلى التكلم أولى؛ لِعِظَم المنة فيه، قال: فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا، وهنا قال: فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ، ولم يقل: أخرجنا به نبات، وقد قاله في آية أخرى: فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا [الأنعام: ٩٩] لكن هنا قال: ثَمَرَاتٍ؛ لأن المقصود من هذا الخارج هو الثمرة، فبين الله سبحانه وتعالى الغاية المقصودة وهي الثمرات.
قال: (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَاكأخضر وأحمر وأصفر وغيرها)، وهذا يدل على قُدْرة الله، هذه الثمرات مختلفًا ألوانها، وكلمة ألوان يحتمل أن يكون المراد ما ذكره المؤلف، وهو اللون المختلف بالْحُمرة والصفرة والخضرة وما أشبه ذلك، ويحتمل أن المراد بالألوان الأصناف، فإن الألوان تُطلق على الأصناف كما قال الإمام أحمد رحمه الله في صلاة الليل، في قيام رمضان، قال: رُوِي في ذلك ألوان؛ أي: أنواع وأصناف، وإذا نظرت إلى الخارج من الأرض وجدتَ أنه ذو ألوان في شكله، وذو ألوان في أنواعه وأصنافه ما بين حلو ومُرٍّ ومتوسط وحامض، غير ذلك مما هو معلوم، وهذا الأخير إذا قلنا: إن المراد بالألوان ما يعم الأنواع أشمل مما إذا قلنا: إن المراد بالألوان اختلاف الشكل.
وقد مر علينا قاعدة بأنه كلما كان المعنى أشمل في باب التفسير كان أولى؛ لأن الأشمل يعم الأخص وغيره بخلاف الأخص. قال: مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌهذه جملة استئنافية يبين الله عز وجل فيها كمال قدرته أيضًا بالنسبة للأرض وطبقاتها.
قال: (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌجمع (جُدَّة) طريق في الجبل وغيره) من الجبال جُدَد يعني الطرق؛ يعني شيء يُشبه الطرق لاختلافه عن بقية الجبل وهو مختلِف في اللون، ومختلِف في الماهية أيضًا، نحن نرى بعض الجبال الآن ولا سيما إذا فُتِح الجبل نرى في أثنائه خطوطًا قد تكون سوداء، وقد تكون حمراء، وقد تكون بنية، وقد تكون بيضاء، المهم أننا نجد فيه خطوطًا تُخالِف بقية الجبل، هذه الجدد التي ذكرها الله عز وجل هنا، فالجبال تختلف أيضًا ألوانها، وهذا الاختلاف في اللون يعني الاختلاف في الماهية والحقيقة، ليست الحصاة السوداء كالحصاة البيضاء أو الحمراء، أو ما أشبهها مما يخالفها في اللون، بل لا بد أن يكون هناك اختلاف في طبيعة هذه الحصاة، كما كان اختلاف الثمرات في ألوانها يدل على اختلافها في طعومها وفي ماهيتها.
قال: جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌذكر الله عز وجل بِيضٌ وَحُمْرٌوكان المتوقع أن يقول: بِيض وسُود؛ لأن هذا هو المعروف في مقابلة البياض أن يُقابَل بالسواد، لكنه قال: وحمر؛ لأن الحمر أقرب إلى البياض من السود، وستذكر في قوله: وَغَرَابِيبُ سُودٌهذه الْجُدَد بيض وحُمر، قال المؤلف: (وصفر) ونحن ربما نقول أيضًا: وزُرْق، وغير ذلك من الألوان، والله عز وجل لم يذكر هذين اللونين للحصر، وإنما هو على سبيل التمثيل.
قال: جُدَدٌ، (مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَابالشدة والضعف)، هنا فسَّر المؤلف الألوان بماذا؟ بالماهية ولَّا بالأشكال؟ بالماهية؛ لأنه قال: بالشدة والضعف، ولم يقل: باللون اللي هو أحمر وأبيض، على كل حال، الألوان كما قلنا آنفًا تُطلق على الأنواع أحيانًا. هذا الاختلاف في ألوان أحجار الجبال كالاختلاف في ألوان الثمار.
(وَغَرَابِيبُ سُودٌعطف على جُدَدٌأي صخور شديدة السواد يُقال كثيرًا: أسود غربيب، ويقال قليلًا: غربيب أسود) أولًا: الغرابيب جمع (غِرْبِيب)، والغِرْبيب شديد السواد، وكان مقتضى الترتيب أن يقال: وسُود غرابيب، ولكن الله تعالى قدَّم، قال: غرابيب سود، فعلى هذا زعم بعضهم أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا. وقال بعضهم: بل هو على ترتيبه ليس فيه تقديم وتأخير، ولكن الله سبحانه وتعالى بيَّن الأسود الشديد السواد قبل بيان مطلق السواد، هذا أيضًا مشاهَد ولَّا غير مشاهد؟ نجد في الجبال طُرُقًا يعني كالطريق أو كالخط أسود خالص، وإلى جانبه طريق أبيض أو أحمر أو ما أشبه ذلك، كل هذا دليل على قدرة الله عز وجل.
وَغَرَابِيبُ سُودٌفنجد نحن أن هذا الاختلاف في الجبال هو كالاختلاف في الثمرات.
في هذه الآية من الفوائد: التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يتفكر في خلق الله عز وجل؛ لقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ، فإن هذا تقرير، والتقرير لا يكون إلا بعد أن ينظر المقرَّر فيما قُرِّر به حتى يُقِرَّ به ويعترف.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل وحِكمته ورحمته؛ وذلك بإنزال الماء من السماء، ففيه قدرة عظيمة أن يَنزل هذا الماء الذي يكون بحارًا أحيانًا يُدَمِّر ما مر عليه من البناء، ويجترف الأراضي مع أنه ينزل من هذا السحاب الرقيق الذي تخترقه الطائرة كما نشاهِد، ويتمزق عندما يمر بالجبال وبالبناء، وما أشبه ذلك، تنزل منه هذه المياه العظيمة، هذا تمام القدرة، تمام الرحمة، ما يحصل من هذا المطر من الآثار النافعة للعباد، تمام الحكمة؛ لأن هذا المطر ينزل من أعلى حتى يشمل المرتفع والمنخفض من الأرض، ولو كان يمشي مشيًا كالأنهار لكان الأسفل من الأرض يروى بالماء بل يغرق، وأما الأعلى فلا يصيبه شيء، وهذا من تمام حِكْمة الله عز وجل أنه ينزل من فوق.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍفإن الباء هنا للسببية، ففي الآية إثبات الأسباب، وأن الله سبحانه وتعالى قد قرن الأشياء بأسبابها، وهذا من تمام حِكمته أن تكون الأسباب والمسببات متلازمات، من المعلوم أن الله قادر على أن يُخرِج هذه الثمرات بدون ماء ولكن قد جعل لكل شيء سببًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإخراج هذه الثمرات المختلفة الألوان مع أنها في أرض واحدة وتُسقى بماء واحد، ويظهر لك ذلك جليًّا إذا نظرت إلى الزهور، كيف تجد هذا الاختلاف العجيب بينها مع أنها تُسقى بماء واحد.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في اختلاف هذه الثمرات؛ لأنه لو كانت هذه الثمرات طبيعتها واحدة لملَّ الناس منها، ولم يحصل لهم كمال اللذة، فإذا اختلفت حصل كمال اللذة وعدم الملل والسآمة.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان قدرة الله عز وجل ورحمته وحكمته فيما نرى في الجبال من الجدد المختلفة؛ لأن هذا دليل على القُدرة، حيث جعل هذا بين هذا، ودليل على الحكمة؛ لأن الغالب أن ما في بطون هذه الجبال يكون معادن مفيدة للإنسان، كذلك بيان الرحمة بالخلْق لإيداع هذه الأشياء في بطون هذه الجبال.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان قدرة الله عز وجل، حيث إنه يجعل بعض الجبال فيها السواد الخالص، وقد يكون الجبل كله أسود، وأحيانًا نرى جبلًا أسود وإلى جانبه جبلًا أبيض، فهذا كله من تمام قدرة الله عز وجل.
ومن فوائد الآية: ما يترتب على النظر في هذه المخلوقات من الاعتبار والاستدلال بها على ما تتضمنه من صفات الله سبحانه وتعالى.

***

تفسير الآية (28)
00:37:59

ثم قال الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨] جملة وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُجملة خبرية قُدِّم فيها الخبر على المبتدأ. وأَلْوَانُهُفاعل مُخْتَلِفٌ؛ لأن مُخْتَلِفٌاسم فاعل، واسم الفاعل يعمل عمل فعله.
وقوله: كَذَلِكَصفة لقوله: مُخْتَلِفٌ؛ يعني مختلف كاختلاف ما ذُكِرَ.
وقوله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُهي جملة أيضًا مكونة من فعل وفاعل ومفعول به، وفيها حصر، وطريقه إِنَّمَا، وجملة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌكالتعليل لما قبلها كما سيأتي إن شاء الله.
قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِالناس هم البشر، قالوا: وأصلها (أُنَاس)، ولكنها حُذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال كما حُذِفت من شر وخير، وأصلهما أشر وأخير، وحُذِفت أيضًا من (الله) على قول كثير من علماء اللغة وأصلها يكون: (الإله)، والمراد بالناس بنو آدم، وسموا بذلك؛ لأنه يأنس بعضهم إلى بعض.
قال: وَالدَّوَابِّجمع (دابَّة)، وتطلق على عدة معانٍ، تطلق على كل ما دب على الأرض، كما في قوله: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ [النور: ٤٥]، وكما في قوله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: ٦]، يشمل كل ما دب على الأرض من إنسان وحيوان وحشرات وغير ذلك، وتُطلق الدابة على ما يدب على بطنه مثل الحيَّات، وتُطلق الدابة على ذوات الأربع كالحمار، فما المراد بها في هذه الآية؟
نقول: المراد بها ما عدا الناس والأنعام، فتشمل كل ما دب على الأرض إلا الناس والأنعام، فإن قلت: لماذا لا تجعلها شاملة، وتجعل هذا من باب عطْف العام على الخاص بالنسبة لـالنَّاسِ، ومن باب عطف الخاص على العام بالنسبة لـالْأَنْعَامِ؟
يعني لو قال قائل: المراد بالدواب كل ما دب على الأرض، لكنها عُطِفت على الناس من باب عطف العام على الخاص، وعُطفت الأنعام عليها من باب عطف الخاص على العام.
قلنا: هذا ممكن، لكن التقسيم يبعده، فيكون المراد بالدواب ما عدا الناس والأنعام، والمراد بالأنعام ما ينتفع الناس به كما قال الله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف: ١٢]، وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [يس: ٧١ - ٧٣]، فيكون المراد بالأنعام هنا ما ينتفع الناس به كالإبل والبقر والغنم والطيور الحلال وغير ذلك.
مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ. مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُهل المراد اللون، الشكل، أو الصنف أيضًا؟ يشمل، فالناس مثلًا تختلف ألوانهم، هذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أحمر، وهذا بين ذلك، واختلاف اللون ظاهر، تختلف أجناسهم أيضًا، هذا ذَكَر، وهذه أنثى، هذا عالِم، وهذا جاهل، هذا أحمق، وهذا حليم، وعلى هذا فقِسْ.
الدواب كذلك تختلف ألوانها بالشكل، وتختلف أصنافها وأنواعها، منها المؤذي، ومنها الضار، ومنها النافع، ومنها ما ليس بضار، ولا نافع، ولا مؤذٍ؛ فهي أربعة أصناف: منها النافع، ومنها الضار، ومنها المؤذي، ولكن لا يضر، ومنها ما ليس مؤذيًا ولا ضارًّا؛ مثال النافع: الأنعام، ومثال الضار: الحيات، والعقارب، والسباع، وما أشبهها، ومثال المؤذي: الصراصر، والخنفساء، والجعلان، وما أشبه ذلك، الناموس قد يكون ضارًّا، ومثال ما ليس بمؤذٍ ولا ضار؛ النمل وغيره أيضًا من الدواب الكثيرة اللي نشوفها، طيور مثلًا تأتي نرى طيورًا تطير في الجو ليست حلالًا مثلًا ولكنها لا تضر.
وقوله: كَذَلِكَقال المؤلف: (كاختلاف الثمار والجبال) فصار الاختلاف في مخلوقات الله تعالى شاملًا للحيوان ولما ينتفع به الحيوان من الثمار وغيرها ولطبقات الأرض كالجبال.
ثم قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُلما ذكر هذه الأصناف، وفيها ما يدل على كمال الله عز وجل في صفاته التي تتضمنها هذه الأصناف المذكورة بَيَّن أن العالم بذلك هو الذي يخشى الله، فقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُيعني لا يخشى اللهَ إلا العلماء، والخشية هي أعلى الخوف، أو إن شئت فقل: هي الخوف المبني على العِلْم، وبعضهم قال: هي الخوف المبني على عِظَم الْمَخُوف ولا يمتنع أن تكون الخشية هي الخوف بكل الأنواع الثلاثة؛ يعني هي أعلى أنواع الخوف، أو الخوف المبني على العلم، أو الخوف المبني على عِظَم الْمَخُوف، أما الخوف المجرد عن الخشية؛ فهو قد يكون عن جهل يخاف الإنسان من شيء؛ لأنه جاهل به، وإلا فليس أهلًا لأن يُخَاف منه (ككفار مكة)، وصدق المؤلف في قوله: (بخلاف الجهال) وأما التمثيل بكفار مكة، فليس على سبيل الحصر بل هو على سبيل المثال، فكل كافر فهو في الحقيقة جاهل، وهي جهالة العلم ولَّا جهالة التصرف؟ جهالة التصرف في الغالب، وإلا فإن الكافر يكون عنده علم لكنه -والعياذ بالله- يستمر على طغيانه ولا يؤمن.
(...) قال تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَاالاستفهام هنا (...) لإثبات الأسباب؛ لزم علينا القول بوجوب الفعل؛ لأن السبب يستلزم وجود المسبَّب، وهذا يقتضي أن نُوجب على الله عز وجل وجود المسبَّب لوجود السبب، علماء الكلام أنكروا الحكمة كالجبرية مثلًا، أنكروا حِكمة الله، يقولون: لأنه لو قلنا بثبوت الحكمة والسببية؛ لزم من ذلك أن نُوجِب على الله تعالى أن يفعل كما قال ذلك خصومهم من المعتزلة، المعتزلة يقولون بوجوب الأصلح، وبعضهم يقول بوجوب الصلاح على الله عز وجل؛ لأن هذا مقتضى الحكمة، وأولئك الجهمية بالعكس يقولون: إن الله عز وجل يخلق الشيء بدون سبب، وبدون حكمة؛ لأنك لو أثبت الحكمة والسبب لزم إيجاب المسبَّب أو الفعل الذي يكون مسببًا لهذا السبب، وهذا يقتضي أن نوجب على الله عز وجل فعل الشيء، فما هو الجواب؟
نقول: إن إثبات الحكمة أو السبب لا يستلزم أن نُوجب على الله، ولكن مقتضى كونه حكيمًا أن يفعل، وأن يوجد المسبَّب عند وجود السبب، ونحن لم نوجبه ولكن الذي أوجبه الله على نفسه بمقتضى اسمه (الحكيم) ووصفه بالحكمة، وإيجاب الله على نفسه ليس بممتنع، كما أن تحريمه على نفسه ليس بممتنع، فقد قال الله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]، وقال تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» . فلله أن يُحرِّم على نفسه، وأن يُوجِب على نفسه ما شاء، أما نحن فلا، فإذا قيل مثلًا: هذا مصلحة، فيجب أن يكون، فإننا نقول: نعم، نلتزم بهذا، ولكن هل نحن الذين أوجبناه على الله؟ لا، بل الله هو الذي أوجبه على نفسه، وهذا لا ينافي كماله، بل هو من مقتضى كماله، إلا أن المحذور هنا في هذا الباب أن نظن أن المصلحة في كذا، وحقيقة الأمر أن المصلحة في عدمه، هذا هو الذي يُخشى منه، وحينئذٍ نعتقد أن هذا واجب على الله وهو لم يجب، نعتقد أنه واجب على الله بمقتضى فهمنا أن هذا مصلحة وخير، ثم نوجبه على الله، هذا هو المحذور، أما إذا تُحقِّقت المصلحة، فلا مانع من أن نقول: إن الله سبحانه وتعالى أوجب على نفسه أن تكون المصلحة؛ لأن هذا هو مقتضى اسم الله الحكيم، وفي هذه الحال لم يحصل منا أي عدوان أو ظلم، بل قلنا بمقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى. هنا قال: فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ(...) وتعالى.
قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌأي: ذو عزة، قال العلماء: والعزة ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهْر، وعزة الامتناع؛ فأما عِزَّة القدْر فمعناه أن الله تعالى ذو قدْر عزيز، والقدْر بمعنى المكانة والشرف والسؤدد ونحو ذلك، عزة القهر؛ أي أن الله تعالى غالِب غير مغلوب، ومنه قوله تعالى: فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص: ٢٣] أي: غلبني.
عزة الامتناع؛ أي: أن الله سبحانه وتعالى يمتنع عليه النقص في ذاته أو في صفاته، ومنه قولهم: أرضٌ عَزَازٌ؛ أي: شديدة صلبة، لا يتجاوزها شيء لصلابتها، ولا يؤثر فيها شيء؛ لقوتها وشدتها، فالعزة إذن ثلاثة معانٍ؛ عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
غَفُورٌأي: ذو مغفرة كما قال تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦]، والمغفرة سَتْر الذنب والتجاوز عنه، يدل لذلك اشتقاقها، فإنها مشتقة من الْمِغْفَر، وهو ما يُغَطَّى به الرأس، وتُتَّقى به السهام، وفي الْمِغْفَر ستر ووقاية، وعلى هذا فنقول: الغفور ذو المغفرة، وهي سَتر الذنب والتجاوز عنه، ويدل لهذا المعنى زيادةً على دلالة الاشتقاق ما ثبت في الحديث الصحيح: أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه حتى يقر بها، ثم يقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» . يعني أتجاوز عنها، وفي الدنيا ستَرَها الله على العبد، ومناسبة ذِكْر العزة والمغفرة هنا بعد ذِكْر الخشية الإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى أهل لأن يُخشَى؛ لأنه عزيز، وأنه إذا نقص شيء من الخشية فإنه يُقابَل بماذا؟ بالمغفرة فهو عزيز؛ فلذلك كان أهلًا للخشية، وهو غفور إذا نقص شيء مما يجب له من خشيته سبحانه وتعالى.
أما فوائد الآية فإننا نقول وبالله نقول:
يستفاد من الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى باختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام؛ أي أصنافها وأشكالها؛ لأن اختلاف هذه الألوان وهي شيء واحد، أو نوع واحد دليل على القدرة، فبنو آدم مثلًا لا يمكن أن يشترك شخصان، أو أن يتماثل شخصان في كل شيء أبدًا إن قُدِّرَ تماثلهما في الخِلْقَة فسيختلفان في الْخُلُق، والتساوي في الخلق أمر مستحيل؛ لأن الناس يتباينون فيه تباينًا عظيمًا، يتباينون فيه تباينًا أشد من التباين الخلقي، وإن كان التباين الخلقي أظهر؛ لأنه يُشاهَد ويُرَى، لكن التباين الخلقي أشد؛ لأنه لا يمكن أن يتفق الناس فيه، أو أن يتساوى الناس فيه أبدًا؛ لأن أي كلمة تحصل من أحدهما دون الآخر يحصل فيها التباين.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة خشية الله عز وجل، حيث لا يتصف بها إلا العلماء.
ومن فوائدها أيضًا: فضيلة العلم؛ لكونه سببًا لخشية الله عز وجل، والخشية صفة لها آثار حميدة؛ لأن الإنسان إذا خشي ربه فإنه يتجنب معاصيه، ويفعل أوامره خوفًا منه سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما ذكر الله عز وجل ثواب الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة: ٧، ٨]. قال: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُوهو دليل على أن الخشية تُوجِب الإيمان والعمل الصالح.
ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العزيز والغفور، وإثبات ما تضمناه من الصفة، وهي العزة والمغفرة، وإثبات ما تضمناه من الحُكم وهو الأثر، صح؟ أما الغفور فنعم، لها أثر وحُكم، كما قال تعالى في آخر سورة البقرة: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٨٤].
(العزيز) هل لها حكم؟ ما هو قلنا: إن من معانيها الغَلَبة، وإذا كانت (عَزَّ) بمعنى (غَلَبَ) صارت متعدية فيكون لها حُكم أي أثر، إذن إثبات ما تضمنه الاسمان من الصفة والْحُكم الذي نُعَبِّر عنه أحيانًا بالأثر، ومَرَّ علينا فيما سبق أن أسماء الله عز وجل إما لازمة وإما متعدية؛ فاللازمة يُثبت منها الاسم والصفة، والمتعدية يُثبت منها الاسم والصفة والأثر.
طالب: قول المؤلف في ملكه.
الشيخ: (إنَّ اللَّه عَزِيزفي ملكه غَفُورلذنوب عباده المؤمنين) ما شرحنا كلام المؤلف.
قوله: (إنَّ اللَّه عَزِيزفي ملكه) هذا مبني على أن العزة بمعني الغلبة كما يفسرها كثير من المفسرين بذلك فيقول: العزيز أي: الغالب، ولكن هذا التفسير الذي ذكرناه ما نطلقها في ملكه، تقول: هو عزيز ولا نقيدها في الملك؛ لأن الله سبحانه وتعالى عزيز في ملكه وعزيز في صفاته كلها، وعزيز في شرعه؛ فالعزة عامة ما دمنا نقول: إنها عزة الامتناع والقدْر والقهر.
وأما (غَفُورلذنوب عباده المؤمنين) فتقييدها بذلك أيضًا فيه نظر، ولو قال المؤلف: غفور لمن تاب إليه، أو لمن استغفره لكان أشمل؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لغير المؤمنين إذا تابوا إلى الله قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣]؛ فالتعميم أوْلَى من التخصيص.
تفسير الآية (29)
01:01:16

ثم قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً [فاطر: ٢٩] زكاةً وغيرها يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَتهلك) الإعراب في هذه الآية واضح، ما فيه إشكال إلا أن قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَتحتاج إلى خبر، فما هو الخبر؟ الخبر جملة يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَفهذا هو الصحيح من أقوال المعربين؛ يعني: إن هؤلاء فعلوا ذلك يرجون تجارةً لن تبور، فجملة يَرْجُونَهي خبر إِنَّ.
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِقال المؤلف: (يقرؤون). والصواب أن التلاوة أعم من القراءة، فالتلاوة نوعان تلاوة لفظية وهي القراءة، وتلاوة عملية وهي اتباع القرآن تصديقًا للخبر وامتثالًا للأمر؛ ولهذا يقال: تلاه بمعنى تبعه؛ أي: جاء بعده، فالتلاوة أعم من القراءة، وهو التلاوة نوعان؛ تلاوة لفظية، وتلاوة عملية: تلاوة لفظية أن يقرأ الإنسان القرآن، والتلاوة العملية أن يتَّبعه بامتثال أوامره وتصديق أخباره أو بموافقته، وتصديق أخباره، التلاوة العملية تستلزم فهم المعنى ولَّا لا؟ نعم؛ لأنه لا يمكن أن يعمل إلا بما يفهم، وعلى هذا يكون فعل الصحابة رضي الله عنهم تطبيقًا لهذه الآية تمامًا؛ لأنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل قالوا: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا .
يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَفعل مضارع يدل على الاستمرار بخلاف ما لو قال: إن الذين تلوا في الماضي فإنه لا يفيد المعنى الذي يفيده المضارع يَتْلُونَ.
وقوله: كِتَابَ اللَّهِهل هو القرآن أو هو أعم من ذلك؟ الجواب: أعم من ذلك.
كِتَابَ اللَّهِالكتب التي أنزلها الله تعالى على الرسل، فيشمل جميع الكتب؛ لأن هذا الحكم يشمل المؤمنين من هذه الأمة والمؤمنين ممن سبقهم، فيكون المراد بالكتاب هنا كِتَابَ اللَّهِالمراد به كل كتاب أنزله الله تعالى على رسله.
يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَمعطوفة على يَتْلُونَ. قال المؤلف: (أداموها)، والصواب خلاف ما قاله المؤلف؛ يعني معناه أننا نختار كلمةً أشد مطابقةً للفظ، أقاموا الصلاة أي أتوا بها مستقيمة، فيشمل فِعْل الصلاة تامةً بشروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، ويشمل الإدامة ولَّا لا؟ يشمل الإدامة أيضًا؛ لأن الإدامة من الإقامة، وعلى هذا نقول: (أقاموا الصلاة)؛ أي: فعلوها قائمةً أي مستقيمة على الوجه المطلوب منهم، لو أن الإنسان أدام الصلاة لكن يُخِل بأركانها أو واجباتها، فهل يُقال: إنه أقام الصلاة؟ لا، فالرجل الذي جاء يصلي ولا يطمئن كان يصلي هذه الصلاة منذ أسلم والرسول عليه الصلاة والسلام قال له: «صَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» . مع أنه يُديم الصلاة ويصلي لكنه لم يُصَلِّ حيث إنه لم يأتِ بها قائمةً على الوجه المطلوب، فالصواب أن الإقامة هنا بمعنى أن يفعلها على الوجه المطلوب منه، والصلاة معروفة للجميع لا تحتاج إلى تعريف؛ لأنها عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
قال: وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةًأنفقوا بمعنى بذلوا وأخرجوا. مِمَّا رَزَقْنَاهُمْمما أعطيناهم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء.
وقوله: مِمَّا رَزَقْنَاهُمْهل (مِن) لبيان الجنس أو هي للتبعيض؟ الأَوْلى أن نجعلها لبيان الجنس؛ لتشمل ما لو أنفقوا جميع أموالهم على الوجه الذي يرضاه الله ورسوله فإنهم يدخلون في هذا الوصف.
وقوله: سِرًّا وَعَلَانِيَةًسِرًّامصدر، ولكنها في موضع الحال؛ أي: مُسِرِّين ومعلنين؛ الإسرار أن يخفوا الإنفاق فلا يعلم به إلا الْمُنفَق عليه، والإعلان أن يُظهِروه للناس إما إظهارًا كاملًا شاملًا، وإما أن يكون إظهارًا نسبيًّا يعلم به من حولهم، كل ذلك يمدحون عليه، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد أن هذا يكون بحسب الحال.
قال: (زكاةً وغيرها)، غير الزكاة كالإنفاق الواجب على الأقارب وكصدقات التطوع، فالإنفاق هنا شامل.
قال: يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَيَرْجُونَيعني يُؤَمِّلون، ويطلبون منه هذه التجارة.
تِجَارَةً لَنْ تَبُورَأي: لن تهلك كما قال المؤلف، ما هذه التجارة؟ التجارة ذكرها الله عز وجل في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الصف: ١٠ - ١٢]، فهنا عِوَض ومُعَوَّض؛ العِوَض الإيمان بالله والجهاد في سبيله، الْمُعَوَّض يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً [الصف: ١٢]، هذه التجارة لا شك أنها أربح التجارات، وأنها أبقى التجارات، أربح التجارات؛ لأن الربح فيها العشر مئة ولَّا لا؟ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأبقى كذلك هي أبقى التجارات بلا شك؛ لأنها في جنات عدن؛ أي: في جنات إقامة لا ظعن فيها، والله أعلم.
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَإلى آخره، ما المراد بتلاوة (...).
يستفاد من هذه الآية فوائد، منها: فضل تلاوة كتاب الله عز وجل؛ لقوله: يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ.
ومنها: أن الرجاء ينبغي أن يكون في محله، بحيث يكون الإنسان قد عمل عملًا يرجو الثواب عليه، أما الرجاء بدون عمل فهو من التمني الذي لا ينفع العبد، وفي الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ» . فلا رجاء إلا بعمل، وفي الحديث الصحيح أيضًا: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» ، وفي الحديث الصحيح: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» . وكل هذه النصوص وما أشبهها إنما تكون فيمن يعمل ما يمكن أن يرجو به ذلك، وأن يُحسِن به الظن، لو أن أحدًا أساء واستكبر عن عبادة الله وقال: أنا أُحسِن الظن بالله، لكان هذا ظن وهم لا بد من شيء يبني عليه هذا الظن، لو قال: أنا أرجو رحمة الله. قلنا: هذا وَهْم حتى تعمل؛ ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة: ٢١٨] هؤلاء هم الذين يرجون، وهنا أيضًا مثلها.
من فوائد الآية الكريمة: أن الثواب في الآخرة لا ينقطع؛ لقوله: لَنْ تَبُورَبل ربما نقول: إن هذا أعم بحيث يُثاب الإنسان في الدنيا ثوابًا مستمرًّا إلى الآخرة؛ لأن الحسنات قد يرى الإنسان ثوابها في الدنيا، وثوابها في الدنيا يستمر إلى الثواب في الآخرة كما قال الله تعالى: كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ [النحل: ٣١، ٣٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: فضْل إقامة الصلاة؛ لقوله: وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وهو شامل -كما قلنا في التفسير- شامل لفرض الصلاة ونفلها، فما تُقام به الفريضة تُقام به النافلة، وما تقام به النافلة تُقام به الفريضة إلا بدليل يدل على الفرق بينهما، وأظننا قد جمعنا الفروق بين فرْض الصلاة ونفلها فبلغت ثمانيةً وعشرين فرْقًا؛ منها ما هو واضح دلت عليه السنة، ومنها ما هو دون ذلك، المهم أن الأصل أن إقامة الفريضة إقامة للنافلة، وإقامة النافلة إقامة للفريضة، هذا الأصل، فما ثبت في إحداهما ثبت في الثاني إلا بدليل.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة الإنفاق؛ لأنه أعقب الصلاة به، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا، وهو يدل على أن هذا الإنفاق يشمل الزكاة وغير الزكاة؛ لأن الله تعالى يقرن دائمًا في الذكر بين الصلاة والزكاة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنفِق ليس مانًّا على الله عز وجل؛ لأنه إنما ينفق مما رزقه الله، فمهما بلغت بك نفسك من الإعجاب والكبرياء على إنفاقك فاذكر قوله: مِمَّا رَزَقْنَاهُمْكل شيء تنفقه فليس لك فيه مِنَّة على الله عز وجل، بل لله المنة عليك به في إيجاده وفي إنفاقه؛ في إيجاده؛ لأنه لولا أن الله رزقك ما حصل لك، وفي إنفاقه؛ لأن كثيرًا من الناس يبخلون بما آتاهم الله من فَضْلِه وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ [آل عمران: ١٨٠]، فمن نِعمة الله عليك أن يَمُنَّ عليك بالإنفاق بعد أن من عليك بالرزق والعطاء.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الإنفاق، لا نقول: إن الإسرار فيه أفضل ولا إن الإعلان فيه أفضل بل هو بحسب الحال، فتارةً يكون الإنفاق سرًّا أفضل وتارة يكون الإنفاق علنًا أفضل، حسب ما تقتضيه الحال بخلاف الصَّدَقة؛ فالأصل فيها السر، قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١]؛ لأن الصدقة فيها نوع مِنَّة على الْمُعْطَى، فربما ينكسر أمام الناس إذا أُعْلِنت الصدقة له، فصار إخفاؤها أفضل، وفي الحديث الصحيح في الذين يظلهم الله في ظله: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا» .
أما الأشياء العامة والْمُعلَنة كما لو أردنا أن ننفق في مشروع خيري عام، لا يظهر فيه المِنَّة على شخص معين فهنا قد يكون الإعلان فيه أفضل، وكذلك لو أن شخصًا جاء إلينا وقال: أرجو أن تجمعوا لي من الناس، فهنا ربما يكون الإعلان أفضل من أجل أن يقتدي بك غيرك، وهذا الرجل الذي طلب منا أن نجمع له، لا يهمه أن يعلم الناس بأنه يُتصدق عليه أو لا يتصدق.
المهم أن نقول: إن السر والإعلان في الإنفاق كله خير لكن الصدقة الأفضل فيها السر لما في إظهارها من كسر قلب الْمُعْطَى، وأما الأشياء العامة أو الصدقة على شخص معين هو الذي طلب منا أن نجمع له مثلًا فهذا قد يكون الإعلان فيه أفضل.
ومن فوائد الآية الكريمة: التنبيه على الإخلاص؛ لقوله: يَرْجُونَ تِجَارَةًلا يريدون تجارةً تبور وتهلك؛ يعني لا يريدونها سُمْعة؛ لأن السمعة والجاه بين الناس لا شك أنه كسب للمرء، ويُعتبر تجارة، لكن هذه تجارة هالكة تزول بزوال الشخص، أو تزول بزوال ما اشتهر به؛ لأن من حُمِدَ على شيء ذُمَّ على فقده، لكن الذي يرجو ثواب الله ويُحسِن النية والقصد هذا هو الذي حصل على تجارة لن تبور، ففيه التنبيه على الإخلاص، وأنه ينبغي للإنسان أن يكون مخلصًا لله تعالى في عمله اللازم أو القاصر والمتعدي، القاصر كالصلاة، والمتعدي كالصدقة.
تفسير الآية (30)
01:19:08

ثم قال الله عز وجل: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر: ٣٠] قال: لِيُوَفِّيَهُمْأي: يعطيهم أجورهم وافية كاملة، والضمير ضمير الفاعل يعود على الله؛ لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ.
وقوله: لِيُوَفِّيَهُمْاللام هذه للعاقبة. وقيل: للتعليل، فعلى القول بأنها للعاقبة تكون متعلقة بـيَرْجُونَ. يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَعاقبتهم أن يُوفيهم الله أجورهم، وعلى أنها للتعليل متعلقة بـيَتْلُونَ، وَأَقَامُوا، وَأَنْفَقُوايعني يتلون ليوفيهم أجورهم، أقاموا الصلاة ليوفيهم أجورهم، أنفقوا مما رزقناهم ليوفيهم أجورهم؛ يعني قصدوا ما رَتَّب الله على هذه الأعمال من الأجور، وهذا الفعل ينصب مفعولين أحدهما هنا: (الهاء)، والثاني: (أجور) وهو من أخوات؟
طالب: من أخوات كسا.
الشيخ: نعم، من أخوات كسا وأعطى؛ لأنه نصب ما لا يصح أن يكون مبتدأً وخبرًا، وكل فعل ينصب مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما خبرًا عن الآخر فهو من باب (كسا).
(لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْأي: ثواب أعمالهم المذكورة) والتوفية هذه معروفة لنا جميعًا وهو أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فمثلًا الصلاة حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومع الجماعة تكون كم حسنة؟ سبعًا وعشرين حسنة، كل حسنة بعشر أمثالها.
قال: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِمعطوفة على (يوفيهم) وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛ يعني يزيدهم عطاءً وأجرًا من فضله، وهذا مثل قوله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٦١].
وقوله: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِيشمل الفضل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الإنسان إذا عمل العمل الصالح مخلصًا لله به حَبَّب الله إليه العمل حتى يزيد في العمل، وهذا شيء مُشاهَد، كذلك إذا أعطى وأنفق زاده الله من فضله، قال الله تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُأي: يأتي بخلفه؛ فالزيادة إذن تشمل زيادة الأجور، وزيادة الأعمال، وزيادة المال الْمُنفَق منه؛ زيادة الأعمال؛ لأني قلت: كلما عمل الإنسان عملًا صالحًا حَبَّب الله إليه العمل، وزاده فيه؛ زيادة المال وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: ٣٩]، وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩]، وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِأي عطائه الذي يتفضل به عليهم.
(إنَّهُ غَفُورلذنوبهم شَكُورلطاعتهم)، هذا تعليل لما سبق من توفية الأجور والزيادة من الفضل؛ يعني أن الله عز وجل لكونه غفورًا رحيمًا صار يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، وفي هذا إشارة إلى مغفرة الله سبحانه وتعالى للعامل وإلى شكره إياه.
(الغَفُور) صيغة مبالغة، أو صفة مُشبَّهة مأخوذة من (الغَفْر)، وهو الستر مع الوقاية؛ لأن أصل هذه المادة الْمِغْفَر والْمِغفر يحصل به الستر والوقاية، إذن ما معنى أن الله غفور؟ معناه أن الله يستر الذنوب، ويتجاوز عن العقوبة، وما أدري ما أكثر ما نذنب فيما بيننا وبين ربنا ومع ذلك يسترها الله عز وجل، وإذا كان يوم القيامة عفا عن عقوبتها؛ وبذلك تتحقق المغفرة.
أما الشكور فنقول في تصريفه كما قلنا في (غفور): إنه إما صيغة مبالغة، وإما صفة مشبهة، فهو سبحانه وتعالى شكور أي: يشكر مَنْ عمل العمل الصالح، ومن شكره إياه أنه يُضاعف له الأجر الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وانظر إلى كمال الله عز وجل في صفته أنه هو الذي يمن عليك بالعمل، ثم يشكرك عليه هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠] سبحان الله العظيم! ربنا يحسن إلينا ثم يقول: ما جزاء إحسانكم إلا أن نحسن إليكم، وهو الذي تفضل به أولًا ثم ثانيًا، وهذا يدلك على سعة كرم الله، والحمد لله، وأنه عز وجل واسع الكرم.
في هذه الآية عدة فوائد، أولًا: أن طلب الإنسان للثواب غاية عظيمة؛ لأن اللام كما أشرنا إليه آنفًا لغير العاقبة، اللام للتعليل، هذا إذا قلنا: إنها للتعليل وهي صالحة للتعليل، فكون الإنسان يعمل من أجل الأجر، هذا لا يُعدُّ نقصًا خلافًا للصوفية الذين يقولون: لا تعبد الله لثواب الله، ولكن اعبد الله لله، فنقول لهم: هذا خطأ، فالله تعالى وَصَفَ أشرف هذه الأمة وخير هذه الأمة بأنهم يريدون فضلًا من الله ورضوانًا، قال الله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: ٢٩].
ومع ذلك لا نقول: إنك لا تعبد الله لله، اعبد الله لله ولثواب الله، فإنك لن تصل إلى الله إلا بعد وصولك إلى ثواب الله؛ فإن لقاء الله، اللقاء الذي هو الرضا التام إنما يحصل متى؟ في الجنة؛ ولهذا قال الله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥] هذا الفوز الكامل.
وقوله: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ [الرعد: ٢٢] متى يرون وجه الله؟ إذا دخلوا الجنة، رؤية وجه الله، الرؤية التامة بعد دخول الجنة، الحاصل أن في هذه الآية وأمثالها ما يدل على ضعف ذلك المسلك الذي سلكه أولئك الصوفية بألا تعبد الله لثواب الله ولكن اعبد الله لله، فنقول: ما أكثر الآيات الدالة على أن العبادة تكون لفضل الله وثوابه.
ومن فوائد الآية الكريمة: ضمان الثواب؛ يعني أن الثواب مضمون للعامل الذي يتعامل مع الله عز وجل بناءً على أن اللام للعاقبة؛ أي أن هذا العمل سوف يُوفَّى لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ.
وفيه أيضًا وجه آخر لضمان الثواب؛ أن الله سماه أجرًا، والأجر لا بد أن يُدفَع لمن قام بالعمل، بل جاء في الحديث الصحيح القدسي قال الله تعالى: «ثَلَاثةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» . فإذا كان الله خصم هؤلاء؛ لأنهم لم يعطوا الأجر فإنه يدل على أن الأجر الذي ضمنه الله لعباده سوف يحصل قطعًا، ولكن لا بد أن يكون العمل صحيحًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء الحسنات أكثر مما يجب؛ لقوله: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. وزيادة الفضل شرحناها في التفسير.
ومِن فوائدها: إثبات الاسمين الكريمين (الغفور) و(الشكور)، وما تضمناه من صفة؛ وهي المغفرة والشكر، وما تضمناه أيضًا من أثر وهو الْحُكْم فإن (غفور) يُؤخَذ منها أنه يغفر، وشكور يُؤخَذ منها أنه يشكر من يستحق الشكر.
وفيه أيضًا في الآية الكريمة: دليل على ثبوت الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: لِيُوَفِّيَهُمْ، وَيَزِيدَهُمْ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله تعالى الأفعال الاختيارية؛ أي التي تقع بمشيئته، فإنه تعالى فعَّال لما يريد خِلافًا لمن زعم أن الله تعالى لا يُوصف بشيء حادث أبدًا.

***

تفسير الآيات (31-36)
01:31:25

يقول: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [فاطر: ٣١] الجملة هنا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّجاءت بالصيغة الاسمية المحصورة، وطريق حصرها أمران: الأمر الأول: تعريف ركنيها، وهما المبتدأ والخبر، فـ(الذي) مبتدأ و(الحق) خبر.
وقد قال أهل البلاغة: إن تعريف الركنين من الجملة الاسمية يفيد الحصر، الطريق الثاني من طرق الحصر: هو ضمير الفصل وهو قوله: هُوَ الْحَقُّ، فضمير الفصل من فوائده الحصر، وله فائدة ثانية: التوكيد، وله فائدة ثالثة: الفصل بين الخبر والصفة.
يقول: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ، أَوْحَيْنَا إِلَيْكَالوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله بشريعة من شرائعه، هذا هو الوحي شرعًا، أما في اللغة فقالوا: إن الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء؛ يعني مثل الإشارة والهمس وما أشبهه يسمى وحيًا لكنه في الشرع..