الذين قالوا بالأول: إنه يُصلَّى لكل آية تُخَوِّف العباد استدلوا بقول النبي
صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَر (...)
يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا -يعني
كَاسِفَتَيْنِ- فَصَلُّوا وَادْعُوا» . إلى آخره.
قالوا:
وتخويف العباد بالصواعق والزلازل أشد وقعًا في نفوسهم من الكسوف، فإذا شُرِعَت
الصلاة للكسوف، فمشروعيتها لهذه الآيات من باب أولى، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله، واستدل بفعل ابن عباس رضي الله عنها حين صلى
صلاة الكسوف في زلزلة ، ولكن
المذهب يقولون: إنه لا تُصلَّى صلاة الكسوف إلا للكسوف، أو للزلزلة احتجاجًا بفعل
ابن عباس رضي الله عنهما، ولكن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فإن هذا
الذي ذهب إليه يدل عليه التعليل في الحديث: «آيَتَانِ مِنْ
آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلة، والسبب في
أفعال الله عز وجل؛ لقوله: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر: ٤١]. وإثبات العلل في أفعال الله أو في أحكامه تدل على
كماله لا على نقصه، خلافًا للناقصين الذين زعموا أن إثبات الحكمة في أفعال الله
تعالى وأحكامه تدل على النقص؛ ولهذا نفوا الحكمة عن أفعال الله وأحكامه، يقولون:
لأن ذلك يقتضى النقص، وأنه فعل لغرض، أو حَكَم لغرض، والفاعل لغرض ناقصٌ بدونه،
وعلى هذا فيكون نفي الحكمة عن أفعال الله وأحكامه من تنزيه الله تعالى عن
النقص.
وفي الحقيقة أن أي إنسان يعتقد أن إثبات الحكمة في أفعال الله وأحكامه
نقص فهو الناقص، حتى إن الإنسان بمجرد ما يتأمل في المسألة يعرف أن من فعل لغير
حكمة فقد أتى سفهًا، وإن فعل لحكمة فقد أتى رشدًا؛ لأن الرشيد هو الذي يفعل الشيء
لحكمة وحُسن تصرف، والسفيه بالعكس؛ ولهذا قال الله تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: ٥]. وعلى هذا ففي الآية هذه وغيرها من نصوص الكثيرة في
الكتاب والسنة والعقل الصريح ما يدل على إثبات الحكمة لله عز وجل، وأن الحكمة من
أجل صفات الله سبحانه وتعالى، وبيانها في أحكام الله وأفعاله من أعظم الأمور
وأظهرها.
نقول: في الآية إثبات الحكمة؛ لأنه علل إمساك السماوات والأرض بماذا؟
بكون ذلك مقتضى حلمه ومغفرته.
وفي الآية أيضًا من
الفوائد: إثبات هذين الاسمين لله، وهما الحليم والغفور، وإثبات ما تضمناه من
الصفة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، ليس في أسماء الله اسمٌ جامدٌ
أبدًا حتى اسم الجلالة (الله)، ليس بجامد بل هو مشتق من الألوهية، وكذلك بقية
الأسماء كلها ليست جامدة بل هي مشتقةٌ من معانٍ تدل عليها، والمعاني التي تدل عليها
أسماء الله قد تكون متعددة في اسم واحد كما مر عليها في الدلالة أنها تكون دلالة
مطابقة ودلالة تضمن ودلالة التزام.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [فاطر: ٤٢] وَأَقْسَمُوا، قال المؤلف: أي: (كفار مكة)، وهذا يحتمل ما قاله رحمه الله من أن الضمير يعود على كفار مكة، ويحتمل أنه أعم، وأن من الناس من أقسموا وهم من غير كفار مكة.
وقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِأي: حلفوا به.
وقوله: جَهْدَ أَيْمَانِهِمْأي: غاية الأيمان؛ يعني الأيمان التي بذلوا فيها الجهد وهي أيمانٌ مغلظة في صيغتها كمية وكيفية؛ فالأيمان الْمغلَّظة بصيغتها كمية وكيفية هي الأيمان التي بلغت الجهد؛ أي غاية الطاقة بالنسبة للمُقْسِم، والأَيْمان كما قال العلماء تُغلَّظ بالكمية، والكيفية، والزمان، والمكان، والهيئة، خمسة أشياء؛ الكمية مثل أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو العظيم العزيز الغالب، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تدل على الانتقام فيما لو كان الإنسان كاذبًا، هذا تغليظ بماذا؟ بالكمية.
التغليظ بالكيفية بأن يأتي بها بانفعال شديد يدل على تأثره بالقسم، وأما في الزمان فأن تكون بعد صلاة العصر كما قال الله تعالى: تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ [المائدة: ١٠٦] فمن بعد صلاة العصر.
وفي المكان بحيث يكون الإقسام في مكان فاضل، وأفضل الأماكن في البلدان المساجد، قالوا: وتكون عند المحراب أو المنبر في الجوامع وعند الكعبة، بعضهم قال: تحت الميزاب، وفي الروضة في المدينة، هذا في المكان.
في الهيئة بأن يكون قائمًا؛ لأنه يُحلَّف وهو قائم، قال العلماء: لأن العقوبة أقرب إلى القائم منها إلى القاعد، فهذه خمسة أشياء في تغليظ اليمين، لكن هل هؤلاء الكفار أقسموا جهد أيمانهم بهذه التغليظات الخمسة؟ الله أعلم، على كل حال هم بذلوا أقصى ما يستطيعون من اليمين.
لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [فاطر: ٤٢] هذه الجملة نقول في إعرابها كما قلنا في الجملة الأولى وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا [فاطر: ٤١]، فلقد اجتمع فيها شرطٌ وقسم، وحُذِف جواب الشرط؛ ولهذا جاءت اللام في الجواب لَيَكُونُنَّولو كان المحذوف جواب القسم لم تأتِ اللام في الجواب؛ لأن جواب الشرط لا يحتاج إلى اللام، وإنما يربط بالفاء في محله، ولا يحتاج إلى رابط إذا لم يكن من المواضع السبعة المعروفة.
يقول الله عز وجل: لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ [فاطر: ٤٢] بمعنى مُنذِر وهو الرسول لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [فاطر: ٤٢].
قوله: لَيَكُونُنَّبضم النون وهو مُشكِل كيف ضُمَّت النون، والمعروف أن الفعل المضارع مع نون التوكيد يُبنى على الفتح كما في قوله تعالى: لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ [الهمزة: ٤] وهنا قال: لَيَكُونُنَّ؟
والجواب على ذلك أن نون التوكيد لا يُبنى معها الفعل إلا إذا كانت مباشرةً له لفظًا وتقديرًا، والنون هنا مباشرة للفعل لفظًا لكنها غير مباشرة له تقديرًا، كيف ذلك؟ لأن الفعل هنا للجماعة، وليس للمفرد، وأصله (يكونونن) فحذفت النون لتوالي الأمثال؛ لأنهم يقولون: إن العرب يكرهون أن تجتمع ثلاث كلمات من نوع واحد بعضها إلى بعض، فيحذفون أولاها بالحذف، وأولاها بالحذف على حسب قياسهم نون الرفع؛ لأن حذفها معتاد ولأن نون التوكيد جاءت لمعنًى لو حذفت لاختل ذلك المعنى، إذا جاءت للتوكيد فلا نحذفها لكن نحذف نون الرفع؛ لأن حذفها معتاد.
حذفنا نون الرفع وهي النون الأولى من الثلاثة، إحنا قلنا: ليكونون، بقيت الواو تلي النون، والنون حرفٌ مشدد في هذا التركيب، والحرف المشدد أوله ساكنٌ ولَّا لا؟ أوله ساكن، فحذفنا الواو لالتقاء الساكنين فصارت لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِحذفنا الواو التي بين نون الفعل؛ لأن النون في لَيَكُونُنَّالنون اللي معنا الآن نون الفعل؛ ولهذا ما حذفناها؛ لأنها أصيلة، حذفنا الواو لالتقاء الساكنين.
فلو قال قائل: عندنا الآن ثلاث نونات ولم تحذفوا واحدة منها؟
نقول: أولًا: أن هذه النونات ليست متصلة تقديرًا؛ يعني ليس بعضها متصلًا بالبعض الآخر من حيث التقدير؛ لأنه قد فصل بينهما الواو التي حذفناها لالتقاء الساكنين.
ثانيًا: أن النون التي بعد الواو في لَيَكُونُنَّالنون الموجودة الآن نون الفعل، فهي من بنية الكلمة، ولا يمكن أن تُحذف.
على كل حال يجب أن نعرف الفرق بين (ليكونَنَّ) وبين لَيَكُونُنَّفي القرآن: لَيَكُونًالَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: ٣٢] ففرق بين لَيَكُونًاوبين لَيَكُونُنَّ، فـ(يكونَنَّ) هذا للواحد؛ ولهذا بُنِي الفعل معها على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد لفظًا وتقديرًا، ولَيَكُونُنَّللجماعة؛ ولهذا لم يُبنَ الفعل معها؛ لأن نون التوكيد لم تباشره تقديرًا واضح؟ ولَّا في إشكال بعد؟
طلبة: (...).
الشيخ: ما أدري والله! بعد كل الكلام هذا الطويل ما إحنا فاهمين؟!
طلبة: واضح.
الشيخ: زين، إذن نون التوكيد لا يُبنى معها الفعل إلا إذا كانت مباشرةً له لفظًا وتقديرًا، في هذه الجملة لَيَكُونُنَّلم تباشره تقديرًا ولَّا لفظًا؟ تقديرًا، أما لفظًا فقد باشرته، وإنما قلنا: لم تباشره تقديرًا؛ لأنه حُذِف منها واو الجماعة فلم تباشره تقديرًا.
وقوله: أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [فاطر: ٤٢] أَهْدَىهذه خبر (يكون) فهي منصوبة بالفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر؛ وهو اسم تفضيل.
وقوله: مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، قال المؤلف: (اليهود والنصارى وغيرهم) أي: أي واحدة منها، لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضًا؛ إذ قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، يقول: لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِفأتوا بـإِحْدَىالدالة على الإبهام، لم يقولوا: أهدى من النصارى، ولا أهدى من اليهود. قال: مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، لماذا؟ لأن الأمر التبس عليهم؛ حيث إن اليهود يقولون: ليست النصارى على شيء، والنصارى يقولون: ليست اليهود على شيء، وهؤلاء المشركون -كفار مكة- أمةٌ جاهلية لا يدرون مَن الحق معه فلم يقولوا: أهدى من النصارى، ولا أهدى من اليهود، بل قالوا: أهدى من إحداهما أهدى من أي واحدة؛ لأن الأمر عندهم التبس، ولكن يبقى النظر ما هو الدليل على تخصيص كلمة الأمم بالأمتين اليهودية والنصرانية؟ ولماذا لا يقال: إنها أعم من اليهود والنصارى؟ لأن هناك مجوسًا يدينون بعبادة النيران، ويمكن أن يوجد أناس آخرون يدينون بديانات أخرى؛ لهذا نقول: الجواب إما أن نلتزم بالعموم ونقول: إنهم يقولون: أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِأي: من أي أمة كانت؛ كاليهود، أو النصارى، أو المجوس، أو الوثنيين الذين يعتقدون أنهم على دين، أو ما أشبه ذلك، فكأنهم يقولون: أهدى من كل الأمم، لكن لم يعينوا؛ لأنهم لم يدروا من هو الذي على حق، وإما أن يقال: خُصَّ هذا الجمع بأمتين فقط؛ لأن المعروف أنهم على دين هم مَنْ؟ اليهود والنصارى (...).
هذا هو الصحيح لكن آخر كلامه يدل على أنه أراد اليهود والنصارى فقط، اشتبه عليهم الحق فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء (...)
***
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ(...)جَاءَهُمْ نَذِيرٌ [فاطر: ٤٢].
قال الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا [فاطر: ٤٢]، هنا قال الله عز وجل: فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ [فاطر: ٤٢] ولم يقل: فلما جاءهم الرسول ليطابق ما قالوه حتى يكون أبلغ في إلزامهم بما قالوا؛ لأنهم قالوا: لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّفلما جاءهم نذير على حسب ما فرضوه وما قدروه جاء الأمر كذلك، فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌكما يقولون هم والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم بلا شك، لكن كما أشرت نُكِّرَ ولم يُعَرَّف متابعةً لكلامهم، حيث قالوا: جاءنا نذير؛ يعني فلما جاءهم نذير كما طلبوا تمامًا وباللفظ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا(لَمَّا) هنا شرطية، وفعل الشرط جَاءَهُمْوجوابه مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا.
و(لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على أوجه:
أحدها: كما هنا شرطية.
والثاني: أن تأتي جازمة كـ(لم) إلا أن بينهما فروقًا ليس هذا موضع ذكرها؛ لأننا لم نتكلم على النحو كقوله تعالى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: ٨] أي لم يذوقوا عذابي ولكنهم حريون بأن يذوقوه.
والثالث: أن تكون بمعنى (إلا) كقوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أي: إلا عليها حافظ.
والرابع: أن تكون بمعنى (حين) مجردة عن الشرط، مثل أن تقول: زرتك لما طلع الصبح؛ أي: حين طلع الصبح، فهذه أربعة معانٍ لـ(لَمَّا) هنا شرطية فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا [فاطر: ٤٢].
مَا زَادَهُمْقال المؤلف: (مجيئه) يعني أنهم جاءهم نذير كما طلبوا ولكنهم ما كانوا أهدى من إحدى الأمم بل لم يزدهم إلا نفورًا عن الحق وبُعْدًا عن اتباعه، قال: (تباعدًا عن الهدى) والعياذ بالله، وهذا أمرٌ مشاهَد فإن قريشًا لما بُعِث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم نفروا منه وآذوه بالقول وبالفعل ووصموه بكل عيب، وكانوا قبل أن يُبعث يُجِلُّونه يحترمونه ويسمونه الأمين، فلما بُعِثَ لم يكن أمينًا وكأنه رجلٌ غير الرجل الذي كانوا يعرفونه، كل هذا يُكذِّب قولَهم: لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [فاطر: ٤٢].
قال: (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ [فاطر: ٤٣] عن الإيمان، مفعولٌ له) يعني أن كلمة اسْتِكْبَارًامفعولٌ له؛ أي: منصوبة على أنها مفعول له؛ يعني ما زادهم إلا نفورًا لأجل الاستكبار في الأرض، وهذا أحد الاحتمالين في الآية الكريمة، والاحتمال الثاني أن اسْتِكْبَارًابدل من كلمة نُفُورًا؛ أي: ما زادهم إلا نفورًا، هذا النفور هو الاستكبار في الأرض، وهو احتمال قوي جدًّا أن تكون اسْتِكْبَارًابدلًا أو عطف بيان من كلمة نُفُورًا. إذن ما زادهم هذا المجيء إلا البُعد عن الحق والاستكبار في الأرض.
قال: وَمَكْرَ السَّيِّئِ [فاطر: ٤٣] معطوف على اسْتِكْبَارًا.
ووَمَكْرَقال المؤلف: (العمل السَّيِّئِمن الشرك وغيره) فقدَّر العمل قبل السَّيِّئِ؛ ليكون السوء موصوفًا به العمل، والعمل السيئ يكون مكرًا، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، فجعل مَكْرَمضافًا إلى شيء محذوف وهو (العمل)، وجعل السيئ صفةً لذلك الشيء المحذوف؛ أي: مكر العمل السيئ؛ أي أنهم ما زادهم إلا نفورًا واستكبارًا في الأرض، وأن يمكروا مكر العمل السيئ، والمكر هو الخديعة وهو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم، هذا المكر، أن تتوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بخصمك وعدوك؛ فأما التوصل بالأسباب الظاهرة فليس بمكر، فإن قلت: هذا المعنى لا ينطبق على عمل هؤلاء؛ لأن هؤلاء يظهرون عملهم السيئ؟
فالجواب: أن هؤلاء تارةً يظهرونه وتارةً يُخفونه كما في اجتماعهم في دار الندوة، ماذا يصنعون بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]، وإنما ذكر المكر دون الشيء الْمُعْلن الظاهِر؛ لأنه أعظم قُبحًا من الشيء الْمُعلن الظاهر، فصار هؤلاء جمعوا إلى الكذب المكر والخداع والعياذ بالله.
قال الله تعالى: (وَلَا يَحِيقُيحيط الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِوهو الماكر) إلى آخره؛ يعني أن هؤلاء مكروا السوء وعملوا السوء بصفة علنية وبصفة خفية، وهل الماكر بغيره ينجو؟ الجواب: إذا كان مكرًا سيئًا فإنه لا ينجو بل سيحيق به مكره ويهلكه ويدمره، كما قال تعالى: وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [هود: ٨]، أما إذا كان المكر بحق فإنه لا يحيق بأهله بل يحيق بعدوه، ولا يحيق به؛ ذلك لأن المكر بحق ممدوح وليس بمذموم.
وقال: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِوهنا لم يقل: إلا بالماكر بل قال: إِلَّا بِأَهْلِهِإشارة إلى بيان الاستحقاق لهذه الجريمة التي وقعت منه، وأنه أهل لأن يحيق به مكره، فكل ماكر بغير حق فإنه أهلٌ أن يحيق به مكره.
قال: (ووَصْف المكر بالسيئ أصل، وإضافته إليه قبل استعمال آخر قُدِّر فيه مضاف حذرًا من الإضافة إلى الصفة) هذا كلام قليل الفائدة مُعقَّد المعنى في الواقع.
قال: (ووَصْف المكر بالسيئ أصلٌ) فين المكر؟ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُيقول المؤلف: (أصلٌ) يعني جارٍ على الأصل؛ لأن الأصل أن الوصف ينفصل عن الموصوف ولا يُضاف إليه الموصوف، هذا الأصل، انتبهوا! أنت تقول: مررت بزيدٍ الفاضلِ، فتجعل الصفة منفصلة عن الموصوف تابعةً له وليس مضافًا إليها.
فقول المؤلف: (أصل)؛ يعني أنه على الأصل، وصْف المكر بالسيئ أصلٌ، ويش معنى أصل؟ أي: جارٍ على الأصل؛ لأن الأصل أن الصفة تتبع الموصوف، لا أن الموصوف يُضاف إليها، أفهمتم الآن زين؟ هذا يحتاج إلى أنه يعلق عليه؛ لأن ستنسون وبعدين يُشكل عليكم كلام المؤلف، جاء مع الأصل.
(وإضافته إليه قبلُ استعمالٌ آخر)، (وإضافته إليه قبل)؛ لأنه في الجملة التي قبل هذه قال: وَمَكْرَ السَّيِّئِفهنا لم يُوصف المكر بالسيئ، ولكن أُضِيف المكر إلى السيئ، فقول المؤلف رحمه الله: (إضافته إليه قبلُ) ويش معنى (قبلُ)؟ يعني قبل هذه الجملة؛ ويعني بذلك قوله: وَمَكْرَ السَّيِّئِ(استعمال آخر) (قبل استعمالٌ آخر) على الأصل، ولَّا على خلاف الأصل؟ على خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن الصفة تقع تبعًا للموصوف، لا أن الموصوف يضاف إلى الصفة، لكن يجوز أن يُضاف الموصوف إلى الصفة؛ ولهذا دائمًا يمر بكم قول العلماء: هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثل قولهم: مسجد الجامع، هذا مسجد الجامع؛ أصله: هذا المسجد الجامع، لكن أُضيف إلى صفته، وهو كثير، كما أن أيضًا الصفة تُضاف إلى الموصوف أحيانًا، مثل: طاهر القلب، هذه صفة مضافة إلى موصوفها، طاهر القلب كما قال ابن مالك في الألفية:
| كَطَاهِرِ الْقَلْبِ جَمِيلِ الظَّاهِرِ | ........................ |
هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، إذن نأخذ من هنا أنه يجوز إضافة الصفة إلى الموصوف، وإضافة الموصوف إلى صفته، وما هو الأصل من ذلك؟ الأصل من ذلك أن تقع الصفة تبعًا للموصوف على أنها نعتٌ له وتُعرب بإعرابه، في الآية الكريمة، إضافة الموصوف إلى الصفة ووصف الموصوف بالصفة أو لا؟ في الآية الكريمة إضافة الموصوف إلى الصفة ووصف الموصوف بالصفة، صح؟ في الآية ما هو بكلمة واحدة منها.
طالب: في أولها وآخرها.
الشيخ: في أولها وآخرها، أين إضافة الموصوف إلى الصفة؟
طالب: الثانية (...).
الشيخ: ما هي بالثانية يا ولد!
طلبة: الأولى وَمَكْرَ السَّيِّئِ.
الشيخ: الأولى: وَمَكْرَ السَّيِّئِ، هذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، لو كان في غير القرآن وأردنا أن نحوله إلى أن تبع، إلى أن تكون الصفة تبعًا للموصوف لقلنا: استكبارًا في الأرض والمكر السيئ كذا ولَّا لا؟ لكن هُنا صار من باب الإضافة ومكر السيئ.
وفيها أيضًا وصْف الموصوف بالصفة. قوله: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُأيهما الأصل؟ هنا بين المؤلف، قال: (ووصف المكر بالسيئ أصل). لو قال بدل (أصل) لو قال: جارٍ على الأصل لكان أوضح؛ وهذا هو مراده.
قال: (وإضافته إليه قبل) ويش يعني به؟ (إضافته إليه قبل) إضافة الموصوف إلى الصفة، ويش يعني به من الآية؟ قوله: وَمَكْرَ السَّيِّئِ.
يقول: (استعمالٌ آخر) يعني جارٍ على استعمال آخر في اللغة العربية؛ لأن اللغة العربية أحيانًا تضيف الموصوف إلى صفته، واضح أظن؟
قال: (قُدِّر فيه مضاف) حسب شرحه هو وتفسيره، حيث قال: (وَمَكْرَالعمل السَّيِّئِ).
يقول: (حذرًا من الإضافة إلى الصفة)، وهذا الذي قاله الأخير يُنازَع فيه؛ وذلك لأنه لا داعي إلى ذلك، لا حاجة إلى أن نُقَدِّر محذوفًا لأجل أن نمنع إضافة الموصوف إلى الصفة؛ لأن إضافة الموصوف إلى الصفة في اللغة العربية كثيرٌ شائع، ليس هذا أمرًا محذورًا في اللغة العربية حتى نقول: نحتاج إلى تقدير ما يصححه؛ ولهذا نقول: وَمَكْرَ السَّيِّئِجارٍ على أصله بمعنى أنه لا حاجة إلى أن يُقَدَّر فيه شيء محذوف.
ثم قال تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَينتظرون)، هذا تفسير لـ(ينظرون) بمعنى ينتظرون، وهناك ضابط وليس قاعدة أن (ينظر) إن تعدَّت بـ(إلى) فهي بمعنى النظر بالعين أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧]، وإن تعدت بـ(في) فهي بمعنى النظر الفكري كما في قوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ١٨٥]، وإن تعدت بنفسها فهي بمعنى الانتظار مثل هنا فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ [فاطر: ٤٣] معناها: هل ينتظرون من الانتظار؛ وهو الترقب.
فَهَلْ يَنْظُرُونَأي: ينتظرون؛ يعني يترقبون إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَسُنَّتَبمعنى الطريقة والإضافة هنا إلى الْأَوَّلِينَمن باب الاختصاص؛ يعني إلا السنة التي جرت للأولين، وليس المراد السنة التي فعلها الأولون؛ لأن الْأَوَّلِينَمفعولٌ بهم وليسوا فاعلين، وإنما الفاعل من؟ الله عز وجل.
إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَقال المؤلف: (سُنَّة الله فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم رسلهم)؛ يعني ما ينتظر هؤلاء الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلا سنة الأولين؛ وهي -أي سنة الأولين- التعذيب؛ تعذيبهم لتكذيب الرسل.
قال: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: ٤٣] لن تجد لسنة الله تبديلًا برفعها، أو تحويلًا بتغييرها إلى قوم آخرين؛ يعني أن سُنَّة الله ستقع في أعيان الذين يستحقونها، فلن تُبدَّل فتُرفع، ولن تُحوَّل إلى قوم آخرين فيسلم منها من استحقوها بل هي واقعةٌ على من يستحقها عينًا، مثال ذلك: المشركون كذَّبوا الرسول عليه الصلاة والسلام من قريش، التحويل معناه أن تُحَوَّل عقوبتهم إلى بني تميم مثلًا، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن؛ لأن هذا ظلم أن يؤاخذ قومٌ بجريمة آخرين، هذا معنى قوله: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًاكذَّبَتْ قريش الرسول عليه الصلاة والسلام فبدلًا من أن يعاقبهم الله نعَّمَهم، يمكن هذا ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: هذا معنى قوله: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، فالعذاب لن يُبدَّل بنعيم، ولن يُحَوَّل عن مستحقه إلى قوم آخرين، وسُنَّة الله عز وجل لا بد أن تقع فيمن يستحقها بدون تبديل لها بنعمة، وبدون تحويل لها إلى غيرهم، لماذا؟ لأن الله عز وجل كامل الحكمة، كامل العدل؛ كامل الحكمة فلن يبدل النقمة بنعمة على من استحقها، ثانيًا: كامل العدل، لا يمكن أن يُحَوِّل الانتقام إلى قوم آخرين لا يستحقونه، فهذه الصفة فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًاإلى آخره هي من باب الصفات السلبية لكنها تتضمن كمال عدل الله وكمال حكمته، ويمكن أن نقول: وتمام سلطانه أيضًا بحيث لا يُكرِهه أحدٌ على أن يُحَوِّل النقمة إلى آخرين، أو أن يُبدِّلها بنعمة.
قال المؤلف: (أي لا يُبَدِّل بالعذاب غيرَه، ولا يُحَوَّل -أي العذاب- إلى غير مُستحِقِّه).
نأخذ فوائد الآيات بعد قوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْإلى آخره [فاطر: ٤٢]، يستفاد من الآيتين الكريمتين عدة فوائد:
فمن ذلك: أن الإنسان إذا كان في عافية، أو إذا كان قبل أن ينزل به الأمر قد يجد من نفسه القوة على تنفيذه، فإذا نزل به الأمر تغيرت حاله، وجه الدلالة، أن هؤلاء أقسموا بالله لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما جاءهم النذير؛ تغيرت حالهم، وهذا يقع كثيرًا للبشر ما دام الإنسان لم ينزل به الأمر يظن أنه قادرٌ عليه، فإذا نزل به الأمر عجز عنه؛ ولهذا ينبغي للإنسان ألا يتعجَّل فيحكم على نفسه بالحال التي كان فيها سالمًا من نزول الأمر به بل ينتظر حتى ينزل به الأمر، كثير من الناس مثلًا يقول: أنا استطيع الصبر على الحج مثلًا وسأحج، ولكن عندما يحين الأمر يجد من نفسه العكس، يقول: أنا أستطيع أن أقوم ثُلث الليل الآخر كله، ولكن إذا جد الجد وجد نفسه عاجزًا، فالمهم أنه ينبغي للإنسان ألا يكون متسرعًا فيقيس حاله في حال الرخاء على حاله في حال نزول الأمر به؛ لأن الإنسان بشر تختلف حاله بين سلامته من الأمر وبين وقوع الأمر فيه، والله أعلم.
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْإلى آخره.
فيها الفائدتان اللتان سمعتموها: أن الإنسان إذا كان في عافية من الأمر فإنه لا ينبغي له أن يتعجل، وأن يقيس نفسه في نزول البلاء على حال العافية؛ لأن الإنسان قد يختلف.
وفيها أيضًا: دليل على عُتُوِّ هؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا قبل أن يُبعث إليهم يقسمون أغلظ الأيمان بأنهم سيكونون أهدى من غيرهم، ولكن لما جاءهم الرسول عليه الصلاة والسلام ما زادهم مجيئه إلا نفورًا.
وفيه الإشارة إلى أنه لا ينبغي للإنسان النذر؛ أي أن ينذر الطاعة؛ لأنه قد لا يُوفَّق للقيام بها، هؤلاء أقسموا ولما وُجِد مُوجِب الطاعة لم يقوموا بطاعة الله، وهذا نظير قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ [النور: ٥٣]، فهم أقسموا بالله أن لو أمرهم الرسول عليه الصلاة والسلام لخرجوا فنهاهم الله، بل أمر نبيه أن يقول لهم: لا تقسموا، ونظير ذلك وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ [التوبة: ٧٥، ٧٦] ولهذا جاء النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر، وبيان أنه لا يأتي بخير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء ردوا الحق استكبارًا في الأرض؛ أي: يريدون الاستكبار، وهذا على وجه إعرابها بأنها مفعول لأجله؛ أي أنهم ما ردوا الحق إلا من أجل أن يكون لهم الكبرياء والعلو في الأرض.
ومن فوائد الآية الكريمة: تسمية أعمال الكافرين مكرًا؛ لقوله: وَمَكْرَ السَّيِّئِ، وقد ذكرنا في التفسير أن أعمال الكافرين تنقسم إلى قسمين: قسم يُجاهرون فيه بكفرهم، ولا يأتون به على سبيل المكر، وقسم آخر يأتون به على سبيل المكر، وأيهما أشد؟ الثاني أشد؛ ولهذا ما مكر قومٌ بأنبيائهم إلا مكر الله بهم، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث اجتمع القوم في دار الندوة يتشاورون ماذا يفعلون به؟ فمكر الله بهم سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراد السوء حاق به السوء؛ لقوله: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ. ومن القواعد العامة يقولون: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها، فالإنسان إذا أراد المكر -والعياذ بالله- فإن مكره يحيق به.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن المكر يكون سيئًا ويكون حسنًا؛ لقوله: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، وقوله قبل: وَمَكْرَ السَّيِّئِوهو كذلك فإن مكر الله تعالى بأعدائه الذين يمكرون به مكرٌ حسن يُثْنَى عليه به، ومكر أولئك (...).
فالفاعل للسبب منتظرٌ للمُسبَّب شاء أم أبى، فالإنسان العاصي نقول له: أنت منتظر للعقوبة الآن، مترقبٌ لها، حتى وإن كان لا يطرأ على باله أنه سيُعاقب؛ لأن فاعل السبب منتظرٌ للمسبَّب ولا بد.
ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت القياس، أو إن شئت فقل: استعمال القياس لقوله: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ [فاطر: ٤٣] فيقيس حال هؤلاء بحال الأولين الذين كذبوا فعُوقبوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن سُنَّة الله عز وجل في عباده واحدة، فكل من أطاع الله أثابه، وكل من عصى الله عاقبه؛ لقوله: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: ٤٣] لا يقال مثلًا: إننا أمةٌ شرفنا الله عز وجل وعظَّمنا وكرمنا، فلا يؤاخذنا كما آخذ من قبلنا بل نقول: إن مقتضى التشريف أن نكون نحن أشد عبادةً له ممن سبقنا؛ لأن الإنسان إذا كُرِّم ينبغي أن يقوم بمقتضى هذا التكريم؛ وليس إساءة من لم تكرمه إليك كإساءة من أكرم(...) ما لا يجب على من سواه.
ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قدرة الله عز وجل وحكمته؛ حيث إن سنته لا تُبَدَّل ولا تُغيَّر فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.
وجه كونها من تمام القدرة أن العاجز لا يستطيع أن يجعل أفعاله على وتيرة واحدة، بل قد تتخلف وتتغير لعجزه عن الاطراد، وأما كونه من تمام الحكمة فلأن معاقبة السابقين كانت لسبب، وهذا السبب إذا وُجِد في الآخرين فإنه يعمل عملَه؛ لأن مقتضى الحكمة أن الأسباب لا تتخلف عنها مسبباتها؛ ففي قوله: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًافيها إثبات تمام القدرة وتمام الحِكْمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيء الذي يستمر ويُؤخذ به يُسمَّى سُنَّة، يقال: هذه سُنَّة فلان؛ أي: طريقته؛ ولهذا يُفرَّق بين السُّنَّة وبين العارض، الشيء العارض شيء، ولا يمكن أن يُجعل طريقة متبعة، والشيء المطرد يسمى سُنَّة، ويدل على هذا التفريق قوله صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ». ثم قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً» . يعني سنة مُطَّردة يفعلونها دائمًا.
***
ثم قال الله سبحانه وتعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فاطر: ٤٤]. الهمزة هنا للاستفهام، والمراد به التوبيخ والتقريع، وهذه الهمزة الاستفهامية هل هي داخلة على الجملة الموجودة المذكورة أو على جملة محذوفة يعينها السياق؟
في هذا قولان لأهل العلم بالنحو؛ فمنهم من يقول: إنها داخلة على هذه الجملة المذكورة، وعلى هذا القول يقولون: إن التقدير: وألم يسيروا، فيجعلون الواو مُقدَّمة على الهمزة؛ لأنه لا يمكن أن تُجعل الهمزة مُقدَّمة على الواو، والواو حرف عطف تقتضي معطوفًا عليه، فيقولون: إن الهمزة متأخرة والواو حرف عطف، وهذه الجملة معطوفة على ما سبق، وهذا الوجه لا شك أنه أسهل وأيسر؛ إذ لا يتكلف الإنسان فيه العناء في ذلك الشيء المحذوف الْمُقدَّر وهو القول الثاني أن الهمزة داخلةٌ على محذوف يعينه السياق، ففي مثل هذه الآية نقول: تقدير الكلام: أَغَفَلوا ولم يسيروا في الأرض أو كلمةً نحوها.
وهذا التقدير قد يكون سهلًا في بعض المواضع بمعنى أن بعض المواضع يكون المعنى فيها ظاهرًا، ويمكنك بكل سهولة أن تُقدِّر ذلك المحذوف، لكن أحيانًا يصعب عليك أن تُقدِّر ذلك المحذوف؛ لاحتمال السياق لأوجه متعددة، في هذا نقول: إن القول الثاني أو الثاني ولَّا الأول؟ الثاني باعتبار الغالب، أن القول الثاني أو الآخر، نقول: إن القول الآخر أقرب وأسهل أن نجعل الواو حرف عطف، والجملة هذه معطوفة على ما سبق، والأصل: تقديم ذلك الحرف العاطِف على الجملة، فالتقدير وألم يسيروا.
وقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِالسير هنا هل هو سير القلوب أو سير الأقدام أو كلاهما؟ نقول: الأولى أن يقال: إنه شامل فيكون سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالنظر في تاريخ الأمم السابقة، وما جرى عليهم، وما جرى لأهل الخير الآمرين بالقسط، فيسير الإنسان بقلبه في أرجاء العالم وهو جالس على كرسيه لا يتحرك، وأما السير البدني، أو السير بالأقدام فهو أن يتقدم الإنسان إلى هذه المواضع ليعتبر، ومن ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «زُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» . فإن زيارة القبور سيرٌ بالأقدام، يذهب الرجل إلى المقبرة، ويقف ويشاهد هذه القبور ويعتبر؛ هؤلاء القوم الذين كانوا أشد منه، قوة وكانوا أكثر منه مالًا، ومع ذلك آلوا إلى ما آلوا إليه حتى يعرف أنه سوف يؤول إلى ما آلَ إليه هؤلاء، طالت المدة أم قصرت.
إذن السير في الأرض يكون بالقلب، ويكون بالقدم، أيهما أنفع للمرء السير بالقلب أو السير بالقدم؟ السير بالقلب أشمل وأهون؛ لأنه بإمكان الإنسان أن يطوف الدنيا كلها في ساعة واحدة وأسهل؛ السير بالقدم أشد تأثيرًا؛ لأنه يُشاهد، وما راءٍ كمن سمع؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخلنا على ديار المعذبين أألا ندخل إلا ونحن باكون أن يصيبنا ما أصابهم . حتى نعتبر ونصحح المسير.
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِفِيهنا قال العلماء: إنها بمعنى (على)، ولا تصح أن تكون للظرفية لماذا؟ لأن الظرفية تقتضي أن يكون السائر في جوف الظرف، ومعلومٌ أن السائر في الأرض لا يسير في جوف الأرض، هل هو يفتح نفقًا ليسير فيه؟ لا، يسير على ظهرها، قالوا: فـفِيبمعنى (على)، ونظيرها قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل.
وقوله: فِي الْأَرْضِيحتمل أن يُراد بها الجنس، ويحتمل أن يراد بها العهد (أل) هنا، أن تكون جنسية أو عهدية، فعلى الأول يكون المراد السير في جنس الأرض التي أُصيبت بغضب، والتي لم تُصَبْ، وعلى الثاني يكون المراد بالأرض التي أُصِيبت بالغضب، فتكون (أل) هنا للعهد الذهني أو الذكري؟ العهد الذهني؛ لأن العهد الذكري لا بد أن يكون هناك مذكور تعود عليه (أل)، أما إذا لم يكن مذكور فهو عهدٌ ذهني.
وقوله: فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [فاطر: ٤٤] فَيَنْظُرُواالفاء هنا قيل: إنها عاطفة، وقيل: إنها سببية، فعلى أنها عاطفة تكون في محل جزم؛ أي: يكون الفعل بعدها مجزومًا، وعلى أنها سببية يكون الفعل بعدها منصوبًا، فعلى كونها سببية يكون التقدير: أو لم يسيروا في الأرض فبسبب سيرهم ينظروا، وعلى أنها عاطفة يكون المعنى: أو لم يسيروا في الأرض ولم ينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم.
والنظر هنا هل هو نظر القلب أم نظر العين؟
طالب: الأمران.
الشيخ: إذا قلنا: إن السير سير القدم فالنظر نظر العين، وإذا قلنا: إن السير سير القلب فالنظر نظر القلب؛ إذن تكون شاملةً للأمرين حسب ما نُفَسِّر السير فيما سبق.
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْهذا الاستفهام الجملة الاستفهامية علَّقت (ينظروا) عن العمل؛ يعني: فينظروا كيف كان عاقبتهم؛ يعني أي عاقبة كانت لهم، هل نُعِّموا وأُكْرِموا أو عُذِّبوا وأُهْلِكوا، انظروا، فإذا نظر الإنسان العاقل فسوف يعتبر، ويقيس الحاضر على الغائب.
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُعاقبة الشيء مآله الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْما هي العاقبة للذين من قبلهم؟ الهلاك، عاقبتهم الهلاك؛ ولهذا قال الله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، فانظروا إلى آثارهم ماذا كانت؟ كانت الدمار، فإذا كانت الدمار وسببه التكذيب والاستكبار فإن السبب الذي كان فيما سبق مؤديًا إلى هذا الهلاك فإنه سيكون مؤديًا إليه فيما لحق؛ إذ لا فرق.
قال الله تعالى: وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فاطر: ٤٤] (كانوا) الضمير يعود على مَنْ؟ على السابقين.
أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًيعني أقوى منهم قوة، ومع ذلك لم تنفعهم قوتهم ولم تمنعهم، أُهْلِكوا، وانظر إلى قوم عاد مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥]. ويش قال الله تعالى؟ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥]، وكانت عادٌ من أقوى الأمم أجسامًا وصلابةً وعزمًا حتى أنهم تحدوا، قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] فقال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةًوأهلكهم بألطف الأشياء أهلكهم بالريح، قال فرعون: وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف: ٥١]، فافتخر بجريان الأنهار وهي المياه من تحته فأُهْلِك بالغرق؛ بالماء الذي كان يفتخر به، فالإنسان العاقل إذا رأى حال هذه الأمم وقوتها، وأن هذا لم ينفعهم ولم يمنعهم من عقاب الله فلا بد أن يعتبر.
قال: وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًالواو هنا في قوله: وَكَانُوايحتمل أن تكون عاطفة، ويحتمل أن تكون للحال، والتقدير: وقد كانوا أشد منهم قوة فأهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [فاطر: ٤٤].
هنا إذا تأمل الإنسان الآية يقول: إن الله سبحانه وتعالى لم يذكر عاقبة هؤلاء المكذبين في الآية: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً، فلماذا لم يذكرها؟ اعتمادًا على هذا السائر الذي يسير فينظر؛ يعني فمعناه: احكم أنت بنفسك على هؤلاء، فلا حاجة إلى أن أُذكِّرك بأن الله أهلكهم؛ لأنك سوف تحكم على هذا بما تراه من آثارهم.
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍقال: يسبقه ويفوته) فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًاقال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُاللام هنا يُسميها النحويون لام الجحود، وهو النفي؛ لأنها وقعت بعده؛ أي: بعد النفي، وضابطها أي ضابط لام الجحود أن تقع بعد كون منفي.
وإذا أردنا أن نقربها إلى المبتدئ نقول: أن تقع بعد (ما كان) أو (لم يكن) لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ [النساء: ١٣٧]. اللام نقول: هي لام الجحود وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣] نقول: اللام لام الجحود، فإذا وقعت اللام بعد (ما كان)، أو (لم يكن) داخلةً على الفعل المضارع فإنها تنصب الفعل المضارع أو ينصبه (أن) مُقدرةً بعد اللام على الخلاف، إنما نُسمي هذه اللام لام الجحود، لكن الضابط الذي قلت أولًا -وهي الواقعة بعد كون منفي- أعم من قولنا هي المسبوقة بـ(ما كان) أو (لم يكن)، لماذا كان أعم؟ لأنه يمكن أن تأتي بعد (كائن)، تقول: لستُ بكائنٍ لأعذبك مثلًا، أو غير كائن ليقوم، وما أشبه ذلك، فإذا قلنا: بعد كون منفي كان أعم لكن إذا كنا نخاطب شخصًا مبتدئًا في النحو فقد يصعب عليه تصور كلمة (كون منفي)، فنقول له: إذا وقعت بعد (ما كان) أو (لم يكن) فهي لام الجحود، وتنصب الفعل المضارع إما بنفسها كما هو مذهب الكوفيين، وإما بـ(أن) مضمرةً بعد اللام.
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍمِنْحرف جر زائد زائد، زائد في الإعراب وزائد في المعنى؛ أي أنه يزيد في المعنى، ما هي زيادة المعنى؟ توكيد النفي؛ يعني أن هذا النفي مؤكَّد.
وقوله: لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍإذا قلنا: مِنْحرف جر زائد، فنُعرب شَيْءٍعلى أنها فاعل مرفوع بضمة مقدرة على أيش؟
طالب: الياء
الشيخ: شَيْءٍفاعل مرفوع بضمة مقدرة؟
الطالب: على الهمزة على الألف.
الشيخ: على الهمزة على الألف؟!
الطالب: (...) على الهمزة.
الشيخ: على الهمزة؟! ما علمنا أحدًا من الناس قال: مُقدَّرة على الهمزة، من يعرف الإعراب؟
طالب: مقدرة على الياء.
الشيخ: خطأ.
الطالب: على آخره.
الشيخ: على آخره.
الطالب: منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
الشيخ: إي، صح.
مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ [فاطر: ٤٤] قال المؤلف: (يسبقه ويفوته)، وهذا تفسيرٌ لا بأس ببعض اللوازم، كما قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [العنكبوت: ٤]، ولكن العجز في الواقع هو عدم القدرة على الشيء، وهذا أولى من تفسير المؤلف، تقول: ما كان الله تعالى ليحول بينه وبين ما يريد عجزٌ في قدرته بل هو قادرٌ على كل شيء من إيجاد معدوم، أو إعدام موجود، أو تغيير حال، أو غير ذلك، فالله تعالى لا يُعجزه شيء لا في السماوات ولا في الأرض؛ لأن أمره عز وجل إذا أراد شيئًا أن يقول: (كن فيكون) بدون أي عمل، كلمة واحدة تجعل الشيء على حسب مراده تبارك وتعالى، فلا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، وإذا كان لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض فإنه لن يعجز عن إهلاك المكذِّبين الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول: (إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًاأي: بالأشياء كلها قَدِيرًاعليها) الجملة موقعها مما قبلها أنها تعليل لما قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ [فاطر: ٤٤] علل هذا الحكم المنفي بقوله: إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]، والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه، والقدرة التمكن من الفعل بلا عجز، هذه القدرة، والقوة التمكن من الفعل بلا ضعف؛ فهي أخص من القدرة من وجه، وأعم منها من وجه آخر كما سنذكره.
ما وجه كونه عز وجل بعلمه وقدرته لا يعجزه شيء؟ لأن العاجز عن الشيء إما أن يكون لعدم علمه بالأسباب التي تغيرها به، وإما أن يكون لعدم قدرته، فلو تأملت عجز أي عاجز لوجدت السبب في عجزه إما أنه لا يعلم، وإما أنه لا يقدر، فلو قيل لرجل: نريد أن تصلح هذه الساعة الخربانة. قال: طيِّب أعطوني إياها، وهو ما يعرف أبدًا، ما درس يقدر يزينها ولَّا لا؟
طلبة: لا، ما يقدر.
الشيخ: كيف ما يقدر؟ عنده آلات للصناعة، وعنده قوة بدنية يقدر يصلحها ولا ما يقدر؟
طلبة: ما يقدر.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: لأنه ما عنده علم.
الشيخ: لأن ما عنده علم، ما يقدر يصلحها، يمكن يفسدها أكثر.
فيه رجل آخر عنده علم وقد درس علم تصليح الساعات مثلًا لكن ما عنده قدرة بدنية مشلول، هل يمكن أن يصلحها؟ لا يمكن؛ لعدم القدرة، إذن انتفاء عجز الله عز وجل؛ لكمال علمه وكمال قدرته، وبهذا نعرف أنه لا يوجد نفيٌ محض في صفات الله، بل كل نفي في صفات الله فهو متضمن لثبوت كمال، لا يمكن أن يوجد نفيٌ محض؛ ولهذا لما نفى العجز بَيَّن السبب قال: إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًاوالله أعلم.
***
قال الله تبارك وتعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا.. [فاطر: ٤٢]. (...)فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [فاطر: ٤٤] ما المراد بالسير هنا؟ (...).
السير في الأرض؟ قلبًا وقدمًا وجه الدلالة أن الله وَبَّخَ الذين لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم.
ومن فوائدها: أنه ينبغي لنا أن ننظر إلى عاقبة السابقين نَظَرَ اعتبار بمآلهم حين كذبوا رسلهم، وليس اعتبارًا بقوتهم وصناعتهم وطرازهم وما أشبه ذلك، وإذا طبقنا هذا على واقع الناس اليوم الذين يذهبون إلى ديار ثمود وجدنا أنهم يذهبون إليها لا ليعتبروا بما صنع الله بهم من العقوبة لتكذيبهم الرسل ولكن لينظروا كيف كانت قوتهم وصناعتهم وزخارفهم وما أشبه ذلك، وهذا حرام لا يجوز أن يذهب الإنسان إلى ديار هؤلاء المكذبين لهذا الغرض؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن في التاريخ عبرًا يعتبر بها العاقل؛ لقوله: فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [فاطر: ٤٤].
ومن فوائد الآية: استعمال قياس الأولى؛ لقوله: وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً. فإذا كان الله تعالى أهلكهم مع كونهم أشد منهم قوة، فإن إهلاك هؤلاء من باب أولى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوة البشر مهما عظمت لا تمنعهم من الله شيئًا؛ لقوله: فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فاطر: ٤٤]؛ ولهذا لما قالت عاد: من أشد منا قوة؟ قيل لهم: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن في السير في الأرض قلبًا أو قدمًا عبرة لا للمرسل إليهم بل هو للرسل أيضًا، فإن إهلاك المكذبين للرسل انتصارٌ لمن؟ للرسل، معلوم أن الله إذا أهلك عدوك فإنه انتصارٌ لك بلا شك.
ومن فوائد الآية الكريمة: نفي العجز عن الله عز وجل؛ لقوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ؛ لأن فيها نفي العجز عنه لكمال علمه وقدرته.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات الله تعالى ما يكون سلبيًّا؛ أي منفيًّا عن الله، وضابطه أن كل صفة نقص فهي منفية عن الله عز وجل، هذه قاعدة عامة، كما أن كل صفة كمال فهي ثابتة له، ولكن التفصيل لا بد فيه من دليل؛ لأن هذه القاعدة عامة لقوله: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠] وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠] لكن التفصيل بأن هذه الصفة المعينة ثابتة لله أو منتفية عنه لا بد فيها من دليل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا ينفي شيئًا عن نفسه إلا لثبوت كمال ضده؛ لأنه لما قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُقال: إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًافيستفاد من ذلك أن كل صفة منفية عن الله لا يُراد بها مجرد النفي؛ لأن مجرد النفي ما فيه فائدة؛ إذ إن النفي المحض عدمٌ محض، والعدم ليس بشيء فضلًا عن أن يكون كمالًا، ولأن النفي قد يكون سببه العجز كما في قول الشاعر:
| قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْـــــــــدِرُونَ بِــــــذِمَّـــــــةٍ | وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ |
هذا مدح ولَّا ذم؟ ذم؛ لأنهم لعجزهم ما يستطيعون يظلمون الناس، ولا يغدرون بالذمم، وقد يكون سببه عدم القابلية لا للكمال ولكن لأنه غير قابل لهذه الصفة كما لو قلت: إن جدار بيتنا لا يظلم، واحد يمدح بيته مثلًا يقول: إن جداره ما هو بيظلم أحدًا، صحيح؟
طلبة: عدم القابلية.
الشيخ: إي، هو صحيح لا يظلم أحدًا لكن لا لأنه عدل، كامل العدل لكن لأنه لا يقبل كلمة ظُلْم، فنفيها عنه كثبوتها له، حتى لو قلت: جدارٌ يظلم، ما أحد يصدق.
إذن صفات الله المنفية التي يسميها العلماء السلبية تتضمن كمال الضد؛ يعني لكمال علمه وقدرته لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن السماوات أكثر من واحدة؛ لوجود الجمع؛ لأنها جاءت بصيغة الجمع السَّمَاوَاتِ، وهي سبع بنص القرآن والسُّنَّة، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا [نوح: ١٥] والسُّنَّة كذلك ظاهرة في أن السماوات السبع كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العليم والقدير، وما تضمناه من صفة أو حُكم؛ من صفة وهي العلم والقدرة، أو حكم وهو أنه يعلم ويقدر على كل شيء، إنه كان عليمًا قديرًا، ثم قال الله تعالى..
طالب: (...).
الشيخ: وهى؟
الطالب: السير في الأرض (...).
الشيخ: السير في الأرض للنزهة يعني؟
الطالب: لا، للاعتبار (...).
الشيخ: السير في الأرض للاعتبار لا بأس به، وإذا كانت مصلحته أكثر من نقصه كان محمودًا، وإن كان نقصه أكثر من مصلحته فإنه لا ينبغي، فمثلًا لو ذهب ينظر في آيات الله تعالى في الجبال الشاهقة، وفي الأنهار، وفي البحار، وما أشبه ذلك؛ فهذا حسن محمود، لكن إذا كان يكلف من النفقة أكثر مما ينتفع به الإنسان فإنه يُنهَى عنه؛ لأن في ذلك إضاعة المال، أما إذا كانت النفقة قليلة أو كان هذا الرجل ذا مال كثير لا يتضرر به ولكنه ينتفع به من الناحية الإيمانية، فلا بأس به.
ثم قال الله تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر: ٤٥] (لو) هذه شرطية و(لو) تأتي شرطية كما هنا، وتأتي للتمني مثل قوله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩]، وتقول مثلًا: لو كان لي مثل مال فلان؛ يعني أتمنى أن يكون لي مثل مال فلان، فتأتي شرطية، وتأتي للتمني، وتأتي أيضًا مصدرية بمعنى (أن).
قلنا: هي شرطية، وإذا كانت شرطية فإما أن يكون جوابها مثبتًا، وإما أن يكون منفيًّا، فإن كان مثبتًا فالأكثر فيه إثبات اللام، وإن كان منفيًّا فالأكثر فيه حذف اللام، مثال ذلك في الإثبات قوله تعالى: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا [الواقعة: ٦٥] أين الجواب؟ لَجَعَلْنَاهُ [الواقعة: ٦٥] ففيه اللام، وقال تعالى في نفس السورة: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا [الواقعة: ٧٠]، الجواب جَعَلْنَاهُوحذفت منها اللام، أما إذا كان جوابها منفيًا بـ(ما) فإن الأكثر عدم اقتران (ما) باللام، فتقول مثلًا: لو جاءني ما أهنته، وهنا قال الله تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥] وقد تقترن اللام بـ(ما) لكنها قليلة كقول الشاعر:
| وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا | ......................... |
والأكثر ما افترقنا، يقول الله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا [فاطر: ٤٥] من المعاصي) مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ. قوله: يُؤَاخِذُأي يعاقب، والمؤاخذة بالذنب العقوبة عليه.
وقوله: النَّاسَعام يشمل الكفار ويشمل العصاة من المؤمنين، فلو يؤاخذ الناس كلهم بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة.
وقوله: بِمَا كَسَبُوا(ما) يجوز أن تكون مصدرية؛ أي: بكسبهم، ويجوز أن تكون موصولةً، فإذا كانت موصولة فلا بد من تقدير العائد، وتقديره: بما كسبوه.
وقوله: بِمَا كَسَبُواأي: بما اكتسبوا من المعاصي، وسمى الله تعالى المعاصي كسبًا؛ لأن العامل ينال جزاءها فكأنه كسب هذا الجزاء مع أنه كسبٌ رابح ولا كسبٌ خاسر؟ خاسر ولهذا إذا اقترن مع العمل الصالح أتى بغير هذا اللفظ قال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ.. [البقرة: ٢٨٦] (...)
وقوله: (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا [فاطر: ٤٥] أي: الأرض) كيف قال المؤلف: (أي: الأرض) وأعاد الضمير على غير مذكور؟ قال بعضهم: إنه أعاده على مذكور وهو قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]، والكلام كله في سياق واحد في سياق العاصين ومآلهم وعقوبتهم، فالكلام نسق واحد فالأرض إذن مذكورة. وقال بعضهم: هي غير مذكورة لكنها معلومة من السياق؛ لأن الدواب إنما هم على ظهر الأرض فهي معلومة من السياق، وما عُلِم من السياق فإنه لا يحتاج إلى مرجع مذكور، ألم ترَ إلى قوله تعالى: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص: ٣٢] تَوَارَتْما هي؟ الشمس مع أنه لم يسبق لها ذِكْر، لكنها معلومة؛ لأنها هي التي تتوارى بالحجاب، يقول: (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍنسمة تدب عليها) مِنْحرف جر زائد زائد ولَّا لا؟
طلبة: (...).
الشيخ: لأنها جاءت بعد النفي مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍأي: ما ترك عليها دابةً، لكنها دخلت عليها مِنْلتؤكد العموم.
قال المؤلف: (نسمة تدب عليها) النسمة هي كل ذات تتنفس؛ لأنها مأخوذة من النَّسَم وهو التنفس، وكل شيء فيه روح فإنه يتنفس، المعنى لهلَك كل شيء على الأرض، أما البشر العاصون فهلاكهم واضح، وأما غيرهم فبشؤمهم؛ بشؤم العصاة تموت هذه الدواب؛ إما بأن يمنع الله عز وجل المطر والنبات فتموت هذه الدواب؛ لأنها لا تجد عيشًا، أو أنها تموت بأوبئة تجتاحها بسبب أعمال الناس.
ثم قال: (وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىأي يوم القيامة) وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْأي: الناس، والفاعل هو الله.
إِلَى أَجَلٍأي: مدة. مُسَمًّىمُعَيَّن وما هو؟ يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى في سورة هود: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا.. [هود: ١٠٣، ١٠٤] (...) معين. أَجَلٍ مُسَمًّىمعين عند منْ؟ عند الله سبحانه وتعالى، ولا يعلم هذا الأجل إلا الله، فإن علم الساعة لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، عجز عنه أعلم البشر وأعلم الملائكة حين سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة قال: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» . والأجل المسمى لا بد أن يجيء، كل شيء مسمى فهو قريب لكن الأجل المبهم هو الذي ينتظره الإنسان إلى أن يحصل، أما المسمى فلا بد أن يُوصَل إليه.
فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْيعني انتهت المدة وصار يوم القيامة سواءٌ كانت القيامة الكبرى أو القيامة الصغرى، القيامة الكبرى العامة لجميع الناس والصغرى موت كل إنسان فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا، فيجازيهم على أعمالهم بإثابة المؤمنين وعقاب الكافرين.
جملة فَإِنَّ اللَّهَجواب الشرط فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ.
فإن قال قائل: ما وجه ارتباط الجواب بالشرط فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر: ٤٥]؟ يعني قد تتوقع: فإذا جاء أجلهم عاقبهم الله.
فيقال: إن قوله: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًاأبلغ من: فإذا جاء أجلهم عاقبهم الله؛ لأن من هؤلاء من قد يعفو الله عنه فلا يعاقبه، ولكنه ذكر أنه بصيرٌ بأعمالهم يجازيهم عليها، وإن شاء ألا يعاقبهم فعل في من يستحق العفو.
في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: سعة حلم الله سبحانه وتعالى، وجهه أنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك عليها من دابة، ولكن يحلم عز وجل ويمهل لعل الناس يتوبون.
ومن فوائدها: تمام قدرة الله تعالى حيث يقدر على إهلاك العالم بلحظة مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ.
ومنها: بيان شؤم المعاصي، وأنها قد تعم العاصي وغيره بل الْمُكلَّف وغير المكلف ولَّا لا؟ وإلا فإن هذه الدواب التي هي أكثر بكثير من البشر ومن الجن ما ذنبها وهي غير مكلفة؟ لكن هذا من شؤم المعاصي، وأنها تشمل حتى من ليس بمكلف.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية؛ لقوله: بِمَا كَسَبُوافأثبت للعبد كسبًا، والجبرية يقولون: إن الإنسان مجبرٌ على العمل، ما يستطيع يكتسب، يُجبر على أن يعمل خيرًا أو شرًّا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله عز وجل في مجازاة العاملين بعملهم؛ لقوله: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥]، ولكن لحِلمه يؤخرهم إلى أجل مسمى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه مهما حلَّت بالبشر من عقوبة مدمرة أو مُنقِّصة فإنما ذلك بماذا؟ بما كسبت أيديهم..





