تفسير سورة يس - 3
عدد الزيارات 2702

عناصر المادة :
تفسير الآيات (24-27)
تفسير الآيات (28-30)

ولننظر الآن ماذا حصل من التذكير لنعرف جواب الشرط؛ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْفالذي حصل منهم أنهم تطيروا وأنهم توعدوا بماذا؟ بالرجم والعذاب الأليم، فيكون الجواب مطابقًا للمذكور؛ أي: أئن ذُكِّرتم تطيَّرتم وتوعَّدتم بالرجم والعذاب الأليم، أما الكفر فقد سبق.
قال: (وهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ) (وهو) أي: جواب الشرط المحذوف محل الاستفهام، يعني هو الذي ينصب عليه الاستفهام لا التذكير؛ لأن التذكير ثابت وليس فيه إنكار، إنما الإنكار والتوبيخ بماذا؟ بالتطير بهم واعتدائهم على الرسل فهو محل الاستفهام الذي يُراد به أيش؟ التوبيخ؛ يعني: أن الرسل عليه الصلاة والسلام وَبَّخُوهُم وقالوا: أتتشاءمون وتوعَّدون لأننا ذكرناكم؟! فهذا هو محل الاستفهام، وإنما نص المؤلف على ذلك؛ لأنه قد يَظُنُّ الظان أن محل الاستفهام هي الجملة الموالية لأداة الاستفهام، وهي قوله: (إِنْ ذُكِّرْتُمْ)، والواقع أن محل الاستفهام هو جواب الشرط لا الشرط المذكور، وهو أي: الاستفهام التوبيخ.
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَهذا إضراب انتقال ولَّا إبطال؟ هذا إضراب انتقال؛ يعني: انتقلوا من الإنكار عليهم بكونهم يكذبون الرسل ويتوعدونهم ويتطيرون بهم إلى وصفهم الحقيقي؛ وهو أنهم قوم مسرفون.
والإضراب يكون للإبطال ويكون للانتقال؛ فإذا قلت: جاء زيد بل عمرو، فهذا إضراب إبطال.
وإذ قلت: زيد في شك بل هو منكر، فهذا إبطال انتقال، ومنه قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل: ٦٦]، ومنه هذه الآية الكريمة: أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَوقوله: مُسْرِفُونَأي: متجاوزون للحد، ووجه التجاوز أولًا: أنهم كذبوا الرسل بلا بينة وبلا دليل؛ لأنهم اعتمدوا على أي شيء؟ على أمر ليس حجة لهم؛ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا، وقالوا: وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ، وقالوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَهذا إسراف جاوز الحد.
ثانيًا: أنهم تطيروا بالرسل وحقيقة الأمر أن الرسل عليهم الصلاة والسلام محل تفاؤل؛ لأن في اتباعهم الخير؛ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦]، وهؤلاء تطيروا بالرسل وليسوا محلًا للتطير بهم.
ثالثًا: أنهم توعدوا الرسل بالعدوان عليهم إذا لم ينتهوا عن دعوتهم إلى الله تعالى وإبلاغهم رسالته كقوله: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. إذن وجه الإسراف من كم من وجه؟
طالب: ثلاثة أوجه.
الشيخ: نعم، كل هذا من الإسراف ومن العدوان، وجه ذلك أنه لا يجوز للإنسان عقلًا أن يرد شيئًا بلا بينة مع أن هؤلاء الرسل لا شك أنهم أَتَوْا بآية تدل على صدقهم، ما بعث الله رسولًا إلا أعطاه مع على مثله يُؤْمِن البشر، هذا عدوان.
العدوان الثاني تطيرهم بالرسل، والحقيقة أن التطير من أعمالهم هم؛ لأن الرسل قالوا وصدقوا فيما قالوا؛ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْفتطيُّرهم بالرسل قلب للحقيقة؛ لأن حقيقة الأمر أن التطير من هؤلاء.
الوجه الثالث للإسراف ومجاوزة الحد أنهم أيش؟ توعَّدوا الرسل لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ.
ثم قال الله تعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى [يس: ٢٠] هنا قال: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وفي أول الآية قال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِوهذا يدل على أن القرية تُسمى مدينة، والمدينة أيضًا تُسمَّى قرية؛ فمكة سمَّاها الله تعالى قرية وهي أم القرى وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ [محمد: ١٣]، فالقرية ليست هي البلد الصغير كما يظن كثيرٌ من الناس، بل القرية تكون مدينة؛ وذلك لأن أصل القرية مأخوذة من القِرَى وهو التجمع؛ فإن الناس يجتمعون فيها، فإن كانت بلدة كبيرة سُمِّيت في عرف الناس مدينة، وإن كانت دون ذلك سميت في عرف الناس قرية، والتفريق بين القرية والمدينة ما هو إلا أيش؟ اصطلاح عرفي فقط.
(...) أي: تشاءموا بهم، وأن الرسل بيَّنوا أن الشؤم ملازم لهؤلاء ومعهم بسبب ذنوبهم، وسبق أيضًا أن الرسل أنكروا عليهم تكذيبَهم للرسل وتَوَعُّدَهم إياهم بالرجم، وسبق أنهم وصفوهم بأنهم قوم مسرفون أي: متجاوزون للحدِّ.
قال الله تعالى: قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ [يس: ١٨].
قوله: وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُأظن أخذنا فوائدها، وبيَّنَّا أن الرسل ليس عليهم إلا البلاغ المبين، وأنه يجب عليهم أن يبلِّغوا البلاغ البين.
قوله تعالى: قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْيستفاد منها: أن هؤلاء المكذبين تشاءموا بالرسل؛ تشاءموا بهم لأن هذه دعوى باطلة يدعيها كل مكذب للرسل، ففيها أن المكذبين للرسل يدَّعون عليهم ما لم يكن منهم تشويهًا وتنفيرًا.
ويستفاد منها أيضًا: عدوان هؤلاء المكذبين؛ حيث تَوَعَّدوا الرسل إذا لم ينتهوا عن الدعوة إلى الله بالرجم المؤدي إلى الهلاك أو بالعذاب الأليم إن لم يرجموهم، وهذا فيه غاية العدوان.
ومن فوائدها: أن الإنسان شؤمه بعمله وليس بدعوته إلى الحق؛ لقوله: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ.
ومن فوائدها: أن الذنوب والتكذيب للرسل يكون سببًا للمحن والبلاء؛ لقوله: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ، وهذا هو سنة الله عز وجل في جميع المكذبين للرسل أن الله تعالى يبتليهم بالعقوبات لعلهم يرجعون.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإنكار على مَنْ ذُكِّر فأعرض؛ لقوله: أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ.
ومن فوائدها: جواز حذف ما عُلِم بالسياق ولا يُعَدُّ هذا نقصًا في الكلام وبلاغته؛ لأن جواب الشرط هنا محذوف للدلالة عليه، وربما يكون الحذف أبلغ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم كانوا مسرفين على أنفسهم متجاوزين للحد؛ لقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ، وسبق بيان وجه إسراف هؤلاء وتجاوزهم للحد.

***

ثم قال الله تعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى [يس: ٢٠] قال المؤلف: (هو حبيب النجار كان قد آمن بالرسل ومنزلُه بأقصى البلد).
قوله عز وجل: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِأي: من أبعدها، إلى أي مكان جاء؟ جاء إلى المكان الذي فيه الرسل والمكذبون لهم وهو وسط المدينة؛ لأن الغالب أن العِلْم والحضارة وكثرة السكان تكون في الوسط، وهذا الرجل كان في أبعد المدينة فسمع أن هؤلاء كذبوا الرسل، وكان رحمه الله قد آمن فجاء ينصح قومه.
والله عز وجل يقول: رَجُلٌوهو نكرة غير مُعَرَّف، والمؤلف يقول: إنه حبيبٌ النجار، وهذا الخبر أو هذا الاسم والتعيين لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله متلقًى عن بني إسرائيل، وموقفنا في مثل هذا ألا نُنْكِر ولا نُثْبِت.
وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىوهنا بدأ ببيان مكانه قبل ذكره، وفي قصة موسى حين قتل القبطي ذكر الرجل قبل مكانه، هناك قال: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ [القصص: ٢٠]، وهنا ذكر المكان قبل ذِكْر الرجل؛ وذلك لأن هذا الرجل كان مؤمنًا فسهُل عليه أن يأتي من المكان البعيد فذُكِرَ مكانه لبُعْدِه؛ ليُستدل به على قوة محبة هذا الرجل للخير ودَفْعِ الشرِّ، أما ذاك فالمقصود به العلم أن يأتي أحد بالعلم، فبدأ بالآتي وهو الرجل قبل ذكر مكانه.
يَسْعَىقال: (يشتد عَدْوًا لما سمع بتكذيب القومِ الرسلَ).
طالب: (...).
الشيخ: لا، أنا عندي بالهمز، يَسْعَىيعني: يشتد، يركض لئلا تفوته الفرصة حين سمع بتكذيبهم، قال: قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَقَالَهذه جملة مفصولة عما قبلها أي: أنها أتت بدون حرف العطف، كأنها جواب عن سؤال مُقَدَّر، فماذا قال حين جاء؟ قال: قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، هنا قَوْمِمنادى منصوب بالنداء؛ لأنه مضاف وقد حُذِفَت منه ياء المتكلم وأصلها يا قومي، ولكن حذفت الياء للتخفيف أو للالتقاء الساكنين؛ لأن اتَّبِعُوامبدوءة بهمزة وصل، وهمزة الوصل ساكنة.
على كل حال قال الرجل: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، ولم يقل: يا أيها السفهاء، يا أيها الجهال، بل قال: يَا قَوْمِتَوَدُّدًا وتعطفًا لهم، ولم يقل: يا إخوتي؛ لأنه لا أُخُوَّة بين المؤمن والكافر، فهو مؤمن وهم كفار، لكن يَا قَوْمِ، ويصح أن يقال: قوم ولو كانوا كفارًا؛ قال الله تعالى مخاطبًا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ [الأنعام: ٦٦].
قال: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَاتبعوهم بما دَعَوْكم إليه من الإيمان والعمل الصالح؛ لأن هؤلاء الرسل دَعَوْا إلى ما دعت إليه الرسل كلهم؛ وهو قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَاأيش بعدها؟ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، فهم دَعَوْا إلى هذا إلى الإيمان والعمل الصالح.
اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(اتَّبِعُواتأكيدٌ للأول مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا) كَرَّر الأمر بالاتباع من باب التأكيد، اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا، ولو حُذِفَت اتَّبِعُواالثانية وقيل: (اتبعوا المرسلين مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا) لصح الكلام، لكن ذُكِرَت أو كُرِّرَت للتأكيد؛ لأنها هي محط الخطاب وهي المقصود الأول بالخطاب أن يتبعوا المرسلين.
وقوله: اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًامَنْأي: الذي، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنهم يدعون الناس ولا يطلبون على دعوتهم أجرًا يعني أجرًا من الناس، لكنهم يُؤَمِّلون أو يرجون من الله الأجر، أما من الناس فلا يأخذون أجرًا.
(...) للبشر هو الدعوة، فهم لا يتخذون أجرًا على دعوتهم وعلى دَلالتهم إلى الخير، وإنما يرجون الأجر والثواب من الله.
أَجْرًاهنا محلها في الإعراب مفعول ثان، والكاف مفعول أول، وهذان المفعولان من باب مفعولي ظن وأخواتها أو كسى وأخواتها؟ كسى وأخواتها، نعم.
لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَفبين هنا أن هؤلاء الرسل على هدى، وليسوا على ضلال، وهم لا يسألون أجرًا على ما دَعَوْا إليه، وقوله: وَهُمْ مُهْتَدُونَيحتمل أن تكون الواو للاستئناف، وأن تكون للحال؛ يعني: لا يسألوكم أجرًا مع كونهم مهتدين، ويحتمل أن تكون للاستئناف وهو الأقرب لبيان حال هؤلاء الدعاة أنهم على هدى.
ثم قال المؤلف: (فقيل له أنت على دينهم) فقال: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، ما قدَّره المؤلف من أنه قيل للرجل: أنت على دينهم لا يتعين، بل يجوز أن يكون الرجل قال: وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِيعلى أن المراد به هؤلاء القوم، كأنه قال: ومالكم لا تعبدون الذي فطركم، لكن أضافه إلى نفسه من باب التلطف في الخطاب، وهذا هو الأقرب؛ أولًا: لأن ما ذكره المؤلف لا دليل عليه، والسياق لا يستلزمه، وإذا كان لا دليل عليه من حيث النقل، ولا دليل عليه من حيث السياق؛ لأنه لا يستلزمه، فالأصل عدمه ولَّا وجوده؟ الأصل عدمه.
ثانيًا: أن ما قلناه أبلغ في التلطف بالدعوة، بدل أن يقول: ومالكم لا تعبدون الذي فطركم؟ قال: وَمَا لِيَفأضاف الأمر إلى نفسه تَلَطُّفًا.
وقوله: مَا لِيَالاستفهام هنا بمعنى الإنكار؛ يعني: أي شيء يمنعني أن أعبد الله تعالى وحده؟! وهذا قال: لَا أَعْبُدُأي: لا أتذلل للذي (فَطَرَنِيخلقني أي: لا مانع لي من عبادته الموجود مقتضيها، وأنتم كذلك) قوله: لَا أَعْبُدُتقدَّم لنا أن العبادة هي التذلل لله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه مَحَبَّة وتعظيمًا، وأن العبادة تُطْلَق على التعبد الذي ذكرناه، وعلى المُتَعَبَّد به وهي الأفعال التي يتعبد بها الإنسان أو الأقوال، وعلى هذا حَدَّها شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.
وقوله: الَّذِي فَطَرَنِيلم يقل: لا أعبد الله؛ لِيَقْرِن بين الحكم والتعليل، وإن شئت فقل: بين الحكم والدليل؛ لأن قوله: الَّذِي فَطَرَنِيمقتضٍ لكونه هو المعبود؛ إذ إنه هو الخالق فلزم أن يكون هو المعبود، وهذا كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١] فقال: الَّذِي خَلَقَكُمْكالتعليل للأمر بعبادته وحده فكما أنه الخالق وحده فيجب أن يكون المعبودَ وحده؛ ولهذا قال المؤلف: (الموجود مقتضيها)، ما هو مقتضيها؟ أنه هو الذي فَطَر الخلقَ وابتدأ خلقَهم فلَزِمَ أن يكون هو المستحق للعبادة وأن يُعْبَد.
وقوله: الَّذِي فَطَرَنِيأي: خلقني لأول مرة، والفطر والإبداع بمعنى الإيجاد لأول مرة؛ قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ١]، وقال: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١١٧]، فالذي فطر الخلق لأول مرة وعلى غير مثال سَبَق هو الله، إذن فيجب أن يكون هو أيش؟ هو المعبود، أمَّا أن تعبد غير الله، وهذا الغير لا يخلق بل هو مخلوق، كما قال الله عز وجل: لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [النحل: ٢٠]، فكيف يصح أنه يُعْبَد هؤلاء؟ المهم أن هذا الرجل من فقهه وحكمته وحُسْنِ دَعْوَتِه أنه قَرَن الحكم بماذا؟ بالدليل، الحكم: لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، الدليل: الَّذِي فَطَرَنِي.
قال: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَوهذا مما يؤيد ما قلنا من أنه يريد قومه لكن من باب التلطف في خطابهم قال: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، كما تخاطب صاحبك الآن تحاوره أو تخاصمه تقول: ما لي لا أفعل كذا وكذا، يعني ويش المانع؟ فإذا كان لا مانع لي فهو لا مانع لك أيضًا.
قال: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَبعد الموت فيجازيكم) قال المؤلف: (بكفركم) ولو قال: (بعملكم) لكان أشمل؛ لأنه يجازيهم بالكفر إن استمروا عليه، ويجازيهم بالإسلام إن أَسْلَموا، فلو عَبَّر المؤلف بقوله: فيجازيكم بعملكم لكان أولى.
ثم قال: (أَأَتَّخِذُفي الهمزتين منه ما تقدم)، ما الذي تقدم؟ التحقيق والتسهيل وإدخال ألف بينهما وترك ذلك، قال: (ما تقدم في أَأَنْذَرْتَهُمْوهو استفهام بمعنى النفي، فيكون معنى أَأَتَّخِذُأي: لا أتخذ، وقد سبق لنا أن الاستفهام إذا أتى بمعنى النفي فإنه يفيد معنى التحدي، ولكن هنا يفيد معنى الامتناع غاية الامتناع؛ يعني: أنني لا يمكن أن أتخذ (مِنْ دُونِهِأي غيره آلِهَةًأصنامًا).
يقول: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةًمعروف أن (أتخذ) تنصب مفعولين، مِنْ دُونِهِالمفعول الثاني، وآلِهَةًالمفعول الأول، ويجوز أن نجعل مِنْ دُونِهِفي موضع نصبٍ على الحال من (آلهة)، ويكون الأول محذوفًا: أي أأتخذ أصنامًا آلهة، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف لقوله: (أصنامًا).
قال: (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْالتي زعمتموها شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِصفة آلهة) يريد المؤلف في الإعراب أي أن قوله: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًاهذه الجملة الشرطية صفة لـ(آلهة) يعني: لا أتخذ آلهة هذا شأنها، ما هو؟ أن الله لو أراده بضُرٍّ لم تنفع شفاعتهم لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا، هذا معنى كلام المؤلف.
وقيل: إن الجملة استئنافية؛ لبيان حال هذه الآلهة؛ أي: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةًثم قال: هذه الآلهة استئناف، لا تغني شفاعتها شيئًا من دون الله، ولا تنقذ، ولكن ما ذهب إليه المؤلف أظهر، فتكون الجملة الشرطية في موضع نصب صفة لآلهة.
قال: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّيعني: إن يردن الله عز وجل، وذكر الرحمن؛ لأن الرحمن اسم يدل على الرحمة، ولما كان الضر قد يفهم منه مَنْ يفهم مِن الناس انتفاء الرحمة عن المُريد ذَكَر ذلك باسم الرحمن؛ لئلا يظن الظان أو يتوهم الواهم هذا الوهم أن إرادة الله الضر للإنسان تنافي الرحمة؛ لأن إرادة الضر بالإنسان قد يكون من رحمة الإنسان؛ قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، فما يُصيب الإنسان من الضُّرِّ له نتائج حميدة وهي الرجوع إلى الله عز وجل، والاعتبار بما جرى؛ فلهذا قال: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْأي: لا تنفعني بشيء، والشفاعة في الأصل هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الأصنام التي تُعْبَد من دون الله يَدَّعِي عابدوها أنهم إنما عبدوها لِتُقَرِّبهم إلى الله، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ [الزمر: ٣] يعني: يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣] إذن فهم يَدَّعُون أنهم يعبدونها لتشفع لهم ، وهل هذا الوهم أو هذا الظن صحيح؟
الجواب: لا، لأنهم عبدوها لم يتخذوها وسيلة، بل جعلوها غاية؛ ولهذا لا يخطر في قلوبهم عند التعبد لها إلا تعظيم هذه الأصنام، وينسَوْن الخالق عز وجل، لكن يقول: (الذي زعمتموها) يعني: بناء على دعواهم أنهم يعبدون هذه الأصنام من أجل أن تشفع لهم.
قال: لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِولا ينقذون من أي شيء؟ أي: من الهلكة أو من الضر الذي أراده الله به، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا.
(...) تبارك وتعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [يس: ٢٠، ٢١].
وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىمن هذا الرجل؟
طالب: (...) المؤلف أنه حبيب النجار.
الشيخ: نعم، وما رأيك فيمن يحاول أن يُسَمِّيَ المبهم في كتاب الله؟
الطالب: (...) أما إن كان من الإسرائيليات فلا يصدق ولا يكذب.
الشيخ: فلا يصدق ولا يكذب، هذا صحيح ، هذا حكم ذكر المبهم، لكن مَنْ يحاول ويتعب نفسه في بيان المبهم؟
الطالب: (...) .
الشيخ: يعني: محاولة معرفة الأشياء المبهمة (...).
من فوائد الآية الكريمة: بيان نصح هذا الرجل لقومه من وجهين:
الوجه الأول: أنه جاء من مكان بعيد وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ.
الوجه الثاني: أنه جاء يشتد، يسعى، فيستفاد منه أنه ينبغي للإنسان انتهاز الفرص في إنذار قومه ومناصحتهم وألا يتوانى فيقول: غدًا أذهب إليهم، أو في آخر النهار أو ما أشبه ذلك، يعني المبادرة بالنصيحة والموعظة؛ لأن هذا الرجل كما تشاهدون.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز للإنسان أن يبادر بالإنذار قبل أن يُقدِّم له مقدمة إذا دعت الحاجة إلى ذلك لقوله: اتَّبِعُواأَمَرَهم مِنْ أَوَّل الأمر؛ لم يأتِ بمقدمة تهيئهم للقبول لأن الحال تستدعي ذلك.
ومنها أيضًا: أنه ينبغي التلطف في القول في دعوة الغير؛ لقوله: يَا قَوْمِ، فإن هذا يستوجب إتباعه وقبول نصحه، لماذا؟ لأن للإنسان حَدَبًا على قومه.
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يسألون الناس أجرًا على ما أَتَوْا به من الدَّلَالة والهداية؛ لقوله: اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا.
ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي أن يُقدِّم الوصف الموجب للقبول قبل الوصف المفضي للقبول، فهنا قال: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، والرسالة وصف يقتضي وجوب قبول المرسَل. اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًاهذا من باب الكمال.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية إلى الله عز وجل أن يترفع عن أخذ ما في أيدي الناس من الأموال حتى وإن أَعْطَوْه؛ لأنه ربما تنقص ميزانيته إذا قَبِل ما يُعْطى من أجل دعوته وموعظته؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يسألون الناس أجرًا لا بلسان الحال ولا بلسان المقال، وبه نعرف قُبْح ما يستعمله بعض الناس -وإن كان الحمد لله الآن قد قل- يقوم ويعظ الناس موعظة قد تكون بليغة، فإذا انتهى قال: إني أنا في حاجة وصاحب عائلة، وما أشبه ذلك، صارت الموعظة الآن للدنيا، للأجر.
طيب، هل يستفاد من هذا أنه لا يجوز أخذ الأجر على تعليم العلم لمخالفته لطريق الرسل؟ أو يقال: لا، الذي الذي يجوز الأخذ عنه الدعوة إلى الله عز وجل؟ هذه لا يجوز أخذ الأجر عليها لوجوب الدعوة على الإنسان، أما التعليم الذي يحتاج إلى معاناة وإلى تعب وإلى تفهيم خاص فهذا لا بأس به، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» .
هل يُفهم منه أو هل يستفاد من الآية أنه لا يجوز أخذ رصد من بيت المال للدعوة والإرشاد؟ لا يستفاد، ولكن لا شك أن التنزه عن ذلك أولى؛ يعني: كون الإنسان يذهب يدعو إلى الله عز وجل بدون أن يأخذ مقابلًا، ولا من الحكومة، لا شك أن هذا أفضل وأقرب إلى الإخلاص وأشد وقعًا في نفوس الناس، حتى وإن لم يعلموا أنه لم يأخذ؛ لأن الله تعالى يلقي ذلك في قلوب الناس؛ أي: يلقي القبول من هذا الناصح أو الداعي وإن لم يعلموا أنه لا يأخذ شيئًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه من طريق الدعوة أن يذكر الإنسان حال الداعية بوصفه بما يوجب قبول قوله؛ لقوله: وَهُمْ مُهْتَدُونَفهنا ذكر ما يوجب قبول قولهم في أول الدعوة اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، وفي آخرها في قوله: وَهُمْ مُهْتَدُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه يجب على من دعا إلى الله أن يكون على بصيرة وعلى علم؛ لأن هذا هو وصف الرسل، فهم يدعون إلى الله تعالى على هدىً منه، وأما من يدعو على غير هدى فإنه قد يُفسِد أكثر مما يصلح؛ لأن الذي يدعو على غير علم ربما يجعل الشيء الحرام حلالًا والحلال حرامًا وهو لا يدري، فيحصل بذلك فساد في الدين والعقيدة.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا في قوله: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي من فوائدها: أنه لا بأس للإنسان أن يضيف الشيء إلى نفسه على سبيل الفرض تَلَطُّفًا؛ لقوله: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِييعني: على فرض أنني أتخذ من دون الله آلهة فما الذي يمنعني أن أعبد الله عز وجل وحده.
ومن فوائدها: الإشارة إلى وجوب الإخلاص في العبادة؛ لقوله: الَّذِي فَطَرَنِي؛ فإن الله تعالى مُنْفَرِد بفطر الخلق فيجب أن يُفْرَد بالعبادة، فلا يدعي أحد أن الآلهة تخلق، إذن لا يجوز أن تُعْطَى شيئًا من العبادة التي يختص بها مَن يخلق، وهو الله.
ومنها: أنه من كمال الدعوة والتعليم قَرْن الحكم بدليله أو علته؛ لقوله: الَّذِي فَطَرَنِيفإن هذا كالتعليل لقوله: مَا لِيَ لَا أَعْبُدُ؛ ولهذا عدل عن قوله: (ما لي لا أعبد الله) إلى قوله: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي؛ ليكون هذا كالدليل والتعليل لوجوب إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، نظير هذه الآية قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: ٢١]، ولم يقل: اعبدوا الله بل قال: رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْليكون ذلك كالتعليل لوجوب عبادته، وهذا في القرآن والسنة كثير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي ذِكْر ما يكون به الحذر والخوف بعد أن يذكر ما يكون فيه الترغيب والحث؛ لقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَفذكر ابتداء الخلق وانتهاءه، وأنه كله إلى من؟ إلى الله عز وجل، وهنا نجد الفرق بين التعليل الأول وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِيولم يقل: وإليه أرجع؛ لأنه كما قلنا: إنما أضاف ذلك إلى نفسه وهو يعني قومه، لكن أضافه تلطفًا وتوبيخًا لهم، فكأنه يقول: أنا لا أعبد إلا الذي فطرني، فلماذا تعبدون أنتم معه غيره وإليه ترجعون؟!
ثم قال عز وجل: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةًإلى آخره فيه بيان الإنكار والتسفيه للذين يتخذون مع الله آلهة؛ لأن مراد الاستفهام هنا الإنكار والتسفيه والتوبيخ لهؤلاء.
ومن فوائدها: أنه ينبغي أيضًا قَرْن الحكم بالتعليل؛ لأنه قال: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّإلى آخره، فهذه الآلهة لا تنفع ولا تضر ولا تدفع؛ فهي لا تنفع مَنْ عبدها ، ولا تضر من عَدَل عنها، ولا تدفع عن عابديها ضَرَر الغير؛ يقول الله عز وجل: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّفهم الآن لا يستطيعون دفْعَ ضرر الغير، وهم أي: الآلهة لا ينفعون عابديهم، ولا يضرون من عَدَل عن عبادتهم، فهي قاصرة بنفسها لا تجلب نفعًا ولا ضرًّا، ولا تدفع الضرر عن عابديها فتكون عبادتها خسرانًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل معبود فهو إله؛ لقوله: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةًلكن، إن كان يستحق العبادة فعبادته حَقٌّ، وهذا لا يكون إلا لمن؟ لله عز وجل، وإن كان لا يستحق العبادة وهو مَنْ سوى الله فعبادته باطلة وألوهيته باطلة؛ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ، وإرادة الله عز وجل غير خافية عليكم أنها تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية؛ فالإرادة الكونية هي التي بمعنى المشيئة، ويتعين فيها وقوع المراد، ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله.
والإرادة الشرعية هي التي بمعنى المحبة، ولا يتعين فيها وقوع المراد، ويتعين أن يكون محبوبًا لله عز وجل.
إذا قال قائل: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّالضر شر أو خير؟ شر، لا شك أن الضرر شر على الإنسان، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «الشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ؟
الجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: الشر ليس منك، بل قال: «الشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» فالله عز وجل قد يريد الشر، لكن إرادته للشر خيرٌ، فالشر في مفعوله لا في فعله، أنتم فاهمون الفرق؟ الشر في المفعول، لا في الفعل، فقد يريد الله الشر أو وقوع الشر، لكن لمصلحة عظيمة هذه المصلحة نفت نسبة الشر إلى الله، ولهذا يفرق بين (الشر منك) و(الشر إليك) فالله عز وجل يقع منه الشر؛ بمعنى أن الشر يكون في مفعولاته، أما أن يُنسَب إليه ويقال: إن الله شرير، حاشا وكلَّا، فهذا مستحيل؛ لأن فعله كله لحكمة وغاية محمودة.
وانظر مثلًا إلى المرض إذا أصاب الإنسان، إذا أصاب الإنسان المرض فلا شك أنه شر بالنسبة للصحة.
ما تشعر بهذه النعمة -نعمة الصحة- لكن إذا مرضت شعرت بقدر النعمة، وبضدها تتبين الأشياء، أنت الآن تُنْفِس النَّفْسَ، تُنْفِس وأنت تأكل، تنفس وأنت تتكلم، تنفس وأنت قائم، وأنت قاعد، وأنت مضجع، لا تحس بأي شيء، لكن لو قدَّر الله تعالى أن يحبس نفسك ويكون عندك ضيق تنفس، عرفت قَدْرَ النفس ولَّا لا؟ عرفت قدر النفس.
فالحاصل أن هذا الشرَّ شر نسبي في الواقع، حتى بالنسبة لمن وقع عليه، طيب، الفيضانات والزلازل والجَدْب شر ولا خير؟ شر، لكن بالنسبة إلى تقدير الله لها خير ، هي شر بالنسبة لمن أصابتهم، لكن هي خير بالنسبة للآخرين يتعظون ويخافون، وقد تكون خيرًا لأولئك المصابين بحيث يَرْجعون إلى الله عز وجل ويعرفون أن المعصية عاقبتُها وخيمة؛ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١].
إذن فلا منافاة بين قوله صلى الله عليه وسلم: «الشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» وبين مثل هذه الآية: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة الرحمة لله، مأخوذ من قوله: الرَّحْمَنُ؛ لأن الرحمن وصف مشتق، والوصف المشتق يدل على المعنى المشتق منه ولا بد، بخلاف الأسماء الجامدة كأسد وحجر وتراب، وما أشبهها، هذه لا تدل على معنى، لكن الأسماء المشتقة لا بد أن تَدُلَّ على معنى، هذا بالنسبة إلى أسماء الله ورسوله وكتابه، أما بالنسبة لمن تَسَمَّى بها من المخلوقين فقد تدل على المعنى، وقد لا تدل، قد نسمي شخصًا عبد الله وهو كافر بالله، وقد نسمي شخصًا محمدًا وهو مذمم، وقد نسميه خالدًا وهو سيموت، وقد نسميه صالحًا وهو من أفسد الناس.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عابدي الأصنام يُمَوِّهون على الناس بعبادتها فيدَّعون أنهم يعبدونها؛ لتكون شفيعًا لهم عند الله، وهذا عندما يسمعه السامع يظن أنهم يجعلون الآلهة في مرتبة دون الله؛ لأن مرتبة الشافع دون مرتبة المشفوع إليه؛ أليس كذلك؟ فيقولون: إنهم شفعاء لنا إلى الله، والحقيقة أنهم لم يجعلوهم شفعاء، بل جعلوهم شركاء لله، كيف شركاء؟ لأنهم يعبدونهم كما يعبدون الله، فيستفاد منه: الحذر من التلبيس بالتسمية، وأن صاحب الباطل قد يُسَمِّي نفسه بما يقتضي أن يكون على حقٍّ، وليس كذلك، وهذا موجود؟ كثير موجود، المعتزلة يسمون أنفسهم أهل التوحيد، والمعطلة يسمون أنفسهم أهل التنزيه يقولون: إحنا ننزه الله، أما أنتم أهل السنة لا تنزهون الله جعلتموه صنمًا، فمثلتموه بالخلق في إثبات الصفات، وهؤلاء أيضًا أهل التوحيد نفس الشيء يقولون: نحن نفينا الصفات لنُوَحِّد الله؛ لأن تعدد الصفات يستلزم تعدد الموصوف، هذا تمويه.
المعتزلة ينكرون أن يكون لله تعالى تَعَلُّق بفعل العبد فيسمون أنفسهم أهل العدل، أما أنتم يا أهل السنة فأنتم أهل الظلم جعلتم الله ظالمًا حيث هو الذي يُقَدِّر المعاصي على العبد ثم يعاقبه عليها، أما نحن فنحن أهل العدل نقول: الإنسان هو المستقل بنفسه وعمله، فإذا جوزي على معصيته فقد استحق الجزاء؛ لأنه فعله.
النصارى سموا أنفسهم بماذا؟ بالمسيحيين تلطيفًا لحالهم؛ ليُوهِموا أنهم على دين المسيح، والواقع أن المسيح بريء منهم وأنهم ليسوا على دينه، لو كانوا على دينه وقابلين له لقبلوا بشارته بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن عيسى بشَّرهم به قال: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]، ولو كانوا مؤمنين بالإنجيل لآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله يقول: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧] فهم لا آمنوا بعيسى، ولا بكتاب عيسى وهو الإنجيل، لكن مع ذلك سَمَّوا أنفسهم بالمسيحيين تلطيفًا لما هم عليه من الباطل؛ ليصبغوا نِحْلَتهم بالصبغة المقبولة.
المهم أنه يجب الحذر من التلبيس في التسمية؛ لأن هؤلاء يقولون: نعبد الآلهة لتكون أيش؟ شفعاء، أو ليكونوا شفعاء لنا، وهم في الحقيقة إنما جعلوهم شركاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يُنْقِذ من أراده الله تعالى بسوء أو بضرر؛ لقوله: وَلَا يُنْقِذُونِ، فإن قلت: كيف يجتمع هذا مع أننا نشاهد الغَرِيق عصفت به الريح حتى سقط في الماء فجاء شخص فأنقذه، فهذا أُنْقِذ مما أراده الله به من السوء؟
طلبة: (...).
الشيخ: أن نقول: إن إنقاذه بتقدير الله عز وجل، لو شاء الله سبحانه وتعالى أن يهلك هذا لم يكن عنده أحد، ولو شاء الله أن يهلك لكان عنده من لا يجيد السباحة، ولو أراد الله أن يهلك لكان عنده من لا يريد الإحسان، أليس كذلك؟ فإذا قَيَّض الله له شخصًا قادرًا على إنقاذه محبًّا للإحسان أنقذه بقدر الله عز وجل، ونحن نؤمن بالأسباب، لكننا لا نؤمن بأنها مستقلة، كذا؟ أو لا؟ فنكون وسطًا بين الذين يُنْكِرون تأثيرَ الأسباب وبين الذين يدعون أنها مؤثرة بنفسها، نقول: هي مؤثرة، لكن بجعل الله لها تأثيرًا، ولو شاء الله تعالى لسَلَبَ الأسبابَ تأثيرَها؛ فالنار محرقة وباردة، وقال الله تعالى لها حين أُلْقِي فيها إبراهيم: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فصارت أيش؟ بَرْدًا وسلامًا، لم تكن سببًا للإحراق، والماء جوهر سَيَّال لا يمكن حجزه إلا بحواجز ثخينة، ولما ضرب موسى البحر صار الماء كالجبال بدون حواجز، وهذا خلاف الأسباب المعتادة لكنه بقدر الله عز وجل، وبه نعرف أن الأسباب مؤثرة بجعل الله تعالى لها تأثيرًا، وإلا لسقط تأثيرها؛ لأن الكل بيد الله.
وبمناسبة ذكرنا لإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال بعض المفسرين: إن الله لما قال لها: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَصارت جميع النيران في جميع أقطار الدنيا باردة ولا تحرق واستغرب الناس ذلك قالوا: ويش بلى نارنا اليوم ما غلى القدر عليها، تأخَّر طعامنا ما نضج؛ لأن النار صارت باردة، لكن هذا لا شك أنه قول خاطئ، ما هو خطأ؛ خاطئ بعيد من الصواب، بل هو خلاف أَمْرِ الله عز وجل، الله قال: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي، ونَارُنكرة مقصودة؛ ولهذا بنيت على الضم فهي كالعلم يراد بها شيء معين وهي النار التي أُلْقي فيها.
ثم قال: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَفهو خلاف الآية الكريمة، لكن ما أدري سبحان الله بعض الناس -رحمة الله عليهم وعفا عنهم- يذهبون مذاهب تقول: كيف تقع هذه من عالم؟ والغالب أن هذه تجدها عن بني إسرائيل، فتؤخذ مُسَلَّمَة ولا ينتبه لمعارضتها لآي الكتاب.
تفسير الآيات (24-27)
00:57:11

(...) قال الله تبارك وتعالى: إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [يس: ٢٤، ٢٥] إِنِّي إِذًاالجملة هذه مؤكدة بـ(إن)؛ لأن المقام يقتضي التوكيد.
وقوله: إِذًاأي: إن عبدت غير الله؛ لقوله: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، ويجوز أن نُقَدِّر: إن اتخذت من دونه آلهة كقوله: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً.
وإِذًاهنا ظرف تدل على الحال، و(إذا) ظرف تدل على المستقبل، و(إذ) ظرف تدل على الماضي، فهذه الثلاثة تقاسمت الزمان؛ (إذن) للحال، و(إذا) للمستقبل، و(إذ) للماضي، وتأتي لغير ذلك (إذ) كما تأتي للتعليل مثلًا: إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، اللام هنا للتوكيد فالجملة مؤكدة بمؤكدين؛ يعني: إن اتخذت معه آلهة، أو عبدت غيره لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍقال المؤلف: (بين)، والضلال هو أن يَتيه الإنسان عن جادة الصواب، ثم إن كان عن علم كان طريقه طريق المغضوب عليهم، وإن كان عن جهل كان طريقه طريق الضالين، وقد ذكر الله تعالى في سورة الفاتحة فقال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة: ٦، ٧] فالمغضوب عليهم هم الذي جانَبوا الصواب عن علم، والضالون هم الذين جانبوه عن غير علم، والمهتدون الذين أنعم الله عليهم هم الذين عَمِلوا بالصواب عن علم.
ووجه كونه ضلالًا مبينًا -أي: اتخاذ آلهة من دون الله- أنه حَيْدَة عن الواجب شرعًا وعقلًا؛ فالواجب شرعًا ألا نتخذ إلهًا مع الله كما جاءت به جميع الرسل، والواجب عقلًا ألا نتخذَ آلهةً مع الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان وفَطَره، وهو الذي بيده النفع والضرر، فكيف نتخذ معه آلهة لم تخلق ولا تنفع ولا تضر؟!
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِأعلن -رحمه الله- أنه آمن بالله عز وجل، وقال: آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ، وهناك قال: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِيإشارة إلى أنه ليس ربًّا له وحده، بل هو رب للجميع، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْوالإيمان بالله عز وجل يتضمن الإيمان بأمور أربعة: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، وهنا صرح به في قوله: آمَنْتُ بِرَبِّكُمْفإثبات الربوبية إثبات للوجود، والثالث الإيمان بألوهيته، والرابع الإيمان بأسمائه وصفاته؛ أي أنه متفرد بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
وقوله: آمَنْتُمَرَّ علينا كثيرًا أن الإيمان في اللغة التصديق عند كثير من المفسرين الذين يفسرون الإيمان، وقيل: إن معناه الإقرار والاعتراف، فهو أخص من التصديق.
قال: فَاسْمَعُونِالفاء هذه عاطفة على قوله: آمَنْتُ بِرَبِّكُمْأو على الجملة كلها، وقوله: اسْمَعُونِأي: اسمعوا قولي، وهذا إعلان منه رحمه الله بإيمانه مراغمةً لقومه وإقامة للحجة عليهم، ولهذا لمَّا أعلن هذا الإعلان قتلوه، قال المؤلف: (فرجموه فمات، قيل له عند موته: ادخل الجنة، وقيل: دخلها حيًّا) لما أعلن هذا الإعلان وراغمهم ولم يأبه بهم ولم يهمه، والظاهر -والله أعلم- أنهم توعدوه، حينئذ رجموه فقتلوه، فقيل له بعد موته: ادخل الجنة. الأمر هنا للتكريم، والجنة هي الدار التي أعدها الله سبحانه وتعالى لأوليائه، فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت ولا خَطَر على قلب بشر.
وقوله: ادْخُلِ الْجَنَّةَبعد موته؛ لأن الإنسان يُعَذَّب في قبره أو يُنَعَّم، فإن كان من أهل الخير فإنه ينعم، وإن كان من أهل الشر فإنه يعذب.
قال: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَلما قيل له: ادخل الجنة -وهذا الأمر كما قلت أمر إكرام- قال: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَالمفسر يقول: حرف تنبيه يعني يَا، وليست حرف نداء؛ لأنها دخلت على حرف، و(يا) التي للنداء لا تدخل إلا على اسم، فإذا دخلت على ما لا تصح دخولها عليه فإنها لا تكون للنداء، وقد مر علينا في علامات الاسم أن من علاماته أيش؟ النداء، دخول (يا) النداء عليه، فإذا دخلت (يا) النداء على غير اسم فإنها للتنبيه، سواء دخلت على حرف؛ مثل يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، أو دخلت على فعل، وأكثر ما تدخل على الأفعال فعل الأمر فإنها تكون للتنبيه، ويجوز أن تكون حرف نداء والمنادى محذوف، ويُقَدَّر بحسب السياق، فمثل هذه الآية نقدرها فنقول: يارب، ليت قومي يعلمون، بما غفر لي ربي؛ فصار في إعرابها وجهان: أحدهما أنها للتنبيه، والثاني أنها للنداء والمنادي محذوف ويُقَدَّر بحسب ما يقتضيه السياق.
وقوله: لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّيلَيْتَهنا للتمني، و(لعل) للترجي، والفرق بينهما أن التمني يكون فيما فيه تَعَذُّر، والترجي يكون فيما يَقْرُب حصوله، وما كان بين ذلك فتارة تُستعمل فيه ليت، وتارة تستعمل فيه (لعل)؛ فالأحوال ثلاثة: ما قرب حصوله تستعمل فيه (لعل)، وما امتنع (ليت)، وما كان بين ذلك فأحيانًا (لعل) وأحيانًا، (ليت) بحسب قربه من التعذر أو من القرب.
قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَيعلمون ما حصل له، ولهذا قال: (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّيبغفرانه وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي، الباء هنا متعلقة بـيَعْلَمُونَ، والعلم هنا بمعنى المعرفة فلا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، و(ما) مصدرية كما حَلَّها المفسر وأوَّلها إلى مصدر قال: بغفرانه، وهنا ينبغي أن نتذكر معاني (ما) فمن الذي يذكرها لنا؟
الطالب: نعم قال الشاعر:
مَحَامِلُ (مَـــــا) عَشْرٌ إِذَا رُمْــتَ عَــــــــدَّهَا فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلَيمٍ مِنَ الشِّعْرِ
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَــاعْجَبْ لِنُكْرِهَا بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَـــــــــــــصْدَرِ

الشيخ: تعظيم مصدر، تمام، صار معانيها عشرة، (ستفهم) يعني للاستفهام، (شرط) (الوصل) (فاعجب) تعجبية (لنكرها) نكرة، (بكف) (...)، (ونفي) نافية، (زيد) زائدة، (تعظيم) للتعظيم، (مصدر) مصدرية.
فهنا هي من القسم الأخير أو المعنى الأخير، مصدرية، وعلامة المصدرية التي تسبك وما بعدها أو يُسْبَك ما بعدها بمصدر يُحَوَّل إلى مصدر، وقوله: بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّيتَقَدَّم لنا أن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من (المِغْفَر)، و(الْمِغْفَرُ) فيه معنيان أو فيه شيئان:
أحدهما: الستر؛ لأنه يستر الرأس.
والثاني: الوقاية؛ لأن الإنسان يضع على رأسه المِغْفَر في القتال ليتقي به السهام، وليست المغفرة بمعنى الستر فقط.
ثم قال: بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّيفأضاف الربوبية إليه، وهي من الربوبية الخاصة؛ لأن الربوبية نوعان: ربوبية عامّة، وربوبية خاصة. الربوبية العامة: هي الشاملة لجميع الخلق التي مقتضاها التدبير والتصرف في الخلق كما تقتضي حكمته. والخاصة: هي التي يكون فيها عناية بهذا المربوب كربوبية الله سبحانه وتعالى لرسله وأوليائه، وقد اجتمع القسمان أو النوعان في قول السحرة: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] فالأولى عامة، والثانية خاصة، ويقابل ذلك العبودية؛ فإنها عامة وخاصة؛ فالعامة كقوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، والخاصة كقوله: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣]، والخاصة فيها أخص وهي عبودية الله تعالى للرسل كقوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١].
قال: بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّيهنا الربوبية خاصة ولَّا لا؟ خَاصَّة. وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ، نعم جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ؛ لدخوله الجنة؛ لأن دخول الجنة إكرام للإنسان، إكرام من قِبَل الله، وإكرام من قِبَل الملائكة، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤]، إكرام من جهة الوِلْدَان المخلدون الذين هم خَدَم لأهل الجنة، إكرام من جهة الزوجات اللاتي هن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، إكرام من جهة بعضهم لبعض فإنهم إخوان على سُرُر متقابلين، قد نَزَع الله ما في صدورهم من غِلٍّ، ومثل هذا لا بد أن يكون فيه إكرام من بعضهم لبعض؛ فأهل الجنة مكرمون، ومنهم هذا الرجل المؤمن الناصح المخلص فإنه مُكْرَم بدخول الجنة.
قال الله عز وجل لما ذَكَر المُصَلِّين الذين هم على صلاتهم دائمون ختم هذه الصفات بقوله: أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج: ٣٥]؛ ولهذا قال هنا: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ.
نأخذ فوائد هذه الآيات لأننا أظن أننا اتفقنا على أن نأخذ فائدة كل آية.
قال الله تعالى: إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يس: ٢٤].
في هذه الآية الكريمة: بيان أن من أبين الضِّلال وأشَّدِّه تيهًا أن يتخذ الإنسان مع الله آلهة؛ لقوله: إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
ومنها: أنه ينبغي التأكيد إذا كان المخاطب مُنكِرًا أو حاله حال المنكر؛ لأنه يخاطب مَن؟ يخاطب قومه الذين اتخذوا مع الله آلهة ويقول: إني إن اتخذت آلهة مع الله لفي ضلال مبين، ولهذا أَكَّد الجملة بكم؟ بمؤكدين: (إِنَّ)، واللام.
وربما يؤخذ من الآية الكريمة: أن كل مَنْ ضَلَّ عن الحق أو كل من خالف الحق أصابه من الضلال بقدر ما خالف الحق؛ لقوله: لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍفيفيد أن الضلال قد يكون خَفيًّا، وقد يكون بينًا واضحًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: كمال نصح هذا الرجل؛ لأنه قرر وحدانية الله عز وجل بعدة أمور: منها ما سبق في قوله: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، ومنها التحذير من الشرك به بكون المشرك في ضلال مبين، وهكذا ينبغي للداعية إلى الله عز وجل إذا دعا إلى الحق أن يذكر ما في لزومه من الفضائل، وأن يذكر ما في مخالفته من الضلال والسوء؛ حتى يجمع بين الترغيب والترهيب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عكس مَنِ اتَّخذ مع الله آلهة وكان في ضلال مبين أن مَنْ وَحَّد الله فهو على هدى مبين بَيِّن واضح؛ لأنه أصاب الفطرة وأصاب ما جاءت به الرسل.
ثم قال: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ يستفاد من هذه الآية: فضيلة هذا الرجل في إعلانه الإيمان بالله عز وجل، وكل إنسان يعلن إيمانه بالله فإن ذلك له مزية وفضيلة؛ قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣]، أعلن بأنه من المسلمين، ولم يَخَفْ أحدًا سوى الله.
ومنها: قوة شخصية هذا الرجل؛ حيث أعلن أمام هؤلاء القوم أنه آمن، وآمن بربهم الذي يستلزم أن يكونوا مخلصين له في العبادة إذا كان ربًّا لهم، كأنه أقام الحجة عليهم بذلك، فإذا كان الله ربَّكم فالواجب أن تُوَحِّدوه ولا تتخذوا معه آلهة، وهذا يدل على قوة شخصيته، زد على ذلك أنه تَحَدَّاهم فقال: فَاسْمَعُونِ، فأنا لا أبالي منكم، لا أبالي بكم، اسمعوا أني آمنت بربكم الذي يجب أن توحدوه؛ لأنه ربكم.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ربوبية الله تعالى العامة؛ حيث قال: بِرَبِّكُمْمع كونهم مشركين كفارًا، وهذا من الربوبية العامة.
ثم قال: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [يس: ٢٦] يستفاد من هذا الآية الكريمة: إثبات نعيم القبر؛ لقوله: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ، ويدل لذلك آيات من القرآن مثل قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ [النحل: ٣٢] تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَطَيِّبِينَهذه حال من الهاء يَقُولُونَحال من الملائكة؛ يعني: حال كون الملائكة يقولون عند تَوَفِّيهم: ادخلوا الجنة؛ فيستفاد من هذه الآية: إثبات نعيم القبر، فيه آية أخرى.. ما هي؟ إثبات نعيم القبر.
طالب: من هذه يعني.
الشيخ: القرآن من الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: ١، ٢] من الفاتحة: إلى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: ١].
الطالب: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧].
الشيخ: ما هي دليل.
طالب: مفهوم المخالفة كقوم فرعون.
الشيخ: لا. فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥] إلى قوله: فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ [الواقعة: ٨٨، ٨٩]، فهنا قال: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِحين الموت، ثم قال: فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ، ومنها هذه الآية: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ؛ لأن قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَولم تقم الساعة الآن، فهو دليل على أن الميت يُنَعَّم في قبره كأن ما دخل الجنة؛ لأنه يُلْبَس من الجنة، ويُفْرَش من الجنة، ويُفْتَح له باب إلى الجنة ، ويأتيه من روحها ونعيمها، فكأنه دخلها.
طالب: (...).
الشيخ: لا، لأن فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَحين تبلغ الروح الحلقوم.
الطالب: (...).
الشيخ: الآن يعني.
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَفيه إثبات نعيم القبر؛ لقوله: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَمع أن الساعة لم تَقُمْ بعدُ، ولم يدخل الناس الجنة.
ومن فوائدها: أن هذا الرجل كان ناصحًا في حياته وبعد مماته؛ ففي حياته دعا قومه إلى توحيد الله عز وجل كما مر علينا، وبعد مماته تَمَنَّى أن قومه يعلمون بغفران الله له من أجل أيش؟ أن يؤمنوا ويتبعوا الرسل، وهذا دليل على أن المؤمن لا تَلْقَاه إلا ناصحًا، حتى بعد موته يكون ناصحًا، فهذا الرجل تمنى أن قومه يعلمون بما غفر الله له، لعلهم يرجعون فيؤمنون كما آمن.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات وجود الجنة، وقد دلَّ على ذلك آيات وأحاديث كثيرة؛ مثل قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]، والإعداد بمعنى التهيئة، والنصوص في هذا كثيرة، وقد عُرِضَت الجنة والنار على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي صلاة الكسوف .
طيب، وهل تبقى الجنة أبدًا؟ الجواب: نعم، وهذا متفق عليه بين أهل السنة، النار موجودة الآن وهو متفق عليه أيضًا بين أهل السنة، وهل تفنى؟ الصحيح المقطوع به أنها لا تَفْنى؛ لأن الآيات صريحة في ذلك، وقد ذكر الله تعالى تَأْبيدَ الخلود فيها في ثلاث آيات من كتابه، ما هي؟ تأبيد الخلود في النار ذكره الله في ثلاث آيات من القرآن؟
طالب: في سورة النساء والأحزاب والجن.
الشيخ: في سورة النساء والأحزاب والجن، طيب، في سورة النساء؟
طالب: (...).
الشيخ: ما تذكرها؟
الطالب: لا تحضرني.
الشيخ: طيب.
طالب: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩].
الشيخ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، طيب، في سورة الأحزاب؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذه في البقرة، ولا هناك.
طالب: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥].
الشيخ: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، الآية الثالثة في سورة الجن؟
طالب: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]
الشيخ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًافهذه ثلاث آيات صريحة في تأبيد أهل النار فيها.
طالب: (...) قد دل عليه؟ (...).
الشيخ: لا، ما يدل عليه، ما داموا فيها، طيب، المهم التصريح بالتأبيد، ومع ذلك مع التصريح بالتأبيد ذُكِرَ عن بعض السلف أنهم كانوا يقولون: بأنها تفنى، ولكن هذا القول لا شك مهما قاله مَنْ قاله فإن قوله مردودٌ عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّة الله عز وجل على مَنْ آمن بالمغفرة والإكرام، فيتفرع على هذه الفائدة أن الإيمان سبب للمغفرة وسبب لإكرام الله تعالى العبد.
ومن فوائدها: أنه لا يتم النعيم إلا بزوال المكروه، ويستفاد هذا من قوله: بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي.
ومنها أيضًا: ما أشار إليه بعض الأدباء؛ أن التخلية قبل التحلية كيف هذا؟ لقوله: بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّيوهذا تخلية وإزالة، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَهذا تحلية، ولهذا لو أردت أن تُحَلِّيَ امرأة تُنَظِّفها أولًا ثم تُلْبِسُها الحلي، لو ألبستها الحلي وهي غير نظيفة ما يليق ولا تجد جمالًا فيها، إي نعم.
إذن يستفاد منها: أن المغفرة تسبق الإكرام والرحمة، ويدل لهذه القاعدة التتبع، فإن الغالب أن الله عز وجل إذا قَرَن بين الاسمين الغفور الرحيم يُقَدِّم الغفور على الرحيم.
ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: رَبِّيفهذه من الربوبية الخاصة.
ومن فوائدها: أن الإكرام إكرام الله عز وجل لا يختص بهذا الرجل، بل هناك عالَم يكرمهم الله؛ لقوله: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَففيه حَثٌّ على أن يفعل الإنسان كفعله لينال ما ناله، ولم يقل: بما غفر لي ربي وأكرمني، بل قال: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَليبين أن الإكرام ليس خاصًّا به، بل الإكرام موجود لكل مَنْ قام بعمل كعمله.
تفسير الآيات (28-30)
01:24:14

ثم قال تعالى: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ [يس: ٢٨].
وَمَا أَنْزَلْنَامَانافية، وقوله: عَلَى قَوْمِهِقال المؤلف: (أي: حبيب) بناء على أن اسمه حبيب، وقد سبق أن اسمه لا يهمنا، المهم القصة.
عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِأي: من بعد أن هلك ومات على أيديهم، مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِمِنْهذه زائدة؛ لأنها لو حُذِفَت استقام الكلام بدونها، لو قال: وما أنزلنا على قومه جندًا من السماء يستقيم الكلام، وقوله: مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِأي: ملائكة، فإن الملائكة جنود الله عز وجل؛ قال الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١]، وقال تعالى: وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧٣] فالجند الملائكة، لكن قال: (لإهلاكهم وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَملائكة لإهلاك أحد) فلم تنزل ملائكة لإهلاك أحد، وقيل: ما كنا منزلين لإهلاك هؤلاء؛ لأنهم أقل وأحقر من أن يبعث الله ملائكة من السماء تهلكهم، وهذا هو الأقرب. فيكون النفي هنا خاصًّا بمن؟ بهؤلاء القوم لأن الله أنزل ملائكة في بدر، وأنزل ملائكة في غزوة حنين، فأنزل الله تعالى الجنود، وكذلك أيضًا في غزوة الأحزاب؛ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: ٩]، ولكن وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَجنودًا لهؤلاء احتقارًا لهم، وهذا الذي مشى عليه المؤلف هو الصحيح.
وقال بعض العلماء: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِأي: من وحي ورسل؛ لأن الوحي تنزل به الملائكة، لكن ما مشى عليه المؤلف أصح بدليل ما يأتي فيما بعد، والله أعلم.
(...) قال: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةًإِنْقال المؤلف: بمعنى (ما)، وعلى هذا فهي نافية، إِنْهنا نافية، وينبغي أن نستحضر معاني (إن)، تأتي نافية كما هنا، ويش بعد؟ وشرطية كما لو قلت: إن قام زيد قام عمرو، هذا اثنين.
طالب: ومخففة من الثقيلة.
الشيخ: ومخففة من الثقيلة، مثل:
وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ ...............................

بعد؟
طالب: استفهامية.
الشيخ: لا، ما تأتي استفهامية. (إن) ما تأتي استفهامية.
الطالب: مصدرية.
الشيخ: لا، هذه (كأن)، وتأتي زائدة، كقوله:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبُ وَلَا صَرِيفٌ وَلِكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

تأتي على أربعة أوجه: نافية، وشرطية، ومخففة من الثقيلة، وزائدة. وإذا أتت بعدها (إلا) فهي نافية، وقد تكون نافية بدون (إلا) كقوله تعالى: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا [يونس: ٦٨]، أي: ما عندكم، لكن القاعدة أنه إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافية، ولا يلزم ألا تأتي نافية إلا مع (إلا)؟ لا، ليس بلازم. قد تأتي نافية بدون (إلا) كقوله: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَايعني: ما عندكم.
قال الله تعالى: إن كانتقال المفسر: (عقوبتهم) يعني: ما كانت عقوبتهم التي عاقبهم الله بها بكفرهم (إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةًصاح بهم جبريل فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) يعني: ما احتاجوا إلى عناء، وإلى جند، ما هي إلا صيحة، ولم يبين الله سبحانه وتعالى الصائح، والمؤلف قال: جبريل، ولا ينبغي أن نجزم بهذا إلا بدليل؛ لأن الواجب علينا أن نبهم ما أبهمه الله إلا أن يرد تعيينه بدليل صحيح، ولم يرد بتعيينه هذا دليل صحيح، وعلى هذا فنقول: صِيح بهم ولا نجزم مَنْ هذا الصائح، المهم أنها صيحة واحدة، صِيح بهم فهلكوا عن آخرهم؛ ولهذا قال: فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَإِذَاهنا فجائية تدل على تعاقب ما بعدها وما قبلها؛ أي: أن ما بعدها وقع عقب ما كان قبلها مباشرة؛ ولهذا سميت فجائية؛ لأنها تفاجيء وتأتي فورًا من حين أن صِيح بهم خمدوا عن آخرهم.
قال الله عز وجل: (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَفإذا هم ساكتون ميتون) وبهذا نعرف أن هؤلاء ماتوا عن آخرهم؛ لأن هُمْضمير يفيد الجمع والشمول.
قال الله تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ [يس: ٣٠] هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأُهْلكوا وهي -أي: الحسرة- شدة التألم -شدة التألم والندم يُسمى حسرة- ونداؤها مجاز أي: هذا أوانك فاحضري).
قوله: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِالحسرة هي شدة الندم والتألم والتحسر والحزن على ما مضى؛ قال الله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧] أي: ندامات وآلام وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
وقوله: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِحسرة على العباد ممن؟ قيل: إن القائل هم المكذبون وأنهم تَحَسَّروا على أنفسهم وقالوا: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِثم بَيَّنوا السبب كما سيأتي، وقيل: إن الحسرة من أتباع الرسل؛ يعني: مِنْ هذا الرجل ونحوه يتحسر على هؤلاء العباد، وقيل: إن التحسر من الله عز وجل، ولكن ليس معناه أنه يتصف به، بل المعنى أنه يُبَيِّن حسرة العباد على أنفسهم، فيقول: يا حسرة واقعة على العباد، واقعة عليهم فتكون (على) قريبة من معنى (من)؛ يعني: أن الله تعالى يبين أن هؤلاء العباد..