قال المؤلف: (أي: إليه، لا تتجاوزه). والمستقَرُّ: موضع القَرار؛ كما قال
الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة: ٣٦]، وقال: جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا [النمل: ٦١]، فالمستقَرُّ موضعُ القرار، وقال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود: ٦]، فما هذا القرار
الذي تجري الشمسُ إليه؛ هلْ هو قرارٌ زَمَنِيٌّ أو قرارٌ مكانِيٌّ أو هما جميعًا؟
ثبتَ في الحديث الصحيح عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّه كان مع النبي صلى الله
عليه وسلم في المسجد حين غربت الشمسُ فقال: «أَتَدْرِي أَيْنَ
تَذْهَبُ» قال أبو ذر: الله ورسوله أعلم، قال: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ وَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَسْتَأْذِنُ،
فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا» ثم قرأ: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: ٣٨]» ،
وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ مستقرَّها مكانِيٌّ ولَّا زمانِيٌ؟ مكانِيٌّ؛ لأنها
تسجد تحت العرش، وهذا السجود لا نعلم كيفيَّته؛ لأن الشمس ليستْ كالبَشَر حتى يُقاس
سجودها بسجود البَشَر، بل هي مخلوقٌ أعظم، ولا ندري كيف تسجد، فإِذَنْ لا يَرِدُ
علينا السؤالُ: هل هي تسجد وهي سائرةٌ أو تَقِف؟ وكيف يصح أنْ نقول: إنها تسجد
وتستأذن وهي لا تزال مستمرَّةً في الأُفُق؟ كلُّ هذه الأسئلة والإيرادات نُجيب
عليها إنْ شاء الله عند ذكر الفوائد.
وقيل: إنَّ المستقَرَّ مستقَرٌّ زمنيٌّ،
وذلك عند تكويرها يوم القيامة؛ يعني: عند مُنتهى سَيْرها يوم القيامة؛ يعني: تجري
إلى يوم القيامة الذي هو موضع قرارها الزمني.
وقيل: إنَّ المراد بالمستقَرِّ
منتهى تنقُّلها في البروج الشَّمالية واليمانية، فلها حدٌّ تنتهي إليه من الشَّمال
لا تتجاوزه، ولها حدٌّ تنتهي إليه من الجنوب لا تتجاوزه، وبناءً على هذا يكون
المستقَرُّ زمانيًّا ومكانيًّا؛ لأن غاية سَيْرها في الشمال يكون به ابتداءُ فصل
الصيف؛ القَيْظ، وغاية سَيْرها في الجنوب ابتداءُ فصل الشتاء، فهذا قرارٌ أو
مستقَرٌّ زمانِيٌّ ومكانِيٌّ، فالشمس -هذه الشمس العظيمة التي لا يعلم قَدْرها إلا
الذي خَلَقَها سبحانه وتعالى- بما فيها من المصالح العظيمة تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا، كلُّ شيءٍ له غاية، وكلُّ شيءٍ
له مُنتهى إلى مَن؟ إلى الله عز وجل.
قال: (ذَلِكَأي: جَرْيُها تَقْدِيرُ الْعَزِيزِفي مُلْكه الْعَلِيمِبخلْقِه).
ذَلِكَأي: جريانها لمستقَرِّها تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وأضافَ التقدير هنا إلى هذا الاسم الكريم الْعَزِيزِلأنَّ هذه الشمس العظيمة تحتاج إلى قُوَّةٍ
وسُلطانٍ قاهرٍ، فلهذا أتى باسم الْعَزِيزِ؛ لأن العزيز
يتناول أو يشمل ثلاثة معانٍ: أولًا: العزيز في قَدْره، والعزيز في قَهْره، والعزيز
في امتناعه.
أمَّا في قَدْره فمعناه أنَّ الله ذو شأنٍ عظيمٍ لا يماثله أحدٌ.
وأمَّا في قَهْره فمعناه أنَّ الله له الغَلَبة والسلطان المطْلَق؛ يقول الشاعر
الجاهلي:
| أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ | وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ |
وأمَّا في امتناعه فالمعنى أنَّه ممتنعٌ عن كل نقصٍ وعيبٍ.
أمَّا الْعَلِيمِفمعناه ذو العِلم الكامل الشامل، فعِلْم الله تعالى كاملٌ لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ؛ قال الله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩]، وما كُتِب في كتابٍ مبينٍ إلا بعد أن كان معلومًا عند الله عز وجل؛ إذ المجهول لا يُكتب، فهذا يدلُّ على سعةِ عِلْم الله عز وجل وأنَّه محيطٌ بكلِّ شيءٍ جملةًَ وتفصيلًا، إذَنْ فـالْعَلِيممعناه ذو العِلم الكامل الشامل، كمالُه من حيث إنَّه لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشُمولُه لأنَّه شاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ.
يقول: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِفذكر اللَّهُ هذين الاسمين لمناسبة المقام؛ لأنَّ الشمس ليستْ بالشيء الهيِّن الذي يَسْهل قِيادُه، بل هي شيءٌ عظيمٌ يحتاج إلى عِزَّةٍ وإلى عِلْم.
ثم قال: وَالْقَمَرَ [يس: ٣٩] (القَمَر) فيه قراءتان: الرفع، والنصب. ففيه وجهانِ في الإعراب؛ الْقَمَرُبالرفع على أنَّه مبتدأٌ خبره قَدَّرْنَاهُ. والْقَمَرَبالنصب على أنَّه مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسِّره المذكور، فيكون من باب الاشتغال، وهُنا يتساوى الرفعُ والنصبُ في الرُّجحان؛ لأن الجملة التي قبله وَالشَّمْسُ تَجْرِيجملة اسمية خبرُها فعلٌ، فلهذا جاز في (القمر) الوجهان، والمعروف أنَّه يترجَّح الرفعُ إذا عُطِف المشغول عنه على جملةٍ اسمية، ويترجَّح النصبُ إذا عُطِف على جملة فعلية.
قال: (وَالْقَمَربالرفْع والنَّصْب، وهو منصوبٌ بفِعْلٍ يُفَسِّره ما بعده). يعني: يفسِّره المذكور، والتقدير على هذا: وقدَّرْنا القمرَ منازل. ولا حاجة تقول كما يقول بعضُ الناس: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ قدَّرْناه. ليش؟ إذْ لا يُجمَع بين المفسِّر والمفسَّر، فإذا أردتَ أن تقدِّر فقل: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ، أيش؟ منازل.
فإذا قلتَ: لماذا لم يَقُل عز وجل: وقدَّرْنا القمرَ منازل؟
قلنا: لأنَّه إذا أتى بالجملة الاسمية التي خبرُها فعلٌ صارَ كأنَّه أسندَ هذا إليه مرَّتين، أسندَ الفِعل -اللي هو التقدير- إلى القَمَر مرَّتين؛ مرَّةً بذِكْره اسمًا ظاهرًا، ومرَّةً بذِكْره اسمًا مُضْمَرًا قَدَّرْنَاهُ.
قال الله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُمن حيث سَيْره مَنَازِلَ). تقدير الله عز وجل القَمَر منازلَ لأنَّه بهذا التقدير يمكن أنْ يأتي على هذا الوجه الذي نُشاهده؛ يتغيَّر كلَّ ليلةٍ عن الأُخرى، ولولا هذا التقدير ما تغيَّر، لكنَّه مُقَدَّرٌ منازلَ؛ ثمانيةً وعشرين منزلًا على حسب النجوم المعروفة عند العرب، كلَّ ليلةٍ ينزل منزلةً، ويبقى ليلة واحدة إن كان تسعًا وعشرين أو ليلتانِ إن كان ثلاثين، تسمَّى هاتانِ الليلتانِ ليالي الاستسرار؛ يعني الاختفاء، يختفي فيها القمر، إمَّا في أول الشهر التالي وإمَّا في آخِر الشهر السابق، يقول عز وجل: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ(ثمانيةً وعشرين منزلًا في ثمانٍ وعشرين ليلةً من كلِّ شهر، ويستتر ليلتينِ إنْ كان الشهر ثلاثين يومًا، وليلةً إنْ كان تسعةً وعشرين يومًا)، ومَن أراد تفصيل العلم في هذا فليقرأْ ما كتبه أهلُ العلم في ذلك، ولا سيَّما في عصرنا هذا؛ فإنهم اطَّلعوا على أشياء عجيبة في هذا التقدير.
القمر قدَّره الله منازلَ، كلَّ يومٍ منزلًا، إذَنْ هو يختلف كلَّ ليلةٍ عن أيش؟ عن الأُخرى، ولهذا يبدو صغيرًا، ثم يكبر، ثم يعود يصغر بحسب قُربه من الشمس، كلَّما قَرُب من الشمس ضَعُفَ نوره؛ لأن نور القمر مستمدٌّ من نور الشمس، هو نفسه ليس به إضاءة، جِرْمٌ مُظلم، كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [الإسراء: ١٢]، فهو جِرْمٌ مُظلمٌ لا يستفيد نورًا إلا بغيره، فإذا قابَلَ الشمسَ حَصَلَ فيه النور، كُلَّما أبعدَ عنها كثرت المقابلة؛ لأن السير كُرويٌّ، فكُلَّما قَرُبَ ضَعُفت المقابلة، فإذا ارتفع زادت المقابلة، ولهذا يمتلئ نورًا فيما إذا كان في المشرقِ والشمسُ في المغرب لتمام المقابلة حينئذٍ؛ لأنه يكون هكذا التقابُل بينهما فيمتلئ نورًا.
وما هو الجزء المنير منه؟
الجزء المنير منه هو الذي يلي الشمس، ولهذا تجده في أيام الشتاء إذا كانت الشمسُ خَلْفه تكون فتحةُ قَوْسِه نحو المشرق، في أيام الصيف تكون فتحةُ قَوْسِه نحو الجنوب؛ لأن الشمس تكون عنه شمالًا وهو يكون عنها جنوبًا فتجده فَتْحته نحو الجنوب، وفي الشتاء حيث إنه يستدبرها ويكون وراءها تجدُ فَتْحته تكون نحو المشرق. ولهذا يغلط بعضُ الناس الذي يظنُّ أن اتجاه فتحة القمر -يعني فتحة قوسه- دائمًا إلى الشرق أو إلى الجنوب، هذا ليس بصواب، وإذا أردتَ أن تعرف هذا فتدبرْه.
طيب، يقول: قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ(في آخِر مَنَازلِهِ في رأْي العين كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩] أي: كعُودِ الشَّماريخ إذا عتق، فإنَّه يَدِقُّ ويتقوَّس ويصْفَرُّ). حتى عاد القمر بعد تقدير هذه المنازل كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِالعرجون يُسَمَّى في اللغة العامِّية عندنا (عُرجود) بالدال، هذا العرجود هو أصل الشماريخ الذي في طلع النخل، وهو إذا يَبِس يتقوَّس ويَصْفَرُّ، فشبَّه الله عز وجل القمرَ في رؤية العين بهذا العرجون القديم؛ أي إنَّه يبدو دقيقًا أصفر متقوِّسًا، وهذا من باب التشبيه البليغ ولَّا غير البليغ؟ غير البليغ، ليش؟ لأنَّه ذُكرت أداةُ التشبيه، التشبيه البليغ هو الذي يُحذَف فيه أداةُ التشبيه ووجْه الشَّبَه، فإنْ ذُكِر أحدُهما فالتشبيه ليس ببليغ.
طيب، يقول: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ [يس: ٣٩، ٤٠] لَمَّا ذكر اللَّهُ عز وجل أنَّ الشمس تجري لمستقَرٍّ لها، وأنَّ هذا أمرٌ مقدَّرٌ من قِبَل العزيز العليم، وأنَّ الله تعالى قدَّر القمرَ منازلَ ينزلها منزلةً منزلةً حتى يعود بعد امتلائه نورًا فيصير كالعرجون القديم؛ بيَّن أنَّ هذا النظام لا يمكن أن يتصادم أبدًا؛ لأنَّه مقدَّر مِن عند مَن؟ مِن عند الله عز وجل العزيزِ العليمِ، منازل لا يتجاوزها ولا يتعدَّاها.
قال: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَيَنْبَغِيبمعنى يُمْكن، والمؤلف يقول: (يَسْهُل ويصِحُّ)، لكن الأَوْلى أن نقول: بمعنى يُمْكن؛ يعني لا يمكن للشمس أن تدرك القمر، وقد مرَّ علينا أنَّه إذا جاءت كلمة (لا ينبغي) أو (ما ينبغي) في القرآن فهي بمعنى الممتنع غايةَ الامتناعِ؛ كقوله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢] يعني أنَّ ذلك مستحيلٌ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» ؛ أي إنَّ ذلك مستحيلٌ.
إذَنْ يَنْبَغِي(...)، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَاأصلها: الشمسُ لا ينبغي لها. لكن قدَّمَ النفيَ ليكون المنفيُّ هو الجملة الاسمية برأسها كُلُّها، قال: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَيعني: لا يمكن أن تُدرك القمر فتجتمع معه في الليل، مَثَلًا إذا غابت لا يمكن أن تخرج في زمن الليل، فإذا قدَّرنا أنها تعود الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ وتخرج الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ، بين غروبها وطلوعها اثنتا عشرة ساعة، لا يمكن أن تطلع في الساعة الثامنة فيكون بين غروبها وطلوعها ثماني ساعات؛ لأن هذا خلافُ التقدير الذي قدَّره الله عز وجل لها والذي جَعَلَها تسير عليه، لماذا؟ لتمام قدرة الله تعالى ونظام هذا الكون، وأنَّه لا يمكن أنْ يختلف ولا يضطرب، لكن إذا جاء يوم القيامة فإنَّه يُجمع الشمسُ والقمرُ ويختلُّ نظام الفَلَك، بل كل النظام يختلف؛ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: ٤٨].
كذلك قال: وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِيعني: الليل لا يسبق النهار، بل لا يأتي إلا بعده.
هنا قال: وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِكأنَّ الليل هو الذي يمكن أنْ يسبق النهارَ، فنفى الله عز وجل أنْ يسبق الليلُ النهارَ.
قيل: المراد أنَّ الليل لا يأتي قبل انتهاء النهار، فيكون الله عز وجل ذكر الشروقَ في قوله: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَيعني: لا يمكن للشمس أنْ تطلع في الليل، وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِلا يمكن للَّيل أن يأتي في زمن النهار، فإذا قدَّرنا أنَّ الشمس تغرب في الساعة الثانية عشرة فلا يمكن أن تغرب الساعة التاسعة مثلًا؛ لأنها لو غربت الساعة التاسعة لسَبَقَ الليلُ النهارَ ولو في بعض أجزائه. وقيل: المعنى لَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِأي: لا الليل يحلُّ محلَّ النهار فيتوالى ليلتانِ سواءً. والمعنى صحيحٌ على كلا القولين؛ فلا يمكن للَّيل أن يأتي وقد بَقِي شيءٌ من النهار، ولا يمكن أن يأتي الليل كلُّه في مكان النهار؛ لأن هذا يُنافي تقدير الله عز وجل الذي وَصَفَ نفسَه بأنَّه العزيز، بل سَمَّى نفسَه بأنَّه العزيز العليم.
قال: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠] (كُلٌّتنوينه عِوَضٌ عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم) النجوم هنا غير مذكورة، والصواب: من الشمس والقمر؛ لأنه لا ذِكْر للنجوم هنا، (فِي فَلَكٍمستديرٍ يَسْبَحُونَيسيرون)؛ يعني كلٌّ من الشمس والقمر والليل والنهار، كلٌّ يسبحُ في فَلَك، والفَلَك هو الشيء المستدير، ومنه فلكةُ الْمِغْزل، فلكة المغْزل للشيء المستدير في أعلاه، ولعلكم قد رأيتم المغْزل الذي تغزل به النساءُ الصوفَ، له شيءٌ شبه الطار في أعلاه مستديرٌ، هذا فلكة المغزل.
الفَلَك مستديرٌ تدور فيه الشمسُ والقمرُ والليلُ والنهارُ، وقوله: يَسْبَحُونَأي: يسيرون، ولكن المعنى أدقُّ مما قال المؤلف؛ لأن السَّبْح هو العَوْم في الماء، فكأنَّ هذه عائمةٌ في الفَلَك الواسع تدور، ليستْ تسير على أرضٍ مسطَّحة أو على ماءٍ، بل هي تعوم في هذا الأُفُق.
***
(...) الآية الكريمة: هذه الآيةُ العظيمةُ في الليل؛ حيث يَسْلخ منه النهارَ سَلْخًا كما يُسْلَخ الجلدُ من الشاة، وهذا يدلُّ على أنَّه يأتي شيئًا فشيئًا.من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الأصل هو الظلام؛ لقوله: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ [يس: ٣٧]، فهذا يدلُّ على أنَّ الأصلَ هو الظلام وأنَّ النهارَ طارئٌ عليه، ولهذا يُسلَخ منه، وهو كذلك؛ فإن أَصْل الضوء من الشمس، والشمس حادثةٌ وواردةٌ على الليل، فيكون الأصل الظلامُ ويأتي النورُ بعده.
ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير الخلْق بهذه النعمة؛ لقوله: فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس: ٣٧]، وأنَّه لولا نعمةُ الله علينا بهذا النهار الذي يُسلخ من الليل لكُنَّا دائمًا في ظُلْمةٍ، وهذا بلا شكٍّ مُتعِبٌ للناس وضارٌّ بهم؛ قال الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ [القصص: ٧١].
ثم قال: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَاإلى آخر الآيات.
فمن فوائدها: أنَّ الشمس تجري؛ أي: تسير، وهذا هو الواقع، وظاهر القرآن الكريم أنَّ سَيْرها ذاتِيٌّ، وليس المراد أنَّها تجري برأي العين وأنَّ الذي يدور هو الأرض، والواجبُ إجراءُ القرآن على ظاهِرِه حتى يقوم دليلٌ صريحٌ يكون لنا حُجَّةً أمام الله عز وجل إذا خرجنا عن ظاهر القرآن؛ لأن الذي تكلَّم بالقرآن هو الخالق عز وجل، وهو العليم بخلْقه، فإذا قال: إنَّ الشمس تجري، وَجَبَ أنْ نقول: إنَّ الشمس تجري، ولا يجوز أنْ نقول: إنَّنا نحن الذين نجري، ولكنْ هي التي تجري بتقدير العزيز العليم.
ومن فوائدها: أنَّ هذه الشمس التي هي دائمًا ودائبةً لا بدَّ لها من مُنتهى؛ لقوله: لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا، ويتفرَّع على هذا أنَّ جميع الخلائق لها مُنتهى، كلُّ ما في الدنيا من الخلائق فله مُنتهى وسوف يزول؛ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: ٤٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذه الشمس مقدَّرة تقديرًا بالغًا منظَّمًا؛ لقوله: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، ويشهد لهذا الواقعُ؛ فإنَّ هذه الشمس منذ خَلَقَها اللَّهُ إلى أنْ تزول وهي في فَلَكِها لا تتقدَّم ولا تتأخَّر عن السُّنَّة التي أَمَرها اللَّهُ عز وجل أن تكون عليها، ولا ترتفع ولا تنخفض، حتى قيل: إنَّها لو تنخفض مقدارَ شعرةٍ لأحرقت الأرض، ولو ارتفعت مقدار شعرةٍ لجمدت الأرض، ولكن الله عز وجل جَعَلَها على هذا التقدير البديع المحكَم الذي لا يتغيَّر.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ اسمينِ من أسماء الله وهما: الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، ويؤخذ منهما إثباتُ صفتينِ تضمَّناهما وهُما العِزَّة والعِلْم، ويؤخذ منهما أيضًا إثباتُ الأثر أو الحكم، وهو أنَّه غالبٌ لكلِّ أحدٍ وعليمٌ بكلِّ شيء.
ومن فوائد الآية في قوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ، من فوائدها أيضًا أنَّ هذا القمر آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ حيث هو موضوعٌ في فَلَكِه، ومع ذلك له منازلُ ينزلها كلَّ ليلةٍ، ليس مطْلقًا، ولكنَّه مقدَّر بمنازل ينزلها كلَّ ليلة، والحكمة من هذه المنازل هي أنْ يعرف الناسُ عدد السنين والحساب؛ كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَلماذا؟ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس: ٥] حتى إن العالِمين بمنازل القمر يعرفون الليلة من الشهر وإن كانوا لم يحسبوا من أول الأمر بناءً على معرفة المنازل؛ لأن هذه المنازل لا تتغير، وحلول القمر فيها أيضًا لا يتغير، فهي منظمة من عند الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس؛ لقوله: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، وكل تشبيه أو مَثَل في القرآن فإنه يدلُّ على القياس؛ لأن التشبيهَ أو المثَلَ إلحاقُ شيءٍ بشيءٍ لعِلَّة؛ التي تُسمَّى في البلاغة وجْهَ الشَّبَه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق (القديم) على غير الله خلافًا للمتفلسفة أو الفلاسفة الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله هو القِدَم، وهذا خطأ؛ لو كان هذا أخصَّ وَصْف الله لم يوصَف به سوى الله.
والقِدَم لا يدلُّ على الأزلية؛ فهذا العرجون وَصَفه الله بأنه قديم ومع ذلك فليس أيش؟ فليس أزليًّا؛ إذْ إنَّه حادثٌ بعد أن لم يكن، وبه يتبيَّن بطلان قول هؤلاء الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله عز وجل هو القِدَم. لو قالوا: أَخَصُّ وَصْف لله هو الأوليَّة، لكُنَّا نوافقهم على ما قالوا؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، وأمَّا أن نقول: إن القِدَم أخصُّ وَصْف لله مع أنه يُوصَف به الحادثُ، فهذا لا يكون ولا يصح.
فيها أيضًا: فيه دليل على قدرة الله من حيث نُور القمر؛ حيث يبتدئ ضعيفًا ثم يزداد في القوة ثم يرجع إلى الضعف، فإن هذا من قدرة الله عز وجل؛ إذ لوشاء لجعله تامًّا ممتلئًا دائمًا أو ناقصًا دائمًا.
وفيها أيضًا من الفوائد: الإشارة إلى حال الإنسان؛ فإن الإنسان إذا تدبَّر القمرَ وجد أنه مطابقٌ لحال الإنسان، كما قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم: ٥٤]، فحال الإنسان مساويةٌ تمامًا لحال القمر؛ فالقمر يبدو ضعيفًا ثم يزداد في القوة، حتى إذا تكاملت القوة أخذ في النقص، وهكذا الإنسانُ بالنسبة لحياته.
قال الله تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ.
في هذه الآية: دليلٌ على أن سُنَّة الله عز وجل لا تتغيَّر، هذا هو الأصل، كما قال الله تعالى: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: ٤٣]، فسُنَّة الله سبحانه وتعالى لا تتغيَّر في الكون، ولكن هل هي سُنَّةٌ لازمةٌ بحيث يمتنع على الله أن يغيِّرها؟
الجواب: لا، ولكن الله تعالى أخبرنا بأنَّ هذه السُّنة لا تتغيَّر، لكنَّها تتغيَّر بتغييره، ولهذا حُبِسَت الشمسُ ليوشع بن نون كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ولهذا أيضًا إذا كان قرب الساعة فإنها تخرج من أين؟ من مغربها، ولهذا انشقَّ القمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصار فرقتين ، فهذه السُّنن الكونية لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، لكن الله قادرٌ على أن يبدِّلها أو يغيِّرها ويكون هذا لسبب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الشمس لا يمكن أن تخرج ليلًا، لا يمكن بحسب السُّنَّة الإلهية، أمَّا بحسب قدرة الله فإنه أيش؟ يمكن أن تخرج ليلًا؛ لأن الله يقول: كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الليل لا يسبق النهار، فلا يدخل عليه ولا يتقدَّمه بحيث تتوالى ليلتان جميعًا؛ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ، هذا هو ما يظهر لنا من هذه الآية الكريمة، وقد يكون لها معنى غير ما نفهمه من ظاهرها، ولهذا ربما يكون للذين يدرسون في علم الفَلَك يتبيَّن لهم من هذا التعبير أكثر مما تبيَّن لنا.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الشمس والقمر والليل والنهار في فَلَك -يعني في شيء مستدير كفَلَكة المغزل- وأنها تدور؛ لقوله: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.
ومن فوائدها: ضَعْف قول مَن يقول: إن الشمس في السماء الرابعة والقمر في السماء الدنيا، ويجعلون الكواكب والشمس والقمر كواكب معيَّنة في كلِّ سماءٍ كوكب على هذا الترتيب من الأعلى إلى الأدنى:
| زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ | فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ |
هذه سبعة، يكون كلُّ واحدٍ في سماء؛ (زُحَل) هو أعلاها في السماء السابعة -على كلام السابقين من علماء الفلك- (شَرَى) يعني المشترِي في السماء السادسة، (مِرِّيخه) المريخ في السماء الخامسة، (من شمسه) الشمس في السماء الرابعة، (فتزاهرتْ) الزُّهرة في السماء الثالثة، (بعطارد) في السماء الثانية، (الأقمار) القمر في السماء الدنيا، فهذا البيت فيه ترتيب هذه الكواكب:
| زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ | فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ |
(...) من كتاب الله ولا من سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن إنما نعرف أن هذه الكواكب بعضها فوق بعض بالكسوف؛ فإذا كان القمر يَكسف الشمس عرفنا أنَّه تحتها، كما نعرف أنَّ الغيم تحت الشمس لأنه يحجبها، وإذا كسف القمرُ شيئًا من النجوم عرفنا أنه -أي القمر- تحتها، ولهذا القمرُ يكسف كل النجوم، الشمس، ولا يكسفه شيءٌ منها، ما يكسفه إلا الأرض؛ لأن الأرض تحته فتحجب نور الشمس عنه، وحينئذٍ ينكسف، وقد شاهدتُ أنا وغيري أن القمر يكسف بعض النجوم، تجده يسير حولها ثم يغطيها، وهذا يدلُّ على أن القمر نازلٌ عن منزلةِ أو عن عُلوِ هذه الكواكب.
ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على قول مَن يقول: إن الشمس ثابتة وإنها لا تدور. والعجبُ أنهم يقولون: إنها ثابتةٌ وإن القمر يدور على الأرض. وهذا غلط؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحكمَ واحدًا قال: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، فإذا فسرنا السَّبْح بالدوران وأثبتنا ذلك للقمر فلنُثبته أيضًا للشمس.
عندي فيه كلمة ما شرحناها من تفسير المؤلف؛ قال: (يسيرون؛ نُزِّلوا منزلة العُقَلاء).
(نُزِّلوا) مَن؟ الشمس والقمر والليل والنهار (منزلةَ العُقَلاء)، وذلك بأنْ أتي بالواو التي هي للعُقلاء، الواو ضمير الجمع لا تأتي إلا للعُقلاء، غير العُقلاء يؤتَى لهم بنون النسوة، فغير العُقلاء إذا أردنا أن نضيف إليهم شيئًا على سبيل الجمع نأتي بنون النسوة، والعُقلاء نأتي بالواو أو بالميم فتقول مثلًا: الإبل ركبهُنَّ أربابُهنَّ، ولا تقُل: الإبل ركبهم أربابُهم؛ لأن الميم للعاقل. وتقول: الإبلُ قَدِمْنَ، أو: الإبلُ شَرِبْنَ، ولا تقول: شَرِبوا؛ لأن الواو للعاقل هنا. يَسْبَحُونَأتى بالواو التي للعاقل، يقول: إنها نزلت منزلة العاقل بإضافة السَّبْح والجريان إليها، والجريانُ إنما يكون من ذي الإرادة والعقل.
***
ثم قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ(وفي قراءة {ذُرِّيَّاتِهِمْ} أي: آباءَهم الأُصُول فِي الْفُلْكِأي سفينة نوح الْمَشْحُونِ [يس: ٤١] المملوء، وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِأي: مثْل فُلْك نوحٍ، وهو ما عملوه على شكله من السُّفُن الصغار والكبار بتعليم الله عز وجل مَا يَرْكَبُونَ [يس: ٤٢]).
آيَةٌ لَهُمْأي: للناس جميعًا. على أيِّ شيء؟ يقول المؤلف: (على قدرتنا)، ونحن نُسَلِّم بذلك، لكن فيه أيضًا آيةٌ على شيءٍ آخَر وهو رحمة الله عز وجل بالخلْق ونِعَمه عليهم، فآيةٌ لنا دالَّةٌ على قدرة الله ورحمته وفَضْله علينا، هذا الفُلْك الذي سخَّره الله عز وجل يجري في البحر، يحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، ويحمل الناس، ويحمل المواشي، ويحمل كل ما فيه مصلحتُنا، فهذا من الآيات الدالَّة على قدرة الربِّ عز وجل وعلى رحمته.
وقوله: أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْهذه الجملة في تأويل مصدر، هي المبتدأ؛ يعني: وآيةٌ لهم حَمْلُنا ذُرِّيَّتهم.
ذُرِّيَّتَهُمْو{ذُرِّيَّاتِهِمْ} قال المؤلف: (أي: آباءَهم الأُصُول)، فجعل المراد بالذرية هنا الأصول؛ يعني الآباء، مع أن المعروف في اللغة العربية أن الذرية هم الفروع وليسوا الآباء؛ كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد: ٢٦]، والمؤلف ومَن ذهب مذهبه في تفسير الآية يقول: إنَّ الذرية لفظٌ مشترك بين الأصول والفروع؛ لأنها مأخوذةٌ من (ذَرَأَ)، والذَّرْء كائنٌ للأصول والفروع، ثم يقولون أيضًا: إن سياق الآية يدلُّ على ذلك؛ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِذُرِّيَّتَهُمْالصغار الموجودون معهم إذا حُمِلوا فسيُحمَلون معهم هم، وإن كان المراد بالذرية مَن يأتي فيما بعدُ فكيف يكون ذلك آيةً وهي غير مشهودةٍ لهم؟! إذَن يتعيَّن أن يكون المراد بالذرية الأصول؛ لأن الصغار المشهودين حَمْلُهم حَمْلٌ لآبائهم؛ لأن الغالب أنهم لا يُحمَلون إلا مع آبائهم، والصغار غير المشهودين الذين يأتون فيما بعدُ لا يكونون آيةً لِمَن أيش؟ لِمَن لم يشاهدها، فتعيَّن أن يكون المراد بالذرية الآباء.
وهذا الذي ذهب إليه المؤلف يوافق ظاهر الآية، لكنه يخالف ما كان معهودًا في اللغة العربية من أن الذرية هم الفروع، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنَّ المراد بالضمير هنا الجنس لا العين، والمعنى: ذُرِّيَّتَهُمْأي: ذرية جنسهم كنوحٍ مثلًا؛ نوح عليه الصلاة والسلام من جنسنا، آدَمِيٌّ، بَشَرٌ، فحمل الله ذريته في الفُلك المشحون، قالوا: وهذا لا يمتنع في اللغة العربية؛ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [المؤمنون: ١٢، ١٣]، جَعَلْنَاهُأي: جنس الإنسان وليس عينه؛ لأن الذي جُعِل نطفةً هل هو آدم الذي خُلِقَ من السلالة أو غيره؟ غيره بلا شك، إذَنْ فالضمير عاد إلى آدم باعتبار الجنس فليَعُد الضمير في قوله: ذُرِّيَّتهمْإلى الموجودين باعتبار أيش؟ باعتبار الجنس.
فمَن هو الجنس؟ قالوا: هو نوح؛ لأنه بَشَر آدمي، وذُرِّيته هي المحمولة، فيكون معنى أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْأي: ذرية جنسهم وهو نوح عليه الصلاة والسلام، حُمِلت ذريته في الفُلك المشحون، وخُلِق لهم من مثله ما يركبون، وهذا قريبٌ جدًّا ولا يخالف ظاهر الآية، ويشير إلى أن هذه السفينة جُعِلت آيةً لِمَن بعد نوحٍ يعتبرون بها ويصنعون منها؛ قوله تعالى في سورة القمر: وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٥].
فيه رأي ثالث إن شاء الله نتكلم عليه غدًا نعم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا ما هو بصحيح، إي نعم، هذا ليس بصحيح، الذين قالوا: إن الكسوف والخسوف يقع في كل وقتٍ والله على كل شيء قدير، نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الله تعالى أجرَى العادةَ ألَّا كسوف للشمس إلا في ليالي الاستسرار في آخِر الشهر، وألَّا خسوف للقمر إلا في ليالي الإبدار، ويكون قول مَن قال من الأئمة: إذا وقع الكسوفُ في عرفة بعد أن غربت الشمس، إذا وقع فإنه يصلي ثم يدفع، يقال: هذا أمرٌ فرضي وليس بواقع، ولا يمكن أن يقع هذا.
طالب: يحتجُّون بأن الشمس كسفت في يوم موت الحسين وقد مات في العاشر من المحرم.
الشيخ: الحسين؟
طالب: نعم.
الشيخ: هذا ما هو بصحيح، إمَّا أن الكسوف غير صحيح أو التاريخ غير صحيح، ويحتجُّون أيضًا بأنها كسفت يوم مات إبراهيم، هذا صحيح، كسفت يوم مات إبراهيم، هم يقولون إن إبراهيم مات في عاشر ربيع الأول. وهذا غير صحيح أيضًا، والصحيح أنها كسفت الشمس في تسع وعشرين شوال، وعلى هذا فلا إشكال في الموضوع، إي نعم، هذا غير ممكن؛ لأن هذا سُنَّة مطَّردة ما يمكن تختلف إلا أن تكون آية، إذا كانت آية لا بأس؛ مثل انشقاق القمر، ولهذا نحن نُقِرُّ بأن القمر قد انشقَّ حقيقةً خلافًا لبعض المعاصرين أيضًا الذين أنكروا انشقاق القمر وقالوا: إن القمر من الأفلاك السماوية ولا يمكن أن تتغير أبدًا، وإن المراد بانشقاق القمر ظهور رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ بمعنى اتِّضاح القمر؛ أي: نور الرسالة، ويستدلُّون أيضًا بأن هذه الحادثة لو كانت حقيقةً لكانت مشهورةً عالميًّا في التاريخ، يعني ما هي بالأمر الهيِّن أن ينشق القمر ولا يعلم الناسُ به إلا أهل مكة أو مَن حولهم، وكل هذا تعليلات عليلة باطلة؛ لأن انشقاق القمر مما هو مشهور بل متواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن دلَّ عليه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا [القمر: ١، ٢]، وكونه لم يشتهر عالميًّا في التاريخ ليس هذا بمانع من وجوده حقيقة؛ لأنه قد يكون صادف في النهار -هذا على مَن حولهم- ثم قد يكون هناك غيوم وموانع تمنع، ثم قد يكون بالليل وهم نائمون، المهم أن هناك موانع، ثم انشقاقه أيضًا ليس هو انشقَّ كلَّ الليل، انشقَّ حتى أراهم النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية ثم التأم، وهذا قد لا يكون إلا خلال خمس دقائق أو نحوها.
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ. قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَاأين المبتدأ في هذه الآية؟
طالب: المصدر المؤول.
الشيخ: المصدر المؤول، ما التقدير؟
طالب: حَمْلُهم.
الشيخ: (...) للفروع فإنا نقول: المراد بالذرية هنا ذرية نوح، وأُضيفت إلى هؤلاء باعتبار الجنس؛ يعني: حمَلنا الذريةَ من جنسهم في الفُلك المشحون، وذكرنا لهذا نظيرًا وهو قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً [المؤمنون: ١٢، ١٣]، ما هو جعلْنا الإنسان اللي خُلِق من السلالة؛ لأن الإنسان الذي خُلِق من السلالة هو آدم، ولا يمكن يكون نطفةً في قرارٍ مكينٍ، وإنما الذي يكون نطفةً في قرارٍ مكينٍ ما كان من جنسه، هذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس ولا يأباه السياق.
قوله تعالى: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِهذا مبتدأ الدرس الآن، (فِي الْفُلْكِأي: سفينة نوح) فـ(أل) هنا للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق لها ذكر، وليست للاستغراق؛ لأن المراد بها فُلْكٌ واحدٌ، فتكون (أل) هنا للعهد أيش؟ الذهني؛ يعني في الفُلك المعهود في أذهانكم، وهو الذي قال الله تعالى لنوح: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا [المؤمنون: ٢٧]، والفُلك كما مرَّ علينا يُطلق على الجمع ويُطلق على المفرد؛ فمِن إطلاقه على المفرد كهذه الآية، وعلى الجمع مثل قوله تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: ٢٢]، جَرَيْنَأي: الفُلك، وهذا الضمير ضمير جَمْع ولا يعود على المفرد، ولهذا قال بعض الفقهاء رحمهم الله: إن الأحدب الذي حدبته كالركوع ينوي الركوع، قال: وهذا كـ(فُلْك) في العربية لا يُدرى هل هو جمعٌ ولَّا مفرد إلا بالنية، فالأحدب المقوَّس الظَّهر، كيف يركع بالنيَّة؟ ينوي الركوع؛ لأنه ما زال راكعًا أحدب.
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ(أي: سفينة نوح الْمَشْحُونِأي: المملوء)، مملوء بمن؟ مملوء بأُناسٍ من البشر الذين آمنوا مع نوح، وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠]، مملوء ببقية الحيوانات؛ لأن الله قال: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود: ٤٠].
وقوله: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ(أي: مِثْل فُلْك نوح، وهو ما عَمِلوه على شكله من السُّفُن الصغار والكبار)، يذكِّرهم الله عز وجل، أولًا: بحمل آبائهم السابقين اللي هم ذرية نوح، وثانيًا: بأن الله تعالى خَلَق لهم من مثل هذه الفُلك ما يركبون؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٥]، فالناس تعلَّموا كيف يصنعون السفن وصاروا يصنعون مثل هذه السفينة، ولعل قوله تعالى في سورة القمر: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر: ١٣] فيها الإشارة إلى مواد هذه السفينة أو هذا الفُلك لأجل أن يتعلم الناسُ؛ لأنه لم يقُل: حملناه على فُلك، بل قال: عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، كأنه يقول: إن هذا الفُلك مصنوعٌ من الألواح والمسامير حتى يتعلم الناسُ موادَّ هذا الفُلك.
ثم قال عز وجل: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس: ٤٢] مِنْ مِثْلِهِالمراد بالمثل هنا الجنس، وليس المراد المماثلة من كل وجْه؛ وذلك لأن المماثلة من كل وجه قد تكون متعذِّرة، لكن يكفي الجنس، أمَّا النوع فيختلف باختلاف الأعصار، فلكُلِّ عصرٍ نوع سُفُنه، وما زالت تترقَّى السفن في البحار إلى أن وصلتْ إلى ما وصلتْ إليه في عهدنا الحاضر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بتعليم الله تعالى). إشارة إلى سؤالٍ مقدَّر؛ كأنه قال: كيف قال الله تعالى: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ، وهذه السفن مصنوعةٌ بأيدي البشر، وليستْ بخلق الله كخلق البعيرِ التي تُركب والفرسِ وشبهها؟ فأجاب المؤلف بأن الله تعالى أضاف خَلْقَها إليه لأنها كانت بتعليمه.
في هذه الآية من الفوائد:
أولًا: بيان ما في إنقاذ البشرية من الغرق في زمان نوح؛ فإنه لولا أن الله أبقى هؤلاء لزالتْ البشرية من الأرض، لكن الله تعالى أبقى نوحًا ومَن معه، ومع هذا فلمْ يَبْقَ من نَسْل الذين معه أحد، وإنما الذين بقوا هم نَسْل نوح فقط كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧]، أمَّا غيرهم فلم يَبْقَ منهم أحد، ولهذا يسمَّى نوحٌ أبا البشر الثاني.
ثانيًا من فوائد هذه الآية: بيان نعمة الله عز وجل بما أنعم على هؤلاء بتعليم السفن التي يركبونها في البحر، ولولا هذه السفن ما استطاع أحدٌ أن يعبر من يابسةٍ إلى أخرى بينهما ماء، ولكن الله أعلمهم بصناعة هذه حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن السفينة التي كان فيها نوح كانت مملوءةً من البشر وغيره؛ لقوله: الْمَشْحُونِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المماثَلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجه؛ لقوله: مِنْ مِثْلِهِ، وليست هذه السفن الموجودة والتي كانت في عهد نزول القرآن ليست كمثل سفينة نوح من كل وجه، ويدلُّ على أن المماثلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجهٍ قولُه تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]؛ فإنَّ المراد بالمماثلة هنا المماثلة في العدد فقط، وإلا فإن بين الأرض والسماء من الفروق العظيمة ما هو ظاهر.
وفي قوله: مَا يَرْكَبُونَإشارةٌ إلى الراحة الحاصلة بهذه السفن، وأنَّ محلَّ الركوب للاستقرار، ففيها أيضًا: بيان نعمةٍ من الله سبحانه وتعالى باستقرار الراكبين على هذه السفن.
***
ثم قال تعالى: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [يس: ٤٣، ٤٤].
في الآية جملة شرطية، فِعْل الشرط فيها نَشَأْ، وجوابه نُغْرِقْهُمْ، وفيها أيضًا استثناء مُفرغ من أعمِّ الأحوال، وهو قوله: إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا، وهي مفعول من أجْله؛ أي: إلا لأجْل الرحمة التي من الله عز وجل.
يقول الله عز وجل: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْيعني إذا ركبوا في السفن، والأمر كذلك، قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٢ - ٣٤]، فحذَّر الله عز وجل من أمرينِ في هذه السفن: إمَّا إسكان الريح فتبقى راكدةً على ظهرها، وإمَّا إغراقها.
وهنا يقول: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْوهم في سفنهم فَلَا صَرِيخَ لَهُمْالصريخ بمعنى المغيث، وسُمِّي المغيثُ صريخًا لأن العادة أن الإنسان إذا هاجمه أحدٌ صرخ يستغيث، ومنه حديث غزوة بدر أنَّ أبا سفيان بعث صارخًا إلى أهل مكة يستغيثهم .
قال: وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ(ينجون) أي: لا أحد يُغيثهم ولا أحد يُنقذهم إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يُغرقهم.
إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍأي: لا ينجيهم أحدٌ إلا رحمة الله عز وجل، والاستثناء هنا قيل: إنه منقطع؛ لأن قوله: وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّابمعنى: لكنْ رحمةً منَّا ينجون ويُنقذون.
وقوله: وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍأي إنهم يُمَتَّعون إلى حين أجَلِهم؛ لأن الله تعالى قد جعل لكل شيءٍ قدرًا، (أي: لا يُنجيهم إلا رحمتُنا لهم وتمتيعُنا إيَّاهم بلذَّاتهم إلى انقضاء آجالهم).
في الآية الكريمة فوائد:
منها: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ.
ومنها: أن الله إذا أراد بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له؛ لقوله: فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ.
ومنها: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى بإنجائهم من الغرق، وأنَّ نجاتهم من الغرق ليست بكسبهم وعَمَلِهم، ولكنها من رحمة الله عز وجل.
ومنها: أن الله تعالى قد يُنقذ الإنسانَ من الهلاك إلى أن يأتي أجَلُه؛ لقوله: وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ.
ومنها: أن الخلود في هذه الدنيا متعذِّر ومستحيل؛ لقوله: إِلَى حِينٍ، وما كان له غايةٌ فلا بدَّ أن ينقضي.
ومنها: أنه يجب على الإنسان أن ينظر إلى نِعَم الله تعالى بالإنقاذ من الشدائد أو بحصول المحبوب، أن ينظر إلى النِّعَم على أنها فضلٌ من الله عز وجل ليست بكسبه، ولكنها من الله؛ لقوله: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ.
***
ثم قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ [يس: ٤٥] من عذاب همِّ الدنيا) عندي، ما فيه (هَمِّ) عندكم؟
طالب: (...).
الشيخ: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْمن عذاب الدنيا) لأن الهمَّ ما هو العذاب فقط (من عذاب الدنيا كغيرهم وَمَا خَلْفَكُمْمن عذاب الآخرة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [يس: ٤٥] أعرَضوا).
قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُالجملة هذه شرطية، فِعْل الشرط فيها قِيلَ، وجوابه محذوفٌ قدَّره المؤلف بقوله: (أعرَضوا)، وهذا التقدير لا شكَّ أنه التماسٌ من المؤلف، وإلا فقد يكون الأمر أوسع مما قال المؤلف، وحذفُ مِثْل هذا فيه من البلاغة أنَّ الذهن يقدِّر كلَّ ما يمكن أن يقدِّره مما يترتب على هذا القول، هذا من جهة، من جهةٍ أخرى أنَّ الناس إذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خَلْفكم، تختلف إجاباتُهم؛ منهم مَن يُعرِض ويسكت، ومنهم مَن يستكبر ويسبُّ، ومنهم مَن يقاتل ... إلى غير ذلك من الأمور التي لا تخفى، فكان في حذف هذا من البلاغة ما هو ظاهرٌ ليذهب الذهنُ كلَّ مذهبٍ في تقدير هذا المحذوف.
قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْمَن القائل؟ القائل هنا مُبهَم؛ لأن الفعل مبني للمجهول ليشمل أيَّ واحدٍ يقول لهم هذا القول؛ سواءٌ كان من قول الله عز وجل في كتابه، أو كان من قول الرسول عليه الصلاة والسلام في سُنَّته، أو كان من قول الدُّعاة بعد ذلك، فهؤلاء الكفار إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ، (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْمن عذاب الدنيا)، فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد يعذِّب الكافر في الدنيا كما عذَّبَ الأُمَمَ السابقةَ وكما عذَّب هذه الأُمَّة أيضًا، لكن عذاب هذه الأُمَّة يكون بابتلاء بعضهم ببعض؛ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد: ٤]، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [الدخان: ١٦] كانت هذه في غزوة بدر حين قُتِل صناديدُ قريش فسمَّاها الله تعالى بطشةً كبرى، أمَّا الأُمَم السابقة فعقوباتهم معروفة، فهنا اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْمن عذاب الدنيا، العذاب المتنوِّع، سواءٌ كان بأيدي المؤمنين، أو كان من فِعْل الله عز وجل كالقحط والزلازل والغرق وغير ذلك، وَمَا خَلْفَكُمْمن أمْر الآخرة، وعذابُ الآخرة أشقُّ وأشدُّ وأبقى.
وهُنا قال: مَا خَلْفَكُمْقد يقول قائل: لو كان الأمر بالعكس لكان أقربَ إلى الصواب؛ يقول: مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْمن عذاب الآخرة؛ لأنه مستقبل، وَمَا خَلْفَكُمْمن عذاب الدنيا؛ لأن الدنيا هي التي يُخَلِّفها الإنسانُ وراءه.
ولكن يُجاب عن هذا بأنَّ الذي بين أيديهم حقيقةً هو الدنيا، وأمَّا ما خلفهم فإن الخلف والوراء قد يُطلق بمعنى الأمام، ومنه قوله تعالى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩]، قال العلماء معناه: أمامهم، وكقوله تعالى: وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] أي: أمامه.
وقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(لعلَّ) هنا للتعليل؛ أي: لأجْل أن يرحمكم الله عز وجل، إذا قيل لهم هذا الشيء، فجمع لهم بين الترغيب والترهيب؛ الترغيب في قوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، والترهيب في قوله: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ، هؤلاء جمع لهم بين الترغيب والترهيب، ومع ذلك لا يستجيبون، بل يُعرِضون ويستكبرون ويسخرون ويقولون: هذا أساطير الأولين، وما أشبه ذلك مما هو معروفٌ عن هؤلاء إذا دُعُوا إلى الله.
في هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار قد أُقيمت عليهم الحجة وبَلَغتهم الدعوةُ ووُعِظوا، ولكن لم ينفعهم ذلك؛ لقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ.
ومن فوائدها: أن الإنسان إذا أعرضَ عن دين الله واستكبر كان عُرضةً للعذاب؛ إمَّا في الدنيا، أو في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة؛ لقوله: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ.
ومن فوائدها: أن الإقبالَ إلى الله عز وجل واجتنابَ معصيته سببٌ للرحمة؛ لقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: لَعَلَّكُمْ؛ فإن (لعلَّ) هذه للتعليل، ولا أحد يُنكر أن للأسباب تأثيرًا إلا مَن صُرِف عن مقتضى الفطرة، والناسُ اختلفوا في الأسباب والعلل على ثلاثة أقوال:
فمنهم من قال: إن الأسباب والعلل مؤثِّرة بذاتها، وإنه لا بد لكل سببٍ من تأثيره في مسبَّبه، ولا بد في كلِّ علَّة من تأثيرها في معلولها.
ومنهم من قال بالعكس وقال: إنه لا تأثير للعلل والأسباب، وإنما هي علاماتٌ وأماراتٌ فقط، فإذا وُجِد المسبَّب أو المعلول لم يقولوا: إنَّ ذلك من أجْل السبب أو العِلَّة، ولكن يقولون: إنَّ ذلك حصل عنده لا به. ولا ريب أن هؤلاء خالفوا المنقول والمعقول، ولا أحد يوافقهم على ما ذهبوا إليه.
والقول الثالث الوسط: يقولون: إن للأسباب والعلل تأثيرًا في معلولاتها ومسبَّباتها لكنْ بجعل الله ذلك فيها، فهي ليست مؤثِّرة بنفسها، بل بما أَوْدعه الله تعالى فيها من الأمر الموجِب للمسبَّب أو للمعلول، وهذا القول هو المتعين وهو الصواب؛ بدليل أن الله تعالى قد يسلب هذه العلَّة أو هذا السبب قد يسلبه التأثيرَ ولا يبقى له تأثير إطلاقًا، وما قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بغريبةٍ حيث أُلقِيَ في نارٍ تتأجَّج، فقال الله لهذه النار: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا، مع أنها هي سببٌ للإحراق، ولكنَّها صارت بردًا وسلامًا على إبراهيم، وهذا يدلُّ على أن الأسباب والعلل إنما تؤثِّر بماذا؟ بإرادة الله عز وجل، وجعل هذه العلَّة أو السبب مؤثِّرًا.
ومن فوائد الآية هذه والتي قبلها أيضًا: إثبات الرحمة لله عز وجل، وهي من صفاته الذاتية الفعلية؛ الذاتية لأن الله لم يَزَل رحيمًا بعباده ولا يزال، الفعلية باعتبار تعلُّقها بالمرحوم، فإنها تتجدَّد باعتبار المرحوم لا باعتبار أنها صفةٌ من صفات الله، فهذا الذي رحمه الله من البَشَر حادثٌ بعد أن لم يكن فتعلَّقت به الرحمة، ولا يخفى عليكم ما ذهب إليه الأشاعرة من إنكارهم الرحمةَ على وجه الحقيقة وادِّعائهم أنه يُراد بها الإحسانُ أو إرادةُ الإحسان، ففسَّروها بالإرادة لأنهم يُثبتون لله الإرادة، أو بالإحسان لأنه مخلوقٌ منفصلٌ ليس من صفات الله، وهذا بلا شك قولٌ باطلٌ وضعيفٌ، وقد مرَّ علينا بيانُ تعليلهم لإنكاره والرد عليهم، قالوا: إن الرحمة تقتضي أيش؟ رِقَّةً ولينًا وضعفًا، وهذا لا يليق بالله عز وجل، وقالوا أيضًا: إن الرحمة لا يدلُّ عليها العقل، ونحن لا نُثبت من الصفات إلا ما دلَّ عليه العقل، وقد بيَّنَّا أن هذا القول ليس بصواب:
أولًا: أن الرحمة قد تقع من إنسانٍ قويٍّ وذي سلطان ويوصَف بالرحمة، حتى من البَشَر.
وثانيًا: ادِّعاؤهم أن العقل لا يدلُّ عليها باطلٌ؛ فإن العقل يدلُّ عليها أكثر دلالةً وأوضح دلالةً من دلالة التخصيص على الإرادة، وقد مرَّ علينا هذا كثيرًا.
قال الله تعالى (...) رأيٌ ثالثٌ نذكره، وهو أن المراد بما بين أيديهم: المعاصي التي في مستقبلهم ويُخشى أن يفعلوها، وما خلفهم: المعاصي الماضية، فيجعل المراد بما بين أيديهم وما خلفهم من الأعمال لا من عذاب الله، وسبق أنا قُلنا: إن الآية إذا كانت تحتمل المعاني المقولة فيها بدون تعارضٍ فإنها تُحمَل على الجميع.
***
قال الله عز وجل: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [يس: ٤٦] أيضًا سبق لنا الكلام على الآية هذه؟
طيب، قال الله تعالى: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْالضمير هنا يعود على المكذِّبين للرسل، يقول الله عز وجل: مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ، ومِنْهنا زائدةٌ لفظًا لكنَّها تزيد في المعنى، فهي زائدةٌ في اللفظ وزائدةٌ للمعنى؛ أي: تعطيه معنًى جديدًا، ما هو المعنى الجديد؟ المعنى الجديد تأكيدُ النفي والتنصيصُ على عمومه؛ أي: أيُّ آيةٍ تأتيهم فإنهم لا يقبلونها، بل يُعرضون عنها ويستكبرون.
والآيات التي تأتي من الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: آيات كونيَّة، وآيات شرعيَّة.
فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، والإعراضُ عنها يكون بالتكذيب والاستكبار؛ التكذيب بالأخبار، والاستكبار عن الأحكام.
وأمَّا الآيات الكونية فالإعراضُ عنها ألَّا يهتمَّ الإنسانُ بها، وألَّا تُحرِّك منه ساكنًا، وألَّا يَوْجَل منها قلبُه، وأن يقول كالذين رأوا العذابَ ينزل من السماء وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور: ٤٤]، أو كالذين يقولون: إن الكسوف ليس أمرًا مخيفًا لأنَّه شيءٌ طبيعيٌّ ولا ينبغي أن يُخيف -نسأل الله العافية- أو كالذين يرون الزلازلَ والغرقَ والدمارَ من الرياح العاتية وغيرها ثم يقولون: هذا أمرٌ طبيعيٌّ لا يحرِّك له ساكنًا. ولا ريب أن هذا يدلُّ على قسوة القلوب وموتها، وإلا فإن الواجب على الإنسان أن يتَّعظ بهذه الآيات، فالإعراضُ عن الآيات الكونية معناه أيش؟ عَدَمُ المبالاةِ بها، وعَدَمُ الاكتراثِ بها، وألَّا تحرِّكَ من الإنسان ساكنًا ولا تهزَّ له عاطفة، هذا الإعراض عن الآيات الكونية، فيقول الله عز وجل: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَيعني: إلا قابلوها بالإعراض، ولا يتأمَّلونها، ولا يفكرون فيها، فإذا جاءت الآيات الشرعية بخبر كذَّبوها على طول وقالوا: هذا كَذِبٌ، هذا سِحْرٌ، هذا شِعْرٌ، وإذا جاءت الأحكام الشرعية استكبروا عنها ولم يُذعِنوا لها ولم ينقادوا لها بدون أن يتأمَّلوا فيها وما فيها من المصالح، وكذلك في الآيات الكونية لا يكترثون بها ولا يهتمُّون؛ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ.
ففي هذه الآية: دليلٌ على أن الله عز وجل يَذْكر أو يبيِّن لعباده من الآيات ما يؤمن على مِثْله البَشَر؛ وجْه ذلك أنَّه لولا هذا لم يكن في الآيات فائدة.
ومن فوائدها: أن بني آدم قد يَعْتون عن الآيات فيُعرِضون عنها بدون نظر، والواجب على الإنسان أن ينظر أولًا ثم يحكم ثانيًا، ولهذا يقال: الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره، فأنت انظر أولًا في الآيات، شوف هل هي آيات مُقْنعة موجِبة للصلاح؟ فلتكنْ صالحًا بها، هل هي لا تنفع؟ فحينئذٍ تُعذَر بالإعراض عنها.
ومن فوائد هذه الآية: بيان قسوة قلوب هؤلاء؛ فإنهم لم يَقْبلوا آيةً من الآيات، دليله: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامَّة؛ لقوله: مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ، فأثبت الله تعالى أنَّه ربُّ هؤلاء، وهو سبحانه وتعالى ربُّ كلِّ شيء؛ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ [النمل: ٩١]، كلُّ شيءٍ فالله ربُّه، حتى الكفار، لكن نقول: أحيانًا تكون الربوبيَّة خاصَّةً؛ أي إنه يُراد بها ربوبيةٌ خاصةٌ فيها مزيدُ عنايةٍ واعتناءٍ مثل قوله تعالى: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢٢]، فإن هذه الربوبية غير الربوبية العامة.
ومن فوائد الآية الكريمة: تقبيح حال هؤلاء والتحذير من فِعْلهم؛ لقوله: إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ، مع أنها جاءت مِمَّن؟ من ربِّهم الذي هو مالكُهم وخالقُهم وأمْرُهم إليه، ومع ذلك يُعرِضون.
***
قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يس: ٤٧]
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْقال المؤلف: (أي: قال فقراء الصحابة أَنْفِقُواعلينا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُمن الأموال). هكذا سار المؤلف في تفسير الآية فجَعَل القائلَ هم الفقراء، وعلى هذا فتكون الآية في سؤال الفقراء من الأغنياء أن يُنفقوا؛ يعني: إذا جاء الفقراء يسألون الأغنياء أن يُنفقوا تَهَكَّموا بهم وقالوا: كيف نطعمكم والله تعالى لم يشأْ أن نطعمكم؟! ولو شاء أن نطعمكم لأعطيناكم بدون سؤال. هذا توجيه الآية على ما مشى عليه المؤلف.
ولكن الذي ينبغي أنْ نجعل الآية عامَّة؛ لأنه أُبهِمَ فيها الفاعل، وإبهام الفاعل في بعض الأحيان يُراد به التعميم؛ فـإِذَا قِيلَ لَهُمْأي: إذا قال لهم أحدٌ من الناس، سواءٌ كانوا الفقراء يسألونهم الإنفاقَ أو كانوا الأغنياء يحثُّونهم على الإنفاق؛ لأن الأغنياء من الصحابة -مَثَلًا- يُنفقون، فيحثُّون الأغنياءَ من الكفار على أن يُنفقوا أيضًا، فالصواب أن نُبقي الآية على إبهامها ليكون أعمَّ.
وقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُالإنفاق بمعنى البَذْل والإعطاء، وقوله: مِمَّا رَزَقَكُمُأي: مما أعطاكم الله، وفي قولهم: أنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُدون قولهم: أنفِقُوا من أموالكم، فيه تنبيهٌ على أن هذا الذي بين أيديكم ليس من كَسْبكم في الواقع ولكنَّه من رِزْق الله، فكان عليكم أن تنفقوا من هذا الذي رَزَقكم الله لأنَّ الله يأمركم به، فالذي أَمَركم بالإنفاق هو الذي أعطاكم هذا المالَ، فكيف تنكرون فضْلَه وتستكبرون عن أَمْره فلا تنفقون؟! فهذا هو الفائدة في قوله: مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.
الجواب: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ، قوله: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوااللام هذه الأصحُّ أنها على بابها وأنَّ المراد بها الصِّلة؛ يعني: قالوا قولًا يَصِل للذين آمنوا. مَن الذين آمنوا؟ هم الذين قالوا لهم: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ.
قالوا؛ قال المؤلف: (استهزاءً بهم). يحتمل ما ذكر المؤلفُ أنَّه استهزاء، ويحتمل أنَّه من باب الاحتجاج بالقَدَر عنادًا وتحجُّجًا.
يقول: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ، مَنْهنا بمعنى الذي، ويجوز أن تكون نكرةً موصوفةً؛ أي: أنطعم أحدًا لو يشاء الله أطعمه مِن دوننا، أو: أنطعم الذي لو يشاء الله أطعمه. ولَوْهنا حرف امتناع لامتناع، وشرطُها قوله: يَشَاءُ، وجوابها أَطْعَمَهُ، وقد أتتْ على خلاف الأكثر حيث حُذِفت اللام من الجواب، والأصل: مَن لو يشاء الله لَأَطْعَمه، فإن جواب (لو) إذا كان مثبَتًا فالأكثر فيه إثبات اللام، وقد تُحذف اللام، وقد اجتمع الأمْران في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥] ثم قال: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]، فأتت اللام في جواب لَوْفي الآية السابقة وحُذفت من الآية الثانية، هذه الآية التي معنا من باب المحذوف اللام أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ.
قال المؤلف: إنهم يقولون ذلك استهزاءً وتهكُّمًا؛ يعني: أنطعم قومًا لو شاء الله لَأطعمهم، فإطعامهم إلينا ولَّا إلى الله؟ إلى الله.
ويحتمل أنه من باب أيش؟ الاحتجاج بالقَدَر فرارًا من اللَّوم؛ يعني: أنطعم قومًا لو يشاء الله أطعمهم فأطعمناهم، ولكن الله تعالى لم يشأْ أن نطعمهم فلا نطعمهم. هذان وجهان.
الوجه الثالث: يحتمل أنهم قالوا هذا اعتراضًا على القَدَر كما يقوله الاشتراكيُّون والشيوعيُّون: ليش إن الله يجعل هذا فقيرًا ولا يعطيه؟! كأنهم في جوابهم هذا يعترضون على الله، يقولون: الذي يطعمهم مَن؟ الله، ما هو إحنا المسؤولون عنهم، المسؤول عنهم الله، وكان على الله أن يطعمهم لكنْ لم يشأْ ذلك، فيكون هذا فيه نوع من الاعتراض على القدر، فهذه ثلاثة أوجُه: الاستهزاء، والثاني: الاحتجاج بالقَدَر، والثالث: الاعتراض على القدر.
ثم قالوا: إِنْ أَنْتُمْأي: (ما أنتم في قولكم لنا ذلك مع معتقَدكم هذا إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍبيِّن). يعني هؤلاء الكفار الذين أُمِروا أن ينفقوا على الفقراء يقولون للذي أمرهم: أنت تعتقد أن الله لو شاء لأطعمهم؟ فيقول: نعم، أعتقد ذلك. يقولون: إذَن كيف تأمرنا أن نطعمهم والأمر بمشيئة الله؟! ما أنت إلا في ضلال مبين.
وقوله: إِنْ أَنْتُمْ، إِنْهنا نافية ولَّا شرطية؟
الطلبة: نافية.
الشيخ: بمعنى (ما)؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: ما الدليل على أنها نافية؟ لوجود (إلا) بعدها، وإذا جاءت (إلا) بعد (إنْ) فهي دليل على أنَّ (إنْ) نافية، ومرَّ علينا قبل أيامٍ قليلةٍ أنَّ (إنْ) تَرِد في اللغة العربية على أربعة أوجه:
الأول؟
طالب: تأتي زائدة.
الشيخ: طيب، ومثاله؟
الطالب: قول الشاعر:
| بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ | ............................. |
الشيخ:
| بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ | وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ |
طيب، تأتي أيضًا؟
طالب: شرطية.
الشيخ: شرطية، مثاله؟
الطالب: إنْ قام زيدٌ قمتُ.
الشيخ: ولا تأتينا بشاهدٍ من القرآن أو من السُّنة أو من كلام العرب؟
الطالب: من القرآن؟
الشيخ: نعم، إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء: ١٣٥] هذه (إنْ) الشرطية. طيب، ثالثًا؟
طالب: نافية.
الشيخ: وتأتي نافية، مثاله؟
الطالب: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يس: ٤٧].
الشيخ: طيب.
الطالب: مخفَّفة من الثقيلة.
الشيخ: مخفَّفة من الثقيلة، مثاله؟
الطالب:
| ....................... | وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ |
الشيخ: قول الشاعر:
| ....................... | وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ |
طيب، وقول المؤلف: مُبِينٍقال: أيْ (بيِّن). فهي من (أبانَ) القاصر أو من (أبانَ) المتعدي؟ (أبانَ) تأتي متعدية ولازمة؛ فيقال: (أبانَ الشيءَ) بمعنى أظهره، ويقال: (أبانَ الصبحُ) بمعنى ظَهَرَ. إذَنْ (مُبِين) من الرباعي، من: أبانَ يُبِينُ فهو مُبِين، يحتمل أن تكون بمعنى (بَيِّن) على أنها من القاصر ولَّا من المتعدي؟
طالب: القاصر.
الشيخ: من القاصر، ويحتمل في غير هذا السياق أن تكون بمعنى (أبانَ) مثل: وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر: ١]، ليس المعنى: وقرآنٍ بَيِّن، بل: وقرآنٍ مبينٍ للحقِّ.
قال المؤلف: (وللتصريح بكفرهم موقعٌ عظيمٌ). وين؟ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولم يقُل: قالوا. قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فله موقعٌ عظيم. ما هذا الموقع العظيم؟ هذا الموقع العظيم:
أولًا: التصريح بكفر هؤلاء، لو قال: قالوا. لقُلنا: لعلهم قالوا ذلك ليس بسبب الكفر ولكنْ بسبب البخل. هذه فائدة أن هذا الإظهار في موضع الإضمار في هذه الآية للتصريح بكفرهم.
الفائدة الثانية: أن مثل هذه المقالة لا تصدر إلا من كافر، فيكون الكفر عامًّا لكل مَن قال هذه المقالة.
وقد مرَّ علينا فيما سبق أن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: التصريح بالحكم على هؤلاء الذين يرجع إليهم الضمير.
والثاني: أن مَن قال..





