تفسير سورة يس - 6
عدد الزيارات 4795

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (48-49)
تفسير الآيتين (50-51)
تفسير الآيات (52-61)

أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يس: ٤٧].
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْقال المؤلف: (أي: قال فقراء الصحابة أَنْفِقُواعلينا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُمن الأموال). هكذا سار المؤلف في تفسير الآية فجَعَل القائلَ هم الفقراء، وعلى هذا فتكون الآية في سؤال الفقراء من الأغنياء أن يُنفقوا؛ يعني: إذا جاء الفقراء يسألون الأغنياء أن يُنفقوا تَهَكَّموا بهم وقالوا: كيف نطعمكم والله تعالى لم يشأْ أن نطعمكم؟! ولو شاء أن نطعمكم لأعطيناكم بدون سؤال. هذا توجيه الآية على ما مشى عليه المؤلف.
ولكن الذي ينبغي أنْ نجعل الآية عامَّة؛ لأنه أُبهِمَ فيها الفاعل، وإبهام الفاعل في بعض الأحيان يُراد به التعميم؛ فـإِذَا قِيلَ لَهُمْأي: إذا قال لهم أحدٌ من الناس، سواءٌ كانوا الفقراء يسألونهم الإنفاقَ أو كانوا الأغنياء يحثُّونهم على الإنفاق؛ لأن الأغنياء من الصحابة -مَثَلًا- يُنفقون، فيحثُّون الأغنياءَ من الكفار على أن يُنفقوا أيضًا، فالصواب أن نُبقي الآية على إبهامها ليكون أعمَّ.
وقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُالإنفاق بمعنى البَذْل والإعطاء، وقوله: مِمَّا رَزَقَكُمُأي: مما أعطاكم الله، وفي قولهم: أنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُدون قولهم: أنفِقُوا من أموالكم، فيه تنبيهٌ على أن هذا الذي بين أيديكم ليس من كَسْبكم في الواقع ولكنَّه من رِزْق الله، فكان عليكم أن تنفقوا من هذا الذي رَزَقكم الله لأنَّ الله يأمركم به، فالذي أَمَركم بالإنفاق هو الذي أعطاكم هذا المالَ، فكيف تنكرون فضْلَه وتستكبرون عن أَمْره فلا تنفقون؟! فهذا هو الفائدة في قوله: مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.
الجواب: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ، قوله: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوااللام هذه الأصحُّ أنها على بابها وأنَّ المراد بها الصِّلة؛ يعني: قالوا قولًا يَصِل للذين آمنوا. مَن الذين آمنوا؟ هم الذين قالوا لهم: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ.
قالوا؛ قال المؤلف: (استهزاءً بهم). يحتمل ما ذكر المؤلفُ أنَّه استهزاء، ويحتمل أنَّه من باب الاحتجاج بالقَدَر عنادًا وتحجُّجًا.
يقول: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ، مَنْهنا بمعنى الذي، ويجوز أن تكون نكرةً موصوفةً؛ أي: أنطعم أحدًا لو يشاء الله أطعمه مِن دوننا، أو: أنطعم الذي لو يشاء الله أطعمه. ولَوْهنا حرف امتناع لامتناع، وشرطُها قوله: يَشَاءُ، وجوابها أَطْعَمَهُ، وقد أتتْ على خلاف الأكثر حيث حُذِفت اللام من الجواب، والأصل: مَن لو يشاء الله لَأَطْعَمه، فإن جواب (لو) إذا كان مثبَتًا فالأكثر فيه إثبات اللام، وقد تُحذف اللام، وقد اجتمع الأمْران في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥] ثم قال: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]، فأتت اللام في جواب لَوْفي الآية السابقة وحُذفت من الآية الثانية، هذه الآية التي معنا من باب المحذوف اللام أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ.
قال المؤلف: إنهم يقولون ذلك استهزاءً وتهكُّمًا؛ يعني: أنطعم قومًا لو شاء الله لَأطعمهم، فإطعامهم إلينا ولَّا إلى الله؟ إلى الله.
ويحتمل أنه من باب أيش؟ الاحتجاج بالقَدَر فرارًا من اللَّوم؛ يعني: أنطعم قومًا لو يشاء الله أطعمهم فأطعمناهم، ولكن الله تعالى لم يشأْ أن نطعمهم فلا نطعمهم. هذان وجهان.
الوجه الثالث: يحتمل أنهم قالوا هذا اعتراضًا على القَدَر كما يقوله الاشتراكيُّون والشيوعيُّون: ليش إن الله يجعل هذا فقيرًا ولا يعطيه؟! كأنهم في جوابهم هذا يعترضون على الله، يقولون: الذي يطعمهم مَن؟ الله، ما هو إحنا المسؤولون عنهم، المسؤول عنهم الله، وكان على الله أن يطعمهم لكنْ لم يشأْ ذلك، فيكون هذا فيه نوع من الاعتراض على القدر، فهذه ثلاثة أوجُه: الاستهزاء، والثاني: الاحتجاج بالقَدَر، والثالث: الاعتراض على القدر.
ثم قالوا: إِنْ أَنْتُمْأي: (ما أنتم في قولكم لنا ذلك مع معتقَدكم هذا إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍبيِّن). يعني هؤلاء الكفار الذين أُمِروا أن ينفقوا على الفقراء يقولون للذي أمرهم: أنت تعتقد أن الله لو شاء لأطعمهم؟ فيقول: نعم، أعتقد ذلك. يقولون: إذَن كيف تأمرنا أن نطعمهم والأمر بمشيئة الله؟! ما أنت إلا في ضلال مبين.
وقوله: إِنْ أَنْتُمْ، إِنْهنا نافية ولَّا شرطية؟
الطلبة: نافية.
الشيخ: بمعنى (ما)؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: ما الدليل على أنها نافية؟ لوجود (إلا) بعدها، وإذا جاءت (إلا) بعد (إنْ) فهي دليل على أنَّ (إنْ) نافية، ومرَّ علينا قبل أيامٍ قليلةٍ أنَّ (إنْ) تَرِد في اللغة العربية على أربعة أوجه:
الأول (...).
وقول المؤلف: مُبِينٍقال: أيْ (بيِّن). فهي من (أبانَ) القاصر أو من (أبانَ) المتعدي؟ (أبانَ) تأتي متعدية ولازمة؛ فيقال: (أبانَ الشيءَ) بمعنى أظهره، ويقال: (أبانَ الصبحُ) بمعنى ظَهَرَ. إذَنْ (مُبِين) من الرباعي، من: أبانَ يُبِينُ فهو مُبِين، يحتمل أن تكون بمعنى (بَيِّن) على أنها من القاصر ولَّا من المتعدي؟
طالب: القاصر.
الشيخ: من القاصر، ويحتمل في غير هذا السياق أن تكون بمعنى (أبانَ) مثل: وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر: ١]، ليس المعنى: وقرآنٍ بَيِّن، بل: وقرآنٍ مبينٍ للحقِّ.
قال المؤلف: (وللتصريح بكفرهم موقعٌ عظيمٌ). وين؟ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولم يقُل: قالوا. قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فله موقعٌ عظيم. ما هذا الموقع العظيم؟ هذا الموقع العظيم:
أولًا: التصريح بكفر هؤلاء، لو قال: قالوا. لقُلنا: لعلهم قالوا ذلك ليس بسبب الكفر ولكنْ بسبب البخل. هذه فائدة أن هذا الإظهار في موضع الإضمار في هذه الآية للتصريح بكفرهم.
الفائدة الثانية: أن مثل هذه المقالة لا تصدر إلا من كافر، فيكون الكفر عامًّا لكل مَن قال هذه المقالة.
وقد مرَّ علينا فيما سبق أن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: التصريح بالحكم على هؤلاء الذين يرجع إليهم الضمير.
والثاني: أن مَن قال بمثل هذا فهو كافرٌ أو ظالِمٌ حسب السياق.
والثالث: العِلَّة، وأنَّ هذا القول سببُه كذا وكذا، حسب ما يوصف.
(...) إن اللام بمعنى (عن)؛ يعني: قال الذين كفروا عن الذين آمنوا؛ يعني: قالوا في حقِّ الذين أُمِروا بالإنفاق عليهم وهم المؤمنون: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ.
طالب: (...).
الشيخ: معناه أنها للصِّلة؛ يعني أنَّ هذا القول واصلٌ للذين قالوا؛ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُهذا القول، قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواالذين قِيل لهم، لِلَّذِينَ آمَنُواللقائلين؛ فتكون اللام للصِّلة؛ أي إنها تَصِل هذا القولَ بالقائل الذي أورد على هؤلاء قوله: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.
طالب: الاعتقاد (...) قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ(...)؟
الشيخ: لأنه يقول: إذا كنتم تعتقدون أن الأمور بيد الله فكيف تأمروننا أن نُنفق على هؤلاء؟! ولو شاء الله لَأطعمهم من دوننا، فأنتم بأمركم إيَّانا مع اعتقادكم أنَّ الأمر بيد الله يُعتبر هذا ضلالًا منكم.
(...) سبحانه وتعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُإلى آخره.
يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين كفروا يُوعظون ويُنَبَّهون، ولكنَّهم يستكبرون؛ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، فالحجة قائمة عليهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أنفق بأمر الله فلا مِنَّة له على الله؛ لأن الله تعالى هو الذي أعطاه؛ لقوله: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمتكلم الواعظ أن يبيِّن الأسباب التي تحثُّه على فِعل ما وعظ به؛ لقوله: مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُأنهم كُفَّار؛ لقوله: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
ومن فوائدها: أن البخل من صفات الكافرين؛ لقوله: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وإذا كان من صفات الكافرين فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يتَّصف به، كلُّ ما كان من صفات الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم فإن اللائق بالمسلم ألَّا يفعله؛ لأنه إذا فعله صار متشبِّهًا بالكافرين في هذه الخصلة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول كلمة الحق يريد بها الباطل؛ أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ، فنحن نؤمن بأنه لو شاء الله لَأطعم هؤلاء، لكن حِكمته عز وجل اقتضتْ أن يجعل هؤلاء فقراء وهؤلاء أغنياء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشركين يُقِرُّون بمشيئة الله وأنها نافذةٌ في كل شيء؛ لقولهم: مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ، والمشركون أو الكافرون لا ينكرون الربوبية؛ أي: لا ينكرون ربوبية الله عز وجل، بل هم يُقِرُّون بها، حتى الذين تظاهروا بإنكارها إنما ينكرونها بألسنتهم؛ لقوله تعالى عن آل فرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤]، ولقول موسى لفرعون: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء: ١٠٢]، لكن ينكرون الربوبية استكبارًا ومكابَرةً، وإلا فإن قرارة نفوسهم تشهد بها.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأساليب الدِّعائية التي يستعملها المشركون من قديم الزمان؛ حيث قالوا لهؤلاء المؤمنين أو لهؤلاء القائلين: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُقالوا لهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وهذا الوصف المشين للمؤمنين من الكافرين هذا لم يَزَل ولا يزال موجودًا إلى يومنا هذا؛ فهُم يصِفون أهل الخير بالأوصاف العديدة المنفِّرة منهم أو التي يقصدون بها استعداء الحكَّام على هؤلاء المؤمنين؛ يقولون: هؤلاء رجعيُّون، هؤلاء متخلِّفون، هؤلاء متشدِّدون، هؤلاء متزمِّتون.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، وما أشبهَ ذلك من الكلمات التي يسبُّون بها أولياءَ الله عز وجل، ونحن لا ننكر أنه يوجد في أهل الخير وأهل الدين مَن يغلو ويبالغ في عمله أو في وصْفه لغيره من التكفير والتفسيق، حتى يُكَفِّر مَن لم يُكَفِّره الله ويُفَسِّق مَن لم يُفَسِّقه الله، نحن لا ننكر أن هذا موجود، ولكن يبدو لي -والله أعلم- أن وجود مثل هؤلاء المتشدِّدين إنما جاء نتيجةً لتطرُّف الآخَرين في المعاصي والفسوق، فيريدون أن يُحْدِثوا ردَّ فعلٍ بالنسبة لهؤلاء، ولو استقامَ الناسُ كلُّهم على الدين ما حَصَل هذا التطرُّف، لكن إذا رأوا جانبًا متطرِّفًا في الفسوق والعصيان وأنَّه مستمرٌّ على ذلك ومُقَرٌّ على ذلك من بعض وُلاة الأمور حَصَل ردُّ فعلٍ مقابل لهؤلاء، فتشدَّد هؤلاء في مقابل تراخي هؤلاء، ولكن التوسُّط هو الخير، ومع هذا فإن المتوسِّطين المعتدلين لا يَسْلمون من ألْسِنة المتطرفين الضالين ولا من ألْسِنة المتطرفين الغالين؛ فالغالون مثلًا يقولون لهؤلاء المتوسطين: أنتم مفرِّطون، أنتم مُداهنون، أنتم تُقِرُّون أهلَ الشر. وأولئك يقولون -أهل الشر-: هؤلاء متشدِّدون، هؤلاء يريدون من الناس أن يكونوا على شاكلتهم وإلا فهُم كافرون. وما أشبهَ ذلك، المهم أن ألْقاب السوء التي يلقِّب بها أعداءُ الله لأولياء الله لم تَزَل موجودة ولا تزال موجودة إلى يومنا هذا، حتى أهلُ البِدَع يلقِّبون أهلَ السُّنة بألقاب السوء؛ يقولون: هؤلاء مشبِّهة إذا أثبتوا الصفات على الحقيقة، وهؤلاء حشويَّة، وهؤلاء نوابت، وما أشبهَ ذلك من الكلمات التي تستوجب النُّفورَ منهم والحطَّ والنَّيْلَ من قَدْرهم، ولكن هل هذا يضرُّ أهلَ الخير؟
لا، هو لا يضرُّهم لكن يؤذيهم، والأذيَّة غير الضرر؛ قد يتأذَّى الإنسانُ بالشيء ولكن لا يتضرَّر به، فها هو الإنسان يتأذَّى من رائحة البصل والكراث والشيء المستقذَر ومع ذلك لا يتضرَّر به، وقد أثبتَ الله لنفسه أنه يؤذَى من المنافقين وغيرهم ونفى عن نفسه التضرُّر؛ فقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [الأحزاب: ٥٧]، وقال في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ» ، وقال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي» . المهمُّ أنَّ مِثْل هذه الألقاب لا شك أنها تؤذي المؤمنين ويتأذَّون منها وتضيق بها صدورُهم، لكنها لا تضرُّهم، بل هي نافعةٌ لهم؛ لأنهم إذا صبروا عليها أُجِروا على الصبر، وإذا تأذَّوا بدون صبرٍ صارت كفارةً لهم؛ لأنه لا يُصيب المؤمنَ من همٍّ ولا أذًى ولا غمٍّ إلا كفَّر الله به عنه حتى الشوكةُ يُشاكها ، لا سيِّما وأنه يؤذَى هنا في ذات الله عز وجل، فيكون هذا مَنْقبةً له، ويكون هذا الإنسان الذي أُوذِيَ في الله قد ناله ما نال أولياءَ الله عز وجل من الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه يُبتلى الصالحون الأمْثَل فالأمْثَل ، فإذا كان فيه قوَّة في دِينه فإنه يؤذَى أكثر ليكون أَبْلغ في الامتحان، وإذا كان دِينه أقلَّ فإن الله قد يرحمه فلا يحصل له من الأذيَّة ما يحصل للآخَر، وقد يبتليه الله عز وجل؛ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج: ١١]، نسأل الله السلامة.
ومن فوائد الآية الكريمة: المبالغة من أعداء الله بما يَصِفون به أولياءَ الله؛ لقولهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، كأنهم حصروا حالهم من كلِّ وجْهٍ في أيش؟ في الضلال المبين، كأنه لا هداية فيهم إطلاقًا؛ ما أنتم إلا في ضلال، وهذا غاية ما يكون من العدوان من هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله، وهي كثيرةٌ في القرآن، ولكن كل ما ذكر الله تعالى من المشيئة فهي مقرونة أو مقيَّدة بأيش؟ بالحِكمة؛ إذْ ليست مشيئة الله مجرَّد مشيئة، بل هي مقرونةٌ بالحكمة.
طيب، القاعدة اللي ذكرنا يا أخ؟
طالب: (...).
الشيخ: أحسنت.

***

تفسير الآيتين (48-49)
00:22:31

قال الله سبحانه وتعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يس: ٤٨] يقول مَن؟ يقول الكفارُ المكذِّبون بوعد الله عز وجل، ومنه القيامة.
ومَتَىهنا استفهامُ استبعادٍ وتَحَدٍّ؛ يعني: يقولون مستبعدين هذا الأمرَ مُتَحَدِّين مَن يقوله، يقولون: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. ومَتَىهذه خبر مقدَّم، وهَذَامبتدأ مؤخَّر؛ وذلك لأن مَتَىواقعة موقع النكرة، وهَذَا الْوَعْدُمعرفة، والمعروف أن المعرفة هو المبتدأ، والخبر يكون نكرةً وقد يكون معرفةً، لكن إذا وُجد نكرة ومعرفة وأمكن أن تكون المعرفة هي المبتدأ فهي المبتدأ، لماذا؟ لأن المبتدأ محكومٌ عليه، فلا بدَّ أن يكون معرفة، والمعرفة كما تعلمون تعيِّن المدلول وتخصِّصه، فلا بدَّ أن يكون المحكوم عليه معلومًا، ولهذا قال العلماء في هذه القاعدة: إذا وُجد كلمتان إحداهما معرفة والأخرى نَكِرة وأمكنَ أن تكون المعرفة هي المبتدأ فلتكنْ هي المبتدأ، وتعليل ذلك أن المبتدأ محكومٌ عليه، فلا بدَّ أن يكون معلومًا متعيِّنًا.
يقول: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قال: (الْوَعْدُبالبعث إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). يقولون هذا أيش؟ استبعادًا وتحدِّيًا، ولهذا قال: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ؛ إن كنتم صادقين بأننا نُبعث فمتى يكون؟! ولا شك أن هذا شُبهةٌ داحضةٌ؛ لأن الذين قالوا بالبعث لم يُعَيِّنوه بيومٍ معيَّن حتى يقول: يالَّا، أعطونا البعث.
وانظر إلى حُجَّتهم في آيةٍ أخرى تكون أَبْين: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية: ٢٥]، وهل الذين قالوا: إنهم يُبعثون، قالوا: إنكم تُبعثون في الدنيا، حتى يقولوا: ائتوا بآبائنا؟ أبدًا، ما قالوا هكذا، إنما قالوا: ستُبعثون يوم القيامة، فقولهم: ائْتُوا بِآبَائِنَايعني: ابعثوهم لنا، هذا تَحَدٍّ في غير محلِّه؛ لأنهم ما قيل لهم: إنكم ستُبعثون في الدنيا، بل في يوم القيامة. هم يقولون: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَأيش الجواب؟ ذكر الله هذا في القرآن: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ [الجاثية: ٢٦]، فالوعد لم يَحِنْ وقتُه بعد، انتظروا وسوف يأتي هذا الوعد.
قال الله تعالى: مَا يَنْظُرُونَ [يس: ٤٩] هذا الجواب، أيضًا في هذه الآية أجاب، قال: (مَا يَنْظُرُونَأي: ينتظرون إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس: ٤٩] وهي نفخة إسرافيل).
(نَظَر) تُستعمل متعدِّيةً في نفسها، وإذا كانت متعدِّيةً بنفسها فهي بمعنى الانتظار؛ مثل: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس: ٤٩]، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ [فاطر: ٤٣]، ولها أمثلةٌ.
وإنْ تعدَّتْ بـ(في) صار المراد بها نَظَر الفِكْر؛ تقول: نَظَرَ في كذا؛ أي: فكَّر فيه وتأمَّلَه.
وإذا تعدَّتْ بـ(إلى) فهي النظر بالعين؛ تقول: نظرتُ إليه، ومنه قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
ما ينتظر هؤلاء (إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةًوهي نفخة إسرافيل الأُولى). صَيْحَةًيعني: يُصاح بهم، وذلك في النفخة الأُولى في الصُّور؛ لأن هذه النفخة يكون لها صوتٌ عظيمٌ مزعجٌ، يفزع الخلائق؛ قال الله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [النمل: ٨٧]، كل الخلائق تفزع إلا مَن شاء الله عز وجل، فيفزعون فزعًا شديدًا يؤدي إلى الصَّعْق، إلى الموت، وحينئذٍ تكون نفخة واحدة فيها فزعٌ وفيها صَعْقٌ.
قال الله تعالى: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْتأخذهم كما يأخذ العدوُّ عدوَّه بحيث لا تُمهلهم ولا تُنظِرهم.
({وَهُمْ يَخَصِّمُونَ} بالتشديد، أصلُه (يختصمون)، نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء وأُدغِمت في الصاد؛ أي: وهم في غفلةٍ عنها بتخاصُمٍ وتَبايُعٍ وأكْلٍ وشُربٍ وغير ذلك).
أصل {يَخَصِّمُونَ} أصله (يختصمون) يقول المؤلف: (نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء)، والخاء في الأصل ساكنة، فصارت {يَخَصِّمُونَ}، نعم، وهذا إحدى القراءات. بالفتح {يَخَصِّمُونَ}؛ لأنه قال: (نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء)، والتاء مفتوحة، ولم يذكر شيئًا آخَر.
والقراءة التي في المصحف: يَخِصِّمُونَ، وكأنها كُسرت الخاءُ مراعاةً لكسر الصاد؛ يَخِصِّمُونَ.
فيها القراءة الثالثة: {يَخْصِمُونَ} كـ(يَضْرِبون)، فتكون القراءات الآن ثلاثًا.
طالب: (...).
الشيخ: ذكر {يَخْصِمُونَ}.
طلبة: (...).
الشيخ: إي، لكن الله يهديكم هذه {يَخْصِمُونَ}، عندنا ثلاث قراءات الآن، هو ذكر قراءتين فقط.
طالب: (...).
الشيخ: سبحان الله العظيم! ليتكم ما تستعجلون بس، فيه قراءتان فقط عندي، ومعكم الجمل، أيش يقول؟
طالب: قوله: {يَخَصِّمُونَ} بفتح الياء، مضارع (خَصَّم) -كعَلَّمَ- وأصله (اخْتَصمَ) فنُقلت حركة التاء إلى الخاء، ثم قُلبت –أي التاءُ- صادًا وأُدغمت في الصاد، وحُذفت همزة الوصل للاستغناء عنها بتحريك الخاء، فوقع الإعلال في الماضي كما وقع في مضارعه الذي أشار له بقوله: (أصلُه يختصمون). وقوله: (نُقلت حركة التاء) أي: بتمامها أو بعضها، فُتحت، هذا قراءتان: فَتْح الخاء فتحةً تامَّةً، واختلاسُها؛ أي: النطقُ ببعض فَتْحتها. وقوله: (وأُدغمت) أي: بعد قَلْبها صادًا. وقوله: (وفي قراءة ...) إلى آخره، تلخَّص من كلامه أن القراءات هنا ثلاث، وبقي رابعةٌ وهي فَتْح الياء وكَسْر الخاء وكَسْر الصاد المشدَّدة، وعلى هذه القراءة فحركةُ الخاء ليست حركةَ نَقْل، وإنما هو لَمَّا حُذفت حركةُ التاء صارت ساكنة، فالتقت ساكنةً مع الخاء، فحُرِّكت -أي الخاء- بالكسر على أصل التخلُّص من التقاء الساكنين، فتلخَّص أن القراءات أربعة، وكلُّها سبعية، وكلُّها مع فتح الياء، وليس لنا قراءة سبعية بضمها.
الشيخ: زين إذَنْ -بعد- زاد على ثالثة، وأنتم تحاولون أن تكون قراءتان فقط، نعم، ولهذا أنا أنصحكم بعدم التسرع، الكتاب معي الآن، وأنا أرى كما ترون، اللي معنا الآن القراءات التي ذكر المؤلف قراءتان فقط؛ يقول -وانتبهوا لها عشان تعرفون (...) المؤلف- قال: (بالتشديد، أصله (يختصمون) نُقلت حركة التاء إلى الخاء) وحركة التاء هي الفتحة (وأُدغمت في الصاد) ما هي اللي أُدغمت؟ التاء، فصارت على هذه القراءة {يَخَصِّمُونَ}، القراءة اللي في المصحف يَخِصِّمُونَبكسر الخاء، هذه قراءتان، القراءة الثالثة: {يَخْصِمُونَ} كـ(يضربون)، القراءة الرابعة التي أشار إليها المحشِّي هو أن نجعل الخاء لا مفتوحةً خالصةً ولا مكسورةً خالصةً، نختلس الفتحة، هذه قراءة رابعة ما أشار إليها المفسر.
القراءة الثالثة أيضًا ما أشار إليها، وهي القراءة الموجودة في المصحف: يَخِصِّمُونَ، والقراءة الموجودة في المصحف وجَّهها المحشِّي بأن الحركة أُزيلت من التاء فصارت ساكنة، فلمَّا صارت ساكنة حُرِّكت الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين على الأصح.
فالمهم اللي عندنا المؤلف يقول رحمه الله، يقول: (أي: وهم في غفلةٍ عنها بتخاصُمٍ وتَبايُعٍ وأكْلٍ وشُربٍ وغير ذلك)، فالصيحة إذَن أخذتهم على غِرَّة وهم غافلون عنها، لاهون بأمورهم ودُنياهم، يتخاصم بعضهم مع بعض، وهذا يدلُّ على عدم ائتلاف قلوبهم في تلك الساعة، وأنهم من جنس البهائم، ولهذا لا تقوم الساعة إلا على شِرار الخلْق.
ولم يذكر الله عز وجل سوى التخاصم، كأنَّ أكثر ما هم عليه في ذلك الوقت هو التخاصم والتباغض والتدابر؛ لأنهم ما عندهم إيمان، هم شِرار الخلق في معاملة الله، وشِرار الخلق في التعامل فيما بينهم.
(وفي قراءةٍ: {يَخْصِمُونَ} كـ(يَضرِبون) أي: يخصم بعضهم بعضًا)، فيكون الظهور للغالب في الخصومة لا للحق؛ لأنهم في هَرْج ومَرْج، وليس عندهم إيمانٌ ولا مروءةٌ ولا خُلُق، هم شِرار الخلْق، فكانت هذه -والعياذ بالله- حالهم عند قيام الساعة، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام.
(...) تعنُّت هؤلاء ومكابرتهم؛ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [يس: ٤٨].
فيُستفاد من ذلك: أن بني آدم يَصِلون إلى حدِّ التحدي لرب العالمين ولمن بلَّغ رسالته في قولهم: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ.
ومن فوائدها: أن الرُّسُل بلَّغوا البلاغ المبين، وبيَّنوا للناس أنهم سيُبعثون ويجازَون وأنهم وُعدوا بذلك؛ لقولهم:
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ.
ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول تَحَدِّيًا واستبعادًا لم يُصَدِّقوا الرسل، بل كذَّبوهم، ولَيْتَهم نظروا في الأمر وفكَّروا؛ لقوله هنا: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
ومن فوائد الآية التي بعدها: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً [يس: ٤٩]: إثبات عِلْم الله عز وجل وسَمْعه؛ لأن قوله: مَا يَنْظُرُونَجواب قولهم: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ.
ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذِّبين بهذه الصيحة التي تأخذهم.
ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل حيث يُؤخذ هؤلاء كلُّهم بصيحةٍ واحدةٍ؛ لقوله: إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً، وهنا أكَّد الصيحة بـوَاحِدَةًليبيِّن أنه لا يعيدها مرَّة ثانية، بل بأول مرَّة يؤخذون.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الصيحة تأتيهم بغتةً؛ لقوله: وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، غافلين عنها.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان حال هؤلاء الذين تقوم عليهم القيامة وتأخذهم الصيحة، وهي الخصوم والتنازع، مما يدلُّ على سوء أحوالهم، وسوء أخلاقهم، وأنهم لا همَّ لهم إلا هذا الأمر؛ إلا المخاصمة والمنازعة شُحًّا وطمعًا في الدنيا وغفلةً عن الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنَّ الساعة لا تقوم إلا على شِرار الخلْق ، وهؤلاء من المعلوم أنهم يأكلون ويشربون، لكن لم يذكر الله إلا هذا التخاصم لبيان سوء حالهم في ذلك الزمن.

***

تفسير الآيتين (50-51)
00:38:12

ثم قال الله عز وجل: فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس: ٥٠]؛ يعني إذا أخذتهم لم يتجاوزوا مكانهم، بل ولا يستطيعون الكلامَ لشدَّة ما هم فيه من الفزع.
فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةًيعني: لا يستطيعون أن يُوصوا إلى أهليهم وإلى صغارهم وإلى سُفَهائهم؛ لأن الأمر عظيمٌ لا يتكلمون فيه.
وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَلأنهم لا يتجاوزون مكانَهم، فلا هم الذين وصلوا إلى أهليهم وشاهدوهم، ولا هم الذين استطاعوا أن يُوصوا فيهم أحدًا، وهذا يدلُّ على أن الأمر الذي يأخذهم أمرٌ عظيمٌ، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى يقول: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل: ٨٧].
قال: (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَمن أسواقهم وأشغالهم، بل يموتون فيها).
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [يس: ٥١] هو قرنُ النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة).
وَنُفِخَ فِي الصُّورِالنفخ في الصور يذكره الله عز وجل دائمًا بالبناء لمجهول نُفِخَ؛ لأن الإبهام أبلغ في التهويل والتعظيم مِمَّا إذا ذُكر الفاعل، ولهذا تجدون قول الله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨] أَبْلغ مِمَّا لو بُيِّن هذا الذي غَشِيهم، فالإبهام أحيانًا يفيد التهويل والتعظيم.
هنا أبهمَ النافخَ، وفي كل الآيات مُبْهَم، النافخ مُبْهَم؛ لبيان عِظَم هذا الأمر، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي وُكِّل بنفخ الصور هو إسرافيل أحد حملة العرش .
قال المؤلف: (النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ) إلى آخره.
نُفِخَ فِي الصُّورِللبعث، وقد ذكر الله تعالى النفخ في الصُّور في هذه الآية وفي سورة الزمر، وفي سورة النمل، وكذلك في سورة الأنعام وغيرها.
المهم أنَّ العلماء اختلفوا في النفخات هل هنَّ ثلاث أو هما اثنتان؛ منهم مَن قال: إنهما اثنتان، ومنهم مَن قال: إنها ثلاث. والظاهر أنهما اثنتان فقط، لكن الأولى منهما فيها فزع وصَعْق، والثانية فيها بَعْث، وهذا ظاهر ما ذهب إليه المؤلف حيث قال: (النفخة الثانية للبعث)، فتكون نفختان، لكن الأولى منهما يحصل فيها فزعٌ عظيمٌ ثم موت.
وقال بعض العلماء: إنها ثلاث: النفخة الأولى فزع، والنفخة الثانية صَعْق وموت، والنفخة الثالثة بعث.
في سورة الزمر قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨]، فذكر اثنتين.
في سورة النمل: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل: ٨٧]، ثم ذكر يوم القيامة وطوى ذكر الثانية، فيكون هذا الفزع قبل الموت، ثم الموت، ثم البعث.
قال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِوالصُّور: قرنٌ عظيمٌ واسعٌ، ورد في الحديث أنَّ سعته كما بين السماء والأرض ، يُنفخ فيه للبعث، فتخرج الأرواح منه، وتأوي كلُّ روحٍ إلى جسدها الذي تعمره في الدنيا لا تُخطئه، على كثرة الأرواح الخارجة من هذا الصور لا تخطئ روحٌ جسدَها الذي كانت تعمره في الدنيا، حتى لو قُدِّر أن عشرات الناس دُفنوا في مكانٍ واحدٍ فإن روح كلِّ واحدٍ لا تأوي إلا إلى جسدها، تقدير العزيز العليم جل وعلا.
قال الله تعالى: (فَإِذَا هُمْأي: المقبورون مِنَ الْأَجْدَاثِالقبور إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَيخرجون بسرعة).
قوله فَإِذَا هُمْالفاء عاطفة و(إذا) حرف دالٌّ على المفاجأة، وهُمْمبتدأ، وجملة يَنْسِلُونَخبره، وإِلَى رَبِّهِمْمتعلقة بـيَنْسِلُونَ.
يقول الله تعالى: فَإِذَا هُمْيعني بمجرد ما يحصل النفخ لا يحصل وقتٌ بينهما؛ أي: بين النفخ في الصور والخروج من القبور.
فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِمن القبور، يخرجون إلى الله تعالى مسرعين.
وقوله: فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِالضمير في هُمْقال المؤلف: (أي: المقبورون)، من أين عَلِمْنا أنَّ المراد المقبورون؟ لقوله: مِنَ الْأَجْدَاثِ؛ لأن الأجداث هي القبور.
وقوله: فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِهذا بناء على الأغلب الكثير؛ لأن من الناس من لا يكون في جدثٍ، بل يُلقى في اليمِّ أو يُلقى في الأرض على ظاهرها، أو تأكله السِّباع، أو يحترق وتَذْروه الرياح، لكن الغالب والأكثر أنهم في القبور.
وقوله: إِلَى رَبِّهِمْفيه تقديم المعمول لإفادة الحصر؛ يعني لا ينسلون إلى دنيا أو إلى قريبٍ أو إلى صديقٍ، وإنما ينسلون إلى الله عز وجل. والنَّسَلان معناه السير بسرعة؛ كما قال الله تعالى: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الأنبياء: ٩٦] أي: يخرجون بسرعة.
من فوائد الآية الكريمة التي قبل هذه وهذه أيضًا: أن النفخ في الصور إذا وقع (...).

***

تفسير الآيات (52-61)
00:46:14

والمعروف أن العائد المذكور لا يُحذف إلا إذا كان عامل الموصول موافقًا لعامل المحذوف لفظًا ومعنًي، هذا هو المعروف عند النحويين، ولكن الراجح أنه يجوز حذْف العائد سواءٌ كان عامله من جنس عامل الموصول أو من غير جنسه، وأن القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ...... ........................

هذه عامَّة في كلِّ شيء، ليست في المبتدأ والخبر، بل في كلِّ شيء.
وقوله: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ [يس: ٥٢] الرَّحْمَنُاسمٌ من أسماء الله عز وجل من الأسماء المختصَّة به التي لا تُطلق على غيره، فلا يُسَمَّى أحدٌ رحمانًا، وأمَّا (رحيم) فيوصف بها الخلْق؛ قال الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] لكن (رحمان) لا يجوز أن يوصف بها أحد، والفرق بينها وبين الرحيم أنَّ الرحيم باعتبار الفعل والرحمان باعتبار الوصف، فإذا قال: (الرحمن) يعني: ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) الذي تصل رحمته إلي مَن شاء من عباده.
وهنا ذكر هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُولم يقُل: ما وعد الله؛ لأن رحمة الله يوم القيامة تتجلَّى تجلِّيًا أكثر منها في الدنيا؛ فإن لله تعالى مئة رحمةً، جعل منها رحمةً في الأرض، فإذا كان يوم القيامة صار له مئة رحمة، التسع والتسعون الباقية والرحمة الأولى ، وهذا يدلُّ على تجلِّي رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، ولهذا قال هنا: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ.
الرَّحْمَنُمشتقٌّ، يدل على أيش؟ على صفة الرحمة، ويجب علينا في أسماء الله تعالى أن نؤمن بالاسم، ويش بعد؟ وما دلَّ عليه من الصفة والأثر المترتب على ذلك، ويجوز أن نقول: والحكم، فهنا (الرحمن) اسمه، و(الرحمة) صفته و(يرحم من يشاء) فِعله سبحانه وتعالى، وهو أثر الرحمة.
قال: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ، وَعَدَ الرَّحْمَنُلأنه سيكون يومٌ يُبعث فيه الناس، ويُجازَى فيه المحسنُ بإحسانه والمسيءُ بإساءته، ومجازاة المحسن الحسنة بعَشْر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة.
قال: (وَصَدَقَفيه الْمُرْسَلُونَ) (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق، و(صَدَّقَ) بمعنى صدَّق القائلَ، فالتصديق من المخاطَب، والصِّدق من المتكلم، يقال: صَدَقَ، ويقال: صَدَّقَ، (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق؛ قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران: ١٥٢] و(صَدَّقَ) أيش؟ صدَّق القائل؛ يعني أقرَّ بقوله واعترفَ به؛ قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر: ٣٣]، فهو صادق مصدِّق، والله أعلم.
الفوائد: يقول الله عز وجل: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس: ٥٢] في هذا دليلٌ على شدَّة حسرة المكذِّبين؛ الذين يكذِّبون بالبعث إذا بُعثوا يقولون: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا، ودليل ذلك قولهم: يَا وَيْلَنَا، وهذه الكلمة دعاء بالثُّبور والحسرة على مَن نطق بها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب البرزخ بالنسبة لعذاب الآخرة هيِّن، حتى إنه مِثْل النوم عند النائم.
ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المكذِّبين حين يُقال لهم: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى صادقُ الوعدِ لا يُخلفه؛ وذلك لأن إخلاف الموعد يكون من أحد أمرينِ: إما الكذب وإما العجز، وكلاهما مُنْتَفٍ عن الله عز وجل، فلا كَذِبَ في وعده، ولا عَجْز عن تنفيذه، ولهذا فهو عز وجل لا يُخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته.
ومن فوائد الآية الكريمة: صِدْق الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما أخبروا به من البعث وغيره؛ لقوله: وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.
ومن فوائدها: أن المشركين كانوا يُقِرُّون بالحق، لكن متى؟ إذا شاهدوا الحق، والإقرار بالحق بعد مشاهدته لا ينفع؛ لأن الإقرار بالحق إذا لم يكن غيبًا لم يكن الإنسانُ مؤمنًا بالغيب، بل كان مؤمنًا بالشهادة.
فإن قلتَ: قال الله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، فهنا أنكروا الشرك مع أنهم كانوا مشركين، بل إنهم يُقِرُّون بشركهم كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢]، فكيف الجمع؟
الجمع بينهما أن يقال: إنَّ يوم القيامة ليس لحظةً ولا ساعةً قليلةً، بل هو خمسون ألف سنة، فهُم يتقلَّبون؛ أحيانًا يُقِرُّون بكل ما عملوا، وأحيانًا يُنكرون، إذا رأوا نجاةَ المؤمنين قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَلعلهم ينجون كما نجا غيرهم، ولكن يُختم على أفواههم وتُكلِّم أيديهم وأرجلُهم، وحينئذٍ يُقِرُّون ولا يكتمون الله حديثًا، والله أعلم.

***

طالب: (...) قراءتين (...) وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، قراءة الفتح واضحة.
الشيخ: ما هي بعندنا قراءتان، فيها قراءتان؟! ما فيها.
طالب: قرأتَها يا شيخ.
الشيخ: لا.
طالب: (وصَدَّقَ)، (وصَدَقَ).
الشيخ: لا، قلت: إنه يقال: صَدَّق، ويقال: صَدَقَ.
طالب: ليست قراءة؟
الشيخ: لا، ما هي بقراءة.
طالب: الراجح في عدد النفخات هي نفختان أم ثلاث؟
الشيخ: الراجح أنهما اثنتان.
طالب: والنفخة التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أول مَن يرى موسى ؟
الشيخ: هذه نفخة الصعق.
طالب: الصعق.
الشيخ: أي نعم.
طالب: شيخ، فيه دليل على أن (...)؟
الشيخ: لا، أبو هريرة قال: أربعون، بينهما أربعون، فسُئل أبو هريرة فقال: أَبَيْتُ ، لكن لعل المؤلف أخذها من دليلٍ آخَر، وإلا أبو هريرة راوي الحديث أَبَى أن يُفصح بشيءٍ؛ يعني ما هو سمع عن الرسول، لكنْ ذكر ابن القيم في النونية أن بينهما أربعين سنة أو أربعين يومًا، ترى أني نسيت في النونية هل ذكر أربعين يومًا أو أربعين سنة.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...).
الشيخ: قال الله تعالى: فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [يس: ٥٤]، الْيَوْمَيعني يوم القيامة حين يُحضَر الناس للفصل والقضاء، فـ(أل) هنا للعهد الحضوري؛ يعني: ففي حضرتهم لذلك اليوم حينما يُحضرون لا تُظْلَم نفسٌ شيئًا.
وقوله: لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًاأي: لا تُنقص، والنقص يكون بأحد أمرين: إمَّا بزيادة السيئات وإمَّا بنقص الحسنات، وكِلَا الأمرينِ مُنْتَفٍ كما قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢] أي: لا يخاف هضمًا من حقِّه في الحسنات، ولا ظُلمًا بزيادة السيئات.
يقول: لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ونَفْسٌنكرة في سياق النفي، فتشمل كلَّ نفسٍ، حتى الكافر يكون عذابه على حسب عمله، ولهذا قال: وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَيعني: لا تُكافَؤون على أعمالكم إلا ما كنتم تعملون.
قال المؤلف رحمه الله: (إلا جزاء ما كنتم تعملون) وإنما قدَّر (جزاء) لئلَّا يتسلَّط الفعل على نفْس العملِ والعملُ قد مضى وانقضى، والذي يوجد في يوم القيامة هو الجزاء، ولهذا قال: (إلا جزاء ما كنتم)، لا نفس العمل؛ فإن العمل كان في يوم الدنيا ليس في يوم القيامة، والذي في يوم القيامة هو الجزاء، فلهذا قدَّر المؤلف: (إلا جزاء ما كنتم تعملون).
فإن قال قائل: كلام المؤلف هنا أفلا يكون منتقَدًا لأنه كالاستدراك على كلام الله عز وجل؟
فالجواب على هذا أن يقال: لا، ليس بمنتقَد، وليس مقتضاه الاستدراك على كلام الله؛ لأن المؤلف أراد أن يفسِّر المعنى المراد، ولم يُرِدْ أنَّ في الكلام نقصًا، وقد عُلم في البلاغة أن الإيجاز نوعان: إيجازُ حذفٍ وإيجازُ قِصَر؛ إيجاز الحذف معناه أن تكون الجملة فيها شيءٌ محذوفٌ يُعلم من السياق، وإيجازُ قِصَرٍ أن تكون الجملة ذات كلمات يسيرة ولها معانٍ كثيرة، فعلى كلام المؤلف يكون في الكلام إيجاز حذف.
فإذا قال قائل: إن هذا التركيب الذي ذكره المؤلف فيه شيءٌ من الركاكة (لا تُجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون) إذا قُورن بقوله: وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؟
فالجواب: نعم، القرآن أفصحُ بلا شك وأَبْيَنُ وأَسَدُّ؛ لأن التعبير عن الجزاء بالعمل أبلغُ في التأثير على النفس؛ فإذا علم الإنسانُ أنه لا يُجزَى يوم القيامة إلا عملَه فإنَّه سوف يزدجر عن المحرَّمات، وسوف يقوى على فعل المأمورات؛ لأنه يعلم أن عملَه هذا نفسه هو الذي سيُجزاه يوم القيامة، فالذي يظهر لي أن الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير الذي ذكره المؤلف؛ لأنَّ جَعْلَ الشيءِ الذي هو العمل هو الذي يُجزى به الإنسانُ أبلغُ في إثارة النفس كما قرَّرناه.
وقوله: إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، كُنْتُمْ تَعْمَلُونَمتى؟ في الدنيا، وتَعْمَلُونَهذه خبر (كان)، الجملة تحتاج إلى عائد يعود على الموصوف؛ على مَا؛ لأنه قد تقرَّر في علم النحو أن كل اسمٍ موصولٍ يحتاج إلى عائدٍ يربطه بصِلَته، كما أن كل خبرٍ للمبتدأ يكون جملةً يحتاج إلى رابطٍ يربط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ التي هي خبرٌ عنه. هنا نقول: إنَّ العائد محذوفٌ؛ أي: ما كنتم تعملونه، العمل يُطلق بلا شك على الفعل، ويُطلق أيضًا على القول، ويُطلق على عمل القلب وهو الركونُ إلى الشيء والاطمئنانُ به، فإذا أُطلِقَ العملُ شَمِل هذه الثلاثة، هي؟
يُطلق على الثلاثة، كلمة عمل تكون للثلاثة:
عمل القلب؛ وهو ركونه إلى الشيء ورضاه به وطمأنينته به، هذا يُسمَّى عمل القلب.
قول؛ يعني عمل اللسان.
فعل؛ عمل الجوارح.
هذا إذا أُطلق العمل، أمَّا إذا قيل: عملٌ وقولٌ، أو: قولٌ واعتقادٌ وعملٌ، فإن العمل يفسَّر هنا بماذا؟ بالفعل الذي هو عمل الجوارح، وهذا يكون كثيرًا في اللغة العربية وفي القرآن، وهو أن الشيء إذا أُفرِد يكون شاملًا، وإذا قُرِنَ بغيره صار خاصًّا؛ لأنه إذا قُرِنَ بغيره صار الكلام على جهة التقسيم، والتقسيم لا بد فيه من مُقَسَّم، المقسَّم يكون كلُّ قَسيمٍ منه ضِدًّا للقسيم الآخَر.
والخلاصة الآن أن المراد بالعمل هنا أيش؟ عمل القلبِ، والجوارحِ، واللسانِ الذي هو القول، يشمل كلَّ هذا؛ لأن هذا كلَّه يُجازى عليه الإنسانُ يوم القيامة.
فإذا قال قائل: هل يشمل العملُ الكفَّ؟ أي: إذا تَرَك الإنسانُ المعصيةَ هل يقال: إن هذا عملٌ يُجزى عليه؟
الجواب: نعم، يقال: إنه عملٌ يُجزى عليه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» ؛ لأنه تركها لله، فما وجْه كونِ الترك عملًا؟ لأن الترك كفُّ النفس عن جماحِها وإقدامِها، فهو عمل، وحينئذٍ نقول: الكلمة -أعني تَعْمَلُونَ- تشمل أربعة أشياء هي:
طالب: (...).
الشيخ: فإنه عملٌ ويُجزى عليه الإنسان إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
ثم قال تعالى: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [يس: ٥٥]، ثم قال: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: ٥٩].
لَمَّا ذكر الله عز وجل أن ذلك اليوم يُجازى فيه العاملُ بعمله ذكر أصنافَ العاملين، وهم صنفان؛ الصنف الأول: أصحاب الجنة، والصنف الثاني: المجرمون. المجرمُ هو مقترف الذنب كما سيأتي، أصحابُ الجنة لم يذكر عملهم، لكنَّه ذكر في آيات كثيرة عملَهم الذي يكون سببًا لدخولهم الجنة.
قال: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ، أَصْحَابَجمع صَحْب، وصَحْب اسمُ جمعِ صاحب، والصاحبُ هو الملازم لمصحوبه، ولا يُسَمَّى الشيءُ صاحبًا للشيء إلا بعد الملازمة حسب ما يقتضيه العُرف، إلا شيئًا واحدًا استثناه العلماء وهو صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنَّ صُحبته تثبت بمجرَّد اللقاء ولو لحظة، فكلُّ مَن اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك ولو لحظةً فهو صحابيٌّ له.
الْجَنَّةِمرَّ علينا أنها في اللغة العربية اسمٌ للبستان الكثير الأشجار، وسُمِّي بذلك لأنه لكثرة أشجاره يجنُّ مَن فيه وما فيه أيضًا، يجنُّ بمعنى أيش؟ بمعنى يستر؛ لأن هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى وهو الاستتار، ومنه سُمِّي الجنين لاستتاره في بطن أمِّه، وسُمِّي الجنُّ لاستتارهم عن الأعين، وسُمِّيت الْجُنَّة لأن المقاتل يستتر بها عن السهام.
فالْجَنَّة إذَنْ في اللغة: كلُّ بستانٍ كثير الأشجار، سُمِّي بذلك لأنه يجنُّ مَن فيه وما فيه؛ مَن فيه مِن الساكن وما فيه من الأشجار الصغيرة التي تكون تحت الأشجار الكبيرة، هذا هو أصل معنى هذه الكلمة في اللغة.
لكن معناها شرعًا: هي الدار التي أعدَّها الله سبحانه وتعالى للمتقين؛ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]، الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين، فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلبِ بشر. ولا يصحُّ أن نقول: إن الجنة في الآخرة هي البستان الكثير الأشجار. لو قلْتَ هكذا لَنَزَّلْتَ من قيمتها في نفوس الناس، لكن إذا قلتَ: هي الدار التي أعدَّها الله للمتقين، فيها مالا عين رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، صار ذلك حافزًا للعمل لها.
وقوله: الْيَوْمَيعني يوم القيامة، و(أل) هنا للعهد، أيِّ العهود؟
طلبة: الذِّكْري
طلبة آخرون: الحضوري.
الشيخ: الذِّكْري، للعهد الذِّكْري؛ لأنه سبق ذكره، و(أل) تكون للعهد الذِّكري إذا سبق ذِكْر مدخولها، ومنه قوله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] فإذا كان مدخول (أل) سبق ذِكْره فهي للعهد الذِّكري.
إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍالجارُّ والمجرور هو خبر إنَّ.
فِي شُغُلٍيقول المؤلف: (بسكون الغين وضمِّها) {شُغْلٍ} وشُغُلٍ، القراءتان سبعيتان أو إحداهما شاذة؟
الطلبة: سبعيتان.
الشيخ: سبعيتان؛ لأن المؤلف رحمه الله من طريقه أنَّه إذا قال: (في قراءة)، (وفي قراءة)، فهما متساويتان؛ أي: كلتاهما قراءة سبعية، أمَّا إذا قال: (وقرئ)، فإنَّ هذه القراءة تكون شاذَّة، فليُعلم اصطلاحه حتى لا يشتبه.
(...) رأيت في كلام المؤلف هذا (وفي قراءة) فاعلمْ أن هذه القراءة سبعية؛ يعني أنها من القراءات الصحيحة التي إن شئتَ فاقرأْ بها وإن شئتَ فاقرأْ بالقراءة الثانية، فيجوز لنا الآن أن نقول: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغْلٍ فَاكِهُونَ}، إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ.
وهل الأفضل أنْ نقتصر على قراءةٍ واحدةٍ، أو أنْ نقرأ تارةً بهذه وتارةً بهذه؟
الصحيح أنَّ الأفضل أن نقرأ بهذه تارةً وبهذه تارةً؛ لأن الكلَّ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن إذا بقينا على قراءةٍ واحدةٍ هجرنا بقيَّة القراءات مع أنها شرعيَّةٌ ثابتةٌ عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فالأَوْلى أن تقرأ مرَّةً بهذه ومرَّةً بهذه، إلَّا أمام العامَّة فلا تفعل؛ لأنك إذا قرأتَ بقراءةٍ مخالفةٍ عما بين أيديهم من المصاحف فسوف يكون في ذلك فتنة، ويكون في ذلك زعزعة للثقة في كتاب الله عز وجل، لكن إذا كنتَ تقرأ لنفسك أو تقرأ بين طلبة عِلْم فالأفضل أن تقرأ أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا.
قال المؤلف: (فِي شُغُلٍبسكون الغين وضمِّها، عمَّا فيه أهل النار؛ مِمَّا يتلذَّذون به). إذَنْ هم منشغلون عمَّا فيه أهل النار، ولو أنَّ المؤلف جعلها مطْلقة على إطلاقها لَكان أَوْلى، هُم في شُغل عن كلِّ شيءٍ بما يتلذَّذون به؛ يعني كأنَّهم لا يفكرون في أيِّ شيءٍ آخَر؛ لأن هذا الذي هم فيه من النعيم قد شغلهم وانشغلوا به عن غيره، وهذا كقوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: ١٠٨] أي: لا يبغون تحوُّلًا أو نُزولًا عمَّا هم فيه، بل ولا صُعودًا، حتى النازلُ منهم يرى أنه أكملُ الناسِ نعيمًا، فالأَوْلى أن نُطْلق ونقول: فِي شُغُلٍأي إنهم مشتغلون بما هم فيه من النعيم عن كلِّ شيءٍ لا ينظر أحدهم أو لا ينتظر أحدهم نعيمًا أرقى مما هو فيه بحيث يرى أنَّ نعيمه ناقصٌ، ولا يلتفت إلى شيء أبدًا.
فِي شُغُلٍقال المؤلف: (كافتضاض الأبكار). الكاف هنا للتشبيه وليست للحصر؛ يعني: مِن جملة ما ينشغلون به التلذُّذُ بافتضاض الأبكار؛ يعني النساء من نساء الدنيا وكذلك الحور العين، وإنما مثَّل المؤلفُ بذلك لقوله: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ [يس: ٥٦].
قال: (كافتضاض الأبكار، لا شُغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نَصَبَ فيها). يعني: لا تعبَ فيها. معلومٌ أن هذا الشغل ليس شغلًا يتعبون فيه، ولكنَّه شغلٌ يستريحون فيه؛ لأنه شغلٌ فيما يَسُرُّ وفيما يحصل به التنعُّم.
قال: (فَاكِهُونَناعمون، خَبَرٌ ثانٍ لـإِنَّ، والأول فِي شُغُلٍ).
فَاكِهُونَخبر ثانٍ لـإِنَّأين الأول؟
الطلبة: فِي شُغُلٍ.
الشيخ: فِي شُغُلٍالجار والمجرور، فتكون إِنَّهنا لها خبران. وهل يجوز أن يتعدَّد الخبر؟
الجواب: نعم، يجوز أن يتعدَّد الخبر؛ قال الله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٤ - ١٦]، هذه خمس خَبَرات، فالخبر يجوز أن يتعدَّد، لكن تعدُّد الخبر قد يكون لكل كلمةٍ منه معنًى مستقلٌّ، وقد تكون كلمتان في معنى كلمةٍ واحدةٍ؛ فمثلًا إذا قلت: هذا البرتقال حلوٌ حامضٌ. هاتان كلمتان، لكنهما بمعنى كلمةٍ واحدةٍ؛ أي: مُزٌّ؛ يعني: جامعٌ بين الحلاوة والحموضة.
لكن لو قلت: فلانٌ قائمٌ مسرورٌ. هل الخبران بمعنى خبرٍ واحدٍ؟ لا، كلُّ واحدٍ منهما له معنًى مستقلٌّ، بدليل أنَّ أحدهما ينفرد عن الآخَر بمعنًى مستقل.
الخلاصة الآن أننا فهِمْنا من كلام المؤلف أن الخبر يجوز أن يتعدَّد سواءٌ كان منسوخًا كما في الآية أم غير منسوخ.
قال: (هُمْمبتدأ)، وَأَزْوَاجُهُمْمعطوفة عليه، فِي ظِلَالٍ [يس: ٥٦] خبر المبتدأ.
هُمْأي: أصحاب الجنة، وَأَزْوَاجُهُمْجمع زوج، وتُطلق على الذكر والأنثى فيقال: هذا زوج فلانة، ويقال: هذه زوج فلان. لكن أهل العلم قالوا: يجب التفريق -وإنْ كان لغةً ضعيفةً- في باب الفرائض فيقال: (زوجة) للأنثى، ويقال: (زوج) للرجل، لماذا؟ لئلَّا يشتبه على المتعلِّم كونُ المسألة المتوفَّى فيها زوجٌ ذَكَرٌ أو زوجٌ أُنثى، وإلا فاللغة العربية الفصحى حذْف التاء من (زوج) سواءٌ كان للأنثى أو للذَّكر.
(هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍجمع ظُلَّة أو ظِلٍّ، خبر)، يعني أنَّ فِي ظِلَالٍخبر للمبتدأ هُمْ، وظِلَالٍجمع ظُلَّة أو جمع ظِلٍّ، والمعنى لا يختلف كثيرًا؛ فهُم في ظلالٍ ليس عندهم شمسٌ تصهرهم أو تسخِّن الجو، وإنما هو أنوار، قال بعض أهل العلم: كالنور الذي يكون بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، نورٌ ساطعٌ ولكنَّه لطيف؛ لأن ألطف ما يكون هو مِثْل ذلك الوقت، فهو ظل ظليل.
(عَلَى الْأَرَائِكِجمع أريكة، وهو السرير في الحجَلة أو الفُرُش فيها). عَلَى الْأَرَائِكِخبر مقدَّم، ومُتَّكِئُونَمبتدأ مؤخَّر، ويجوز ما ذكره المؤلف فيما بعد.
قال: (عَلَى الْأَرَائِكِجمع أريكة). الأريكة هي السرير في الحجَلة أو الفِراش فيها، ولكن الأكثر أنها السرير، والحجَلة عبارة عن بيتٍ صغيرٍ في وسط البيت الكبير؛ يعني أنها بمنزلة الحجرة الخاصة بالمنام فيما نعرفه بيننا، فالدار مثلًا تشمل حُجَرًا كثيرة متعددة، والحجرة الخاصة بالنوم هي مثل الحجَلة؛ خيمة صغيرة تكون خاصَّة بالرجُل وأهله، أو بالرجل وحده، أو بالمرأة وحدها.
(مُتَّكِئُونَخبرٌ ثانٍ متعلق عَلَى) يعني عَلَى الْأَرَائِكِمتعلقة بـمُتَّكِئُونَ، وعلى كلام المؤلف يكون المبتدأ هُمْ، وفِي ظِلَالٍخبرًا، ومُتَّكِئُونَخبرًا ثانيًا، فالجملة على كلامه واحدة ولَّا متعدِّدة؟ الجملة واحدة، هم في ظلالٍ متكئون، الجملة واحدة لكنَّها متعددة الخبر، وعَلَى الْأَرَائِكِ-على كلام المؤلف- متعلقة بـمُتَّكِئُونَ، ومناسبة تقديمها على عاملها مراعاة الفواصل-فواصل الآي- وأنتم تعلمون أن القرآن الكريم يكون فيه مراعاة الفواصل حتى وإنْ أدَّى إلى تقديم المفضول على الفاضل؛ كما في قوله تعالى في سورة طه: بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠]، فقدَّم هارون على موسى مع أن موسى أفضل للفواصل؛ لأن الفواصل إذا كانت متَّفقة كان لها تأثير في الاستماع والإصغاء، والقرآن أَبْلغ الكلام. هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ولنا رأيٌ ثانٍ في المسألة في الإعراب: أنْ تكون عَلَى الْأَرَائِكِخبرًا مقدَّمًا، ومُتَّكِئُونَمبتدأً مؤخَّرًا، وعلى هذا فيكون لدينا جملتان: جملة هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ، والثانية: (متكئون على الأرائك). وما ذكرناه أعمُّ؛ لأن ما ذكرناه يشمل أن يكونوا متكئين على الأرائك مع زوجاتهم أو بدون زوجاتهم، وعلى كلام المؤلف يقتضي أن يكونوا متكئين على الأرائك مع الزوجات.
ثم قال عز وجل (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْفيها مَا يَدَّعُونَ [يس: ٥٧] ما يتمنَّون).
طالب: متعلق (على) (...).
الشيخ: متعلق (على)، متعلق؛ يعني أن مُتَّكِئُونَتعلقت به عَلَى الْأَرَائِكِ.
(لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْفيها مَا يَدَّعُونَ)
طالب: (...).
الشيخ: تفسير. لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَإلى آخره.
لَهُمْأي: لأصحاب الجنة فِيهَاأي: في الجنة فَاكِهَةٌأي: ما يتفكَّهون به. وكلُّ أكل أهل الجنة فاكهة؛ لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه لا على سبيل الحاجة والضرورة، نحن في الدنيا نأكل أحيانًا تفكُّهًا، وأحيانًا للحاجة، وأحيانًا أيش؟ للضرورة، أمَّا في الجنة فكل ما نأكله للتفكُّه؛ لأنه ليس هناك حاجة ولا ضرورة، ولهذا يأكل الإنسانُ الأكلَ ويخرج هذا الأكل رشْحًا -يعني مثل العرق- أطيب من ريح المسك، وليس فيها بول وليس فيها غائط.
فإذا قال قائل: أنت إذا جعلت الفاكهة اسمًا لكلِّ ما يأكلون لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه، فكيف تُجيب على قوله تعالى: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن: ٦٨] والأصل في العطف أن يكون للمغايرة؟ والنخل والرمان يؤكل ولَّا لا؟ يؤكل.
فالجواب يُعلم مما ذكرنا آنفًا وهو أنَّ الشيء إذا أُفرِدَ صار له معنى عامٌّ، وإذا قُرِنَ بغيره صار له معنى خاصٌّ مقابلٌ لِمَا قُرِنَ معه؛ لأن التقسيم يقتضي هكذا؛ أنْ يكون المقسَّم إليه من طرفٍ غير المقسَّم إليه من الطرف الآخَر.
فنقول: النخل والرمان نصَّ عليهما بخصوصهما لخاصِّية فيهما وإلا فهُما من الفاكهة، ويكون هذا من جنس عطْف الخاصِّ على العامِّ، وعطْفُ الخاصِّ على العامِّ في اللغة العربية كثير مثل؟
الطالب: (...) الآية.
الشيخ: إي، وغير الآية؛ لأنه ما يمكن أن تستشهد بما تحكم به.
طالب: وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [آل عمران: ٨٤].
الشيخ: لا، هذه من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، نريد عطف الخاصِّ على العامِّ.
طالب: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ [القدر: ٤].
الشيخ: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا، و(الروح) جبريل، وهو من الملائكة.
قال: لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْقال المفسِّر: (فيها مَا يَدَّعُونَيتمنَّون).
كلُّ ما يتمنَّونه فإنه حاصل، بل إن الله يعطيهم أكثر مِمَّا يتمنَّون؛ لأن أمنية الإنسان محدودة؛ قد يرى أن هذا أكبر شيءٍ وفيه شيءٌ آخَر أكبر منه ولكنَّه لا يُدركه، كُنَّا نقول ونحن صغار: المليون أكثر شيء، وين اللي عنده مليون! وصار المليون الآن أكثر شيء؟
طلبة: لا.
الشيخ: صار فوقه أشياء، فوقه بلايين، وفوق البلايين -بعد- أشياء ثانية، فالمهم أن الإنسان في الآخرة يُعطى كلَّ ما يتمنَّى بل يُزاد على ما يتمنَّى، فإذا قال قائل: هل..