تفسير سورة يس - 7
عدد الزيارات 4403

عناصر المادة :
تفسير الآيات (62-67)

فالجواب أن هذا أمر محتمل يحتمل أن الإنسان إذا اشتهى شيئًا حصل له، ويحتمل أنه لا بد أن يدَّعيه، والدعوى بمعنى الطلب لا بد أن يطلبه، وفائدة الطلب إظهار صدق الإرادة كما أن الفعل يدل على صدق الإرادة؛ فلو أن أحدًا من الناس قال: أنا أريد أن أزور فلانًا، فإن هذا الإرادة لا تظهر إلا إذا زاره بالفعل، وإلا فما دام لم يقم بالفعل فإن الإرادة قد تكون غير صادقة.
على كل حال يكفينا أن الله عز وجل يقول: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١] فإن ظاهر الآية أن كل ما تشتهيه وإن لم تطلبه يحصل لك.
قال الله عز وجل: سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: ٥٨] سَلَامٌقال المؤلف: (مُبْتَدَأ قَوْلًاأَيْ بِالْقَوْلِ، خَبَره مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍبِهِمْ أَيْ: يَقُول لَهُمْ سَلَام عليكم)؛ يعني: معنى كلام المؤلف أن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: سلام، و(قول) هنا منصوبة على كلامه بنزع الخافض؛ لأنه قال: (أي: بالقول)، والنصب بنزع الخافض في غير (أنّ) و(أنْ) ليس بمطرد بل هو سماعي؛ يعني: إن سُمِع عن العرب النصب عُمِل به، وإن لم يُسمع فإنه لا يُعمَل به، وقاعدة ذلك أنه قد يحذف الجار يعني: حرف الجر، فإذا حُذف حرف الجر صار مدخوله منصوبًا ويقال فيه: منصوب بأيش؟ بنزع الخافض، ولكنه كما قال ابن مالك:

نَقَلًا وَفِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا

أظنكم وجدتم هذا فيما سبق، (فِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ) لكن بشرط أيضًا أن يُؤمَن اللَّبس (كعجبت أن يدوا)، على كل حال المؤلف مشى على أن قولًامنصوب بنزع الخافض أي: يقال لهم: سلام عليكم، وهذا القول صادر من رب رحيم، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآية في الدرس القادم.
طالب: (...).
الشيخ: الجنة التي فيها آدم مختلف فيها هل هي جنة الخلد أو جنة بستان؛ جنة دنيا؟ وعلى القول بأنها جنة الخلد وهو الذي أوردت فيه الإشكال يقال: إن هذا مستثنى، وربما يحدث الله أنواعًا وأصنافًا من النعيم لم تكن موجودة في عهد آدم.
طالب: الجنة تفاضل يا شيخ (...).؟
الشيخ: بلى.
طالب: الذي في مرتبة أقل لا يرى أنه (...).
الشيخ: لا يرى أنه أعلى منه، لكنه لا يطمع في ذلك ولا يتحسر ويندم أنه لم يكن في مرتبته، نحن إذا مررنا بالقصور كل واحد منا يقول: والله بيتي ما هو شيء عند هذا القصر، ويتمنى أن له هذا القصر إذا كان من أهل الدنيا ولَّا اللي من أهل الآخرة ما يهمه، لكن هناك لا يحصل في (...) هذا أبدًا نعم.
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، نحن ذكرنا مثل هذا تمامًا في قوله: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن: ٦٨] وأجبنا عنه.
طالب: النخل والرمان (...).
الشيخ: أبدًا، اللحم أيضًا يُتَفَكَّه به، أنت الآن عندما يُقَدَّم لك لحم جمل قد بلغ في السنِّ عتيًا ولحم طير صغير من (...) ما يكون، ويش يكون لحم الطير بالنسبة للحم الجمل؟ نعم، فاكهة تتفكه به؛ لأن لحم الجمل تقعد تمضغه لك ساعتين ما فتته فضلًا عن أن تسيغ ابتلاعه، أما هذا بمجرد يمكن ما يقبل على فمك يتفتت ويدوب بينهما فرق.
طالب: (...).
الشيخ: الشك إذا رُكِنَ إليه، أما إذا طرده ولم يركن إليه واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم فهذا لا يضره؛ يعني: مثلًا أنا شككت في أن فلانًا قَدِم، هو صحيح، ما عندي علم، هذا شك، ركنت إليه، لكن رجل قادم، ثم شككت في قدومه، هذا لا أركن إليه، وإن كان قد يرد على النفس، فالأمور التي يؤمن بها المؤمن هي عنده بمنزلة المُشاهدة، فإذا طرأ على نفسه ما يوجب الشك طَرده، لكن إذا كان مرتابًا -والعياذ بالله- تجد أنه يطمئن لهذا الشك، ويكون حقيقة حكمية في قلبه.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، إذا طردها، الصحابة شَكَوْا إلى الرسول أنهم يجدون في أنفسهم ما يحبون أن يخروا من السماء ولا يتكلمون به فقال: «هَذَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ» .
فيما سبق من الآية الكريمة: ذكر الله سبحانه وتعالى أنه إذا نفخ في الصور قام الناس من الأجداث أي: من القبور، يقومون إلى ربهم ينسلون فيقول الكفار: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس: ٥٢]، ففي هذا دليل أو يؤخذ من هذه الآية فوائد:
منها: دعاء هؤلاء الكفار على أنفسهم بالويل إذا شاهدوا الحساب يوم القيامة؛ لقولهم: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا.
ومن فوائدها: أن البقاء في القبور ما هو إلا كنوم النائم ينام ثم يستيقظ ويغادر المكان؛ لقولهم: مِنْ مَرْقَدِنَا.
ومن فوائد الآية: أن الله عز وجل يُبَيِّن لهم توبيخًا بأن هذا ما وعد الرحمن به من البعث والجزاء.
وفيه أيضًا: أنهم يقرون على الاحتمال الثاني يقرون على أنفسهم بأن ما وعد الله به فسيقع بناء على أن قوله: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ [يس: ٥٢] من كلامهم.
ومن فوائدها أيضًا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام صادقون فيما يُخبرون به عن الله سبحانه وتعالى وعن غيره؛ لقوله: وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢].
ثم قال: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣].
في هذه الآية: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وأنه عز وجل يصيح بأصحاب القبور صيحة واحدة فيقول مثلًا: اخرجوا، فيخرجون جميعًا لا يتخلف منهم أحد؛ ولهذا قال: فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بشيء لا يعيد الأمر مرة ثانية، بل يكون الشيء بأول أمر، ونظير ذلك قوله تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠] الذي يعيد الأمر أو الكلام هو العاجز، وأما القادر فلا يعيده.
ومن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى أن الله تعالى ينزل للقضاء بين عباده، تؤخذ من قوله: لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ؛ أي: عندنا، والعند يدل على القرب، وقد ثبت بالنصوص أن الله عز وجل ينزل للقضاء بين عباده فيقضي بينهم.
ثم قال عز وجل: فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [يس: ٥٤].
من فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم مطلقًا في يوم القيامة؛ لأنه يوم العدل كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يظلم لا بقليل ولا بكثير؛ لأن شَيْئًانكرة في سياق النفي فتكون للعموم، فإذا قال قائل: وفي غير هذا اليوم هل يُظْلَم أحد؟ فالجواب: لا، لا يُظْلَم، لكن ذكر هذا اليوم لبيان الواقع؛ لأن هذا اليوم هو يوم الجزاء فكأنه قال: هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء ليس فيه ظلم، ونظير ذلك قوله تعالى: لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ [غافر: ١٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فيستفاد منه كمال عدل الله عز وجل، وهذه فائدة متفرعة على الفائدة التي قبلها.
فإن قال قائل: أليس الإنسان العامل للحسنة يُجْزَى بعشر حسنات؟ فالجواب: بلى، لكن هذا من الجزاء الذي وعد الله به فلا يكون منافيًا لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى وَعَدَ مَنْ جاء بالحسنة أن يجعل له عشر أمثالها فتكون داخلة في قوله: إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالسبب عن المسبَّب، من أين تؤخذ؟
طالب: إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: أن الجزاء عن العمل (...).
الشيخ: نعم، والعمل سبب للجزاء فيكون فيه التعبير بالسبب عن المسبَّب.
ثم قال عز وجل: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَإلى آخر الآيات [يس: ٥٥].
من فوائد الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم هم أصحاب الجنة، وقسم هم أصحاب النار، أصحاب الجنة هذا جزاؤهم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ.
ويستفاد من قوله: فَاكِهُونَكمال نعيمهم؛ لأن كلما كمُل النعيم كمُل التَّفَكُّه بهذه النعمة التي يتنعم بها الإنسان.
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن لأهل الجنة زوجات؛ لقوله: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ [يس: ٥٦]، وقد وصف الله هؤلاء الزوجات بصفات كثيرة؛ فقال عز وجل في سورة الرحمن: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦]، وقال: فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ [الرحمن: ٧٠] فقاصرات الطرف يعني أنها تقصُر طرفها على زوجها لا تنظر إلى غيره؛ لأنها ترى أن زوجها أكمل الأزواج فلا يمتد نظرها إلى غيره، وهي أيضًا قاصرة لطرف زوجها عليها فزوجها لا يتعدى أو لا يمتد بصره إلى غيرها، فكل منهما راض بصاحبه، وهن أيضًا خيراتٍ حسان، خيرات الطباع حسان الوجوه والأجسام، وصفاتهن كثيرة في القرآن الكريم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها شمس؛ لقوله: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ.
ومن فوائدها: كمال راحة أهل الجنة؛ لقوله: عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَفإن المتكئ عادة يكون مستريحًا مطمئنًا، وكلما اطمئن الإنسان ازدادت راحته، والاتكاء على الأرائك لا شك أنه دليل على راحة البال وعدم الانشغال.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة فيها فاكهة، وهي كل ما يُتَفَكَّه به، وقد ذكرنا أن جميع طعامهم فاكهة يتفكهون به.
ومن فوائدها أيضًا: أن لأهل الجنة كل ما يَتَمَنَّونه، بل يُعْطَوْن أكثر مما يتمنون، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني فيُذْكَر الشيء، ويُذْكَر ضده؛ لأنه لو ذَكَرَ ما يكون به الرجاء دون ما يكون به الخوف لغلب جانب الرجاء على جانب الخوف ووقع الإنسان في الأمن من مكر الله، ولو ذكر فيه جانب الخوف دون جانب الرجاء لوقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، فكأن الله عز وجل إذا ذَكَر النعيم ذكر ضده، وإذا ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار وهكذا، وهذا أحد معاني قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣]، يعني أنه تُثَنَّى فيه المعاني حتى يسهل السير إلى الله سبحانه وتعالى على الوجه المطلوب.
ثم قال عز وجل: سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍسبق لنا أن المؤلف أعرب سَلَامٌعلى أنها مبتدأ وأن خبره قَوْلًاعلى أنه منصوب بنزع الخافض أي: سلام بالقول من رب رحيم، وهذا أحد الوجوه في الآية الكريمة. ويجوز أن يكون سَلَامٌخبر مبتدأ محذوف؛ أي هي سلام، يعني الجنة سلام، كما قال الله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ [يونس: ٢٥]، ويجوز أيضًا أن يكون الخبر قوله: مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍأي: سلام بالقول من الله واقع من الله عز وجل، وهذه الوجوه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى فإن المعنى كله واحد وهو أن الله تعالى يُسَلِّم عليهم بالقول، ويقول: سلام عليكم يا أهل الجنة.
وقوله: مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍالرب في اللغة العربية يُطلق على عدة معانٍ فيطلق على رب العالمين عز وجل، وهو بهذا المعنى يشمل الخلق والملك والتدبير، فالرب هو الخالق المالك المدبِّر، ويطلق الرب على الصاحب مثل قولهم: رب البيت أي: صاحب البيت، ومثل قوله عليه الصلاة والسلام في اللُّقَطَةِ: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا» في الضالة، في الضالة؛ ضالة الإبل: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأَكْلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها» أي: صاحبها.
وقوله: مِنْ رَبٍّالمراد به المعنى الأول؛ يعني الله عز وجل، فالله تعالى هو الرب يعني الخالق المالك المدبر ورَحِيمٍمن الرحمة وهي صفة ذاتية لم يزل الله سبحانه وتعالى ولا يزال متصفًا بها، لكن أفرادها تتجدد باعتبار المرحوم، فالله عز وجل يرحم من يشاء، ومعلوم أن المرحوم يتجدَّد، فرحمة الله لهذا المرحوم تتجدد، أما أصل المعنى فإن الله لم يزل ولا يزال رحيمًا.
أهل السنة والجماعة وهم السلف يُفَسِّرون الرحمة بمعنى يليق بالله عز وجل، وأهل التحريف يفسرون الرحمة إما بالإحسان وإما بإرادة الإحسان، فيقولون: معنى رَحِيمٍأي: محسن أو مريد للإحسان، لماذا؟ قالوا: لأن الله لا يمكن أن يتصف بالرحمة فإن الرحمة تدل على الضعف وعلى الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى، وفسروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، أو بالإحسان؛ لأن الإحسان منفصل عن الله عز وجل فهو مخلوق، ولا شك أن هذا تحريف، والرحمة إن كان يلزم منها الرقة واللين فهذا باعتبار رحمة المخلوق، أما باعتبار رحمة الخالق فلا يلزم منها هذا المعنى، على أننا نمنع أن يكون من لازمها الرِّقة واللين، لماذا؟ لأننا نجد الملك القوي الشجاع يكون فيه رحمة ولا يُنْقِص ذلك من قوته وسلطانه شيئًا، لكن لو سلمنا جدلًا أنها تستلزم الرقة واللين فإنما ذلك باعتبار رحمة المخلوق.
سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍبهم، أي: يقول لهم سلام عليكم، ويقول: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: ٥٩]، قوله: (ويقول) يعني الله عز وجل، وفي الجزم في ذلك نظر، فقد يكون الله عز وجل هو الذي يقول للمجرمين: امْتَازُوا، وقد يكون القائل ملكًا من الملائكة، المهم أنه يقال للمجرمين: امْتَازُوا الْيَوْمَ؛ ولهذا لو قال المؤلف: (ويقال) لكان أولى؛ لأن الجزم بأن القائل هو الله يحتاج إلى توقيف؛ يعني: إلى نص من الشارع.
يقول: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَالمراد بـالْيَوْمَيوم القيامة، فـ(أل) هنا فيه للعهد الذكري.
أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَقال المؤلف: (أي: انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم) يعني: يقال يوم القيامة: امتازوا أيها المجرمون، تميزوا عن المؤمنين، انفردوا عنهم؛ لأن طريق المجرمين غير طريق الأبرار، فالأبرار طريقهم إلى الجنة، وهؤلاء طريقهم إلى النار، كما قال الله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم: ٨٥، ٨٦] فيمتاز هؤلاء عن هؤلاء، يقال لهم هذا على سبيل التوبيخ والإهانة؛ لأنك إذا رأيت مجتمعًا تقول مثلًا: أيها الطائفة الفلانية امتازوا، ابتعدوا، صار في هذا من إذلالهم وإهانتهم ما هو ظاهر.
وقوله: أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَمَنْ هو المجرم؟ المجرم فاعل الإجرام، والإجرام هو الذنب والإثم أي: أيها الآثمون المذنبون امتازوا عن المؤمنين المطيعين.
ثم قال: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْآمُركُمْ يَا بَنِي آدَمَعَلَى لِسَان رُسُلِي أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَلَا تُطِيعُوهُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌبَيِّن العداوة، وَأَنِ اعْبُدُونِيوَحِّدُونِي وَأَطِيعُونِي هَذَا صِرَاطٌطَرِيق مُسْتَقِيمٌ). أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ [يس: ٦٠] الاستفهام هنا للتقرير، والغالب أنه إذا وقع بعد الاستفهام ما يدل على النفي فالاستفهام للتقرير؛ مثل أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] هذا للتقرير، أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَللتقرير، أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام: ١٣٠] للتقرير، أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] للتقرير، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] للتقرير، وهكذا كلما جاء ما يدل على النفي بعد أداة الاستفهام فإن الاستفهام يكون فيه غالبًا لأيش؟ للتقرير.
هنا تقرير؛ يقرر الله عز وجل أنه عهد إليهم؛ ولهذا يصح أن يُحَوَّل في غير القرآن إلى فعل ماض فيقال: (قد عهدت إليكم).
فإذا قال قائل: ما المراد بهذا التقرير؟ المراد به التوبيخ؛ يعني: يقرر الله هذا الأمر توبيخًا لهم وإقامة للحجة عليهم أن الله عهد إليهم ألا يعبدوا الشيطان.
والعهد إلى الشيء فسَّرَه المؤلف بأنه الأمر؛ يعني: ألم آمركم، ولكنه في الحقيقة أبلغ من الأمر؛ لأن العهد إليه كأنه متضمن للعهد والميثاق، وهو كذلك؛ فإن الله قد أخذ علينا الميثاق ألا نعبد إلا إياه وألا نعبد الشيطان لأنه عدو.
وقوله: يَا بَنِي آدَمَبَنِي آدَمَهذه تشمل الذكر والأنثى، وإن كان الابن يقال في الأصل للذكر، والبنون تقال في الأصل للذكور، لكن إذا كان المراد به القبيلة أو الجنس فإنه يشمل الذكر والأنثى، حتى إن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا وقف على بني تميم شمل ذكورهم وإناثهم، لكن إذا وقف على بني فلان، واحد من الناس ما هو قبيلة، فإنه يختص بمن؟ بالذكور فقط، فبنو آدم هنا قبيلة، بل شامل لكل القبائل فيشمل الذكور والإناث.
وقوله: أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَفسَّر المؤلف العبادة هنا بالطاعة؛ لأن طاعة الغير في محارم الله نوع من العبادة، كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: ٣١]، لا أن يعبدوا أربابًا كثيرة، قال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم –يعني: لسنا نصلي أو نركع أو نسجد لهم- قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ قَالَ: نَعَمَ. قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمُ» ، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن الواقع أن هذا هو الحقيقة أن طاعة غير الله في مخالفة أمر الله نوع من العبادة؛ لأن العبادة في الأصل هي التذلل والخضوع، وطاعة الأمر تذلل وخضوع.
وقوله: الشَّيْطَانَهل المراد بذلك الجنس أو المراد الشيطان المعين؟ الظاهر أن المراد به الجنس فيشمل شياطين الإنس وشياطين الجن، فكما أن للجن شياطين فللإنس أيضًا شياطين، يوجد من الإنس شياطين يأمرون الناس بالإثم والعدوان، وينهونهم عن البر والإحسان.
وقوله: (أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌبَيِّن العداوة) إِنَّهُأي: الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، كل إنسان أو كل أحد يأمرك بمخالفة أمر الله فهو عدو لك شعر بذلك أم لم يَشْعُر، وعلى رأسهم الشيطان الأول الذي يقود كل شيطان.
قال: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّالعدو ضد الولي، والولي من يتولاك ويحوطك ويعتني بك، فالعدو ضده هو الذي لا يريد لك الخير، وإنما يريد لك الشر.
وقوله: مُبِينٌقال: (بَيِّن العداوة) كيف فسَّر مُبِينٌبـ(بَيِّن)؟ نقول: لأنها من (أبان) و(أبان) تأتي بمعنى أظهر، وتأتي بمعنى ظهر، فإن كانت بمعنى أظهر فهي متعدية، وإن كانت بمعنى ظهر فهي لازمة، ولا يمكن أن نقول: إنها من المتعدي أو اللازم إلا بقرينة من السياق، فهنا نقول: مُبِينٌإذا فسرناها بما فسَّر به المؤلف (بَيِّن العداوة) صارت من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من اللازم، مع أنه يمكن أن نجعلها من المتعدي، ونقول: مُبِينٌمظهر للعداوة؛ لأنه يأمرك بالشر، لكن هذا ضعيف؛ إذ لو أبان عداوته ما تبعه أحد، وإنما يَغُرُّ الناس كما قال تعالى: فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ [الأعراف: ٢٢]. إذن نجعل مُبِينٌهنا من باب اللازم من (أبان) بمعنى ظَهَر.
وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس: ٦١] لا تعبدوا الشيطان، وأن اعبدوني هذا نفي وإثبات، وهو حقيقة التوحيد وَأَنِ اعْبُدُونِيأن هنا مصدرية، ويصح أن تكون مفسرة؛ لأن أَعْهَدْمتضمنة معنى القول، وإذا سبق أن ما يتضمن معنى القول دون حروفه صارت تفسيرية؛ مثل قوله تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون: ٢٧].
على كل حال وَأَنِ اعْبُدُونِييعني أن الله عهد إلينا أن نعبده وحده أي: تذللوا لي بالطاعة.
والمؤلف قال: (وحِّدوني وأطيعون) وهذا معنى صحيح؛ فالعبادة توحيد الله عز وجل بالطاعة والتذلل له بامتثال أمره واجتناب نهيه.
هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌهَذَاالمشار إليه تَرْك عبادة الشيطان وإفراد الله بالعبادة، صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌالصراط فسَّره المؤلف بالطريق، ولكن الصحيح أنه ليس مطلق الطريق صراطًا، بل الصراط هو الطريق الواسع المتساوي؛ لأنه مأخوذ من الصرط أو من السرط، والسرط -كما نعلم- هو ابتلاع الشيء بسرعة، ولا يكون الطريق طريقًا ذا سرعة إلا إذا كان واسعًا وكان سهلًا.
وأما قوله: مُسْتَقِيمٌفهذا وصف له، والاستقامة تشمل اعتدال السير، وتشمل أيضًا انبساط الأرض، فإذا قدر أن الطريق يذهب يمينًا وشمالًا لم يصح أن نقول: إنه مستقيم، وإذا كان فيه مرتفعات ومنخفضات فليس بمستقيم؛ لأن بعضه مرتفع وبعضه نازل، فالاستقامة معناه أنه خالٍ من الانحرف يمينًا وشمالًا، وخالٍ من الاختلاف في ارتفاعه وانخفاضه.
وقوله: صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌإلى من؟ إلى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى أضاف الصراط إلى نفسه، وأضاف الصراط إلى خلقه فقال سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٦، ٧] فأضاف الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم، وقال: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٥٢، ٥٣]، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِأو والأرض؟ وَمَا فِي الْأَرْضِفكيف نجمع بين الإضافتين؟ نقول: أضاف الله الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم هم السالكون له، هم سالكوه وأضافه إلى نفسه؛ لأنه هو الذي وضعه لعباده وهو موصل إليه كما تقول: هذا طريق مكة. ما معنى طريق مكة؟ أي الموصل إلى مكة. وتقول: هذا طريق فلان إذا كان هو الذي وضعه للناس وشقه لهم، أو هو الذي سلكه ومشى عليه.
على كل حال إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم سالكوه، إضافة الصراط إلى الله؛ لأنه أيش؟ هو الذي وضعه لعباده وسَنَّه لهم، وهو -أي الصراط- موصل إلى الله عز وجل.
وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس: ٦١، ٦٢] وَلَقَدْهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ما هي؟
طالب: الواو.
الشيخ: أيش؟ وين الواو؟
طالب: اللام و(قد).
الشيخ: نعم، اللام و(قد).
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: والقسم المقدر.
الشيخ: القسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؟
طالب: القسم واللام و(قد).
الشيخ: القسم. أين القسم؟
طالب: والله لقد أضل منكم.
الشيخ: أحسنت، التقدير: والله لقد أضل. طيب، إذا قال قائل: كيف يقسم الله عز وجل وهو الصادق القول بلا قسم؟
نقول في الجواب على ذلك وجوه:
الوجه الأول: الإشارة إلى أن هذا أمر هام يحتاج إلى أيش؟ إلى القسم عليه؛ لأنه لولا أهميته ما أقسم عليه.
ثانيًا: أن القرآن نزل باللغة العربية، ومن أساليب اللغة العربية أن الشيء إذا أريد إثباته وتحقيقه فإنه يُقْسَم عليه، والقرآن -كما نعلم- نزل بلسان عربي مبين.
الثالث: أن المقسَم به إذا كان صريحًا أي مصرحًا به فإن الإقسام به يدل على عظمته فإن الله لا يقسم بشيء إلا لعظمة ذلك الشيء مثل قوله: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا [الشمس: ١، ٢] إلى آخره، وما أشبه ذلك مما أقسم الله به فإنه يدل على عظمة المقسم به.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، عنده طريق.
طالب: قوله تعالى: أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ(...) لا نافية (...).
الشيخ: كيف؟ يحتمل أن تكون نافية، والفعل منصوب بـ(أن) أو أن (لا) ناهية.
طالب: (...).
الشيخ: المراد به العموم؛ ولهذا قال: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا.
طالب: (...) يا بني آدم ألم أعهد إليكم أن لا تعبدوا الشيطان والمؤمنون (...).
الشيخ: إي نعم، هو بين أنه عهد إلى الخلق كلهم ألا يعبدوا الشيطان، وأن يعبدوه وحده، ولكن أضل الشيطان منهم جِبِلًّا كثيرًا كما في الآية التي شرعنا فيها، فالخطاب عام.
طالب: قال تعالى: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ [يس: ٥٦] الذين لم يتزوجوا من الشباب (...).
الشيخ: إي نعم، لهم أزواج حتى الذين لم يتزوجوا يكون لهم أزواج في الجنة من الحور العين، ومن نساء الدنيا اللاتي لم يتزوجن.
طالب: (...) أزواجهم؟
الشيخ: الحور العين.
طالب: الشابات.
الشيخ: الشابات لهم أزواج، أولًا الظاهر أن النساء من أهل الدنيا لا يَزِدْنَ على الرجال؛ لأن أكثر أهل النار النساء فالنساء هن أكثر أهل النار، وإذا قُدِّرَ أن عدد النساء من أهل الدنيا زاد على عدد الرجال فإنه يمكن أن يجمع الإنسان بين زوجتين أو أكثر، على كل حال إذا وصلت إلى هناك إن شاء الله ما في ضيق، والله المستعان.
طالب: قيل: إنهن يُخَيَّرْن يا شيخ؛ أزواج الدنيا -يعني نساء الدنيا- يُخَيَّرن بأزواجهم في الجنة.
الشيخ: هذا إذا كانت المرأة قد تزوجت رجلين فإنها تُخَيَّر بينهما؛ يعني: إذا تزوجت رجلين ودخلت الجنة معهما تخير بينهما.
طالب: إذا طلقت؟
الشيخ: حتى لو طلقت، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها تختار أحسنهما خلقًا .
طالب: بالنسبة لقوله تعالى: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ(...) النفخ في الصور (...).
الشيخ: لا؛ لأن الله قال في آية أخرى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤]، والزجر لا يكون من النفخ، النفخ صوت وليس بزجر.
طالب: ألا تعبدوا إلا الله (...).
الشيخ: لا، يكون منصوبًا بـ(أن).
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، إن جعلنا (لا) نافية فهو منصوب بـ(أن)، وإن جعلناها ناهية فهو مجزوم بها.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، ربما يقال: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ، فإذا امتازوا قال الله لهم: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ.
طالب: (...).
الشيخ: نعم فيه احتمال، لكن ما نجزم به، فيه احتمال أنها من قول الله، أن الله يقول لهم: امتازوا أيها المجرمون، وفيه احتمال أنها من قول ملك من الملائكة، فإذا امتازوا خوطبوا، وهذا مما يدل على ما ذهب إليه الأخ أن قوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَأنه خاص بالكفار، لكن قوله: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا.. لأنهم لو كانوا هم الكفار لكان قد أضلهم كلهم.
طالب: شيخ، أنا أقصد..
الشيخ: أنا فاهم -بارك الله فيك- فاهم، لكن الجزم يحتاج إلى توقيف.
جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ، عندكم هكذا جِبِلًّا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: جُبْلًا. المشكلة اللي عندي جِبِلًّاوصلنا إلى هذا؟
قوله تعالى: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَفيها من الفوائد..
سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍفي هذه الآية الكريمة: دليل على ما يتمتع به أهل الجنة من السلامة من كل الآفات لا من الأمراض ولا من التعب ولا من الموت ولا من غيرها؛ سَلَامٌلأن الله تعالى يقول لهم: سلام عليكم، وهذا اللفظ الصادر من الله عز وجل ليس دعاء ولكنه خبر من الله، إنما يكون مثل هذا دعاء إذا وقع من المخلوق، أما إذا كان من الخالق فهو خبر أي أن الله تعالى يخبرهم بأنه سيسلمهم من كل آفة.
ومن فوائدها: إثبات الربوبية، وهي هنا فيما يظهر من الربوبية الخاصة، والربوبية تنقسم إلى قسمين: خاصة وعامة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق؛ فإن جميع الخلق مربوبون لله عز وجل هو خالقهم مالكهم مدبرهم، ومنها قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، أما الربوبية الخاصة فهي المختصة بعباد الله المخلصين من عباد الله المؤمنين من الرسل وأتباعهم وهي أخص من الأولى؛ لأنها تقتضي عناية خاصة بالمربوب وتوفيقًا له وإصلاحًا لحاله، ومنها قوله تعالى: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢٢] فإن موسى وهارون من عباد الله المخلصين، فكانت الربوبية في حقهما خاصة، ومنه دعاء المؤمنين لله عز وجل بهذا الاسم، مثل: رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا [آل عمران: ١٦]، فإن المراد به الربوبية الخاصة؛ لأن التوسل بالأخص أخص بالدعاء من التوسل بالأعم، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] الأولى عامة، والثانية خاصة، إذن كم أقسام الربوبية؟ سؤال خاص.
طالب: اثنين ربوبية عامة وخاصة، الربوبية العامة (...).
الشيخ: إي، عباد الله المخلصين. الفرق بينهما أن هذه العامة للتدبير العام الشامل كالخلق والملك والتدبير، وهذه ربوبية خاصة تقتضي عناية خاصة.
طيب، هذه الآية: سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍأقول: إن الظاهر -والله أعلم- أنها من الربوبية الخاصة؛ لأن الذي يخاطب به من القوم المخلصين.
وفي هذه الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله عز وجل؛ لقوله: رَحِيمٍ، وإثبات الربوبية في قوله: رَبٍّ، وهل الرب من أسماء الله؟ نعم، الرب من أسماء الله، دل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» ، وقوله صلى الله عليه وسلم في السواك: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» ، وأما الرحيم فكونه من أسماء الله لا يخفى.
وفي هذه الآية: إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه المنزلة برحمة الله؛ لقوله: مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» ، اللهم تغمدنا برحمتك، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن أحدًا لا يدخل الجنة إلا أن يتغمده الله برحمته، أي: يُسْبِغَ عليه الرحمة فحينئذ يدخل.
ثم قال عز وجل: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ.
في الآية الكريمة من الفوائد: أن المجرمين يُهانون يوم القيامة بحيث يميزون من المؤمنين بلفظ الطرد، وَامْتَازُوا الْيَوْمَيعني: انفردوا وأبعدوا.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يميز بين المجرمين والأبرار يوم القيامة كما مَيَّز بينهم في الدنيا فإن طريق هؤلاء غير طريق هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن قام بعمل أن يذكر الوصف المناسب لهذا العمل، فهنا لما أُمِروا بالإنفراد وطُرِدوا ناسب أن يذكر سبب ذلك حيث قال: أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ، كأنما قال: امتازوا لإجرامكم، ولا شك أن ذكر سبب الحكم يزيل الشبهة واللبس والاعتراض. فإذن نقول: إن تعليق الحكم بوصف هذه فائدة مبنية على الفائدة التي قلنا: إن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّة ذلك الوصف أي: على أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم؛ فإذا قلت مثلًا: أُكْرِمَ المجتهد من الطلبة. فهنا عُلِّق الإكرام بالاجتهاد يفيد أن علة الإكرام هو الاجتهاد، وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم وهو أن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّتِه أي أنه علة ذلك الحكم.
وقوله: أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَحُذِفَت منها ياء النداء، فلماذا؟ يمكن أن يدَّعي علماء البلاغة أنها حُذِفَت من باب الإهانة لهم حتى لا يطول الكلام؛ لأن طول الكلام مع المخاطب من باب التبسط إليه والانشراح لمخاطبته، فإذا اختصر فهو نوع من الإهانة، وليس هذا على إطلاقه بل هذا على حسب السياق؛ قد يكون من الإكرام أن تختصر الكلام، وقد يكون من الإكرام أن تبسط الكلام، لكن المقام في هذا لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن اختصار الكلام وعدم تطويله من باب الإهانة لهم.
ثم قال عز وجل: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس: ٦٠، ٦١].
من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يحب الإعذار من نفسه؛ أي: يحب أن يقيم العذر لنفسه لتقوم الحجة على خلقه؛ لقوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْفإن من عهد إلينا ألا نعبد الشيطان، وأن نعبد الله قد أقام علينا الحجة وأقام العذر لنفسه، وهذا كقوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].
من فوائدها: إثبات رحمة الله عز وجل بالخلق حيث لم يجعل إخلاصهم له موكولًا إلى عقولهم، بل عهد بذلك إليهم على ألسنة الرسل؛ لأن الله لو جعل الإخلاص موكولًا إلى العقول لاختلفت العقول في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ لأن الأهواء لا تنضبط، فجعل الله عز وجل ذلك مما تكفل به هو نفسه لعباده؛ ففيه إثبات رحمة الله عز وجل بهذا العهد الذي عهد به إلى عباده.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التصفية قبل التحلية، أو أحد يقول: التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَهذا أيش؟ تخلية وَأَنِ اعْبُدُونِيتحلية يعني: نفي وإثبات، وهذا هو التوحيد، التوحيد مبني على نفي وإثبات؛ لأن النفي المجرد تعطيل محض وعدم، والإثبات المجرد لا يمنع المشاركة. إذن لا يكون التوحيد إلا بنفي وإثبات. وأضرب مثلًا لهذا لو قلت: لا قائم في البيت. هذا نفي مجرد معناه العدم، عدم وجود قائم في البيت. وإذا قلت: زيد قائم في البيت، هذا إثبات مجرد لا يمنع المشاركة، أي: قد يكون رجل آخر في البيت قائم. فإذا قلت: لا قائم في البيت إلا زيد، حينئذ تحقق الانفراد وتحقق التوحيد، وصار لا يوجد قائم في هذا البيت إلا زيد.
إذن التوحيد لا بد فيه من هذين الأمرين: النفي، والإثبات. ولكن بماذا يبدأ؟ يبدأ أولًا بالنفي ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب، خالص صالح لاستقرار الإثبات فيه، ولهذا يبدأ بالنفي ثم بالإثبات كذا؟ وهذا في القرآن كثير. استمع إلى قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف: ٢٦، ٢٧] فتبرَّأ أولًا من كل معبود، ثم أثبتَ العبادة لله وحده الذي فطره إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٧].
من فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الشيطان في معصية الله، ولا تكون طاعة الشيطان إلا في معصية الله نوع من العبادة؛ لقوله: أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ؛ لأن الطاعة فيها نوع من التذلل، والعبادة هي التذلل، فمن أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده.
ومن فوائدها: أن العبادة لا تختصُّ بالركوع والسجود والذبح والنذر، وما أشبه ذلك، بل هي عامة شاملة لكل طاعة يكون فيها كمال التذلل فهي عبادة.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من طاعة الشيطان؛ حيث سمَّى الله تعالى طاعته عبادة، وكل إنسان يحذر من أن يعبد مع الله غيرَه، ففيه التحذير من طاعة الشيطان في معصية الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب عبادة الله وحده في قوله: وَأَنِ اعْبُدُونِي، والعبادة تُطْلَق على معنيين: أحدهما التعبد، والثاني المتعبَّد به، التعبد يعني التذلل لله عز وجل، وهي بهذا المعنى فعل العبد يعني صلاته صيامه حجه وزكاته، وما أشبه ذلك، وتُطلَق العبادة على المتعبَّد به، وهي بهذا المعنى كل اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال؛ العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية، إذن تطلق العبادة على؟
طلبة: معنيين.
الشيخ: الأول: التعبد وهو فعل العابد، والثاني: المتعبد به وهي العبادات القائمة المشهورة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم هو التوحيد؛ لقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌهَذَاأي: ترك عبادة الشيطان والالتزام بعبادة الله، صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌأي: طريق مستقيم لا عوج فيه، وإنما كان كذلك لأنه موصل إلى رضا الله تعالى وجنته، فهو صراط مستقيم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط قد يكون مستقيمًا، وقد يكون مُعْوَجًّا؛ قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] كل واحد من البشر له طريق، فإن كان على شرع الله فهو مستقيم وإن كان على خلافه فهو معوج.

***

تفسير الآيات (62-67)
01:02:00

ثم قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًاأقرؤها على قراءة المصحف، أظن وقفنا على هذا الآية تكلمنا على أولها وهي قوله: وَلَقَدْ أَضَلَّ.
قال عز وجل: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًاأَضَلَّالإضلال بمعنى الإضاعة والصرف عن الصراط المستقيم، قبل أن نبدأ، ويش عندك تبغي تسأل؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، فيها فائدة سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍفيها إثبات أن الله يقول، ويتكلم، وهذا حق، وقد اختلف أهل القبلة في كلام الله عز وجل؛ فمنهم من قال: إنه يتكلم بحرف وصوت على وجه يليق به، ولا يشبه صوته أصوات المخلوقين. ومنهم من قال: إنه لا يتكلم ولكن يخلق كلامًا ينسبه إليه تشريفًا وتكريمًا. ومنهم من قال: إنه يتكلم لكن كلامه ما يقدره في نفسه، وأما ما يُسْمَع فهو مخلوق، فالأول مذهب أهل السنة والجماعة، والثاني مذهب المعتزلة ومن وافقهم، والثالث مذهب الأشاعرة، وحقيقة الأمر أن مذهب الأشاعرة هو مذهب المعتزلة؛ لأن الكل منهم متفقون على أن ما بين أيدينا من المصحف مخلوق، لكن الجهمية والمعتزلة قالوا: هو كلام الله. وأولئك قالوا: عبارة عن كلام الله، فهم أسوأ منهم من هذه الناحية؛ لأن المعتزلة والجهمية يقولون: إن القرآن كلام الله كما قال الله عنه إنه كلام الله وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: ٦]، لكن هم يقولون: حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَأي: الكلام الذي هو عبارة عن كلام الله فأيهما أقرب إلى الحقيقة؟ الجهمية والمعتزلة، ولكن كل منهما في ضلال مبين. الصواب أنه كلام الله تكلم به بنفسه، وسمع منه جبريل، وألقاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فائدة مهمة وطيبة.
لكن أنا أريد منكم إذا كنت أستنبط الفوائد ألا تتكلموا بشيء؛ لأنكم تعرفون الإنسان إذا ترتَّب تفكيره على شيء ومشى فيه ثم جعل أمامه حجر يتعثر ويزول عنه ما فيه فكره.
طالب: (...).
الشيخ: مهما كان حتى تنتهي الفوائد، مرة طيب.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْأَضَلَّبمعنى أضاع وأتاه؛ يعني: قادكم إلى ضلال ليس فيه هدى. {أَضَلَّ مِنْكُمْ جُبْلًا} قال المؤلف: (خَلْقًا جَمْع جَبِيل كَقَدِيمٍ، وفي قراءة بضم الباء) {جبُلًا}، والقراءة هذه سبعية ولَّا شاذة؟ (وفي قراءة) سبعية نعم، إذا قال: (وفي قراءة) أو قال مثلًا: (بضم الباء وسكونها) فهي سبعية، لكن إذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذة، هذا اصطلاح المؤلف.
إذن فيها قراءتان سبعيتان {جُبْلًا} و{جُبُلًا}، فيها قراءة ثالثة ما ذكرها المؤلف جِِبِلًّا كثيرًاوفيها قراءة رابعة: {جِبِلًا} بدون تشديد اللام، ولكن المؤلف رحمه الله ليس تفسيره جمعًا للقراءات، إنما يذكر ما رأى أن المصلحة تقتضي ذكره، ولكن على كل حال لا شك أنه لو ذكرها لكان أحسن؛ لأنه أحيانًا يذكر قراءات متعددة في صفة الحرف كما يذكر قراءات متعددة التي تبلغ إلى ست قراءات في مثل أَأَنْذَرْتَهُمْ [يس: ١٠] من التسهيل والتحقيق والحذف وما أشبه ذلك، ولكن الإنسان بشر أحيانًا يغفل ويُهْمِل ما ينبغي أن يُذْكَر أو يَذْكُر ما لا يحتاج أن يُذْكَر.
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّاأي خلقًا كَثِيرًا، ولا يعني ذلك أن الأكثر لم يُضلَل من قِبَل الشيطان بل هو أضل أكثر الخلق، أكثر الخلق أضلهم الشيطان؛ لأنه ثبت في الحديث الصحيح أن الله يوم القيامة يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: أخرج من ذريتك بعثًا إلى النار. يقول: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعون. هؤلاء كلهم في النار من بني آدم، وواحد في الجنة فشقَّ ذلك على الصحابة وعظم ذلك، وقالوا: أينا ذلك الواحد يا رسول الله؟ قال: «أَبْشِرُوا، فَإِنَّكُمْ فِي أُمَّتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَرَتَاهُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ» ، وهو كذلك مَنْ شاهَد الخلق الآن -ونحن في جزء بسيط من العصور- وجد أن تسع مئة وتسعة وتسعين كلهم على ضلال حتى المنتسبون منهم للدين الإسلامي عندهم ضلال عظيم يبلغ بهم الكفر، وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام.
طيب، إذن المراد بالكثير هنا الأكثر أو لا؟ نعم، المراد الأكثر جِبِلًّا كَثِيرًاقال: أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَالهمزة هنا للاستفهام، والمراد بالاستفهام التوبيخ يُوَبِّخهم على عدم العقل، والفاء هنا عاطفة، والمعطوف عليه إما ما سبق وإما جملة مقدرة مناسبة للمقام؛ رأيان لأهل العلم: فمنهم من يقول: إن حرف العطف يعطف ما بعده على ما قبله، ولكن في الكلمة تقديم وتأخير بين حرف العطف والهمزة، ولو جعل كل واحد مكانه لكان اللفظ فـ(ألم تكونوا تعقلون).
ومنهم من قال: إن الهمزة في محلها، وإن الفاء عاطفة على مُقَدَّرٍ يُفْهَم من المقام أو من السياق، هذا في الحقيقة قد يكون أقعد يعني أقرب إلى القواعد، لكنه أصعب؛ إذ إنك في بعض المواضع لا تستطيع أن تُقَدِّر شيئًا، ولا تعلم أي شيء يناسب وحينئذ فيكون الثاني الأيسر، والقاعدة عندي فيما إذا اختلف النحويون في مسألة أن الراجح هو الأيسر ما لم يلزم منه اختلاف معنى، ويكون المعنى التابع للأيسر غير صحيح، فحينئذ لا نتَّبِع الأيسر؛ لأنه يُخِلُّ بالمعنى ويؤدي إلى معنى غير صحيح، لكن ما دام المعنى مستقيمًا على الوجهين فالأيسر هو الراجح «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» .
أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَيعني أنه وَبَّخهم على عدم عقلهم، والعقل نوعان: عقل بمعنى الإدراك وهو الذي يترتب عليه التكليف، وعقل بمعنى التصرف وهو الذي يترتب عليه المدح أو الذم، العقل عقلان: عقل بمعنى الإدراك وهو الذي يترتب عليه التكليف، وإن شئت فقل: وهو مناط التكليف، والذي يقول فيه الفقهاء: من شروط العبادة العقل. عقل آخر بمعنى التصرف، وهو الذي يترتب عليه المدح والذم، أيهما المراد هنا؟ المراد الثاني قطعًا؛ لأنه لو انتفى عنهم عقل الإدراك لم يكونوا مُكَلَّفين ولا يتوجه إليهم اللوم، لكنهم انتفى عنهم عقل التصرف فلم يُحْسِنوا التصرف فصاروا عقلاء غير عقلاء، عقلاء باعتبار الإدراك المترتب عليه التكليف، غير عقلاء باعتبار التصرف المرتب عليه المدح أو الذم، فهو في الحقيقة وإن أُعْطَوا عقولًا أو بعبارة ثانية أعطوا ذكاءً لم يعطوا عقلًا، وما أحسن عبارة شيخ الإسلام رحمه الله في المتكلمين حيث قال في وصفهم: إنهم أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً، وأوتوا فهومًا ولم يؤتوا علومًا، وأوتوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف: ٢٦]. شوف أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً، نسأل الله العافية، فكان ذكاؤهم حجة عليهم، وأوتوا فهومًا، عندهم فهم، لكن ما عندهم علم، والإنسان إذا تكلَّم بفهمه لا بعلمه ضلَّ وضاع، فلا بد من علم تبني عليه عقيدتك وعبادتك، المهم أن هؤلاء أوتوا عقولًا تقوم بهم عليهم الحجة ولكنهم حُرِموا من العقول التي يترتب عليها المدح والذم التي هي الرشد وحسن التصرف، فما استعملوا عقولهم التي أنعم الله بها عليهم، ما استعملوها فيما ينفعهم أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَيقول رحمه الله: (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَعداوته وإضلاله أو ما حل بهم من العذاب فتؤمنون) يعني: لو أنكم عقلتم عداوته وإضلاله أو عقلتم ما حل بالمتبعين له من العذاب والنكال لكنتم تخالفونه، ولا تعبدونه ولآمنتم بالله وحده، ولكن الهوى غطى الهدى كما قال عز وجل: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ [فصلت: ١٧].
ثم قال سبحانه وتعالى: هَذِهِ جَهَنَّمُ [يس: ٦٣] قال المؤلف في تقدير الكلام: (ويقال لهم في الآخرة هَذِهِ جَهَنَّمُ) هَذِهِالإشارة هنا إلى قريب؛ لأن إشارة البعيد بـ(أولئك) كذا هَذِهِ جَهَنَّمُ، لكن إشارة البعيد بـ(أولاء) للجماعة، وإشارة البعيد للواحد (تلك) مثلًا أو (ذلك)، طيب هنا يقول: هَذِهِ جَهَنَّمُإشارة إلى قربها منهم؛ لأنه يؤتى بها يوم القيامة تُقاد بسبعين ألف زِمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك ، تُقاد ويؤتى بها ويشاهدها الناس، ويلحقهم من الرعب العظيم ما لا يَقْدِر الواصفون على وصفه، ويقال لهؤلاء المجرمين: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَبها، وفي آية أخرى قال الله فيها: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور: ١٣- ١٦] كانوا في الأول قبل أن يُدَعُّون إليها كانوا يقال لهم: الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَفإذا دُعُّوا إليها، والدَّعُّ يدل على أنهم يتراجعون على أعقابهم خوفًا منها، ولكنهم يدفعون دفعًا بقوة -والعياذ بالله- إليها، ويقال: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [الطور: ١٤]، التكذيب عنف في رَدِّ الحق، والدَّعُّ عنف ولّا لا؟ عنف، فصار الجزاء من جنس العمل، أما حين عُرِضَت عليهم وقُرِّبت منهم فقيل لهم: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، وهنا إشكال وهو أنه قيل: إن الوَعْدَ في الخير والإيعاد في الشر، وعليه قول الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي

وهنا قال: تُوعَدُونَنقول: نعم، الأمر كما قال المُفَسِّر على حذف معلوم، وهو قوله: (بها) توعدون بها لا توعدونها، لو قال: (توعدونها) لصار للإشكال محل، فإن الجنة قال الله فيها: جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الفرقان: ١٥]، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات، لكن هؤلاء وُعِدُوا بها يعني أنه قيل لهم: إنكم سوف تلاقونها، وهذا هو الواقع.
طالب: في قوله تعالى.
الشيخ: أيش؟ قولِه ولَّا قولُه؟
طالب: في قولِه..
الشيخ: نعم.
طالب: أَفَلَمْ تَكُونُوا(...).
الشيخ: عطف الإنشاء على الخبر هذا جائز ما فيه مانع، فيه خلاف لكن يصح جوازه مطلقًا ما دام الأمر مستقيمًا؛ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا [هود: ٩٢]، هذا عطف خبر على إنشاء، وكذلك العكس ولا مانع.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، تقرير بمعنى أن هذا الشيء واقع، لكن وهو تقرير يتضمن توبيخًا، أحيانًا يتضمن توبيخًا، المهم أن هذا شيء مُقَرٌّ يعني: ثابت، معنى التقرير أنه شيء ثابت، ثم قد يكون منحة وقد يكون محنة، إذا كان محنة فهو توبيخ وتلويم، إذا كان منحة فهو ثناء؛ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] أَلَمْيقولون: إنها للتقرير. هل تفيد التوبيخ واللوم ولَّا الثناء والمدح؟ الثناء والمدح؛ لأن معنى التقرير أن هذا الشيء ثابت، ثم قد يكون المراد به هذا أو هذا حسب ما يقتضيه السياق.
طالب: (...) الكافرين لئلا يقال..
الشيخ: إن الله يحب أيش؟
طالب: (...) لئلَّا يقال: إن الله سبحانه وتعالى؛ يعني: ما يحتاج (...).
الشيخ: لا، هذا وهذا، كله، كما جاء في الحديث: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ» الله سبحانه وتعالى يحب أن يعذر من نفسه ويقيم الحجة على غيره، كلاهما أو كلتاهما صحيح.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، أبو هريرة ما أطاعه إلا حينما قال له الرسول: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ» أقره الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: (...).
الشيخ: ثم إنه أيضًا أمره -الشيطان- أمره بشيء يعلم أبو هريرة أنه خير وهو قراءة القرآن، لكن ما علم أنها تحميه من الشيطان إلا بعد إقرار الرسول له.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، ثلاثة أسئلة، (...) يأجوج ومأجوج (...) الذين يرون أنهم.. بعض العامة يقول: إن يأجوج ومأجوج هؤلاء ما هم من بني آدم، وأنهم مختلفون، جنس يختلف اختلافًا عظيمًا، منهم من يترادف العشرة أو العشرين على المُدِّ من الطعام لا يبلغون أعلاه، ومنهم مِنْ هو كبار الأجسام طوال الآذان، له أذنان يفترش إحداها ويلتحف الأخرى، يختلفون، لكن الصحيح أنهم من بني آدم، لا شك في ذلك.

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَأي: (توعدون بها) ولكنهم كانوا بها يكذبون، كما قال الله تعالى في سورة الطور: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [الطور: ١٤]، فهم وُعِدوا بها أي: تُوُعِّدوا بها، ولكنهم كذبوا، والعياذ بالله، ويوم القيامة يوبخون على هذا التكذيب ويقال: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَوهَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ.
قال الله تعالى: اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [يس: ٦٤] يعني: يقال لهم: اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وهذا الأمر أمر كوني أو شرعي؟ هذا أمر كوني إن كان من الله، وإن كان ممن أمرهم الله أن يقولوا ذلك من الملائكة فهو أيضًا أمر كوني، والمراد به الإهانة والإذلال، وإلا من المعلوم أنهم لن يستطيعوا أن يَصْلَوْهَا لكن يقال ذلك على سبيل الإهانة والإذلال.
الْيَوْمَ(أل) هنا للعهد الذكري، وقد يكون بالنسبة لمخاطبة هؤلاء الكفار للعهد الحضوري؛ يعني: هذا اليوم الحاضر اصلوا النار فيها.
يتردد علينا كثيرًا العهد الذكري والحضوري والذهني، فما هو الفرق بين هذا؟
طالب: العهد الحضوري يعني أن هذا الشيء حاضر أمامه.
الشيخ: نعم.
طالب: (...)، والعهد الذكري أي سبق ذكره يعني في الكلام، مثل قوله تعالى..
الشيخ: طيب، لا (...) أمثلة.
طالب: يعني..
الشيخ: الذهني؟
طالب: والعهد الذهني أي أنه معروف بالذهن..
الشيخ: معروف بس خلاص، كذا؟
إذن العهد الحضوري ما كان معهودًا لحضوره، والذكري ما كان معهودًا لذكره، والذهني ما كان معهودًا في الأذهان؛ فمثلًا إذا قلنا: اذهب إلى القاضي وأنت مثلًا في بلد، إلى أي قاضٍ تذهب؟ إلى قاضي البلد نفسها؛ لأن هذا معلوم في الذهن. الحضوري إذا قلت مثلًا: اليوم نكرمك، هذا حضوري؛ كقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣]. العهد الذكري ما سبق ذكره مثل: كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] يعني: الرسول المذكور، ما هو رسول آخر، هنا اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَالذي يظهر أنه عهد حضوري.
وقوله: بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(ما) مصدرية أي: بكونكم تكفرون، والباء للسببية أي بسبب، وقوله: بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَأي: تكفرون به في الدنيا؛ فقد كفروا بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وبكل ما أخبر الله به؛ ولهذا لم يقوموا بطاعته؛ لأنه ليس عندهم إيمان، وإنما يقال لهم: بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَلإقامة الحجة عليهم وبيان أنهم لم يظلموا؛ ولهذا كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [الملك: ٨، ٩].
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْالْيَوْمَيعني يوم القيامة، (نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْأي: الكفار؛ لقولهم: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْوغيرها بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَفكل عضو ينطق بما صدر منه).
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْالختم على الشيء بمعنى إغلاقه وعدم الوصول إليه، ومنه خَتَمْتُ الكيس إذا أحكمتُ شدَّه وختمت عليه بالشمع ونحوه، ومعنى نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْأي نسُدها فلا تتكلم؛ وذلك أن المشركين يوم القيامة إذا رأوا الموحدين قد نجوا تكلموا وتبرؤوا من الشرك، وقالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ.