تفسير سورة يس - 8
عدد الزيارات 4842

عناصر المادة :
تفسير الآيات (68-75)

أقررنا لأننا غير مشركين لعلنا ننجو كما نجا أهل التوحيد، وحينئذ يُخْتَم على أفواههم؛ لأن أفواههم صارت تتكلم بماذا؟ بالكذب، فيختم على أفواههم وتنطق الجوارح والجلود، الجوارح بما عملت والجلود بما مسَّت؛ فإن الجلد يَمَسُّ المحرمات كمس المرأة لشهوة مثلًا فتشهد عليهم الجوارح؛ ولهذا قال عز وجل: وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ [يس: ٦٥]، نفس اليد تتكلم تقول: عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا.
وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يس: ٦٥] نفس الأرجل تشهد تقول: أشهد أنه عَمِل كذا وكذا، وتأمَّلِ الفرق بين اليد والرجل؛ فاليد قال: تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ، في الأرجل قال: تَشْهَدُ؛ لأن اليد تُخْبِر عما فعلت، والرجل تخبر عما فعل غيرُها، قالوا: لأن الأصل في المباشرة اليد؛ ولهذا دائمًا يُعَلَّق الكسب باليد فيقال: بما كسبت أيديكم، أو بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]، أو بما كسبت أيديهم؛ فلهذا كانت الأيدي مباشرة، والأرجل شاهدة؛ لأن الشاهد هو الذي يُخْبِر عما فعل غيره، والفاعل هو الذي يُخْبِر عما فعل هو بنفسه، هكذا قال بعض أهل العلم، وهو فرق لا بأس به مع أن الإنسان قد يشهد على نفسه كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النساء: ١٣٥]، فإقرار الإنسان على نفسه شهادة عليها، لكن الفرق الذي أشار إليه بعض العلماء ونقلناه لكم فرق لا بأس به.
وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَكذا عندكم؟
بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَقال: (وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْوغيرها)، المؤلف قال: (وغيرها)، ولا يعني ذلك أنه يستدرك على القرآن، لكنه يُنَبَّه على موضع آخر من القرآن، ففي آية أخرى بيَّن الله تعالى أنه تشهد عليهم الجلود وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ [فصلت: ٢٢]، لا قبلها حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٠]. السمع والبصر ذُكِرَ هنا ولَّا ما ذُكِر؟ هنا ما ذُكِرَ، هنا ذُكِرَت الأيدي والأرجل، السمع والبصر والجلود ما ذكر، ولهذا قال المؤلف: (وغيرها) إشارة إلى أن هناك أعضاء تشهد غير الأيدي والأرجل؛ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْالسمع بما سمع، والبصر بما رأى، والجلد بما مس، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَاولم يقل: وقالوا لأبصارهم وسمعهم: لم شهدتم؛ لأن عذاب الجلد عام يشمل الجسد كله، لكن عذاب السمع والبصر خاص بالسمع والبصر؛ فلهذا وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا؛ لأن العذاب سيكون على الجلود كما قال تعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء: ٥٦]، الحاصل أنه يشهد غير الأيدي والأرجل فتكون الشهداء كم؟ خمسة؛ الأيدي، والأرجل، والسمع، والبصر، والجلود.
يقول: بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَقوله: بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَتنازعه عاملان: الأول: (تُكَلِّم)، والثاني: (تَشْهَد)، والتنازع أن يتوارد عاملان على معمول واحد؛ مثل أن تقول: أكرمت ورأيت زيدًا، فإن (أكرمت) و(رأيت) عاملان على معمول واحد وهو زيد، أما أيهما يعمل هل هو الأول ولَّا الثاني؟ فالعلماء اختلفوا في ذلك يقول ابن مالك:

وَالْثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ وَاخْتَار عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ

العامل الثاني هو الذي عند البصريين وعند الكوفيين، الذي يعمل هو الأول.
وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَولم يقل: بما كانوا يعملون؛ لأن العمل قد لا يكون من كسب الإنسان، قد يكون العمل خطأ فلا يؤاخذ به الإنسان فلا يكون من كسبه، بل الذي يكون من الكسب هو العمل الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة البقرة: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] ولم يقل: لها ما عملت وعليها ما عملت، فالكسب أخصُّ من العمل؛ لأنه لا يلزم من كل عمل أن يكون كسبًا، قد يكون وقع عن سهو أو عن جهل فلا يؤاخذ به الإنسان، وقد يكون عن غير قصد فلا يؤاخذ به الإنسان، لكن مع ذلك أحيانًا يُطْلَق العمل ويراد به العمل الذي هو الكسب؛ مثل قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: ٤٦]، يقول: بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَفكل عضو ينطق بما صدر منه؛ اليد تنطق بما بطشت، والرجل بما مشت، والعين بما رأت، والأذن بما سمعت، والجلد بما مس. في سورة النور ذكر الله أن الألسن تشهد؛ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤].
إذن نضيف هذا إلى الخمسة تكون ستة؛ اللسان أيضًا يشهد عليهم؛ لأن اللسان هو أعظم الجوارح خطرًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّار عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» وكلَّ صباح تكفر الجوارح اللسان؛ يعني أنها تجعل الأمر منوطًا به؛ ولهذا قال في سورة النور: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ، ونص على الألسن في سورة النور؛ لأنه ذكر فيها ما يتعلق بذلك من الأمور العظيمة كالقذف مثلًا، وأعظمه قذف عائشة رضي الله عنها؛ فلهذا ذُكِرَت في سورة النور الألسن؛ لأن القذف قول فقال: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ؛ قال الله سبحانه وتعالى: بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَوكل عضو ينطق بما صَدَر منه.
قال: (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْلأعميناها طَمْسًا فَاسْتَبَقُواابتدروا الصِّرَاطَالطريق ذاهبين كعادتهم فَأَنَّى يُبْصِرُونَفكيف يبصرون حينئذ؟ أي: لا يبصرون، وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْقردة وخنازير أو حجارة عَلَى مَكَانَتِهِمْوفي قراءة {مَكَانَاتِهِمْ} جمع مكانة بمعنى مكان أي: في منازلهم فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَأي: لم يقدروا على ذهاب ولا مجيء).
قوله: وَلَوْ نَشَاءُ [يس: ٦٦]، (لو) هذه حرف امتناع لوجود، ما الذي امتنع؟ الطمس، امتنع ليش؟ لامتناع المشيئة، فإذن هي حرف امتناع لامتناع، لو جاء زيد لأكرمتك. امتنع المجيء والإكرام، لكن (لولا) حرف امتناع لوجود، و(لما) حرف وجود لوجود، فهذه الثلاثة أدوات تنازعت الوجود والعدم.
لو جاء زيد لأكرمتك. امتناع لامتناع.
لولا زيد لأكرمتك. امتناع لوجود.
وإن شئت فقل: لولا مجيء زيد لأكرمتك، عشان ينطبق مع المثالين، هنا وَلَوْ نَشَاءُإذن حرف امتناع لامتناع، امتنع المسخ لامتناع المشيئة، فقوله عز وجل: وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ، نَشَاءُهذه جمع، نَشَاءُالضمير ضمير جمع؛ يعني: لو نشاء نحن، وهذا من المشتبه؛ لأن النصراني ادعى تعدد الآلهة بمثل هذا الضمير، قال الله عز وجل يعبِّر عن نفسه بـ(نحن) و(نشاء) و(نريد) وما أشبه ذلك، إذن فهو متعدد، ولكننا نرد عليه بأن الجمع هنا للتعظيم وليس للتعدد؛ لأنك عميت عينك وعميت بصيرتك عن الآيات الصريحة المحكمة الدالة على أن الله إله واحد إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء: ١٧١]، ولكن كما قال الله عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧] إذن الضمير نَشَاءُوهو ضمير جمع، (نحن) هذا للتعظيم وليس للجمع قطعًا؛ لأن الله واحد.
لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْقال: (أعميناها طمسًا) والطمس أبلغ من الإعماء؛ لأن الطمس إزالة العين مرة واحدة ليس لها أثر، والعمى يكون مع بقاء العين، لكن قد تكون قائمة بصورتها وقد تختلف، المهم أن الطمس إزالة العين ومعالمها نهائيًّا، لو شاء الله تعالى لفعل ذلك حتى بعد وجود العين، وإلا لن يخلق فيهم أعينًا.
إحنا قلنا بعد وجود العين؛ لأن الله قال: لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ، والله عز وجل على كل شيء قدير، فكما كان قادرًا عل شق العين فهو قادر على طمس ذلك الشق، وإذا كان البشر ربما يخيط الشق حتى يتلاءم فما بالك بالخالق عز وجل الذي يقول للشيء: كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]!.
فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ [يس: ٦٦] يعني: طُمِسَ على أعينهم فصاروا يتسابقون لعلهم يدركون الطريق الذي يُوَصِّلهم إلى مقصودهم، كأنك تتصورهم الآن يتنافرون تنافر الحمر لعلهم يهتدون إلى الطريق، وهل هذا ممكن؟ هل يمكن للأعمى أن يُدَلَّ الطريق؟ لا، من حيث الدلالة البصرية لا يمكن، ولهذا قال: فَأَنَّى يُبْصِرُونَيعني: كيف يبصرون الطريق وقد طمس الله أعينهم! والمقصود بهذه الآية أن الله سبحانه وتعالى طمس قلوب هؤلاء، ولو شاء لطمس أعينهم فصار الطمس حسيًّا معلومًا، وكما أن المطموسة عينه لا يُبْصِر فكذلك المطموسة بَصيرته لا يبصر الحق، كيف يمكن لإنسان طَمَس الله بصيرته أن يبصر الحق ويهتدي هذا شيء متعذر، كما أن مَنْ طَمَس الله بصره لا يمكن أن يهتدي إلى الطريق.
قال: وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ [يس: ٦٧] الأول لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْانتفاء الدلالة، والثاني انتفاء السير وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْمَسَخْنَاهُمْقيل: المراد بالمسخ ما قال المؤلف: (قردة وخنازير وحجارة) ، وقيل: المراد بالمسخ الإبقاء على ما هم عليه؛ يعني: يُمْسَخون على مكانتهم فلا يستطيعون التحرك، وهو آدمي لكن ممسوخ لا يستطيع الحراك، وأيًّا كان فالله على كل شيء قدير، وقد قلب الله تعالى بني آدم قردة وخنازير.
طالب: (...).
الشيخ: بني إسرائيل، إي نعم، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة: ٦٠] فالله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صْورَةَ حِمَارٍ» ، والأمر هين على الله سبحانه وتعالى يقول: كُنْ فَيَكُونُ.
فيقول: وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْأي: حَوَّلْنا صورهم إلى صور أخرى من القردة والخنازير أو جعلناهم حجارة أو أننا أبقيناهم ماكثين كالجماد، المهم أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لمسخهم وأبقاهم في مكانهم ما يتحركون؛ ولهذا قال: فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَيعني: فما استطاعوا أن ينظروا، لماذا؟ لأنهم مُسِخُوا على مكانتهم وبقوا ثابتين ولا يستطيعون أن يرجعوا، والذي لا يستطيع أن يمضي ولا يرجع معناه ثابت كالعمود لا يتقدم أمامًا ولا يتأخر خلفًا، لو شاء الله عز وجل لمسخهم على هذا حتى ظهر أمرهم محسوسًا، أما بالنسبة للخير والتقدم المعنوي فهم لم يتقدموا إلى الخير ولكن تأخروا عنه إلى الشر؛ ولهذا كان سَيْرُهم الذي يسيرون عليه في العمل عكسَ الاتجاه الصحيح، بل مضاد له تمامًا؛ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ.
قال الله تعالى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ [يس: ٦٨] (...).
ويش تقولون فيه؟ حرف استفهام بمعنى النفي؛ يعني: فلا يبصرون.
(...) انتهينا إلى قوله تعالى: وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس: ٦١].
قال الله عز وجل: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس: ٦٢] هذا مبتدأ الفوائد.
يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد:
أولًا: بيان عداوة الشيطان لبني آدم؛ حيث أضل منهم جِبِلًّا كثيرًا أي: خلقًا كثيرًا عظيمًا.
ومنها: الحذر بل التحذير من الشيطان وإغوائه؛ لأنه لا يمكن أن يسعى لهداية الخلق أو لهداية بني آدم، وإنما يسعى لإضلالهم.
ومنها: أن من اتبع الشيطان في إغوائه وإضلاله فهو غير عاقل؛ لقوله: أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ.
ومنها: أن مَن ساء تصرفه صح أن ينفى عنه العقل وإن كان عاقلًا عقل إدراك؛ لقوله هنا: أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ، وقد مر علينا أن العقل عقلينِ: عقل هو مناط التكليف وهو عقل الإدراك، وعقل هو مناط المدح والذم وهو عقل التصرف الذي يكون به الرشد.
ومنها: توبيخُ ولومُ مَنْ تَبِعَ الشيطان في إضلاله لكونه غير عاقل؛ لقوله: أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ.
ثم قال عز وجل: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [يس: ٦٣] في هذا إثبات نار جهنم وأنها تشاهد عيانًا يوم القيامة؛ لقوله: هَذِهِوالإشارة تكون إلى مشار إليه محسوس.
ومنها: بيان صفة النار، وأنها -والعياذ بالله- كلها ظلمة وكلها سواد؛ لقوله: جَهَنَّمُ؛ لأنها من الجهمة أي: الظلمة والسواد.
ومنها أيضًا: تقرير هؤلاء وإظهار خطأهم في تكذيبهم؛ لقوله: الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
ومنها؛ من فوائد الآية: صدق وعد الله سبحانه وتعالى؛ حيث صدق وعده بما وعد به هؤلاء المكذبين حتى شاهدوا ما وُعِدوا به عيانًا.
ثم قال عز وجل: اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [يس: ٦٤].
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن هؤلاء المكذبين يؤمرون أمر إهانة وإذلال ليصلوا النار؛ لقوله: اصْلَوْهَا الْيَوْمَ.
ومن فوائدها: إثبات الأسباب لقوله: بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وإثبات الأسباب أمر معلوم بالشرع والعقل والحس، ولا ينكر إثبات الأسباب إلا جاهل بحقيقة الواقع فإنه لا أحد ينكر أنك إذا رميت الزجاجة بحجر انكسرت به، وإذا ألقيتَ الخِرَق في النار احترقت بها، لا ينكر هذا إلا شخص مكابر في الواقع، ومع هذا فهل الأسباب تفعل بذاتها أو تؤثر بذاتها؟ لا، بل بخلق الله سبحانه وتعالى التأثيرَ فيها، وحينئذ لا يكون لإثبات الأسباب أو لا يكون في إثبات الأسباب شيء من الشرك خلافًا لمن زعم أن إثبات تأثير الأسباب نوع من الشرك؛ لأن وقوع هذه الأسباب إنما تؤثر بأيش؟ بخلق الله عز وجل التأثير فيها؛ ولهذا إذا شاء الله ألا تؤثر لم تؤثر فإن النار طبيعتها الإحراق، ومع ذلك لم تحرق إبراهيم عليه الصلاة والسلام بل كانت بردًا وسلامًا عليه؛ لأن الله قال: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].
ومنها: كمال عدل الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَأي: فلم تظلموا، بل أنتم الذين فعلتم ذلك بأنفسكم.
ثم قال عز وجل: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.
من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يختم على أفواه المكذبين يوم القيامة فلا يتكلمون، وقد سبق لنا الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى عنهم: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، وما هو الجمع؟
طالب: (...).
الشيخ: أحسنت، إذن يكون للقيامة أحوال؛ حال يكذبون، وحالة يُقِرُّون، لكن بعد أن تشهد عليهم أيديهم وألسنتهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ، فإنه خلاف العادة أن تكلم الأيدي والأرجل، ولكن الله على كل شيء قدير؛ ولهذا لما ذكر الله عنهم أنهم قالوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١].
من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان يمكن أن يشهد بعضه على بعض؛ لأن هذا الرجل الواحد تشهد عليه أعضاؤه بما عمل، فهل يتفرع على هذا أن الإنسان في الدنيا يمكن أن يشهد على نفسه؟ نعم يمكن، وشهادته على نفسه هو إقراره على نفسه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبرة في العمل بما كان فيه من كَسْبٍ لا مجرد العمل؛ لقوله: بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، وذكرنا في التفسير الفرق بين قوله: بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٠] وبِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَلأن مجرد العمل قد لا يكون كسبًا كما لو صدر من جاهل أو صدر من ساهٍ أو نائم أو ما أشبه ذلك.
ثم قال تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَالآيتين.
في هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: وَلَوْ نَشَاءُ، ولكن كل شيء معلق بمشيئة الله فإنه مقرون أيضًا بالحكمة؛ لأن الله عز وجل لا يشاء مشيئة مجردة بل مشيئته تابعة لحكمته، ودليل ذلك قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠] فقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًايدل على أن مشيئته مقرونة بالعلم والحكمة.
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان تمام قدرة الله؛ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ، هذه الأعين المبصرة لو شاء الله لطمسها وصارت كأن لم تكن.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: ضَرْب المثل عن الأشياء المعقولة بالأشياء المحسوسة؛ فإن هؤلاء لو طُمِسَت أعينهم ما استطاعوا أن يهتدوا إلى السبيل، فكذلك إذا طمس الله بصيرة القلب -والعياذ بالله- لم يستطع الوصول إلى الحق ولم يعرف الحق.
ومن فوائد الآية الكريمة: كمال بلاغة القرآن؛ لأن الله لو شاء لقال: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فما استطاعوا أن يذهبوا ولا يرجعوا، لكن أتى به على هذا السياق المبسط يعني الذي به توسع؛ لأنه أبلغ في التأثير، ولأنه يكون له نغمة جيدة تهفو إليها الأسماع وتلتذ بسماعها.
ثم قال: وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَأيضًا فيها إثبات المشيئة وكمال قدرة الله عز وجل.
ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لأثبتهم في مكانهم بحيث لا يستطيعون الذهاب ولا الرجوع؛ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ.

***

تفسير الآيات (68-75)
00:30:41

ثم قال: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ ننكسه فِي الْخَلْقِ} [يس: ٦٨].
قال الله عز وجل {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ ننكسه فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ} الجملة هذه شرطية، فعل الشرط هو قوله: نُعَمِّرْهُ، وجوابه {ننكسه}، يقول الله عز وجل: مَنْ نُعَمِّرْهُأي: نجعل عمره طويلًا؛ ولهذا قال المؤلف: (بإطالة أجله {ننكسه} وفي قراءة بالتشديد من التَّنْكِيس)، والقراءة الأصل التي جعلها المؤلف أصلًا من الإنكاس ، والإنكاس والتنكيس بمعنى الرَّدِّ من حال كاملة إلى حال ناقصة.
وقوله: نُنَكِّسْهُأو{ننكسه فِي الْخَلْقِ} يقول المؤلف في تفسيرها: (أي خلقه فيكون بعد قوته وشبابه ضعيفًا وهرمًا) نعم، كلما طال العمر بالإنسان فإنه يرجع إلى الوراء ليس بالقوة البدنية فحسب، بل في القوة البدنية والقوة العقلية والقوة الفكرية فيضعُف ويعود إلى أرذل العمر كما قال الله عز وجل، والغرض من هذا التنبيه وإن كان أمرًا واقعًا، كل يعرفه الغرض من هذا أن يبادر الإنسان عمره ما دام في قوته وشبابه؛ لأنه سيأتيه اليوم الذي لا يكون عنده تلك القدرة البدنية ولا القدرة الفكرية ولا القدرة العقلية، يكون تفكيره محدودًا كتفكير الصبي لا يفكر إلا فيما يحيط به جدران بيته، ويكون عقله كذلك محدودًا لا يستطيع أن ينظر ويعقل ويفكر في الأمور ويوازن بينها ويحكم عليها، كذلك أيضًا يكون حفظه للأشياء محدودًا فيمر به الشيء الصباح ولا يستطيع التعبير عنه في المساء، كل هذا أمرٌ واقع وظاهر، بل من الناس مَنْ يُسْلَب عقله نهائيًّا، وربما يصل إلى حد يشبه الجنون يؤذي أهله بالصراخ والعويل والأناشيد، وما أشبه ذلك، حسب ما كان عليه حين الصغر، حتى إن الإنسان إذا كان مثلًا جمالًا وكان يُنْشِد الأشعار تجده إذا كبر وهرم يبدأ ينشد هذه الأشعار، كل هذا أمر لا بد منه؛ ولهذا قال الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْمَوْتِ وَالْهَرَمِ

كل إنسان عاقل إذا تَذَكَّرَ أن مآله إما موت عاجل وإما هرم فإنه لا يطيب له العيش، ولكن ليس معنى (لا يطيب له العيش) أنه يبقى ندمان في حزن، لا، بل، يسعى ويستعد لهذه الحال التي لا بد منها.
قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ(أن القادر على ذلك المعلوم عندهم قادر على البعث فيؤمنون به، وفي قراءة بالتاء) {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} وهي سبعية، كما هو معروف، هكذا قال المؤلف رحمه الله: إن المراد الاستدلال بتغيير حال الإنسان إلى هذه الحال الدانية على أن الله تعالى قادر على أن يبعثكم، وهذا الذي قاله ممكن لكن أحسن منه أن يقال إن معنى قوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، أفلا يكون لكم عقل فتبادروا أعماركم قبل أن تصلوا إلى هذه الحال، تبادرونها بماذا؟ بالإيمان والعمل الصالح ما استطعتم، حتى إذا وصلتم إلى هذه الحالة، وإذا أنتم على أَتَمِّ استعدادٍ لها، وغالبًا أن الإنسان الذي يُمْضِي وقته بطاعة الله سبحانه وتعالى أنه إذا هرم تجده لا يهتم إلا بالطاعات، كثير من المسلمين إذا هَرِموا تجده يقول: أين الماء، أنا أريد أن أتوضأ؟ أو تجده يصلي دائمًا، أو تجده يقرأ القرآن دائمًا، أو يذكر الله دائمًا، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى أن الإنسان يهرم على الحال التي يكون عليها، وعكس ذلك سيكون بالعكس من كان في حال قوته وشبابه على غير هذا العمل الصالح سوف يكون هذيانه إذا كبر بهذا العمل السَّيِّء، قال: أَفَلَا تَعْقِلُونَ
(وَمَا عَلَّمْنَاهُأي: النبي الشِّعْرَرَدٌّ لقولهم: إن ما أتى به من القرآن شعر. وَمَا يَنْبَغِييَسْهل لَهُالشعر، إِنْ هُوَليس الذي أتى به إِلَّا ذِكْرٌعظة وَقُرْآنٌ مُبِينٌمُظهِر للأحكام وغيرها).
قوله: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس: ٦٩]، أمَّا (علَّمنا) فهي تعود (نا) إلى الله سبحانه وتعالى، وأما الضمير الهاء فيعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا قال قائل: أين مرجع الضمير؛ لأن كل الآيات السابقة ليس فيها ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم؟
قلنا: إن الضمير يُعْلَم مرجعه من السياق السابق أو السياق اللاحق، وهذا يُشْبِه العهد الذهني في (أل) أو من الفهم بحيث يكون الأمر مفهومًا عند المخاطب، وهذا كالعهد أيش؟ كالعهد الذهني.
هنا يُعْلَم مرجع الضمير في قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، ومعلوم أن الذي جاء بهذا الذكر والقرآن المبين هو محمد صلى الله عليه وسلم.
يقول الله تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُأي: ما علَّمْنَا النبي صلى الله عليه وسلم الشعر؛ لأن الشعر في الواقع لو علَّمَه الله النبي صلى الله عليه وسلم لكان في ذلك حُجَّة للمبطلين المكذبين، ولقالوا: إن هذا القرآن من جملة الشعر الذي عُلِّمَ إياه؛ ولهذا لم يُعَلَّم الشعر ولم يعلم الكتابة كما قال تعالى:وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨].
يقول: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَفالنبي صلى الله عليه وسلم لم يَقُلْ شعرًا أبدًا، وإذا قُدِّرَ أن جرى على لسانه كلام موزون وزن الشعر فإنه ليس عن قَصْدٍ وإرادة وإنما جاء عفوًا، والذي يأتي عفوًا ليس مقصودًا فلا يكون معلومًا؛ مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «أَنَّا النَّبِيُّ لَا كَذِبٌ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ» .
فإن هذا رجز، ولكنه ليس عن قصد فلا يكون ذلك تعليمًا، أما الشعر فإنه الكلام الموزون المقفى وسُمِّيَ شعرًا؛ لأنه يأخذ بالشعور، ولهذا تجد أن النَّظْمَ يأخذ باللُّبِّ أكثر مما يأخذ النثر؛ يعني: ربما تسمع خطبة بليغة جيدة جدًّا وتجد ما يماثلها في المعاني من نظم، ولكنك ترى أن تأثير النظم أشد، وأخذَه بالشعور أكثر؛ ولهذا سُمِّيَ شعرًا، وبه نعرف أن ما يُسَمَّى الآن بالشعر المنثور ليس بشعر؛ لأنه لا يأخذ بالمشاعر، ليس بشعر وليس بنثر، وإنما هو كالمنافق لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا يطرب إليه من يطربون إلى النثر والخطب، ولا من يطربون إلى الشعر والقصائد، فهو في الحقيقة ليس بشيء، ولكن لكل امرئ من دهره ما تعود، الذين أحدثوه يطربون له ويرون أنه أشدَّ شاعرية من شعر امرئ القيس، فنحن نقول: إن الشعر هو الذي يأخذ بالمشاعر؛ بأن يكون كلامًا موزونًا مُقَفًّى يأخذ باللُّبِّ.
يقول: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَقال المؤلف: (رَدٌّ لقولهم: إن ما أتى به من القرآن شعر)، والمكذبون والذين يقومون ضد أي إنسان لا بد أن يَصِفُوا قوله بالمعائب؛ لماذا؟ من أجل أن يُنَفِّروا الناس عنه، ولكن كما قال الله عز وجل: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة: ٣٢]، قال الله سبحانه وتعالى في سورة الذاريات: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢].
كل الرسل وُصِفوا بهذين الوصفين من أعدائهم؛ السحر والجنون، ومحمد عليه الصلاة والسلام أيضًا وُصِفَ بذلك؛ وصفوه بأنه ساحر وشاعر ومجنون وكاهن وكذاب، كل ذلك من أجل أن يُنَفِّروا الناس عنه، ولكن هل حَصَل الأمر؟ هل نفر الناس؟ أبدًا؛ لأن الحق -والحمد لله- سيعلو مهما قُوبِل به من صدمات فإن العاقبة له.
فإذا قال قائل: هذا الوصف للرسول عليه الصلاة والسلام هل يتعدى إلى أتباعه؟
فالجواب: نعم، كل ما وُصِفَت به الرسل يوصف بمثله أتباعُهُم، ألم تعلموا أن المجرمين إذا رأوا المؤمنين يقولون: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢] يصفونهم بالضلال، وفي عصرنا يصفونهم بالرجعية والتأخر وما أشبه ذلك من الكلمات التي ينفروا الناس بها عن الحق، وأهل البدع يصفون أهل السنة والجماعة بألقاب السوء يقولون: إنهم نوابت، غثاء، حشو، حشوية، مجسمة، مشبهة، وما أشبه ذلك. كل هذا من أجل التنفير عما هم عليه، ولكن -الحمد لله- أن الأمر يكون ثَوابًا لهؤلاء الذين يصفون بهذه العيوب وامتحانًا لهم بالصبر على ما هم عليه من الحق، ثم العاقبة تكون لهم.
المؤلف رحمه الله قال: (وما يَسْهُل له الشعر) يعني: ليس سهلًا له، بل هو صعب عليه إنشاءً، وصعب عليه إنشادًا يعني: هو عليه الصلاة والسلام إذا أنشد شعر غيرِه ينشده أحيانًا على غير الوزن المعروف؛ لأنه ليس له عناية بالشعر أو تَحَفُّظٌ له، أما بنفسه فلا يُنْشِد، ولكن الأولى أن يفسر هنا مَا يَنْبَغِيأي: ما يمكن، ولا يصلح له، ولا يليق به؛ لأنها كلما جاءت في القرآن مَا يَنْبَغِيفالمراد بها الممتنع غاية الامتناع، كما في قوله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢]، ليس معنى مَا يَنْبَغِييعني أنه ما هو طيب، ولكن يمكن لكنه مستحيل غاية الاستحالة، ومثل قوله: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [يس: ٤٠] يعني: هذا شيء مستحيل أن تدرك القمر، وهذا حسب العادة فيما يتعلق بالشمس وَمَا يَنْبَغِي لَهُأي: ما يمكن ولا يليق به عليه الصلاة والسلام أن يكون شاعرًا.
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌقال المؤلف: (ليس الذي أتى به إِلَّا ذِكْرٌ) فأفادنا بأنَّ إِنْهنا نافية؛ يعني: ما هو إلا ذكر، إِنْمكسورة الهمزة تأتي لعدة معان نستذكرها الآن، وإن كانت قد مرت علينا، الأول.
طالب: نافية.
الشيخ: نعم، نافية كما هنا، وعلامتها غالبًا أن يأتي بعدها (إلا)، طيب والثانية.
طالب: شرطية.
الشيخ: شرطية مثل؟
طالب: إن تذاكر تنجح.
الشيخ: إن تذاكر تنجح، طيب. وتأتي..
طالب: زائدة.
الشيخ: زائدة، مثل؟
طالب: ما إن.
الشيخ: ما إن، هات البيت.
طالب:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

الشيخ:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

طيب، هذه ثلاث.
طالب: مخففة من الثقيلة.
الشيخ: مخففة من الثقيلة، مثل؟
طالب: (...).
الشيخ: أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب، إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ [طه: ٦٣].
................... وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ

طيب، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌقال: (عِظَة).
طالب: (...) على الطاعة، هل يؤجر على هذا (...)؟
الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر ما يُشْتَرط.
طالب: (...).
الشيخ: إي ما في شك؛ لأنه كونه يكون في قلبه هذا الشيء أحسن من أن يكون في قلبه محبة الدنيا، وما أشبه ذلك.
طالب: (...) معناه أنه يُؤْجَر عليه (...).
الشيخ: والله، إني أشك في الأجر إلا إذا كان عنده قصد، إن كان عنده قصد، لكنه هو في الحقيقة قاصد لهذا الأمر، لكن هل قصد به القُرْبَة، الله أعلم.
طالب: (...).
الشيخ: معلوم (...) يقصد بها القُرْبة، يقصد العمل والتقرب إلى الله بها، لكن هنا هل إنه يقصد التقرب أو شيء يجري على لسانه؛ لأنه هذا اللي في ذهنه من قبل؟
طالب: (...).
الشيخ: اللي عندي، عندي {نُنْكِسْهُ}، وفي قراءة بالتشديد من التنكيس، نراجع. عندنا قراءتان الآن، نراجع القراءتين الآن، ما عندك.
طالب: قوله: نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِأي: نُقَلِّبُه فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاصه بنيته وقواه (...).
وقرأ عاصم وحمزة نُنَكِّسْهُمن التنكيس وهو أبلغ (...)، {نُنْكِسُهُ}. قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نكَّس مبالغة، والباقون بفتح النون الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَس وهي محتملة للمبالغة وعدمها.
الشيخ: {نَنْكُسْهُ} طيب، ما ذكر اللي عندنا الثالثة {نُنْكِسْه} الأخير، أعد.
طالب: وقرأ عاصم وحمزة نُنَكِّسْهُمن التنكيس وهو أبلغ.
الشيخ: لا ويش اللي قبله؟ قال: وهو أبلغ.
طالب: (...).
الشيخ: ولا ضبطها؟
طالب: ضبطها.
الشيخ: المتن {نُنْكِسْهُ}.
طالب: (...) وقرأ عاصم وحمزة ننكسه من التنكيس وهو أبلغ، (...) قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف المشددة من نكَّسه وغلبه، والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة.
الشيخ: {نَنْكُسْهُ} على هذا الضبط.
طالب: وهي محتملة للمبالغة وعدمها (...) من باب قتل (...) ومنه قيل..
الشيخ: نشوف بعدين، ما هو عندكم المصحف اللي فيه القراءات؟
طالب: لِمَ وصف العرب الجاهليون القرآن بالشعر مع أن الفرق بين الشعر والنثر واضح لدى عامتهم فضلًا عن شعرائهم أما كانوا يعرفون أنه ليس بشعر؟
الشيخ: على كل حال أنت تعرف المبطل يُمَوِّه بكل شيء، وإذا كثرت الدعايات والكلام والقول فقد ينقلب الأمر، فهم يفهمون أن هذا ليس بشعر، لكن قد يقول مثلًا: هذا شعر أتى به جديدًا على وجه جديد، وما أشبه ذلك، ويروجون لدعايتهم حتى يشتبه الأمر.
طالب: لأن المروجين للشعر الحديث.
الشيخ: نعم.
طالب: قالوا: إن الشعر كان عند العرب نزل (...) بدليل أنهم نعتوا القرآن بالشعر وهو ليس موزونًا مقفى.
الشيخ: لا، إحنا نقول: هذا من باب الترويج؛ ولهذا ما تستطيع أن تأتي بقصيدة واحدة للشعراء السابقين على مثل شعرهم هذا أبدًا.
وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌلأيش؟
وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُيعني: ما علمنا محمدًا صلى الله عليه وسلم الشعر، وَمَا يَنْبَغِي لَهُأي: لا يصح ولا يمكن أن يتعلم الشعر؛ لأن تعلمه الشعر يوجب احتجاجًا من المبطلين، كما في قوله تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨]، فلو تعلم النبي صلى الله عليه وسلم الشعر لقالوا: إن هذا القرآن شعر مما تعلمه، كما أنه لو كان يكتب لقالوا: إن هذا شيء مما كتبه؛ قال الله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، أظن وقفنا على هذه الجملة وبينا أن إن تأتي لعدة معان وهي؟
طالب: شرطية، ونافية، وزائدة، ومخففة من الثقيلة.
الشيخ: من الثقيلة. طيب، والذي يعين المعاني المتعددة في الكلمة الواحدة هو السياق، وهذه قاعدة في كل كلمة ذات معان متعددة يعينها السياق وقرينة الحال.
قال: إِنْ هُوَأي: ما هو أي: الذي علمناه إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، فقوله: إِنْ هُوَضمير يعود على المصدر المفهوم مِنْ (علمنا)، وكون مرجع الضمير مصدرًا معلومًا من الفعل السابق أمر لا يُسْتَغْرَب، ألم تر إلى قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨] هُوَأي: العدل المفهوم من كلمة اعْدِلُوا، فهنا وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَأي: الذي علمناه، إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌأي: ما الذي علمناه إلا ذكر وقرآن مبين.
قوله: إِلَّا ذِكْرٌقال المؤلف: (عِظَة) يعني: موعظة يتذكر بها مَنْ تَذَكَّر، ومن الذي يتذكر؟ الذي يتذكر بهذا القرآن بَيَّنه الله تعالى في قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧]، وهذا باعتبار الاستعداد والقبول، وقال تعالى في آية أخرى ما يدل على أن كل المتقين يتعظون بهذا القرآن، فيكون فيه بيان للذين يتعظون به من حيث السلوك، ففي سورة (ق) بيان للذين يتعظون به من حيث القبول والاستعداد في التذكر.
وفي الآيات الأخرى التي تربط التذكر بالقرآن بالإيمان والتقوى وما أشبه ذلك دليل على من يتعظ به من حيث السلوك والعمل وكلما ازداد الإنسان عملًا بالقرآن ازداد تَذَكُّرًا به، وهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله في معنى الذكر هو أحد معاني؛ لأن الذكر الذي وُصِفَ به القرآن يتضمن عدة معانٍ:
المعنى الأول ما ذكره المؤلف وهو أيش؟ العظة والتذكر به.
المعنى الثاني أنه ذِكْرٌ يذكر به الله وهو أشرف أنواع الذكر، كيف ذلك؟ لأن القرآن كلام الله عز وجل فبمجرد ما تتلوه وأنت تشعر أنه كلام الله سوف تذكر عظمة الله عز وجل، ولأن القرآن يشتمل على أخبار هي أصدق الأخبار وأنفعها للقلوب، ولأنه يشتمل على قصص هي أحسن القصص وأجملها وأتمها، ولأنه يشتمل على أحكام مِنْ لَدُنْ حكيمٍ خبير هي أعدل الأحكام وأقومها بمصالح العباد، ولأنه يشتمل على أوصاف الله تعالى وأسمائه التي هي أفضل الأسماء وأشرف الأوصاف. كل هذا في الواقع ذِكْرٌ، فالقرآن نفسه ذكر لله عز وجل؛ لأنه يشتمل على كل هذه المعاني التي بينها الله تعالى في كتابه.
المعنى الثالث للذكر أنه رِفعة وشرف لمن يقوم به ويعمل به؛ لقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف: ٤٤]، والذكر بمعنى الرفعة والشرف موجود في القرآن كما في الآية التي تلوتُها الآن، وكما في قوله تعالى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] أي: ذكرك بالشرف والتبجيل والتعظيم.
فصار معنى الذكر هنا التذكر الذي هو الموعظة، والذكر الذي هو ذكر الله عز وجل بما يشتمل عليه القرآن مما أشرنا إلى شيء منه، والثالث الشرف؛ لأنه لا شك أن مَنْ تَمَسَّك بهذا القرآن فإنه له الشرف والسيادة على جميع الخلق؛ ولهذا فإني أحثُّكم على أن تمسكوا بهذا القرآن وأنتم إذا تمسكتم به عقيدة وعملًا وهديًا فستكون العاقبة لكم، ولا تظنوا أنكم قليلون، لو كنتم قليلين فإن الاهتداء بالقرآن يستلزم أن ينجذب الناس للمهتدي به حتى يكثروا شيئًا فشيئًا كالحجر تلقيه في اليم ثم تتسع الدائرة حتى يشمل اليم كله، فالحاصل أن المهم أن الإنسان إذا تَمَسَّك بهذا القرآن الكريم فسوف يكون له الشرف والسيادة والظهور على جميع الخلق.
قال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، قُرْآنٌيحتمل أن يكون بمعنى مفعول وأن يكون بمعنى فاعل؛ لأن قرآن مصدر مثل الشكران والغفران والنكران وما أشبهها، والمصدر يأتي بمعنى اسم الفاعل ويأتي بمعنى اسم المفعول؛ وعلى هذا فالقرآن قارئ ومقروء؛ أما كونه قارئًا فلأنه من القَرْء يعني الجمع فهو جامع للأحكام والأخلاق والآداب الموجودة في الكتب السابقة قبله كما قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨]، فهو جامع أيضًا لكل ما تقوم به أمور الدنيا وأمور الآخرة، هو أيضًا مقروء أي: متلو؛ لأنه يُتْلَى، والقراءة بمعنى التلاوة.
إذن قرآن نقول: إنه مصدر بمعنى اسم الفاعل واسم المفعول، وهل له نظير أعني إتيان المصدر على وزن فعلان؟
طالب: نعم، له نظير.
الشيخ: إي نعم، له نظير قلنا: الغفران والشكران والنكران وما أشبهه.
قال: مُبِينٌقال المؤلف رحمه الله: (مظهر للأحكام وغيرها) فـمُبِينٌهنا من (أبان) بمعنى أظهر، وقد سبق لنا مرارًا أن (أبان) يكون لازمًا ويكون متعديًا، يكون لازمًا بمعنى ظهر وهو كثير في القرآن مثل: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤] أي: بَيِّنٌ ظاهر، وتأتي مبين من (أبان) بمعنى أظهر أي المتعدي كما في هذه الآية.
مُبِينٌأي: مظهر، لأي شيء هو مظهر؟ مظهر للأحكام وغير الأحكام كما قال الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، فما من شيء يحتاج الناس إليه إلا وجد في القرآن كل شيء يحتاج الناس إليه موجود في القرآن، لكن وجوده في القرآن إما أن يكون على وجه صريح أو على وجه ظاهر، أو على وجه الإيماء والإشارة، أو على وجه الشمول والعموم، أو على وجه اللزوم.
المهم أن القرآن مبين لكل شيء؛ تارة يذكر الدليل على المسألة، وتارة يذكر التوجيه إلى الدليل على المسألة، فمثلًا في مسائل كثيرة لا توجد في القرآن وهي من أهم أحكام الإسلام كعدد الركعات في الصلوات وتقدير أنصباء الزكاة وما يجب فيها وما أشبه هذا، لكن في القرآن ما يشير إليه مثل قوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] هذه الآية إذا وجهتها إلى السنة شملت جميع السنة، وشرعنا كله لا يعدو الكتاب والسنة، إذن فالقرآن مُبَيِّن لكل شيء؛ ولهذا قال: مُبِينٌفي الأحكام وغيرها، هو أيضًا مبين لكل ما سبقنا من الحوادث التي يكون في بيانها مصلحة كقصص الأنبياء وقصص الأولياء وقصص المكذبين للرسل وغير ذلك، كل ما سبق مما في ذكره مصلحة لنا فهو مذكور، أما ما ليس لنا فيه مصلحة فإنه لا حاجة إلى ذكره، وقد يكون هذا الشيء الذي لم يُذْكَر موكولًا إلى عقول الناس وتجاربهم كما في كثير من طبائع الأشياء، الأمور الطبيعية سواء كانت فلكية أو جيولوجية أو غير ذلك نجد أن القرآن لم يفصِّلْها، ولم يبينها لماذا؟ لأنه ليس فيها فائدة، فائدتها تكْمُن في أن الناس يطلبونها وينظرون في آيات الله ويتحركون حتى يدركوها.
ولهذا تجد بعض المسائل التي يتنازع فيها الناس كمسألة دوران الأرض هل هي موجودة في القرآن على وجه صريح؟ ما هي موجودة لو كان هذا مما يتعين علينا اعتقاده إثباتًا أو نفيًا لكان الله عز وجل يبينه بيانًا واضحًا كما بَيَّن الأمور التي لا بد لنا من الاعتقاد فيها على وجه صريح، إذن هذه موكولة للناس استخراج ما في الأرض من المعادن وغيرها من المصالح العظيمة التي لم يُطْلَّع عليها إلا أخيرًا، هذا أيضًا لم يُذْكَر في القرآن وإن كان في القرآن إشارة إليه لكنه لم يُذْكَر على وجه التفصيل، بل قال الله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد: ٤] وقِطَعٌهذه من صيغ جموع التكثير، لو تقول: إنها ملايين القطع لم يخرج عن دلالتها، هذه القطعة لولا أنها تختلف في منافعها وذواتها وكل ما يتعلق بها ما قال الله: قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌإذن هي متباينة في هذه الآية مثلًا تستطيع أن تقول: إن الله أرشدنا إلى استخراج أيش؟ المعادن من الأرض لأن الله بَيَّن أنها قطع، ما هي القطع اللي فوق التراب، هذا فقط في أشياء كثيرة ما تُعْلَم، وربما تُعْلَم في المستقبل، وربما ظهر علمها الآن، المهم أن القرآن مبين أيش؟ مبين لكل شيء.
وأنت إذا تدبرت القرآن مرة بعد أخرى لا تعيد التدبر مرة ثانية إلا ظهر لك معنى جديدًا غير الأول، ولا يمكن لأحد أن يحيط بمعاني القرآن، لكن كلما تدبره الإنسان طالبًا الحقَّ مريدًا للصواب فإنه يهتدي إلى معانٍ كثيرة.
سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ لأنه كان يُرَوَّج في ذلك الوقت -من وقت علي والشيعة- يروجون بأن النبي صلى الله عليه وسلم عهد بالخلافة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فسُئِلَ هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ يعني: من الخلافة أو من العلوم التي كتمها عن الناس، فقال: «لَا، وَالَّذِي بَرَأَ النَّسَمَةَ وَفَلَقَ الْحَبَّةَ إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَاءَ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَالَّذِي فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ الْعَقَلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» الشاهد كلامه الأول إلَّا فَهْمًا يؤتيه الله تعالى مَنْ شاء في كتابه، هذا الفهم يختلف فيه الناس اختلافًا كبيرًا جدًّا جدًّا، ترى بعض العلماء يتكلم على آية يستخرج منها فوائد محدودة معدودة، وترى آخر يتكلم عليها يستخرج منها أضعافًا مضاعفة بالنسبة لما استخرجه الأول، كل ذلك بحسب استعداد الإنسان وفَهْمِه وبصيرته، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا وتقوى ازداد هدى بالقرآن؛ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧].
قال عز وجل: (لِيُنْذِرَبالياء والتاء) لِيُنْذِرَبالياء، فالضمير يعود على أيش؟ على القرآن. {لِتُنْذِرَ} الضمير يعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن على قراءة التاء قَدَّر المؤلف: (به) لتنذر به؛ ولهذا قال: (بالياء والتاء به) كلمة (به) تعود على القراءة الثانية وهي {تُنْذِرَ}، أما القراءة الأولى فلا تحتاج إلى هذا التقدير، ولا شك أن القرآن نفسه منذر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم منذر به، فالقرآن فيه وعيد، وفيه أوصاف لمن يستحق هذا الوعيد، وهذا هو الإنذار، كما أن فيه أيضًا بشارة وأوصافًا للمبشرين، وهذا هو التبشير، فالقرآن فيه بشارة وفيه إنذار والنبي صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن وأَنْذَر به وخَوَّف به ورغب به. مَنْ كَانَ حَيًّاقال المؤلف: (يعقل ما يخاطب به وهم المؤمنون).
مَنْ كَانَ حَيًّاهل المراد بالحياة هنا الحياة المعنوية التي هي حياة القلب أو الحياة الحسية التي هي حياة الجسم؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين؛ ولهذا قال ابن كثير رحمه الله: مَنْ كَانَ حَيًّاعلى وجه الأرض؛ يعني: من كان حيًّا حياةً جسمية؛ لأن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة عامة لجميع الخلق فهو يُنْذِر من كان حيًّا يعني: ينذر كل حي أو من كان حيًّا حياة معنوية؛ يعني: حياة القلب؛ حيث يراد به مَنْ يعقل ويتبصر ويؤمن وعكسه مَنْ؟ عكسه الميت ميت الجسم، وميت القلب، أما ميت الجسم فلا يمكن إنذاره بالقرآن؛ لأنه انتقل إلى دار الجزاء ولا يمكن أن يفهم ولا أن يعلم، وأما ميت القلب فلأنه قد طبع على قلبه -والعياذ بالله- فلا يصل إليه النور ولا يصل إليه الحق.
(وَيَحِقَّ الْقَوْلُالعذاب عَلَى الْكَافِرِينَوهم كالميتين لا يعقلون ما يخاطبون به) هنا قال: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّافينتفع بالإنذار ويتَّعظ ويتجنب المحرمات ويأتي بالواجبات، وَيَحِقَّ الْقَوْلُماذا تتوقع أن يقال؟ أتوقع أن يقال: ويحق القول على من كان ميتًا أو على الأموات؛ لأن هذا مقتضى المقابلة، نعم، لكن عدل عن هذا إلى ذكر الكافرين وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس: ٧٠]، وفائدة العدول عن ذكر المقابل بلفظه أمران:
الأمر الأول: أن المراد بالميت الكافر، وأن الكافر لا يمكن أن ينتفع بالقرآن.
والثاني: التسجيل على أن من لم ينتفع بالقرآن فهو كافر، ومن انتفع به في شيء دون آخر ففيه خصلة من خصال الكفر؛ ولهذا كل معصية فهي من خصال الكفر لكنها قد تكون قليلة، وقد تكون كثيرة فلهذا عدل الله عز وجل عن هذا إلى قوله: وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَدون قوله: (ويحق القول على الميتين) بل قال:
عَلَى الْكَافِرِينَ، ومن هذا.. يعني من هذه الأمثلة وهو كثير في القرآن قوله سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ [غافر: ٢٠] لم يقل: لا يقضون بالباطل، بل قال: لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍليشمل الباطل وغير الباطل؛ يعني: ليس لهم قضاء إطلاقًا؛ لأنهم مربوبون مملوكون فلا يقضون بشيء وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ.
ثم قال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١] إلى آخره.
أَوَلَمْ يَرَوْاالاستفهام هنا لأيش؟ للتقرير؛ لأنه كلما دخل الاستفهام على نفي فهو للتقرير سواء كانت أداة النفي حرفًا مثل (لم) أو فعلًا مثل (ليس)، المهم أن الاستفهام هنا للتقرير، والواو حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، أو أن المعطوف عليه مقدر بين الهمزة والواو بحسب ما يقتضيه السياق.
يقول: يَرَوْاقال: (يعلموا) فَفَسَّر الرؤية هنا برؤية العلم، ويمكن أن يراد بها رؤية البصر، ورؤية البصر أقوى في التقرير من رؤية العلم؛ لأن رؤية العلم قد يُنْكِر الإنسان ويقول: أنا ما أعلم بهذا. لكن رؤية البصر إذا كان الشيء أمامه يشوف الإبل مثلًا لا يمكنه أن ينكر، والحقيقة أنها محتملة لهذا وهذا؛ فباعتبار أن الله خلق هذه الأشياء لا شك أنها رؤية علم لأننا لم نشهد خلق هذه الأشياء كما قال تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الكهف: ٥١]، وباعتبار المخلوق رؤية بصر لأنها يُشاهَد ويُعلَم ولا يمكن إنكارُه.
قال المؤلف: (والاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليها للعطف) الواو الداخلة عليها الآن هل الواو داخلة ولَّا مدخولة؟ يعني: قولوا عن علم، لا تكن مثل الصبي إذا ذكرت له شيئين يأخذ بالأخير دائمًا، لو تقلب عليه العبارة أخذ بالأخير الذي هو الأول في العبارة الأولى، فالآن هل الواو مدخولة ولَّا داخلة؟
طلبة: داخلة.
الشيخ: والواو الداخلة عليها للعطف؟ الواو داخلة عليها ولَّا مدخولة؟
طالب: داخلة.
الشيخ: ما هو الداخل هل السابق ولَّا اللاحق؟
طالب: اللاحق.
الشيخ: يا إخوان، السابق لا شك، الداخل على الشيء هو السابق، فمثلًا إذا جاءك الواو عندنا، الهمزة والواو أنت تقول: دخلت الهمزة على الواو، ولَّا دخلت الواو على الهمزة؟
طالب: الواو على الهمزة.
الشيخ: المؤلف يقول هكذا، لكن نقول: دخلت الهمزة على الواو، إذا قلت: سوف يقوم، هل (يقوم) دخل على (سوف)، ولَّا (سوف) دخلت على (يقوم)؟ سوف دخلت على (يقوم) فالداخل هو الأول، والمؤلف يقول: (والواو الداخلة عليها) يشير إلى القول الثاني في مثل هذا الترتيب، وهو أن التقدير (وألم يروا أنا خلقنا لهم)، وهذا أحد القولين كما هو معروف فهنا المؤلف رحمه الله جعل الواو داخلة على الهمزة، والواقع أن الهمزة حسب الترتيب داخلة على الواو، لكنه رحمه الله يرى أن في المسألة تقديمًا وتأخيرًا وأن الواو داخلة على الهمزة في الأصل فأصله (وألم يروا).
(أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْفي جملة الناس مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَاأي: عَمِلْنَاهُ بِلَا شَرِيك وَلَا مُعِين أَنْعَامًاهِيَ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم) أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْأي: أوجدنا لهم من العدم أنعامًا، والله سبحانه وتعالى مختص بالخلق، لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى، وإضافة الخلق إلى المخلوق يعني: أن يكون للمخلوق خلق ليس على سبيل الإضافة بالنسبة إلى الله؛ لأن خلق الله للأشياء خلق إيجاد من عدم، خلق المخلوق للأشياء ليس خلق إيجاد، ولكنه خلق تغيير من حال إلى حال أو وصف إلى وصف، إذا نَجَّرْتَ الخشبة بابًا فقد خلقتها بابًا، لكن هل أنت أوجدت هذه الخشبة؟ الجواب: لا، لكن صيَّرْتَها إلى هيئة معينة، وهذا نوع من الخلق؛ ولهذا يقال للمصورين يوم القيامة: أَحْيُوا أيش؟ ما خلقتم ، مع أنهم لم يوجدوا الصورة من عدم، لكن غَيَّروا ونقلوا من حال إلى حال. فالخلق الخاص بالله هو خلق الإيجاد، أما الخلق الذي يكون من المخلوق فما هو إلا تغيير وتحويل فقط.
أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْاللام هنا للملك ولَّا للاستحقاق؟
طالب: للاستحقاق.
الشيخ: للاستحقاق، ويصح أن تكون للملك كما سيأتي في الآية نفسها.
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًاأي: مما عملنا مِنْ نِعَمٍ، وليس المعنى أن الله سبحانه وتعالى خلق هذه الأنعام بيده، لو كان أراد ذلك سبحانه وتعالى، وكان الواقع كذلك لقال: مما عملنا بأيدينا كما قال تعالى في آدم يخاطب إبليس: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، فهنا أضاف الخلق إلى نفسه وجعل المخلوق به اليد. أما هنا فأضاف العمل إلى اليد مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَافهو كقوله تعالى: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] وما أشبهها مما يضاف فيه الفعل إلى اليد والمراد الإنسان كذلك، هنا أضاف الله تعالى العمل إلى يديه، والمراد أيش؟ المراد نفسه أي: مما عملنا. وهنا قال: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَابالجمع، فهل الله عز وجل له أكثر من يد؟ الجواب: لا. هل لله تعالى أكثر من يدين؟ الجواب: لا. ليس لله أكثر من يدين، ليس له إلا يدان اثنتان، فلماذا جَمَع هنا؟ جمع من أجل المناسبة؛ لأن الأفصح في المثنى إذا أُضِيفَ إلى جمع الأفصح فيه الجمع. ألم تر إلى قوله تعالى: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم: ٤] مع أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد؟
فهنا لَمَّا أضافه إلى الضمير المفيد للجمع -وهنا للتعظيم بلا شك- ناسب الجمع، وأيضًا فإن الجمع أبلغ في التعظيم؛ فلهذا جُمِعَت، وأيضًا فإن هذه الأنعام لا يُحْصيها إلا الله عز وجل فهي جموع كثيرة، كل واحدة منها تحتاج إلى فعل ولَّا لا؟ إلى فعل خاص؛ لأن لكل واحدة خلق خاص، فجمع أيضًا باعتبار المعمول الذي هو هذه الأنعام.
طيب، على كل حال هذه الآية لا شك أنها تفيد إثبات اليد لله عز وجل، ولكنها لا تفيد أن له أكثر من يدين لما عَلِمْتُم من وجوه الجمع، لا تفيد أن لله أكثر من يدين لما علمتم من وجه الجمع.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أنه ليس لله إلا يدان اثنتان؟
قلنا: الدليل أن الله تعالى تَمَدَّح بهما في مقام المدح والعطاء والرزق، ولو كان له أكثر من ذلك لذكره لاقتضاء المقام إياه؛ قال الله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: ٦٤] ولو كان له أكثر من ثنتين لقال: بل أيديه؛ لأنه كلما كثرت الأيدي كثر العطاء وهذا باعتبار المخلوق، أما الخالق عز وجل فعطاؤه لا ينفد ولا يُعَدُّ، وليس له إلا يدان اثنتان، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة.
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟
طالب: الضابط في عدم التكلف في حمل الآيات (...).
الشيخ: ينظر إذا كان اللفظ يقتضيه ويدل عليه بمقتضى اللغة العربية ثبت بالقرآن.
طالب: (...).
الشيخ: هي بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام صفة نقص لا شك، لو كان شاعرًا لكان هذا نقصًا، وإن لم يكن نقصًا لذاته لذات الشعر لكن لما يترتب عليه من الشبهات، كما أن الأمية وصف نقص من حيث هي لكن هذا باعتبار النبي عليه الصلاة والسلام هي صفة كمال؛ ولهذا مدحه الله بذلك في قوله: النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ [الأعراف: ١٥٧] فالشيء قد يكون كمالًا باعتبار إضافته لشيء ونقصًا باعتبار إضافته لشيء، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» فهذا الذي منه الحكمة لا شك أنه كمال.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، فيه محذور؛ المحذور أنه لو قلنا بذلك لكانت الأنعام أشرف من الأنبياء.
طالب: قوله سبحانه وتعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌفلمَ نقول: إن ذِكْرٌأي: الوحي اللي هو السنة والقرآن هو القرآن المبين؟
الشيخ: لأن المشركين قالوا: إن القرآن شعر، ولم يقولوا عن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: إنه شعر، فأبطل الله قولهم، وقال: هذا الذي تقولون: إنه شعر وأن الرسول عُلِّمَه ما هو إلا ذكر، وفي القرآن كثير من وَصْفِ الله تعالى القرآن بالذكر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].