تفسير سورة يس - 9
عدد الزيارات 2721

عناصر المادة :
تفسير الآيات (76-83)

في الآية اللي بعدها فائدة خامسة وهي إثبات العلة، وإن شئت فقل الحكمة؛ لقوله: لِيُنْذِرَاللام، وكلما رأيت اللام لام التعليل في كتاب الله عز وجل فهي مثبتة للحكمة في أفعال الله تعالى أو في مشروعاته.
ثم قال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١] إلى آخره.
من فوائد هذه الآية: تقرير نعمة الله عز وجل على عباده بهذه الأنعام؛ لقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا.
ومن فوائدها: أن هذه الأنعام ملك لنا ننتفع بها لجميع وجوه الانتفاعات؛ لقوله: خَلَقْنَا لَهُمْ، فكل وجوه الانتفاعات فإنه يجوز لنا أن ننتفع بها؛ لأنها ما دامت لنا فنحن فيها أحرار إلا ما قام الدليل على منعه.
ويتفرع على هذه الفائدة أنه يجوز أن نركب ما لم تجر العادة بركوبه؛ مثل أن نركب البقر، ولهذا قال الفقهاء: يجوز الانتفاع بهذه الحيوانات في غير ما خُلِقَت له.
فإن قلت: ما الجواب عن الحديث الصحيح: بينما رجل راكب بقرة يسوقها إذ التفتت إليه فقالت له: إنا لم نخلق لهذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَنَا أُؤْمِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن هذا الرجل قد ركبها ركوبًا يشق عليها، وهي ما خلقت لتعذب وهو كذلك، حتى لو أن الإنسان ركب الإبل على وجه يعذبها قلنا له: إنها لم تخلق لهذا.
من فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة العمل إلى الله؛ لقوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا، لكن هل يسمي الله بالعامل؟ لا، كما لا يُسَمى بالصانع أخذًا من قوله تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨]؛ وذلك لأن باب الخبر أوسع من باب الإنشاء والتسمية، يجوز أن نشتق من كل اسم صفة ولا يجوز من كل صفة اسمًا، ولهذا نقول: الصفات أوسع من الأسماء؛ يعني باب الصفات -صفات الله- أوسع من باب الأسماء؛ لأن كل اسم متضمن لصفة وليس كل صفة تتضمن اسمًا.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات اليد لله عز وجل؛ لقوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا، وهذه اليد التي وصف الله بها نفسه أو أضافها إلى نفسه يدٌ حقيقية ثابتة لكن بدون أن تكون مماثلة لأيدي المخلوقين؛ لأن مماثلة الخالق للمخلوق ممتنعة غاية الامتناع عقلًا وسمعًا، قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل: ٧٤]، وأما العقل فإن كل عاقلٍ يدرك الفرق بين الخالق والمخلوق في الذات والصفات، فالواجب علينا نحن أن نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه من غير تمثيل.
ثم اعلم أن ما وصف الله به نفسه ينقسم إلى صفات لازمة وصفات غير لازمة، وإلى ما نظيره أجزاء وأبعاض لنا.
فمثلًا السمع والعلم والقدرة والحياة هذه صفات لازمة، ويسميها أهل العلم الصفات الذاتية. ومثل الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والخلق، وما أشبه ذلك، صفات غير لازمة.
الله لم يزل ولا يزال خالقًا لكن المخلوق يتجدد، فكل خلق يتعلق بهذا المخلوق فإنه يكون حادثًا بعد أن لم يكن، ولكن هذا حدوث نوع وليس حدوث جنس؛ لأن الله لم يزل ولا يزال خالقًا، لكن الاستواء على العرش هذا لا شك أنه حادث؛ لأنه قبل العرش ليس مستوٍ عليه.
الذي نظيره أبعاض وأجزاء مثل: اليد، والوجه، والقدم، والعين، هذا نظيره بالنسبة لنا جزء من الذات أو بعض منها، ولا يصح أن نقول: إنه جزء من الله أو بعضٌ من الله؛ لأن الله عز وجل لا يتجزأ ولا يتبعَّض؛ إذ إن الجزء ما جاز وجود أصله بعدمه، هذا الجزء، بالنسبة لله عز وجل لا يمكن أن يكون هكذا؛ يعني لا يمكن أن تنفصل اليد -مثلًا- وحاشَ لله عز وجل، أو الوجه، أو ما أشبه ذلك، بالنسبة للمخلوق يمكن أن تنفصل ولَّا لا؟ يمكن، ولهذا يجب أن نقول: ما نظيره أجزاء وأبعاض لنا، ولا نقول: ما هو أجزاء وأبعاض لله؛ لأن هذا منكَر غاية الإنكار.
اليد نقول: إنها حقيقة يد حقيقية ثابتة لله على وجه لائق به ولكن لا تماثل أيدي المخلوقين، وهذا مذهب السلف وعليه جرى أئمة المسلمين.
لكن ابْتُلِي قوم بالتحريف؛ تحريف اليد وقالوا: إنها النعمة أو القوة، بناء على أن عقولهم تُحِيل أن يتصف الله عز وجل باليد الحقيقية، ولا شك أن هذا ضلال وجناية على النصوص؛ أما كونه ضلالًا فلأنهم حكموا على الخالق بعقولهم القاصرة، وهذا لا شك أنه ضلال، كيف تحكم على الخالق بعقلك؟!
الخالق عز وجل يقول عن نفسه: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، ويقول: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، ويقول: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس: ٧١]، وأنت تقول: ليس له يد، سبحان الله! لولا التأويل لكان تكذيبًا، لولا تأويلهم لها وقالوا: نحن نثبت اليد لكن المراد كذا لكان هذا تكذيبًا للنصوص، ونحن نعلم أن المكذِّب للنصوص كافر.
جناية على النصوص من وجهين؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يرد كذا وأراد كذا، فنفوا ما أراد الله وأثبتوا ما لم يرده، فكان جناية على النصوص من الوجهين؛ السلبي، ويش بعد السلبي؟ والإيجابي؛ السلبي حيث نفوا ما أثبت الله، والإيجابي أثبتوا ما لم يرده الله.
إذا قال الله عز وجل: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، فقال: أراد باليدين النعمة أو القوة، نقول: سبحان الله! ما الذي أعلمك؟ الله يقول: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وأنت تقول: ليس له يد بل هي نعمة، من الذي قال لك هذا؟ فنفيك قول على الله بلا علم، وإثباتك لما أثبت قول على الله بلا علم، فكانت جناية على النصوص من وجهين.
والحقيقة أن الإنسان يعجب غاية العجب أن يسلك هذا المسلك أئمة مشهودٌ لهم بالخير والصلاح ونفع الأمة ولكنه يعرف بذلك تمام حكمة الله عز وجل، وأن الإنسان مهما كان فهو ضعيف وقاصر، وإلا سبحان الله! الله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه بحديث هو أصدق الحديث وأحسن الحديث وصادر من أعلم بما يقول، ثم نقول: والله ما أراد هكذا!
إذن يجب أن نؤمن بأن الله له يد حقيقية ولَّا مجازية؟ حقيقية لائقة به لا تماثل أيدي المخلوقين بأي حال من الأحوال، وهكذا يجب علينا أن نجري جميع آيات الصفات وأحاديثها.
بقي علينا أن نقول: ما تقولون في تفسير بعض العلماء قوله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧] أي: بقوة؟
الجواب أن نقول: هذا صحيح، (أيد) هنا بمعنى قوة؛ لأن (أيد) مصدر (آدَ، يَئِيدُ، أَيْدًا)، ولا يجوز أن نقول هي كقوله: أَيْدِينَا [يس: ٧١]، هذا حرام علينا أن نقول: إنه هكذا كقوله: أَيْدِينَا؛ لأن الله لم ينسبها إلى نفسه ما قال: والسماء بنيناها بأيدينا، وإذا لم ينسب الله ذلك إلى نفسه حَرُم علينا أن ننسبه إلى الله، فكان يتعين أن نفسر قوله: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍأي: بقوة، و(أيد) هنا مصدر (آدَ يَئِيد) كـ(باع، يبيع، بيعًا) و(كال، يكيل، كيلًا)، هذا معناها، وإذا لم يُضِفِ الله الشيء إلى نفسه حرم أن نضيفه إليه؛ لأننا لو أضفناه إليه وهو لم يضف إليه لكنا نقول على الله بلا علم.
ألم تَرَ إلى قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢]، اختلف السلف في قوله: عَنْ سَاقٍهل المراد عن شدة أو المراد عن ساقه عز وجل؟ ونحن إذا أخذنا القاعدة التي قررناها الآن بأن ما لم يضفه الله إلى نفسه يحرم علينا أن نضيفه إليه قلنا: إن المراد بالساق هنا الشدة ولا بد، ولا يمكن أن نفسره بساق الله؛ لأن الله لم يضفه إلى نفسه، ما قال: يوم نكشف عن ساقنا بل قال: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ.
ولكن إذا تأملت سياق الآية الكريمة وما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وجدت أن ذلك يقتضي أن يكون المراد به ساق الله؛ فإن في حديث أبي سعيد الطويل المشهور: أن الله يكشف عن ساقه، فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا، ويعجز عن السجود من لم يسجد لله في الدنيا ، فهنا يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم: ٤٣، ٤٢] نجد أن سياق الآية يوافق لسياق الحديث، وحينئذٍ نقول: إن كلام الله يُفَسَّر بكلام الله ويُفَسَّر بكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا دل سياق حديث أبي سعيد على ما دل عليه سياق الآية فإن الآية تُفَسَّر به، وحينئذٍ يكون القول الراجح أن المراد بالساق الذي جاء على وجه النكرة المراد به ساق الله عز وجل ولكنه نُكِّر للتعظيم؛ لأن التنكير قد يراد به التعظيم.
فإذا قال قائل: الآية التي معنا في سورة (يس) مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١]، فهل تصفون الله بأن له أيديًا كثيرة أم ماذا؟
نقول: الذي عليه أهل السنة أنه ليس لله إلا يدان اثنتان، وحينئذٍ نحتاج إلى الجمع بين هذا القول الذي دل عليه قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، وقوله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، نحتاج إلى جمع بين هذا وبين هذه الآية مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١]، وإلى الجمع بينه وبين الإفراد الذي جاء في قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك: ١]، وما أشبه ذلك.
قال أهل العلم: الجمع بينهما متيسر ولله الحمد؛ لأنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت، ولا في كلامه من تفاوت أيضًا؛ لا يتفاوت الكلام ولا يتناقض كما لا يتناقض الخلق أيضًا، الخلق منسجم بعضه مع بعضه، كذلك الشرع منسجم بعضه مع بعض. كيف ذلك؟ قالوا: إن المفرد المضاف يشمل؛ لأنه للعموم، ألم تر إلى قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، كم من نِعَم؟ لا تحصى، مع أنه قال: نِعْمَةَ اللَّهِواحدة، لكن المفرد المضاف يكون للعموم؛ يشمل كل ما يثبت لهذا المفرد من معنى وإن كَثُرَ.
إذن بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: ١] لو فرض أن هناك أيديًا كثيرة يدخل في ذلك ولَّا لا؟ واليدان تدخل، إذن لا منافاة بين المفرد وبين العدد جمعًا كان أو مثنى، بِيَدِهِ الْمُلْكُاليد مفرد مضاف، (يد) مضاف، والضمير مضاف إليه، المفرد المضاف ماذا يفيد؟ يفيد العموم؛ أيُّ مفردٍ مضاف فهو مفيد للعموم.
هنا أقف لأتبين، لو قال رجل: امرأتي طالق، وله أربع نسوة، من يطلق؟ كل النسوة، إلا إذا نوى أنها واحدة، ولو قال: عبدي حرٌّ وله أكثر من عبد عَتَقَ الجميعُ ما لم يُرِدْ واحدًا، ولو قال: بيتي وقفٌ صارت بيوته كلها وقفًا ما لم يرد واحدًا، إذن المفرد المضاف يَعُم.
هل هناك مثالٌ من القرآن أو من السنة يؤيد ما قلت؟ نعم، مثل قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، فإن نِعْمَةَمفرد مضاف، فيشمل جميع النعم التي لا تحصى. إذن بِيَدِهِ الْمُلْكُنقول: هذا لا ينافي أن يكون المراد باليد هنا اليدين الثنتين.
بقينا الجمع بين اليدين الثنتين والجمع الذي هو أَيْدِينَا، كيف نجمع بينهن؟ والجواب على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أن كثيرًا من علماء اللغة يقولون: إن أقل الجمع اثنان، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم: ٤]، فهنا جمعٌ مع أن المراد اثنان، وبقوله تعالى: إِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء: ١١] مع أن الأم تحجب باثنين؛ تحجب من الثلث إلى السدس باثنين، وبقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ فِي الصَّلَاةِ» .
ولكن أكثر علماء اللغة يقولون: إن أقل الجمع ثلاثة، وحينئذٍ يمكن الجمع بالوجه الثاني؛ وهو أن نقول: إن المراد بالجمع في قوله تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَاالمراد به التعظيم؛ لأن الجمع يدل على التعظيم، ولهذا يأتي ضمير الجمع (نا) في مقام التعظيم، كل ضمير أضافه الله إلى نفسه -وهو (نا)- فليس المراد به الجمع، المراد به التعظيم، فهنا الجمع للتعظيم، وللمناسبة أيضًا، المناسبة ما هي؟ لأنه أضيف إلى ما يفيد الجمع، فكان الأنسب أن يكون مجموعًا، فهذه المناسبة لفظية وإرادة التعظيم مناسبة معنوية، وبهذا يزول الإشكال.
فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون: إن لله أيديًا كثيرة؟
فالجواب أن هذا يمنعه المعنى؛ لأن الله تعالى لما تمدح وأثنى على نفسه بالعطاء لم يذكر إلا يدين اثنتين ولو كان له أكثر، لو كان له أكثر لكان يذكر الأكثر؛ لأنه أبلغ في المدح، فلما قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] عُلِمَ أنه ليس له إلا يدان اثنتان.
ومثل ذلك قوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]، فأثبت القبضة بيد، وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِباليد الأخرى، والنصوص في هذا كثيرة، ولهذا نعتقد نحن أن الله سبحانه وتعالى ليس له إلا يدان اثنتان فقط.
ومثل ذلك نقول في صفة العين؛ العين وردت مجموعةً ووردت مفردةً وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩]، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤]، فنقول: (عين) مفردٌ مضافٌ فيعم، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَاإما أن نقول: للتعظيم، أو بأن أقل الجمع اثنان، وليس لله تعالى أكثر من عينين اثنتين، ودليل ذلك حديث الدجال حينما تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عنه وبين تمويهاته قال: «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» ، فبيَّن العلامة الحسية الظاهرة وهي عور عين الدجال.
ومن العجب أن بعض الناس قال: المراد بالعور هنا العيب؛ يريد أن يثبت أن لله تعالى أعينًا كثيرة بناء على الجمع في قوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا، ولكن هذا عورٌ منه، عورٌ من هذا القائل؛ لأن الحديث صريح في أن المراد عور العين حيث قال: «أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى» ولم يقل: (أعور) فقط، لو قال: (أعور) فقط ربما يحتمل ما قاله مع أنه ضعيف؛ لأن اللغة العربية تُعَبِّر بالعور عن العين، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ لِلْأَضَاحِي: الْمَرِيضَةُ، وَالْعَجْفَاءُ، وَالْعَوْرَاءُ، وَالْعَرْجَاءُ» ، فجعل العور غير العيب، كل الثلاثة الأخرى كلها عيوب لكن جعل العور في العين، فنحن نقول لهم: أصل العور في العين، ثم إذا جاء الحديث: «أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى» صار قاطعًا للاحتمال قطعًا نهائيًّا لا يمكن أن يراد به العيب.
فإذا قال قائل: ما وجهه؟
قلنا: وجهه لو كان لله أكثر من عين لكان الرسول صلى الله عليه وسلم يذكره؛ لأنه أدل على تعظيم الله وأبين في التمييز؛ أدل على التعظيم إذا كان له أعين كثيرة، وأبين في التمييز أبين من أن يقال: إن الفرق هو أن هذا أعور والرب عز وجل ليس بأعور.
وبهذا يتبين أن دلالة حديث الدجال -وهو صحيح- دلالة واضحة ظاهرة، على أنه روي في حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكره ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّحَمْنِ» ، وهذا الحديث فيه ضعف، لكننا في الحقيقة لسنا بحاجة إليه؛ لأن الحديث ثابت في الصحيحين في قصة الدجال واضح والحمد لله، (...).
من فوائد الآية الكريمة: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا.
من فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل في قوله: أَيْدِينَا، وقد سبق الكلام عليها مستوفى في الدرس الماضي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أننا نملك هذه الأنعام ملكًا شرعيًّا وملكًا حسيًّا قدريًّا؛ أما الشرعي فإننا نملك أعيانها ومنافعها بالبيع والشراء والتأجير وغير ذلك، وأما الكوني الحسي فلأننا نملك زمامها وربطها، وهي مسخرة لنا؛ نقيمها وننيخها، ونذهب بها ونرجع بها، وهذا من تمام نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بهذا الملك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه أتى بقوله: فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَالجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والاستمرار؛ أي: ملك مستقر تام.
ثم قال عز وجل: وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧٢].
من فوائدها: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بتذليل هذه الأنعام، ولو استعصت علينا ما تمكَّنا من الانتفاع بها، ولهذا لما نَدَّ بعير من الإبل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أدركه رجل بسهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَنْ نَدَّ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» ، فهذه البعير تمرَّدت على أهلها ولم يدركوها إلا بالسهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أفعال المخلوقات مخلوقة لله؛ لقوله: وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْلكنها مفعولة للفاعل مباشرة، فهي تُنْسَب إلى الله عز وجل تقديرًا وخلقًا وتُنْسَب إلى الفاعل كسبًا وعملًا، فهذه الإبل المذللة الذي ذللها هو الله، إذن أفعالها صادرة بخلق الله عز وجل.
وهذا هو المذهب الصحيح في هذه المسألة؛ أي مسألة أفعال العباد هل هي مخلوقة لله أو هي للعباد استقلالًا؟ والمسألة فيها ثلاثة أقوال، بل ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: مذهب الجبرية الذين يقولون: إن خلق الله عز وجل شامل لكل حركة في السماوات والأرض، وأن الإنسان مجبور على عمله ليس له فيه اختيار، بل الحركة الإرادية الاختيارية كالحركة الإجبارية التي ليس له فيها إرادة، يقولون: إن أفعال الإنسان كحركة السعفة في الريح ليس باختيارها.
فإذا قيل لهم: إن هذا يلزم منه الفوضى بحيث يفعل كل إنسان ما شاء ويقول: هذا بغير اختياري وأنا مجبور عليه، ويلزم منه أيضًا أن الله إذا عذَّب الإنسان على معصية كان ظالمًا له، ويلزم عليه أن مدح الطائعين لغوٌ لا فائدة منه؛ لأنه لا يمدح الإنسان على عمل يُجْبَر عليه بدون اختياره، ويترتب عليه أيضًا أن ذمَّ العاصين ظلم؛ لأنه ذمٌّ لمن لا يختار هذا الفعل.
وكما أنه يترتب عليه هذه اللوازم الباطلة فهو أيضًا مخالف للواقع؛ فإن الإنسان يجد الفرق بين فعله الاختياري وفعله الاضطراري، يجد الفرق بين أن ينزل من السلم درجةً درجةً وبطمأنينة واختيار وبين أن يأتي شخص يدفعه دفعًا حتى لا يتمكن من الوقوف، فالأمر واضح من الناحية الواقعية العقلية أن هذا القول باطل من أبطل الأقوال.
لكن الذي غرَّ أصحابه أن الله عز وجل ذكر أنه خلق كل شيء، وأنه قدَّر كل شيء، وأنه لا يكون في ملكه ما لا يريد، إلى غير ذلك من الأشياء التي يتعللون بها، لكنهم في الحقيقة نظروا إليها وغفلوا عن النصوص الأخرى الدالة على أن الإنسان فاعل باختياره.
ولهذا قابلهم قومٌ نظروا إلى النصوص الدالة على أن الإنسان فاعل باختياره، وإلى الواقع فأنكروا أن يكون لله عز وجل إرادة أو خلق في أفعال العباد، وقالوا: إن العبد مستقل بعمله؛ يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، وليس لله سبحانه وتعالى تعلَّق بفعل العبد، هؤلاء أقرب إلى المعقول من أولئك القوم؛ لأن الإنسان لا شك يجد أنه فاعل بالاختيار، فهو يأتي يدخل بيته، ويخرج من بيته، ويأتي إلى المسجد، ويخرج من المسجد، ويختار هذا الفعل على هذا الفعل على وجه اختياري لا يشعر أبدًا بأن أحدًا يجبره على ذلك.
ولكن ضلَّ هؤلاء بسلبهم إرادة الله عز وجل وخلقه عن أفعال الخلق واعتقادهم أن الإنسان مستقل بما يحدثه، ولهذا سُمُّوا مجوس هذه الأمة؛ لمشابهتهم للمجوس في إثبات فاعلين للحوادث، وهم يقولون بإثبات فاعلين للحوادث الذي من فعل الله هذه من فعل الله، والذي من فعل الإنسان هذه من فعل الإنسان مستقلًا بها، فلهذا سموا مجوس هذه الأمة، وهؤلاء لا شك أنهم ضالون؛ لأنهم أخرجوا شيئًا في ملك الله عن ملك الله.
أهل السنة والجماعة توسَّطوا بين القولين وأخذوا بالدليلين، وقالوا: إن الإنسان لا شك يفعل باختياره ويدع باختياره، وإن له إرادة تامة بقدرة، والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله عز وجل، لو شاء الله سبحانه وتعالى لسلبه الإرادة، ولو شاء لسلبه القدرة، ولذلك إذا سلب الله العبد الإرادة لم يترتب على فعله حكم، فالمجنون -مثلًا- هل يؤاخذ بأفعاله؟ لا؛ لأنه يفعلها باختياره، والعاجز لا يكلف فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
إذن فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإرادة والقدرة في الإنسان، قالوا: والإرادة والقدرة هما السبب في وجود الفعل، فلولا الإرادة ما فعلت، ولولا القدرة ما فعلت، فالإرادة والقدرة هما سبب وجود الفعل، وإذا كانا مخلوقين لله فإن خالق السبب خالق للمسبب، فيضاف فعل العبد إلى الله من هذه الناحية؛ أي أن الله هو الذي أوجد فيه سبب الفعل، فصار بذلك فاعلًا، كما أن الإحراق -مثلًا- في النار ينسب إلى من؟ إلى النار، والذي أودع فيها هذه القوة هو الله عز وجل، فلذلك صار إحراق النار بفعل النار مباشرة لكنه بتقدير الله سبحانه وتعالى خلقًا.
وهذا الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، وهو المطابق للمنقول والمعقول والواقع؛ لأنه يجمع بين الأدلة الشرعية ويصدق الأدلة الحسية، فالأدلة الشرعية إذا جمعتها من أطرافها وجدت أنها تنصبُّ في أنبوب واحد هو الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، ولولا هذا الاعتقاد لشلت الحركة، ولصار الإنسان اتكاليًّا؛ لا يقول ولا يفعل، ولولا هذا الاعتقاد لم يلجأ الإنسان إلى ربه عز وجل لمهماته وملماته، فهو باعتبار أنه مريد فاعل يتحرك ويعمل، وباعتبار أنه مخلوق مدبر يرجع إلى من؟ إلى الله عز وجل، فلا يكون اتكاليًّا ولا يكون أنانيًا؛ يعني أنه لن يستغني بنفسه عن ربه ولن يكون اتكاليًّا، يقول: إن قدر لي شيء صار بل هو يعمل مستعينًا بالله معتمدًا عليه.
قال: وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ.
من فوائد الآية الكريمة: أن لنا أن ننتفع بهذه الأنعام بالركوب ولكن بشرط ألا يكون في ذلك مشقة عليها، فإن كان في ذلك مشقة كان حرامًا؛ لأن المشقة تعذيب لها في غير محله.
من فوائد الآية الكريمة: جواز الارتداف على الدابة؛ لعموم قوله: فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْولكنه مقيد بما أشرنا إليه ألَّا يكون في ذلك مشقة.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: حِل هذه الأنعام، أو حل بعضها إذا جعلنا (مِن) للتبعيض وجعلنا الأنعام أعم من بهيمة الأنعام، والحل في الأنعام كلها هو الأصل، ولذلك لو تنازع شخصان في أن هذا الحيوان حلال لكان القول قول من يقول بالحل حتى يقوم دليل على التحريم؛ أولًا: لعموم قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩]
وثانيًا: لعموم قوله: وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ، فالأصل هو الحل حتى يقوم دليل على المنع، لكن هذا الحل مقيد في الواقع مقيد بماذا؟ بشروط الذكاة المعروفة؛ لأنه إذا لم تُذَكَّ البهيمة الحلال ذكاة شرعية صارت حرامًا لا تحل، فهذا الإطلاق وَمِنْهَا يَأْكُلُونَمقيد بماذا؟ بشروط؛ وهو أن يكون مذكًّى ذكاة شرعية، ومع هذا إذا اضطر الإنسان إليه حلَّ له وإن لم يُذَكَّ؛ لقول الله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ١٧٣].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز تعذيب الحيوان إذا لم تتم المصلحة إلا به؛ لأن الأكل ذبح لا يكون إلا بعد الذبح، والذبح من أعظم ما يكون من الإيلام، ولأن الشرع جاء بإباحة الوسم؛ وسم البهائم بالنار من أجل حفظ ماليتها، ولأن الشرع جاء بمشروعية إشعار الإبل والبقر في الهدي ليعلم أنها هدي، وإشعارها هو شق صفحة سنامها حتى يسيل منها الدم، وعلى هذا فإذا احتجنا إلى تعذيب الحيوان من أجل حفظ ماليته أو غير ذلك فإنه لا بأس به، مثلما يفعله بعض الناس الآن في الحَمَام؛ إذا أراد أن تربي عنده فإنه ينتف مقدم الأجنحة لئلا تطير حتى تألف المكان وتُرَبَّى فيه، يقولون: لو أننا قصصناها قصًّا ما نبت لها ريش بسرعة، فلهذا يختارون أن ينتفوها نتفًا من أجل أن ينبت الريش بسرعة وتستعد للطيران.
قال: وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [يس: ٧٢، ٧٣].
يستفاد من هذه الآية الكريمة أيضًا: ما سبق من أن الله عز وجل خلق هذه الأشياء لمنافعنا؛ أي منفعة يمكن أن نحصل عليها من هذه البهائم فإنها مباحة لنا وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ، لكن بشرط -كما أسلفنا- ألا يكون في ذلك مشقة، فإن كان في هذا مشقة فإنها ممنوعة.
ومن فوائدها: حل ألبان هذه البهائم؛ لقوله: وَمَشَارِبُ.
ثم قال: أَفَلَا يَشْكُرُونَ.
يستفاد من هذه الجملة: وجوب شكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعم، ووجهه أنه وبَّخ من لم يشكر، ولا توبيخ إلا على فعل محرَّمٍ أو ترك واجب، والشكر شكر المنعم كما دل عليه الشرع فقد دل عليه العقل؛ فإن كل إنسان مدين لمن أنعم عليه عليه أن يشكره بحسب ما تقتضيه الحال، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» .
ثم قال الله عز وجل: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ [يس: ٧٤] في هذه الآية من الفوائد:
أولًا: صحة إطلاق الإله على غير الله عز وجل؛ لقوله: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً.
ولكن هل هذه الآلهة حق؟ الجواب: لا، هي آلهة باطلة؛ لقول الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢]، فهي وإن سموها آلهة وعبدوها كما يعبدون الرب عز وجل فإنها لن تكون آلهة، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ٢٣].
ثانيًا: أن هؤلاء الذي اتخذوا هذه الآلهة توهموا فيها أنها تنصرهم ولكن أبطل الله هذا الوهم بقوله: لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ [يس: ٧٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان المبطل لا بد أن يتعلق بشيء يبرر به باطله. ما هو الشيء هنا؟ رجاء النصر لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ، وكل إنسان مبطِل لا بد أن يعلل ما ذهب إليه من الباطل، كما مرَّ عليكم كثيرًا في أقوال أهل البدع، وكما مرَّ عليكم أيضًا في (...).
حكمًا تعبديًّا؛ يعني: لن يقبل من الإنسان أن يقول: هذا حلال وهذا حرام حتى يبين دليله وحجته.
يقول الله عز وجل: لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ [يس: ٧٤] لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ [يس: ٧٥].
من فوائد الآية الكريمة: أن هذه الآلهة لا يمكن أن تنصر عابديها؛ لقوله: لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ.
فإن قلت: أليسوا يستغيثون بالآلهة فيغاثون أحيانًا؟
طالب: امتحان.
الشيخ: هو امتحان، لكن هل حصل هذا النصر بها؟
الطالب: من عند الله.
الشيخ: يعني أحيانًا يستغيث بالصنم ويُغَاث.
الطالب: فتنة.
الشيخ: فتنة، لكن هل هذا الغوث حصل باستغاثته؟
الطالب: عند الاستغاثة.
الشيخ: حصل عندها لا بها.
الطالب: لا بها.
الشيخ: نعم، حصل عندها لا بها، وفرق بين أن يكون الشيء حصل بالشيء أو حصل عنده والسبب غيره، فسبب هذا الغوث الفتنة -كما قلت- وليس دعوة هذه الأصنام؛ لقول الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥].
من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء العابدين جندٌ محضرون لأصنامهم يدافعون عن الأصنام وينتصرون لها؛ لقوله: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ.
وفي هذا من المناداة بسفههم ما هو ظاهر؛ حيث يستنصرون بمن لا يستطيعون نصرهم وهم ينصرونه، وهذا من السفه، كيف تنصر شيئًا لا يستطيع نصرك ولا تستفيد منه؟! ولهذا يعتبر قوله: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَكالدليل على سفه هؤلاء؛ أنهم ينتصرون لهذه الآلهة وينصرونها مع أنها لا تنصرهم.
وهذا اللي قررته الآن بناءً على ما اخترناه من أن معنى الآية: وهؤلاء العابدون للمعبودين جند محضرون، أما على رأي المؤلف فهو يرى خلاف ذلك؛ يرى أن هذه الأصنام جند لهؤلاء لكنهم محضرون في النار جميعًا، وسبق بيان ضعف هذا القول.

***

تفسير الآيات (76-83)
00:51:10

ثم قال الله تعالى: فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يس: ٧٦] أي: لا يوقعك في الحزن، والحزن هو الندم والهم لما مضى، وضده الخوف؛ فإنه الهم لما يستقبل، ما الذي قالوه؟ قالوا أشياء كثيرة، قالوا مثلًا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥]، وهذا طعن في الألوهية، وقالوا: لَسْتَ مُرْسَلًا [الرعد: ٤٣]، وهذا طعن في الرسالة، وقالوا: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم مجنون وشاعر وكاهن وساحر، وهذا أيضًا عيب في شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام.
ومن المعلوم أن الإنسان بشرٌ سوف يتأثر إذا صُودِمَت دعوته في لبِّها وأصلها وقيل: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥]، الإنسان إذا صودم قوله الفقهي -مثلًا- يحس في نفسه بلغط، لكن إذا كان سيهدم أصله يكون أشد وأعظم، وإذا عيب عيبًا ذاتيًّا يكون أشد وأشد، ولهذا يُسَلِّي الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في مثل التوجيهات.
فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [يس: ٧٦] الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الذين يقولون ما يقولون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وحالهم أنهم مهددون بماذا؟ بعلم الله عز وجل بما يسرون وما يعلنون؛ ما يسرونه فيما بينهم وما يعلنونه للناس، ما يسرونه في أنفسهم وما يبدونه لغيرهم، فعندنا إسراران؛ إسرار الإنسان ما في نفسه بحيث لا يعلم به أحد، الإسرار الثاني إسرار الأمر بينهم فلا يخرج لغيرهم.
ونضرب لهذا مثلًا: هؤلاء قوم عددهم عشرة يتحدثون فيما بينهم بأمر من الأمور لكن لا يخرج إلى غيرهم، هذا إسرار ولَّا لا؟ إسرار، أحد هؤلاء العشرة أضمر في نفسه شيئًا لم يخبر به زملاءه، هذا أيضًا إسرار.
فقوله: مَا يُسِرُّونَيشمل هذا وهذا؛ أي: ما أسره كل إنسان في نفسه وما أسروه فيما بينهم دون أن يعلنوه لغيرهم، وفي هذا من التهديد ما هو ظاهر، فالله تعالى يعلم ما يسرونه وما يعلنونه وسوف يجازيهم على ذلك يوم القيامة.
ثم قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس: ٧٧، ٧٨]، قال: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ، يَرَبمعنى يعلم، أَوَلَمْ يَرَأي: أولم يعلم؟ والاستفهام هنا للتقرير والمراد به التوبيخ، والواو حرف عطف، والمعطوف عليه إما مقدر بعد الهمزة، وإما ما سبق، وعلى الثاني تكون الهمزة منقولة عن مكانها، وأصلها على القول الثاني: وألم ير.
وقوله: الْإِنْسَانُ [يس: ٧٧] قال المؤلف: (وهو العاص بن وائل)، وعلى رأي المؤلف تكون (أل) هنا للعهد الذهني، ولكن الصحيح أن (أل) للجنس؛ أي جنس الإنسان، ومنه العاص بن وائل؛ لأن الأصل في (أل) أنها لبيان الجنس، هذا الأصل فيها، وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ١، ٢] يعني: جنس الإنسان، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر: ٣].
ووجه كون ذلك هو الأصل أن العهد يحصرها في شيء معين، والأصل بقاء اللفظ على عمومه، فإذا قال قائل أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ: إنه فلان بن فلان، نقول: الله عز وجل قال: الْإِنْسَانُوهو شامل، إذن فالصحيح أنه عام، لكن نجعل العاص بن وائل نجعله مثالًا لمن قال هذا القول أو لمن رأى هذا الرأي.
(أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍمَنِي إلى أن صيرناه شديدًا قويًّا، فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌشديد الخصومة لنا، مُبِينٌبيَّنها في نفي البعث).
الإنسان خُلِق من نطفة، وهو هذا المني المهين كما وصفه الله عز وجل، هذا الماء المهين الذي خلق منه الإنسان، إذا رجع الإنسان إليه -إلى أصله- وجد أنه كالنخامة ليس بشيء، ثم بعد هذا ينشئه الله عز وجل حتى يعطيه الفصاحة والبلاغة وقوة الحجة بعد أن يتربى بنعم الله في بطن أمه، ثم في صدر أمه من الثديين، ثم بما أنعم الله عليه من أنواع الطعام والشراب يقوى ويشتد عقله وفكره وذهنه، فيكون خصيمًا.
فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌأي: شديد الخصومة؛ لأن (فعيل) بمعنى (فاعل) لكن تدل على المبالغة.
وقوله: مُبِينٌأي: بين الذي يظهر أنها، مُبِينٌبمعنى مظهر؛ يعني: مظهر لخصومته، لكونه شديد الخصومة قويها، وسيأتي -إن شاء الله- بيان نوع من جدل الإنسان وخصومته.
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌسبق لنا أن هذا الاستفهام للتقرير الذي يراد به التوبيخ، وأن المراد بالإنسان ما هو أعم مما قاله المؤلف من تخصيصه بالعاص بن وائل.
قال الله عز وجل: فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌأي: مظهِر للخصومة، خلافًا لقول المؤلف: (بين الخصومة).
قال: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًايعني: هذا الإنسان الذي كان خصيمًا مبينًا ضرب مثلًا لله عز وجل يريد التعجيز والإنكار، وتقدير نفيه هذا المثل بَيَّنه بقوله: قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، ولهذا جاءت الجملة مفصولةً عما سبق؛ لأنها وقعت بيانًا لمبهم في قوله: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا.
وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَوَنَسِيَ خَلْقَهُيعني: ابتداء خلقه أنه خلق من ماء مهين، فكان هذا الإنسان الخصيم المبين، والجملة في قوله: وَنَسِيَ خَلْقَهُجملة يحتمل أن تكون جملة خبرية ويحتمل أن تكون جملة حالية؛ أي: وقد نسي خلقه؛ يعني أنه في ضرب المثل قد نسي أصله وهو أنه من مني ثم كان إنسانًا سويًّا خصيمًا مبينًا، المثل بيَّنه بقوله: قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ.
يقول المؤلف رحمه الله: (وَنَسِيَ خَلْقَهُمن الْمَنِي، وهو أغرب من مَثَلِه) كيف ذلك؟ لأن مَثَلَه الذي ضربه إعادة شيء كائن وخلقه من المني ابتداء خلقه، وأيهما أشد امتناعًا -لو كان فيه امتناع على الله-؟ الابتداء، ولهذا قال الله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]، فإذا كان كذلك فإنه أي الإنسان الخصيم المبين يكون ضالًّا من وجهين:
الوجه الأول: استغرابه قدرة الله عز وجل على الإعادة.
والثاني: نسيانه أول الخلق؛ حيث نسي أنه خُلِق من ماء مهين حتى صار إنسانًا سويًّا خصيمًا مبينًا.
(قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌأي: بالية)، مَنْما نوعها؟ استفهامية، والمراد به النفي أو الإنكار؛ يعني: لا أحد يحيي العظام وهي رميم، الإنسان إذا مات ورم -أي ذهب لحمه وعصبه- وصارت عظامه تتفتت لقِدَمها، فهي إذن رميم، هذه العظام الرميم هي أبعد شيء عن الحياة؛ لأنها تشبه التراب فهي أبعد شيء عن الحياة، فكيف تحيى هذه العظام؟! هذا وجه استغراب هذا الرجل المنكِر.
(قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌأي: بالية، ولم يقل بالتاء؛ لأنه اسم لا صفة)، الرميم تارة يراد بها الصفة؛ يعني اسم المفعول أو اسم الفاعل؛ مرمومة أو رامة، وتارة يراد به الاسم؛ يعني أن العظم إذا بَلِي يُسَمَّى رميمًا، فلما قُصِدَ به الاسم لم يحتج إلى التاء؛ لأنه مثل أسد وحجر وشجر، وما أشبه هذا، لم يحتج إلى التاء لكن لو أريد الصفة لكان يؤنث؛ لأن العظام جمع، وكل جمع قابِلٌ للتأنيث لا سيما وأنه قال: وَهِيَوهذه ضمير مؤنث.
قال: وَهِيَ رَمِيمٌ(وروي أنه أخذ عظمًا رميمًا ففته وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أترى يحيي الله هذا بعدما بلي ورمَّ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ» ).
المؤلف ساق هذا الأثر بالتضعيف (رُوِي) وهو جدير بذلك؛ لأن هذا الرجل المنكِر سواء أنكر أمام النبي صلى الله عليه وسلم أو خلف ظهره فإنه منكِر بكل حال، وليس من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعامل الناس بمثل هذا الأسلوب بقوله: «نَعَمْ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ»، فالأثر هذا يحتاج إلى نظر في سنده وفي صحته.
قال الله تعالى مبينًا قدرته على ذلك: قُلْ [يس: ٧٩] والخطاب لمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم، قُلْيعني: لهذا الذي أنكر أن يحيي الله العظام وهي رميم، يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.
واعلم أن الله عز وجل إذا قال للرسول عليه الصلاة والسلام: (قل) فهو أمر له بالإبلاغ، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بإبلاغ القرآن عمومًا؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧]، فإذا خص شيئًا من الأحكام أو من الأخبار بـ(قل) كان في ذلك عناية خاصة بهذا الذي أمر أن يقوله؛ لأنه أمر أن يبلغه على وجه الخصوصية، ومعلوم أن ما كان على وجه الخصوصية فهو أوكد مما دخل في العموم.
وخلاصة هذه القاعدة أن الله إذا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: (قل) فهذا أمر خاص بتبليغ هذه المسألة سواء كانت خبرًا أو كانت حكمًا.
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍلم يقل الرب عز وجل، لم يقل: يحييها الله بل قال: الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍليكون الجواب متضمنًا للدليل؛ لأنه لو قال: (قل يحييها الله) فَهِم الإنسان أن الله هو الذي يحييها، لكن إذا قال: الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍكان هذا الجواب متضمنا لأيش؟ للدليل الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، ومن الذي أنشأها أول مرة؟ الذي أنشأها أول مرة هو الله عز وجل، لم يخلق أحدٌ من الخلق هذه العظام ولم ينشئها أول مرة، فإذا كان الله عز وجل أنشأها أول مرة فهو قادر على إعادتها؛ لأن الإعادة أهون من الابتداء، وهذا دليل؛ يعني أن الله ذكر فيما بقي من الآيات الدالة على إمكان إحياء هذه العظام وهي رميم، هذا هو الدليل الأول الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وجه الاستدلال بهذا على أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى.
ثانيًا: قال: (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍمخلوق، عَلِيمٌمجملًا ومفصلًا، قبل خلقه وبعد خلقه)، هذه الجملة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍقال المؤلف: إن (خلق) هنا بمعنى (المخلوق)، فجعل المصدر بمعنى اسم المفعول، والذي يظهر أن المراد بالمصدر نفس المصدر، ومن المعلوم أنه لا مخلوق إلا بخلقٍ، لكن إذا قال: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌصار في هذا نص على علمه بالخلق؛ أي كيف يخلق؟ وكيف ينشئ الخلق؟ فيكون أدل على قدرته على إحياء الموتى مما إذا قلنا: وهو بكل مخلوق؛ لأنك إذا قلت: (بكل مخلوق) صار علمه بالمخلوق متى؟ بعد خلقه، لكن إذا كانت الآية على ظاهرها بِكُلِّ خَلْقٍيعني: أنه يعلم كيف يخلق، والعالم بكيفية الخلق إذا أراده لم يستعصِ عليه؛ لأنه إذا كان عالمًا لم يبق إلا الإرادة، إذا أراده وهو بكل خلق عليم صنع ما علم عز وجل، فكونه بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌدليل على أنه قادر على أنه يعيده؛ لأن الذي يعجز إما أن يكون لعجزه، وإما أن يكون بجهله، لو قلت لشخص: اصنع لنا مسجلًا وهو لا يعرف الصنعة، هل يصنع مسجلًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لجهله، لو قلت: اصنع لنا مسجلًا وهو يعلم كيف يصنع لكن ليس عنده قدرة؛ لا يصنع، هنا لما قال: هو الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍهذه القدرة.
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌهذا انتفاء الجهل، فإذا انتفى العجز المستفاد من قوله: أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وانتفى الجهل المستفاد من قوله: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌصار الخلق ممكنًا. هذان دليلان، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ [يس: ٨٠] أي: في جملة الناس، مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِالمرخ والعفار أو كل شجر إلا العناب، نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ).
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًاجَعَلَبمعنى صيَّر، والذي جعل لنا من الشجر الأخضر نارًا هو الله عز وجل.
وقوله: (جَعَلَ لَكُمْفي جملة الناس)، أراد المؤلف بقوله: (في جملة الناس) أن هذا الجعل ليس خاصًّا بالمخاطبين؛ أي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بل هو عام لكل أحد، فهو جعل لهم في جملة الناس.
مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِالمؤلف يقول: (من المرخ والعفار) وبناء على كلامه تكون (أل) للعهد الذهني ويكون عامًّا أريد به الخاص، ولكن سبق لنا أن هذا خلاف الظاهر وأن (أل) الأصل فيها أنها تفيد الجنس؛ أي العموم، فالصواب أن المراد مِنَ الشَّجَرِأي: من كل شجر، كما قال.
وقوله: (إلا العناب) لا نعرف عن هذا شيئًا هل إنه مستثنى وأن العناب لا يمكن أن تأتي منه النار؟ الله أعلم، على كل حال نحن نقول: عندنا الأصل مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًاعامة.
الشَّجَرِ الْأَخْضَرِفيه الرطوبة، أليس كذلك؟ والرطوبة يلزم منها البرودة، والنار التي تخرج من هذا الشجر الرطب البارد يابسة وحارة، فهذا اليابس الحار متولد من رطب بارد، ولا يخفى ما بين الرطوبة والبرودة وبين الحرارة واليبوسة من التنافر العظيم، فإذا كان الله عز وجل يولِّد هذا الشيء الذي بينه وبين المولَّد منه من التنافر ما هو ظاهر فهو قادر على إحياء العظام وهي رميم؛ لأن كونه يخلق الضد من الضد أبلغ في القدرة من كونه يخلق الشيء من لا ضد، وهذا أمر ظاهر. إذن هذا دليل الثالث على إمكان إحياء العظام وهي رميم.
وقوله: فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(الفاء) هنا عاطفة، (وإذا) فجائية؛ يعني أنه بمجرد ما أن تضرب عودًا بعود من هذا الشجر تنقدح النار فتوقد منه؛ يعني: لا يحتاج إلى كبير عناء بل إن الإيقاد أمر سهل مفاجئ للعملية، المفاجئة استدللناها من كلمة (إذا).
وفي قوله: أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَدليل على استمرارية هذا العمل؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وهذا أمر لا أحد ينكره؛ لا أحد ينكر أنه يتولد من الشجر الأخضر نار يوقد الناس منه، طيب فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ.
قال المؤلف رحمه الله: (تقدحون، وهذا دالٌّ على القدرة على البعث؛ فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب).
قال: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَمع عظمهما، بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْأي: الأناسي في الصغر، بَلَى [يس: ٨١]).
هذا أيضًا دليل رابع أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟ الجواب بَلَى، أجاب الله نفسه بنفسه؛ بلى خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، كما قال الله تعال: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: ٥٧]، وهذا أمر معلوم بالحس والمشاهدة، البشر كلهم لا يساوون كوكبًا من الكواكب، فما بالك بهذه الكواكب والنجوم التي لا يحصيها إلا الله عز وجل، والسماوات العظيمة التي قال الله تعالى فيها: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧]، الذي خلق السماوات والأرض أفلا يكون قادرًا على خلق الناس؟ الجواب: بلى واللهِ، بلى وأولى، فالذي خلق هذه الأجرام العظيمة بما أودعها من المصالح العظيمة أيضًا قادر على أن يخلق مثلهم بالأولى والأحرى. وهذا الدليل هو الدليل الرابع.
قال: بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ(بَلَىأي: هو قادر على ذلك، أجاب نفسه عز وجل وَهُوَ الْخَلَّاقُالكثير الخلق، الْعَلِيمُبكل شيء).
وَهُوَ الْخَلَّاقُقال المؤلف: (الكثير الخلق)، فجعل فَعَّالًا من صيغة المبالغة، ولا شك أن الله عز وجل كثير الخلق، لكن ينبغي أن نقول أيضًا: من فعال هنا نسبة؛ يعني أنه موصوف بالخلق، ووصفه بالخلق أبلغ من وصفه بإيجاد الخلق أو بفعل الخلق؛ يعني أنه ذو (...)؛ يعني أننا لو قلنا: فلان نجار، ماذا يفيد قولنا بأنه نجار؟ إذا جعلناه من باب النسبة، وماذا يفيد إذا جعلناه من باب المبالغة؟ إذا جعلناه من باب المبالغة فالمعنى أنه كثير النجارة، نجار؛ يعني كثير النجارة، لكن هل هو مجيدها؟ وهل هو مستحق لأن يوصف بهذه المهنة فيقال: نجار؟ قد يكون، وقد لا يكون، قد يكون كثير النجارة لكن تطلع أبوابه ما تنفع أبدًا؛ مخرقة، تكسر المحامل ولا تنفع، وكل يوم يطلع لنا باب أو بابان ما شاء الله لكنه خراب، هذا نقول: صيغة مبالغة، لكن هل النجارة وصفه بمعنى أنه حاذق متقن لها؟ لا، لا يلزم، قد يكون، وقد لا يكون. أما إذا قلت: نجَّار على أنها نسبة -أي صاحب صنعة- فهو أبلغ في الوصف، والنجار أي بالصنعة المتقن لها سواء نجر كثيرًا أو قليلًا هو نجار متقن.
فهنا يمكن أن نقول: وَهُوَ الْخَلَّاقُنحملها على أيش؟ على النسبة المفيدة لوصف الله عز وجل بهذه الصفة العظيمة؛ أي: ذو الخلق المتقن على أكمل وجه، ومع هذا فإن الله سبحانه وتعالى اجتمع في حقه الوصف والفعل؛ يعني كثرة الخلق، لا شك أن خلق الله عز وجل لا يُحْصَى أجناسًا، فضلًا عن الأنواع، فضلًا عن الأفراد، من ذا الذي يحصي أجناس الخلق؟ من ذا الذي يحصي أنواع هذه الأجناس؟ ومن الذي يحصي أفراد هذه الأنواع؟ لا يستطيع أحد أن يحصي ذلك، إذن فقد اجتمع في حقِّ الله سبحانه وتعالى الأمران، ما هما؟ النسبة؛ يعني الوصفية، كمال الوصف، الثاني: الكثرة التي تفيدها صيغة المبالغة.
إذا كان الله سبحانه وتعالى خلَّاقًا؛ أي: من وصفه الخلق، الوصف اللازم له.
وكذلك كثير الخلق هل يعجز عن أن يُحيي العظام وهي رميم؟ لا، إذن خذ هذا دليلًا خامسًا.
الْعَلِيمُهذا أيضًا العلم دليل؛ لأنا قلنا: إن عدم الإعادة إما أن يكون للعجز، وإما أن يكون للجهل، فكلما وصف الله نفسه بالعلم فإن ذلك يعني أنه قادر؛ لأنه لا يجهل كيف يخلق وكيف ينشئ، فيمكن أن نعدَّ هذا دليلًا سادسًا.
ثم قال: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
قال المؤلف: (إِنَّمَا أَمْرُهُأي: شأنه) يعني: شأنه وحاله، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُما يحتاج إلى إحضار آلات بناء -مثلًا- أو إلى جنود يساعدونه ولا إلى أن يعمل بيده عز وجل، بل يقول: كُنْ فَيَكُونُ.
وقوله: (شأنه) قد يُنَازع فيها ويقال: إن المراد بالأمر أمر التكوين؛ يعني أمره أن يقول: (كنْ) بدون أن يكرر، كما في قوله: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠]، فيجعل الأمر واحد أيش؟ الأمور ولَّا واحد الأوامر؟ واحد الأوامر، يجعل الأمر واحد الأوامر، والمؤلف يريد أن يجعل الأمر واحد الأمور، ويمكن أن نقول: بالأمرين جميعًا؛ نقول: شأنه عز وجل في تمام قدرته أن يقول للشيء: (كنْ) فيكون، وأمره إذا أراد الشيء أن يقول: (كنْ) بدون تكرار، فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤].
إنما إِذَا أَرَادَ شَيْئًاقال المؤلف رحمه الله: (أي خلقَ شيءٍ، أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
الأولى ألا نقيد شَيْئًابالخلق، بل نقول: إذا أراد شيئًا خلقًا أو إعدامًا؛ يعني أن الأشياء إما أن يريد الله إيجادها؛ أي خلقها، وإما أن يريد إعدامها، والإعدام إتلاف لا إيجاد، فالأولى إبقاء الآية على ظاهرها؛ على إطلاقها، شَيْئًاسواء كان خلقًا وإيجادًا أو إعدامًا وإتلافًا.
ولكن الذي حمل المؤلف رحمه الله على أن يقول: (خلق شيء)؛ لأن السياق بالاستدلال على الخلق وهو الإيجاد، فلهذا خصها به، ولكننا إذا قلنا: إنها على إطلاقها فإنها لا تمنع الخلق كما لا تمنع الإعدام، فالأولى أن يقال: إِذَا أَرَادَ شَيْئًاأي: إيجاد شيءٍ وخلقه أو إعدامه.
وقد يُعْتَذر عن المؤلف فيقال: إن الإعدام فيه نوع خلق؛ لأن إتلاف الشيء القائم خلق، ولهذا قال الله عز وجل: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [الملك: ٢] مع أن الموت عدم وفناء، لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود: ٧]، والأمر في هذا سهل.
قال: شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُكُنْهنا هل هي تامة أو ناقصة؟ تامة، هذا هو الظاهر، وإذا جعلناها ناقصة صار المعنى: كن كذا؛ أي تحوَّل إلى كذا، لكن إذا جعلناها تامة صارت أشمل لتشمل ما أراد الله تعالى تحويله من شيء إلى شيء وما أراد الله تعالى إيجاده أصلًا؛ يعني كُنْأي: أوجد؛ يعني أن يوجد ويتكون، أو كن كذا؛ أي بأن يكون الطويل قصيرًا والقصير طويلًا، وما أشبه ذلك، فإذا جعلناها تامة صار هذا أشمل.
فَيَكُونُيقول: (فهو يكون، وفي قراءة بالنصب عطفًا على يَقُولَ) قراءتان سبعيتان أو إحداهما شاذة؟
طلبة: (...).
الشيخ: لماذا؟ لأنه قال: (في قراءة)، واصطلاح المؤلف رحمه الله إذا كانت القراءتان سبعيتين أن يقول: وفي قراءة وإذا كانت إحداهما شاذة قال عن الشاذة: قُرِئ.
في قوله: فَيَكُونُقراءتان: {فَيَكُونَ} وفَيَكُونُ، أما على قراءة الرفع فالفاء هنا للاستئناف، وجملة (يكون) خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فهو يكون.
وأما على قراءة النصب فهي معطوفة على أَنْ يَقُولَ؛ إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول فيكونَ، يقول للشيء: كنْ فيكونَ.
و(الفاء) على كلا الوجهين دالة على الترتيب والتعقيب؛ يعني أن الشيء يكون فورًا بدون تأخير، وقد بيَّن الله تعالى سرعة هذه الفورية في قوله: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠] لمح البصر ليس شيء أسرع منه، وأمر الله عز وجل واحد كلمح البصر.
قال الله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُهذا الدليل السابع.
وإذا كان هذا أمر الله وشأن الله فهل إذا قال للعظام الرميمة: كوني إنسانًا سويًّا، هل يمتنع عليه ذلك؟ لا، ولهذا قال الله تعالى في سورة النازعات: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤]، وقال في هذه السورة: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣].
قال: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس: ٨٣]، فَسُبْحَانَبمعنى تنزيهًا، وهي اسم مصدر، والمصدر تسبيح، وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا، وملازمة أيضًا للإضافة، حتى لو قُطِعت عن الإضافة لفظًا فهي مضافة تقديرًا.
وفَسُبْحَانَمعناها التنزيه، التنزيه عن أي شيء؟ ذكرنا قريبًا أن الله يُنَزَّه عن النقص في صفاته وعن مماثلة المخلوقين، فمثلًا يُنَزَّه أن يكون وجهه كوجه المخلوق، ويُنَزَّه أن يعتري صفاته نقص بأي وجه، فمثلًا العِلم؛ علم البشر ناقص ابتداءً وانتهاءً وشمولًا، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ابتداء؛ لأنه مسبوق بجهل، انتهاء ملحوق بالنسيان، شمولًا وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، لكن علم الله عز وجل كامل من هذه الوجوه كلها ابتداءً وانتهاءًَ وشمولًا، فهو سبحانه وتعالى عالم بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وهو لا يَنْسى كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه: ٥٢]، وعلمه شامل لكل شيء إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥]، لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢].
إذن الله تعالى منزه عن النقص في صفاته الثابتة له، والثاني: عن مماثلة المخلوقين، مماثلة ما نقول: مشابهة، أو لا؟ مماثلة ولا نقول: مشابهة، الفرق واضح؛ أولًا: أن المماثلة هي التي جاء نفيها في القرآن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] ولم يقل: ليس كشبهه شيء، وقال: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل: ٧٤].
ثانيًا: أنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما نوع من التشابه، ولولا ذلك ما فهمنا من صفات الله شيئًا، فمثلًا الوجود للمخلوق وللخالق بينهما تشابه في أصل المعنى وإن كان هذا يختلف، العلم؛ علم الخالق وعلم المخلوق بينهما تشابه من حيث أصل المعنى لكنهما يختلفان، فإذا نفيت المشابهة مطلقًا فهذا نفي للوجود في الواقع.
ثالثًا: أن المشابهة صار نفيها معناه عند كثير من الناس، صار نفيها نفيًا للصفات؛ لأن كثيرًا من أهل التعطيل يصفون من يثبتون الصفات بالمشبهة، فإذا قلت: من غير تشبيه؛ يعني من غير إثبات؛ لأن كل مُثْبِت عندهم مشبه، فلهذا كان التعبير لنفي التمثيل أولى من التعبير بنفي التشبيه من ثلاثة أوجه.
نقول: هو مُنَزَّه عن مماثلة المخلوقين، مماثلة المخلوق في الواقع نقص مجرد مماثلة الخالق للمخلوق يعتبر تنقصًا للخالق..