تفسير سورة الصافات - 1
عدد الزيارات 5014

عناصر المادة :
تفسير الآيات (1-17)

تفسير الآيات (1-17)
00:00:05

ثم قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالكلام عن البسملة.. يقول المؤلف: (سورة الصافات مكية مئة وثنتان وثمانون آية) المكية هي التي نزلت قبل الهجرة، فكل ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وإن نزل في غير مكة، وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل في مكة؛ وعليه فإن قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣] التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة من المدني، هذا أصح الأقوال في المكي والمدني؛ أن ما نزل بعد الهجرة مدني، وما نزل قبلها مكي.
أما البسملة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِفإنها آية من كتاب الله مستقلة؛ ولهذا لا تُحْسَب من آيات السورة التي بعدها، حتى في الفاتحة على القول الراجح أنها ليست من السورة، وعلى هذا فالترقيم الموجود في المصاحف على خلاف القول الراجح، فإن الترقيم الموجود في المصاحف في الفاتحة عُدَّتْ فيه البسملة آيةً من آياتها، والصحيح أنها كغيرها من السور أن البسملة فيها آية مستقلة لا تُحْسَب من آياتها، وهي مذكورة قبل كل سورة إلا سورةَ براءة، فإن سورة براءة لم يتقدمها بسملة، لماذا؟ قيل: لأنها نزلت بالسيف، والبسملة رحمة فلا يناسب أن يُذْكَر قبلها بسملة، ولكن هذا ليس بصحيح، بل الصحيح أن الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل براءة من الأنفال أو ليست من الأنفال فتركوا البسملة، ووضعوا خطًّا فاصلًا بينها وبين سورة الأنفال دون أن يضعوا البسملة.
ونحن نعلم أنها لو نزلت البسملة قبل سورة براءة لثبتت؛ لأن الله يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، فيكون اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم في ذلك مطابقًا للواقع؛ أي: مطابقًا لكونها لم تنزل في أول هذه السورة.
أما من حيث معناها فإن قول القائل: (باسم الله) يعني بكل اسم من أسماء الله، وإنما قلنا: بكل اسم من أسماء الله؛ لأن اسم مفرد مضاف فيكون للعموم، فليس قول القائل: (باسم الله) يعني اسمًا واحدًا من أسماء الله بل يعني جميع أسماء الله، وهذا يدلك على عظمة هذه البسملة؛ أنك تَبْتَدِئ متبركًا ومستعينًا بكل اسم من أسماء الله عز وجل.
والباء فيها للمصاحبة والاستعانة؛ للمصاحبة من أجل حصول بركتها، فإن البسملة فيها بركة، ولذلك إذا ذُكِرَت على الذبيحة صارت الذبيحة حلالًا طاهرة، وإذا لم تُذْكَر صارت حرامُا نجسة، إذا ذُكِرَت قبل الوضوء صار الوضوء صحيحُا، وإذا لم تذكر صار الوضوء فاسدًا على قول مَنْ يرى أن البسملة من شروط الوضوء أو من واجبات الوضوء، ولكن القول الراجح في البسملة في الوضوء أنها سنة لقول الإمام أحمد رحمه الله: لا يثبت في هذا الباب -أي: باب التسمية- في الوضوء شيء.
إذا ذُكِرَتْ على الطعام طردت الشيطان عنه، وإن لم تُذْكَر فإن الشيطان يشارك الآكلَ والشارب.
المهم أنها بركة؛ ولهذا نقول: الباء للمصاحبة؛ أي أن المبسمل يصطحب بالبسملة البركة، والاستعانة؛ لأنها تُعين الإنسان على مهماته.
أما (الله) فهو العلم الخاص بالله سبحانه وتعالى، لا يُسَمَّى به غيرُ الله، ومعناه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. أي أن (إلاه) بمعنى (مألوه) أي: معبود.
فإذا قال قائل: أين الهمزة إذا قلت: إن أصله إلاه؟
فالجواب: أنها حُذِفَت للتخفيف؛ لكثرة الاستعمال كما حُذِفَت من (ناس) وأصلها (أناس)، وحُذِفَت من (شَرٍّ) و(خير) وأصلها (أشر) و(أخير).
أما الرَّحْمَنِفهي اسم من أسماء الله، والرَّحِيمِكذلك اسم من أسمائه، والفرق بينهما أن الرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل؛ ولهذا جاءت الرحمن بهذه الصيغة الدالة على السَّعَة، فرحمة الله تعالى واسعة شاملة لكل شيء، وأما الرَّحِيمِفهو الموصِل رحمته إلى خلقه.
ونقسم الرحمة باعتبار اسم الرَّحِيمِإلى قسمين: عامة، وخاصة. أما الرَّحْمَنِباعتبار الوصف فهو عام؛ يعني لأنه ذو رحمة واسعة كما قال تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ [الأنعام: ١٤٧].
هذه البسملة -كما ترون- مشتملة على جار ومجرور، والجار والمجرور معمول لا بد له من عامل، وهو المسمى بالمتعلَّق؛ أعني أن عامل الجار والمجرور هو الذي يُسْمَّى بالمتعلَّق فيقال مثلًا: الجار والمجرور متعلق بكذا. فأين متعلَّق البسملة؟
قال أهل العلم: متعلَّق البسملة فعل مقدر متأخر موافق للمبدوء به في مادته، فإذا كنت تريد أن تتوضأ كان تقدير هذا المحذوف باسم الله أتوضأ، وإذا كنت تريد أن تقرأ كان تقديره باسم الله أقرأ، وعلى هذا فقِسْ.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» فقدَّر الفعل يعني: ليقل: ذبحت باسم الله. لماذا قُدِّر فعلًا؟ لأنه الأصل في العمل؛ ولهذا كانت الأفعال تعمل بدون شرط، والأسماء لا تعمل إلا بشروط كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وغير ذلك.
وقدَّر متأخرًا من وجهين: الوجه الأول تيمنا بالبداءة باسم الله، وثانيا: من أجل الاختصاص؛ لأن تأخير العامل عن المعمول يفيد الاختصاص والحصر، وقُدِّرَ موافقًا للمبدوء به في مادته؛ لأنه أخص وأدلُّ على المقصود فأنت إذا أردت أن تتوضأ وقلت: باسم الله أتوضأ كان هذا أخص مما لو قدرت باسم الله ابْتَدِئ.
على كل حال إذا سُئِلْنا كيف نُقَدِّر العامل في البسملة؟
الجواب: نقدره فعلًا متأخرًا موافقًا للمبدوء به في مادته؛ إذا كان الضمير وضوءًا قلنا: أتوضأ. قراءة؛ قلنا: أقرأ. دخولًا؛ قلنا: أدخل. وهكذا.
قال الله عز وجل: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا [الصافات: ١، ٢] إلى آخره، الواو هنا حرف قسم، والقسم تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم بصيغة مخصوصة. هذا القسم.
فقولنا: تأكيد الشيء، هذه فائدة القسم أنه يفيد التوكيد، (بذكر معظم) وجهه كأن المُقْسِم يقول: إنني أؤكد هذا كما أؤكد عظمة المحلوف به، ولا يمكن أن أحلف بهذا العظيم عندي إلَّا على أمر مؤكد، وقولنا: بصيغة مخصوصة هي صيغة القسم.
وحروف القسم ثلاثة: الواو، والباء، والتاء. فالواو أكثرها استعمالًا، والباء أكثرها صيغة؛ يعني: أن الباء يُحْلَف بها مع وجود الفعل وحذفه وتدخل على الظاهر وعلى المُضْمَر. والتاء أخص من الواو.
فإذن أعم أدوات القسم أو حروف القسم بالنسبة للاستعمال الباء؛ لأنها تستعمل مع وجود الفعل. فتقول: أحلف بالله لتفعلنَّ كذا، ومع حذفه فتقول: بالله لتفعلن كذا، وتُسْتَعمل أيضًا مع الاسم الظاهر مثل أحلف بالله. ومع الاسم المضمر مثل: إن الله وبه أحلف لعلى كل شيء قدير، فهنا دخلت الباء على الضمير.
أما الواو فهي أكثرها استعمالًا لكنها لا تدخل إلا على الظاهر، ولا يُذْكَر معها فعل القسم، التاء هي أقلها استعمالًا، وتختص بالظاهر وتختص أيضًا بأسماء معينة، وهي الله ورب؛ قال ابن مالك:
.................. ..... وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ

فتقول: تالله، لأفعلن كذا، وتقول: تَرَبِّ الكعبة لأفعلنَّ كذا، أو تَالربِّ لأفعلن كذا، ويُذْكَر معها فعل القسم أو لا؟ لا يُذْكَر معها فعل القسم؛ إذن فهي أضيقها استعمالًا.
طيب، الواو هنا حرف قسم. الصَّافَّاتِ صَفًّاالصَّافَّاتِاسم مجرور بالواو، واو القسم؛ لأن حروف القسم تَجُرُّ. الصَّافَّاتِلها معنى ولها مراد، فالمعنى في الصَّافَّاتِيعني: الأشياء القائمات على خطٍّ واحد مستقيم، كل شيء متعدد يقوم على خط واحد مستقيم يُسَمَّى صافًّا؛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف: ٤] يعني: على خط مستقيم، هذا المعنى للصافات.
لكن ما المراد به؟ المراد به قال المؤلف: (الملائكة)، وأُنِّثَت باعتبارها جماعات، وجماعات مؤنث، وقد أخذ الزائغون بهذا الاشتباه أي: تأنيث الملائكة، وقالوا: إن الملائكة بنات الله؛ ولهذا تُذْكَر بصيغة التأنيث، ولكن لا شك أن هذا من باب التلبيس والتشبيه؛ فإن الله تعالى ذكر الملائكة بصيغة المذكر وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: ٥]، ولم يقل: (يُسَبِّحْنَ بحمد ربهم).
على كل حال أُنِّثَت الملائكة باعتبارها جماعات؛ لأن الملائكة عليهم الصلاة والسلام جماعات مختلفة، كل جماعة لها وظيفة معينة؛ فمنها مَنْ وظيفتُهم العبادة الخاصة لله مِنَ التسبيح والركوع والسجود وغير ذلك، ومنهم ملائكة مُوَكَّلون بحفظ بني آدم، وملائكة موكلون بحفظ أعمالهم وكتابتها، وملائكة موكلون بأشياء أخرى منها ما نعلم ومنها ما لا نعلم.
فإذا قال قائل: من الملائكة؟ فالجواب: أنهم عالم غيبيٌّ خُلِقُوا من نور، واستعبدهم الله سبحانه وتعالى في طاعته فقاموا بها على أَتَمِّ وجه لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦].
فإن قال قائل: هذا التعريف يَرِدُ عليه أن الملائكة قد تُرَى؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته التي خُلِقَ عليها وله سِتُّ مئة جناح قد سدَّ الأفق ، وأحيانًا يأتي جبريل بصورة بشر.
فالجواب: أن هذا على سبيل النُّدْرَة، وما كان نادرًا فإنه لا يخرم القاعدة، ولا يُبْطِل التعريف، والنادر كما يقول العلماء: ليس له حكم.
طيب، ما وجه كون الملائكة تُوصف بالصافَّات؟ قال المؤلف: (تَصُفُّ نفوسها في العبادة أو أجنحتها في الهواء تنتظر ما تُؤْمَر به) هذا الصافات وُصِفَت بها الملائكة؛ لأنها تصف أنفسها للعبادة؛ يعني: تُهَيِّئُها لها، أو يصفون عند الله عز وجل كما قال الله تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات: ١٦٥، ١٦٦]، أو (تَصُفُّ أجنحتها في الهواء تنتظر ما تؤمر به) كما قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ [الملك: ١٩]، فالطير إذا كان في الهواء وقد وضع أجنحته هكذا لا تتحرك، يقال: إنه صافٌّ.
فإذا قال قائل: (أو) هنا للتنويع أو للشك أو ماذا؟ يحتمل أن هذه للتنويع؛ يعني أنها تَصُفُّ هكذا وهكذا، أو أنها للشك يعني: للتردد بين قولين قال بهما المفسرون، ولكن المعنى الأول أحسن؛ لأن هذا وَصْفٌ للملائكة فهي تصُف أنفسها للعبادة، وكذلك تصف أجنحتها في الهواء تَنْتَظر ما تُؤْمَر به.
(فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا [الصافات: ٢] الملائكة تَزْجُر السحاب أي: تسوقه) إذن فالموصوف شيء واحد، الصَّافَّاتِهن الزَّاجِرَاتِوقوله: (تزجر السحاب أي تسوقه) لعل هذا على سبيل المثال من زجر الملائكة؛ لأن الملائكة تزجر السحاب أي: تسوقه، وكذلك تزجر الميت الكافر عند موته، تزجر نفسَه لتخرج؛ تقول: اخرُجي أيتها النفس الخبيثة، وكذلك أيضًا لعلها تزجر أشياء أخرى لا نعلمها.
المهم أن المراد بالزاجرات من؟ الملائكة. وكيف كانت زاجرة؟ نقول: لهذا عدة أوجه؛ منها زجر السحاب، وزجر النفوس الكافرة عند الموت، وغير ذلك مما يأمرها الله به أن تزجره.
(فَالتَّالِيَاتِأي: قُرَّاء القرآن يتلونه ذِكْرًامصدر من معنى التاليات) قوله: فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا [الصافات: ٣] عَدَل المؤلف بهذا الوصف عن الأول، أي: عن الموصوف الأول؛ فقال: التاليات؛ يعني الذين يقرؤون القرآن؛ أي: النفوس التاليات، ولو قيل: إن المراد بها الملائكة أيضًا؛ لأن الملائكة تتلو القرآن كما قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١١ - ١٦] فالملائكة تتلو القرآن، فيمكن أن نجعل هذه الأوصاف الثلاثة كلها لمن؟ للملائكة.
طالب: شيخ، الملائكة يصلون؟
الشيخ: إي نعم، كما جاء في الحديث: «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعِ إِلَّا وَفِيهَا مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ» .
الطالب: «أَلَا تُصَفُّونَ كَمَا تُصَفُّ الْمَلَائِكَةُ» (...) في غير الصلاة؟
الشيخ: وصفوفها الذي في الحديث يحتمل أنهم في الصلاة أو في غيرها أيضًا، يصفون للتسبيح والتعظيم.
الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، (...) أنها لم تنزل (...). هل هذا صحيح؟ (...) قد يعترض معترض ويقول: إن القرآن لم يحفظ (...) الأمة الشك؟
الشيخ: لا، أبدًا، مسألة النسيان ثم يهدون للأصل.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، نقول: تَرَدُّدُهم في ذلك؛ لأنه لو قال قائل: إذا التزمتم بأنها لم تنزل، فلماذا يجعلون الفاصل؛ لأننا إذا جزمنا بأنها لم تنزل لزم أن نجزم بأن براءة بقية سورة الأنفال.
الطالب: (...).
الشيخ: هذا من باب الاحتياط، هم يقولون: الآن ما نقصنا شيئًا من الكتاب ولا زدنا منه، غاية ما هنالك أنا احتطنا خوفًا من أن يكون الأمر كذلك، والنسيان وارد، لكن كونها لم تُذْكَر نجزم جزمًا أنها لم تنزل.
الطالب: زجر الشيء معناه (...) أو سوقه أو أيش معناه؟
الشيخ: لا، زجر الشيء نهره، زجرته: يعني: نهرتُه بكلامي بشدة وقوة.
الطالب: هل الملائكة تزجر (...).
الشيخ: لا، ربما لأنه.. بناء على ما ورد من أن الرعد هو صوت الملَك يَزْجُر السحاب.

***

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: ١ - ١٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌإلى آخره، تكلمنا أمس عن المكي والمدني، فما هو المكي؟
طالب: المكي ما نزل بمكة على الرسول عليه الصلاة والسلام.
الشيخ: هذا قول، ولكن الذي رجحناه؟
طالب: ما نزل قبل الهجرة.
الشيخ: ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، هل تحفظ آية نزلت في مكة بعد الهجرة؟
الطالب: قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣] نزلت في حجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم راكب في عرفة.
الشيخ: أحسنت، وكذلك ذكروا أن سورة النصر نزلت في أيام التشريق وهو في منى، فالله أعلم. تكلمنا أيضًا عن البسملة وقلنا: إن البسملة تشتمل على جار ومجرور؟
طالب: (...).
الشيخ: المعنى المتعلق من حيث الإعراب.
الطالب: الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف (...).
الشيخ: كمِّل. أيش (...) المناسب للمقام؟
الطالب: مناسب للمقام.
الشيخ: كيف تُقَدِّرُه فيما إذا أردت أن تتوضأ فسمَّيْتَ؟
الطالب: باسم الله أتوضأ.
الشيخ: باسم الله أتوضأ، تمام، لماذا قدرناه فعلًا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: لأن الأصل في الفعل العمل خلاف الاسم فلا يعمل إلا بشروط.
الشيخ: الفعل هو الأصل في العمل بخلاف الاسم، طيب، ولماذا قدَّرْناه متأخِّرًا؟
طالب: لغرضين.
الشيخ: لسببين؟
طالب: الأول التبرك بالبداءة باسم الله، والثاني الحصر.
الشيخ: الثاني الحصر؛ لأن تأخير العامل يدل على الحصر، طيب، ما الفرق بين الرحمن والرحيم؟
طالب: (الرحمن) هو عموم الرحمة في الدنيا على المسلمين وعلى الكفار، والرحيم هو خصوص الرحمة في الآخرة على المسلمين، على المؤمنين (...).
الشيخ: هذا لا شك أنه كلام جيد، وهو من لازم ما أريده.
طالب: الرحمن صفة، والرحيم موصوف.
الشيخ: لا، الرحمن صفة؛ يعني: مراد به اتصاف الله بالرحمة، والثاني الفعل وهو إيصال الرحمة إلى المرحوم، وكما قال الأخ هداية الله: باعتبار المتعلَّق أن الأول عام، والثاني خاص.
طالب: خص الآخرة (...).
الشيخ: إي، الآخرة نعم؛ لأن الرحمة بالمؤمنين خاصة في الآخرة، أما في الكفار فهو عموم.
الطالب: (...).
الشيخ: هو ذكرها في العموم.
الطالب: الرحيم.
الشيخ: إي نعم، ربما تكون أيضًا في الدنيا والآخرة، ما المراد بـالصَّافَّاتِ؟
طالب: الملائكة التي تصف عند ربها للعبادة تصف أجنحتها (...).
الشيخ: تنتظر ما تؤمر به، طيب، وما معنى الصَّافَّاتِ؟
الطالب: (...) أن الملائكة تتصاف.
الشيخ: لا.
الطالب: الصافات؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ما كان على خط مستقيم أو صف (...).
الشيخ: الوقوف على صف مستقيم متساو يُسَمَّى هذا صفًّا، ومنه صَفُّ المسجد في الجماعة وغيرها، طيب، إذن هناك فرق بين المعنى وبين المراد، المعنى ما دل عليه..؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، عمومًا.
طالب: الصافات..
الشيخ: اترك الكلمة هذه.. هناك فرق بين المعنى وبين المراد باللفظ.
طالب: موضوع المعنى هو الصف على خط مستقيم.
الشيخ: لا، ما هو بها الآية هذه، كل القرآن يُفَسَّر أحيانًا بالمعنى، وأحيانًا بالمراد.
الطالب: المعنى اللغوي.
الشيخ: صحيح، ما دل عليه اللفظ باعتبار اللغة فهو معنى، وما كان مرادًا للمتكلم فهو المراد؛ فمثلًا لو نظرنا إلى الصافات من حيث اللغة العربية لقلنا: إنها وصف لكل ما هو صَفَّ، ما هو للملائكة، للملائكة وغيرها، وأما المراد فهو الملائكة. لماذا أَنَّثَ الصَّافَّاتِ؟
طالب: لكونها جماعات.
الشيخ: لكونها جماعات، صح، لكونها جماعات كل جماعة لها عمل خاص، طيب.
الزَّاجِرَاتِ زَجْرًا؟
الطالب: الملائكة.
الشيخ: الملائكة، لماذا وصفت بـالزَّاجِرَاتِ؟
الطالب: تزجر الرياح.
الشيخ: تزجر السحاب.
الطالب: السحاب، (...) أفعال الشَّرِّ.
الشيخ: تزجر أرواح الكفار عند قبضها، طيب، التَّالِيَاتِ ذِكْرًا.
ما المراد بالتاليات ذكرا؟
طالب: أن الملائكة تتلو القرآن.
الشيخ: نعم، فيه قول آخر؟
طالب: (...) التاليات.
الشيخ: فتكون أعم من الملائكة.
قال المؤلف رحمه الله: (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًامصدر من معنى التاليات) فالمؤلف رحمه الله أعرب ذِكْرًاعلى أنها مصدر من معنى التَّالِيَاتِ ذِكْرًا، فاستفدنا من هذا فائدة نحوية؛ وهي أن المصدر قد يكون من اللفظ، وقد يكون من المعنى؛ إذا كان من المعنى فهو مصدر معنوي، وإذا كان من اللفظ فهو مصدر لفظي؛ فإذا قلت: قعدت جلوسًا. فـ(جلوسًا) مصدر معنوي، قعدت قعودًا مصدر لفظي.
التَّالِيَاتِ ذِكْرًايقول المؤلف: إن التاليات أصلها الذاكرات ذكرًا، فالتاليات عنده بمعنى الذاكرات، وذِكْرًامصدر لها من معناها، ولكن الذي يظهر خلاف كلام المؤلف، وأن ذِكْرًامفعول للتَّالِيَاتِ؛ لأن التَّالِيَاتِاسم فاعل قد استوفى شروط العمل؛ لكونه محلى بـ(أل)، وذِكْرًامفعول به؛ أي: فالتاليات يعني فاللاتي يتلين الذكر، والمراد بالذكر القرآن، وسُمِّيَ ذِكْرًا؛ لأنه ذكر لله عز وجل، فإنه من أفضل الذكر، ولأنه يُذَكِّر الإنسان بربه، ولأنه يذكر الإنسان بأحكام ربه، ولأنه يذكر الإنسان بنعم ربه، ولأنه ذِكْر لمن عمل به؛ أي: شرف ورفعة، كما قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤]، ولأنه يعظ صاحبه ويُذَكِّره، وهو يذكره كما قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، فالقرآن ذكر من هذه الوجوه الخمسة. تعيدونها؟
طالب: إي نعم، أولًا: لأنه ذكر للإنسان يتذكر به، ويذكرك بالله سبحانه وتعالى وأنه يرفع شأنه، وأنه يذكرك بأحكام الله سبحانه وتعالى، وأنه يذكرك بالأخلاق (...).
الشيخ: بمن مضى، وبنعمة الله، وهو أيضًا نفسه هو نفسه ذكر لله، من أفضل أنواع الذكر.
فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌالجملة هذه جواب القسم؛ ولذلك كُسرِت النون هنا لوقوعها في جواب القسم ولأنه اقترن خبرها باللام لَوَاحِدٌ، وإذا وقعت إن جوابًا للقسم وجب كسرها، وإذا اقترن خبرها باللام أو اسمها المؤخر أو معمول أحدهما باللام وجب كسرها.
إِنَّ إِلَهَكُمْالخطاب يقول المؤلف: (يا أهل مكة)، ولكن الصحيح أنه عام يشمل كل خوطب، لكن الذي أوجب المؤلف أن يجعله خاصًّا بأهل مكة؛ لأن هذه الآية مكية والمشركون هم أهل مكة، ولكن لا ينبغي أن يُقَيَّد المعنى العام بمكان نزوله، وإذا كان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المكان، فالصواب إِنَّ إِلَهَكُمْيعني: أيها الناس لَوَاحِدٌواحد يعني: لا شريك له، الواحد والأحد وما أشبههما تدل على الانفراد أي: أنه عز وجل لا شريك له.
إِلَهَكُمْ(فعال) بمعنى (مفعول) أي مألوهكم، والمألوه هو الذي يُعْبَد محبة وتعظيمًا، فبمحبته يقوم الإنسان بفعل الأوامر، وبتعظيمه ينتهي عن النواهي؛ إذن إن معبودكم أيها الناس لواحد لا شريك له، فالله عز وجل لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته، فمن يأتي بالدليل على أنه لا شريك له في ربوبيته؟
طالب: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩].
طالب آخر: (إن ربكم لواحد).
الشيخ: وين (إن ربكم لواحد)؟ ما احفظ آية بهذا اللفظ.
طالب: (...).
الشيخ: إحنا نتكلم عن الربوبية.
الطالب: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ [الرعد: ١٦]
الشيخ: نعم. طيب، الألوهية فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: ١٩]، الأسماء والصفات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، فالله تعالى واحد في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، سبحانه وتعالى.
ثم قال: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الصافات: ٥] رَبُّهذه إما أن تكون عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو رب السماوات والأرض، و(رب) بمعنى خالق ومالك ومدبر، فهو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي يملك السماوات والأرض، وهو المدبر للسماوات والأرض؛ قال الله تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، وهذا انفراده بالخلق والتدبير، وقال تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: ١٨٩] وهذا انفراده بالملك.
و(السماوات) جمع سماء، وهي معروفة، وعددها سبع سماوات بنص القرآن؛ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]. الأرض كذلك سبع لظاهر القرآن وصريح السنة؛ أما ظاهر القرآن ففي قوله.. يدل ظاهر القرآن على أنها سبع أراضين؟
طالب: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢].
الشيخ: قوله: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، فالمثلية هنا في العدد؛ لأنه لا يمكن أن تكون الأرض مثل السماء في ذاتها ولا في سعتها وعظمتها؛ فالسماء أوسع وأعظم ومادتها غير مادة الأرض. إذن يتعين أن تكون مماثلة في العدد، أما السنة فصريحة مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الصافات: ٥] يعني: ورب ما بينهما، فما الذي بينهما؟ لا شك أن الذي بينهما مخلوقات عظيمة بدليل أنها جُعِلَت قسيمة وعديلة للسماوات والأرض فلا بد أن تكون شيئًا عظيمًا، ليس هي مجرد ما نرى من السحاب المسخر بين السماء والأرض، بل هناك أشياء عظيمة بين السماء والأرض من آيات الله عز وجل، نعرف منها السحاب فإنه بين السماء والأرض، النجوم بين السماء والأرض، الشمس بين السماء والأرض، القمر بين السماء والأرض؛ لقول الله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ٣٣].
وما اشتهر عن علماء الفلك سابقًا من أن الشمس في السماء الرابعة، والقمر في السماء الدنيا، وعطارد وزحل والمشتري في السماوات الأخرى، وهي على هذا الترتيب:
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ

كم هذه؟ سبعة مرتبة من الأعلى إلى الأدنى.
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ

أعلاها (زحل) في السماء السابعة، (شرى) المشتري في السادسة، (مريخه) المريخ في السماء الخامسة، (من شمسه) الشمس في الرابعة، (فتزاهرت) الزهرة في الثالثة، (بعطارد) في السماء الثانية، (الأقمار) في السماء الدنيا، هذا هو المشهور عند علماء الفك سابقًا، ولكن هذا خلاف الصواب؛ لأن ظاهر النصوص أن الشمس والقمر والنجوم كلها دون السماء ليست مُلْصَقَة في السماوات، بل هي في فلك يدور بين السماء والأرض، والقمر هو أقربها إلى الأرض؛ بدليل أنه يَكْسِفُ ما فوقه، كما شاهدناه وشاهده غيرنا أحيانًا تجده يَمُرُّ من تحت النَّجْمَة، فتغيب به، وهذا يدل على أنه تحت النجوم.
على كل حال، نقول: ما بين السماوات السبع: السحاب، الشمس، والقمر، والنجوم، والكوكب، وغيرها من أمور لا نعملها، قد لا نعلم هذه الأمور، ويمكن العلم فيما بعد يُطْلِعنا على شيء كثير منها.
قال: وَرَبُّ الْمَشَارِقِ(أي: والمغارب للشمس ولها كل يوم مَشْرِق وَمَغْرِب). قال: الْمَشَارِقِقال: (أي: والمغارب) فكأنه من باب الاكتفاء بذكر المقابل عن مقابله، نظير قول تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] يعني: والبرد، فإن السرابيل التي هي القُمُص وشبهها تقي الحر والبرد.
هنا قال: وَرَبُّ الْمَشَارِقِقال المؤلف: يعني (والمغارب).
على كل حال الْمَشَارِقِجمع مشرق، فما المراد بالمشارق؟ هل المراد كما قال المؤلف مشارق الشمس؛ لأنها كل يوم لها مشرق؟ أو نقول: إن المشارق أعم فتشمل مشارق الشمس ومشارق القمر ومشارق النجوم ومشارق كل شارق، أيهما؟ الثاني أعم. فنقول: رَبُّ الْمَشَارِقِيعني: مشارق الشمس ومشارق القمر ومشارق النجوم ومشارق كل ما يشرق، وذَكَر الله المشارق دون المغارب؛ لأن المشارق أدلُّ على القدرة من المغارب؛ إذ إن الشروق ابتداء والغروب انتهاء، وفي الشروق أيضًا ولا سيما في شروق الشمس إضاءة ونور يظهر فيه تمامًا كمال النعمة.
وقوله: الْمَشَارِقِهنا بالجمع في بعض الآيات جاءت بالتثنية مثل قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧]، وفي بعض الآيات جاءت بالإفراد رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، كما قال تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: ٩] فهل هذا تناقض أم ماذا؟
الجواب: لا، وليس في القرآن شيء من التناقض، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، فالقرآن لا يمكن أن يتناقض بنفسه ولا أن يتناقض مع صحيح السنة؛ لأنه قد تأتي سنة ضعيفة تناقض القرآن ومناقضتها للقرآن يدل على ضعفها، لكن مع صحيح السنة لا يمكن.
فإن وجد شيء ظاهره التعارض فإنه لا بد أن يكون هناك وجه لتصحيح التعارض؛ إما بإمكان الجمع وهو المرتبة الأولى للعمل بالنصوص التي ظاهرها التعارض، وإما بالنسخ إن عُلِمَ التاريخ وكان النص مما يدخله النسخ، والثالث الترجيح يكون أحدهما أرجح من الآخر. ولا بد من هذه المراتب الثلاثة، لكن أحيانًا قد لا يتسنى للناظر وجه من هذه الوجوه، قد يعجز عن الجمع، وقد لا يعرف النسخ، وقد لا يمكنه الترجيح، فما موقفه حينئذ؟ التَّوَقُّف؛ أن يقول: الله أعلم، ولا يجوز أن يعتقد بأي حال من الأحوال أن في القرآن أو صحيح السنة تناقضًا أبدًا، لكن هل له أن يُحاوِل معرفة هذه المراتب؟ أو إذا أَشْكَل عليه أول مرة وَقَفْ؟ يجب أن يحاول النظر مرة بعد أخرى حتى يَتَبَيَّن؛ لئلا يقع في نفسه شَكٌّ فيزيغ، والعياذ بالله. فهذه الفائدة جاءت عَرَضًا، وهي أنه ليس في القرآن تناقض لا في نفسه ولا مع صحيح السنة، فإن وُجِد شيء ظاهره التعارض والتناقض وجب أن نستعمل المراتب الثلاث: أولًا: الجمع، فإن لم يمكن فالنسخ، فإن لم يمكن فالترجيح، فإن لم نصل إلى ذلك فالتوقُّف، لكن مع محاولة الوصول إلى مرتبة من هذه المراتب.
إذن بناء على هذه القاعدة يُمْكِن أن نُنَزِّل الاختلاف الوارد في المشرق والمغرب؛ فنقول: المشرق باعتبار الجهة يعني جهة الشرق؛ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَيعني جهة الشرق وجهة الغرب؛ بدليل قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] أي: جهة الله على أحد التفسيرين.
وأما المشرقان والمغربان رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧] فالمراد مشرقا الصيف والشتاء، ومغربا الصيف والشتاء؛ فالشمس مثل لها منتهى في مشرقها صيفًا وهو مدار السرطان، ولها منتهى في مدارها شتاء وهو مدار الجَدْي؛ إذ الفرق بين المشرقين فرق كبير لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يُحَوِّل الشمس من مدار السرطان إلى مدار الجَدْي ولا أن يزحزحها شعرة واحدة، وكذلك نقول بالنسبة للقمر؛ لأنه يدور على المشرقين والمغربين.
إذا قال قائل: رب المشرقين ورب المغربين في أي موضع من القرآن وردت مثناة؟
طالب: سورة الرحمن.
الشيخ: في سورة الرحمن. في غيرها؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذه ليست في الإسراء، هذه في سورة (المزمل). أنا أريد التثنية هل وردت في غير (الرحمن)؟ على كل حال، المناسبة لذكرها مثناةً في (الرحمن) لأن السورة هذه خُوطِبَ بها صنفان؛ الإنس، والجن، فكان هذه مناسبة معنوية لسياق السورة كلها.
(المشارق والمغارب) الجمع فيها واضح، إما باعتبار مشارق كل ما يشرق ومغارب كل ما يغرب من الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وإما أن المشارق اليومية للشمس؛ لأن كل يوم لها مَشْرِق، وهذه المرتبة مرتبة أيش..؟ المراتب الثلاثة؟ مرتبة الجمع، فالجمع بينها إذن أن نقول: (المشارق) باعتبار مشارق كل ما يشرق، أو باعتبار مشارق الشمس كل يوم. (المشرقين) باعتبار مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. (المشرق والمغرب) الجهة، قال: (وَرَبُّ الْمَشَارِقِأي: والمغارب).
{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ} [الصافات: ٦] إِنَّاالضمير يعود على الله عز وجل، واستعمل ضمير الجمع عائدًا إلى الله من باب التعظيم، وليس من باب التعدد؛ لأن الآية تقول: إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤]، لكن هذا من باب التعظيم، وقوله: زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍأي: جعلنا عليها ما يُزَيِّنُها وهي الكواكب؛ ولهذا قال: {بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ} وفي قراءة بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ، وكلاهما صحيح {بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ} أي: بالكواكب المزيِّنة للسماء كما قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [الملك: ٥]، و{الْكَوَاكِبِ} على القراءة التي ساقها المؤلف مضاف إليه، و(زينة) مضاف غير منون، {بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ}؛ لأن الكواكب نفسها زينة تُزَيَّن بها السماء الدنيا.
فإذا قال قائل: السماء الدنيا لماذا سُمِّيَت دنيا؟ لأنها أدنى إلى الأرض مما فوقها فهي دنيا، وربما نقول أيضًا: أنها أدنى مما فوقها في السعة والقوة؛ لأن كلما عَلَوْت اتسع المكان؛ لأن السماوات على الأرض دائرة كالكرة، ومعلوم أنك كلما صعدت فسوف يَتَّسِع، وكلما اتسع فسيكون أقوى؛ لأنه لو كان المتسِع بقوة ما تحته ضَعُف؛ إذ كلما اتسع البناء فلا بد أن يكون أقوى.
ونضرب لك مثلًا لو أنك أتيت بِمُسَلَّح خمسة أمتار يحتاج مثلًا إلى عشرة سنتيمترات، لكن إذا جعلته عشرين يحتاج إلى أكثر؛ يعني: يحتاج إلى أن يكون سميكًا أكثر؛ لأنه لو كان بسُمْك الأول مع سعته لكان (...)، وكلما اتسع فلا بد أن يكون أشدَّ بناء وأحكم.
وقوله: {بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ} يعني أن الكواكب تُزَيِّن السماء، وسنورد على ذلك إيرادًا وهو أننا ذكرنا قبل قليل أن النجوم والكواكب في فَلَكٍ بين السماء والأرض، وظاهر الآية أن تَزْيِين السماء الدنيا بشيء لاصق به، والجواب على ذلك أن يقال: إن الشيء قد يُزَيَّن بالشيء ولو كان منفصلًا عنه، أرأيت لو وضعت ثُرَيَّات خارج القصر؛ فيه قصر مثلًا وضعت حوله ثريات، فإذا نظرت إلى القصر والثريات بينك وبينه فإن هذه الثريات ستكون زينة للقصر مع أنها في الواقع ليست بلاصقة له، كل شيء يحول بينك وبين شيء آخر فإنه سيتصف به الشيء الثاني وسيكون في نظرك ملاصقًا له، حتى وإننا ونحن صغار يقول الواحد منا: أنا ألمس السماء أيش لون؟ إذا قال هكذا بأصبعه، يراها الرائي كأنها مَسَّت السماء، وليس كذلك.
طالب: (...).
الشيخ: لا، القرب والقوة.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا في الدنيا، السماء الدنيا (...).

***

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات: ٦ - ١٤].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ١ - ٤] ما موضع هذه الجملة مما قبلها في الإعراب إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ؟
طالب: جواب القسم.
الشيخ: جواب القسم. كسر (إن) هنا له سببان.
طالب: أولًا: لابتدائها.
الشيخ: لا.
الطالب: ثانيًا أن الجواب اقترن باللام.
الشيخ: هذه واحدة، وأولًا؟
طالب: كونها جوابًا للقسم.
الشيخ: كونها جوابًا للقسم. صح، إِلَهَكُمْإله بمعنى؟
طالب: مألوه.
الشيخ: مألوه، أي: المعبود، طيب، قوله لَوَاحِدٌيَرِدُ على هذا أن للمشركين آلهة متعددة.
طالب: نعم لهم آلهة، لكنها آلهة باطلة.
الشيخ: نقول: نعم، لهم آلهة، لكنها آلهة باطلة، ما الدليل؟
الطالب: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة: ٧٣].
الشيخ: لا، الدليل على أنها باطلة؟
الطالب: أنها لا تنفعهم ولا تضرهم.
طالب آخر: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان: ٣٠].
الشيخ: نعم، صح، وقوله: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، قوله عز وجل: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاجَمَع السماوات وأفرد الأرض، فهل ذلك لأن الأرض واحدة أم ماذا؟
طالب: الأرض ليست واحدة، بل متعددة.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ.
الشيخ: ويش وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ؟
الطالب: (...).
الشيخ: (...) وإلا ما استفدنا.
طالب: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢].
الشيخ: لماذا قلت: إن المراد بالمثلية هنا مثلية العدد، أفلا يمكن أن يكون المراد مثلهنَّ في الصفة؟
طالب: لأنه لا يمكن أن تكون مثلهن لأن الأرض أصغر من السماء فتعين أن يكون العدد.
الشيخ: إي نعم؛ ولهذا يصف الله السماء بالقوة وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: ١٢]، وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء: ٣٢]، وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧]، ولم يرد ذلك في الأرض.
قوله: وَمَا بَيْنَهُمَاماذا يفيد جَعْلُه قسيمًا للسماوات والأرض؟
الطالب: (...).
الشيخ: السماوات واضح أنها عظيمة، والأرض كذلك، مَا بَيْنَهُمَالماذا جعله الله قسيمًا وعديلًا لهذين الاثنين مع أنه فيما يظهر لنا دون ذلك بكثير؟
الطالب: يعني ما بين السماء والأرض أي شيء (...).
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: يعني: ما بين السماء والأرض زي السحاب والنجوم والشمس والقمر وغير ذلك الذي ما أعلمناه.
الشيخ: أحسنت، إذن يدل على أن ما بين السماوات والأرض مخلوقات عظيمة.
قوله تعالى: وَرَبُّ الْمَشَارِقِما المراد بالمشارق؟
طالب: على قول المؤلف: مشارق الشمس
الشيخ: لأن كل يوم لها؟
الطالب: مشرق.
الشيخ: فتكون مشارقها ثلاث مئة ستين مشرقًا، وعلى القول الثاني؟
الطالب: مشارق النجوم والقمر والشمس..
الشيخ: وكل ما يشرق أو يغرب.
في هذه الآية جَمَع المشارق، وفي آية أخرى أيضًا فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [المعارج: ٤٠]، وفي بعض الآيات ثَنَّى، وفي بعض الآيات أَفْرَد. فكيف تَجْمَع بين هذه الوجوه؟
طالب: بالنسبة للتثنية (...) مشرق الصيف ومشرق الشتاء وبالنسبة للإفراد جهة المشرق وجهة المغرب، وبالنسبة للجمع يعني مشرق كل يوم بحسبه.
الشيخ: كل يوم ومغربه، أو مشرق كل ما يشرق ويغرب.
ما هو موقفنا مما إذا ورد في القرآن الكريم أو السنة النبوية الصحيحة ما ظاهره التعارض؟
طالب: الأول الجمع بين النصوص.
الشيخ: الموقف الأول الجمع، وهذا متعين؟
الطالب: نعم
الشيخ: لماذا تعين إذا أمكن؟
الطالب: لأن بالجمع العمل بالدليلين.
الشيخ: لأنه يحصل العمل بالدليلين، أحسنت، فإن لم يمكن؟
الطالب: فالنسخ.
الشيخ: فالنسخ، بشرط؟
الطالب: وجود شروط النسخ، وعدم (...).
الشيخ: ومنها العلم بتأخر الناسخ.
الطالب: العلم بالتاريخ.
الشيخ: العلم بالتاريخ، فإن لم يكن نسخ؟
الطالب: فالترجيح.
الشيخ: فالترجيح، وأسباب المرجحات كثيرة، فإن لم يكن؟
الطالب: فالتوقف.
فالتوقف، وهل هذا ممكن باعتبار الواقع؟
طالب: باعتبار الواقع، لا.
الشيخ: باعتبار الواقع، لا. يعني لا يمكن أن يوجد تعارض ينتفي فيه هذه الأمور الثلاثة، لكن باعتبار نظر المستدل يمكن؛ إما لقصوره أو تقصيره، تمام.
قوله: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [الصافات: ٦] ما المراد بالسماء الدنيا؟
طالب: السماء اللي إحنا نشوفها (...).
الشيخ: صح، التي تلي الأرض، لماذا وصفت بالدنيا؟
الطالب: لأن الناظر إلى السماء يظن أنها قريبة.
الشيخ: لقربها، هذه واحدة، الثاني؟
الطالب: لأنها أقل من السماوات الأخرى في القوة (...).
الشيخ: صحيح، والسعة؛ لأن كلما اتسعت الدائرة صار أعظم. كيف يقال: زينا السماء الدنيا، ونحن قررنا بأن النجوم في فلك بين السماء والأرض؟
طالب: لأنه يمكن أن تزين الشيء بشيء ليس منه.
الشيخ: إي نعم، منفصل عنه، أتضرب لنا مثلًا؟
الطالب: القصر مثلًا (...) ويكون المدخل ليس من القصر.
الشيخ: يعني يزينه بالثريات وما أشبهها مع أنها منفصلة عنه.
قوله: بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِفيها قراءتان؟
طالب: بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ، {بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ}.
الشيخ: يعني بالإضافة وبالتنوين، على قراءة الإضافة ويش المعنى؟
طالب: الكواكب نفسها.
الشيخ: بزينة الكوكب؛ يعني: بالزينة التي تُحْدِثها الكواكب. وعلى قراءة التنوين؟
الطالب: ليس نفست الكواكب.
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: في البيان، يعني معناه أنه بزينة مجمل، ما هذه الزينة؟ بيَّنها بقوله: الْكَوَاكِبِ.
الطالب: (...).
الشيخ: في التفصيل أو البيان بعد الإجمال فائدة، فما هي؟
الطالب: أن النفس تكون متشوفة للبيان (...).
الشيخ: فيقع البيان أو التفصيل على نفس متشوفة، فيكون ذلك أبلغ وأدعى للقبول؛ يعني: إذا جاء الشيء مجملًا ثم جاء مفصلًا أو مبينًا فإنه أبلغ؛ لأنه إذا ورد على النفس مجملًا صارت النفس تتطلب بيان هذا المجمل فيرد على نفس متطلعة للبيان فيكون ذلك أبلغ وأرسخ في القلب.
الطالب: (...) قُسِّمت، كان أدعى (...).
الشيخ: هذا في التقسيمات. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِوَحِفْظًاوقفنا عليها الآن.
طالب: القراءة الثالثة كذلك (...).
الشيخ: ويش القراءة الثالثة؟
الطالب: بالتنوين وبنصب الكواكب. يعني: بدل اشتمال من السماء. الكواكب بدل الاشتمال.
الشيخ: ما هي بعندنا ها القراءة هذه.
طالب: سبعية.
الشيخ: لكن، عندنا ما هي موجودة.
طالب: لا، ذكرها بالشرح.
الشيخ: بالشرح، {بِزِينَةٍ الْكَواكِبَ} على هذه القراءة تكون الكواكب بدل اشتمال من السماء. كذا عندك؟ (...) الإعراب ويش يقول؟
طالب: يقول: (...) بِزِينَةٍتكون الكواكب عطف بيان عليها، وبقي قراءة ثالثة: وهي تنوين زينة ونصب الكواكب، والثلاث سبعيات، وقوله: {بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبَ} قرأ أبو بكر بتنوين {بِزِينَةٍ} ونصب {الْكَوَاكِبَ}، وفيها وجهان أحدهما أن تكون الزينة مصدرًا وفاعله محذوف تقديره بأن زين الله الكواكب في كونها مضيئة حسنة في أنفسها، والثاني: أن الزينة اسم لما يزان به، كالليقة اسم لما تلاقي به الدواة، فتكون الكواكب على هذا منصوبة بإضمار أعني أو تكون بدلًا من سماء الدنيا بدل اشتمال، أي: كواكبها أو من مُحَلّى بزينة، وحمزة وحفص كذلك إلا أنهما خفضا الكواكب على أن يراد بزينة ما يزان به، والكواكب بدل أو بيان للزينة، والباقون بإضافة زينة إلى الكواكب، وهي تحتمل ثلاثة أوجه..
الشيخ: قراءة النصب في الواقع أن نصبها بفعل محذوف أحسن، بِزِينَةٍأعني الكواكب أحسن من كونها بدلًا من السماء، إنا زينا السماء الكواكب.
يقول: (وَحِفْظًامنصوب بفعل مقدر أي: حفظناها بالشهب) حِفْظًايعني: أن حِفْظًامنصوب بفعل محذوف، التقدير: حفظناها؛ أي: حفظنا السماء الدنيا، حِفْظًابماذا؟ بالشهب، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥].
وقال هنا: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصافات: ٧] مِنْ كُلِّمتعلق بمقدر وهو حفظناها.
وقوله: (شَيْطَانٍ مَارِدٍعات خارج عن الطاعة) شَيْطَانٍنكرة كما تشاهدون يشمل كل شيطان، فهو نكرة مضافة إليه كُلِّفيكون فيه نوعان من أسباب العموم؛ وهو التنكير، وإضافة (كل) إليه، وشيطان قيل: إنه مأخوذ من (شاط يشيط)، وعلى هذا فالنون زائدة، وقيل: إنه من (شطن) بمعنى بَعُدَ، فالنون أصلية، وهذا هو الظاهر أن النون أصلية، وهو مأخوذ من (شطن) إذا بَعُد؛ لأن الشيطان قد بَعُد من رحمة الله؛ قال الله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر: ٣٥].
وقوله: مَارِدٍالمارد هو العاتي القوي العتو، والعياذ بالله.
وقوله: ({لَا يَسْمَعُونَ} أي الشياطين مستأنف وسماعهم هو في المعنى المحفوظ عنه)، {لَا يَسْمَعُونَ} الجملة كما قال المؤلف استئنافية؛ يعني: أن الشياطين المردة لا يسمعون إلى الملأ الأعلى، وهي في المعنى هذه الجملة المستأنفة هي في المعنى المحفوظ عنه في قوله: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍعن أيش؟ سماعهم إلى الملأ الأعلى؛ يعني أن السماء حُفِظَت عن الشياطين ألا يسمعوا إلى الملأ الأعلى.
قال: (إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى [الصافات: ٨] الملائكة في السماء، وعُدِّيَ السماع بـ(إلى) لتضمنه معنى الإصغاء) الملأ في الأصل الجماعة، ويُطْلَق في الغالب على الأشراف كما يمر علنيا كثيرًا في المكذبين للرسل أن الله يقول: قَالَ الْمَلَأُ، فالغالب أن الملأ هم الجماعة الأشراف والأعيان في قومهم، ولا ريب أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام أنهم أشراف؛ لأنهم عباد مُسَخَّرُون لعبادة الله، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم من أَقْوَم عباد الله بطاعة الله، وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد هل هم أفضل من البشر أو البشر أفضل منهم.
وهنا يقول: الْأَعْلَىالأعلى وصفًا أو الأعلى مكانًا؟ لا شك أنهم الأعلى مكانًا فإن السماء أعلى من الأرض، ويمكن أن يُرَاد به أيضًا الأعلى وصفًا فيُجْمَع بين الأمرين، كما أن الله سبحانه وتعالى إذا وُصِفَ بالأعلى فهو الأعلى مكانًا والأعلى وصفا.
قال: (وعُدِّيَ السماع بـ(إلى) لتضمنه معنى الإصغاء) هذا جواب عن سؤال مقدر، وهو أن (سَمِعَ) في اللغة العربية تتعدى بنفسها، كما قال الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ [المجادلة: ١]، وهنا قال: {لَا يَسْمَعُونَ إِلَى الْمَلَأِ} ولم يقل: (لا يسمعون الملأ). أجاب المؤلف عنه بأن الفعل ضُمِّنَ معنى الإصغاء، والتضمين معناه أن يكون الفعل متضمنًا لمعنى يناسب المفعول أو المعمول سواء كان مفعولًا به أو مجرورًا، وهل التجوز إذا جاء مثل هذا التعبير، هل يكون التجوز بالفعل أي أنه ضُمِّن معنى يناسب المعمول الذي تَعَدَّى إليه الفعل، أم أن التجوز في الحرف؟
ذكر أهل النحو في ذلك قولين: القول الأول وهو للكوفيين أن التجوز في الحرف، والقول الثاني أن الفعل مُضَمَّن معنى يناسب الحرف المتعدي إليه، وأبين مثال لذلك قوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦]، لو أننا أخذنا بظاهر اللفظ لكان المعنى أن هذه العين يُشْرَب بها، ومعلوم أن العين لا يمكن أن يشرب بها؛ لأنه لا يشرب إلا بالإناء من العين، فالعين لا يشرب بها وإنما يشرب منها، فهل نقول: إن الباء هنا بمعنى (مِن) فيكون التجوز في الحرف، أو نقول: إن (يشرب) مُضَمَّنٌ معنى (يَرْوَى) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَاأي: يَرْوَى بها عباد الله بعد شربهم منها؟
ذكرنا في هذا قولين لأهل العلم، ولا ريب أن جَعْلَ التضمين في الفعل أولى من جعله في المعمول؛ لأنك إذا جَعَلْتَ التضمين في الفعل استفدت فائدتين:
الفائدة الأولى: ما دلَّ عليه لفظ الفعل.
والثانية: ما دلَّ عليه معنى الفعل المضمن إياه.
أما إذا جعلت التجوز في الحرف فإنك لا تستفيد إلا معنى واحدًا وهو نزع الحرف، وإحلال حرف آخر مكانه ولم نستفد شيئًا، ويبقى الفعل على ما هو عليه بمقتضى دلالة اللفظ، فالحاصل أن القول بأن الفعل يُضَمَّن معنى يناسب الحرف أو يناسب المعمول أولى من القول بأن المعمول هو الذي فيه التجوز.
هنا {لَا يَسْمَعُونَ إِلَى الْمَلَإِ} [الصافات: ٨] نقول: هنا الفعل مُضَمَّن معنى الإصغاء؛ يعني: لا يُصْغون إليهم مستمعين.
(وفي قراءة بتشديد الميم والسين) يعني: لَا يَسَّمَّعُونَ(وأصله يتسمعون أدغمت التاء في السين) فصارت يسمعون، والقراءة هذه سبعية أوشاذة؟ سبعية؛ لأنه في اصطلاح المؤلف أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية وإذا قال: (قريء) فهي شاذة كذا؟
لَا يَسَّمَّعُونَقال: (وَيُقْذَفُونَأي: الشياطين بالشهب مِنْ كُلِّ جَانِبٍمن آفاق السماء دُحُورًا [الصافات: ٩] مصدر دحره أي طرده وأبعده، وهو مفعول له وَلَهُمْفي الآخرة عَذَابٌ وَاصِبٌدائم) ويُقْذَفون الضمير يعود على الشياطين.
فإذا قال قائل: إنه لم يَتَقَدَّم ذكر الشياطين، فالجواب بلى تقدم في قوله: مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ؛ لأن كل شيطان عام فيكون دالًّا على الجمع، ولَّا لا؟ فيكون دالًّا على الجمع، إذن يُقْذَفُونَأي: الشياطين المعلوم جمعهم من قوله: كُلِّ شَيْطَانٍ، ويقذفون من كل جانب، من الذي يقذفهم؟ يقذفهم الله عز وجل بأمره يأمر هذه الشهب فتقذفهم، والقذف هو الرمي بشدة. مِنْ كُلِّ جَانِبٍمن الجوانب التي تصيبهم (من آفاق السماء) كما قال المؤلف.
دُحُورًايعني: طردًا وإبعادًا، وهي كما قال المؤلف مفعول له؛ أي لأجل الدحور، والمفاعيل كم هي؟ خمسة المطلق، والمفعول به، والمفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه. هذه خمسة، وأمثلتها.
ضَرَبْتُ ضَرْبًا أَبَا عَمْرٍو غَدَاةَ أَتَى وَسِرْتُ وَالنِّيلَ خَوْفًا مِنْ عِقَابِكَ لِي

هذه خمسة أمثلة، (ضربت ضربًا) هذا أيش؟ المفعول المطلق. (أبا عمرو) المفعول به. (غداة أتى) المفعول فيه. (وسرت والنيل) معه. (خوفا من عقابك لي) مفعول له.
يقول: دُحُورًا، وَلَهُمْفي الآخرة عَذَابٌ وَاصِبٌأي: دائم، فهم يُعَذَّبون في الدنيا بهذه الشهب، ويعذبون في الآخرة بالعذاب الدائم؛ لأن الشياطين من أصحاب النار.
قال الله تعالى: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ [الصافات: ١٠] مصدر أي المرة، والاستثناء من ضمير {يَسْمَعُونَ} أي: لا يسمع إلا الشيطان الذي سمع الكلمة من الملائكة، فأخذها بسرعة فأتبعه شهاب كوكب مضيء ثاقب يثقُبُه أو يُحْرقه أو يُخَبِّلُه) لما قال: {لَا يَسْمَعُونَ} وكان هذا النفي عامًّا، يعني: لا يسمع أي واحد من هؤلاء الشياطين إلى الملأ الأعلى، استثنى الشياطين المردة الذين يَخْطِفُون الخطفة؛ ولهذا قال: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَيعني: أخذ الشيء بسرعة.
خَطْفَةَمصدر يدل على الوحدة ولَّا لا؟ يعني: إلا شيطانا يخطف الخطفة، فهذا يسلم، ولكن هل إذا خطف الخطفة ينجو؟ قال الله تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌفهنا استثنى مِنْ نَفْيِ سماعهم إلى السماء استثنى الذي يَخْطِف الخطفة، فهو يسمع، ولكن هل ينجو حتى يصل إلى الأرض؟ لا، قال: فَأَتْبَعَهُأي: تبعه شهاب ثاقب؛ يعني: كوكب مضيء ثاقب أي: نافذ يَنْفُذ فيه، فيخرقه أو يُحْرِقه أو يُخَبِّلُه. يخرق أو يَحْرِق أو يُخَبِّل. وربما ينجو من هذا الشهاب إذا أراد الله عز وجل، ويصل إلى الكاهن ويُوحِي إليه بما سَمِع، ثم الكاهن يكذب مع ما سمع كَذَبات كثيرة، مئة كذبة أو أكثر أو أقل، ثم يُحَدِّث الكاهن الناس بما سيكون، فإذا وقع قال: إنه يعلم الغيب، واتخذ من هذا دعايةً لنفسه؛ ولهذا كان الكهان في العرب في الجاهلية كانوا مُعَظَّمِين يتحاكم الناس إليهم؛ لأنهم إذا أخبروا بمثل هذه الأمور من علم الغيب، ووقع ما أَخْبَروا به صار لهم شأن كبير عند الناس، فصار الشياطين ثلاثة أقسام:
قسم لا يمكنه السماع إطلاقًا.
وقسم آخر يمكن أن يسمع على سبيل الخطف ويحرقه الشهاب.
وقسم ثالث يسمع على سبيل الخطف وينجو، وكل هذا بإذن الله وإرادته تبعًا لحكمته إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ، وكل هذه الآيات كلها في بيان عظمة السماء، وأن السماء محفوظة محروسة لا يمكن أن يصل إليها أحد.
ثم قال عز وجل: (فَاسْتَفْتِهِمْاستخبرْ كفارَ مَكَّة تقريرًا أو توبيخًا أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَامن الملائكة والسماوات).
الطالب: (...).
الشيخ: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَمصدر أي: المرة والاستثناء من ضمير {يَسْمَعُونَ} أي: لا يسمع إلا الشيطان الذي يسمع الكلمة من الملائكة فأخذها بسرعة، فأتبعه شهاب ثاقب).
قال: (فَاسْتَفْتِهِمْاستخبر كل كفار مكة تقريرًا أو توبيخًا أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَامن الملائكة والأرضين وما فيهما، وفي الإتيان بـ(مَنْ) تغليب للعقلاء).
استفتهم يعني: اطلب منهم الفتوى، والفتوى في الأصل هي الإخبار بالشيء، ولكنها في اصطلاح الفقهاء هي الإخبار عن حكمٍ شرعي، وهنا ليس المراد بذلك الفتوى الشرعية، إنما المراد بها الفتوى اللغوية؛ يعني: استخبرهم واسألهم: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَافسيقولون.. هم أشد أو من خلق الله أشد؟ مَنْ خلق الله أشد، كلٌّ يعرف أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، وكذلك الذين يؤمنون بالغيب يُقِرُّون بأن ما غاب عنا من مخلوقات الله أعظم مما نشاهد، اللهم إلا أحدًا يريد أن يُكابِر ويقول: أنا أشدُّ خلقًا كما قال الشيطان لله عز وجل: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢]، وكما قال فرعون لقومه: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: ٥٢]، وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: ٢٤]، وإلا فكلٌّ يعلم أن المخلوقات العظيمة كالسماوات والأرض والشمس والقمر أعظم من خلق الإنسان؛ ولهذا قال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ.
قال المؤلف: وفي الإتيان بـ(من) تغليب للعقلاء، كيف؟ الإتيان بـ(من) في قوله: أَمْ مَنْ خَلَقْنَا، ولم يقل: (أم ما خلقنا) تغليبًا للعقلاء..