وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: ١٥]
أي: حسرة وعذاب، فهنا يَا وَيْلَنَا [الصافات: ٢٠] أي:
يا حسرتنا ويا عذابنا، احضر فهذا أوانك، ويحتمل كما قال المؤلف أن (يا) للتنبيه،
ولكن إذا قال قائل: هل تأتي (يا) للتنبيه؟
فالجواب: نعم، فإذا طُلب منا مثال لا
يحتمل إلا التنبيه قلنا: كقوله تعالى: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [يس: ٢٦]، فإن (يا) هنا للتنبيه؛ لأن (يا) لا تدخل على الحروف،
وإنما تدخل على الأسماء، ولكنها جيء بها للتنبيه.
وقوله: وَيْلَنَا [الصافات: ٢٠] (هلاكنا) ولكن الويل كما قلت
أخص من مجرد الهلاك، بل هو التحسر والعذاب، (وهو مصدر)، يعني هو مصدر (لا
فعل له من لفظه)، ولكن من معناه، إذا كان من معناه وفسرنا الويل بالهلاك فكيف
نقدر الفعل؟ هلكنا هلاكنا، يا هلكنا هلاكنا.
هَذَا يَوْمُ الدِّينِ [الصافات: ٢٠] قال المؤلف: (وتقول لهم الملائكة هَذَا يَوْمُ الدِّينِ).
فجعل المؤلف
رحمه الله، أو المفسر، جعل المفسر هَذَا يَوْمُ الدِّينِمن كلام الملائكة، ولكن الصحيح أنه من كلامهم، أي: من كلام هؤلاء
المنكرين، يعني أنهم في ذلك اليوم يقرون بيوم الدين، ولكن لا ينفعهم الإقرار حينئذ،
فهم يقرون بهذا اليوم إذا شاهدوه، يقول: هَذَا يَوْمُ الدِّينِ، والمشار إليه الوقت الذي هم فيه، ذلك اليوم الحاضر، و(الدين)
يعني الجزاء، واعلم أن (الدين) يُطلَق على الجزاء ويطلق أحيانًا على العمل، فقوله
تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦]
المراد به العمل.
وقوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٧ - ١٩] المراد بالدين
الجزاء.
وهنا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ [الصافات: ٢٠]
المراد به الجزاء، أي: هذا يوم الجزاء، والدين كما يُطلَق على الجزاء يُطلَق على
العمل كما قلتُ، ومنه قولهم: كما تَدِين تُدان. أي: كما تعمل تجازى.
قال:
(هَذَا يَوْمُ الدِّينِأي الحساب
والجزاء هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِبين
الخلائق الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [الصافات: ٢١])، الجملة هذه يحتمل أن تكون من كلامهم،
ويحتمل أن تكون من كلام الملائكة، فإن كانت من كلامهم فالمعنى أن بعضهم يقول لبعض:
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [الصافات: ٢١].
يقول بعضهم لبعض هذا توبيخًا وتنديمًا
وتقريعًا وإذا كان من كلام الملائكة فلا إشكال فيه؛ لأنهم يخاطبون قومًا يُكذِّبون
به.
وقوله: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ [الصافات: ٢١]
بعد هَذَا يَوْمُ الدِّينِلأنه إذا أُدين الناس
وحُوسبوا وجُوزوا انفصلوا، انفصل بعضهم عن بعض، فريق في الجنة وفريق في السعير، قد
يُفصَل بين المرء وأبيه، وبين المرء وأمه، وبين المرء وأقاربه، هؤلاء إلى الجنة
وهؤلاء إلى النار، فإذن سُمِّيَ يوم الفصل لأنه يُفصَل فيه بين الخلائق، فيُصرَف
قوم إلى النار ويُصرَف قوم إلى الجنة
وسُمي يوم الفصل أيضًا لأنه يُفصَل بين
الخلائق بالحكم بينهم، بأخذ حق المظلوم من الظالم، كما يفصل القاضي في الدنيا بين
المتخاصمين، فيعطي المظلوم حقه من الظالم، فسُمي يوم الفصل لانفصال الناس بعضهم عن
بعض؛ فريق في الجنة وفريق في السعير، وسُمِّي يوم الفصل لأنه يفصل بين الخلائق
بالحكم بينهم بالعدل.
وقوله: الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [الصافات: ٢١] كُنْتُمْأي فيما
مضى، أما الآن فيصدقون به؛ لأنهم قالوا: هَذَا يَوْمُ الدِّينِلكن فيما مضى يكذبون بهذا اليوم ويقولون: كيف يمكن أن تُبعَث
الخلائق بعد أن كانوا عظامًا وترابًا.
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ.
فإذا قال قائل: ما الفائدة من قوله: الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ؟
قلنا: الفائدة من أجل زيادة التحسر على هؤلاء؛ لأنهم إذا
قيل لهم: الذي كنتم به تكذبون فسوف يتحسرون ويقولون: يا ليتنا لم نكذِّب، فيكون في
هذا زيادة ألم في نفوسهم، هذه من جهة.
من جهة أخرى: التوبيخ لهؤلاء ولومهم على
تكذيبهم، حيث كذَّبوا بالحق، ففي ذلك إذن فائدتان:
الفائدة الأولى: زيادة التحسر
فيهم.
الفائدة الثانية: التوبيخ واللوم على تكذيبهم بالحق. هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ.
(ويقال للملائكة: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُواأنفسهم بالشرك
وَأَزْوَاجَهُمْقرناءهم من الشياطين
وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِأي: غيره من الأوثان فَاهْدُوهُمْدلوهم وسوقوهم إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٢، ٢٣]
طريق النار). أعوذ بالله!
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُواالخطاب هنا من الله -والعلم عنده- إلى الملائكة، ومعنى احْشُرُواأي اجمعوا كما قال تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: ٩]. وسُمي يوم الجمع وسُمي يوم الحشر؛ لأن الناس
يُحشَرون فيه ويُجمَعون.
وقوله: الَّذِينَ ظَلَمُوا(أنفسهم بالشرك) ينبغي أن يقال: الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم؛ لأن الله
سبحانه وتعالى حذف المفعول به، وحذف المفعول به يُؤذِن بماذا؟ بالعموم، فهم في
الحقيقة ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، ولا سيما الرؤساء منهم الذين أضلوا أتباعهم؛
فإنهم ظلموهم بتلبيس الحق بالباطل وإضلالهم.
الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْقال المؤلف: (قرناءهم من الشياطين) وكل
زوج قرين، ومنه الزوج وزوجته؛ فإنهما قرينان، وقيل: المراد بالأزواج الأصناف
والأشكال، ومنه قوله تعالى: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أي: الأصناف، والمعنى متقارب؛ لأن الغالب أن القرين من
جنس المقارن كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ
يُخَالِلُ» .
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَأي: والذي كانوا يعبدون، متى؟ في الدنيا، ولهذا أتى بالفعل
الماضي كَانُوا يَعْبُدُونَأي: في الدنيا، وجملة كَانُوا يَعْبُدُونَصلة الموصول، والعائد محذوف، وتقديره:
وما كانوا يعبدونه من دون الله.
وقول المؤلف: (من الأوثان) إذا قال قائل:
كيف تُحشَر الأوثان وهي جماد، ليس عليها حساب ولا عقاب؟ فالجواب أنها تُحشَر إلى
النار وتُلقَى في النار إهانةً لعابديها، أما هي فلا شعور لها، لا تشعر بإهانة ولا
كرامة، ولكنَّ عابديها هم الذين يشعرون بالإهانة إذا كانت معبوداتهم تلقى في النار،
فتلقى هذه المعبودات في النار إهانةً لعباديها، وبيانًا لكونها لا تنفعهم في أحوج
ما يكونون إلى نفعها.
وقوله: وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِهذه الآية عامة، وخُصت بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١]؛ لأننا لو أخذناها على عمومها لكان في الناس
من يعبد الأنبياء، وكان في الناس من يعبد الملائكة، فهل يحشر هؤلاء المعبودون مع
هؤلاء العابدين؟
فالجواب: لا إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨].
ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، وعلى هذا فالعموم هنا مخصص
بقوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى.
وقيل: إن العموم باقٍ على ما هو عليه، لكنه عام أُريد به
الخاص، أُريد به هؤلاء الذين أنكروا البعث. والذين أنكروا البعث لم يعبدوا الملائكة
ولا الرسل، إنما كانوا يعبدون هُبَل، واللات، والعُزَّى، ومَنَاة. وهبل واللات
والعزى ومناة كلها في النار.
وعلى كل حال سواء قلنا: إن هذا عام أريد به الخاص،
أي: الذين يخاطبون الرسول عليه الصلاة والسلام وينكرون البعث، أو قلنا: إنه عام
مخصوص، فإنه لا شك أن الذين يُعبَدون من دون الله، وهم من أولياء الله، لن يُحشروا
إلى النار، ولن يدخلوها.
وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ.
اهدوهم أي:
دلوهم، وهذه هداية الدلالة، وهذا لا ينافي قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم: ٨٥، ٨٦]؛ فإن الذي يُساق يُهدى أيضًا،
أرأيت الرجل يسوق بعيره ويهديها أو لا؟ يهديها.
هؤلاء يساقون وفي نفس الوقت
يُقال: اذهبوا من هنا، اذهبوا من هنا، اذهبوا من هنا، حتى يصلوا إلى النار.
وقد
ذكر الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء يُساقون إلى النار في حال يحتاجون معها، بل
يُضطرون إلى الماء.
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًاعِطاشًا، فإذا جاءوا لم يجدوا إلا النار المحرِقة
والعياذ بالله، وهذا يكون كالصفعة على وجوههم، حيث جاءوا وهم يرجون أن يشربوا،
ولكنهم يفاجَؤون بما يزيدهم لهبًا وعطشًا وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ.
صِرَاطِبمعنى طريق، والصراط
نوعان: صراط حسي، وهو ما تمشي عليه الأقدام، وصراط معنوي وهو ما تمشي عليه القلوب،
فمن استقام في الصراط المعنوي على دين الله استقام في الصراط الحسي يوم القيامة حتى
يصل إلى الجنة، ومن كان غير مستقيم في الدنيا على شريعة الله لم يكن مستقيمًا في
الآخرة على طريق الجنة، ولكن على طريق النار هنا فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِالصراط هنا حسي أو معنوي؟
طالب: حسي.
الشيخ: حسي،
والكفر؟
الطلبة: معنوي.
الشيخ: معنوي، طيب إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ، وقوله: الْجَحِيمِقال:
(النار).
فالجحيم إذن من أسماء النار، وأسماء النار في القرآن كثيرة
متعددة، وقد يكون من الخير أن نطلب من أحدكم أن يُحصيها لنا من القرآن.
ثم قال:
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤]
قِفُوهُمْيعني: أوقفوا، مِن وقَف يقِف، والأمر قِفْ،
(وقف) تُستعمل لازمة ومتعدية، فإذا قلت: وقف فلان، مشى فلان، فوقف هذا لازم أم
متعدٍّ؟
طالب: لازم.
الشيخ:
لازم وإذا قلت: وقَفْتُ القول؟
طالب: متعدٍّ.
الشيخ: أو وقَفْتُ زيدًا عند المكان الفلاني فهذا
متعدٍّ.
قِفُوهُمْلا شك أنه متعدٍّ، ووجهه أنه نصب
المفعول به الهاء، والواو في قِفُوهُمْفاعل.
ونسأل
الأخ: كم عدد الحروف في قِفُوهُمْعدد حروف
الفعل؟
طالب: حرفان.
الشيخ:
حرفان، وعددها في الماضي؟
الطالب: ثلاثة.
الشيخ: وعددها في المضارع؟
الطالب:
ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، أيش تقولون؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لا ما هو
صحيح، المضارع حرفان؛ لأن أحرف المضارعة لا تحسب من بنية الفعل، إذن الفعل (...)
حرفان يقف كذا، ولهذا يقال: إذا أردت أن تصوغ فعل الأمر فأت بفعله مضارعًا مجزومًا
ثم احذف حرف المضارعة.
وهذه تفيد طالب العلم: إذا أردت أن تصوغ فعل الأمر فأت
بفعل مضارع مجزومًا واحذف حرف المضارعة، فمثلًا إذا أردت أن تأتي بفعل الأمر من
(خاف).
طالب: خِف.
الشيخ:
خِف ولَّا خَف؟
طلبة: خَف.
الشيخ: أما (هداية الله) فيقول: خِف، شوف القاعدة اللي أعطيناك
إياها، اصبر القاعدة اللي أعطيناكم الآن: هات المضارع مجذومًا: لم يَخَف، احذف حرف
المضارعة: خَف. (نام) الأمر: نَم ولَّا نُم؟
طلبة:
نَم.
طالب: نُم.
الشيخ: نُم
(هداية الله) (...) يمكن ما أفطرت الظاهر، أفطرت ولَّا لا؟
الطالب: أفطرت.
الشيخ: طيب (...)
أقول: (نام) الأمر: (نَم).
نجريها على القاعدة: لم يَنَم، احذف ياء المضارعة:
نَم.
الأمر من: مَالَ؟
طالب: مَل.
طالب آخر: مِل.
الشيخ: مِل، طيب، ما
شاء الله لا حول، ولا قوة إلا بالله، الأمر من مَالَ؟
طالب: مِل.
الشيخ: مِل؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب الدليل؟ طبق
على القاعدة.
الطلبة: لم يَمُل.
الشيخ: لم يَمُل.
الطلبة:
نعم.
الشيخ: احذف ياء المضارعة.
الطلبة: مِل.
الشيخ: مِل، صح؟ طيب
فهمنا القاعدة الآن، وهي قاعدة تيسر لك أحيانًا، الإنسان يستنكر كيف نام فعل الأمر
تكون: نَم (...) خَف (...) خِف الله، الجواب: لأن الأمر مُقتطَع من المضارع، ووجه
ذلك أنك تأتي بالمضارع مجزومًا ثم تحذف حرف المضارعة.
طيب الأمر من خشي؟
طالب: اخشْ.
الشيخ: اخشْ
لا.
طالب: اخشَ.
الشيخ:
اخشَ. طيب هات المضارع مجزومًا؟
الطلبة: لم
يخشَ.
الشيخ: لم يخشَ، إذن لا بد أن نقول: اخشَ، لماذا؟
لأنه لا يمكن أن تبدأ بالسكون (...) إذا حذفنا ياء المضارعة ويش بقي عندنا؟ بقي خاء
ساكنة، والشين مفتوح، الخاء الساكنة لا يمكن أن تنطق بها أبدًا (...) إذا وجدت كلمة
أولها ساكن فلا بد أن تأتي بهمزة الوصل (...) فتقول؟
طالب: اخشَ.
الشيخ: اخشَ نعم
طيب.
وفعل الأمر من (رمى)؟
طلبة: ارمِ.
الشيخ: ارمِ؛ لأن المضارع: لم يرمِ، أوله ساكن، لا بد أن يؤتى
بالهمزة، والله أعلم .
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: شيخ، بالنسبة
(...).
الشيخ: لا، هذه لغة العرب، أن همزة الوصل إذا
ابتُدئ بها تكون مكسورة.
طالب: (...).
الشيخ: لا، أعطِ من أعطى يعطي (...) الهمزة هذه، ما هي همزة
الوصل، همزة قطع.
طالب: (...) يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: الذين يصعدون الصراط كلهم مؤمنون، لكن عصاة المؤمنين هم
الذين يسقطون في النار، أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم (...) قبل
الصراط.
طالب: ما يمرون؟
الشيخ: ما يمرون الصراط، لا، ما يعبر الصراط إلا من عبر الصراط
في الدنيا، لكن من عَبَره على وجه سليم عبر، ومن كان يتعثر بالمعاصي فهو الذي
(...).
***
نَعَمْما إعرابها؟
طالب: إعرابها؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...) مفعول به (...) مبتدأ.
الشيخ: ما هو مبتدأ.
طالب: حرف جواب.
الشيخ: حرف جواب (...) وقفنا على؟
طلبة: وَقِفُوهُمْ.
الشيخ: على وَقِفُوهُمْطيب فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِما المراد بـصِرَاطِ الْجَحِيمِ؟
طالب: طريق الجحيم.
الشيخ: طريق الجحيم، يعني الطريق الذي يُوصِل إلى الجحيم، وذلك يوم القيامة، نأخذ فوائد الآيات أظن:
قال الله تعالى: قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ [الصافات: ١٨]
في هذه الآية الكريمة دليل على أهمية جواب هؤلاء الذين يتساءلون إذا ماتوا وكانوا ترابًا وعظامًا: أيُبعثون أو لا، ووجه ذلك أن الله أمر نبيه أمرًا خاصًّا بجوابهم، وقد ذكرنا فيما سبق أن الله إذا أمر نبيه بأمر خاص فإنه دليل على أهمية ذلك الأمر؛ لأن الأصل أن جميع القرآن قد أُمِرَ أن يبلغه الرسول عليه الصلاة والسلام يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧]، فإذا جاءت آية يقول الله فيها: قل، فهذا أمر خاص بتبليغها، فيدل على العناية بهذا الشيء وأنه ذو أهمية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب الرد على شبهات أهل الباطل؛ لأن الله لم يقل: اتركهم، بل قال: قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المكذِّبين بالبعث يُحشَرون يوم القيامة صاغرين؛ لقوله: وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ، وقد ذكرنا أثناء التفسير عدة آيات تدل على أنهم يُحشَرون يوم القيامة أذلةً كما قال تعالى: وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى: ٤٥].
ومن فوائد الآية: أن المؤمنين بذلك يُحشَرون يوم القيامة أعزة، ووجهه أنه إذا كان جزاء هؤلاء المكذبين أن يُحشَروا على وجه الصغار والذل، فإن العكس يكون بالعكس، فالجزاء من جنس العمل، فيحشر المؤمنون يوم القيامة أعزاء.
ثم قال تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ [الصافات: ١٩] إلى آخر الآيات.
يُستفاد من هذه الآيات أولًا: بيان قُدرة الله عز وجل، حيث تخرج الخلائق كلها بزجرة واحدة، هذه واحدة، وتخرج الخلائق كلها فورًا بدون تأخير، ففيه دليل على القدرة من وجهين:
الوجه الأول: عدم تكرار الأمر.
والوجه الثاني: سرعة الائتمار والامتثال لأمر الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يخرجون يوم القيامة فينظرون إما من نظر العين، أو من الانتظار، وأيًّا كان فإنه يدل على أنهم يخرجون إلى أمر غريب؛ لأنهم كانوا في الأول في قبورهم.
طالب: (...).
الشيخ: نعم يدل على أنه يخرجون إلى أمر لم يكونوا يألفونه؛ لأنهم كانوا بالأول في قبورهم ثم حشروا إلى شيء غريب لم يكونوا يعرفونه من قبل؛ لقوله: فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ [الصافات: ١٩].
ومن فوائد الآيات أن هؤلاء المكذبين يدعون يوم القيامة بالويل والثبور والهلاك؛ لقولهم: يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ [الصافات: ٢٠] كما قال الله تعالى في آية أخرى: لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [الفرقان: ١٤].
ومن فوائد الآيات: تحقق هذا القول، وأنه أمر واقع كالحاضر؛ لقوله تعالى: وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا [الصافات: ٢٠] فعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه.
ومن فوائد الآيات: أن الناس يحشرون يوم القيامة فيجازون على أعمالهم، يؤخذ من قوله: هَذَا يَوْمُ الدِّينِ، وتكون هذه النتيجة للخلائق أن يحشروا يوم القيامة وأن يجازوا على أعمالهم، وأن يكون هذا الجزاء نهائيًّا ليس وراءه عمل ولا دونه أجل؛ لقوله: هَذَا يَوْمُ الدِّينِ.
ومن فوائد الآيات: أن يوم القيامة يوم فصل، أي حُكم بين الناس وتميز من بعضهم عن بعض؛ لقوله: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ [الصافات: ٢١].
ومن فوائد الآيات أيضًا: تقرير هؤلاء المكذبين؛ لقوله: الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [الصافات: ٢١]، ووجه التقرير أن الإنسان إذا شاهد ما كَذَّب به سوف يقول لمن حمله على هذا التكذيب، أو وافقه عليه: شوف انظر إليه أنت، أنت تقول: إنه كذب ولا يقع، انظر إليه الآن واقع، فيكون في ذلك زيادة في التحسر والندم على عدم التصديق بهذا اليوم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يوم القيامة يميز بعضهم من بعض، ويجمع بعض الأصناف والأشكال والنظراء إلى بعض؛ لقوله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢]، وهذا من الفصل الذي ذكر الله في قوله: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين لا ينفعهم اجتماعهم وحشر بعضهم إلى بعض كذا (...)؛ لقوله تعالى في آية أخرى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩].
في الدنيا إذا شاركك أحد في العذاب نفعك إما بأن يتحمل عنك جزءًا من هذا العذاب، وإما أن تتسلى به؛ لأن وقوع المصائب على غيرك تسليك وتساعدك على تحمل هذه المصيبة والصبر عليها؛ كما قالت الخنساء في أخيها صخر:
| وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ | أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي |
ومن فوائد الآية الكريمة: إهانة هؤلاء المشركين بحشر أصنامهم للنار، وجه ذلك أن إهانة المعبود إهانة للعابد. وأنا أضرب لكم مثلًا: لو أن سيدًا تحته أرقَّاء، أو رجلًا تحته عائلة أُهين هذا الرجل الذي تحته العائلة، أو الرجل الذي تحته الأرقاء، فإن ذلك إهانة؟
طالب: للعائلة.
الشيخ: للعائلة وللأرقاء؛ لأنهم يقولون: هذا كبيرنا وعظيمنا الذي نعظمه، فإذا أُهين فإنه إهانة لنا وإن لم يكن إهانة حسية ولكنها إهانة نفسية معنوية، فتهان هذه الأصنام إهانة لعابديها.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ذكر العموم وإن دخل فيه ما ليس فيه إذا بُين في موضع آخر.
ويتفرع على هذا أنه لا يُشترط في البيان مقارنته للمبين؛ لأن الذي يمتنع في البيان هو تأخيره عن وقت الحاجة، فإذا بُين في وقت الحاجة زال هذا المحظور، وهذا قد بُين في آيات كثيرة من القرآن بأن المؤمنين لا يدخلون النار إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١]، وكل الآيات التي في وعد المؤمنين والمتقين تمنع من دخول هؤلاء في النار، وإن كانوا يعبدون من دون الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين المشركين يُحشَرون إلى طريق جهنم، كما أنهم في الدنيا اختاروا طريق أهل النار فإنهم في الآخرة يُجازون بمثل ذلك، فيدلون إلى طريق الجحيم، ويصدون عن طريق أهل النعيم.
***
المعنى الأول: أنكم مسؤولون عن أي شيء؟
طلبة: عن الأحوال.
الشيخ: عن كل الأحوال والأعمال، أو أنكم مسؤولون هذا السؤال، وهو مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ، وأيًّا كان ففي الآية توبيخ وتهكم بهم، حيث يقال لهم: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَاليوم كنتم في الدنيا تتناصرون، والذي ينصر هم العابدون ينصرون هذه الأصنام كما مر علينا في آخر سورة يس لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ [يس: ٧٥] فالعابدون ينتصرون للآلهة كما قال أبو سفيان قبل أن يسلم في غزوة أُحُد، قال: اعْلُ هُبَل . يفتخر به وينتصر له، فيقال يوم القيامة مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ، يعني: أي شيء لكم يمنعكم من التناصر؟ والجواب واضح يفيده قوله: بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٦] منقادون أذلة، وهذه الجملة المصدرة بـبَلْتفيد الانتقال من أسلوب إلى آخر، يعني أنهم لا يتناصرون؛ لأنهم اليوم مستسلمون هم وأصنامهم أذلة صاغرون.
قال المؤلف رحمه الله: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ(لا ينصر بعضكم بعضًا كحالكم في الدنيا) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَالاستفهام في قوله: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَالمراد به التوبيخ والتهكم، يعني أين نصر بعضكم بعضًا الذي كان في الدنيا، أفلا تتناصرون اليوم؟ والجواب: لا يمكن أن يتناصروا؛ لأنهم أذلاء مستسلمون بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَأي: (منقادون) لحكم الله فيهم جزاءً، ولحكم الله تعالى فيهم قدرًا.
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات: ٢٧] يعني أََقْبَلَ بَعْضُهُمْأي اتجه بعضهم إلى بعض، وجملة يَتَسَاءَلُونَحال من الفاعل والمجرور؛ الفاعل في بعضهم، والمجرور في (على بعض) أقبلوا يتساءلون يسأل بعضهم بعضًا تلاومًا وتخاصمًا، فصاروا بعد أن كانوا في الدنيا على وفاق وأخلة صاروا في الآخرة أعداء، الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
يَتَسَاءَلُونَيسأل بعضهم بعضًا على وجه التوبيخ والإنكار، يقول: (يتخاصمون).
(قَالُواأي: الأتباع منهم للمُتَّبَعِيَن: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] عن الجهة التي كنا نأمنكم منها لحلفكم أنكم على الحق فصدقناكم واتبعناكم المعنى أنكم أضللتمونا) صار بعضهم يسأل بعضًا، الأتباع يسألون التابعين، والمتبوعون يسألون الأتباع، وكلهم يسأل بعضهم بعضًا؛ لأنهم وقعوا في حيرة، يقول بعضهم لبعض، وهم الأتباع، يقولون: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ: إِنَّكُمْالخطاب للذين اتبعوا للمتبوعين، كُنْتُمْيعني في الدنيا تَأْتُونَنَايعني في خطابكم لنا ودعوتكم إيانا عَنِ الْيَمِينِ، (عن) للمجاوزة، يعني تأتوننا إتيانًا صادرًا عن اليمين، فما المراد باليمين؟
قيل: إن المراد باليمين الحلف؛ لقوله تعالى: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ [البقرة: ٢٢٤] جمع يمين، فمعنى عَنِ الْيَمِينِعن الحلف، أي أن المتبوعين يحلفون للأتباع أنهم على حق، وهذا كقول الله تعالى عن الشيطان: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١].
وقيل: إن المراد باليمين الخير، من اليُمن، وهو التفاؤل، يعني أنكم تعدوننا خيرًا وتقولون: اتبعونا، فإنكم إن اتبعتمونا نلتم العزة والغلبة فتعدوننا بالخير وأنتم كاذبون علينا.
وقيل: المراد باليمين القوة كما في قوله تعالى: فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] أي: بالقوة، وقيل باليد اليمنى. إذن بِالْيَمِينِفيها ثلاثة أقوال:
القول الأول؟
الطلبة: الحلف.
الشيخ: الحلف، الثاني؟
الطلبة: الخير.
الشيخ: الخير، الثالث؟
الطلبة: القوة.
الشيخ: القوة، والحقيقة أن كل هذه الوجوه واقعة من المتبوعين، فهم يقسمون للأتباع أنهم على حق وهم يتكلمون معهم عن طريق القوة؛ لأنهم متبوعون، وهم كذلك يعدونهم بالخير، يقول: اتبعونا تكن لكم العزة والغلبة وما أشبه ذلك، فالآية شاملة لهذه الوجوه الثلاثة، يعني يقول الأتباع للمتبوعين: إنكم تأتوننا عن هذه الجهة اليمين؛ الحلف، أو القوة، أو الخير، المؤلف رحمه الله يقول في تفسيرها: عن الجهة التي كنا نأمنكم بها، وكلامه هذا صالح للوجوه الثلاثة؛ لأن الناس يؤمَنون إذا حلفوا، ويؤمَنون إذا وعدوا بالخير، ويؤمَنون إذا كانوا أقوياء؛ لأن الغالب أن الضعيف يرى أن القوي على حق، وأنه بلغ هذا المركز أو هذه المرتبة لكونه محقًّا.
قال الله تعالى: (قَالُواأي) أيش؟
طالب: (المتَّبَعون).
الشيخ: أي المتَّبَعون عندكم المَتْبُوعُون؟
طلبة: (...).
الشيخ: هي على كل حال (المَتْبُوعون) أوضح، التعبير بـ(المَتْبُوعون) أوضح من (المُتَّبَعون)؛ لأن (المُتَّبَعون) قد (...) الإنسان المُتَّبِعُون يعني الأتباع، والواقع أن الذي قال: هم المَتْبُوعون (قَالُواأي المتَّبَعُون لهم: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الصافات: ٢٩] وإنما يصدق الإضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا) يعني قالوا أي: المَتْبُوعُون لهؤلاء الأتباع: بَلْالإضراب هنا لإبطال ما ادعوه في قولهم: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِيعني بل لم نأتكم عن اليمين ولكنكم لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَولو كنتم مؤمنين لصدق قولكم: إنا أضللناكم، أما أنكم غير مؤمنين من الأصل فالجناية منا عليكم، ولَّا منكم على أنفسكم؟
الطلبة: (...).
الشيخ: (...) قال المَتْبُوعُون: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَلأنهم هم ادعوا، أي الأتباع، ادعوا أن هؤلاء المتبوعين هم الذين أضلوهم، أضلوهم بالقوة، أو بوعد الخير، أو باليمين أو ما أشبه ذلك.
فقال لهم المتبِعون: بَلْيعني لا حقيقة لما قلتم؛ لأن (بل) للإبطال لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَأصلًا حتى نضلكم، والإضلال إنما يصدق لو ورد على مؤمن فأضله مَن أضله، أما لو كان غير مؤمن أصلًا فالجناية منه على نفسه، وليست الجناية من غيره عليه، ولهذا يقول المؤلف رحمه الله، يقول: (بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَوإنما يصدق الإضلال منا) متى؟
(أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا) تبرَّأ المَتْبُوعون الآن من أيش؟ من الأتباع، وجعلوا اللوم على مَن؟ على الأتباع أنفسهم، قالوا كما يقول الشيطان: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢] نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
هؤلاء المتبوعون يقولون كما قال الشيطان، يقولون للأتباع: أنتم الذين أضللتم أنفسكم، أما نحن فلم نضلكم؛ لأننا لم نخاطب قومًا مؤمنين فأضللناهم بعد إيمانهم، إنما نخاطب قومًا انقادوا إلى الكفر باختيارهم، فاللوم عليهم لأنفسهم، أما نحن فلا، وهذا مبين لقوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [البقرة: ١٦٦].
طالب: استثنينا في الدرس الماضي من قوله تعالى (...) بعض المشركين يعبدون غير هؤلاء الذين يعبدون الشمس والقمر؟
الشيخ: تحشر يوم القيامة مع عابديها، وتلقى في النار، يعني نفس القمر والشمس كذلك، وكل ما يعبد من دون الله ما يُستثنى من ذلك، إلا من سبقت له الحسنى فقط.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هم لا شك أن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لكن هؤلاء قد أتتهم الرسل وبينت لهم، وفضلوا هؤلاء الضلال على الرسل، ولهذا قال الله تعالى في سورة سبأ: وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ: ٣٣].
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم هذا والله أعلم فيما إذا لم يكن هناك دعوة رسل، أما مع دعوة الرسل فهؤلاء عندهم الرسل التي تأتي بالآيات التي لا يقدر عليها البشر ويبينوا لهم الحق ثم يقولون: لا نقبل.
***
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ [الصافات:٢٤، ٢٥].
قوله تعالى: قِفُوهُمْما معناه؟
طالب: أوقفوهم.
الشيخ: أوقفوهم أي: احبسوهم واقفين على الصراط، الجملة في قوله: إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَمحلها مما قبلها؟
طالب: خبر.
الشيخ: لا؛ لأن ما قبلها مبتدأ حتى تأتي بالخبر.
الطالب: حال من فاعل وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ [الصافات: 27].
الشيخ: لا.
الطالب: (...) جار ومجرور.
الشيخ: لماذا لا نقول: استئنافية لبيان السبب في إيقافهم، الجملة استئنافية لبيان السبب في إيقافهم.
طالب: ما يصلح هذا؟
الشيخ: لا، ما يصلح، قوله: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَأيش معنى الآية؟
طالب: (...).
الشيخ: والاستفهام هنا؟
الطالب: (...).
الشيخ: وغير هذا؟
الطالب: للتهكم.
الشيخ: للتهكم به، للتهكم مع التقريع والتوبيخ، طيب قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الصافات: ٢٩] أخذنا الفوائد؟
طالب: لا.
الشيخ: ما أخذنا.
قال الله عز وجل: فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات: ٢٣، ٢٤].
في هذه الآية وما بعدها فوائد:
أولًا: أن هؤلاء المكذبين إذا ساقتهم الملائكة إلى النار فإنهم يهينونهم عدة إهانات، فيقفونهم على الصراط، يعني عنده، وأنتم تعلمون أن الإيقاف وقول: قف اذهب امش وما أشبه هذا تعلمون أن هذا فيه إهانة للإنسان حيث يكون بيد غيره كالآلة.
ومن فوائدها أيضًا: أنهم يُهانون إهانة أخرى معنوية، فيقال لهم: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ، يعني أي شيء يمنعكم اليوم من التناصر بعد أن كنتم في الدنيا تتناصرون، وفي هذا من الإهانة والتوبيخ والتنديم ما هو ظاهر.
ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء في ذلك الموقف أذلة مستسلمون كما قال: بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٦] وكانوا في الدنيا مستكبرين لا يقبلون الحق، بل يجادلون ويقدمون رقابهم للقتل ضد الحق والعياذ بالله، لكنهم في الآخرة مستسلمون.
ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين يلوم بعضهم بعضًا، ويسب بعضهم بعضًا، بل قال الله تعالى في آية أخرى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت: ٢٥]؛ لقوله: قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ [الصافات: ٢٨].
ومن فوائدها: بيان الأساليب التي يستعملها المضللون، وأنها أساليب متنوعة تارة بالقوة، وتارة بالتغرير والتلطف والإيعاد بالخير، وتارة بالتوكيد، على أن ما هم عليه حق، وإذا رأيت إلى واقع النصارى اليوم وغيرهم من أهل الضلال المضلين عرفت كيف تنطبق هذه الآية على هؤلاء الدعاة إلى الشر، فالنصارى مثلًا المضللون الذين يسمون أنفسهم بالمبشرين، وهم صادقون، لكننا نقول: إنهم مبشرون بالعذاب الأليم يعدون الناس الخير، ويفتحون المدارس، ويغدقون الأموال على الناس من أجل تضليلهم وإخراجهم، ويستغلون فرصة الفقر والجهل في مثل هذه الأمور.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المتبوعين يعيدون التوبيخ على التابعين، حيث يقولون لهم: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الصافات: ٢٩]، فالبلاء من عند أنفسكم، لا من عندنا.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن من لم يكن إيمانه راسخًا فإن الدعاية الباطلة تؤثر عليه؛ لأن المؤمن إيمانًا راسخًا لا تضلله الدعاية، ولا يمكن أن يتحول عن إيمانه الذي كان عليه؛ لقوله: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، ولو كنتم مؤمنين حقًّا إيمانًا ثابتًا ما أثر عليكم إضلالنا، المؤمن يرضى أن يموت ولو بأن يُلقَى من شاهق، ولا يكفر بالله عز وجل، لكن الذي إيمانه مهزهز غير ثابت ولا راسخ هذا الذي تضلله هذه الدعايات.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طلبة: (...).
الشيخ: (...) أتيت بها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب تقرأ علينا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يلا اقرأ (...).
الطالب: بشويش عشان نكتب.
الشيخ: (...).
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذا بحث يحتوي على أسماء جهنم التي وجدتها مذكورة في القرآن الكريم، أعاذني الله وإياكم (...):
الأولى: النار، قال الله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل: ١٤]. سورة الليل، الآية أربعة عشرة.
الثانية: جهنم، قال تعالى: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥]. سورة الجن، آية خمسة عشرة.
الثالثة: الجحيم، قال تعالى: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١]. سورة الحاقة، آية واحد وثلاثون.
الرابعة: الحطمة، قال تعالى: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ [الهمزة: ٤]. سورة الهمزة، آية أربعة.
الخامسة: السعير، قال تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا [الإنسان: ٤]. سورة الإنسان، الآية الرابعة.
الشيخ: اصبر، فيها دليل على أن السعير من أسماء النار؟
الطالب: (...).
الشيخ: إذن قل: الأغلال أيضًا، لكن فيه آية أصرح من هذا، هو صحيح أنه من أسمائها، لكن في آية وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: ١٠] هذا أوضح (...) تبدل الآن في سورة الملك، ما أدري أي آية.
طالب: آية عشرة.
الشيخ: متأكد، طيب وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِآية عشرة الملك.
الطالب: السادسة: لظى، قال تعالى: كَلَّا إِنَّهَا لَظَى [المعارج: ١٥] سورة المعارج الآية الخامسة عشر.
الشيخ: اصبر الآية أيش؟
الطالب: الآية الخامسة عشر.
الشيخ: طيب.
الطالب: سورة المعارج الآية الخامسة عشر.
الشيخ: لا، الآية الخامسة عشرة، قلت في الأول الخامسة عشر، وهذه كثير من الناس يغلطون فيها، يؤنث الجزأين كلاهما.
الطالب: السابعة: الهاوية، قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة: ٨، ٩] سورة القارعة الآية التاسعة .
الشيخ: طيب لو قال من قال: إن هذا اسم من أسماء النار؟
الطالب: هاوية وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة: ١٠، ١١].
الشيخ: أحسنت هذه التي تبين، ولذلك وجه الدلالة حذفته وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌهذه ينبغي أن تلحق بالآية .
الطالب: الثامنة: سقر، قال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر: ٢٦] سورة المدثر، الآية السادسة والعشرين.
التاسعة: الحميم، قال تعالى: إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر: ٧١، ٧٢].
الشيخ: طيب، هل هذا من أسماء النار؟
الطالب: في الحميم.
الشيخ: الحميم: الماء الحار؛ لأنه قال: ثُمَّ فِي النَّارِتقدير الآية على هذا: يُسحبون في النار ثم في النار يُسجرون، الظاهر أن الحميم هذه إن ما تكون من أسماء النار، إلا كان ما ورد في القرآن في موضع آخر؟
طالب: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: ٤٤].
الشيخ: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍما يدل على أنها من أسماء النار.
الطالب: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص: ٥٧].
الشيخ: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌما يدل.
الطالب: (...).
الشيخ: (...).
الطالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٨] (...).
الشيخ: من عذاب النار؟
طالب: (...).
الشيخ: هذه أقرب منها، هذه أقرب (...) في النفس منها شيء.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) لكن من عذاب الحميم (...).
الطالب: (...).
الشيخ: يعني من عذاب النار، ولكن في النفس منها شيء (...)، لو حطيت عليها علامة استفهام حتى نتأملها، حط علامة استفهام، تعرف علامة الاستفهام؟
الطالب: (...).
الشيخ: كم عددت الآن؟
الطالب: تسع.
الشيخ: لا (...) الأسماء خلاص لا تدورون الآن هذه (...) توزع وفيه أسماء غير هذه.
طالب: فيه اسم آخر.
الشيخ: فيه أسماء ما هو اسم واحد.
الطالب: الحاقة الصاخة الطامة ..
الشيخ: لا، هذه من أسماء يوم القيامة.
الطالب: (...).
الشيخ: على كل حال جزاك الله خيرًا، هذه أسماء، لكن كملوها، هناك كتب تعتني بهذا الشيء، مثل أظن التخويف من النار لابن رجب تعتني بهذا.
طالب: (...)كلها أسماء (...) ما قيل في هذه (...) طبقات (...).
الشيخ: على كل حال هي أكثر من هذا (...) هو الآن فتح لنا الباب، وهو بسبق حائز تفضيلًا، والباقي عاد عليكم، أقول: الظاهر أن التخويف من النار يذكر أسماءها ابن رجب.
الطالب: (...).
الشيخ: ما ذكرها؟
طلبة: (...).
الشيخ: ابحثوا عنها.
قال الله عز وجل: قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ [الصافات: ٢٩، ٣٠].
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍإعراب هذه الجملة واضح، أن (ما) نافية، و(كان) فعل ماضٍ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، و(من سلطان) اسمها مؤخر مجرور بحرف (من) الزائد إعرابًا، و(لنا) خبر مقدم، خلافًا لمن قال: إن (ما) حجازية و(كان) زائدة؛ لأنك لو قلت: وما لنا عليكم من سلطان لصح الكلام؛ لأن (كان) هنا مراد وجودها؛ لأنها تدل على فعل، أو على زمن مضى، بخلاف ما لو سقطت فإنها لا تدل على الزمن الماضي، فإن الجملة لا تدل على زمن الماضي، فيتعين هنا أن تكون (ما) نافية و(كان) فعل ماض غير زائد.
قوله: وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍقال المؤلف رحمه الله: أي من (قوة وقدرة تقهركم على متابعتنا).
واعلم أن السلطان بمعنى السلطة، وهو في كل موضع بحسَبه، فتارة يُراد بالسلطان العلم؛ كما في قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ٢٣] أي: من دليل وبرهان.
وتارة يُراد به القدرة والقوة والغلبة؛ كما في هذه الآية، يعني: ليس لنا عليكم سلطان نقهركم حتى تتبعونا، بل أنتم اتبعتمونا باختياركم وإرادتكم، فكأنهم يقولون: لا تلومونا ولوموا أنفسكم كما قال الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢].
فهؤلاء المتبوعون يجعلون اللوم كله على الأتباع، ونحن إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أن اللوم يكون على الأتباع وعلى المتبوعين، أما المتبوعون فإنهم زينوا لهم أعمالهم ودعوهم واستضعفوهم واستبلهوهم، حتى أمالوهم إلى الباطل، وأما الأتباع فإنهم لم يُجبَروا على ذلك، ولم يسخَّروا عليه، بل هم الذين تبعوا هذا باختيارهم، فكان على كل واحد من اللوم ما يتناسب وفعله.
بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ [الصافات: ٣٠] ضالين مثلنا بَلْهذه للإضراب الانتقالي، لا لإبطال ما سبق، بل للانتقال من شيء إلى آخر، فكرروا عليهم الآن قالوا في الأول: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَوقالوا بالثاني: بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ، والطاغي هو الذي تجاوز حده؛ كما قال الله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة: ١١] يعني لما تجاوز حده، فهم يصفونهم بأنهم طاغون، أي مجاوزون لحدهم الذي ينبغي أن يكونوا عليه، وهو اتباع الرسل، لا اتباع هؤلاء المضلين.
وقول المؤلف: (ضالين) فيه نظر؛ لأن الطغيان أمر زائد على الضلال، فالصواب أن الطغيان بمعنى أيش؟ المتجاوزون للحد الذي ينبغي أن يكونوا عليه من اتباع الرسل.
(فَحَقَّوجب عَلَيْنَاجميعًا قَوْلُ رَبِّنَا [الصافات: ٣١]) حق علينا أي: ثبت ووجب وصار حقًّا ليس فيه ظلم ولا باطل، قَوْلُ رَبِّنَايعني أن كل من خرج عن طاعة الله وكذب بآياته فهو في النار، وقوله: (قَوْلُ رَبِّنَابالعذاب، أي: قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]) هذا على ما قال المؤلف هو المراد بقولهم: قَوْلُ رَبِّنَا، وكأنه يشير إلى قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، ولكن الظاهر أن المراد بقول الله المشار إليه هو قوله لإبليس: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨]؛ لأن الآية التي أشار إليها المؤلف فيها بيان أن الله سبحانه وتعالى قدَّر بحكمته أن يملأ النار من الكافرين، لكن ليس فيها الخطاب الموجه للشيطان وأتباعه لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ؛ فإن هذا الذي فيه الوعيد المباشر لمن اتبع الشيطان، فتفسير قولنا بالآية الثانية أولى من تفسيره بما قال المؤلف.
ثم قال: إِنَّا لَذَائِقُونَ [الصافات: ٣١] (إِنَّاجميعًا لَذَائِقُونَالعذاب بذلك القول، ونشأ عنه قولهم فَأَغْوَيْنَاكُمْالمعلَّل بقوله: إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ [الصافات: ٣٢]).
يقول: فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا [الصافات: ٣١] عَلَيْنَاالضمير يعود على الأتباع والمتبوعين إِنَّا لَذَائِقُونَأيضًا الضمير يعود على الأتباع والمتبوعين، كأنهم يقولون: إننا لم نخلص أنفسنا فكيف نخلصكم؟
ثم قال: فَأَغْوَيْنَاكُمْيعني جعلناكم من أهل الغي بصدكم عن طريق الرشد، إِنَّا كُنَّا غَاوِينَهذا تعليل لقوله: فَأَغْوَيْنَاكُمْ، وهنا عندكم (المعلَّل بقوله) أي: بقوله تعالى، ويصح أن يقول: (المعلل بقولهم) أي: بقول هؤلاء الذي نقله الله عنهم، فإفراد الضمير له وجه، وجمعه له وجه.
فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الصافات: ٣٣] هذا من قول الله.
فَإِنَّهُمْأي الأتباع والمتبوعين يَوْمَئِذٍ(يوم القيامة فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَأي: لاشتراكهم في الغواية) يعني أن هؤلاء مشتركون في العذاب، كلٌّ يعذَّب بقدْر ذنبه، ولا يظلم ربُّك أحدًا، ولا يمكن أن يسلَم الأتباع من التبعة، ولا أن يسلم المتبوعون من التبعة؛ لأن هؤلاء انقادوا للضلال باختيارهم، وهؤلاء خدعوهم وغروهم، فكان على كل واحد من العذاب ما يستحقه وإن اشتركوا في أصله.
قال الله تعالى: (إِنَّا كَذَلِكَكما نفعل بهؤلاء نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ [الصافات: ٣٤]) إعراب هذه الجملة: (إنا) إن واسمها، وجملة (نفعل) خبرها، وكذلك الكاف اسم بمعنى (مثل) منصوبة على المفعولية المطلقة، يعني: إنا نفعل مثل ذلك الفعل بالمجرمين، وهذا التركيب يرد كثيرًا في القرآن، ولكن إعرابه كما قلت: أن تجعل الكاف اسمًا بمعنى مثل، وأن تجعلها منصوبة على أنها مفعول مطلق، والفعل الذي يليها، والغالب أنه يليها.
(إِنَّا كَذَلِكَأي: كما نفعل بهؤلاء نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا مجرمين؛ لأنهم استحقوا من العذاب ما استحقه غيرهم كما قال: (نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَغير هؤلاء أي نعذبهم؛ التابع منهم والمتبوع) والله أعلم .
طالب: لما قال (...) حجة أم (...).
الشيخ: (...).
طالب: قلنا: إن الكافرين يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا، فهل المؤمنون يمدح بعضهم بعضًا؟
الشيخ: لا أدري، لا أعرف.
طالب: الذي يضل من المسلمين يعني ضلالًا لا يؤدي إلى الكفر (...) فهل على الأتباع ذنب؟
الشيخ: (...).
الطالب: لا، لكنهم جهال.
الشيخ: إذا كانوا جهالًا جهلًا يُعذَرون به، بحيث لم يبين لهم الحق، فأمرهم إلى الله، ما نعلم، وأما إذا كانوا جهالًا جهلًا لا يعذرون به، بأن قيل لهم الحق في كذا ولكن قالوا: نتبع ما كان عليه آباؤنا وعلماؤنا، فهم غير معذورين.
الطالب: هؤلاء المكذبون (...) القيامة؟
الشيخ: لا؛ لأن السياق خاص بقوم معينين.
طالب: (...).
الشيخ: طيب.
طالب: (...).
الشيخ: على كل حال هم يتبعون من يثقون به، لكن في مسألة الكفر، ولنفرض مثلًا في الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر وسائر الصحابة إلا نفرًا قليلًا، إذا قيل لهم: كيف تسبون الصحابة إلا نفرًا قليلًا ليس لهم حجة أن يقولوا: تبعنا مشائخنا وعلماءنا؛ لأن هذا واضح، الضلال فيه واضح، أما ما لم يكن الضلال فيه واضحًا فقد يُعذَر الإنسان؛ لأنه يقول هذا قدر استطاعته.
وأرى أن هذا الأصوب، ومع ذلك نقول: يجب عليك أن تتحرى، إذا جاءك من يقول: هذا هو الصواب، فأن تناقشه بما تستطيع إن كنت تستطيع، وإلا تحيله على الشيخ الذي تبعته.
طالب: (...) من المعتزلة (...) لقوله: فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا [الصافات: ٣١].
الشيخ: هذه تأتي إن شاء الله بالفوائد .
الطالب: شيخ (...) بقوله: وأقبلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات: ٢٧] أعربنا يَتَسَاءَلُونَحالًا من فاعل بعضهم، ومن جار ومجرور على بعض، كيف يكون الحال من جار ومجرور؟
الشيخ: من المجرور.
الطالب: من المجرور؟
الشيخ: إي.
الطالب: كيف يكون تقديره؟
الشيخ: تقديره يعني أنهم هؤلاء وهؤلاء كل يسأل الآخر .
طالب: ما الفرق بين (...)؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: الفرق بينها أنها أوصاف متعددة، أوصاف متعددة، تقول مثلًا لهذا الرجل: إنه كاذب إذا كان يتحدث بكذب، وعاص لأنه يرتكب معصية، وفاسق لأن الكذب يؤدي إلى الفسق، أوصاف متعددة، يعني يصح أن يوصف الواحد بعدة أوصاف، أليس كذلك؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: متعلقة بالحال، طيب.
نقول: قوله تعالى: وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [الصافات: ٣٠] ما المراد بالسلطان؟
طالب: القوة والقدرة على..
الشيخ: على أيش؟
الطالب: على إضلالكم.
الشيخ: على إضلالكم نعم.
قوله تعالى: بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ [الصافات: ٣٠] ما الذي نصب طاغين؟
طالب: صفة لقوم.
الشيخ: صفة لقوم؛ لأن (...) قَوْمًاخبر (كان)، طيب صح. ما معنى طَاغِينَ؟
طالب: (...).
الشيخ: قوله تعالى: فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا [الصافات: ٣١] ما المراد بهذا القول؟
الطالب: (...) إن الله تعالى (...).
الشيخ: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] والمؤلف يرى أنه؟
طالب: (...).
الشيخ: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩].
طالب: تعليلية.
الشيخ: تعليل لما سبق، طيب وغَاوِينَما إعرابها؟
الطالب: غَاوِينَخبر.
الشيخ: خبر أيش؟
الطالب: خبر (إن)، إن واسمها وغَاوِينَخبر.
الشيخ: كيف؟
الطالب: (إن) واسمها وغَاوِينَخبر.
الشيخ: خبر (إن) ما هو منصوب.
الطالب: لا، (إن) واسمها، لا خبر كان.
الشيخ: خبر كان في قوله: كُنَّا [الصافات: ٣٢] طيب.
في هذه الآيات من الفوائد:
أولًا: تبرؤ كل من التابع والمتبوع يوم القيامة من هؤلاء الضلال، فالمتَّبِعُون أو الأتباع يجعلون اللوم على المتبوعين، والمَتْبُوعون يجعلون اللوم على الأتباع.
وفيه أيضًا من فوائدها: أن المتبوعين ليس لهم سلطان يُكرِهون به الأتباع، بل الأتباع هم الذين اختاروا لأنفسهم الضلالة.
وفيه دليل على أن هؤلاء المشركين والكافرين أعلم بالواقع من الجبرية وأشباههم الذين يقولون: إن الإنسان مجبَر على عمله، فإن هؤلاء يقرون بأن الإنسان يفعل باختياره؛ لقوله: وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ [الصافات: ٣٠].
ومن فوائدها: أن الأتباع يوم القيامة لا ينتفعون باتباع المتبوعين، بل إن المتبوعين يوبخونهم على طغيانهم، فيقولون: أنتم الذين تجاوزتم الحد بترككم اتباع الرسل ثم اتباعنا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قول الله عز وجل وأنه يقول؛ لقوله: فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ [الصافات: ٣١]، والقول هو الكلام الذي يُستفاد منه فائدة.
فيدل ذلك أو يتفرع على ذلك أن كلام الله بحرف وصوت كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للأشعرية الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وإن ما يُسمع من هذه الحروف والصوت فإنما هو مخلوق خلقه الله تعالى تعبيرًا عما في نفسه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذبين للرسل بالربوبية؛ لقولهم: فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا.
ويتفرع على ذلك الرد على عامة المتكلمين الذين يفسرون التوحيد بتوحيد الربوبية فقط، فيقولون: إن التوحيد هو أن تؤمن بأن الله تعالى واحد في ذاته، لا قسيم له، وواحد في أفعاله، لا شريك له، وواحد في صفاته، لا شبيه له، ففي هذه الجمل الثلاث لم يذكروا توحيد الألوهية، يعني لم يقولوا: واحد في ألوهيته لا شريك له، وإنما جعلوا التوحيد ما يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الصفات فقط، على ما في هذا الكلام من إجمال يحتاج إلى تفصيل، لكن فيه حذف توحيد الألوهية.
وهذا التوحيد الذي زعم عامة المتكلمين أنه التوحيد الذي جاءت به الرسل، لا شك أن المشركين كانوا مقرين به، ولا ينكرونه، ومع هذا حكم عليهم النبي عليه الصلاة والسلام بالشرك واستباح دماءهم وأموالهم ونساءهم وأراضيهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين من أتباع ومتبوعين كلهم ينالهم العذاب؛ لقوله: إِنَّا لَذَائِقُونَ [الصافات: ٣١] أي: ذائقون عذاب ربنا الذي حق علينا.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من مصاحبة أهل الغواية؛ لقوله: فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ [الصافات: ٣٢]، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من مصاحبة صاحب السوء فقال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ، إِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَمَثَلُ الْجَلِيسِ السَّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ، إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً» .
ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الشيء على سببه؛ لقوله: فَأَغْوَيْنَاكُمْ؛ لأنهم ليسوا هم الذين أغووهم، وإنما هم سبب إغوائهم؛ فإن الهداية والإضلال بيد من؟
الطلبة: بيد الله.
الشيخ: بيد الله عز وجل، لكن هؤلاء كانوا سببًا لغواية هؤلاء، فأضافوا الفعل إليهم في قوله: فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ.
***





