ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرأة إذا نظرت إلى
غير زوجها فإن ذلك فتنة؛ لأن الله امتدح نساء الجنة بكونهن قاصرات الطرف على
أزواجهن.
ويتفرع على ذلك: أنه يجب على الإنسان أن
يراعي زوجته في هذا الباب، بحيث يمنعها من التطلع إلى غيره، سواء كان هذا التطلع
إلى الرجل مباشرة، أو بواسطة الوسائل الإعلامية.
ويتفرع
على هذه الفائدة أيضًا: أن يمنعها من الخروج إلى الأسواق إلا لحاجة؛ لأن
المرأة إذا خرجت إلى الأسواق ورأت الناس فربما تُعْجَب بأحدهم ويتعلق قلبها به
فتعزف عن زوجها، وينقلب حبها لزوجها ضعيفًا، أو ربما يُفْقَد، وأقول: إنه يمنعها من
مشاهدة الرجال مباشرة، أو بواسطة وسائل الإعلام، فيمنعها من مشاهدة مجلات الأزياء
الخبيثة التي يحصل بها الشر والفساد، وكم يُذْكَر لنا من بعض النساء أنها إذا
اطَّلعت على مثل هذه المجلات ورأت الرجل الجميل قامت تُقَبِّله، وحُكِي لنا أن
امرأة تشاهد التلفزيون فرأت رجلًا أعجبها، فقامت تُقَبِّل هذا التلفزيون، لكن أهل
الجنة نساؤهم لا ينظرن إلى غير أزواجهن.
ومن فوائدها
أيضًا: بناءً على المعنى الثاني في قصر الطرف أن نساء أهل الجنة في غاية
الكمال و الجمال، بحيث لا ينظر الرجل إلى سواها؛ لأنها تقصر طرفه عن غيرها.
هنا
ذَكَرَ الله عز وجل صفتهن الحسية، وهل لهن صفة معنوية؟ الجواب: نعم، قال الله
تعالى: فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ [الرحمن: ٧٠]، خيرات
الأخلاق، حسان الأجسام، فتكون نساء أهل الجنة جامعات بين الحسن الظاهر والحسن
الباطن.
ومن فوائد الآية الكريمة: حسن أعين هؤلاء
النساء؛ لقوله: عِينٌ [الصافات: ٤٨]، وحسن العين يكون
بجمال الشكل والسعة والاستدارة، وشدة السواد في شدة البياض، وغير ذلك مما يكون
جمالًا في العين.
ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال
التشبيه التحسيني؛ لقوله: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: ٤٩]، وهذا تشبيه تحسيني، عكس ذلك التشبيه التقبيحي،
كقوله تعالى: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥]، فقوله: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌيُرَاد به تحسين هؤلاء النساء.
ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالقياس، يمكن؟
طالب: نعم.
الشيخ: بماذا؟
الطالب: بالتشبيه.
الشيخ: بالتشبيه،
فالتشبيه يؤخَذ منه استعمال القياس؛ لأن القياس إلحاق فرعٍ بأصل، أو تشبيهه بالحكم
وإعطاؤه حكمه.
ثم قال عز وجل: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥٠، ٥١]، إلى آخره.
يستفاد من
هذه الآيات: كمال سرور أهل الجنة، وأنهم يتحادثون ويتساءلون عما جرى في
الدنيا، والتحدث عما جرى على الإنسان فيما سبق فيه لذة وراحة للنفس، أرأيت إذا
تحدثت عن صباك ماذا تفعل وأنت صبي، تجد في ذلك لذة وراحة، ويذهب عنك الوقت وأنت لا
تشعر به، فهم يتساءلون: ماذا حصل لنا في الدنيا، وكيف وصلنا إلى هذه النعمة، إلى
غير ذلك من الأحاديث الممتعة الشيقة، ولهذا قال: أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ.
ومن
فوائدها: كمال أدب أهل الجنة في أنهم عند المحادثة يُقْبِل بعضهم على بعض؛
لقوله: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، وهذا من كمال الأدب أن تُقْبِل إلى مُحَدِّثك، خلافًا لمن
عندهم سوء أدب، تجده عند المحادثة: كيف حالك يا فلان، وهو على يمينك، تصد عن
الإنسان وأنت تسأله عن حاله؟ حتى مهما كان الأمر فإنه من سوء الأدب، لو فُرِض أنك
-مثلًا- تنظر إلى اليسار لاشتغالك بأمر مهم تنظر إليه، كطفل صغير تخشى عليه أن يقع
في بئر أو ما أشبه ذلك، فإننا نقول: لا تُحَدِّثه وأنت صادٌّ عنه، إذا فرغت من هذا
النظر فأنت أَقْبِل عليه.
هل يؤخذ من ذلك أن من سوء الأدب أن تسلِّم على الإنسان
مِن ورائه؟ أحيانًا الإنسان يكون واقفًا وحوله جماعة يسلِّمون عليه، كلهم أمامه
الآن، لكن يجيء واحد من وراء يسلم عليك، أنت بين أمرين؛ إما أن تُقْبِل عليه
فتستدبر الآخرين، وإما أن تبقى مستقبِل الآخرين وتسلِّم عليه مستدبرًا له.
طالب: أَقْبِل عليه.
الشيخ: لا، ما
أقبل عليه، ما له حق أنه يسلم عليّ من وراء والناس يستقبلونني من أمامي.
الطالب: تسلم عليه ثم ترجع.
الشيخ:
لا أبدًا، أقول: إذا أردت أن تسلِّم روح مع الناس، ولَّا ربما هذا قصده إنه يسقط
علينا، علشان يسلِّم ويمشي، أنا أعتقد أن هذا من سوء الأدب، ما دام الناس كلهم
مُقْبِلون على الإنسان كيف تسلِّم عليه من وراء؟! أنت الآن تبغي تقطع حديثه مع
هؤلاء أو سلامه على هؤلاء لأجل يُقْبِل عليك، وإذا كان السلام معروفًا حتى في شراء
الخبز فليكن (...) السلام.
على كل حال كونهم يُقْبِل بعضهم على بعض يدل على أن
الإنسان إذا أراد أن يحادث غيرَه فليكن مُقْبِلًا عليه، أما يحادثه من وراء فهذا
ليس من الأدب.
من فوائد الآية الكريمة: جواز التحدث
بنعمة الله، بل نقول: جواز التحدث في الأصل، وإلا فإن التحدث من الأمور المطلوبة،
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]؛
لأن هذا الرجل تحدَّث عما أنعم الله به عليه من الهداية، مع أنه كان له قرين يريد
أن يُغْوِيَه.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز
غِيبَة الشخص الداعي إلى الضلالة، من أين يؤخذ؟ من قوله: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢]، ولا شك أن هذا الداعي القرين يدعو إلى
الكفر، فتجوز غِيبَة الداعي إلى الضلال والكفر للمصلحة في الدنيا، هذه المصلحة
العظيمة وهي تحذير الناس منه حتى لا يقعوا في شراكه.
طالب: ما سَمَّاه يا شيخ؟
الشيخ:
سيطَّلِع عليه، حتى لو ما سَمَّاه إذا عُلِم بعينه فلا فرق، والسؤال هذا في غير
محله.
فيه أيضًا من الفوائد: أن دعاة الضلال يأتون
بالشُّبَه التي تُوجِب ضلال الناس؛ لأن هذا الداعية إلى الضلال يقول: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣]، فيُلَبِّس عليه ويقول: كيف يُبْعَث مَن كان
ترابًا وعظامًا من أجل أن يُجَازَى؟ ولا شك أن مثل هذه الشبهة تنطلي على عامة
الناس.
إذن يتفرع على هذه الفائدة: أنه يجب الحذر
من تشبيه أهل الضلال، وألَّا تدخل شُبَهُهم إلى قلب الإنسان، وذكر ابن القيم عن شيخ
الإسلام رحمه الله أنه قال: اجعل قلبك بمنزلة الزجاجة الصافية أو القارورة الصافية،
ولا تجعله كالإسفنج يتشرَّب كل ما وَرَدَ عليه، الزجاجة الصافية يُرَى الشيء من
ورائها، صافية، ولكن ما يدخل إليها شيء، لو تضعها وسط الماء ما دخل إليها، لكن
الإسفنج يتشرَّب ويَقْبَل كل ما يَرِد عليه، لو لنقطة واحدة انتفخ منها، فالإنسان
يجب عليه ألَّا يتشرب الشبهات، وأن يكون قلبه صافيًا خالصًا لا يدخل إليه شيء من
هذه الأشياء.
فإن قال قائل: قد لا أملك هذا الأمر، فما موقفي إذا أَوْرَدَ
عَلَيَّ شخص شبهة من الشُّبَه؟
الجواب على ذلك أن نقول: إن إيراد شيطان الإنس
للشبهة كإيراد شيطان الجن، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا وردت على قلب
الإنسان شبهات أَمَرَه أن ينتهي عنها، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وعلى
هذا فالدواء أن أقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأقوم عن المكان، لا أبقى معهم
في جدال وصراع وأنا ما عندي علم أدفع به شبهاته، بل أقوم عن المجلس، أما أن أبقى
وأنا ليس عندي علم أدفع به شبهاته فربما يؤثر عَلَيَّ، فنقول: قم، وقيامك عن هذا
المكان الذي تُلْقَى فيه الشبهات هو الإعراض الذي أَمَرَ به النبي عليه الصلاة
والسلام، أو الانتهاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم مَن وَرَدَ على قلبه
شيء من الشبهات.
ومن فوائد الآيات: أنه قد يكون
أعدى عَدُوّ للإنسان مَن كان مقارِنًا له؛ لقوله: إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ.
ويتفرع على هذا
الفائدة: الاحتراس من القرناء، وألَّا نلقي إليهم بالمودة والأسرار إلا بعد
أن نَخْبُرَ حالهم؛ لأن كثيرًا من الناس يتلطَّف إليك ويمشي معك لا من أجل أن
يستفيد منك، ولا من أجل أن تستفيد منه، بل من أجل أن يرى ما عندك، فيُقَوِّمك إما
في نفسه وإما عند غيره.
المهم أنه ليس كل قرين للإنسان يكون ناصحًا له، بدليل
هذا: لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، فاحذر القرناء، لا تركن إليهم إلا بعد أن تعرف صدق نصحهم
ومودتهم، وحينئذ فالإنسان مَدَنِيّ بالطبع، لا بد للإنسان من قرين وصاحب يشكو إليه
أموره، ويُفْضِي إليه بأسراره، ويستشيره في أموره، لا بد من هذا، لكن احذر لا
تَرْكَن إلى شخص إلا وأنت عارف صدقه.
طالب: شيخ، خروج
النساء للأسواق، قلنا: لا يجوز لهن إلا لحاجة، ما هو ضابط الحاجة بالنسبة
إليهن؟
الشيخ: تختلف الحاجة -مثلًا- إذا كانت تحتاج إلى
سلعة معينة ما يمكن تقضيها أنت هذه حاجة، إذا كانت تريد أن تزور قريبة لها، أو تعود
مريضة، أو تخرج لطلب علم، هذه من الحاجات.
الطالب: لا،
أقصد بالنسبة للأسواق، بعض النساء الآن تقول: أنا أختار لبسًا معينًا، (...) فلا بد
أن أخرج بنفسي.
الشيخ: قد تكون هذه من الحاجة، ولكن في
مثل هذه الأمور إذا كثرت الفتن ينبغي لوليها أن يخرج معها، من زوج، أو أب، خوفًا
عليها ومنها.
طالب: شيخ، قلنا: نأخذ من هذه الآية جواز
غِيبة الداعي إلى الضلال، كيف يا شيخ نأخذ من هذه الآية وهو قالها في مقام لا فيه
لا عقاب ولا ثواب؟
الشيخ: لأن هؤلاء في الآخرة لا يمكن
أن يقولوا قولًا لا يرضاه الله، أبدًا، حتى اللغو ما عندهم لغو، حتى اللغو الذي ليس
فيه خير ولا شر ما يتكلمون به.
الطالب: جزاك الله
خيرًا، بعض الناس نجدهم يتكلمون في المسلمين، (...) قاعدتين: لا غيبة لفاسق، أو لا
غيبة (...)، يتكلم مع الناس، يعني لو أدنى فسق كحلق لحية أو إسبال ثوب؟
الشيخ: لا، هذا ما هو بصحيح؛ لأن الفاسق الذي لا يتعدى فسقه
لغيره الأصل فيه الْحُرْمة، الأصل أنه مؤمن لا تجوز غيبته، وأما الفاسق الذي يتعدى
فسقه إلى غيره فهذا لا بد أن نُبَيِّن للناس من أجل أن يَحْذَرُوه، وأما المجهول
الذي لا يمكن العلم به، مثل أن تقول: بعض الناس يقول كذا وكذا، هذا نعم لا غيبة،
لأنه ما اغتبت أحدًا، أما مجهول يُعْلَم به لوصفه، مثل أن تقول: بعض الناس يلبس كذا
ويفعل كذا، وهو ما فيه واحد يلبس هذا إلا هذا المعلوم عند الناس، فهذا مجهول باسمه
لكن معروف بوصفه.
الطالب: الآن مثل التلفاز هذا معروف
أنه يعرض الرجال على النساء، والنساء معروفة أنهن ضعيفات عقول، ألا نقول إنه
يُمْنَع ولا يُدْخَل؟
الشيخ: والله يا أخي صعب، كونه
يعرض الرجال، وربما أيضًا يعرض رجالًا عندهم جمال، نحن نمنع هذا الشيء اللي يُعْرَض
فقط، ونقول: يجب إغلاقه إذا عُرِضَ هذا الشيء.
طالب:
ويش يعرض، إذا جاء حديث أو جاء قرآن أو شيء يصكون..
الشيخ: أعوذ بالله، على كل حال أنا أقول كما ذكرتم فيما يُعْرَض
في التلفزيون: إن كل إنسان عاقل ما يدخله بيته؛ لأن ما فيه فائدة، مضرّته أكثر من
نفعه، لكن مسألة التحريم نقول: إننا نحرم كل ما يُشَاهَد فيه هذا صعب.
طالب: الفتنة (...) أول شيء فتنة النساء بالرجال، أو الرجال بعد
كذلك، (...) ما عاد المضرة الباقية.
الشيخ: بس المشكلة
التحريم المطلق صعب، إنما نقول: لا يشاهَد فيه -مثلًا- المسلسلات التي تدعو إلى
الفسوق وإلى العدوان والظلم، إي نعم، لأن يقولون: فيه مسلسلات قتل وسرقة
وخيانة.
طالب: جرائم القتل الآن تستفيد من
المسلسلات.
الشيخ: على كل حال، أنتم جزاكم الله خيرًا،
احرصوا على أنه ما يكون عندكم في بيوتكم، وأنا أبشركم بحمد الله أنه فيه اتجاه الآن
كثيرًا ما يسألونني الناس يقولون: إحنا تُبْنَا من اقتنائه، فماذا نصنع به؟ نشير
عليهم نقول: حطوه دولابًا، طلعوا الآلات اللي بوسطه ويكون هذا الهيكل.
طالب: بتكسيره.
الشيخ: لا، ما يكسره،
طلّع آلاته وتكسره، بس الخشب لا يُكَسَّر، يُسْتَفَاد منه.
طالب: يضيِّع يمكن ألفًا ألفين ريال.
الشيخ: ويش يسوي مَن يعطيه؟ لأنه إن باعه يبيعه على إنسان لا بد
أن يستعمله في المُحَرَّم، نقول الآن: إن رأيت أنه فيه ناس يعرضون فيديو طيِّب،
تعرف أنهم يعرضون الفيديوهات الطيبات كالمحاضرات وغيرها أعطه إياهم، لكن تلقى ها
دول؟
طالب: أو يرجعه يا شيخ.
الشيخ: ما هو مرجعه وله عشر سنين يستعمله.
***
طالب: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [الصافات: ٦٠ - ٦٨].الشيخ: أظن خلَّصنا..
طلبة: الفوائد.
الشيخ: باقي فوائد؟
طالب: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ.
سبق لنا من فوائد هذه الآية: أن أهل السوء يأتون بالشبهات ليُضِلُّوا عباد الله تعالى بغير علم؛ لأن هذا القرين السيئ أَوْرَدَ على قرينه شبهة، وهي: كيف يُبْعَث مَن كان ترابًا وعظامًا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: أَإِنَّا لَمَدِينُونَ، أي: مَجْزِيُّون ومحاسَبُون كما مَرَّ.
ثم قال الله تعالى: قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات: ٥٤] إلى آخره.
من فوائد هذه الآيات: أن هذا الذي أنعم الله عليه بالنجاة يطلب من إخوانه في الجنة ويعرض علهم الاطلاع من أجل معرفة قدر نعمة الله عليهم، فإن الشيء لا يتبين إلا بضده، وهذه فائدة نقول في خلاصتها: إنه يُنْدَب للإنسان أن ينظر في ضلال مَن ضَلَّ ليتبين بذلك قدر نعمة الله عليه بالهداية؛ فإن الأشياء إنما تتبين بضدها، كما قال الشاعر:
| ...................... | وَبِضِـــــدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَــــــاءُ |
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أحوال يوم القيامة لا تُقَاس بأحوال الدنيا، فإن هذا ينظر من أعلى عِلِّيِّين إلى أسفل السافلين فيرى صاحبه في سواء الجحيم.
فيتفرع على هذا الفائدة: أن كل ما ورد من أحوال يوم القيامة مما تستبعده النفوس لعدم مشاهدة نظيره في الدنيا لا ينبغي أن يكون محل استبعاد، فمثلًا ثبت في الصحيح: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنَ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمِقْدَارِ مِيلٍ»، لو أن الشمس دَنَت من الخلائق في هذه الدنيا بأكثر من ذلك بكثير لأحرقتهم، لا يقول قائل: كيف يمكن أن يبقوا والشمس تدنو منهم إلى هذا الحد؟ كذلك أيضًا ورد أن الناس يختلفون يوم القيامة بالنسبة للعَرَق، العرق «مِنَ النَّاسِ مَنْ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ» ، وهم في مكان واحد، ربما يستبعد الإنسان وجود هذا؛ لأنه لا يشاهد نظيره في الدنيا، فنقول: لا تستبعد؛ لأن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا.
في يوم القيامة المؤمنون يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد: ١٢]، والكافرون في ظُلْمَة، والمكان واحد، فلا يستفيد هؤلاء من نور هؤلاء، مع أنه في الدنيا لو كان أحدنا معه كشَّاف في يده ليضيء طريقه لانتفع به مَن كان حوله، فلا تستبعد في الآخرة أن يكون مثل هذا الأمر؛ لأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، فهذا الرجل ينظر من أعلى عِلِّيِّين إلى أسفل السافلين، فيرى صاحبه فرآه في سواء الجحيم.
ومن فوائدها أيضًا: أن هذا الْمُطَّلِع يخاطب صاحبه في أسفل السافلين ويكلمه، كل واحد منهم يخاطب الآخر، وهذا أيضًا لا يجوز أن يُسْتَبْعَد؛ لأن أحوال الآخرة غير أحوال الدنيا، ولأننا ربما شاهدنا في هذه الدنيا ما يشابه هذه الحال بواسطة الاتصالات الحديثة، فالإنسان قد يخاطب صاحبه وهو في مشرق الأرض، والآخر في مغربها، ويخاطبه وينظر إليه أيضًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان توبيخ هؤلاء المفسدين في يوم القيامة؛ لأنه وَبَّخَه بقوله: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦]، وقد جاء في آيات أخرى أنه يوم القيامة يكفُر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضًا، قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: ٣٨].
ومن فوائد الآية أيضًا: أن هذا القرين السيئ كان يحاول بكل جهده أن يهلك صاحبه، ولهذا من شدة دعايته كاد أن يُهْلِك هذا، إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الهلاك الحقيقي هو هلاك الدين؛ لأنه وصف ذلك بالردع إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِوهذا هو الحق، فإن الهلاك الحقيقي هو هلاك الدين، أما الدنيا فالدنيا إنما خُلِقَت للفناء، ما خُلِقَ الناس للبقاء في الدنيا، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦]، وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: ٣٤]، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ٥٧]، فالهلاك الحقيقي هو هلاك أيش؟ الدين، قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥].
***
قال الله تعالى: وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧]، (لولا) حرف امتناع لوجود، كذا؟ ولَّا امتناع لامتناع؟طالب: امتناع لوجود.
الشيخ: إذا قلت: لولا زيد لقمت، امتنع القيام لوجود زيد، إذن هي حرف امتناع لوجود، (لو) حرف امتناع لامتناع؛ لو جاء زيد لأكرمتُك، (لَمَّا) حرف وجود لوجود، فهذه الثلاثة تقاسمت الوجود والعدم، تقول: لَمَّا جاء زيد أكرمتُك، وُجِدَ الإكرام لوجود زيد، لو جاء زيد لأكرمتُك، امتنع الإكرام لامتناع مجيء زيد، لولا زيد لأكرمتُك، امتنع الإكرام لوجود زيد.
لَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّيقلنا: إن (لولا) حرف امتناع لوجود، ما هو الموجود وما هو الممتنع؟ الموجود النعمة، والممتنع كونه من الْمُحْضَرِين، قال أهل النحو: و(لولا) يُحْذَف الخبر خبر المبتدأ بعدها وجوبها في الغالب، وبعد قال ابن مالك:
| وَبَعْدَ (لَوْلَا) غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ | حَتْمٌ ...................... |
إذن نِعْمَةُمبتدأ، والخبر محذوف، وتقديره: ولولا نعمة ربي علَيَّ، أو كائنة، أو ما أشبه ذلك، لكنت.
طيب نِعْمَةُ رَبِّيالنعمة هي ما يكون بالإنعام، يعني أثر إنعام الله عز وجل على العبد، وتنقسم إلى قسمين: نعمة عامة، ونعمة خاصة؛ أما النعمة العامة فهي الشاملة لكل أحد من المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، فكل الناس يعيشون بنعمة الله عز وجل، وأما النعمة الخاصة فهي التي أنعم الله بها على المؤمنين، ومنها قوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧].
ثم هذه النعمة الخاصة أيضًا فيها ما هو أَخَصّ، وهي نعمة الله على الرسل، ومنها قوله تعالى: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: ٢]، فإن هذه النعمة أخص النعم.
النعمة الموجودة في الآية هنا لَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّيمن العامة أو الخاصة؟ من الخاصة؛ لأن نعمة الله العامة كائنة حتى على هذا القرين الرديء، ولكن هذه نعمة خاصة.
وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ(...) المؤلف: (ولولا نعمة ربي علَيَّ بالإيمان لكنت من الْمُحْضَرِين معك في النار)، اللام هذه واقعة في جواب لَوْلَا؛ لأن لَكُنْتُهي جواب لَوْلَا: لكنت من المحضرين معك في النار، وإن شئت فقل: لكنت من المحضرين في العذاب، ليكون أشد؛ فإن العذاب أعم وأشد من عذاب النار، وإن كان مَن في النار فهو معذَّب، والعياذ بالله.
ويقول أهل الجنة: ({أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى} [الصافات: ٥٨، ٥٩] التي في الدنيا، وما نحن بمعذَّبِين، وهو استفهام تلذُّذ وتحدُّث بنعمة الله تعالى من تأبيد الحياة وعدم التعذيب).
قوله: أَفَمَا نَحْنُالهمزة هنا للاستفهام، والفاء عاطفة، و(ما) نافية حجازية ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهي هنا عاملة؛ لتمام الشروط، فإن شروط إعمال (ما) عمل (ليس) تامة في هذه الآية.
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَهذا الاستفهام يقول المؤلف: (إنه استفهام تلذُّذ وتحدُّث بنعمة الله)، يعني يقول: أنبقى فما نحن بميتين، أي أنهم يتلذَّذُون بانتفاء الموت عنهم، ولا شك أن انتفاءَ الموتِ، والخلودَ والتأبيدَ من أكبر ما يُسَرّ به الإنسان، ولهذا جاء في الحديث أنه «إِذَا جِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْمَوْتِ عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيُنَادَى هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، فَيُذْبَحُ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ غَمًّا إِلَى غَمِّهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ» ؛ لأنهم أَمِنُوا من الموت، فهنا يتحدثون بهذه النعمة، وهي انتفاء الموت عنهم.
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَيقول: إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى(التي في الدنيا)، هذا الاستثناء كقوله تعالى: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان: ٥٦]، وعلى هذا فالاستثناء منقطع، يعني: لكن موتتنا الأولى حصلت وتمت في الدنيا.
وقوله: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَمعطوفة على (ما نحن بميتين)، يعني: وكذلك ما نحن بمعذَّبِين، فانتفى عنهم الموت المستلزِم للتأبيد، والعذاب المستلزِم للتنعيم.
(إِنَّ هَذَاالذي ذكرت)، كذا عندكم، تاء التأنيث؟
طالب: لا، (ذُكِرَ).
الشيخ: الظاهر أن التاء أصوب، حذفُها يعني، الظاهر أن حَذْفها أصوب.
({إِنَّ هَذَا} الذي ذُكِرَ لأهل الجنة {لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ})، إِنَّ هَذَاالمشار إليه ما ذُكِرَ من النعيم لأهل الجنة، ومنه انتفاء الموت والتعذيب.
لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُاللام مؤكِّدة، و(إنَّ) مؤكِّدة، و(هو) ضمير فصل، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: إن، واللام، وضمير الفصل، ثم إن المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، فيدل على أن هذا الفوز فوزٌ خاص بأهل الجنة، إن هذا لهو الفوز الخاصّ، على هذا الوجه، هو الفوز العظيم، فإذا قيل: ما هو الفوز؟ قلنا: إن الفوز هو حصول المطلوب وزوال المكروه.
وقوله: الْعَظِيمُمأخوذ من العظمة؛ لأنه لا فوزَ أعظم من ذلك، قال الله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥]، أُذَكِّركم بأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد؛ الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، والفائدة الثالثة: التمييز بين الخبر والصفة؛ لأنك إذا قلت -مثلًا-: زيد الفاضل، فإن الفاضل يحتمل أن تكون صفة، ويحتمل أن تكون خبرًا، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعيَّن أن تكون خبرًا، وحصل بذلك التمييز بين الخبر والصفة.
ثم قال عز وجل: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ، لِمِثْلِ هَذَاالمشار إليه ما ذُكِرَ من النعيم، وقوله: لِمِثْلِ هَذَاقال بعضهم: إن (مثل) هنا زائدة، أي: لهذا فليعمل، وقيل: بل هي غير زائدة، أصلية، وأن (مثل) يُؤْتَى بها للتعظيم والمبالغة، فإذا كان الإنسان يُطْلَب منه أن يعمل العمل لمثل هذا فما بالك بنفس هذا؟ واضح؟
يقولون: إن المثل مُلْحَق بمثيله إلحاقًا، كالمشبَّه ملحق بالمشبَّه به، مرتبة المشبَّه به أعلى من مرتبة المشبَّه، المثيل الذي قيل: هذا مثل هذا، أعلى من مماثِله؛ لأنك إذا قلت: هذا مثل هذا، فقد ألحقتَ الأول بالثاني، هذا مثل هذا، الأول في الجملة بالثاني، فإذا قيل: لمثل هذا، وصار الإنسان مطلوبًا منه أن يعمل لمثل هذا الشيء، فطلبُه أن يعمل لهذا الشيء نفسه من باب أولى، فيقولون: إن هذا من باب التوكيد، وهذا كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، فإن (مثل) ليست بزائدة، ولكنه جِيءَ بها للمبالغة، إذا كان مثله -سبحانه وتعالى- لو فُرِض له مثل، لا يماثله شيء، فما بالك به هو نفسه، فيكون هذا من باب التوكيد.
إذن لِمِثْلِ هَذَانقول: هذا من باب التوكيد والمبالغة، أي أن الإنسان مطلوب منه أن يعمل لمثل هذا، فكيف بنفس هذا الشيء، فتكون (مثل) على هذا ليست بزائدة، بل هي أصلية، وفائدتها التوكيد والمبالغة، ولهذا يقال للشخص: مثلك لا يبخل، مَن يريدون؟ يريدون هو، هو لا يبخل، ولكن أتى بـ(مثل) من باب المبالغة، يعي إذا كان المتشبِّه بك لا يبخل فأنت من باب أولى وأحرى، فمثل هذا التركيب في اللغة العربية يُقْصَد به المبالغة، وليس هناك زيادة.
إذن لِمِثْلِ هَذَاالفوز العظيم، وهذا النعيم العظيم، فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ، والفاء هنا عاطفة، واللام لام الأمر، وقوله: فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَبماذا؟ بشرع الله، فإن هذا لو تذهب فيه النفوس والأنفاس والنفائس لكان ذلك رخيصًا في جانب هذا الفوز العظيم، الواحد منا يسعى جهدَه ليُحَصِّل الدرهم والدينار فيشبع به بطنه، ويكسو به عورته، ويُنَعِّم به بدنه ذلك النعيم الزائف الزائل، وتجده يسهر في الليل، ويتعب في النهار من أجل الوصول إلى هذا الغرض، لكن ثواب الآخرة أعظم وأعظم، ومع ذلك فعملُنا نحوها قليل، وقد وَبَّخَنَا الله عز وجل في قوله: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧]، فالذي ينبغي العمل له حقيقةً، بل الذي يجب على العاقل أن يعمل له حقيقة هو ثواب الآخرة.
وهذه الآية: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَكقوله تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦]، هذا هو محل التنافس، وهذا هو محل العمل، وهو الجدير بذلك، قال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ، (قيل: يقال لهم ذلك، وقيل: هم يقولونه).
وعلى كل حال، فسواء هم الذين يقولونه، أو يقال لهم، فإنه يفيد أن هذا الجزاء، وهذا النعيم، وهذا الفوز هو الذي ينبغي أن تفنى فيه النفوس والأنفاس والنفائس.
قال الله تعالى: ({أَذَلِكَ} المذكور لهم {خَيْرٌ نُزُلًا} وهو ما يُعَدّ للنازل من ضيف وغيره، {أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ}).
أَذَلِكَ خَيْرٌأَمْ شَجَرَةُ، (أم) هنا متصلة أو منقطعة؟
طلبة: منقطعة.
الشيخ: الظاهر أنكم ما تعرفون المتصلة والمنقطعة، لو عرفتم المتصلة والمنقطعة ما أشكل عليكم، ولا قلتم: هذه منقطعة، المتصلة التي تُذْكَر بين متعادِلَيْن، ويحل محلها (أو)، وهنا ذُكِرَت بين متعادِلَيْن، ويصح أن يحل محلها (أو)، أذلك خير أو شجرة، فما دامت ذُكِرَ لِمَا قبلها معادِل فهي متصلة، أما المنقطعة فهي التي تكون بمعنى (بل)، مثل: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الطور: ٣٢]، قوله: أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَهذه (بل)، يعني: لا تأمرهم أحلامهم بهذا، ولكن هم قوم طاغون، فـ(أم) المتصلة هي التي تُذْكَر بين شيئين متعادِلَيْن ويحل محلَّها (أو)، والمنقطعة هي التي تُذْكَر بين شيئين متبايِنَيْنِ ويحل محلها (بل)، إذن هذه متصلة.
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، ويش الجواب؟ الجواب: ذلك بلا شك، ولكنه ذُكِرَ إما على سبيل التهكم بمن تَنَعَّمُوا في الدنيا ونَسُوا نعيم الآخرة، وإلا فلا أحد يشكل عليه أن ذلك خير من شجرة الزقوم، وهو كقوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، فإنه من المعلوم لكل أحد أن الله خير، لكن هذا ذُكِرَ على سبيل التهكم بهؤلاء، وأن معبوداتهم ليس فيها خير إطلاقًا.
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا، ذَلِكَ خَيْرٌمبتدأ وخبر، نُزُلًاتمييز؛ لأنها جاءت بعد اسم التفضيل، فإنّ خَيْرٌاسم تفضيل حُذِفَت منها الهمزة لكثرة الاستعمال، وأصل (خَيْر) (أَخْيَر)، مثل (شر) أصلها (أَشَرّ).
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا، النُّزُل هو ما يُعَدّ للضيف من التَّكْرِمَة؛ كالأكل، والشرب، والفراش، والمسكن، وما أشبه ذلك.
أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، شجرة الزقوم الْمُعَدَّة لأهل النار، وهي مِن أخبث الشجر الْمُرّ بتِهَامة يُنْبِتُها الله تعالى في الجحيم، كما سيأتي، شجرة الزقوم هذه شجرة خبيثة المنظر، كريهة الرائحة، مُرَّة الطعم، إن نَظَرَ إليها إنسان لم يُسَرَّ بها، وإن تَذَوَّقَها فهي مُرَّة، وإن شَمَّها فهي كريهة، فهي إذن بَشِعَة المذاق، كريهة الرائحة، مشوَّهة المنظر، ومع ذلك إذا وصلت إلى بطونهم فإنها لا تُفِيدُهم شيئًا، لا تُسْمِن ولا تُغْنِي من جوع، ومع ذلك فإنها تزيدهم التهابًا وعطشًا -والعياذ بالله- كما ذكر الله تعالى بآية أخرى.
وسُمِّيَت شجرة الزقوم قال العلماء: لأنهم يَتَزَقَّمُونها تزقُّمًا، يعني: يتجرعونها تجرُّعًا؛ لأنها كريهة، لكن يحملهم عليها ويضطرهم إليها الجوع -والعياذ بالله- فيظنون أن هذه تُسْمِن أو تُغْنِي من الجوع، وهل لا تسمن ولا تغني من جوع، فيتزقمونها تزقمًا.
قال الله عز وجل: ({إِنَّا جَعَلْنَاهَا} بذلك، {فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ}، أي: الكافرين من أهل مكة؛ إذ قالوا: النار تحرق الشجر فكيف تنبته).
شجرة الزقوم جعلها الله تعالى فتنة للظالمين، فتنة أي: اختبارًا يُخْتَبَرُون بها، وفتنة أي سببًا للضلال؛ لأن الفتنة تُطْلَق على الاختبار، وتُطْلَق على ما كان سببًا للضلال، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠]، أي: كانوا سببًا في إضلالهم، ويقول الله عز وجل في القرآن الكريم: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ [الدخان: ١٧] ، أي: اختبرناهم، أو إن شئت قل: أضللناهم؛ لأن الله اختبر آل فرعون، ولكنهم ضَلُّوا -والعياذ بالله- فأضلَّهُم الله.
فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَأي: اختبارًا لهم وسببًا لضلالهم، اختبارًا لهم؛ لأنهم لو آمنوا لصَدَّقُوا ولم يعترضوا، وسببًا لضلالهم؛ لأنها جَعَلَتْهُم يتخذون من هذا طعنًا فيما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام، يقولون: هذا محمد يزعم أن الأشجار تَنْبُت في النار، والعادة أن النار تُحْرِق الأشجار، فكيف تنبت في النار؟
ومعلوم أن الجواب على هذا يسير بالنسبة لنا، نقول: إن الله على كل شيء قدير، وهي شجرة نارية توافق طبيعتُها النار ولا تناقضها.
قال الله عز وجل: إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ، المراد بالظالمين هنا الكفار، ولا شك أن الكفر ظلم، قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، ومعلوم أيضًا أن الظلم يختلف، فهو درجات متفاوتة عظيمة، منها ما يوصل إلى الكفر، ومنها ما يوصل إلى الفسق، ومنها ما هو دون ذلك.
قال: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا، إلى آخره.
طالب: شيخ، ما يكون (...).
الشيخ: إلّا.
الطالب: (...) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ.
الشيخ: لا، هذا من كلام أهل الجنة، بعض العلماء (...) أنه إذا ذُبِح الموت أمامهم قالوا هذا.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، الظاهر أنه يراها حتى تكون محاججة بينهما.
الطالب: لا، المدة يا شيخ.
الشيخ: لا، ما هي مدة طويلة.
الطالب: يعني هو إذا أراد اليوم.
الشيخ: يعني كلما أراد؟ إي، أما الآية ما ذكر الله فيها إلا مرة واحدة، والله أعلم هل إنه كلما اجتمع بهم أناس عرض عليهم الاطلاع، أو أنها مرة واحدة يتحدث بها بنعمة الله مع هذا الرجل وينتهي.
طالب: قوله تعالى: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا، يعني غالبًا يكون الإنسان يقدِّم الأسبق، فالإنسان يكون عظامًا ثم يكون ترابًا، هنا قدَّم التراب على العظام، فهل هذا القول جمع..؟
الشيخ: أَإِذَا مِتْنَا.
الطالب: كُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا.
الشيخ: وين الفاء؟
الطالب: أقول: الواو، أقول: قدَّم هنا التراب على العظام.
الشيخ: الواو لا تقتضي الترتيب.
الطالب: أقول: ليش يعني قدَّم هنا التراب على العظام؟
الشيخ: لأنها أبلغ في الحيلولة، يعني بدأ بالأبعد فالأبعد، فكونهم ترابًا أبعد من أن يُخْلَقُوا من كونهم عظامًا.
طالب: شيخ، إيراد الكفار عن محمد صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: كيف ينبت الله في النار الشجرَ وهي تحرقه هذا أيضًا من التلبيس الذي يقولونه للناس: كيف يعذِّب الله إبليس وهو مخلوق من النار يعذبه بالنار؟
الشيخ: إي نعم، يمكن يُسْأَل مثل هذا النوع، ويمكن أن يقال: إن مادته لم تجعله نارًا، كما أن مادة الطين لم تجعل الآدمي طينًا.
الطالب: شيخ، (...) في الدروس السابقة إنها تكون اسم الإشارة هذا للتحقير وأشار الله به إلى الجنة (...)؟
الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: إنه مَرَّ بنا أن اسم الإشارة يفيد التحقير، فكيف أشار الله به إلى نعيم الجنة؟
الطالب: قد يفيد التحقير، وقد يفيد التعظيم مثلًا.
الشيخ: إي نعم، ما فيه شك، اسم الإشارة يكون للتعظيم، ويكون للتحقير، حسب السياق، فمثلًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٣٦] هذا تحقير، لكن ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢] هذا تعظيم، فالمهم أن اسم الإشارة يفيد التعظيم والتحقير والتعيين بدون لا هذا ولا هذا، حسب السياق. (...)
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ [الصافات: ٦٤ - ٦٩] (...) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٧٣، ٧٤].
الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ، هذه الجملة جملة اسمية مكوَّنة من مبتدأ وخبر، فأين المبتدأ؟
طالب: المبتدأ نِعْمَةُ.
الشيخ: وأين الخبر؟
الطالب: محذوف.
الشيخ: وجوبًا أو جوازًا؟
الطالب: وجوبًا.
الشيخ: وجوبًا غالبًا، ما هو الدليل أو الشاهد من كلام ابن مالك على هذا الحكم؟
الطالب: قوله:
| وَبَعْدَ (لَوْلَا) غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ | ......................... |
الشيخ: حذف الخبر أيش؟
الطالب: حَتْم.
الشيخ: حَتْم، قَدِّر الخبر في هذه الآية؟
الطالب: ولولا نعمة ربي علَيَّ.
الشيخ: علَيَّ، أحسنت، أو موجودة، ما موقع قوله: لَكُنْتُ؟
الطالب: اللام ..
الشيخ: لا، ما هو ما إعرابها، ما موقعها؟ الإعراب تفصِّل، تقول: اللام لكذا، موقعها من الإعراب؟
الطالب: جواب (لولا).
الشيخ: جواب (لولا)، ما محلها؟
الطالب: لا محل لها من الإعراب.
الشيخ: لا محل لها من الإعراب؛ لأن كل جملة تقع جوابًا لشرط غير جازم فإنه لا محل لها من الإعراب، هذه قاعدة، ذكرنا فيما سبق أن النعمة نوعان؟
طالب: نعمة خاصة ونعمة عامة.
الشيخ: نعم، العامة؟
الطالب: العامة لكل العباد.
الشيخ: الشاملة لكل أحد.
الطالب: والخاصة بالمؤمنين.
الشيخ: خاصة بالمؤمنين، مثِّل للأول، إن شئت بشاهد من القرآن، وإن شئت بشاهد من الواقع.
الطالب: مثل الرزق، الرزق نعمة من نِعَم الله، ويشمل الكافر والمؤمن فكل داخل فيها.
الشيخ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤]، هذا عام، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤]، النعمة الخاصة؟
الطالب: الرحمة.
الشيخ: النعمة الخاصة، مثال من القرآن؛ لأن هذا موجود بكثرة.
الطالب: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣].
الشيخ: لا، أخطأت في الدليل والاستدلال.
طالب: وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ.
الشيخ: نريد شاهدًا لها.
الطالب: (...) خصص الأنبياء (...).
الشيخ: لا، نريد نعمة خاصة ما هو بالأنبياء، بالمؤمنين عمومًا، ومنهم الأنبياء.
طالب: قوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.
الشيخ: نعم، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، تمام.
قوله: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَإعرابها؟
طالب: الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة ..
الشيخ: نعم، إما على ما سبق، وإما على شيء مقدَّر، أو لا؟ متأكد.
الطالب: (...).
الشيخ: كيف؟ ما قلنا هذا؟ قلنا: كلما دخلت همزة الاستفهام على حرف عطف فللعلماء فيها قولان؛ قول: إنها معطوفة على ما سبق، وقول: إنها معطوفة على شيء مقدَّر يستفاد من السياق، فهمت؟ مثل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا [يوسف: ١٠٩]، أَوَلَمْ يَسِيرُوا [الروم: ٩] ومثل أَفَمَا نَحْنُ، و(ما)؟
الطالب: (ما) حجازية عاملة.
الشيخ: عاملة أيش؟ عمل إن؟
الطالب: عمل إن.
الشيخ: إذن يكون قوله تعالى: مَا هَذَا بَشَرًا [يوسف: ٣١] فيه لحن؛ لأن هَذَا بَشَرًاما هو بعمل (إن)، لو كان عمل (إن) لقال: ما هذا بشرٌ؟
طالب: عاملة عمل (لا) النافية للجنس.
الشيخ: عمل (لا) النافية للجنس تعمل عمل (إنّ).
الطالب: شيخ، عاملة عمل (ليس).
الشيخ: عمل (ليس)، ابن مالك يقول:
| إِعْمَالَ (لَيْسَ) أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) | مَــــــــعَ بَــــقَا النَّــــــفْيِ وَتَــــــــرْتِيــــــبٍ زُكِــــــنْ |
نعم، (ما) نافية تعمل عمل (ليس)؛ ترفع الاسم وتنصب الخبر، وين اسمها؟
طالب: نَحْنُ.
الشيخ: خبرها؟
الطالب: المتعلق الجواب.
الشيخ: خطأ.
طالب: أفما نحن بميتين.
الشيخ: كلّها خبره؟ هي واسمها..
الطالب: لا، ميتين.
الشيخ: الخبر بِمَيِّتِينَدخل عليه حرف الجر الزائد، مو هكذا؟ وحروف الجر الزائدة ما تحتاج إلى متعلَّق، ولهذا ما يصح أن نقول: إن الخبر متعلَّق الجار والمجرور؛ لأن حرف الجر الزائد لا يحتاج إلى متعلَّق؛ لتسلط العامل عليه، على مدخوله، أَوَمَا فهمتم هذا؟ طيب، ما المراد بهذا الاستفهام؟
طالب: التلذُّذ، قال المؤلف: المراد به التلذُّذ.
الشيخ: التلذذ، المعنى أنهم يتلذَّذُون بهذا الحكم وهو انتفاء الموت عنهم.
قوله تعالى: إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى، ما نوع الاستفهام هنا؟
طالب: استثناء منقطع.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه غير متصل بما سبق.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لأن مَوْتَتَنَا الْأُولَىالمقصود بها في الدنيا.
الشيخ: إي، وقد مضت، وأَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَفي المستقبل.
الطالب: نعم.
الشيخ: فإذن لا يصح أن يكون مستثنى مما سيأتي؛ لأنه قد سبق.
قوله تعالى: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ، لماذا لم يقل: لهذا فليعمل العاملون؟
طالب: هذا مبالغة في التعظيم.
الشيخ: من أجل المبالغة؟ كيف ذلك؟
الطالب: لو قال: لهذا فليعمل العاملون، لكان أقل مبالغة من قوله: لِمِثْلِ هَذَا، مثل ما يقال: مثلك لا يبخل، أي أن مثل هذا الرجل لا يبخل، نعني أن هذا الرجل كريم العطاء، مبالغةً في التعظيم.
الشيخ: لأن المثل مُشَبَّه، والمماثِل مشبَّه به، وحال المشبَّه دون حال المشبَّه به، فإذا كان المشبَّه يعمل له العاملون فكيف بالمشبَّه به؟! هذا وجه، أما قول بعضهم: إن (مثل) زائدة، فهذا لا وجه له.
ما الذي يفيده تقديم الجار والمجرور على فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ، يعني تقديم الجار والمجرور على عامله؟
الطالب: يفيد الحصر.
الشيخ: الحصر، يعني: لا ينبغي أن يعمل العاملون إلا لمثل هذا.
قوله: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، ما تقول في أَمْأمتصلة هي أم منقطعة؟
الطالب: لا، هي منقطعة.
الشيخ: يعني التقدير: أذلك خير بل شجرة الزقوم؟
الطالب: لا، هذه، (...)، أَمْهنا متصلة.
الشيخ: متصلة؟ فَكِّر.
الطالب: متصلة يعني أنها (...)، يعني ليست..
الشيخ: ما الفرق بين المتصلة والمنقطعة؟
الطالب: المنقطعة يكون ما قبلها غير ما بعدها.
الشيخ: هذه أيش؟
الطالب: هذه المنقطعة.
الشيخ: اللي قبلها غير اللي بعدها؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ودي أيضًا اللي قبلها غير اللي بعدها.
الطالب: إي، يعني بس تنفي اللي بعدها، مثل قوله تعالى ..
الشيخ: ما الفرق بين المتصلة والمنقطعة؟
طالب: المنقطعة الفرق أن تحل محلها (بل)، هذه المنقطعة، والمنفصلة (أو).
الشيخ: هذا فرق، والفرق الثاني؟
الطالب: هذا هو الفرق.
الشيخ: هذا فرق، والفارق فيها فرقان.
طالب: أن المتصلة يُذْكَر معها المعادِل، والمنقطعة ليس (...).
الشيخ: يعني ما قبلها معادِل لما بعدها بخلاف المنقطعة، يقول ابن مالك.
| وَ(أَمْ) بِهَا اعْطِفْ إِثْرَ هَمْزِ التَّسْوِيَهْ | .......................... |
مثل سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦]
| ......................... | أَوْ هَمْــــــزَةٍ عَـــنْ لَفْــــظِ أَيٍّ مُـــــغْنِيَهْ |
يعني أو بعد همزة تكون بمعنى (أي)، فهنا إذا قيل: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِيحل محل الهمزة (أي)، فيقال مثلًا: أيهما خير نزلًا، واضح يا جماعة؟
الحقيقة نحتاج أننا نطعِّم درس التفسير بنحو (...).
طالب: (...).
الشيخ: واللي يهمنا في الحقيقة المعنى، أهم شيء عندنا المعنى، أما مسألة الإعراب هذه أهون، لكن مع ذلك حتى في المعنى ما أنتم باللي ها ذاك.
نُزُلًا؛ قوله: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا، ويش إعرابه؟
طالب: تمييز.
الشيخ: تمييز لأيش؟ أين المميَّز؟ لأن التمييز يحتاج إلى مُمَيَّز، أين المميز؟ إذا قلت: عندي عشرون رجلًا، رجلًا تمييز، ويش المميَّز؟ عشرون، يعني تَبَيَّنت الآن ويش نوع العشرين، هنا خَيْرٌ نُزُلًا، نُزُلًاتمييز، فأين المميَّز؟
الطالب: خَيْرٌ.
الشيخ: خَيْرٌ، نعم، التمييز بعد اسم التفضيل مُمَيِّز لاسم التفضيل، أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا [الكهف: ٣٤]، مَالًامُمَيِّز لـأَكْثَرُ.
قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ، كيف كانت فتنة؟
طالب: يعني عذابًا للظالم.
الشيخ: لا يا أخي.
الطالب: إِنَّا جَعَلْنَاهَا..
الشيخ: جعلنا -أي شجرة الزقوم- فتنة للظالمين.
الطالب: عذابًا.
الشيخ: لا يا أخي، فتنة.
الطالب: عقوبة للـ ..
الشيخ: العقوبة والعذاب معناهما واحد.
طالب: الفتنة تكون بمعنيين؛ إما بمعنى الضلال، أي: كان سببًا لإضلالهم، حيث قالوا: كيف تنبت هذه الشجرة في النار والنار تأكل ما فيها؟! والثاني: أنها تكون امتحانًا لهم.
الشيخ: الاختبار.
الطالب: الاختبار.
الشيخ: نعم، فإذن فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَيعني اختبارًا لهم؛ لأنهم يقولون: كيف الشجرة تخرج في النار، والنار تحرق الأشجار، كيف تخرج فيها؟! فأَضَلُّوا الناس بهذه الدعاية.
طالب: ما هي عذاب لهم؟
الشيخ: لا، ما هي عذاب.
وقفنا على هذا؟
طالب: أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
الشيخ: بس هذا آخر..
طالب: ما كمل.
الشيخ: ما كمَّلنا، نعم، أخذنا الفوائد أظن؟ ما أخذناها، لا إله إلا الله، الله يعين.
بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ، يستفاد من هذه الآية الكريمة: التحدث بنعمة الله عز وجل، والتحدث بنعمة الله مشروع ومأمور به، بشرط أن يكون المقصود به الثناء على الله لا الافتخار على عباد الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن نجاة الإنسان من عذاب الله من أكبر النِّعَم، ولهذا قال: لَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي، ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣]، حيث جعل إكمال الدين من إتمام النعمة، وبالدين تكون النجاة من النار، والفوز بدار القرار، فمن أكبر النعم بلا شك، بل هي أكبر النعم أن يَمُنّ الله على الإنسان بالنجاة من النار، ودخول دار القرار.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا المؤمن قال: لَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي، فأضافها إلى ربوبية الله، وهذه الربوبية من الربوبيات الخاصة، وقد مَرَّ علينا في غير مجلس أن الربوبية عامة وخاصة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]، الأولى عامة، والثانية خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي تربية أخص من الربوبية العامة؛ لأن الله تعالى يربي هذا العبد تربية خاصة أكثر من الربوبية العامة.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إضافة الشيء إلى سببه؛ لقوله: وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي، ولم يقل: ولولا ربي.
لكن قد يقول قائل: إن نعمة الله عز وجل إذا كان المراد بها فعل الله فهي من صفات الله، فإضافة الشيء إليها كإضافته إلى الله؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ» ، لكن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم المخلوق هل هو جائز؟ نقول: نعم جائز، إذا كان السبب معلومًا حقيقةً، فتقول -مثلًا-: لولا فلان أنقذني من الغرق لهلكت، ولا بأس بذلك، لكن بشرط أن تشعر في قلبك أن فلانًا قد سخَّره الله لك، ولم يستقل بفعله.
ومن ذلك -أي من إضافة الشيء إلى سببه المعلوم- قول النبي عليه الصلاة والسلام في عمه أبي طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ، فقال: «لَوْلَا أَنَا»، فأضاف الشيء إلى السبب المعلوم.
يمكن أن نضيف الشيء إلى الله وإلى سببه المعلوم ولَّا ما يمكن؟ يمكن أن نضيفه إلى الله وإلى سببه المعلوم، بشرط أن يكون معطوفًا بحرف لا يقتضي التسوية، فلا يقول: لولا الله وفلان؛ لأن هذا شرك؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي قال له: ما شاء الله وشئت: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟» ؛ لأن الواو تقتضي التسوية، فلا يجوز أن يُسَوَّى غير الله بالله سبحانه وتعالى، أما إذا أُضِيفَ بحرف لا يقتضي التسوية، بل يقتضي الترتيب، فهذا نوعان؛ نوع جائز لا إشكال فيه، ونوع فيه بعض الشبهة، فإذا عطف بـ(ثم) مثل: لولا الله ثم فلان، فهذا جائز لا إشكال فيه؛ لأنك جعلت فلانًا تابعًا تبعيةً متأخِّرة، حيث عطفته بأيش؟ بـ(ثم) الدالة على التراخي، أما إذا عطفته بفاء تقتضي الترتيب والتعقيب مثل: لولا الله ففلان، فهذا محل نظر، لكن الأقرب أنه جائز؛ لأنك أتيت بالفاء الدالة على الترتيب.
ويجوز أن تضيفه إلى الله وحده وتغفل السبب بالكلية، فتقول: لولا الله لهلكت، ويجوز أن تضيفه إلى الله تعالى بذِكْر السبب، وتُبَيِّن أن السبب مجرد سبب، مثل أن تقول: لولا أن الله أنقذني بفلان لهلكت، فصار عندنا أربعة أوجه:
أولًا: أن نضيف الشيء إلى سببه المعلوم حسًّا أو شرعًا، ما الحكم؟ جائز، ودليله: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ، والعلماء يستعملون هذا كثيرًا.
الثاني: أن نضيفه إلى الله وحده، فهذا جائز.
الثالث: أن نضيفه إلى الله مقرونًا ببيان السبب، مثل: لولا أن الله أنقذني بفلان، أو واحد غريق في البحر قال: لولا أن الله أنقذني بخشبة ركبتُ عليها لهلكت، هذا جائز أيضًا.
الرابع: أن نضيفه إلى الله وإلى السبب مقرونًا بحرف يقتضي الترتيب، مثل: لولا الله ثم فلان، أو لولا الله ففلان، لكن الأولى (ثم فلان) أفضل من الثانية، هذه كل الأربعة جائزة.
الخامس: أن يضيفه إلى الله وإلى سببه بحرف يقتضي التسوية، مثل: لولا الله وفلان، فهذا حرام، بل هو شرك، لكنه شرك أصغر إن كان شركًا لفظيًّا، وأكبر إن اعتقد أن هذا السبب مساوٍ لله سبحانه وتعالى في حصول المسبَّب؛ لأنه إذا جعل شيئًا غير الله مساويًا لله فهو شرك أكبر.
السادس: أن يضيفه إلى سبب غير معلوم لا شرعًا ولا حسًّا، فهذا شرك، لكن قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر، فإذا قال: لولا فلان -يعني صاحب القبر- أنقذني لهلكت، فهذا شرك أكبر؛ لأن فلانًا لا يستطيع أن ينقذ. (...)
وإن أضافه إلى سبب غير معلوم شرعًا ولا حسًّا، لكنه ليس كالأول، مثل التمائم المعلَّقة على المريض من غير القرآن، فهذا شرك، لكنه أصغر وليس بأكبر، فالأقسام الآن ستة.
وهنا لَوْلَا نِعْمَةُربي ستة، لكن السادس ينقسم.
لَوْلَا نِعْمَةُإذا كان المراد بذلك فِعْل الله فهو من باب إضافة الشيء إلى فعل الله، وهو كإضافته إلى الله، وإن كان المقصود بذلك الْمُنْعَم به فهو إضافة إلى شيء مخلوق، لكنه سبب صحيح، وإضافة الشيء إلى سببه الصحيح جائزة.
ومن فوائد الآيات: أن أهل الجنة لا يموتون فيها؛ لقوله: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى، وهذا غاية ما يكون من النعيم، نعيم لا يشوبه تنغيص؛ لأن نعيم الدنيا مهما بلغ يشوبه التنغيص، إذا ذكر الإنسان أن هذا النعيم سوف يزول أو يزول هو عنه لا شك أنه يتكدَّر عليه الصفو، ولهذا قال الشاعر:
| لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً | لَذَّاتُــــــــــهُ بِادِّكَـــــــارِ الْمَـــــوْتِ وَالْهَـــــرَمِ |
ما دام الإنسان يتذكر إما موت وإما هرم فإن العيش لن يطيب له، لكن من نعمة الله أن الإنسان يغفل عن هذا الشيء، ولا يتذكر إلا الحالة التي هو عليها، لكن العاقل يكون حازمًا فيعمل لمستقبله.
فإذا قال قائل: هل لهذه الآية نظير في القرآن؟
طالب: نعم.
الشيخ: أين؟
الطالب: في الشورى، لا يذوقون الموت ..
الشيخ: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان: ٥٦]، والاستثناء في الثانية هذه كالاستثناء في الأولى، أي أنه منقطع، يعني لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.
وقد يقول قائل: إن الاستثناء فيها متصل، وإذا قيل: ما وجهه؟ قلنا: إن قوله: إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىاستثناء من حال هؤلاء الذين قال الله عنهم إنهم لا يذوقون فيها الموت؛ لأن نعيم أهل الجنة متصل آخرُه بأوله، فإن أهل الجنة مُنَعَّمُون حتى في الدنيا؛ لقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]، فلا تظن أن الحياة الطيبة للمؤمنين في الآخرة فقط، بل هي في الآخرة، وفي الدنيا أيضًا، لكن المشهور أن الاستثناء منقطع.
ومن فوائد الآيات الكريمة: انتفاء التعذيب عن أهل الجنة، وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، ومن المعلوم أن هذه صفة سلبية، أليس كذلك؟ ولَّا ثبوتية؟ سلبية، والصفة السلبية في مقام المدح لا بد أن تتضمن ثبوتًا؛ لأن الصفة السلبية في غير مقام المدح ليست مدحًا، فإنه قد يقال: الجدار لا يعذَّب، فهل يكون في هذا مدح للجدار؟ لا، إذن لا بد أن تكون هذه الصفة متضمِّنَة لثبوت كمال، فما هو؟ كمال النعيم، لما ذكروا انتفاء الموت فزال عنهم التنغيص به ذكروا أيضًا انتفاء التعذيب؛ لأن الإنسان قد يبقى في حياته معذَّبًا، فقالوا: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَلكمال حياتهم وكمال نعيمهم، أنهم لا يلحقهم مع هذا البقاء تعذيب.
ثم قال: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا، هذه الآية والتي بعدها تفيد أن الفوز حقيقة هو الوصول إلى دار كرامة الله عز وجل، فيترتب على هذه الفائدة أن الإنسان مهما فاز في الدنيا فإن فوزه ليس بشيء بالنسبة إلى فوز الآخرة؛ لأنه قال: إِنَّ هَذَا لَهُوَوحده الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
وهل لهذا نظير في القرآن؟ كثير، مثل قوله: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥]، فهذا الفوز ليس بحصول المال، ولا بحصول الجاه، ولا بحصول الرئاسة، ولا بحصول الأولاد، ولا بحصول الزوجات، الفوز الحقيقة هو الوصول إلى دار النعيم المقيم، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن وصلها.
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُمن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: أن الذي ينبغي أن يعمل له العامل، ويكدح له الكادح، ويتعب فيه التاعب هو هذا النعيم؛ لقوله: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ، غيرَه لا تعمل، لا تتعب نفسك في أمر لا ينفعك في الآخرة.
وليس معنى هذا أن نقول: لا تعمل للدنيا، اعمل للدنيا، ولكن اجعل عملك في الدنيا من أعمال الآخرة، كيف يمكن هذا؟ يمكن، تطلب المال من أجل أن تَعَفَّفَ به عن الناس، تطلبه من أجل الإنفاق على أهلك، تطلبه من أجل الصدقة به، تطلبه من أجل الاستعانة به في طلب العلم، الاستعانة به في الجهاد في سبيل الله، فيكون طلب الدنيا الآن طلبَ آخرة، ويكون هذا العمل عملًا للوصول إلى الجنة.
ومن فوائد الآية الكريمة: سَفَه أولئك القوم الذين يعملون للدنيا دون الآخرة؛ لأن الله قال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ، فالذين يعملون للدنيا وهم في غفلة عن الآخرة لا شك أنهم سفهاء، وأنهم أمضوا أعمارهم في غير فائدة، بل ما فيه الخسارة، وقد قال الله تعالى: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ [المؤمنون: ٦٣]، سبحان الله! يحكي عن الكفار بأنهم قلوبهم في غمرة، يعني مغمورة، وأتى بـفِيالدالة على الظرفية للدلالة على أن الغمرة -والعياذ بالله- قد أحاطت بهذه القلوب، فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا، لكن أعمال الدنيا: وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ، هُمْ لَهَا عَامِلُونَ، لا يعملون لغيرها، وهي من دون ذلك، وأتى بـمِنْالدالة على البُعْد في الدُّون عما خُلِقَ له الإنسان، هؤلاء قلوبهم في غمرة مما وعد الله به أهلَ الجنة، وتوعَّد بها أهل النار، لكن أعمال الدنيا التي هي دون ذلك بمراحل كثيرة هم لها عاملون، وهذا كقوله تعالى في توبيخ مَن يعذَّب يوم القيامة: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ٢٢]، في الدنيا في غفلة عن اليوم الآخر، ولا كأن هذا اليوم سيأتي، أما اليوم فقد كُشِفَ عنك الغطاء فبصرك حديد قوي، تبصر الأشياء على حقيقتها، في الدنيا لا.
فهنا أمر الله أن نعمل لهذا، لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ، وأما ما دون هذا فلا ينبغي للإنسان العاقل أن يُفْنِي عمره، ويُتْعِب جسده وفِكْرَه في العمل له.





