تفسير سورة الصافات - 9
عدد الزيارات 1639

عناصر المادة :
تفسير الآيات (97-132)

نظر نظرة في النجوم، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام نظر نظرةً في النجوم؛ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك؛ لأن قومه كانوا يعبدون النجوم، ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: إِنِّي سَقِيمٌ، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه الصلاة والسلام؛ من باب التورية، وهذا تورية بالفِعْل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، التورية بالقول كثيرة ومعروفة؛ التورية بالفعل أن يُرِي الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه مُعرِض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك مُعْرِض عنهما؛ يعني تبدأ مثلًا تشتغل من كتاب، تشتغل في أي عمل تريهما أنك غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه.
والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ورَّى بالنظر في النجوم، ثم قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩]، وفسر المؤلف سقيم بمعنى (سأسقم)، وهذه تورية أيضًا، تورية قولية؛ لأن ظاهر اللفظ إِنِّي سَقِيمٌيعني الآن، ولا أستطيع الخروج معكم، ولكنه يريد سقيم سأسقم؛ لأن اسم الفاعل صالح للزمان الحاضر والزمان المستقبل، فيصح أن تقول: إني حاضر الآن، وإني حاضر غدًا، أليس كذلك؟ فلما كان صالِحًا للأمرين، ونظر نظرة في النجوم وقال: إني سقيم، تولوا عنه وتركوه وهو يريد -عليه الصلاة والسلام- بفعله هذا أمرًا سيتبين فيما بعد.
(فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ [الصافات: ٩٠، ٩١] أي: مال في خفية إلى آلهتهم وهي الأصنام وعندها الطعام) راغ إلى آلهتهم وهي الأصنام التي يعبدونها، قال: (وعندها الطعام) وأخذه المؤلف من قوله: فَقال: أَلَا تَأْكُلُونَلأن عرض الأكل عليهم يدل على أن الأكل كان موجودًا.
(راغ إلى آلهتهم) أي: مال بخفية وانطلق بخفية، والروغان -كما هو معروف- هو السرعة؛ سرعة الإنسان، لكن على وجه لا أحد يحس به، هو راغ إلى هذه الآلهة؛ أي معبوداتهم فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ، و(ألا) هنا للعَرْض، وهذا القول هل هو على سبيل الإلزام؟ الجواب: لا، ليس على سبيل الإلزام، ولا يمكن أن يلزمها بأن تأكل؛ لأنه يعلم أنها لن تأكل، ولكنه قالها على سبيل الاستهزاء والسخرية وإلزام هؤلاء العابدين بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، لا لأنها مستغنية عن الطعام ولكن لأنها لا تعقل ولا تعلم، والذي لا يعقل ولا يعلم لا يمكن أن يكون معبودًا، ثم إن صح وضع الطعام عندها من قبلهم، فإن هذا دليل على أنها ليست صالحة للألوهية؛ لأن الإله مُسْتغنٍ عن غيره؛ ولهذا أقام الله الدليل على أن عيسى بن مريم وأمه ليسا بإلهين؛ بكونهما يأكلان الطعام، وأنه سبحانه وتعالى وحده الإله الحق بكونه يُطعِم ولا يُطعَم، فاحتياج ما يُعبد إلى الطعام دليل على نقصه، وأنه لا يصح أن يكون إلهًا لكن هم من سخافتهم يجعلون هذا الطعام عندها كأنها تحتاجه وتأكله وتتصرف فيه.
يقول: فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ [الصافات: ٩١، ٩٢] مَا لَكُمْالاستفهام هنا للتحقير؛ يعني أنه يحقرها بكونها لا تنطق، وخاطب هذه الأصنام مخاطبَة العقلاء في قوله: مَا لَكُمْولم يقل: ما لَكُنَّ تنزلًا مع أصحابها الذين يجعلونها من ذوات العلم، وذوات القبول والدفع عنهم مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَيعني أي شيء يمنعكم من النطق إن كنتم آلهة؟!
فإذا قال قائل: هذا الخطاب لهذه الأصنام هل كان في غيبة عابديها؟ إن قلت: نعم، فما فائدة هذا الخطاب؟ وإن قلت: لا، فكيف الجواب عن قوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠]؟
والجواب أن نقول: إن عابديها لم ينصرفوا كلهم عنها، بل كان عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام، وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوًا لا فائدة منه، لكن عندها من الحراس ما يستطيع أن يعلم عنها ما علمه إبراهيم بسبب أنه عرض عليهم الأكل، وأن هذه لا تنطق، وإذا كانت لم تنطق وليس لها إرادة ولا شعور لم تكن صالحة للعبادة.
مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ [الصافات: ٩٢، ٩٣] في أول الآيات يقول: فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْأي: مال بخفية. و(إلى) للغاية، أما هنا قال: فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْب، وإنما قال: (عليهم) دون (إليهم) لوقوع ذلك الضرب على هذه الأصنام؛ ليكسرها عليه الصلاة والسلام.
فَرَاغَ عَلَيْهِمْأي: على هذه الآلهة، وكما أشرت أولًا أنه خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم الجمع.
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِبالقوة فكسرها.
قوله: ضَرْبًاهذه مصدر في موضع الحال؛ أي: فراغ عليهم ضاربًا باليمين، ويجوز أن تكون مصدرًا لفعل محذوف، والتقدير فراغ عليهم يضرب ضربًا.
وقول المؤلف: (باليمين أي: بالقوة) لا يتعين بل يجوز أن يكون باليمين؛ أي: باليد اليمنى، وضرب بها؛ لأن اليد اليمنى هي آلة العمل غالبًا؛ ولأنها -أي اليد اليمنى- أقوى من اليد اليسرى في الغالب؛ ولهذا تجد من النادر أن يكون بعض الناس أعسر، يعمل بيده اليسرى عمله بيده اليمنى.
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ(بالقوة فكسرها فبلغ قومه ممن رآه فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: يسرعون المشي، فقالوا له: نعبدها وأنت تكسرها!) لما بلغ قومه ما صنع أقبلوا إليه يزفون؛ أي: يسرعون على وجه الجماعات بدليل قوله: أقبلوا بالواو، فهم أقبلوا إليه مسرعين للإنكار عليه، لماذا كسرها؟ وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِين [الأنبياء: ٥٩]، فجعلوا ذلك ظلمًا وعدوانًا، فجاؤوا يزفون لينتصروا لآلهتهم، وهكذا العابدون للأصنام ينتصرون للأصنام، والأصنام لا يستطيعون نصرهم، لكن هم جند محضرون لها.
إذن أقبل هؤلاء يزفون إلى إبراهيم لينتصروا لآلهتهم، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- كان قويًّا في ذات الله، قال لهم موبخًا: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ [الصافات: ٩٥] (من الحجارة وغيرها أصنامًا؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار)، والحقيقة أنه للتوبيخ والإنكار والاستهزاء بهم، كيف تعبدون شيئًا أنتم تنحتونه بأيديكم؟! وهل يليق عقلًا أن يكون المعبود مصنوعًا لعابده؟!
الجواب: لا يليق، لا يفعل هذا إلا أسفه السفهاء، شيء تصنعه أنت بيدك، ثم تعبده، وتتضرع إليه، وتنيب إليه، وتتعلق به، وترجو منه النفع والضرر! هذا من السفه، ولكن -والعياذ بالله- الإنسان إذا أعمى الله بصيرته، لا يغنيه بصر العين، وكانوا في الجاهلية يفعلون شِبْه هذا الفعل، كانوا إذا نزلوا أرضًا في سفر جمعوا أربعة أحجار، ثلاثة منها للقِدْر وواحدًا للعبادة، فصار هذا الحجر المعبود مساويًا لمناصب القدور، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا يعجنون إلهًا من العجوة؛ يعني من التمر، تمثالًا من التمر يعبدونه من دون الله، فإذا جاعوا أكلوه، ما يقولون: أطعمنا أو هيِّئ لنا طعامًا، هو نفسه يُؤكل هذا من السفه، كذلك أصحاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ قوم إبراهيم، صنعوا آلهة هم بأيديهم، ثم صاروا يعبدونها.
وقول المؤلف: (أصنامًا) أشار به إلى أن تنحتون تنصب مفعولين، أحدهما: العائد للموصول الذي تقديره: ما تنحتونه، والثاني: هذا المحذوف الذي قدَّره المؤلف، أتعبدون ما تنحتونه أصنامًا؟
قال: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] من نحتكم، ومنحوتكم فاعبدوه وحده، و(ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة).
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْوإذا كان الله هو الخالق فهو أحق بالعبادة، هل الأحق بالعبادة مَنْ خلقكم أو من خلقتموه؟ مَنْ خلقكم، ولهذا قال: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَقال: (من نحتكم ومنحوتكم)، أتى رحمه الله بالمصدر، وأتى باسم المفعول: (من نحتكم) إشارة إلى أن (ما) يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، فإذا جعلناها مصدرية صار التقدير: مِن نحتكم، وإذا جعلناها موصولة صارت (من منحوتكم).
واستمع: والله خلقكم وعملكم، إذا قلنا هكذا؛ صارت (ما) مصدرية، وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم ومعمولكم؛ صارت (ما) موصولة، وإذا جعلنا (ما) موصولة فلا بد من عائد يعود على (ما) وهو في الآية محذوف؛ يعني وما تعملونه، واللازم واحد على الاحتمالين، فإذا قلنا: إن المعنى (والله خلقكم وعملكم)؛ فإن خالق العمل خالق للمعمول، وإذا جعلنا المعنى (والله خلقكم ومعمولكم)؛ فإنه إذا كان الله تعالى قد خلق المعمول وهم الذين باشروا عمله؛ دل ذلك على خلق العمل وخلق العامل أيضًا، وعلى كل تقدير، ففي الآية إقامة الحجة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون معبودة؛ لأنها معمولة.
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَقالوا: ((ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة) ويش معنى موصوفة؟ الموصوفة هي التي يُعبَّر عنها بالنكرة الموصوفة؛ يعني خلقكم وصنمًا تعملونه، أو وأصنامًا تعملونها، ولا نقول: والذي تعملون، بل نقول: وأصنامًا تعملونها، وأفادنا المؤلف الآن أن لـ(ما) ثلاثة معانٍ، أن تكون مصدرية، وموصولة، وموصوفة، وهذه ثلاثة من عشرة؛ لأن (ما) لها عشرة معانٍ، من يحفظ البيت المنشود في هذا؟
طالب:

مَحَامِلُ (مَا) عَشْرٌ إِذَا رُمْتَ عَدَّهَا فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَـــــــــــلِيمٍ مِنَ الشِّــــعْرِ
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْـــلِ فَــــــــــاعْجَبْ لِنُكْرِهَا بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ

الشيخ: (وما مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة).
(سَتَفْهَمُ) الاستفهامية مثل: ما هذا؟
(شَرْط) الشرطية وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: ١٩٧].
(الْوَصْلِ) موصولة.
(فَاعْجَبْ) التعجبية مثل: ما أحسن هذا!
(لِنُكْرِهَا) النكرة الموصوفة، أو النكرة الواصفة تقول: مررتُ بما معجب لك؛ أي: بشيء معجب لك، وتقول: عرفته نوعًا ما؛ يعني نوعًا قليلًا، فهي نكرة واصفة.
(بِكَفٍّ) كافة مثل: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء: ١٧١] فهنا كفت (ما) عن العمل.
و(نَفْيٍ) نافية، ما حضر زيد.
(زِيدَ) زائدة، إذ ما، وإذا ما إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى: ٣٧].
وَيَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ

(تعظيم مَصْدَرِ) يعني أنها تأتي للتعظيم، وهذه غير التعجب، مثل أن تقول: مررتُ بما مذهل؛ أي بعظيمٍ مُذهل، وربما نقول أيضًا: إن (ما) التعجبية فيها نوع من التعظيم فإنها تدل على التعظيم والتعجب.
(مصدر) المصدرية، ومنه هذه الآية: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦]، فهذه محامل (ما) عشر، وينبغي لطالب النحو أن مثل هذه الأبيات يحفظها؛ لأنها تحصر له المعاني مثلما قال الناظم في الجملة التي تحتاج إلى الفاء إذا وقعت جوابًا للشرط:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

طالب: ما أعظم الله! تعجبية ولَّا تعظيم؟
الشيخ: غالبًا تكون التعجبية يكون فيها نوع من التعظيم.
طالب: قوله: (...) إِنِّي سَقِيمٌإني سقيم من آلهتكم؛ أي مريض من عبادتكم إياها، أي المعنى البعيد؟
الشيخ: يمكن يكون هذا، لكن ما هو بالظاهر؛ لأنه هل هو سُقِم من عبادتهم، مرض؟
الطالب: هذا المعنى البعيد ما هو المعنى القريب؟
الشيخ: لا، المعنى القريب أنه سقيم الآن، هذا القريب، ويقربه أنه نظر في النجوم، وأنه أراد أن يتعذر عن الذهاب معهم.
الطالب: إذا كان كذلك تصبح معنى فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] تصير عندما قال: إِنِّي سَقِيمٌتولوا عنه مدبرين؟
الشيخ: قالوا: هذا ما يتحمل أن يذهب معنا، فجعلوا سقمه عذرًا له.
الطالب: إذا كان كذلك أيش الدليل على أنه (...) عندما كان وحده، وخاطب الأصنام أنهم ذهبوا عنه كلهم؟
الشيخ: ما هو كلهم ذهبوا عنه، فيه ناس الحراس ما يمكن يدعون هذه الأصنام بدون جنود، لا بد أن لديها حراسًا يعظمونها ويحرسونها.
طالب: (...) المرض النفسي ما يقال: إني سقيم؟
الشيخ: النفسي؟ بلى.
طالب: (...) مريض نفسي من عبادتهم..
الشيخ: هذا الذي قاله، يعني إِنِّي سَقِيمٌمعناه أنه مريض من العبادة.
الطالب: (...) على وجه (...).
الشيخ: والله ما أدري.
طالب: يا شيخ، في آية أخرى الله يقول: قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا [الأنبياء: ٥٩] يعني كأنهم لا يدرون لو كان كما قلنا: عندها حراس ما كان (...)، فيدل هذا أنهم ما عرفوا قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء: ٦٠] يعني ما رأيناه لما كسرها، إنما سمعناه يذكرها بسوء.
الشيخ: ألم تعلم أنهم لو أخذوه وقالوا: أنت الذي فعلتَ من أول مرة، وأتوا بشهود من أصحابها، حراسها ما قبل الناس ذلك، لكن إذا بحثوا عنه كأنما يسألون صار هذا أبعد عن التهمة كما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام حينما جعل الصواع في رحل أخيه، أول ما فتش بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، هو عارف أنه في وعاء أخيه، لكن لو ذهب يستخرجها من وعاء أخيه مِنْ أول مرة لشكُّوا في ذلك، فهم يقولون هذا لئلا يُقال: إنهم متهمون فيأتون إبراهيم بأول وهلة، ويكون الحراس مثلًا علموا.
أما الفوائد فتبتدئ من قوله: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ.
قال الله عز وجل: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ [الصافات: ٨٣].
من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أصل دين الأنبياء واحد، فكلهم شيعة للآخر، مُقَوٍّ لدعوته، ودليل ذلك قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍأي رسول كان إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء وإن طال الزمن بينهم فإنهم إنما يأتون بالوحي من الله؛ لأنه إذا طال الزمن تناسى الناس العهد، واضمحل وانمحى، ولكن إذا كان بوحي من الله فإنه يتجدد بحسب تجدد هذا الوحي؛ لأن بين إبراهيم وبين نوح أزمان طويلة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم، ووجهه أنه كان شِيعَة لمن يدعو إلى توحيد الله عز وجل، وكل من كان شيعة لمن يدعو إلى الله فإنه -بلا شك- محل ثناء.
ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: الثناء على إبراهيم أيضًا بكونه جاء الله سبحانه وتعالى بقلب سليم، وهذه الصفة وإن كانت سلبية لكنها تتضمن كمالًا؛ لأن القلب إذا سَلِم من الشبهات والشهوات صار خالصًا لله تعالى قصدًا وإرادة وعملًا، ففيها الثناء على إبراهيم بسلامة القَلْب.
من فوائدها: عناية الله سبحانه وتعالى بإبراهيم، وذلك بإضافة الربوبية إليه؛ إذ جاء ربه، وهذه الربوبية خاصة أو عامة؟ خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي عناية أكثر من الربوبية العامة؛ لأن المربوبين بالربوبية العامة شملتهم الرحمة العامة لكن الربوبية الخاصة يكون لهم الرحمة الخاصة.
ومن فوائد قوله: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنه لم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأن رجلًا يخاطب أباه وقومه بهذه العبارة قوي في ذات الله عز وجل؛ إذ إن العادة أن الإنسان يحابِي أباه وقومه لكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يحابهم بل أنكر عليهم وقال: مَاذَا تَعْبُدُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القُرْب النَّسَبِي من أهل الخير لا يفيد الإنسان شيئًا؛ فإبراهيم بالنسبة لأبيه أقرب شيء؛ لأنه بَضعة منه، ومع ذلك لم ينتفع به أبوه بل كان مشركًا، بل كان يحاج ولده على ذلك، ويؤيد هذا قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا [لقمان: ١٤، ١٥]، فهذا يدل على تباين ما بين الابن والأبوين حتى إنهما ليجاهدانه على الإشراك بالله، ومع ذلك قال الله تعالى: لا تُطعهما.
ومن فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة القوم إلى الرسول وإن كذبوه؛ لقوله: إِذْ قال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ، والانتساب بالنسب لا يعني التبرؤ من الدين، فيصح أن ينتسب الإنسان إلى أبيه الكافر ولا يقال: إن هذا من باب الموالاة بل هذا من باب الحقيقة، والنسب لا يزول باختلاف الدين أبدًا، وانظر إلى قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ [الأنعام: ٦٦]، فأضافهم إليه مع نسبة التكذيب إليهم، وهذا يدل على الإنسان قد يكون من قومٍ كافرين ويُنسب إليهم، وأن ذلك لا يخدش في دينه.
ومن فوائد الآية الكريمة: سفه هؤلاء القوم، حيث كانوا يعبدون مع الله غيره؛ ولهذا أنكر عليهم من كان من أعقل الخلق إبراهيم، فقال: مَاذَا تَعْبُدُونَ، وقد أرشد الله إلى هذا في قوله: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠]، وملة إبراهيم هي الحنيفية المبنية على الإخلاص، فكل من خالف ذلك فقد سَفِهَ نفسه؛ أي أوقعها في السفه الذي هو ضد الرشد والعقل.
ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ: أن كل من زعم أن مع الله إلَهًا يعبده فهو آفك كاذب؛ لقوله: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ.
ومن فوائدها: أن دعوى كون هذه آلهة لا يعطيها سمة الألوهية؛ لأن الكذب لا يقلب الحقائق عن أصلها، فلو قلت مثلًا: قدم زيد وهو لم يقدم؛ لم يكن قادمًا، فهذه الآلهة وإن جعلوها آلهة لن تكون آلهة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ٢٣].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عابدي الآلهة من دون الله يقصدونها قصدًا حقيقيًّا بقلوبهم كما يتجهون إليها بجوارحهم؛ ولهذا قال: دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَفليسوا يعبدونها مجرد عادة، ولكنهم يعبدونها قصدًا وعبادة حتى إنهم نسوا الله عز وجل.
ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ٨٧]: الإنكار الشديد من إبراهيم عليه الصلاة والسلام على قومه حيث سألهم موبخًا لهم ما الذي تظنونه برب العالمين إذا عبدتم غيره؟ هل تظنونه ناقصًا لا يستحق أن يُعْبَد وحده؟ هل تظنونه غافلًا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة؟ هل تظنونه يرضى بأن يُعبد معه غيره؟ كل هذا لم يكن، فظنُّكم ظن خاطئ.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخصم بما لا ينكره؛ لقوله: بِرَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لأن العالم تشمل حتى آلهتهم التي يعبدونها، فإذا كانت آلهتهم مربوبة، فكيف يمكن أن تكون معبودة؟ هذا تناقض! وقد مر علينا في أثناء الدرس أن من أقر بانفراد الله بالربوبية؛ لزمه أن يقر بانفراده بالألوهية، وإلا صار متناقضًا؛ إذ لا يستحق العبادة إلا الرب الخالق المالك المدبِّر، ومن لم يكن كذلك فإنه لا يستحق أن يُعبد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخَلْق عَلَم على خالقهم وآية ودليل، وهو -أي الخلْق- باعتبار كونه آية على وجود الله وقدرته وكمال سلطانه وتدبيره؛ أمر معلوم، لكن قد يكون آية على معنى خاص، فمثلًا نزول المطر آية على الرحمة، والنكبات، والخوف، والنقص في الأموال، والأنفس آية على عقوبته وغيرته وانتقامه ممن عصاه، فالمهم أن هناك معنًى عامًّا تشترك فيه جميع الآيات وهو كونها دالة على وجود الخالق عز وجل وكمال ربوبيته وسلطانه، وأنه لا يعارضه شيء من هذه المخلوقات، وهناك معنى خاص للآية وما تدل عليه بعينها كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الانتقام ممن عصاه.
ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ [الصافات: ٨٨]: جواز التورية؛ وهي أن يُظْهِر للمخاطَب ما لا يريده، ويفهم منه المخاطب معنى غير المراد، والتورية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون جائزة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مُحرَّمة، فتجري فيها الأحكام الخمسة، فإذا توقَّف على التورية إنقاذ معصوم من هلكة مثلًا صارت واجبة، مثل: أن يأتي شخص ظالم يسأل عن إنسان يريد أن يقتله، وأنت تعرف مكان هذا الإنسان، فهنا يجب عليك أن توري؛ لأن في ذلك إنقاذًا للمعصوم من الهلَكَة، وقد تكون مستحبة كما لو سألك سائل عن عمل صالح عمِلته تخشى أن تقع في الرياء إن أخبرته به، فماذا يكون؟
يكون هنا التورية مستحبة، وقد تكون مباحة كما لو وَرَّيْت على شخص يريد أن يظلمك، أو يريد منك شيئًا لا تحب أن تعطيه، مثل أن يقول: يا أخي، أقْرِضْني مئة ألف ريال، وأنت تعرف أن هذا الرجل فقير معدم أو مماطل، لا يفي بالواجب، فهنا تكون التورية مُباحة، وقد تكون مكروهة كما إذا كانت لغير سبب.
والصحيح أنها مكروهة لما يخشى فيه من نسبة الإنسان إلى الكذب؛ لأن الإنسان إذا ورَّى، ثم ظهر الأمر على خلاف ما فهمه السامع نَسَبَه إلى الكذب، هذه مكروهة، لا يبيحها إلا السبب، وقد تكون محرمة كما لو تخاصم رجلان إلى القاضي، فادعى أحدهما على الآخر بدعوى، فالمدعي عليه البينة، والمنكِر عليه اليمين، هذا المدَّعَى عليه حلف عند القاضي، قال: والله ما له عندي شيء، فالقاضي في مِثل هذا التعبير يفهم براءة هذا المدَّعَى عليه، والمدعَى عليه أراد بـ(ما) أن تكون اسمًا موصولًا؛ يعني والله الذي له عندي شيء، هذه التورية نقول: إنها حرام؛ لأنها تتضمن جحد الحق الواجب عليه أداؤه، فالمهم أن التورية تجري فيها الأحكام الخمسة.
فإذا قال قائل: ما هو الأصل فيها الإباحة أو الكراهة؟
فالأقرب أن الأصل فيها الكراهة، ولكن قد تكون مباحة، مستحبة، واجبة، حرامًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إسناد الوصف إلى الإنسان باعتبار المستقبل، يؤخذ من قوله: إِنِّي سَقِيمٌفإنه الآن ليس بسقيم، لكن كل إنسان عُرضة لأن يسقم على أنه يمكن أن يريد بقوله: إِنِّي سَقِيمٌأي: ضعيف باعتبار قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨] فيكون الوصف هنا حاليًّا ولَّا مُستقبليًّا؟ حاليًّا.
من فوائد الآية الكريمة في قوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠]: أن هؤلاء القوم لما قال لهم هذا القول، وبعد أن نظر نظرة في النجوم اقتنع، فيتفرع على ذلك أن الإنسان المبطل قد يقتنع بالشيء ولو كان باطلًا في حقيقته، وهو كذلك فالإنسان المبطل إذا وُرِّيَ له بباطله ظن أنه حق، فأخذ به واعتبره.
ومن فوائد قوله: فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقال أَلَا تَأْكُلُونَإلى آخره [الصافات: ٩١، ٩٢]: بيان قوة إبراهيم كما سلف؛ حيث ذهب بسرعة وخفاء إلى هذه الآلهة ليكسرها، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- لم يكسرها إلا بعد أن أقام البينة على من كان عندها بأن هذه الآلهة لا تصلح أن تكون آلهة؛ لأنها لا تعقل، لا تنطق، ولا تعرف ما ينفعها، ولا تجلب لنفسها نفعًا فلغيرها من باب أولى؛ ولهذا قال: فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز التورية كما سبق؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن هذه الأصنام لا تأكل ولا تنطق، لكن أراد بهذا السؤال، أراد بذلك إقامة الحجة على من كانوا عندها يحرسونها، وينتصرون لها بأن هذه الأصنام غير صالحة للعبادة؛ لأنها لا تعرف ما ينفعها ولا يضرها، ولا تجلب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عن نفسها ضررًا.
ومن فوائد قوله: فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِأيضًا: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل عملًا أن يكون فيه جادًّا وحازمًا، فيفعله بقوة، لا بتوانٍ وكسل، خلافًا لما يقوم به بعض الناس من الأعمال، حيث تجده يواجه عمله بضعْف وتوانٍ وكسل، والإنسان في الحقيقة مع نفسِه على ما اعتاد، إذا اعتاد الحزم والقوة، وألا يدع عملًا لوقت مستقبل صار حازمًا في أعماله مُدركًا لأعماله، أما إذا كان كسولًا متهاونًا يقول: أَدَع هذا الشيء إلى بكرة فإن الأعمال سوف تتراكم عليه، وسوف يجد في النهاية أنه عاجز عنها، أليس كذلك؟ لأنه إذا أَخَّر عمل يوم إلى غد اجتمع عليه غدًا عملان؛ عمل الماضي وعمل الحاضر، فإن أخره مرة أخرى اجتمع عليه ثلاثة أعمال، وهكذا حتى يعجز ويكل، ولهذا مُنِع الإنسان الذي عليه قضاء رمضان، مُنِع أن يؤخره إلى ما بعد رمضان الثاني، لماذا؟ لأنه إذا أخَّره للثاني؛ تراكمت عليه الديون، ثم عجز بالتالي عن قضاء هذه الديون، المهم أن قوله: فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِيستفاد منه: أنه ينبغي للإنسان أن يقابل أعماله بقوة وحزم حتى يقضيها بكل سهولة.
ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤]: بيان شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم؛ لأن قوله: فَأَقْبَلُوايدل على الترتيب والتعقيب والسببية أيضًا؛ أي بسبب ما عمل بهذه الآلة أقبلوا إليه يزفون، والفاء -كما تعرفون- تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها دليل على شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم مع بطلان هذه الآلهة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع له أثر حتى في الباطل؛ لقوله: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِيعني جميعًا، والناس إذا اجتمعوا صار بعضهم لبعض ظهيرًا، ومعلوم أن الإنسان ينتصر ويقوى بغيره.
يتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان إذا أراد عملًا هامًّا، وخشي أن يعجز عنه بنفسه فالأفضل أن يستعين بغيره، ولا يقول: إن هذا استعانة بغير الله؛ لأن الله قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال: ٦٢، ٦٣]، ولا يعد هذا نقصًا في التوكل على الله عز وجل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين، ومع ذلك فإن الله قال: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وقال: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران: ١٥٩].
وهذه نقطة يغفل عنها بعض الناس، تجده يهم بالأمر العظيم، ولكن لا يتخذ له مُناصرًا، وفيه نظر؛ يعني في هذا التصرف نظر، ولكن يجب أن تُرَاعَى الحكمة في هؤلاء المناصِرين، هل الحكمة أن يذهبوا جميعًا أو أن يتفقوا على الرأي وإن تفرقوا في الذهاب؟ أي أقول: إنه يجب أن تُستعمل الحكمة هنا؛ لأنه قد يكون من الحكمة أن يذهبوا جميعًا، وقد يكون من الحكمة أن يذهبوا متفرقين لكن يتفقون على رأي واحد، وهذه ترجع في الواقع إلى العمل الذي يريدون الاتفاق عليه، وإلى المواجَه الذي يريدون أن يواجهوه، فإن بعض الناس قد يتأثر بالجماعة الكثيرة، ويخضع لهم، وبعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، ويظن أن هذا من باب التظاهر عليه، فلا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا.
المهم أن الاجتماع على الشيء سبب للعزة والانتصار، ولكن كيف يُعالَج الشيء الذي اجتمعنا عليه؟ هل يعالج على سبيل الانفراد أو على سبيل الاجتماع؟ هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، والإنسان ينبغي أن يستعمل الحكمة في ذلك. (...)

***

طالب: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات: ٩٧].
قال الله تعالى: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَإلى آخره [الصافات: ٩٤، ٩٥].
من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أهل الباطل يُسرعون إلى نَيْل غرضهم؛ لقوله: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤]، وإذا كان أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم فينبغي أن يكون أهل الحق أسرع منهم؛ لأن أهل الحق منصورون، وأهل الباطل مخذولون.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع على الشيء من أسباب نَيْل المراد؛ يعني كلما اجتمع الناس على أمر كان ذلك أقرَب إلى نيل مرادهم؛ لقوله: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِيعني ولم يأتوا واحدًا واحدًا، وهذا أقوى للشوكة فيتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أمرًا أن يجتمع عليه مع إخوانه، ولكن هل من الحكمة أن يأتوا جميعًا مُجتمعين، أو أن يأتوا أفرادًا لكن يتفقون على أمر؟ ذكرنا أن هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، فيُتبع في ذلك ما هو أصلح، فقد يكون الاجتماع جميعًا أصلح وقد يكون بالعكس.
ومن فوائد هذه الآية أيضًا: أن هؤلاء القوم منتصرون لأصنامهم ومعبوداتهم مع أنها باطلة، فينبغي أن يكون أهل الحق الذين ينتصرون لله عز وجل أشد منهم انتصارًا في دين الله سبحانه وتعالى، وإذا ما نظرت إلى واقع المسلمين اليوم وجدت أنهم متفرقون، فكل عالِم لا يأوي إلى عالم، ولا يشاوره، ولا يأخذ برأيه، بل إنه -مع الأسف- ربما يضاده في رأيه مع علمه بأنه على حق، لكن يكون فيه شبه من اليهود، الذين حسدوا العرب على ما أعطاهم الله عز وجل من النبوة العظيمة التي جعلها فيهم، فإن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا، وينتصرون عليهم؛ يعني يُؤَمِّلون النصر عليهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فلما جاء محمد كفروا بمحمد؛ لأنهم يظنون أنه يأتي من بني إسرائيل، وأتى من العرب وهم يظنون هذا تمنيًا وإلا فهم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم.
ومن فوائد قوله: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ [الصافات: ٩٥]: الإنكار على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل الاحتجاج على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، كيف ذلك؟ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَيعني كيف تنحتونه أنتم وتصنعونه أنتم، ثم بعد ذلك تعبدونه؟ أليس الأولى من الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم؛ لأنكم أنتم الذين نحتموه وأوجدتموه؟ ولكن عقولهم منتكسة، فصار الأمر بالعكس يعبدون ما ينحتون.
ومن فوائد الآية في قوله: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦]: إقامة الدليل على أن الله وحده هو الذي يستحق أن يُعبد؛ لقوله: الذي خلقكم، فالخالق هو الذي يجب أن يُعبد، كيف تعبد مَنْ لم يخلقك وتدع من خلقك، أو تعبد من لم يخلقك مشركًا له مع من خلقك؟! ولهذا أقام الله البرهان على أنه لا يصح أن يعبد سواه في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١] فقال: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْولم يقل: اعبدوا الله إقامة للدليل عليهم بالربوبية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال العباد مخلوقة لله؛ لقوله: خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَسواء جعلنا (ما) مصدرية أو موصولة، إن جعلناها مصدرية فالأمر واضح، خلقكم وخلق عملكم، وإن جعلناها موصولة فلأن خلق المعمول فرع عن خلق العمل، فإذا كان معمولك الذي باشرت أنت عمله مخلوقًا لله فكيف بعملك الذي كان من عند الله؟!
وفي هذه الآية رد على مَنْ؟ على القدرية الذين أنكروا أن يكون لله سبحانه وتعالى شأن في أعمال بني آدم، وقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة ولا خلق.
وفي الآية أيضًا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله؛ لقوله: تَعْمَلُونَحيث أضاف العمل إليهم، وإضافة العمل إلى الإنسان تقتضي أنه هو العامل وهو الفاعل حقيقة، وهو كذلك، فالإنسان في الواقع هو الذي يعمل، ويفعل، ويريد، ويختار، فإذا كان فيها رد على الطائفتين المنحرفتين فأي طائفة تؤيدها؟ تؤيد طائفة السنة والجماعة الذين قالوا: إن الإنسان له قدرة واختيار، وإيجاد لعمله، ولكن الذي خلقه وخلق هذه القدرة والإرادة هو الله، ففِعله يضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، ويضاف إليه إيجادًا ومباشرة، فهو مضاف للعبد باعتبار، ومضاف إلى الله باعتبار آخر.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: ما سبقت الإشارة إليه وهو إقامة الحجة على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، فإذا كان الله خلقهم وخلق ما يعملون فكيف يعبدون هذا المخلوق لله ويجعلونه شريكًا مع الله في العبادة؟
تفسير الآيات (97-132)
01:01:03

{قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ}
[الصافات: ٩٧] قَالُواأي: قال بعضهم لبعض: ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًاالأمر هنا إن كان من الرؤساء فهو أمر حقيقي، وإن كان من غير الرؤساء أو من الرؤساء بعضهم لبعض فهو أمر مشورة والتزام وليس أمر إلزام؛ وذلك لأن أمر الإلزام إنما يكون من الأعلى إلى من دونه، وقالوا: ابْنُوا لَهُاللام هنا ليست للملك، ولكنها للتعليل؛ أي: ابنوا لأجله بُنيانًا، هذا البنيان بنوه من أجل أن يملؤوه حطبًا، ثم يوقدوه على إبراهيم، فبنوا البنيان، وأضرموا النار في الحطب، كما أشار بعضهم على بعض.
قال: فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِيقول المؤلف: ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا(فاملؤوه حطبًا وأضرموه بالنار، فإذا التهب فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِفي النار الشديدة).
قوله: ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِهذه الآية فيها إيجاز حذف قدَّرَه المفسر، التقدير فاملؤوه حطبًا، وأضرموه بالنار، فألقوه في الجحيم، وفي الإتيان بالفاء عقب قوله: ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا، وحذف ما توسط بينهما إشارة إلى أنهم أرادوا الإسراع العظيم في هذا الأمر كأنهم قالوا: ابنوا بنيانًا وألقوه مباشرة، وطبعًا ليس يُلقى بالبنيان فقط ليتمتع فيه، ولكن بعد إيقاد النار فيه إنما أرادوا بهذا الإسراع والمبادرة كأنهم طووا ذِكْر ما بين البناء والإلقاء لعدم وجوده من سرعة المبادرة، ويدل لذلك أيضًا قوله: فَأَلْقُوهُوالفاء هذه تدل على الترتيب والتعقيب.
قال: فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (أي النار الشديدة) ففعلوا ذلك، وألقوه في النار، ولكن خالق النار قال للنار: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، لم تكن بردًا شديدة البرودة حتى يهلك، ولم تكن حارة بل كانت على عكس ما يريد به، الأعداء أرادوا بالنار أن تكون حارة مهلكة، والله عز وجل أراد أن تكون باردة مُسلِّمة كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فكانت بردًا وسلامًا عليه.
وهنا نقف لنبين أن بعض المفسرين رحمهم الله قالوا: إنه في تلك اللحظة صارت جميع النيران في جميع أقطار الدنيا باردة، ولكن هذا قول ضعيف جدًّا مخالِف للقرآن؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: يَا نَارُ [الأنبياء: ٦٩]، وهذا النداء يكون موجهًا للمقصود بالنداء؛ ولهذا يسميها أهل النحو نكرة مقصودة، فالمراد تلك النار التي خُوطِبت فقط، فصارت النار التي خُوطبت بردًا وسلامًا، وأما الزعم بأن جميع النيران في جميع أقطار الدنيا صارت بردًا، فهذا لا شك أنه مخالف لظاهر القرآن وليس له أي فائدة.
قال الله تعالى: (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا [الصافات: ٩٨] بإلقائه في النار لتهلكه فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَالمقهورين فخرج من النار سالِمًا) أرادوا به كيدًا، الكيد في الأصل التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يدري، وهو والمكر والخِداع بمعنى واحد، أو بمعنى متقارب، لكنها كلها تدور على أن الإنسان يُوقِع بخصمه من حيث لا يشعر،، هذا في الأصل؛ قال الله تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٥، ١٦]، ولكنهم هم أرادوا بذلك إهلاكًا لإبراهيم.
ويحتمل أنهم لما بنوا هذا البناء والنار في وسطه يحتمل أن الإنسان إذا رآه يظن أن ذلك قصر، فيُقدم على أن يستسلم للإلقاء؛ لأنه لو علم أن ما في جوفه نار لكان يهرب أو يدافع، ويكون هذا معنى الكيد؛ أي أنهم لم يشقوا الأرض كما فعل أصحاب الأخدود ويضعوا فيها الحطب ويوقدوه، ولكن بنوا بنيانًا من رآه من خارج ظن أنه منزل سكن، ولكنه في الواقع حسب صنعهم نار تتأجج. أقول: يمكن أن يقال: إن هذا هو المراد بقوله: كَيْدًا؛ لأن الكيد كما أسلفنا هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، ولكن الله تعالى جعلهم الأسفلين، وذلك بعدم نيل مرادهم وخروج إبراهيم سالِمًا، فكان العلو له عليهم من وجهين:
الوجه الأول: أنه سلم مما أرادوا من إهلاكه.
الوجه الثاني: أن الله عز وجل أكرمه بأمر لم يكن معهودًا عند البشر، ما هو؟ سلامته من النار التي ظنوا أنها ستحرقه فصاروا أسفلين من هذين الوجهين؛ الوجه الأول، ما هو؟
طالب: الأول: سلامته من كيدهم.
الشيخ: سلامته من النار التي أرادوا أن تهلكه، والثاني؟
طالب: الثاني: أن الله عز وجل أكرمه بأمر لم تعتده البشرية.
الشيخ: صح، أن الله أكرمه بأمر لم يكن معهودًا، وهذا بلا شك يُوجِب أن يكون عاليًا عليهم بل عاليًا علوًّا بالغًا؛ لأنه قال: الْأَسْفَلِينَ، والأسفلين هذه اسم تفضيل؛ أي البالغ في الأسفل أو في السفل غايته فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ. وهنا نسأل عن إعراب: فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ.
طالب: مفعول ثانٍ لـ(جعلنا).
الشيخ: أيها؟
الطالب: الْأَسْفَلِينَ.
الشيخ: والهاء؟
الطالب: مفعول أول.
الشيخ: مفعول أول، وهذه (جعلنا) من أفعال القلوب ولَّا من أفعال التصيير؟
طالب: من أفعال القلوب.
الشيخ: هل تعد (جعل) من أفعال القلوب؟
طالب: بمعنى (...).
الشيخ: مثاله؟ جعل من أفعال القلوب؟
الطالب: إذا كان بمعنى (أعطى).
الشيخ: إي نعم، لكن نريد مثالًا لها؟
طالب: اجعل الدراهم في جيبك، ضعها.
الشيخ: لا، صيرها، وضعها ما هي من أفعال القلوب؛ من أفعال الجوارح وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا [الزخرف: ١٩] جعلوا بمعنى (صيروا)؟ لا، لكن اعتقدوهم (...) إي وليست من أفعال القلوب، وكلاهما يعني (جعل) التي من أفعال القلوب أو التي من أفعال التصيير كلاهما ينصب مفعولين.
قال: فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات: ٩٨، ٩٩]، وقال: مَنْ؟ إبراهيم. قال: مُعْلِنًا هجرته من بلدهم إلى بلد الشام، وإنما قال ذلك؛ لأنهم بلغوا إلى حد يكون به اليأس من هدايتهم، فإن قومًا أضرموا النار ليحرقوا بها داعيهم إلى الله لا يُرجَى فيهم خير؛ ولهذا قال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ، فإن قلت: هل أمر بذلك أو أُذِن له بذلك؟
فالجواب: نعم، أُذِن له بذلك، والدليل: أن الله سبحانه وتعالى أقرَّه فلم يُنكر عليه، لكن يونس عليه الصلاة والسلام لما ذهب من غير أن يؤذن له بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى أن ذهابه عن غير إذن، فقال: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ [الأنبياء: ٨٧]، ولما ذكر هجرة إبراهيم لم يذكر ما فيه انتقاد عليه؛ ولهذا قال: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي [الصافات: ٩٩] قال المؤلف: (مهاجر إليه من دار الكفر سَيَهْدِينِإلى حيث أمرني ربي بالمسير إليه وهو الشام فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال: رَبِّ هَبْ لِي [الصافات: ١٠٠]).
وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّيولم يقل: إلى الله؛ لأن المقام يختص بالربوبية أكثر؛ إذ إن الربوبية مقتضاها التدبير، وهو الآن محتاج إلى مُدَبِّر يُدَبِّره إلى ما فيه مصلحته، فقال: ذاهب إلى ربي، والإضافة هنا إضافة تعطُّف وتحنُّن، وهي من الربوبية الخاصة؛ يعني إلى الرب الذي أرجو منه أن يهديني ويدلني لما فيه الخير.
وقوله: سَيَهْدِينِ [الصافات: ٩٩] (السين) هذه للتنفيس، وتفيد أمرين: تحقق الوقوع وقربه. سَيَهْدِينِوالمراد بالهداية هنا هداية الدلالة؛ أي: سيهديني إلى ما فيه الخير والصلاح لهذه الدعوة، وربما يقال: إنها تشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق.
إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِين [الصافات: ٩٩، ١٠٠] (هب لي ولدًا من الصالحين) أشار المؤلف بقوله: (ولدًا) إلى أن المفعول الثاني لـ(هب) محذوف، تقديره ولدًا.
وقوله: مِنَ الصَّالِحِينَالصالح هو الذي صلح ظاهره وباطنه، ولزم من صلاحه أن يكون قائمًا بحقوق الله وحقوق عباده، وهو ضد الفاسد، وفساد كل شيء بحسبه، وصلاح كل شيء بحسبه، فصلاح الطعام أن يكون قابلًا للأكل مُهيئًا له، وفساده أن يكون غير صالح للأكل، ولا قابلًا للأكل، وصلاح الإنسان أن يكون مُهيئًا مُستعدًّا لما أمر به، قائمًا بأمر الله في حقوقه وحقوق عباده.
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠٠، ١٠١] (أي ذي حلم كثير) الفاء في قوله: فَبَشَّرْنَاهُتدل على الترتيب والتعقيب، وربما تدل أيضًا على السببية؛ أي: فبسبب دعائه لله أجاب الله دعوته وبَشَّره بغلام حليم؛ أي: ذي حلم كثير، وأفادنا المؤلف بقوله: (ذي حلم كثير) إلى أن حَلِيمٍهنا صيغة مبالغة، ولكن يحتمل أن تكون صفة مشبهة؛ أي: بغلام صفته الدائمة المستمرة الحِلْم.
طالب: النار قال: كانت بردًا يعني نار إبراهيم باردة على كل شيء ولَّا على إبراهيم خاصة (...)؟
الشيخ: الله أعلم، أما ظاهر الآية: عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] على إبراهيم فقط.
طالب: (...).
الشيخ: اللي غيره على طبيعته، هذا ظاهر الآية.
الطالب: (...).
الشيخ: إلا الآية.
الطالب: (...).
الشيخ: أما مسألة الطيور أنها تموت وتقع، هذا الله اعلم لكن ظاهر الآية أنها برد وسلام على هذا الرجل فقط.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٩٨ - ١١١].
الشيخ: قال الله تعالى: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍأخذنا دلالة الفاء فقط أنها تدل على أن الله استجاب له فور دعائه.
وقوله: بَشَّرْنَاهُالبشارة هي الإخبار بما يسر، هذا هو الأصل إذا أُخْبِر الإنسان بما يَسُر قيل: بُشِّر، وإذا أُخبر بما يخوف قيل له: أُنْذِر؛ ولهذا يذكر الله عز وجل دائمًا التقابل بين البشارة والإنذار إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [البقرة: ١١٩] رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [النساء: ١٦٥]، فالبشارة في الأصل هي الإخبار بما يسر، وقد تطلق على الإخبار بما يسوء إما من باب التهكم بالمخبَر، وإما من باب الجامِع بين البشارة والإنذار؛ لأن كل واحد منهما يؤثر في بشرة الْمُخبَر، البشارة تؤثر به سرورًا وفرحًا، واستنارة وجه، وراحة قلب، والإنذار بالعكس يظلم الوجه، ويصغر ولا ينتشب الوجه، ويحصل فيه الغم.
المهم أن البشارة في الأصل الإخبار بما يسر، وقد تُطلق على الإخبار بما يسوء كقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] إما من باب التهكم بهم كما تقول مثلًا لشخص: أَبْشِر بالعقوبة تتهكم به، وإما من باب الجامع بينه وبين البشارة بما يَسُر، وهو أن كُلًّا منهما يؤثر على البشرة تأثيرًا يظهر.
فَبَشَّرْنَاهُ(أي بشرنا إبراهيم) بِغُلَامٍ حَلِيمٍ(أي ذي حلم كثير) وما هو الحِلم؟ الحلم: هو التأني وعدم التسرع في مقابلة الأمور بل يتلقاها الإنسان بطمأنينة واتزان وتصرف رشيد، ضد الحليم هو سريع الغضب، سريع الانفعال، الذي لا يتأنى في الأمور، ولا يتروَّى فيها فتجده يرد الشيء مبادرة، أو يقبله مبادرة، فالْحِلْم -في الحقيقة- هو غاية ما يكون من الرشد.
ووصف الله هذا الغلام هنا بالحِلم، وفي آيتين من كتاب الله وُصِفَ الغلام الذي لإبراهيم بالعلم؛ وذلك لأن الغلامين اثنان؛ أحدهما: وُصِفَ بالعلم، والثاني: وُصِف بالحِلْم، الذي وُصِفَ بالحلم، سيأتينا إن شاء الله تعالى بيان من هو، وأما الذي وُصِفَ بالعلم فهو إسحاق عليه الصلاة والسلام، كما تفيده الآيات التي جاءت في سياقها.
فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [الصافات: ١٠١، ١٠٢] فَلَمَّا بَلَغَالضمير يعود على الغلام، والضمير في مَعَهُيعود على إبراهيم، والسعي إما أن يراد به الكسب، وإما أن يراد به المشي، وكلاهما صحيح، ولكن الأقرب عندي أن المراد به المشي، فإن السعي يطلق على المشي كثيرًا كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩]، وكذلك قال الله تعالى: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٠٥]، فالمراد بالسعي يعني المشي، ولكن كلمة (مع) تفيد المصاحبة؛ يعني صار تابعًا لأبيه يسير معه؛ لأنه ليس صغيرًا، قد مكث في مكانه، وليس كبيرًا انفرد بنفسه، فالصغير الذي في المهد لا يبلغ السعي مع أبيه، والكبير الذي انفرد يبلغ السعي لا مع أبيه؛ لأنه منفرد، أما هذا فقد بَلَغَ مع أبيه السعي، وكان ملازمًا له، وهذا أشد ما يكون الأب تعلُّقًا بابنه إذا كان في مثل هذا السن؛ لأن الصغير -كما تعلمون- الذي في المهد لا تتعلق به النفس، والكبير الذي انفرد كذلك لا تتعلق به النفس، إنما تتعلق بمن كان في مِثْل هذا السن، وهذه من حكمة الله عز وجل أن ابتُلِي إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بهذا البلاء المبين.
قال: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [الصافات: ١٠٢] (أي أن يسعى معه ويعينه، قيل: بلغ سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة)، ويحتمل أن يكون ما بينهما، ما بين السبع إلى ثلاث عشرة؛ لأنه إذا زاد على ذلك فقد يستقل بنفسه، وما دون السبع أيضًا يحتاج إلى من يَعُوله، ولا تتعلق به النفس كثيرًا لا سيما نفس الأب، أما الأم فقد يكون تعلق نفسها بالصغير أكثر من تعلق نفسها بالكبير، ولكن الأب تتعلق نفسه بمثل هذا السن.
لما بلغ معه السعي امتحن الله سبحانه وتعالى إبراهيم بمحنة عظيمة لا يصبر عليها إلا من كان في مثل حاله، واعلم أن هذا الولد هو بكر إبراهيم؛ يعني أنه أول مولود وُلِدَ له، ووُلِدَ له كما قيل: على كبر السن؛ يعني أنه كان كبيرًا، وُلِدَ له هذا المولود البكر الذي ليس له ولد سواه، فامتحنه الله، فأراه الله سبحانه وتعالى في المنام أنه يذبح هذا الولد، وهذا خبر بمعنى الأمر؛ لأن الذبح هنا مجرد فعل، رأى في المنام أنه يذبح ولده، فهو كما لو أُخْبِر بأنه يذبح ولده أُرِيَ، والإراءة إخبار بالقول ولَّا بالفعل؟ الإراءة إخبار بالفعل، ولهذا قيل: الخبر ما ترى لا ما تسمع.
المهم أن الله أراه أنه يذبحه، وهذا خبر بمعنى الأمر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في قوله: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات: ١٠٢]، أراه الله ذلك، فلم ينزعج إبراهيم، ولم يتأثر واطمأن إلى هذا، ثم عرض الأمر على هذا الابن لا للاستشارة، ولكن للاختبار، وإلا فلا يمكن أن يستشير إبراهيم ابنه فيما أمره الله به أليس كذلك؟ وإنما عَرَضَ عليه الأمر ليختبره بهذا، وينظر مدى قوة تحمله لهذا الأمر العظيم.
قال: قَالَ يَا بُنَيَّيعني لما بلغ معه السعي وأُرِيَ ما رأى قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى (أي: رأيت) فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَشوف هذا التلطف يَا بُنَيَّليُبعد عن ابنه أنه ذَكَرَ ذلك عن جفاء؛ لأن الإنسان إذا كان يبغض ابنه فإنه لا يهمه أن يعذبه أو أن يذبحه ولا يتأثر بذلك، لكنه قال: يَا بُنَيَّمن باب التلطف به، وبيان أن الحنان قد بلغ في قلبه كل مبلغ، وصَغَّرَه فقال: يَا بُنَيَّولم يقل؛ يا ابني؛ زِيادة في التلطف.
قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، قال: المفسِّر (أي: رأيت ولكنه عَبَّرَ بالمضارع ليدل على استمرار حكم هذه الرؤية) نعم، إني أرى في المنام أني أذبحك، هذه ماضٍ ولَّا مضارع؟
طلبة: مضارع.
الشيخ: عبَّر بالمضارع عن الماضي ليبين أنه مستمر على تنفيذ حُكْم هذه الرؤيا، قال: إني أرى أني أذبحك، أو نَزَّلَ الماضي منزلة الحال كأنه الآن يرى أنه يذبحه.
وعلى كل حال فإن (أرى) هنا أبلغ من (رأيت)؛ لأن (رأيت) شيء مضى، أما هذا فهو شيء حاضر يدل على الاستمرار، وأنه سيُنفِّذ حكم ما رأى.
(فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَورؤيا الأنبياء حق وأفعالهم بأمر الله) هاتان كلمتان يُعبِّران عن سؤال مُقدَّر، أولًا: قوله: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢]، قد يقول قائل: رؤيا المنام أضغاث أحلام، فأجاب عن ذلك بقوله: (رؤيا الأنبياء حق)، أنا لو رأيت في منامي أني أعتقت عبيدي، أو أوقفت دوري، هل يكون ذلك نافذًا؟ لا، ولا أؤمر بذلك من أجل هذه الرؤيا، لكن رؤيا الأنبياء حق يعني أنها وحي.
والجواب الثاني قال: (وأفعالهم بأمر الله) وهو أيضًا جواب عن سؤال مُقدَّر، وإذا كانت هذه الرؤيا حقًّا فهل يثبت بها حكم شرعي؟ فأجاب المؤلف بما يقتضي نعم، لماذا؟ لأن أفعال الأنبياء بأمر الله لا سيما مثل هذا الفعل العظيم هذا الفعل العظيم، هذا الفعل العظيم هو من أكبر الكبائر ليش؟ لأنه قتْل نفس بغير حق، وليست نفسًا بعيدة قتْل نفس قريبة، فهو جامع بين قتل النفس وبين قطيعة الرحم؛ لأن من قتل أجنبيًّا ليس كمن قتل قريبًا، لكن هذا الذنب العظيم إذا كان بأمر الرب الذي له ملكوت السماوات والأرض صار طاعة، كما أن السجود لغير الله شِرْك، ولما كان بأمر الله كان تركه كفرًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]، المهم أن المؤلف أجاب عن هذه الرؤيا بأنها فِعْل من نبي، وأفعال الأنبياء بأمر الله عز وجل تقع بأمر الله؛ لأنهم معصومون.
قال: (فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات: ١٠٢] من الرأي؛ يعني فكر في أمرك، وانظر ماذا ترى) فكان جوابه جوابًا عجيبًا عظيمًا.
قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، وهذا شبيه بما وقع من عائشة رضي الله عنها حين خَيَّرَها النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تبقى معه، وأن تفارقه للدنيا وقال لها: «اسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»؛ يعني استشيريهم، فقالت رضي الله عنها: أفي هذا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟! إني أختارُ اللَّهَ ورسولَهُ والدارَ الآخرةَ .