تفسير سورة الصافات - 14
عدد الزيارات 1933

عناصر المادة :
تفسير الآيات (171-182)

فيها مؤكدان، المؤكد الأول؟
طالب: (...) (إن).
الشيخ: والثاني؟
الطالب: الثاني اللامُ.
الشيخ: اللامُ في قوله: لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات: ١٦٥].
وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات: ١٦٦]، الجملة مؤكدة بمثل ما أُكِّدت الأولى؛ يعني: وإننا معشر الملائكة لنحن المسبحون، قال المؤلف: (المنزهون الله عمَّا لا يليق به)؛ لأن التسبيح بمعنى التنزيه، وتنزيه الله معناه: تنزيهه عما لا يليق به، ومداره على أمرين؛ أحدهما: أن ينزه عن مماثلة المخلوقين، ودليله قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]. والثاني: أن ينزَّه عن نقص في كماله، ومنه قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨]، فلما ذكر خلقه لهذه السموات العظيمة والأرض في هذه المدة الوجيزة بيَّن أنه لم يلحقه في ذلك تعب ولا إعياء، وهذا تنزيه لله عن النقص في كماله، فصار التنزيه يدور على أيش؟
طالب: على صفتين.
الشيخ: على صفتين؟ لا.
الطالب: على أمرين؛ الأول: مماثلة الله للمخلوقين.
الشيخ: ودليله؟
الطالب: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. والثاني: تنزيه الله عن النقص في كماله.
الشيخ: ومنه، هات مثالًا؟
الطالب: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩].
الشيخ: لا.
طالب: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ..
الشيخ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨].
طيب قال وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ، قوله: لَنَحْنُ الصَّافُّونَلَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَالجملتان -كما تعرفون- اسميتان، قال أهل العلم: والجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار؛ يعني: أن هذا دأبهم، ويدل لذلك قوله تعالى في وصفهم: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، فالملائكة دائمًا في عبادة دائمة، ليسوا كالبشر عندهم غفلة ولهو وسهو بل هم دائمًا في عبادة الله، فهنا ثلاثة أقسام من الخلق: شياطين فهؤلاء دائمًا في معصية، وملائكة هؤلاء دائمًا في طاعة، وبشر هؤلاء أحيانًا في طاعة، وأحيانًا في معصية، وأحيانًا في غفلة.
قال: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ [الصافات: ١٦٧، ١٦٨] إلى آخره، وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ(إنْ) هنا شرطية؟ لا؛ لأنه ليس فيها شرط وجزاء. نافية؟ لا؛ لأن اللام في قوله: لَيَقُولُونَتمنع أن تكون نافية؛ لأن اللام للتوكيد، والنفي ضد التوكيد. زائدة؟ لا؛ لأن لها معنى، والزائد هو الذي لو حُذِفَ لم يختلَّ المعنى بحذفه، إذن فما هي؟ نقول: مخففةٌ من الثقيلة، فأصلها: وإنهم كانوا، أصلها هكذا، لكن خففت فقيل: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ، وبهذه المناسبة نود أن نستعرض معاني (إنْ)، فتأتي (إنْ) نافية، ومنه؟
طالب: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا [الجن: ٢٥].
الشيخ: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ؛ أي: ما أدري أقريب ما توعدون. وتأتي شرطية مثالها؟
طالب: من الآيات؟
الشيخ: من الآيات، أحسن من الآيات إن كان عندك.
الطالب: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الصافات: ١٥٧].
الشيخ: أيش؟ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، (...) تأتي بـ(إنْ) شرطية فيها شرط وجزاء.
الطالب: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٤].
الشيخ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]. وتأتي زائدة؟
طالب:

بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

الشيخ: صحيح
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلَا صَرِيفٌ..................

يعني: فضة. ولكن أنتم الخزف: طين. الشاهد قوله: (ما إن أنتم) لو حُذِفَت (إن) وقال: (ما أنتم ذهبًا) استقام الكلام.
وتأتي مخففة كما في هذه الآية، مخففة من الثقيلة أصلها (إنَّ)، المخففة من الثقيلة يقولون: إن اسمها يكون محذوفًا، ويسمَّى ضمير الشأن، وضمير الشأن قالوا: إنه يكون مفردًا مذكَّرًا؛ لأن كلمة (شأن) مفرد مذكر، والتقدير: وَإِنْ كَانُواوإنه -أي الشأن- أي شأنهم لَيَقُولُونَ، وقيل: (إن) ضمير الشأن يُقَدَّر بحسب السياق؛ إن كان مفردًا مذكرًا فهو مفرد مذكر، إن كان جمعًا فهو جمع، وبناء على هذا يكون تقدير الآية هنا: وإنهم كانوا ليقولون.
قال: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ(كانوا) فعل ناقص واسمه، الواو هي الاسم، اللام في قوله: لَيَقُولُونَلام التوكيد، وجملة (يقولون) خبر أيش؟ خبر كان، وكان واسمها وخبرها خبر (إنْ) المخففة من الثقيلة، (وَإِنْمُخَفَّفَة من الثَّقِيلَة، كَانُواأي: كُفَّار مكة لَيَقُولُونَ) ماذا؟ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِين [الصافات: ١٦٨، ١٦٩]؛ يعني: لو نزل علينا كتابٌ ككتب الأولين لكُنا عباد الله المنقادين لشرعه المخلصين له، ولكن هذه الحجة مردودة بقوله تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧].
إذن هذه الدعوى منهم مكابرة. لماذا كانت مكابرة؟ لأنه أُنْزِل عليهم كتابٌ أهدى الكتب وأقوم الكتب ومع ذلك كفروا به.
وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا (كتابًا، مِنَ الْأَوَّلِينَأي: من كتب الأمم الماضية، لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَالعبادة له).
شوف لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًاأي: ما يذكِّرنا، والذي يذكر هو الكتاب، قال الله تعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ [الأنبياء: ٥٠]، فالمراد بالذِّكر هنا ما يتذكَّر به الإنسان وهو الكتاب.
طيب وقوله: مِنَ الْأَوَّلِينَقال المؤلف: (من كتب الأولين)، فيكون على تقدير المضاف مِنَ الْأَوَّلِينَ؛ أي: من كتبهم، وليس منهم أنفسهم بل من الكتب التي نزلت إليهم، لو أن عندنا من هذا شيئًا لكنا عباد الله المخلصين، لَكُنَّااللام واقعة في جواب (لو)، و(لو) هنا شرطية أو مصدرية؟ شرطية، طيب لَوْ أَنَّ عِنْدَنَايقولون: إن الشرطية لا يليها إلا فعل، وهنا وليها (أنَّ) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا، حتى الشرطية الجازمة لا يليها إلا الفعل وهنا وليتها (أنَّ)، قالوا: نعم، لكنها على تقدير فعل؛ يعني: لو ثبت أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًالَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، كقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا [الحجرات: ٥]؛ يعني: لو ثبت، أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [الحجرات: ٥].
لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَعباد الله العبودية الشرعية أو القدرية؟ الشرعية؛ لأنهم بالعبودية القدرية كائنون هم عبيد لله قدرًا، ولا يمكن أن يحيدوا عن قضاء الله وقدره، لكن لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِشرعًا، قال: (المخْلِصِينَ له العبادةَ) المخلِصين بكسر اللام، هكذا فسَّرها المؤلف، ولهذا قال: (العبادة له) المخلَصين بالفتح: الذين أخلصهم الله تعالى واصطفاهم، فصار في (المخلصين) قراءتان: فتح اللام وكسرها؛ فعلى قراءة الفتح يكون المعنى أيش؟ الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه واصطفاهم، وعلى قراءة الكسر يكون معناه الذين أخلصوا له العبادة، والمعنيان متلازمان؛ لأن كل من أخلص لله العبادة فقد أخلصه الله لنفسه، لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.
قال الله تعالى: (فَكَفَرُوا بِهِ؛ أي: بالكتاب الذي جاءهم، وهو القرآن الأشرف من تلك الكتب، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَعاقبة كفرهم) تقدير الآية: فقد جاءهم كتاب قالوا: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ، فجاءهم الكتاب، جاءهم الذكر ولكن لم يقبلوا هذا الذكر؛ كفروا به تكذيبًا في الخبر، واستكبارًا عن الأمر، فهم كذَّبوا الرسول عليه الصلاة والسلام؛ قال: إنكم ستبعثون، فقالوا: لا بعث، قال: إنه حق، فقالوا: كاذب، قال: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فعبدوا الأصنام، فكفروا بهذا الكتاب تكذيبًا في الخبر، واستكبارًا في الأمر، فهم ما صدَّقوا بما أخبر الله به في كتابه، ولا امتثلوا الأمر وانقادوا له، بل جمعوا بين كفر الجحود والاستكبار والعياذ بالله، كفروا به مع أن القرآن أشرف من الكتب التي ادعوا أنه لو أتاهم من جنسها لكانوا عباد الله المخلصين، ومع هذا كفروا بهذا الكتاب، وهذا يدل على أن دعواهم هذه من أكذب الدعاوى، لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِقيل لهم: هذا ذكر، جاءكم ذكر أشرف الأذكار وأعظم الكتب السابقة، ومع ذلك أيش؟ كفرتم به.
قال الله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَالفاء في قوله: فَكَفَرُوا بِهِللترتيب، وفَسَوْفَ يَعْلَمُونَللترتيب والسببية؛ أي: فبسبب كفرهم سوف يعلمون. ماذا يعلمون؟ سوف يعلمون عاقبة أمرهم؛ وذلك بالذل في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وهذا الأمر حصل ولله الحمد؛ فإن الله أذلهم في أعظم موقعة كانوا يفتخرون بها، ويظنون فيها العزة والنصر في غزوة بدر، فإنهم خرجوا بصناديدهم وأشرافهم وكبرائهم حتى قال أبو جهل لما أشير عليه بالرجوع، قال: والله لا نرجع حتى نقدم بدرًا، ننحر فيها الجزور، ونشرب فيها الخمور، وتُعْزَف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا .
شوف البطر، كِبْرٌ! ومضى، وماذا حصل؟ حصل أن قُتِلَ -ولله الحمد- هو والزعماء والأشراف الذين معه، وسمعت بهم العرب، وتحدثت العرب ولكن بماذا؟ بما يكون به الهيبة لهم أو بما يكون به العار والخزي؟ نعم هو الثاني، تحدثت العرب -ولله الحمد- بأخبارهم بما فيه العار والخزي إلى يوم القيامة، هذه من العواقب الوخيمة.
وفي بلدهم مكة خرج النبي صلى الله عليه وسلم منها خائفًا مستترًا، ودخلها ظافرًا منصورًا مؤزَّرًا، رُفِعَت الراية عند مدخل مكة عند الْحَجونِ، ودخل البيت وكسَّر الأصنام، ووقف على الباب وقريشٌ تحته ينتظرون ماذا يفعل، قال: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟» قالوا: خيرًا، أخ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم ، فعفا عنهم عليه الصلاة والسلام، وسموا الطلقاء، الطلقاء من أيش؟ من القتل والأسر.
فانظر كيف كانت هذه العاقبة، هذا النبي صلى الله عليه وسلم حماه الله منهم؛ تآمروا أن يقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه ولكن صارت المؤامرة عليهم، هم الذين مَنَّ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم فأطلقهم، على أن ما في الآخرة أشد وأعظم قال الله تعالى: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الطور: ٤٧]، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ [السجدة: ٢١]، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ [الرعد: ٣٤]، والعياذ بالله.
والغرض من هذه الجملة -أي من قوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ- الغرض منها التهديد؛ تهديد هؤلاء المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم.
طالب: قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] للملائكة لا يعين أن المراد بقوله: مَقَامٌالمكان؟
الشيخ: المكان؟ لا، حتى الزمان.
الطالب: كل الليل والنهار في عبادة؟
الشيخ: إي، لكن الليل والنهار في جملته، ثم نقول: أيضًا قد يكون التسبيح العام غير التسبيح الخاص، التسبيح الخاص اللي في مقام معين ولَّا لا؟ هم لا زالوا (...) حتى المكان لا زالوا فيه، لكن هذا المقام المعين له تسبيح معين.
الطالب: ذكرنا وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات: ١٦٥]، بالنسبة للملائكة يصطفون عند الله جل وعلا في القرب..
الشيخ: سواء كانوا القريب قريبًا والبعيد بعيدًا.
الطالب: والقِدم من ناحية الخلقة؟
الشيخ: القَدم ما هي بالقِدم، القدم الرجل؛ يعني المؤلف يقول: (صافون أقدامنا؛ يعني أرجلنا).

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٧١ - ١٨٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤] مبتدأ المناقشة قوله: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، أين المبتدأ؟
طالب: معلوم.
الشيخ: ويش التقدير؟
الطالب: التقدير: وما منا أحد.
الشيخ: وما منا أحد إلا له مقام معلوم، أحسنت، (وإلا له مقام معلوم) الجملة هذه محلها؟
الطالب: خبر المبتدأ.
الشيخ: كيف خبر المبتدأ؟ ما هو قلت: المبتدأ (أحد) وخبره (منا)، طيب (إلا له مقام معلوم)؟
الطالب: استثناء من (أحد).
الشيخ: استثناء من (أحد)، إذن محلها الرفع ولَّا بدل من (أحد) ومحلها الرفع.
الطالب: هنا منا أحد هنا، الآن قلنا..
الشيخ: الكلام الذي قبل إلى الآن تام ولَّا ناقص؟
الطالب: لا، الآن تام.
الشيخ: تام، موجب ولَّا منفي؟
الطالب: منفي.
الشيخ: إذا كان ما قبل (إلا) تامًّا منفيًا فما الحكم فيما بعدها؟
الطالب: ما بعد يكون إما أن يُعْرَب على حسب موقعه، وإما إنه يعرب بدلًا.
الشيخ: بدل طيب، أو؟
الطالب: أو حسب موقعه.
الشيخ: حتى لو بدل حسب موقعه؟
الطالب: مستثنى.
الشيخ: أو منصوب على الاستثناء.
الطالب: منصوب على الاستثناء نعم.
الشيخ: إذن تجوز أن تكون لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌفي محل نصب على الاستثناء، أو؟
الطالب: بدل من أَحَدٌ.
الشيخ: في محل رفع بدل من أَحَدٌ.
طيب المقام هنا هل هو في المكان أو في المكان والزمان؟
الطالب: المقام هنا يشمل المقام للزمان والمكان.
الشيخ: يشمل؟
الطالب: لأن الجملة تحتملهما، وإذا احتملتهما فإن القاعدة فإن..
الشيخ: لأن المقام صالح للزمان والمكان فيكون شاملًا لهما.
قوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات: ١٦٥] ما معنى قوله الصَّافُّونَ؟
طالب: تنشر الصفوف يقول المؤلف: (مصطفون؛ يعني متراصين في الأقدام).
الشيخ: متساوين في الأقدام.
الطالب: (...) الأول فالأول.
الشيخ: الصافون بأيش؟ في العبادة ولَّا في أي شيء؟
الطالب: في العبادة.
الشيخ: في العبادة طيب، كيف صفوفهم الأخ؟
طالب: صفوف الملائكة، تصل الأول فالأول (...) عز وجل.
الشيخ: يتمونها الأول فالأول ويتراصون، هكذا فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب المسبِّحون معناها؟
الطالب: المنزهون الله عز وجل عن كل نقص.
الشيخ: عن كل نقص أو عما لا يليق به؟
الطالب: عما لا يليق به.
الشيخ: عما لا يليق به تنزيه الله، طيب نحن ذكرنا ما ينزه الله عنه كم؟
الطالب: أمران: عن المماثلة؛ مماثلة المخلوقين وعن النقص.
الشيخ: في؟
الطالب: في كماله.
الشيخ: عن النقص في كماله. مثال الأول؟
طالب: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [ق: ٣٨].
الشيخ: التنزيه عن مماثلة المخلوقين.
الطالب: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
الشيخ: ومثال التنزيه عن نقص كماله؟
الطالب: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨].
الشيخ: أحسنت، قوله: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ [الصافات: ١٦٧]، الجملة هنا منفية أو مثبتة؟
طالب: منفية.
الشيخ: فـ(إنْ) هنا نافية.
الطالب: لا، مثبتة.
الشيخ: (إنْ) هنا ويش تكون إذا كانت مثبتة؟
طالب: التوكيد.
الشيخ: توكيد، ماذا يسميه النحاة؟
طالب: مخففة من الثقيلة.
الشيخ: مخففة من الثقيلة، أحسنت، طيب أين اسمها وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ [الصافات: ١٦٧]؟
طالب: الملائكة.
الشيخ: لا، الملائكة ما هم بيقولون.
طالب: ضمير الشأن.
الشيخ: اسمها محذوف ولَّا موجود؟
الطالب: محذوف.
الشيخ: محذوف، ضمير الشأن ويش تقديره؟
الطالب: إنهم كانوا.
الشيخ: (إنهم) ما فيه تقدير آخر؟
الطالب: إنه كان.
الشيخ: إنه أي: الشأن؛ يعني أن شأنهم أنهم يقولون كذا وكذا، والقول الثاني أن ضمير الشأن يُقَدَّر بحسب السياق، طيب أين مقول القول؟
الطالب: لَيَقُولُونَ.
الشيخ: لا، (يقولون) هذا القول، لكن أين مقول القول؟
الطالب: محذوف.
الشيخ: اقرأ الآية.
طالب: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا.
الشيخ: مقول القول قوله: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، طيب هل قولهم هذا صحيح بحسب الواقع؟
الطالب: لا، ليس بصحيح.
الشيخ: ليس بصحيح؛ لأنهم جاءهم الذكر ولكن كفروا.
جملة لَيَقُولُونَويش محلها من الإعراب؟
طالب: اسم (كان).
الشيخ: اسم كان! هو اسم كان يكون جملة؟! اقرأ الآية.
الطالب: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ.
الشيخ: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ.
الطالب: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ.
الشيخ: ماذا تقول الآن؟ الواو في كَانُواما هي اسم (كان)؟
الطالب: اسم (كان) وهذه خبرها.
الشيخ: إذن.
الطالب: لَيَقُولُونَخبر (كان).
الشيخ: محلها النصب على أنها خبر (كان).
طيب لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًاويش تقدير الكلام؟
طالب: مفعول به مقول القول.
الشيخ: الجملة، لا، نريد تقدير الكلام؟
الطالب: لو كان عندنا ذكرًا.
الشيخ: لا، ما يصلح.
طالب: تقديره: لو كان عندنا كتاب من الأولين.
الشيخ: لا.
طالب: لو أن عندنا ذكرًا منه من كتب الأولين.
طالب آخر: لو ثبت أن عندنا ذكرًا.
الشيخ: هذا التقدير: لو ثبت أن عندنا ذكرًا من الأولين، وإنما قدَّرنا ذلك؛ لأن (لو) الشرطية لا تدخل إلا على الفعل.
طيب قوله: الْمُخْلَصِينَفيها قراءتان.
طالب: الْمُخْلَصِينَو{الْمُخْلِصِينَ}.
الشيخ: الْمُخْلَصِينَو{الْمُخْلِصِينَ}، الْمُخْلَصِينَاسم فاعل ولَّا مفعول؟
الطالب: اسم مفعول.
الشيخ: المخلِصين؟
الطالب: لا، اسم فاعل.
الشيخ: إذا قلت: مخلِص هل هو فاعل ولَّا مفعول؟ فلان مخلِص.
الطالب: اسم فاعل.
الشيخ: طيب فلان مخلَص؟
الطالب: مفعول.
الشيخ: مفعول، إذن (المخلِصين) اسم فاعل و(المخلَصين) اسم مفعول. على قراءة (مخلَصين) أيش معناها؟
الطالب: هم الذين أخلصهم الله سبحانه وتعالى لنفسه.
الشيخ: أخلصهم الله لنفسه، فاصطفاهم على الخلق بما أنعم الله عليهم من العبادة. والمخلَصين؟
الطالب: والمخلَصين هم الذين أخلصهم الله سبحانه وتعالى للعبادة.
الشيخ: ما المراد من قوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ؟
طالب: فسوف يعلمون بمن جحد.
الشيخ: لكن ما المراد بها؟ المراد بهذه الجملة؟
الطالب: الفاء تفريعية سببية؛ بسبب كفرهم فسوف؛ يعني تعليمهم.
الشيخ: لا.
الطالب: سببية.
الشيخ: لا.
طالب: تهديد.
الشيخ: المقصود التهديد، أنت تهدد صبيَّك تقول: سوف تدري ويش بأسوي بك، سوف تدري ماذا أفعل بك، أليس كذلك؟ تهدده. نأخذ الفوائد من قوله؟
طالب: وَمَا مِنَّا.
الشيخ: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌإلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الملائكة منزَّهون عمَّا يدعيه هؤلاء من كونهم بنات الله. وجه ذلك أنهم مكلَّفون بالعبادة على حدٍّ معلوم، ومن كان مكلَّفًا بالعبادة لا يمكن أن يكون ولدًا للمعبود.
ومن فوائد الآية: كمال انتظام الملائكة عليهم الصلاة والسلام بكونهم يلتزمون بالمقامات المعلومة التي عيَّنها الله لهم وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون وقته مُنَظَّمًا يجعل لكل شيء عملًا معلومًا حتى لا يضيع عليه الوقت؛ لأن الإنسان الذي يعمل بالوقت جزافًا لا ينتفع به، ولكن لا يعني قولنا هذا أن الإنسان يستمر على حال واحدة؛ لأنه قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، بمعنى أنك لو رتبت نفسك ثم طرأ ما يوجب مخالفة هذا النظام فلا حرج عليك أن تخرم هذا النظام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، وكان يقوم حتى يقال: لا ينام، أو بالعكس، حسب ما تقتضيه المصلحة.
ومن فوائد الآيات الكريمة عمومًا: أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام من أكمل الناس عبادة؛ حيث يجتمعون على عبادة الله فيصفون له تعظيمًا له؛ لقوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ.
ومن فوائدها: أنه ينبغي تأكيد الخطاب إذا كان المخاطب مُنْكِرًا أو متردِّدًا، أو كان المعنى ذا أهمية يحتاج إلى التوكيد؛ لقوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، من أجل تقرير هؤلاء المنكرين الذين يدَّعون أن الملائكة بنات الله، فيقولون: نحن نصف لله تعبُّدًا له وتعظيمًا.
ومن فوائد الآيات الكريمة: كمال تنزيه الملائكة لله في قوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ.
ومن فوائدها: أن دأبهم أيضًا التسبيح، كما قال تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠]، ونستدل عليه بهذه الآية؛ بأن الجملة جاءت اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
ومن فوائدها: تنزيه الله سبحانه وتعالى على ألسنة الملائكة من كل ما لا يليق به، وهو سبحانه وتعالى مُنَزَّه عن كل ما لا يليق به، ولهذا جاءت الآيات الكثيرة في نفي المماثلة عن الله ونفي النقص وإثبات الحكمة ونفي اللعب والباطل في حقه تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: ٢٧]، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [الأنبياء: ١٦]، أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: ٣٦]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على كماله عز وجل وانتفاء اللعب والبطلان عن أفعاله.
ثم قال تعالى: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَإلى آخره.
من فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام يدَّعون أنه لم يأتهم ذِكرٌ يتذكرون به، ولهذا يعترضون هذا الاعتراض يقولون: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.
ومن فوائدها: أن حِجَج الكفار حِجج مكابرة ليست مبنية على حق، فمثلًا قولهم: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَماذا نقول لهم؟ نقول: بل عندكم ذِكرٌ من الأولين، بل عندكم ذِكرٌ أفضل الأذكار على الإطلاق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يمكن أن يكون لهم استقامة إلا بكتب نازلة من السماء، حتى المشركون الكفار يقرون بهذا؛ لقولهم: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. وهذه الفائدة يشهد لها الواقع؛ فإن الأمم الذين لم تنزل عليهم الكتب تجدهم في فوضى مضطردة لا يستقيم لهم حال ولا يمشون على خط مستقيم، بخلاف أهل الكتب، بخلاف الأمم التي تنزل عليها الكتب؛ فإنها تكون مستقيمة بقدر تمسكها بهذه الكتب.
ومن فوائد هذه الآيات: أن الكتب المنزلة ذكر لمن نزلت إليهم، وسبق لنا أن معنى كونها ذكرًا على وجهين ولَّا ثلاثة أوجه؟ فهي ذكر؛ أي: شرف لمن نزلت إليهم، وهي ذكر يتذكرون بها ويتعظون بها، وهي ذكر يتقربون إلى الله تعالى بها؛ لأنها أفضل أنواع الذكر.
ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء الذين ادَّعوا أنه لو كان عندهم ذكر من الأولين لكانوا عباد الله المخلصين كانوا كذبة، بدليل أنهم عندهم ذكر من الأولين ولكن كفروا به، وسبق لنا أن كفرهم به يشمل النوعين من الكفر وهما: الجهل، والاستكبار.
ومن فوائد الآيات: تهديد الكافرين؛ لقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وتهديد الكافرين لا شك أنه مطابق للحكمة؛ لأن الحجة قد قامت عليهم، وقد قال الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].
تفسير الآيات (171-182)
00:38:24

ثم قال الله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، ولقد سبقت كلمتنا؛ أي: تقدمت في الأزل، وكلمة الله بيَّنها هنا في قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، هذه هي الكلمة السابقة التي قضى بها الله عز وجل في الأزل.
وقوله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَاالجملة هنا فيها عدة مؤكدات، وهي؟
الطالب: لام القسم، و(قد).
الشيخ: لام القسم، و(قد)؟
الطالب: تأكيد لعبادنا بالمرسلين.
الشيخ: لا.
طالب: ضمير الفصل.
الشيخ: لا.
طالب: القسم المقدر.
الشيخ: والقسم المقدر، ما دام تقول: لام القسم معناه لا بد من قسم، فإذن التقدير: وتالله لقد سبقت، أو ووالله لقد سبقت، وكل جملة تأتي على هذا الوجه ففيها هذه المؤكدات: القسم واللام و(قد).
وقوله: كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَالمراد بالعباد هنا العبودية الخاصة، بل أخص الخاصة؛ وهي عبودية الرسالة، والعبودية عبودية الخلق لله عز وجل عبودية كونية، وهذه عامة شاملة لجميع الخلق؛ ما من مخلوق إلا وهو ذال لله قدرًا، عبودية شرعية، وهي خاصة بمن يطيع الله، وأخص هذا النوع عبودية الرسالة؛ لأن الرسل مُكلَّفون بما لم يكلَّف به غيرهم؛ مُكلَّفون بتحمل الرسالة وإبلاغها إلى الخلق ودعوة الناس إليها، ولهذا لا يرسل الله رسولًا إلا وهو يعلم أنه أهل للرسالة، كما قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، وقال الله تعالى لنبيه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك [الإنسان: ٢٣، ٢٤]، فلما ذكر أنه نزل عليه القرآن، لم يقل: فاشكر الله على هذه النعمة، قال: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكإشارة إلى أن تنزيل القرآن عليه أمر يحتاج إلى صبر؛ لأنه يحتاج إلى معاناة ومجابهة الناس.
ومن تأمل ما حصل للرسول صلى الله عليه وسلم من منابذة قومه له وإيذائهم إياه تبين له الحكمة في أنه قال فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك.
سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، قال المؤلف: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَابالنصر، لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَوهي لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، أو هي قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) فـ(أو) هنا للترديد؛ يعني هل الكلمة قوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١] أو أن الكلمة هي قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ؟ والاحتمال الثاني أولى؛ لأن الاحتمال الثاني يجعل تفسير الكلام في ضمن الكلام، والأول يجعل تفسير الكلام منفصلًا عنه، وإذا كان التفسير متصلًا كان أولى، وعلى هذا فتكون الكلمة: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وهي جزء من قوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي.
وقوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ الأول: (إنَّ)، والثاني: اللام في لَهُمُ، والثالث: (هم)؛ لأن (هم) ضمير فصل. إذن هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.
الطالب: (إن) واللام و(هم) ضمير الفصل.
الشيخ: و(هم) ضمير الفصل.
ثم هي أيضًا من حيث بنيتها جملة تأكيدية بل جملة توكيدية، توكيدية أحسن من تأكيدية؛ لأن هي لغة القرآن: وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل: ٩١] هي جملة توكيدية؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
طيب ذكرنا أن (إنَّ) للتوكيد، وهذا واضح، واللام للتوكيد، كذلك واضح، (هم) ضمير الفصل للتوكيد، وضمير الفصل من حيث الإعراب ليس له محل من الإعراب، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الصفة والخبر، كم هذه؟ ثلاثة. عدها لنا أنت.
طالب: الحصر.
الشيخ: يفيد الحصر نعم.
الطالب: والصفة.
الشيخ: لا.
الطالب: والفصل (...).
الشيخ: أنا أريد أن تسمع.
طالب: تفيد التوكيد والحصر والفصل.
الشيخ: التوكيد والحصر والفصل بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل.
مثال يتضح به الكلام؛ إذا قلت: زيد الفاضل، فكلمة (الفاضل) في هذا السياق يحتمل أن تكون صفة، فيتطلع الإنسان إلى الخبر، زيد الفاضل ويش فيه؟ تقول: قائم مثلًا، زيد الفاضل قائم، فالفاضل هنا أيش؟ صفة، فإذا قلت: زيد الفاضل وحذفت (قائم) صار الكلام محتملًا أن تكون (الفاضل) صفة والخبر يأتي بعد، أو أن تكون (الفاضل) هي الخبر، فإذا قلت: زيد هو (الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبر المبتدأ.
إذن ففصل (هو) الضمير بين الصفة وبين الخبر حيث تعين أن يكون ما بعده خبرًا لا صفة، كذلك إذا قلت: (زيد هو الفاضل) صار أوكد من قولك: زيد الفاضل؛ لأنك تقول: (هو) تؤكد.
ثالثًا: أنك إذا قلت: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غيره، فيحصر الفضل فيه.
إذن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب؛ لا مبتدأ، ولا خبر، ولا شيء أبدًا، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة.
طيب هنا إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَنقول: الهاء اسم (إن)، واللام للتوكيد، و(هم) ضمير فصل لا محل له من الإعراب، والْمَنْصُورُونَخبر (إن).
طيب يقول الله عز وجل: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَلَهُمْيعني: لا غيرهم، الْمَنْصُورُونَمِن قِبَلِ مَن؟ مِن قِبَلِ اللهِ الذين ينصرهم الله عز وجل بما يقدره من الآيات، أو بما يرسله من الجنود؛ ففي بدر أرسل الله الملائكة فقاتلت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الأحزاب أرسل الله على أعدائهم الريح الشديدة ومعها جنود فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: ٩]، فجمع الله في الأحزاب بين الملائكة تدخل الرعب في قلوب هؤلاء الأعداء وبين الريح التي تزلزلهم، حتى لم يقرَّ لهم قرارٌ فهربوا، طيب إذن منصورون مِن قِبَلِ الله بما يرسله من الآيات أو من الملائكة.
وقوله: وَإِنَّ جُنْدَنَاالجند هم المدافعون، عمن؟ هم جند له الذين ينصرونه ويدافعون عنه، ومنه: جنود الأمير والسلطان وما أشبه ذلك، وهنا يقول: وَإِنَّ جُنْدَنَاجند الله، وهؤلاء الجند ليسوا جندًا لله لحاجة الله إليهم ولكن لأنهم يدافعون عن شرعه، فصاروا جندا له، وهؤلاء الجند هم الغالبون؛ لكونهم جند الله، والله سبحانه وتعالى له الغلبة كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، فجند الله الذين يذبُّون عن شريعته لا بد أن تكون لهم الغلبة، ولهذا قال: لَهُمُ الْغَالِبُونَ، والجملة كالأولى مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (إن) واللام وضمير الفصل.
طيب هنا الْغَالِبُونَكما تعلمون اسم فاعل مِن: غَلَبَ، وغلَبَ فعلٌ متعدٍّ أو قاصرٌ؟ متعدٍّ، الفعل المتعدي لا بد فيه من فاعل ومفعول، (الغالِب) هنا اسم فاعل من فعلٍ متعدٍّ، فلا بد فيه من فاعل ومفعول، مَن الفاعل؟
طلبة: الله.
الشيخ: لا، الجند؛ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ، لكن غالبون بأمر الله لا شك. المفعول محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (لغالبون الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة).
أشار المؤلف إلى إشكال كنا نريد أن نؤخره إلى الفوائد لكن الآن لا بد من الكلام عليه، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَفبيَّن الله بيانًا مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: أن جنده المؤمنون الذين يدافعون عن دينه هم الغالبون، وأكَّد فيما قبل أن الرسل هم المنصورون.
فإذا قال قائل: هل هذا الكلام المؤكَّد من الرب عز وجل مطابق للواقع أو أن في الواقع ما يخالفه؟
إذا قلت: مطابق للواقع ورد علينا في أُحُدٍ؛ كانت الغلبة للمشركين، في الأنبياء من قُتِلَ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة: ٦١]، في أهل الخير من قُتِلَ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: ٢١]، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب عن هذا أن نقول: إما أن يكون النصر الذي وعد الله به الرسل، بناء على الأغلب الأكثر؛ فإن الأغلب الأكثر بلا شك انتصار الرسل على أعدائهم، واقرأ الآيات في الرسل تجد أن الله يقول: فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الأعراف: ٦٤] وأهلك الآخرين، هذا انتصار لا شك.
أو يقال: إن المراد بالنصر نصر من أمروا بالجهاد، فمن أمروا بالجهاد فإن الله قد تكفَّل لهم بالنصر، وأما من لم يؤمروا به فليس هناك مغالبة بينهم وبين أعدائهم، حتى يقال: إنهم انتصروا، ويكون قتلهم غير منافٍ للآية.
الوجه الثالث أن يقال: إن المراد بالنصر المطلق هو نصر الآخرة، أما نصر الدنيا فليس بمضمون، فالأجوبة الآن ثلاثة طيب.
فيه وجه رابع: أن المراد بالنصر انتصارهم بالحجة لا بالشخص؛ يعني: انتصار ما جاؤوا به وظهوره دون الغلبة الحسية، فإن ذلك ليس بذي أهمية بالنسبة لغلبة ما جاؤوا به من الشريعة.
فهذه أربعة أوجه في الجواب عن الواقع الذي قد يخالف ظاهر الآية، ويجب أن نعلم أنه لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع أبدًا، لا يمكن، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، أقول: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، الأخ ما الفرق بين العبارتين؟
طالب: من الكتاب ومن السنة؟
الشيخ: إي، ويش الفرق بينهما؟ أنا قلت: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا يوجد في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع.
الطالب: لأنه قد يكون في السنة أحاديث غير صحيحة.
الشيخ: غير صحيحة، فلهذا احتجنا أن نقول: صحيح، في القرآن ما نحتاج نقول: صحيح. لأيش؟ لأنه منقول بالتواتر كله صحيح ما فيه إشكال.
إذن لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة الصحيحة شيء صريح يخالف الواقع، فإن وُجِدَ ما ظاهره مخالفة الواقع فاعلم أنه إما ألَّا يكون مخالفة، لكن المخالفة من وهمك بمعنى أن يكون الواقع غير مخالف لظاهر القرآن، أو يكون ما ظننته صريحًا من القرآن غير صريح.
فمثلًا كثير من العلماء -وليس أكثر العلماء- يقولون: إن الأرض ليست كروية؛ لأن الله يقول أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]، والسطحية تنافي الكروية، فإذن من قال: إن الأرض كروية فقد خالف صريح القرآن؛ لأنه الله يقول: سُطِحَتْ، فأنكروا أن تكون الأرض كروية بناء على أيش؟ على فهمهم أن القرآن صريح في ذلك.
ومن العلماء من قال: إنها كروية، والواقع يشهد لقول هؤلاء؛ لأنه ما يمكن الآن أن نقول: إنها غير كروية أبدًا؛ إذ إنك لو قمت من مطار جدة متجهًا إلى الغرب في طائرة، أين يكون منتهاك؟ ترجع إلى جدة.
إذن هي كروية، وأين تروح؟ فالشاهد الواقع المحسوس يشهد لهذا، نقول: إذن لا بد أن يكون القرآن الذي زعموا أنه صريح في أنها ليست كروية لا بد أن يكون على خلاف ما فهموا، ولَّا لا؟ هل يمكن أن يقول قائل: لا بد أن يكون الواقع المحسوس كذبًا؟ ما يمكن.
لو قال: إن الواقع المحسوس كذب لرماه الناس بالحجارة فضلًا عن حجارة الأفواه؛ يعني: ما يرمونه بالسب والشتم باللسان بل بالحجارة: هذا مجنون، حينئذٍ يتعين علينا أي شيء؟ أن نقول: إن القرآن ليس صريحًا في هذا، فتُحْمَل السطحية فيه على ما يحتاج الإنسان إليه من الأرض، فكل ما تحتاج إليه من الأرض إليه فهو سطح؛ يعني: ما جعلت الأرض مُسَطَّحة مثل ظهر الجبل أو مثل سفح الجبل؛ يعني صعودًا، أبدًا، كل ما تحتاج إليه فهو مُسَطَّح، تواسيه وتصب عليه الماء وتزرع، مُسَطَّح.
ثم نقول: في القرآن ما يدل على أنها كروية؛ مثل قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [الانشقاق: ١ - ٤]، فيفهم من قوله: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْأنها الآن غير ممدودة، ولهذا جاء في الحديث أنه إذا كان يوم القيامة فإن الله يمد الأرض مدَّ الأديم ، الأديم؛ يعني: الجلد، تُمَدُّ هكذا، تكون سطحًا واحدًا.
فيه أيضًا دليل آخر مثل قوله: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: ٥]، التكوير: التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يدور على الأرض، فإذا كان هذا يدور فالذي يدور عليه يكون مستديرًا ولا بد.
على كل حال المهم القاعدة عندنا: لا يمكن أبدًا أن يوجد في الواقع المحسوس ما يخالف صريح المنقول، أبدًا لا يمكن، كما أنه لا يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، فالأول نخاطب بها أهل المادة الجملة الأولى، والثانية نخاطب بها أهل العقول الذين يدعون أنهم أصحاب العقول؛ كالمتكلمين وغيرهم، نقول: ليس في صريح القرآن ولا في صريح صحيح السنة ما يخالف المعقول، مَن نخاطب بهذا؟ أهل الكلام وغيرهم ممن يتكلمون في العقائد بالمعقولات.
طيب ليس في صريح القرآن ولا صريح صحيح السنة ما يخالف المحسوس، نخاطب به أصحاب المادة؛ يعني المادييين الذين ليس عندهم إلا ما يشاهدونه بأعينهم أو يسمعونه بآذانهم.
وعلى هذا فيكون قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَمحمولًا على أحد المحامل الأربعة التي سمعتم، ويتم البحث فيها -إن شاء الله- غدًا.
طالب: في مثل هذه (...) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وهذه الضمائر إذا كان ليس من ضمير الفصل، والضمير لا يوصف ولا يوصف فيه، وإذا كان ضمير الفصل موصوفًا به يحتمل التوصيف، كذلك ضمير الفصل إذا يختزل ضمير فصل آخر؟
الشيخ: ما يوصف بها، الآن (الصافون) ما هي صفة لضمير الفصل (الصافون) خبر.
الطالب: وإذا كان الخبر (...) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ.
الشيخ: طيب، (هم) ضمير فصل لا لها محل له من الإعراب.
الطالب: و(هم) مبتدأ.
الشيخ: لا، ما هي مبتدأ، هذا ضمير فصل ليس له محل من الإعراب.
الطالب: ضمير فصل؛ لأجل يفصل الخبر من المبتدأ؟
الشيخ: نعم، مع أن هنا أيضًا عندنا سبب آخر يبين الصفة من الخبر، وهي لام التوكيد؛ لأن لام التوكيد ما تدخل إلا على الخبر، فعندنا الآن شيئان: لام التوكيد، وضمير الفصل، كلها تؤيد أن ما بعدهما هو الخبر.
الطالب: ما يحتمل أن المنصورين صفة؛ لأن ما يحتمل..؟
الشيخ: لا، ما يحتمل ولا يمكن، وكيف تكون صفة وهي مرفوعة والضمير في (إن) منصوب؟! ما تكون صفة، ما فيه إشكال.
طالب: عفا الله عنك، بعضهم يحمل وإن جندنا لهم المنصورون يقول: هذا باعتبار النهائي أن الرسل الذين ابتلوا وعذبوا، يقول: هذا في أثناء الرسالة، وأما في نهاية الرسالة كان النصر معهم.
الشيخ: يأتينا -إن شاء الله- غدًا تمام البحث فيه.

***

السؤال هذه الجملة وَلَقَدْ سَبَقَتْهل هي مؤكدة وبكم مؤكِّدٍ أُكِّدَت؟
طالب: مؤكدة بثلاث مؤكدات؛ أولًا: القسم (...) و(بقد) وباللام.
الشيخ: ما الذي أعلمك أن فيها قسمًا؟
طالب: الواو وَلَقَدْ.
الشيخ: الواو، الواو إذن حرف قسَمٍ، طيب ما هي؟ مرَّ علينا في الآجرومية أن حروف القسم ما تدخل إلا على الاسم، وهنا (لقد) ما هي اسم.
الطالب: محذوفة (...) واللهِ لقد.
الشيخ: ما يمكن القسم بالواو ما يحذف منه المقسَم به.
طالب: القسم مقدر.
الشيخ: مقدر.
الطالب: وتالله لقد.
الشيخ: وتالله لقد سبقت.
قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: ٢١]؟
طالب: ما يشترط أن يكون النصر؟
الشيخ: ذكرنا فيه أجوبة.
الطالب: إما أن يكون النصر بالتأييد حتى تنقطع الأسباب، وإما أن يكون النصر لبعضهم على بعض وإن لم يكن دائمًا.
الشيخ: كيف نصر بعضهم على بعض، الرسل ما ينصر بعضهم على بعض، كلهم على هدف واحد؟
الطالب: ينصر بعضهم ببعض.
الشيخ: لا.
الطالب: قلنا: إن النصر يتوقف على أربع حالات.
الشيخ: إما أن يكون النصر بالحجة والبرهان، هذا واحد.
الطالب: وإما يكون بالأكثرية.
الشيخ: أو بناء على الأغلب ثالثًا.
الطالب: ثالثًا: للذين أمروا بالجهاد.
الشيخ: نعم.
الطالب: رابعًا: أن يكون النصر مطلق وهو نصر الآخرة.
الشيخ: وهو نصر الآخرة. هذه أربعة أوجه.
قوله: وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ، ما المراد بجند الله؟
طالب: جند الله هم الملائكة.
الشيخ: الملائكة، لا.
الطالب: النبيون هم الذين يدافعون عن شرعه ودينه.
الشيخ: صح، المدافعون عن شرعه ودينه.
طيب قوله: لَهُمُ الْغَالِبُونَهل الغلبة هنا تكون غلبة بالسيف والسلاح، أو بشيء من آيات الله، أم ماذا؟
طالب: تكون بالحجة والبرهان أولًا.
الشيخ: لا، الغلبة غير النصر.
الطالب: إما تكون بالآيات.
الشيخ: نعم.
الطالب: أو تكون بالملائكة.
الشيخ: بالملائكة، مثل؟
الطالب: في غزوة بدر.
الشيخ: أيَّدهم الله تعالى بالملائكة غلبوا بما أيدهم به من الملائكة، وفي الأحزاب..
الطالب: بالريح.
الشيخ: بالريح وكذلك الملائكة.
ثم قال الله عز وجل: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ [الصافات: ١٧٤] (تول) الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وعَنْهُمْالضمير يعود على أهل مكة، والمراد بالتولي ما فسره المؤلف بقوله: (أي: أعرض عن كفار مكة)، حَتَّى حِينٍيعني: إلى حين غير مبين لكن علمه عند الله، ولهذا قال المؤلف: (حتى حين تؤمر فيه بقتالهم)، وعلى هذا فتكون الآية منسوخة بآيات السيف؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالقتال إلا حين كان له قوة وكان له شوكة، وذلك بعد هجرته إلى المدينة، أما في مكة فلم يؤمر بالقتال؛ لأن الحكمة لا تقتضيه، وعلى هذا فيكون الحين الذي أجل إليه التولي هو الأمر بقتالهم.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ [الصافات: ١٧٤، ١٧٥] (إذا نزل بهم العذاب فسوف يبصرون عاقبة كفرهم) (أبصِرْهم) يعني: انظر إليهم إذا نزل بهم العذاب، وعلى هذا فيكون الإبصار البصر بالرؤية؛ يعني أنك ستبصرهم إذا نزل بهم العذاب، فيكون أمرًا له للنبي صلى الله عليه وسلم بالإبصار حينما ينزل بهم العذاب، والمراد بقوله (أبصِرْهم) تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتطمينه بأن هؤلاء سوف يرون جزاءهم.
وقيل: إن المراد بالإبصار هنا الإنظار؛ (أبصِرْهم) يعني: أنظرهم؛ يعني: أمهلهم، كما في قوله: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧]، وكما في قوله تعالى: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [السجدة: ٢٩]، وغاية القولين واحدة؛ يعني سواء قلنا: أبصرهم بعينك حين ينزل بهم العذاب أو أنظرهم حتى يأتيهم العذاب.
وقوله: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَهذه الجملة يراد بها التهديد؛ تهديد هؤلاء بأنهم سوف يبصرون عاقبة أمرهم، وذلك بالذل والخزي والعار في الدنيا، وكذلك في الآخرة بالعذاب.
قال المؤلف: (فقالوا استهزاء: متى نزول هذا العذاب، قال الله تعالى تهديدًا لهم: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الصافات: ١٧٦]) الهمزة أَفَبِعَذَابِنَاللاستفهام، والفاء عاطفة، وقد ذكر أهل العلم أن همزة الاستفهام إذا دخلت على حرف العطف فإنه يجوز في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن يكون المعطوف عليه مُقَدَّرًا بين الهمزة وحرف العطف، ويُقَدَّرُ بما يناسب المقام.
والثاني: أن تكون الجملة معطوفةً على ما سبق بدون تقدير، ويكون محل الهمزة بعد حرف العطف.
وعلى هذا يكون التقدير: فأبعذابنا يستعجلون، وعلى الأول نقدر ما يناسب المقام، فنقول: أسخروا فبعذابنا يستعجلون.
استعجالهم العذاب على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون بالقول، فيقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.
والثاني: أن يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية؛ لأن المتمادي بالمعصية هو مستعجل للعذاب في حقيقة الأمر؛ لأن المعاصي سبب للعذاب، كما قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦]، وعلى هذا فاستعجال الناس بالعذاب يكون على وجهين. الوجه الأول ما هو؟ ويش؟
طالب: يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية، ويكون بالقول.
الشيخ: مثل قولهم أيش؟ مثاله بالقول؟
الطالب: قالوا.
الشيخ: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، هم يقولون للرسول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، متى هذا الفتح إن كنتم صادقين، هذا استعجال بالقول.
الاستعجال بالفعل هو التمادي في المعصية؛ لأن المعاصي سبب لوقوع العذاب، فاستمرار هؤلاء بتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام يقتضي أن يتعجل لهم العذاب، وهذا استعجال بالفعل، الاستعجال بالقول أنهم يقولون: متى هذا الوعد؟ أين العذاب الذي تعدوننا به؟ فهؤلاء جمعوا بين الوجهين في الاستعجال بالفعل وبالقول.
قال الله تعالى: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الصافات: ١٧٦] (نا) هنا للتعظيم وليست للجمع؛ لأن الله تعالى واحد، وكل ضمير أضافه الله إلى نفسه بصيغة الجمع فالمراد به التعظيم، أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٦، ١٧٧] (إذا نزل) الفاعل يعود على العذاب؛ أي: إذا نزل العذاب بساحتهم، والساحة ساحة القوم؛ أي: فناؤهم، وهو ما قرب من بيوتهم وأرضهم، وهذا يُعَبَّرُ عنه بالتهديد والوعيد، فيقال: نزل العدو بساحتهم، كما جاء في الحديث الصحيح في قصة خيبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقبل عليهم جعلوا يركضون إلى مخابئهم، يقولون: هذا محمد، أو جاء محمد والخميس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» .
فهنا يقول الله عز وجل: فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْنَزَلَأي أيش؟ العذاب؛ أي: حل بهم، و(بِسَاحَتِهِمْأي: بفنائهم) وهذه كلمة يقولها العرب للتهديد.
(قال الفرَّاء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم)، الفرَّاء أحد علماء اللغة العربية، وهو حجة فيما يقول إن العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم، فكأنه يقول: فإذا نزل بهم، على كلام الفراء أن يكون تقدير الآية: فإذا نزل بهم، ولكن لا حاجة إلى أن نقول هذا القول؛ لأنه من المعروف أن العدو إذا نزل بقوم ليس ينزل في دورهم من أول وهلة، ولكنه ينزل بساحتهم وفنائهم ثم يهجم عليهم ويُغِير عليهم.
وفي هذا استعارة كما يقول البلاغيون؛ حيث شبَّه العذاب بعدو ينزل بهم -يعني بساحتهم- ثم حذف المشبَّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ وهو النزول بالساحة، ومثل هذه الاستعارة يسمونها استعارة مكنية؛ لأنه حذف فيها المشبَّه به ورمز إليه بشيء من لوازمه.
قال: فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَقال المؤلف في (ساء): (بئس)، ثم قال: (صباحًا)، ثم قال: صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ؛ وذلك لأن (ساء) من أفعال الذم، وأفعال الذم تحتاج إلى شيئين: فاعل وتمييز، فقدَّرَ المؤلف التمييز في قوله: (صباحًا)، وأما الفاعل فهو في الآية، وهو قوله: صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَأي: بئس صباح المنذرين صباحًا، أو ساء صباح المنذَرين صباحًا.
والمهم أن أفعال الذم وكذلك أفعال المدح مثل: نِعْمَ وحبَّذا وما أشبهها تحتاج إلى فاعل وإلى تمييز، فالمؤلف قدَّر التمييز، ولكن هل هذا التقدير لازم؟ الصحيح أنه ليس بلازم، وأن الفاعل يسدُّ مسدَّه، كما في هذه الآية وفي كثير من الآيات أيضًا؛ مثل: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠]، ولم يقل: نعم العبد عبدًا.
طيب فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَالْمُنْذَرِينَاسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟ اسم مفعول؛ أي: ساء صباح القوم الذين لا حجة لهم؛ لأنهم أُنْذِروا وقامت عليهم الحجة فليس لهم عذر، قال: فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَففيه إقامة الظاهر مقام المضمر؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكنه قال: فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ، فأقام الظاهر مقام المضمر. اشرح لي ها العبارة هذه.
طالب: يعني مدلول الكلام أنه..
الشيخ: مقتضى السياق أن يقول..
الطالب: أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكن ذكر هنا المنذَرين..
الشيخ: فأقام الظاهر؛ لأن (المنذَرين) اسم ظاهر مقام؟
الطالب: مقام الضمير المضمر.
الشيخ: مقام الضمير أو المضمر، وإقامة الظاهر مقام المضمر لا بد لها من فائدة؛ إما لفظية، وإما معنوية، وإما لفظية معنوية، فلننظر هنا: إقامة الظاهر هنا مقام المضمر له فائدة لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات؛ لأن الله تعالى يعبِّر بالكلمة والظاهر خلاف التعبير بها من أجل مراعاة الفواصل، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠] في سورة طه، ومن المعلوم أن موسى أفضل من هارون، وهو يُقَدَّم عليه في كتاب الله لكن في هذه الآية رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىقدَّمَ هارون على موسى مراعاة للفواصل؛ لأن سورة (طه) فواصلها كلها غالبها بالألف.
هنا نقول: فساء صباحهم، لو قال: (فساء صباحهم) لم تنسجم الفاصلة مع التي قبلها والتي بعدها فقال: فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ، وهذه فائدة لفظية أو معنوية لفظية؛ أما المعنوية فهي إقامة الحجة على هؤلاء الذين نزل العذاب بساحتهم؛ وهي أنهم قد أنذروا ولم يكن لهم عذرٌ واستحقوا العذاب بعدل الله عز وجل.
فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَطيب ما الإنذار؟ يقول العلماء: إن الإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف، والبشارة هي الإعلام المقرون بالتفريح بما يفرح ويسر، فالبشارة بالسارِّ، والإنذار بخلافه، إذن (المنذَرين) الذين أنذورا بإقامة الحجة عليهم؛ أي: أعلموا بما يخوفهم إذا خالفوا أمر الله.
قال: (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٨، ١٧٩] كرَّر تأكيدًا لتهديدهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم) هذه الآية -كما تشاهدون- هي نفس الآية اللي قبلها الآية؛ اللي قبلها يقول: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ، وهنا قال: وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَلم تختلف عنها إلا بحرف العطف، الأولى فَتَوَلَّوالثانية وَتَوَلَّ، أيضًا الأولى قال: (أبصِرْهم) وهنا قال: (أبصِرْ) فأطلَقَ، وإلا فهي هي، والفائدة من التكرار هو تكرار إنذارهم؛ وذلك بتهديدهم، وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كلما كرر الكلام ازداد توكيدًا.
ثم قال: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٨٠، ١٨١] سُبْحَانَ رَبِّكَنريد إعرابها من الأخ.
طالب: (سبحان) اسم مصدر لـ(سبح).
الشيخ: هذا من حيث التصريف، الإعراب وهي منصوبة.
طالب: مفعول مطلق.
الشيخ: على أنها مفعول مطلق، عامله محذوف وجوبًا، إذن (سبحان) من حيث التصريف اسم مصدر (سبح)، من حيث الإعراب منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، ولهذا لا يجمع بين (سبحان) و(سبح) ما يقال: سبح سبحان.
طيب وسُبْحَانَ رَبِّكَ؛ أي تنزيهًا له، وقد مرَّ علينا ماذا يُنَزَّه الله عنه. ما الذي ينزه الله عنه؟ نريد منك أن تكون طالب علم ومراقب مسجل.
طالب: عما لا يريده.
الشيخ: ويدور على.
الطالب: على التمثيل و(...) النقص.
الشيخ: على شيئين: التنزيه عن المماثلة، وعن النقص في صفات الكمال.
وقوله: سُبْحَانَ رَبِّكَأضاف الربوبية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون المراد بها ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية تنقسم إلى قسمين: عامة لجميع الخلق، وهذه ربوبية السلطة والتدبير، وخاصة، وهي ربوبية التربية والعناية، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]، فالأولى عامة (رب العالمين)، والثانية خاصة رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ، ولهذا صار من مقتضى هذه الربوبية أن الله تعالى قال لهما: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦].
قال: سُبْحَانَ رَبِّكَوالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم؛ أي تنزيهًا لربك الذي شملك برعايته وعنايته.
ثم قال: رَبِّ الْعِزَّةِأي: الغلبة، و(رب) هنا بمعنى صاحب، وليست بمعنى خالق، وهي في القرآن تأتي بمعنى خالق ومالك ومدبِّر إلا في هذا الموضع، فالمراد بها صاحب فقط، ولا يمكن أن تكون بمعنى خالق؛ لأن العزة صفة من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة، فيتعين أن يكون المراد بالرب في قوله: رَبِّ الْعِزَّةِصاحب العزة وليس خالق؛ لأن صفات الرب غير مخلوقة.
وقوله: رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِأضاف الرب هنا إلى العزة دون غيرها من صفاته؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ فإن المقام الآن في ذكر مآل النبي صلى الله عليه وسلم ومآل المكذبين له، وأن مآله أن ينصره الله، وأن تكون الغلبة له، وأن يكون الذل والخذلان لأعدائه، إذن المقام هنا يقتضي الصفة التي تكون بها الغلبة، وهي العزة، قال الله عز وجل في سورة المنافقين: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨]، وهذا حقيقةً يخرج الأعز الأذل، ولكن من الأعز؟ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وأما المنافقون فلا عزَّة لهم.
وعلى هذا فنقول: إن الله ذكر هنا صفة العزة دون غيرها؛ لأن المقام يقتضي ذلك حيث إنه في سياق الغلبة للرسول صلى الله عليه وسلم والذل لأعدائه.
ومن أسماء الله تعالى العزيز، وما أكثر وروده في الكتاب العزيز، قال العلماء: والعزة ثلاثة معان: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام قُلْها لنا.
طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.
الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء، وعزة القدر أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا، وعزة الامتناع أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء، ومن الثالث قولهم: أرض عزاز؛ يعني صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِالغلبة، عَمَّا يَصِفُونَبأن له ولدًا) قوله: عَمَّا يَصِفُونَيجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم.