وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ص: ١٥] وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِيَنْظُرُإذا تعدت بـ(إلى) فهي نظر
العين، وإن جاءت متعدية بنفسها صارت بمعنى الانتظار، وإن جاءت مطلقة فهي على حسب
السياق؛ يعني إن جاءت غير مقيدة بحرف جر، ولا مقيدة بمفعول فهي على حسب السياق،
مثال التي قُيدت بـ(إلى) قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. فإن نَاظِرَةٌهنا بمعنى (باصرة بالعين)؛ لأنها تعدت بـ(إلى)
وأُضيفت إلى الوجوه أيضًا التي هي مكان العيون، وإذا جاءت متعدية بنفسها فإنها تكون
بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد: ١٨].
وقد تأتي متعدية ويكون المراد بها النظر العِبرة والتفكر كما في قوله
تعالى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١].
وإن جاءت مطلقة غير مُعدَّاة بنفسها، ولا بـ(إلى) فهي بحسب السياق، مثل
قوله تعالى: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين: ٢٣]، منهم من قال: يَنْظُرُونَبمعنى ينتظرون النعيم
الذي يُؤتَى بهم إليهم، ومنهم من قال: يَنْظُرُونَأي
ينظرون إلى ما أنعم الله به عليهم، ومنه النظر إلى وجه الله. هنا وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةًمتعدية بأيش؟
طالب: بنفسها.
الشيخ:
بنفسها؛ إذن هي بمعنى (ينتظر). يعني ما ينتظر هؤلاء، والمشار إليهم أهل مكة أي
كفارها، كما قال المؤلف: (أي كفار مكة) إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةًصَيْحَةًيُصاح بهم وَاحِدَةًلا تُعاد مرة أخرى كما قال الله تعالى: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرّ [القمر: ٤٦]، وقال أيضًا: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ [القمر: ٤٩-٥٠]، وقال: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣]، فالصيحة هي التي تكون يوم القيامة كما قال
المؤلف: (هي نفخة القيامة تحل بهم العذاب) وهي الساعة، هذه الصيحة الواحدة.
(مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍبفتح
الفاء وضمها أي: رجوع) مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍمَانافية، وليست هنا حجازية لاتفاق التميميين
والحجازيين على عدم عملها؛ لأن الحجازيين يُعملونها بشرط الترتيب؛ أي تقدم الاسم
على الخبر، وهنا لم يتقدم الاسم على الخبر بل تأخر، فهي إذن نافية.
ولَهَاجار ومجرور خبر مقدم مِنْ فَوَاقٍ، مِنْحرف جر زائد للتأكيد، وفَوَاقٍمبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها
اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، أما من حيث التصريف فقال المؤلف: (إنها
بفتح الفاء وضمها) فَوَاقٍو{فُوَاقٍ} ومعناه الرجوع، وقيل معناه: الإمهال يعني أنها لا
تمهلهم بل تأخذهم بسرعة، وقيل: إنها إن كانت فَوَاقٍفهي بمعنى الرجوع؛ لأنها (أفاق، يُفيق) إذا رجع إلى عقله، وإذا كان {فَوَاقٍ} فهي بمعنى الإمهال، مأخوذ من قولهم: فُواق ناقة،
فُواق الناقة ما بين الحلبتين، أو ما بين الرضعتين، ما بين الحلبتين إذا كانت
تُحلب، وهي مدة وجيزة؛ يعني مثلًا الإنسان يعصر الثدي كذا، ثم يعود فيعصره، ويعود
ويعصره، فالمدة بين الحلبتين قليلة، وكذلك بين الرضعتين، الرضيع الطفل إذا كان يرضع
الأم يمص، ثم يمص، ثم يمص، وهم يطلقون هذا على سرعة الشيء وعدم إمهاله، ويمكن أن
نقول: إن القراءتين تجمعان المعنيين فيكون المعنى مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍأي: ما لها من رجوع ولا إمهال.
وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص: ١٦] أعوذ بالله، لما توعدهم الرسول عليه الصلاة والسلام
بيوم القيامة، وأن لهم العذاب فيها تحدوا الرسول عليه الصلاة والسلام، بل تحدوا
الله وقالوا: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَايعني
نصيبنا، يقولون ذلك تحديًا واستكبارًا وعنادًا والعياذ بالله، وهذا كقولهم: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢]. هذا قول معاند مستكبر، وكان الواجب عليهم أن
يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، ووفِّقْنا له، هذا الواجب،
أما أن يقولوا: فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِفهذا لا شك أنه في غاية الاستكبار والعياذ بالله.
قال
المؤلف: (وقالوا: لما نزلت فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الحاقة: ١٩] إلى آخره يعني وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ [الحاقة: ٢٥] قالوا: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَاأي كتاب أعمالنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) قالوا ذلك استهزاء).
وما ذهب إليه المؤلف يحتمله
اللفظ لكن لا دليل عليه فيه، والصحيح أن المراد قِطَّنَاأي: نصيبنا من العذاب، الذي توعدتنا به
وقلت: إنه سيأتيكم عذاب كما أتى الأحزاب من قبلكم، فكأنهم يقولون: إذا كان الأحزاب
قد أُوتوا العذاب من قبلِنا فليأتِ لنا نصيبنا، وهذا لا شك أنه في غاية ما يكون من
التحدي والسخرية والاستكبار والعياذ بالله، وأنت تعجب أن تصل الحال بالبَشر وهو
واحد من بني آدم، أن تصل به إلى هذا التحدي والعياذ بالله، ولكن الشيطان إذا
أطاعوه، فإن الشيطان عدو للإنسان يحمله على شيء يكاد الإنسان يقول: إن هذا لا يمكن
أن يقع، والله الموفق.
***
طالب: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ [ص: ١٦ - ٢٢].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى ذكر أن الأمم السابقة كَذَّبت رسلها فأُخِذوا بالعقاب، ذكر الله تعالى ذلك تحذيرًا للمكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، وممن ذكر قوم لوط، فما هي معصيتهم التي انفردوا بها عن سواهم؟
طالب: المعصية هي الفاحشة؛ فاحشة اللواط، انتشرت بينهم حتى زوجة نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام كانت معهم، تعاونهم (...)، هذه الفاحشة، واعتراض الناس في طرقهم.
الشيخ: لا، هذه ما ذكرت في القرآن.
طالب: ناديهم.
الشيخ: نعم، يأتون في ناديهم المنكر، المنكر هو نفس هذا الشيء. ماذا كان عقوبتهم؟
الطالب: عقوبتهم يعني انقلابهم، بيوتهم تركض إلى الأسفل وهي أرضهم على الأسفل، يعني فيه قولان؛ قول: (...) الأسفل.
الشيخ: أن الله قلب مدائنهم، القول الثاني؟
الطالب: القول الثاني: يعني انقلب عليه الأرض، جعل أعلاهم أسفل.
الشيخ: هذا نفس القول الأول.
الطالب: والقول الثاني: هو الذي (...) السقف الأسفل.
الشيخ: تمام، يعني أمطر الله عليهم حجارة من سجيل فهدمت البناء حتى كان أعلاها أسفلها.
قوله: أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ [ص: ١٣، ١٤] كيف نعرب هذه؟
الطالب: أُولَئِكَمبتدأ.
الشيخ: أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ.
الطالب: أُولَئِكَمبتدأ كُلٌّخبر.
الشيخ: والْأَحْزَابُ؟
الطالب: صفة.
الشيخ: صفة لـأُولَئِكَ، ما فيه إعراب آخر؟
الطالب: أُولَئِكَ الْأَحْزَابُأُولَئِكَمبتدأ والْأَحْزَابُخبر.
الشيخ: أُولَئِكَ الْأَحْزَابُفتكون إِنْ كُلٌّاستئنافية لبيان مآل هؤلاء الأحزاب.
قال الله تعالى: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَكيف نعرب إِنْ؟
طالب: (إن) نافية بمعنى (ما).
الشيخ: بمعنى (ما)، ما علامة (إن) النافية؟
الطالب: تكون بعدها (إلا).
الشيخ: أن يقع بعدها (إلا) تمام. لماذا قال الرسل، هل الرسل هنا جمع موزع على ما سبق توزيع أفراد أو توزيع جمع؟
الطالب: محتملة، لكن الأرجح أنها توزيع.
الشيخ: محتملة أيش؟ مش محتملة.
الطالب: محتملة أن تكون موزعة توزيع أفراد؛ بمعنى أن كل حزب كذب رسوله وهذا المراد، ويحتمل أن يكون الثاني أن يكون كل حزب كذَّب جميع الرسل، وهذا هو الأرجح.
الشيخ: توزيع أيش يكون؟
الطالب: توزيع جمع.
الشيخ: توزيع جمع؛ لأن الجمع مُوزَّع على كل فرد؛ يعني كل حزب كذَّب جميع الرسل، ما هو الراجح؟
الطالب: الراجح أنها توزيع جمع.
الشيخ: توزيع جمع، ما هو الدليل على رجحانه؟
الطالب: أن الله سبحانه وتعالى قال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥].
الشيخ: أن الله قال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَمع أنه لم يسبق نوحًا رسول، ومع ذلك قال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَما وجه هذا القول؟ ما وجه أن نقول: إن المكذب لرسول واحد مكذب لجميع الرسل؟
الطالب: لأن الكل من عند الله.
الشيخ: لأن الكل من عند الله ودعوتهم واحدة، فيكون تكذيب جنس لا تكذيب شخص، تمام.
قوله: مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِما معنى مَا يَنْظُرُ؟
طالب: معنى مَا يَنْظُرُيعني على معنيين.. لفظ يعني وجهين.
الشيخ: ما نريد لفظًا، حدِّد مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً؟
الطالب: إذا جاءت بمعنى (إلى).
الشيخ: أنا قلت: قل الآية هذه؛ لأن ترى الذي إذا سألته عن شيء محدد، وراح يجيب التفصيل معناه ما عرف، كطالب سُئِل عن مسألة فكتب الفصل كله، فيه طالب في الامتحان سأله ما حكم الالتفات في الصلاة؟ فقال: ج: يُكره في الصلاة التفاته، ورفع بصره إلى السماء، وتخصره. واسرد الفصل كله، واكتب في الأخير، خذ ما شئت ودع ما شئت، يعني أنت مثلًا أسألك عن شيء محدد تجيب كل القسم، أقول: ما معنى قوله: مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ؟
الطالب: ما ينتظر يعنى.
الشيخ: ما ينتظر هؤلاء، أحسنت. كلمة يَنْظُرُتأتي لمعانٍ منها ينتظر كما في هذه الآية، ومنها؟
طالب: منها النظر والإبصار، المعنى الثاني، إذا كانت..
الشيخ: منها أن تأتي بمعنى النظر للعين.
الطالب: إذا كانت مُعدَّاة بـ(إلى).
الشيخ: إذا كانت مُعدَّاة بـ(إلى) مثل: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] والثالث؟
الطالب: أن تكون بحسب السياق، بنظر التفكر يعني.
الشيخ: أن تكون بنظر التفكر.
الطالب: لقوله تعالى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ١٨٥].
الشيخ: قُلِ انْظُرُوا [يونس: ١٠١].
الطالب: قُلِ انْظُرُوا.
الشيخ: في ملكوت ومثل أيضًا الذي أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُإذن تأتي بمعنى النظر الفكري، ويؤيد ذلك السياق.
قوله: مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍفَوَاقٍفيها قراءتان؟
طالب: فَوَاقٍو{فُوَاق}.
الشيخ: هل معناهما واحد على ما ذهب إليه المؤلف وعلى ما قررناه؟
طالب: فَوَاقٍمعناها الرجوع والإهمال.
الشيخ: ما معناها على رأي المؤلف؟ هل معنى اللفظتين واحد؟
الطالب: على رأي المؤلف معناها الرجوع فقط.
الشيخ: إذن معناهما واحد؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني فَوَاقٍو{فُوَاقٍ} معناهما واحد، كذا؟ فيه رأي آخر؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: أن {فُوَاقٍ} هو مُدَّة بين حلبتين.
الشيخ: فُوَاق الناقة؛ يعني المدة بين الحلبتين أو الرضعتين إذا كانت يرضعها طفلها. والمعنى إذا أخذنا بالقراءتين يكون معنى الآية، أخذنا بالقراءتين على الوجهين الذين ذكرنا.
طالب: يعني شدة سرعة أخذهم.
الشيخ: سرعة أخذهم كذا؟ وأنه لا يُرفع عنهم، فإذا فسرناها بالرجوع مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍبالرجوع بمعنى أن العذاب لا يُرفع عنهم، مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍيعني من إمهال، فالمعنى أنه سريع بهم.
قال الله تبارك وتعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ [ص: ٦، ٧].
من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من التوحيد ليس عندهم دليل إلا ما كان عليهم آباؤهم؛ لقولهم: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ.
ومن فوائدها: أن هؤلاء مكابرون معاندون، فمع كونهم لا دليل عندهم قالوا: إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ.
ومن فوائدها أيضًا: أن كل إنسان ليس عنده علم شرعي فإنه يلجأ إلى ما كان الناس عليه في العادة، وهذا كما هو فيما سبق، فهذا فيما حضر كثير من الناس تنهاه عن المنكر فيقول: هذا الذي مشى عليه الناس، وهذا ليس بحُجَّة، وهذا كما أنه سابق فهو أيضًا لاحق، فإن من الناس من إذا أنكرت عليه المنكر قال: هذا ما زال الناس عليه، أو يقول: ما سمعنا بهذا.
ومنه قول بعض العامة إذا نُبِّهوا على شيء لم يكونوا يعرفونه، قالوا: هذا دين جديد، ما سمعنا بهذا، وهذا ليس بحجة، الحجة: الدليل القائم من كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد هذه الآيات في قوله: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا [ص: ٨] إلى آخره: أن هؤلاء يريدون أن يكون الشرع تابعًا لأهوائهم، يأتي الوحي من يشاؤون، ويمتنع عمن لا يشاؤون؛ لقوله: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا.
ومن فوائدها: أن صاحب الباطل لا يعرف أن حجته حجة عليه؛ لأن قولهم: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَاهي حجة فيما لو نزل الذكر على من يشاؤون؛ لأنه لو نزل على من عينوه وأرادوه لقال غيرهم: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن كل مُبطل يحتج بحق -أي بدليل الحق- لكن استدلاله به باطل فإنه لا حجة له، ومن ذلك ما يحتج به أهل التحريف في باب الصفات أو غيره من الأدلة الصحيحة التي ليس لهم فيها استدلال، فمثلًا أهل التعطيل يستدلون لتعطيلهم بقول الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، ومن المعلوم أنه عند التأمل يكون هذا الدليل حجة عليهم؛ لأن نفي المماثلة يدل على ثبوت أصل المعنى، ولو لم يكن أصل المعنى ثابتًا لم يكن لنفي المماثلة فائدة، أليس كذلك؟
وهكذا كل مبطل يحتج لباطله بحجة صحيحة لكن استدلالها بها غير صحيح نجد أن هذه الحجة حُجَّة عليه، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه درء تعارض العقل والنقل المعروف بالعقل والنقل أنه ملتزم بأنه ما من صاحب باطل يحتج بآية أو حديث صحيح إلا كان دليله حجة عليه وليس له.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين اقترحوا هذا الاقتراح، وأنكروا أن ينزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم هم في شك مما يدعون، فإذا كانوا في شك فكيف يقترحون؟ ولهذا قال: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل يوشك أن ينزل بهم العذاب؛ لقوله: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ.
ومن فوائدها: أن العذاب إذا نزل فإنه يكون ماسًّا للإنسان مؤثرًا فيه؛ لأنه عبر عن ذلك بقوله: يَذُوقُوا عَذَابِ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الكلمات تُفسَّر بحسب السياق، فالذوق في الأصل إنما هو في الطعام والشراب، ولكن قد يُراد به ما أصاب الإنسان إصابة مباشرة فإنه يُسمى مذوقًا.
ثم قال عز وجل: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ [ص: ٩، ١٠].
من فوائد هاتين الآيتين: إبطال حجة هؤلاء الذين قالوا: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا، وذلك بأن إنزال الوحي على شخص ما هو من فضْل الله عليه، ومن خزائن رحمته، وهذا لا يملكه هؤلاء المقترِحون؛ لأن الأمر والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله الْعَزِيزِوالْوَهَّابِ، وإثبات ما تضمنها من صفة، فالعزيز تضمن صفة هي العزة وأقسامها ثلاثة، كما مر علينا في التفسير، والوهاب تضمن صفة هي الهبة الكثيرة، وما أكثر هبات الله عز وجل، وتضمن القدرة؛ لأنه لا يهب إلا القادر، وتضمن الغِنى؛ لأن من لا شيء عنده لا يمكن أن يهب، وتضمن الكرم؛ لأن البخيل لا يهب، دلالة الوهاب على الهبة من باب دلالة؟
طالب: المطابقة.
الشيخ: لا.
الطالب: التضمن.
الشيخ: التضمن، من باب دلالة التضمن وعلى الهبة والوهاب من باب دلالة المطابقة، وعلى القدرة والغنى والكرم من باب دلالة الالتزام، فإذن في هذا الاسم أنواع الدلالات الثلاثة وهي؟
طالب: (...) الوهاب.
الشيخ: أنواع الدلالات الثلاثة ما هي؟
الطالب: الالتزام، والمطابقة، والتضمن.
الشيخ: الفرق بين هذه الثلاثة؛ أن دلالة اللفظ على جميع معناه دلالة مطابقة، وعلى جزء معناه التضمن، وعلى اللازم الخارج الذي لا يدل عليه اللفظ بلفظه لكن من لوازمه دلالة التزام، أضرب لها مثلًا في أمر حسي ليتبين به الأمر المعنوي، هذا بيت يشتمل على غرف ومجالس وبرحات؛ يعني أحواشًا، دلالة هذا البيت على جميع ما فيه من الغرف والمجالس والأحواش دلالة مطابقة، ودلالته على كل حجرة وحدها، وكل مجلس وحده، وكل حوش وحده دلالة تضمن، ودلالته على أن له بانيًا دلالة التزام؛ لأن البيت لا بد له من بانٍ فنقول: هذا قد بناه بانٍ، ويش الدليل؟ لأن البيت لا بد له من بانٍ، فالوهَّاب مثلًا دلالته على الاسم والصفة التي هي الهبة، على الاسم والهبة؟
طلبة: مطابقة.
الشيخ: مُطابَقة، وعلى الاسم وحده أو الهبة وحدها؟
طلبة: التضمن.
الشيخ: التضمن. وعلى القدرة والغنى والكرم.
طلبة: التزام.
الشيخ: دلالة التزام.
ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة فواصل الآيات لسياق الآية؛ لأن الْعَزِيزِ الْوَهَّابِيناسب قوله: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ.
والمطابقة أو مناسبة فواصل الآيات لمضمون الآية دليل على البلاغة، ولا يشذ عن هذا شيء؛ ولهذا لما قرأ رجل عند أعرابي: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُور رَحِيم) استغرب الأعرابي كيف يقول: (نكالًا من الله)، ثم يقول: (والله غفور رحيم)؟ المغفرة والرحمة لا تتناسب مع النكال، فقال الأعرابي للقارئ: أعِدْ قال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غفور رحيم) قال: أعِد، ما هكذا الآية. فقال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]، قال: الآن عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله تعالى في سورة المائدة في الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا قال: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٣، ٣٤] فأخذ العلماء من هذه الآية أنهم إذا تابوا قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد؛ لأن الله قال: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌأي: فإذا غفر لهم ورحمهم فإنهم لا يُقام عليهم الحد.
في هذه الآية مناسبة أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِمناسبة ظاهرة؛ لأن الله ذو رحمة، وذو عزة وغلبة، وذو هبة وعطاء، فيُعطي من شاء بما تقتضيه عزته من خزائن رحمته، لكن بعض الآيات تكون فواصلها مخالفة لمضمونها فيما يظهر، مثل قول عيسى عليه الصلاة والسلام: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٧، ١١٨]. فهنا جاء قوله: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُجوابًا لقوله: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْوكان المتوقع أن تكون الآية (وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم)، فاستشكل بعض العلماء هذا، وقالوا: كيف يقول: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُولم يقل: (فإنك أنت الغفور الرحيم)، وأُجيب عن ذلك بأن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يقتصر على ذكر المغفرة، بل ذكر المغفرة والتعذيب، قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْوَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْفكان الحُكم الآن مترددًا بين المغفرة والرحمة، إن نظرنا إلى قوله: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْوبين العزة والحكمة والحكم إذا نظرنا إلى قوله: إِنْ تُعَذِّبْهُمْفصار ختم الآية، أو ختم القول بقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُأنسب؛ لأن حتى المغفرة إذا حصلت فهي من عزة وحكمة.
ثم قال عز وجل: أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [ص: ١٠].
من فوائد هذه الآية كالتي قبلها: أن الخلق لا يملكون خزائن رحمة الله، ولا يملكون السماوات والأرض وما بينهما؛ لأن ذلك ممن؟ من الله عز وجل؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ» . فخزائن رحمة الله لا يملكها أحد، الذي يملكها هو الله عز وجل.
وفي حديث ابن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَنْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» .
ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يعلق رجاءه إلا بمن؟ إلا بالله عز وجل، لا يعلق رجاءه بمخلوق إلا في الحدود الضعيفة المرسومة، يجعل الرجاء كله والتعلق كله بالله سبحانه وتعالى، وإذا جعل هذا بالله سَخَّر الله له المخلوقات؛ حتى البشر يُسخِّرهم له، لكن إذا تعلق بغير الله وُكِل إليه وضاع، من أين يؤخذ؟ من قوله: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ [ص: ٩]، فخزائن رحمة الله عند الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ملكية الله للسماوات والأرض وما بينهما؛ لأن نفي ملك هؤلاء لها دليل على ثبوت الملكية لغيرهم، ولا مالك لهذه إلا الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم ما بين السماء والأرض، ووجهه: أن الله جعل ما بينهما قسيمًا لهما، والقسيم لا بد أن يكون معادلًا أو مقاربًا لقسيمه، لا يمكن أن تأتي بشيء عظيم تُقارِن بينه وبين شيء بعيد منه في العِظَم.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحدي هؤلاء المكذبين أن يأتوا بما يدل على أن لهم شيئًا من ملك السماوات والأرض؛ لقوله: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ.
ومن فوائدها: أنه لا ينبغي التحدي إلا بما لا يستطيعه المتحدَّى، لماذا؟ لأنك لو تحديته بشيء يستطيعه، ثم قام به؛ بطلت حجتك، تبطل الحجة نهائيًّا، وهذا يفيدك في باب المناظرة وفي باب النظر أيضًا؛ لأن الناس ناظر ومناظر، فالناظر هو الذي يتأمل الأدلة من ذات نفسه ويحكم عليها والناظر هو الذي يناقشها مع غيره، فمن فوائد النظر والمناظرة أن الإنسان لا يفرض شيئًا على وجه التحدي إلا إذا علم أنه غير ممكن للمتحدَّى؛ لأنه لو فرض شيئًا يتحداه به، ثم أتى به المتحدَّى بطلت حجته وانهارت، وهو أيضًا بنفسه لا تكون عنده القوة المدافِعة أو المهاجمة إذا بطلت حجته كما هو معلوم، والله أعلم.
طالب: إذا كان يا شيخ (...) المناظرة يأتي له بالدليل الأسهل فالأسهل حتى يعرف مقدار علمه، يعني ما يعرف الرجل (...).
الشيخ: على كل حال هذا حسب الحال، قد يكون من المصلحة أن تأتي له بالدليل الأعلى علشان يسكت على طول، أحيانًا يستعمل الإنسان السلاح الثقيل ليقضي على خصمه من أول وهلة؛ لأنه ربما لو تأتي له بالسهل ويجيب ربما تضعف أنت؛ لأن تعرف الضربات إذا توالت على الإنسان أضعفته، (...).
من أن يرتقوا إلى السماء، ويؤخذ من قوله: جُنْدٌ مَا [ص: ١١] فإن مَاهذه تفيد التحقيق.
ومن فوائد هذا الآية: أن بعض العلماء أخذ منها أنه لا يمكن الوصول إلى القمر؛ لأن الله قال: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ، ثم قال: جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ. ومعلوم أن القمر في السماء، فإذا كان هؤلاء الذين يحاولون أن يرتقوا في الأسباب إلى السماء إذا كانوا جندًا حقيرين مهزومين فإنه لا يمكن أن يُوصَل إلى القمر، فهل يمكن أن يُؤخَذ من هذه الآية؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: يمكن أو لا يمكن؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: نعم؟
طالب: ظاهر الآية ممكن.
الشيخ: ظاهر الآية أنه ممكن، والله مشكلة، معناه أننا أيضًا نأخذ من هذه الآية دليل على أن الناس يصلون إلى القمر، إذا كان هذا ظاهر الآية معناه أن الآية دلَّت على أيش؟ إمكان الوصول إلى القمر عكس ما استدل به بعض الناس، والحقيقة أنه لا يمكن أن يكون فيها دليل على امتناع الوصول إلى القمر؛ لأن القمر في السماء الذي هو بمعنى العلو، وليس في السماء الذي هو السماء المحفوظة، وهذا أمر مؤكد يعني ما يختلف فيه اثنان، وإذا كان السحاب في السماء، ويُطلق عليه سماء كما قال تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [الرعد: ١٧]، والناس الآن يصعدون فوق السماء الذي هو السحاب، أليس كذلك؟ كثير منكم ركب الطائرة وهي فوق السحاب، السحاب تحتها، فكذلك القمر في السماء تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا [الفرقان: ٦١] لا شك أن القمر في السماء، ولكن هل هو في السماء الذي هو السقف المحفوظ الذي لا يدخل إليه أشرف الملائكة وأشرف البشر إلا باستئذان؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، قطعًا لا، بل هو تحته بكثير. إذن فنقول: إنه ليس في الآية دليل على استحالة الوصول إلى القمر كما أنه ليس فيها دليل على إمكان الوصول إلى القمر، ويُترك هذا الأمر للواقع، فإذا صح أنهم وصلوا إلى القمر فإن الشرع لا يحيله، الشرع لا يحيل ذلك، وإذا لم يصح فإن الشرع لا يثبته، الشرع لا يثبت أنهم يصلون، ولا ينفي أنهم يصلون، فإذا قالوا: وصلنا إلى القمر، وثبت ذلك، قلنا: الحمد لله، هذا لا يعارض شرعنا؛ لا كتاب الله ولا سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن القمر تحت النجوم، والنجوم قال الله فيها: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [الملك: ٥] لكن القمر تحتها، وأنا وغيري شاهدنا أن القمر حجب النجوم، أنا شاهدته بعيني كان يساير النجمة التي تسمى (نجمة الصباح)، يسايرها، ومعروف أن القمر يتأخر، فإذا بها تختفي، ابتلعها القمر، ما نشاهدها، فصار كما لو جاءت سحابة، فحالت بيننا وبين القمر، وحدثني من أثق به أن هذا يقع أحيانًا ونشاهده.
إذن صار القمر ليس في السماء التي هي السقف المحفوظ، فإذا ثبت أنهم وصلوا إليه فلا غرابة في ذلك. إذن ليس في الآية ما يدل على انتفاء الوصول إلى القمر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وأن الجنود مهما عظموا فهم حقيرون بالنسبة إلى قوة الله عز وجل وعزته، مهزومون أمام قوته؛ ولهذا قال: مَهْزُومٌ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على هؤلاء المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم أن يعتبروا بمن سبقهم؛ لقوله: مِنَ الْأَحْزَابِأي: هم جند حقير مهزومون كما هُزِم غيرهم من الأحزاب، قالت عاد: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] ؟ فقال الله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ.
ثم قال الله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ [ص: ١٢] إلى آخره، في هذه الآية: تسلية وتهديد، تسلية لمن؟
طلبة: للرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: للرسول صلى الله عليه وسلم، وتهديد للمكذبين له؛ أن يصيبهم مثل ما أصاب من قبلهم.
ومن فوائدها: إثبات الرسالة لنوح عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: قَوْمُ نُوحٍوهو كذلك، فإن نوحًا صلى الله عليه وسلم هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض.
وكذلك أيضًا من فوائدها: إثبات الرسالة لهود؛ لقوله: وَعَادٌ. وعاد هم قوم هود فإنهم كذبوا مَنْ؟ كذبوا هودًا، إذن ففي الآية إثبات رسالته، وفي الآية إثبات رسالة موسى؛ لقوله: وَفِرْعَوْنُومعلوم أن الذي أُرسِل إلى فرعون هو موسى، ففي الآية إثبات رسالة موسى.
ومن فوائدها: أنه مهما عظم سلطان المكذبين للرسل فإنهم أذلاء بالنسبة لسلطان الله عز وجل؛ لقوله: وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ.
ومن فوائد الآية: إثبات رسالة صالح؛ لقوله: وَثَمُودُ [ص: ١٣] والمرسل إلى ثمود أخوهم صالح.
ومن فوائدها: إثبات رسالة لوط؛ لقوله: وَقَوْمُ لُوطٍ.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات رسالة شعيب؛ لقوله: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ [الشعراء: ١٧٦، ١٧٧].
ومن فوائدها: أن جميع هؤلاء الأحزاب كذبوا الرسل؛ لقوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ [ص: ١٤].
ومن فوائدها: الاعتبار بالأغلب، وأن الكل قد يُطلق عليه؛ أي على الأغلب؛ لأن قوم نوح لم يُكذِّبوا كلهم، قال الله تعالى: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠]، وكذلك عاد قال الله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [هود: ٥٨] وكذلك لوط آمن معه مَنْ آمن مِنْ أهله كما قال تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: ٣٥] كذلك فرعون، توافقون؟
طالب: (...) رجل.
الشيخ: لا، هؤلاء قومه، أما فرعون نفسه فهو ما آمن إلا حين أدركه الغرق إيمانًا لا ينفعه. ثمود أيضًا آمن معه من آمن، وعلى هذا فالله عز وجل قال: إِنْ كُلٌّأي من هؤلاء كَذَّبَ الرُّسُلَباعتبار الأغلب.
ومن فوائد الآية: أن من كذب رسولًا من الرسل فهو مُكذِّب لجميع الرسل؛ لقوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ [ص: ١٤] وقد ذكرنا في تفسيرها أنها محتملة أن تكون عائدة لكل فرد باعتبار الجمع، أو باعتبار الأفراد؛ يعني هل من توزيع الجمل أومن توزيع الأفراد؟ وذكرنا أن الراجح أنها من باب توزيع الجمل على الأفراد، وذكرنا الدليل على ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن تكذيب الرسل سبب للعقوبة؛ لقوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّوالفاء هنا للسببية، وهي أيضًا عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها سببية وتعقيب، وأن العقاب حل بهم، وهم ما زالوا على تكذيبهم.
ثم قال تعالى: فَحَقَّ عِقَابِيؤخذ منها فائدة؛ وهو شدة هذه العقوبة؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، وقد قال سبحانه وتعالى عن نفسه: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨].
ثم قال تعالى: وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍفي هذا أشد التهديد للمكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولازم ذلك إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم، ووجهه أن الله توعَّد المكذبين له، ولولا أن رسالته حق لكان الوعيد عليه هو كما قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. الله أكبر، شوفت الآيات، بهذه الشدة هذا الأسلوب الشديد للرسول عليه الصلاة والسلام لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِبالقوة ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَحتى لا يبقى به حياة، الْوَتِينَعرق يتصل بالقلب لو قُطِعَ مات الإنسان فورًا.
فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، هذا وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، لو تقوَّل على الله كلمة واحدة لأخذه الله باليمين، فكيف بالذين يتقوَّلون على الله كلمات ولا يبالون أن يقولوا: قال الله وهو لم يقُل؟! ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله من ورعه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا إذا كان قد نُصَّ على تحريمه، وإلا تجده يقول: أكره هذا، أو: لا يعجبني، أو: لا يفعل أو: تركه أحبُّ إليَّ، أو ما أشبه ذلك، ولكن ما شاء الله كان إمامًا صار الناس يتداولون هذه الكلمات ويحللونها، هل إذا قال: لا يعجبني يعني التحريم أو يعني الكراهة؟
ثم بدأ الناس يتلقون كلامه كأنه كلام رسول، يحللونه؛ لأنه رحمه الله خاف الله، واتقى الله، فجعل الله لكلماته نورًا، بخلاف الآن اللي يقولون: ما شاء الله: الإسلام يحرم كذا وكذا، وإذا رأيته الإسلام يحلله، يمكن يوجبه بعض الأحيان، وهذا يقول: يُحرِّم، الإسلام يتكلم واحد مُعرَّض للخطأ باسم الإسلام، أنت لو قلت: أرى أنه حرام، قلنا: هذا رأيك، وممكن تخطئ وتصيب، أما أن تقول: الإسلام، وقال الإسلام، وفعل الإسلام، هذه خطيرة يا جماعة؛ لأن أعداء المسلمين يتآخذون مثل هذا، ويقولون: هذا الإسلام، وكانت تخالف الإسلام، أخذوا من هذا قدحًا في الإسلام، والإسلام بريء منه، لكن بعض الناس سبحان الله العظيم يجعل لنفسه منصبًا عاليًا فوق مستواه.
إذن نعود إلى هذا، نقول: في هذا إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ووجهه أن الله توعد المكذبين له، ولو كانت غير رسول لكان الوعيد على منْ؟ عليه هو، والدليل قوله: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ.
ومن فوائد هذه الآية: تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا قيل له: سنهلك أعداءك سوف يتسلى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العذاب إذا أخذهم فإنه لن يرجع ولن يتأخر، قال الله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٤، ٨٥].
ثم قال تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِلما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوعدهم بعذاب يوم القيامة سخروا من هذا وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَايعني عجِّل لنا نصيبنا من العذاب، يقولون هذا استهزاءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وسخرية به، قال: (قالوا ذلك استهزاءً).
فقال الله تعالى: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ص: ١٧].
هم في قولهم: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَايريدون بذلك مضايقة الرسول صلى الله عليه وسلم، يريدون بذلك مضايقته حتى يضجر ويتعب نفسيًّا وفكريًّا وربما جسميًّا، ولا شك أن هذا يؤذي الداعية، أنت لو دعوت إلى الله وقام واحد وقال: هذا الذي تتوعدنا به يلَّا هاته عجِّل لنا، تضيق بهذا ولَّا لا؟ لا شك أنك تضيق، فالرسول صلى الله عليه وسلم بشر، لولا أن الله تعالى يصبره بالآيات، اصبر اصبر؛ ما صبر، لكن الرب عز وجل يُصبِّره شرعًا، ويعينه على ذلك قدرًا، يصبره شرعًا بالأمر: اصبر اصبر، ويعينه على ذلك قدرًا، فقد صبر النبي صلى الله عليه وسلم صبرًا لا يصبره أحد فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف: ٣٥].
والعجيب أن من صبره أنه صبر حين المقدرة عليهم، صبر على العذاب الذي يكون بيده، وعلى العذاب الذي يكون من عند الله، صبر على العذاب الذي يكون بيده حين فتح مكة، ووقف على باب الكعبة وقريش تحتها يقول: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» . في هذا الحال يستطيع أن يبطش بهم ولَّا لا؟ يستطيع، كلهم أذلة بين يديه، لكن قال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ». بل قال قبل ذلك: «مَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» . زعيمهم، كل هذا من باب العفو والتسامح مع المقدرة.
أما عفوه وتسامحه مع المقدرة بأمر يوقعه الله سبحانه وتعالى فيهم، فإنه لما رجع من الطائف بعد أن فعل به أهل الطائف ما فعلوا أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال وقال: إن الله يقرئك السلام، وهذا ملك الجبال يفعل ما تأمر به. فقال له ملك الجبال: إن شئتَ أن أُطبق الأخشبين عليهم فعلتُ. ولكنه عليه الصلاة والسلام أَبَى. قال: «أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ» .
اللهم صلِّ وسلِّم عليه، انظر إلى العفو، وإلى النظر البعيد، فأخرج الله -ولله الحمد- من أصلاب هؤلاء من عَبَدَ الله، ولم يشرك به، وكانوا أئمة يهدون بأمر الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام يجد المضايقات العظيمة من قريش لكنه يصبر، يصبر على كل أذى، ولهذا قال الله له: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَمن أقول الاستهزاء والسخرية والكذب قالوا: إنه ساحر مجنون كذاب كاهن ولكنه يصبر، صبر على ما يقولون، وصبر على ما يفعلون أيضًا، ماذا فعلوا به؟ أعظم شيء علمتُ به أنه كان ذاتَ يوم ساجدًا تحت الكعبة في آمَن مكان وأعظمه حُرْمة وأقرب ما يكون من ربه، ساجد لله، وكان حوله ملأ من قريش، فقالوا: من ينتدب لنا يأتي بسلى جزور بني فلان يضعه على محمد وهو ساجد؟ فانتدب أشقاهم وذهب وأتى بسلى الجزور، ووضعه على ظهره، دم وروث وقذر ونجاسة على ظهره وهو ساجد، ولكنه لم يقم من السجود، حتى جاءت ابنته فاطمة وهي صغيرة فأزاحته عنه فقام صلى الله عليه وسلم .
هذا لا يستطيع أحد أن يتصور فداحة الأذى والعياذ بالله، ثم لما فرغ من الصلاة دعا الله عليهم، فأجاب الله دعوته، وعذبهم بيده، وسُحِبوا في قليب بدر في غزوة بدر جُثثًا منتنة خبيثة، وطُرِحوا في أحد الآبار هنالك، اللهم انصر الحق أينما كان يا رب العالمين (...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص: ١٦ - ٢٣].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَالخطاب في قوله: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَلرسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره الله أن يصبر على ما يقول له أعداؤه مما يتعلق بجانب الرب عز وجل من إنكار توحيده، ومما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم من وصفه بأنه كذاب وساحر ومجنون، ومما يتعلق بأصحابه، كل ما يقولون مما يسوء الرسول صلى الله عليه وسلم أمره الله تعالى أن يصبر عليه.
وكذلك أيضًا يصبر على ما يفعلون؛ لأن أذية المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم كانت بالقول وبالفعل، جمعًا وإفرادًا، والصبر هو حبس النفس عما لا يجوز في مقابلة البلية والمصيبة.
وقد قسم العلماء -رحمهم الله- الصبر إلى ثلاثة أقسام فقالوا: إنه صبر على أقدار الله المؤلمة، وصبر عن محارم الله، وصبر على طاعة الله، وهذا الأخير هو أعلى أنواع الصبر؛ لأن الصبر الأول صبر قهري، الصبر على المصائب صبر قهري؛ لأن المصائب لم تقع باختيارك، وإنما هي بغير إرادتك فأنت أمامها، إما أن تصبر صبر الكرام، وإما أن تسلو سلو البهائم، وصبر عن محارم الله أيضًا دون الصبر على أوامر الله، وذلك أن الصبر على محارم الله ليس فيه إلا كف النفس فقط، والكف أسهل من الفعل، وأما الصبر على الطاعة فهو أعلاها؛ لأن فيه صبرًا على كف النفس وعلى فعلها، على كف النفس؛ يكفها عن ترك هذا المأمور به، وعلى الفعل يرغمها على أن تفعل؛ لهذا قال أهل العلم: إن الصبر على أوامر الله أفضل من الصبر عن نواهي الله، والصبر عن نواهي الله أفضل من الصبر على أقدار الله المؤلمة، ومن ثم لو سألنا سائل: أيهما أعلى مقامًا وأفضل صَبْرُ يوسف على الحبس، أو صبره عن فعل الفاحشة في امرأة العزيز؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، صبره عن الفاحشة أعظم وأعلى مرتبة.
قال: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ، ما يقولون فيمن؟
طالب: في الرسول.
الشيخ: في الله، كيف في الرسول؟ في الله؛ أولًا: لأن الكلام كل السورة من أولها إلى هذا في إنكار ألوهية الله، أو توحيد ألوهية الله، ما يكون في ألوهية الله، وفي الرسول، وفيما جاء به، وفي أصحابه.
اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَاذْكُرْيحتمل أن يكون من الذكر؛ أي الإخبار عن حاله؛ أي اذكر للناس قصة داود، ويحتمل أن اذْكُرْبمعنى تَذَكَّر، تذكَّر داود، وإذا كان اللفظ يحتمل معنيين لا يتنافيان فالقاعدة التفسيرية أن يُحمل عليهما جميعًا؛ لأنه كلما كانت دلالة الآية أشمل وأعم كان أولى.
وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَعَبْدَنَاوصف الله داود بالعبودية، وهذه أخص أنواع العبودية؛ لأن العبودية إما عامة، وإما خاصة، وإما خاصة الخاصة، فوصف الرسل بالعبودية وصف؟
طالب: خاصة.
الشيخ: لا.
طلبة: خاصة الخاصة.
الشيخ: خاصة الخاصة. ووصف المؤمنين بالعبودية؟
طلبة: خاصة.
الشيخ: خاصة، ووصف عموم الناس بالعبودية عامة، وعليه فقوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣].
طلبة: عامة.
الشيخ: عامة. وقوله: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣].
طلبة: خاصة.
الشيخ: خاصة، وقوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ.
طلبة: خاصة الخاصة.
الشيخ: هذه خاصة الخاصة. وقوله: دَاوُودَهو من أنبياء بني إسرائيل وهو قبل موسى أو بعده؟
طلبة: بعده.
الشيخ: بعده، الدليل؟
طالب: قول الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا [البقرة: ٢٤٦]، وفي أثناء القصة قال: وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ [البقرة: ٢٥١] إذن فهومن بني إسرائيل من بعد موسى، قال: دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِنسأل أصحاب الآجرومية: لماذا قال: ذَا الْأَيْدِولم يقل: ذو الأيدي؟ أنت.
طالب: لأنها بدل من.
الشيخ: أو صفة؟
الطالب: صفة لـعَبْدَنَافـعَبْدَنَامفتوحة، والصفة تتبع الموصوف.
الشيخ: يعني عَبْدَنَامنصوب، فإذا كان منصوبًا، فالصفة تتبع الموصوف، تكون منصوبة بالألف نيابة عن الفتح.
ذَا الْأَيْدِقال المؤلف: (أي القوة)، إذن فالأيد ليست جمع (يد)، بل هي مفرد، مصدر (آدَ يئِيد أَيْدًا)، ونظيره في التصريف (بَاعَ يَبِيعُ بَيْعًا)، و(كَالَ يَكِيلُ كَيْلًا)، و(نال)، لا، (نال ينال) ليست كإياها.
إذن (الأيد) القوة، ونظيرها قوله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧] أي: بقوة (ذَا الْأَيْدِأي القوة في العبادة)، وينبغي أن يُقال: أي القوة مطلقًا في العبادة وغير العبادة حتى في ملكه؛ لأن الله قال في هذه الآيات: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُفهو ذو أيدٍ في كل ما تكون القوة فيه صفة مدح.
ذَا الْأَيْدِإذن نقول: (الأيد) الأولى أن نجعلها عامة في كل ما تكون القوة فيه صفة مدح؛ لأن المقام مقام مدح لداود؛ ولهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكره، (ذَا الْأَيْدِأي: القوة في العبادة، كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ويقوم نصفه، وينام ثلثه، ويقوم سدسه)، غلط فيها انقلاب على المؤلف، كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، صح؟ يصوم يومًا، ويفطر يومًا، هكذا ثبت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة عبد الله بن عمرو بن العاص . وكان يقوم نصف الليل، وينام ثلثه، ويقوم سدسه. هذا عكس ما جاء في الحديث، في الحديث: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه. فالعبارة فيها انقلاب عن المؤلف. كان عليه الصلاة والسلام ينام نصف الليل لِيُعطي نفسه حظها من الراحة، وليجدد نشاطه؛ لأن في النوم فائدتين للجسم:
الفائدة الأولى: قطع التعب السابق والاستراحة منه كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا [النبأ: ٩]؛ أي قطعًا لما حصل من المشقة والتعب، واستعداد الجسم للقوة في المستقبل، ولهذا إذا نام الإنسان وهو مشتهٍ للنوم، ثم قام وجد نفسه نشيطًا، فكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه؛ لأجل أن يعطي نفسه راحتها من تعب قيام الليل، وهكذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل، فكان لا تلفيه السحر إلا نائمًا عليه الصلاة والسلام؛ يعني غالب أحيانه صلى الله عليه وسلم ينام في آخر الليل، يقول: إِنَّهُ أَوَّابٌالجملة استئنافية لبيان حال داود؛ أنه قوي، وأنه رجَّاع إلى الله سبحانه وتعالى، رجَّاع إلى الله، كلما حدَّثته نفسه بالكسل عاد فنشط، كلما حصل منه زلة عاد فتاب إلى الله عز وجل، والأواب صيغة مبالغة من (آب يؤوب)، واسم الفاعل (آيب)، وصيغة المبالغة (أوَّاب) قال المؤلف: (رجَّاع إلى مرضات الله).
ثم ذكر الله تعالى ما مَنَّ به عليه فقال: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَبتسبيحه)، إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَأي: ذلَّلناها، والله سبحانه وتعالى يذل له كل شيء، فسخر له الجبال؛ أي: ذللها حتى تُسبِّح بتسبيح داود، وهي -أي الجبال- تُسبِّح تسبيحًا مطلقًا، وهذا التسخير العام، وتُسبِّح تسبيحًا خاصًّا كما أُمِرت أن تُسبِّح مع داود عليه الصلاة والسلام، وإلا فهي تُسبِّح تسبيحًا عامًّا مطلقًا، كما قال الله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤] معناها إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِإِنْ؟
طالب: أي ما مِنْ.
الشيخ: أي ما مِنْ شيء إلا يسبح بحمده وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا، أما التسبيح الذي سخر الله الجبال عليه مع داود فهو تسبيح خاص.
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَجمع (جَبَل) وهو معروف. مَعَهُأي: مع داود.
(يُسِّحْنَبتسبيحه. بِالْعَشِيِّوقت صلاة العشاء وَالْإِشْرَاقِوقت الضحى).
قوله: يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّالباء هنا ظرفية بمعنى (في)، لكن يظهر -والله أعلم- أنه إذا أُريد بالظرفية استيعاب الوقت أُتِي بدل (في) بالباء؛ لأن الباء تدل على الاستيعاب والإحاطة كما في قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ [الحج: ٢٩]، وكما قال: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨]؛ ولهذا لا بد من استيعاب البيت بالطواف، واستيعاب ما بين الصفا والمروة بالسعي، إذن (الباء) هنا للظرفية لكنها جاءت مكان (في)؟
طلبة: للاستيعاب.
الشيخ: للدلالة على الاستيعاب، يعني كل العشي.
وقول المؤلف: (الْعَشِيِّوقت صلاة العشاء) هذا فيه نظر، والصحيح أن المراد بالعشي آخر النهار. يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّكما قال تعالى: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤٢]، فالمراد بـالْعَشِيِّآخر النهار، وفي حديث أبي هريرة المشهور بحديث ذي اليدين قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي . يعني الظهر أو العصر.
وَالْإِشْرَاقِقال: (وقت الضحى وهو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها). هناك إشراق، وهناك شروق، وبينهما فرق؛ فالشروق ظهور الشمس، يقال: شرقت الشمس؛ يعني ظهرت، والإشراق ارتفاع الشمس حتى يصحو ضوؤها، وتكون بيضاء. فالإشراق معناه دخول الشمس في الإشراق؛ يعني في الإضاءة الكاملة البيضاء والشروق أيش؟
طلبة: ظهور الشمس.
الشيخ: ظهور الشمس، فإذا طلع حاجب الشمس من المشرق يقال له: شروق، وإذا ارتفعت حتى زالت حُمرتها أو صفرتها يقال: إشراق.
يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِأي: بعد أن ترتفع الشمس ويحسن ضوؤها.
وسخرنا أيضًا وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً، أفادنا المؤلف بقوله: (وسخرنا الطير) أن الطير معطوفة على؟
طلبة: الجبال.
الشيخ: الجبال، سخرنا الجبال؛ يعني وسخرنا الطير، وليست معطوفة على الضمير المستتر في قوله: يُسَبِّحْنَعلى أنها مفعول معه؛ يعني قد يقول قائل: يسبحن والطير، كقوله: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ: ١٠].
فالمؤلف رحمه الله أفادنا بتقدير (سخرنا) أن (الطير) معطوفة على (الجبال). وقوله: مَحْشُورَةًمنصوبة على الحال؛ يعني والطير حال كونها محشورة.
فإذا قال قائل: لماذا لا تجعلونها صفة للطير؟ لماذا؟
الطالب: لأن الصفة تابعة للموصوف.
الشيخ: إي، وهذه تابعة الطَّيْرَمنصوبة، وهذه مَحْشُورَةًمنصوبة.
الطالب: (...) أفضل (...).
الشيخ: إذن لماذا؟ إذن تنازلت الآن من كونها واجبةً أن تكون حالًا إلى كونها أفضل، فلماذا فضلت؟
الطالب: (...) واجبة (...).
الشيخ: إي، أفضل، يعني ما هي واجبة، الأفضلية لا تدل على الوجوب.
طالب: لأن الصفة تتبع الموصوف تذكيرًا وتعريفًا، وهنا يعني مَحْشُورَةًنكرة، والطَّيْرَمعرفة بالألف.
الشيخ: صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، صحيح، الذي يمنع من أن تكون صفة؛ لأنها لم تُوافِق الموصوف في التعريف كذا؟
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّيقول المؤلف: (مجموعة إليه تُسبِّح معه).
لو قال قائل: أليست الحال صفة؟
طالب: نعم، صفة.
الشيخ: صفة طيب ليش ما تقولون إن مَحْشُورَةًصفة لـالطَّيْرَ؟ نقول: هي صفة في المعنى، الحال صفة في المعنى، والخبر خبر المبتدأ صفة في المعنى، وما يُعرف بالنعت عند النحويين صفة أيضًا لكن لا يلزم من الصفة في المعنى أن تكون صفة له في اللفظ.
قال: (كُلٌّمن الجبال والطير لَهُ أَوَّابٌرجَّاع إلى طاعته بالتسبيح). قوله: كُلٌّ لَهُكُلٌّهذه مُنوَّنة تنوينًا يسمى تنوين العِوض، (كل وبعض) تنوينهما تنوين عوض؛ وذلك لأنه لا بد من إضافة، ولكن قد يحذف المضاف إليه ويُعوَّض عنه التنوين، فمثلًا كُلٌّالتقدير بدون قطع الإضافة كلهم له، أي: الجبال والطير، أو كلهن؛ لأنها لا تعقل، كلهن له أواب، فحُذف المضاف إليه وعُوِّض عنه التنوين.
قال المؤلف: (من الجبال والطير) هذه بيان للمضاف إليه؛ يعني أنها على تقدير كلهن؛ أي الجبال والطير. لَهُلمن؟ لداود.
(أَوَّابٌرجاع إلى طاعته بالتسبيح) ويحتمل أن يكون (رجَّاع) بمعنى أن هذه الطيور تذهب وتتعيَّش، ثم ترجع لأجل أن تُأَوِّب معه، والسياق لا يمنعه، فيكون كُلٌّمن الجبال والطير أوَّاب لداود بمعنى مُطيع له، وبمعنى آخر بالنسبة للطير أنها ترجع إليه بعد أن تذهب لتقوم بِقُوتِها، ثم تعود إليه كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ.
قال الله تعالى: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُقال: قوَّيْنَا ملكه. شَدَدْنَا مُلْكَهُأي: قوَّيْنَاه؛ لأن الشد يأتي بمعنى التقوية، قال الله تعالى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: ١٢] أي: قوية؛ بدليل قوله: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍأي بقوة. فالشد هنا بمعنى القوة؛ أي: قوَّيْنا ملكه، وتقوية الملك فسَّرَها المؤلف بقوله: (بالحرس والجنود).
وهذا لا شك نوع من التقوية؛ أن يكون لدى الملك حراس وجنود، الحراس هم الموالون له، والجنود هم التابعون له، وإن لم يوالوه، ولكنهم جنود له، متى أمرهم ائتمروا، أما الحراس فهم المباشرون للملك؛ فالله شَدَّ مُلْكَه بالحراس والجنود، هذا وجْه من شد الملك، شدَّ مُلكه بقوة السلطان؛ لأن السلطان إذا كان ضعيفًا مهما كان عنده من الحرس والجنود فإنه ضعيف، لكن إذا أعطاه الله القوة والعزيمة وعدم المبالاة بأعدائه؛ فهذا شد ملكه، يوجد ملك عنده آلاف الجنود والحراس لكنه ضعيف، يخاف من ظِلِّه، ولا يحمي حدوده، هذا لا شك أنه وإن كان عنده حراس كثيرون وجنود فإن ملكه ضعيف؛ لأن غاية ما ينفعه الجنود به أن يكونوا مدافعين فقط، لكن إذا قوَّى الله مُلكه بما عنده من قوة العزيمة والجَلَد والصَّبْر والتحمُّل وعدم المبالاة بالأعداء، صار حينئذٍ عنده قوة مهاجمة ومدافعة الأمرين جميعًا، أما من عنده الجنود فالغالب أنه يُحرس لضعفه، ولا أحد يشك بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أقوى الناس مُلْكًا لكن خلافة، ومع ذلك هل عنده جنود يحرسونه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس عنده جنود يحرسونه، بل هو كان يجمع الحصباء في المسجد، ويضعه رداءه عليها، وينام عليها، ليس عنده أحد، ومع ذلك فقد حماه الله عز وجل، إذن شد الملك ليس مقتصرًا على كثرة الحرس والجنود، بل قد يكون في الحرس والجنود ما يؤدي إلى الضعف إذا كان الإنسان لا يقوى إلا بالحرس والجنود، ولا يتحرك إلا بالحرس والجنود؛ فهذا قد يكون دليلًا على ضعفه وخوفه وعدم أمنه؛ لذلك اقتصار المؤلف رحمه الله على كثرة الحرس والجنود في شد الملك لا شك أنه ضعيف جدًّا، وأهم شيء أن يقوى ملكه بما لديه من الشخصية وقوة العزيمة وعدم المبالاة بأعدائه.
قال: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُقوَّيْناه بالحرس والجنود، وكان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثون ألف رجل)، هذه إسرائيلية بلا شك، لم ترد عن معصوم، وبناءً على ذلك فإن كانت قريبة من التصور فإننا لا نُصدِّقها ولا نُكذِّبها، وإن كانت بعيدة من التصور فإننا نُكذِّبها، البعيد من الواقع الذي لم يرد عن معصوم يُكذَّب؛ لأنه ما فيه خبر ثابت، فإذا لم يكن هناك خبر ثابت رجعنا إلى تحكيم العقل، فهل يُعقل مثلًا أن يكون داود عنده ثلاثون ألفًا كل ليلة يحرسون محرابه، ثلاثون ألفًا؟! صعب هذا، ما أدري كل قومه يمكن ما يجون ثلاثين ألفًا، ما يبلغون ثلاثين ألفًا.
على كل حال هذا خبر إسرائيلي، وأقرب ما يكون عندي أنه كذب، وأنه إن صح أن عنده ثلاثين ألفًا، إن صح أن عنده حرسًا فليكونوا خمسة، عشرة، وما أشبه ذلك، ثم إنه سيأتينا في القصة الخصوم الذين تسوروا المحراب، هل يتسورون المحراب وحوله ثلاثون ألفًا؟ لأنه إذا كان يُحرس في الليل بثلاثين ألفًا، ففي النهار يمكن بعشرة آلاف.
فالحاصل أن مِثل هذه القصص الإسرائيلية تكون عندنا على ثلاثة أوجه: ما شهد شرعنا ببطلانه فهو باطل، وما شهد شرعنا بصدقه فهو حق بشهادة شرعنا، وما لم يشهد شرعنا بخلافه فإننا نرجع إلى العقل إن كان قريبًا فإننا لا نُصدِّق ولا نُكذِّب، وإن كان بعيدًا فإننا نُكذِّب؛ لأن هذا لما انتفى فيه الدليل الشرعي نرجع فيه إلى الدليل العقلي، فإذا كان العقلي يستبعده أبعدناه.
يقول: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِآتَيْنَاهُأعطيناه، وهناك فرق بين آتَيْنَاهُوأتيناه، آتَيْنَاهُبمعنى أعطيناه، وتنصب مفعولين، من باب (كسا)، وأتيناه بمعنى (جئناه)، وتنصب مفعولًا واحدًا، قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١] أيش؟
طلبة: جئنا.
الشيخ: جئنا طائعين، وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ [الحجر: ٦٤].
طلبة: جئناك.
الشيخ: جئناك بالحق، أما آتينا بالمد فهي بمعنى (أعطى)، وتنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، قال: وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَهنا نصبت مفعولين: المفعول الأول: الهاء، والثاني: الحكمة.
وما هي الحكمة قال المؤلف: (النبوة والإصابة في الأمور) النبوة؛ لأن النبوة حِكمة بِلا شك، كل نبي فإنه مُؤتًى للحكمة، قال الله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: ٢٦٩].
الإصابة في الأمور أيضًا حِكمة، كون الإنسان يوفق للإصابة في الأمور، مثل أن يكون ذا رأي سديد، فإن هذا لا شك أنه حكمة؛ ولهذا يقال: فلان حكيم زمانه؛ أي بإصابته في الأمور.
وقوله: فَصْلَ الْخِطَابِقال: (البيان الشافي في كل قصد)، فَصْلَ الْخِطَابِهل المعنى أنه يَفْصِل الخطاب الصادر من غيره؛ بمعنى أنه يفصل بين الخصوم ما تخاطبوا فيه؟ كما يدل عليه قوله: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ؛ لأن المتخاصِمين كل منهما يُدلي بحُجَّة يتكلم ويقول؟ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» . إذن فَصْلَ الْخِطَابِيعني فصل الخطاب الحاصل من غيره؛ يعني يفصل في خطاب الناس. أو: فَصْلَ الْخِطَابِيعني خطابه هو؛ يعني أن خطابه كان فصلًا؛ أي ذا بيان وفصاحة؟
نقول: المعنيان محتملان، فالآية تحتمل هذا وهذا، وهما لا يتنافيان، فيجب أن تكون الآية محمولة عليهما، حتى إن بعضهم قال: إن فصل الخطاب هو قوله: أما بعدُ..





