..«إليَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكَمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ
بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا
أَسْمَعُ» .
إذن:
فَصْلَ الْخِطَابِ [ص: ٢٠] يعني: فصل الخطاب الحاصل من
غيره؛ يعني: يفصل في خطاب الناس أو فَصْلَ الْخِطَابِيعني: خطابه هو يعني أن خطابه كان فصلًا أي: ذا بيان وفصاحة؟
نقول: المعنيان
محتملان؛ فالآية تحتمل هذا وهذا وهما لا يتنافيان فيجب أن تكون الآية محمولة
عليهما، حتى إن بعضهم قال: إن فَصْلَ الْخِطَابِهو
قوله: (أما بعد)؛ لأن (أما بعد) تفصل ما بعدها عما قبلها.
ولكن هذا ليس بصحيح،
(أما بعد) لا شك أنها تُعْطي الكلام رونقًا وجمالًا وتفصيلًا لكن كوننا نجعلها هي
فصل الخطاب فيه نظر، والله أعلم (...).
أن تذكرهم وأن تذكر أنت لتعتبر
به.
قوله تعالى: ذَا الْأَيْدِ [ص: ١٧] ما المراد
بالأيد؟
طالب: الْأَيْدِالقوة.
الشيخ: وهل لك أن تمدنا بشاهد؟
الطالب: قوله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧] أي:
بقوة.
الشيخ: بِأَيْدٍأي:
بقوة. طيب، ما دليلك على أن المراد بقوله: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍأي: بقوة؟
الطالب: لأن
الله لم يضف اليد لنفسه حتى نقول: يد الله.
الشيخ: لا،
ما أقول: ما دليلك على أنها ليست يد الله؟ ما دليلك على أن معناها القوة قد يكون
معناه غير القوة وغير يد الله؟
الطالب: هذا أصلها
اللغويب من أد يَؤُدُّ.
الشيخ: هل لك شاهد في
ذلك؟
الطالب: لا أعرف يا شيخ.
طالب
آخر: قول الشاعر:
| وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ | .............................. |
الشيخ: لا، يعني: من نعمة.
وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: ١٢] يعني: قوية.
قوله: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ [ص: ١٨]. ما معنى سَخَّرْنَا الْجِبَالَ؟
طالب: ذللناها.
الشيخ: ذللناها تذليلًا مطلقًا ولَّا في شيء معين؟
الطالب: لا، في التسبيح مما ذكر في الآية.
الشيخ: في التسبيح.
الطَّيْرَ [ص: ١٩] معطوفة على أيش؟
طالب: معطوفة على الجبال.
الشيخ: على الجبال، يعني: إذن: الطير مُسَخَّرة.
ومَحْشُورَةً [ص: ١٩] ما معناه؟
الطالب: محشورة أي: مجموعة.
الشيخ: مجموعة له، يعني: تُجْمَع له لتسبح بتسبيحه.
كيف تعرب مَحْشُورَةً؟
الطالب: حال.
الشيخ: حال من أيش؟
الطالب: حال كونه محشورة.
الشيخ: من أي شيء؛ يعني: الحال تحتاج إلى صاحب حال؟
طالب: من الطير.
الشيخ: من الطير، ألا يصح أن تكون نعتًا لها؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، لماذا؟
طالب: لأن الطير معرفة.
الشيخ: نعم، ومَحْشُورَةً؟
الطالب: محشورة نكرة.
الشيخ: ويشترط للنعت أن يكون مطابقًا للمنعوت في التعريف..
الطالب: في التعريف والتنكير.
الشيخ: تمام، قوله: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ [ص: ٢٠] ما معنى شَدَدْنَا مُلْكَهُ؟
طالب: أي: قويناه.
الشيخ: قوينا ملكه، بماذا؟
الطالب: تقوية الملك تكون عامة؛ مما أعطاه الله عز وجل من قوة، وبما أعطاه الله عز وجل من حكمة وتصرف وحسن.. يعني هي عامة تكون في نفسه وفيما يعطيه الله عز وجل.
الشيخ: المؤلف مشى على أيش؟
الطالب: المؤلف مشى على أنه قويناه بالجند والحرس.
الشيخ: نعم، بكثرة الجنود. ونحن نرى أنها؟
الطالب: (...).
الشيخ: إن معنى قوينا سلطانه في ملكه كذا؟ وغير؟
الطالب: تكون بتأييد الله عز وجل له.
طالب آخر: قلنا: إن التقوية هنا أشد (...) معنوي وحسي، فالحسي: بالجنود والحرس، والمعنوي: بقوة سلطته.
الشيخ: نعم، طيب. إذن يشمل المعنيين، تقدير من عنده بثلاثين ألفًا هل هذا صحيح؟
طالب: هذا من الإسرائيليات.
الشيخ: إي، ما موقفك منه؟
الطالب: أما هذا فنرده؛ لأن هذا يخالف العقل، لأنه إذا كان ملكه ثلاثين ألفًا يحرسونه بالليل، وهذا مستحيل عقلًا، أيضًا يرده أن هؤلاء تسوروا المحراب، لو كانوا ثلاثين ألفًا لم يتسوروا المحراب.
الشيخ: طيب، موقفك من الإسرائيليات عمومًا؟
الطالب: موقفي من الإسرائيليات إن كان موافقًا لشرعنا فنأخذه..
الشيخ: ما شهد شرعنا بصحته.
الطالب: ما شهد شرعنا ببطلانه، ما سكت عنه شرعنا لم يؤيده ولم يرفضه.
الشيخ: ما شهد بصحته؟
الطالب: فنقبل اللي شهد شرعنا به.
الشيخ: وما شهد ببطلانه؟
الطالب: فهو باطل.
الشيخ: نرده؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وما لم؟
الطالب: إذا لم يشهد ولم يبطله فننظر هل موافق للعقل أم غير وافق؟
الشيخ: نعم، فإن رده العقل رددناه وإلا أيش؟
الطالب: وإن قبله قبلناه؛ أي: ما وافقه العقل قبلناه، وإن رده العقل لم نقبله.
الشيخ: ما قلنا هكذا هذا من جيبك بهذا الصباح.
الطالب: الموافقة للعقل يعني: كانت مثلًا موافقة للعقل أو (...) نأخذ به يعني إن شئنا عملنا به، وإن لم شئنا لم نعمل به.
طالب آخر: (...).
الشيخ: زين، إن خالف العقل رددناه، وإن لم يخالف العقل توقفنا فيه؛ كما قال الرسول: «لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ» .
قال الله عز وجل: وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص: ٢٠]. ما المراد بالحكمة؟
طالب: النبوة.
الشيخ: النبوة فقط؟ ذكر المؤلف لها معنيين.
طالب: أتيناه النبوة والإصابة في الأمور.
الشيخ: إذن لها معنيان، ما المراد بفصل الخطاب؟
طالب: الفصل بين الخصوم.
الشيخ: الفصل بين الخصوم، وعلى هذا فالخطاب خطابه ولَّا خطاب غيره؟
الطالب: خطاب غيره.
الشيخ: فيه وجه آخر؟
الطالب: هو قد يكون خطابه هو.
الشيخ: ويش معنى الفصل فيه خطابه؟
الطالب: من الفصاحة.
الشيخ: إي نعم، الفصاحة والبلاغة وحسن الإقناع وما أشبه ذلك.
طالب: كلمة (أما بعد).
الشيخ: لا، هذه ضعفناها، إن القول أنها (أما بعد)، ما تعتبر قولًا.
قال الله عز وجل: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [ص: ٢١] الواو عاطفة، وما بعدها معطوف على ما سبق؛ لأن الكلام كله في شأن داود.
هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِالواو حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق؛ لأن الكلام كله في قصة داود عليه الصلاة والسلام.
والاستفهام هنا يقول المؤلف: (الاستفهام هنا للتعجب والتشويق) يعني أن هذه القصة عجيبة وأنها لكونها عجيبة مما يشوق إليه.
والاستفهام -كما نعلم جميعًا- تختلف معانيه بحسب السياق، وإلَّا فإن الأصل فيه أنه الاستخبار عن الشيء أي طلب الإفهام عنه، يقال: استفهم عن كذا أي: طلب الإفهام عنه، هذا الأصل، لكن سياق الكلام يُغَيِّر المعاني الأصلية إلى ما يقتضيه السياق، فالمراد به هنا التشويق، وله نظير مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف: ١٠] المراد به هنا: التشويق، وقد يكون المراد بالاستفهام التهويل مثل: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍإلى آخره [الغاشية: ١، ٢].
المهم أن الأصل في الاستفهام هو طلب أيش؟ الاستخبار، وهو طلب أيش؟ الإفهام، والإخبار هذا الأصل، ولكن يأتي لمعانٍ أخرى يدل عليها السياق.
يقول: هَلْ أَتَاكَ (الاستفهام هنا للتعجب والتشويق إلى استماع ما بعده).
أَتَاكَ(يا محمد) جعل المؤلف هنا الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن يجوز أن يكون الأمر كما ذهب إليه المؤلف ويجوز أن تكون الكاف لكل من يصح خطابه، أي: وهل أتاك أيها المخاطب، وإذا قلنا بهذا القول صارت دلالة الآية أعم، والقاعدة عندنا في التفسير: أنه كلما كان أعم فإنه أولى، وعليه فيكون المراد بالكاف هنا أيش؟ المخاطبة لكل من يصح خطابه.
واعلم أن الكاف التي في القرآن كاف الخطاب تارة بل لا أقول: كاف الخطاب، بل أقول: كل خطاب في القرآن موجه إلى مخاطب فإنه على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يدل الدليل على أنه عام فيؤخذ بعمومه.
الثاني: أن يدل الدليل على أنه خاص فيؤخذ بخصوصه.
الثالث: ألا يكون هناك دليل لا هذا ولا هذا فيؤخذ بعمومه.
مثال الأول قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق: ١].
فـ(يا أيها النبي) الخطاب موجه للرسول صلى الله عليه وسلم لكن حكمه عام؛ لقوله: إِذَا طَلَّقْتُمُفجعل الحكم عامًا لجميع الأمة.
وما دل الدليل على خصوصه فمثل قوله تعالى: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس: ١ - ٣] هذا خطاب خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم لا يشاركه غيره.
وما كان محتملًا لا هذا وهذا فكثير ومنه هذه الآية: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ، طيب أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] هذا خاص؟ نعم.
وَهَلْ أَتَاكَ، أَتَاكَمر علينا قريبًا أن الفرق بينها وبين (آتاك)؛ (آتاك) يعني أعطاك، و(أتاك) جاءك؛ يعني وهل جاءك.
نَبَأُ الْخَصْمِنَبَأُبمعنى خبر، ولكنه لا يقال غالبًا إلا في الخبر الهام عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [النبأ: ١، ٢]، فهنا نَبَأُبمعنى خبر لكنه في أمر هام.
وقوله: الْخَصْمِأي المتخاصمين بدليل قوله: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، فالخصم لفظه مفرد لكن معناه أيش؟ معناه الجمع.
والخصم قلت: هم المتخاصمون، وسُمِّيَ المتخاصمون خصمًا؛ لأن كل واحد منهم يريد أن يخصم صاحبه أي: أن يغلبه في الحجة ويقطع حجته.
إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَقوله: إِذْمتعلقة بأي شيء؟ لا يصح أن تتعلق بـأَتَاكَلأن تسورهم للمحراب سابق، ولا بـنَبَأُلأن تسورهم للمحراب أيضًا سابق، ولكنها تتعلق بشيء مُقَدَّر يدل عليه السياق يعني: اذكر إذ تسوروا المحراب.
إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَقال: (محراب داود أي مسجده حيث مُنِعوا الدخول عليه من الباب).
تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَبمعنى دخلوا مع سوره؛ يعني من على السور؛ لأن المكان مُسَوَّر؛ لأنه بيت يتعبد فيه فهو مُسَوَّر وله أبواب فجاؤوا ذات يوم -أي الخصم- فوجدوا أن الباب مغلق والخصوم كما تعرفون كل ذي حاجة فهو أعمى قالوا: هذا الذي أغلق بيته أو محرابه نتسور عليه نأتيه من فوق فتسوروا المحراب يقول: (حيث منعوا الدخول عليه من الباب لشغله بالعبادة) قال المؤلف: (أي خبرهم وقصتهم) هذا تفسير لـنَبَأُ.
هو عليه الصلاة والسلام أغلق الباب؛ لأنه أراد أن يتعبد لله وهذا لا شك أنه يمنع من وصول الخصوم إليه، لكن الله سبحانه وتعالى سلط هؤلاء حيث جاؤوا فوجدوا الباب مغلقًا، أو مُنِعوا من الدخول فتسوروا المحراب، تسوروه من السور.
قال: إِذْ دَخَلُوا عَلَى [ص: ٢٢] إِذْبدل من (إذ) الأولى، إِذْ دَخَلُوا عَلَىويحتمل أن تكون متعلقة بـتَسَوَّرُوا.
وأنا أقول هكذا؛ لأن (إذ) ظرف، والظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق.
إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْأي: خاف؛ وذلك لأنهم جماعة وتسوروا المحراب، ومثلُ هؤلاء يخيفون.
أرأيت لو أن أحدًا تَسَوَّر عليك البيت وهم جماعة هل تخاف أو لا؟ لا شك أنه سيخاف، والخوف هنا طبيعي تقتضيه الطبيعة والجبلة.
فَفَزِعَ مِنْهُمْفلما رأوه قد فزع قَالُوا لَا تَخَفْيعني أننا ما جئنا لقتل ولا نهب ولا تخريب.
خَصْمَانِأي: نحن خصمان، (قيل: فريقان ليطابق ما قبله من ضمير الجمع، وقيل: اثنان والضمير بمعناهما) يعني: خصمان أي: طائفتان مختصمتان.
والذين قالوا بأن المراد بالخصمين هنا طائفتان استدلوا بضمير الجمع السابق وهو قوله: تَسَوَّرُواو دَخَلُوا.
وقيل: إنهم خصمان أي رجلان اثنان اختصموا، والضمير بمعنى: هما الضمير يعني ضمير الجمع السابق بمعنى هما أي: بمعنى الاثنين.
ولكن الذي يظهر الأول؛ أي: خصمان، أي: فريقان مختصمان؛ لأن ذلك هو المطابق لضمير الجمع؛ ولأن ذلك هو الذي يحصل منه الفزع؛ لأنهم إذا كانوا جماعة صار الفزع منهم أكثر.
يقول: (والخصم يُطْلَق على الواحد وأكثر) صحيح. الخصم يطلق على الواحد فأكثر فيقال: لمدعٍ ومدعٍ عليه، يقال للمدعي: خصم، والمدعي عليه: خصم ولو كان واحدًا، ويقال لجماعة مع جماعة هم أيضًا خصم.
يقول رحمه الله: (وهما ملكان جاءا في صورة خَصْمين وقع لهما ما ذكر على سبيل الفرق لتنبيه داود على ما وقع منه وكان له تسع وتسعون امرأة وطلب امرأة شخص ليس له غيرها وتزوجها ودخل بها).
يقول المؤلف: إن هذه الخصمين ملكان أرسلهما الله سبحانه وتعالى إلى داود من أجل أن ينبهه على قضية معينة. هذا القضية كما تقول الإسرائيليات: إنه عشق امرأة رجل، ولكنه كيف يصل إليها وهي مع زوج فأمر زوجها أن يخرج في الجهاد في الجند لعله يُقْتَل فإذا قُتِلَ تزوجها فأرسل الله تعالى إليه الملكين من أجل أن ينبهاه على بشاعة هذه القضية؛ لأن هذه القضية بشعة من أدنى واحد من الناس فكيف تكون من نبي، وكأن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن ينبهه بالوحي فيقول: يا داود لم تفعل كذا؟ كما نبه الله عز وجل آدم بأكله من الشجر بدون ضرب مثل، وكذلك نبه الله محمدًا صلى الله عليه وسلم حين عفا عن قوم من المنافقين بدون أن يتبين أمرهم بدون ضرب مَثَلٍ، ونبهه على تحريمه ما أحل الله لابتغاء مرضات أزواجه بدون ضرب مثل، إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة التي تدل على أن الله سبحانه وتعالى ينبه على ما يحصل من الرسل بدون أن يضرب لهم أمثالًا، لكن هذه القصة الإسرائيلية أبت إلا أن يضرب مثلًا لفعل داود المزعوم.
والحقيقة أن هذا القصة باطلة ولا يحل لأحد أن يعتقدها في داود أن عشق امرأة رجل وأراد أن يتزوجها وكان عند داود تسع وتسعون امرأة فأراد أن يكمل بهم المئة، هذا غير لائق بأدنى واحد من الناس فضلًا عن نبي من أنبياء الله.
لكن اليهود لعنة الله عليهم لا يبالون أن يلطخوا الأنبياء كما لطخوا من أرسل الأنبياء فقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤]، وقالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران: ١٨١]، وقالوا: إن الله يتعب، فليس غريبًا أن يلطخوا الأنبياء بالعشق والحِيَل والمكر فلهذا لطخوا داود بهذه الكذبة.
والصحيح الذي لا شك فيه أنهم خصمان من البشر وليسوا ملائكة، خصمان من البشر تنازعا في قضية بينهما ستأتي في القرآن الكريم، وكل ما سوى ذلك فإنه كذب؛ لأن القرآن يكذبه، فإن القرآن إذا أتى بالقصة فلا بد أن يأتي بها على وجه أيش؟ الكمال لتكون عبرة، وعلى وجه الصراحة لئلا يكون فيها إلباس واشتباه.
فالقصة كما هي في القرآن تمامًا، ما فيه ملائكة، ولا فيه رجل له زوجة حسناء أرادها داود أبدًا، ولا يجوز للمسلم أن يعتقد هذا في أحد أنبياء الله.
القصة هي قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ [ص: ٢٢] خصمان بغى بعضهما على بعض؛ يعني: اعتدى عليه لأن البغي هو العدوان، اعتدى عليه وطلبوا منه قال: احْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ، طلبوا أن يحكم بينهم، لكنهم أضافوا كلمة ليست بجيدة، قالوا: احْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّومثل هذا لا ينبغي أن يقال لنبي من الأنبياء، بل ولا ينبغي أن يقال لأي حكم يُتحاكم إليه؛ لأنك إذا تحاكمت إلى رجل مع خصمك فإنكما تعتقدان أن ما يقوله هو الحق ليس الحكم في مقام تُهْمَة حتى يقال: احْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّولهذا انتقض الصحابة رضي الله عنهم في قصة العسيف اللي مر علينا زنا بامرأة مَنِ أستأجره لما حضر ولد الزاني وزوج المرأة قال أحدهما للرسول عليه الصلاة والسلام: أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فناشد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي بينهما بكتاب الله، قالوا: وقال الآخر وكان أفقه منه: نعم فاقضي بيننا بكتاب الله، ولا ناشد الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه طلب المناشدة في هذا المقام أيش؟ خطأ وسفه، أنت ما جئت إليه إلا وأنت ترى أنه يحكم بكتاب الله فلا حاجة إلى أن تناشد.
هؤلاء قالوا: احْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّطلبوا منه أن يحكم ما بينهما بالحق، وهو لن يحكم إلا به، حتى بإقرارهما لأنهما جعلاه حكمًا.
وَلَا تُشْطِطْالشطط يعني النقص أو الجور؛ ولهذا قال في تفسيره: (تَجُرْ) يعني لا تجر بالحكم فتميل مع أحدنا.
(وَاهْدِنَاأرشدنا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِوسط الطريق الصواب) يعني: إذا حكمت فاحكم بالعدل بدون جور.
وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِيعني: دلنا إلى الصراط، السواء يعني إلى وسط الصراط أو إلى الصراط المستقيم، وعليه فتكون سَوَاءِمن باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ يعني: اهدنا إلى الطريق السَّوَيِّ العَدْل.
والهداية هنا هداية دلالة ولا إرشاد؟
طلبة: إرشاد.
طلبة آخرون: دلالة.
الشيخ: لا، دلالة؛ لأنه ما يستطيع أن يُجْبِرَهم على ما يحكم به، لكن هي دلالة، فلو قال المؤلف في: اهْدِنَاوقال: دُلَّنا، لكان أحسن.
القضية قال: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [ص: ٢٣] سبحان الله! هذان الخصمان غريبان يتخاصمان ثم يقول أحدهما للآخر: إِنَّ هَذَا أَخِيالخصومة عادة أن الخصم يسب خصمه فيقول: هذا المعتدي الظالم الفاجر اللي فيه ما لا فيه، نعم، أما هذا فقال: إِنَّ هَذَا أَخِيوهو يدل على أن الخصومة ليست تحمل وراءها شيئًا من العداوة والبغضاء.
أَخِيقال: (أي: على ديني) وقال المؤلف: هذا ليفيد أن الأخوة ليست أخوة في النسب، بل هي أخوة الدين.
(لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًيُعَبِّر بها عن المرأة) تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًيعني مئة إلا واحدة، ونَعْجَةًمنصوبة على أنها تمييز، وكل عدد له تمييز، لماذا؟ لأن العدد إذا لم يُذْكَر المعدود كان مبهمًا لا يُدْرَى ما هو، فإذا ذكر المعدود فهذا تمييزه.
ثم هذا التمييز قد يكون مجرورًا وقد يكون منصوبًا؛ ففي قولنا: عشرة رجالٍ التمييز مجرور، وفي قولنا: عشرون رجلًا التمييز منصوب.
هنا: نَعْجَةًالتمييز منصوب؛ لأن كل العقود من عشرين إلى تسعين كلها يكون تمييزها منصوبًا.
قال المؤلف في تفسير نَعْجَةً: قال: (يُعَبِّر بها عن المرأة).
قوله: (يعبر بها عنه المرأة) يفيد بأن هذا ليس هو الأصل في النعجة وهو كذلك، فالأصل أن النعجة أنثى الشياة، وليست هي المرأة فإذا كان هذا هو الأصل، فمن ادعى أن المراد بالنعجة هنا المرأة فعليه أيش؟ فعليه الدليل؛ لأن كل مَنِ ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل، وأظنك لو تقول لأهلك: يا نعاج أو يا نعجة لقامت القيامة بينكم لقالوا: أنت سميتنا غنمًا ضأنًا، فالنعجة ليست هي المرأة في هذه الآية، بل هي واحدة الضأن.
وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌواحد له تسع وتسعون نعجة، والثاني واحدة فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَاإلى آخره، والله أعلم (...).
***
طالب: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٢٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [ص: ٢١] ما المراد بالاستفهام هنا؟
طالب: الاستفهام هنا للتعجب والتشويق.
الشيخ: للتعجب والتشويق. هل له نظير أن يأتي الاستفهام للتشويق؟
الطالب: نعم، قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف: ١٠].
الشيخ: نعم، طيب.
قوله: نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواكيف عاد الضمير مجموعًا إلى الخصم وهو مفرد؟
طالب: هذا راجع إلى المعنى؛ إلى الخصم، مفرد ومعناه الجمع.
الشيخ: راجع إلى المعنى؛ لأن الخصم مفرد ومعناه الجمع، طيب. كم عدد الخصم؟ الخصم هؤلاء الذين جاؤوا إلى داود؟
طالب: فيه قولان؛ بعضهم يقولون: هو خصمان رجلان من البشر.
الشيخ: يعني اثنان ملكان مرسلان إلى..
الطالب: وبعضهم يقولون: إنه خصمان من الملك.
الشيخ: لا. ملكان، وبعضهم يقول: إنهم جماعة.
الطالب: إنهم جماعة طائفتان، خصمان طائفتان.
الشيخ: ما الذي يؤيد القول بالجمع؟
طالب: قوله: إِذْ تَسَوَّرُواالضمير ضمير الجمع.
الشيخ: قَالُوا لَا تَخَفْ.
الطالب: إِذْ دَخَلُوا عَلَى..
الشيخ: إِذْ دَخَلُوا عَلَىطيب. هذا يؤيد أنهم جماعة، طيب، والذي يرى أنهم إثنان بماذا يؤيد قوله؟
طالب: بأنهما اثنان كل منهم اشتكى (...) عند داود.
الشيخ: بماذا يؤيد قوله؟
الطالب: بسياق..
الشيخ: هات الكلمات أو الجمل التي تؤيد ذلك.
الطالب: قالوا: خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ [ص: ٢٢].
الشيخ: خَصْمَانِوهذا مثنى، وغير؟
طالب: قال: هَذَا أَخِي [ص: ٢٣].
الشيخ: قوله: إِنَّ هَذَا أَخِيتمام يدل على أن الخصومة موجهة إلى واحد، وأيضًا فيه ضمائر.
طالب: (...).
الشيخ: لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً، وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ.
المهم فيه ضمائر تؤيد أنه واحد أي: أن الخصم واحد فيكون الخصمان اثنين، ولكننا ذكرنا أن الأقرب أنهم جماعة، لكن الدعوة موجهة من واحد إلى واحد وكل واحد معه جماعة هذا هو الأقرب.
قوله: الْمِحْرَابَما المراد به؟
طالب: المكان اللي يتعبد به.
الشيخ: مكان تَعَبُّده، وليس المحراب هو طاق القبلة يعني هو المحراب الذي مثل محاربنا هذه، السؤال هل المراد أنه محراب كمحاربنا هذه أو مكان تعبد على أي صفة كان؟
طالب: (...).
الشيخ: صح، يعني: ما هو معناها المحراب اللي نعرف أنه يجعل طاق للقبلة، المراد بالمحراب ما يتعبد فيه، لماذا فزع داود منهم؟
طالب: لأنهم يعني دخلوا عليه يعني على غير يعني هيئة دخولهم يعني، لأنهم دخلوا عليه، تسوروا عليه المحراب.
الشيخ: لأنهم تسوروا المحراب عليه وهو يصلي، هذا الفزع ما الذي أملاه عليه، فزعه هذا يعني هل هو فزع طبيعي وليس فزع شرعي ولَّا أيش؟
طالب: فزع طبيعي.
الشيخ: طبيعي، يعني كل إنسان يدخل عليه في بيته وهو يتعبد.
طالب: جماعة.
الشيخ: متسورين أيضًا سوف يفزع.
قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِلماذا رفع خَصْمَانِمع أن قبلها فعل قد يكون متسلطًا عليها؟ أما أخذنا هذا؟
طالب: الإعراب التقدير: هما خصمان.
الشيخ: قَالُوا لَا تَخَفْلم يقل: لا تخف خصمين.
الطالب: مبتدأ.
الشيخ: إي ليش؟ ويش الخبر التقدير؟
الطالب: التقدير..
طالب آخر: (...).
الشيخ: نحن خصمان.
قوله: احْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْما المراد بالحق؟
طالب: العدل.
الشيخ: العدل الموافق للشرع. طيب وَلَا تُشْطِطْكيف قالوا: لَا تُشْطِطْوهم قالوا بالأول: احْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ؟
طالب: يعني: لا تميل مع أحد على الأخر.
الشيخ: هذا من باب أيش؟
الطالب: من باب (...).
الشيخ: من باب أيش؟
طالب: التأكيد، طلب العدل.
الشيخ: التأكيد؛ يعني حقًّا ليس فيه شطط فيكون هذا الجملة نفي لما يُخْشَى منه من الشطط.
قوله: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًما المراد بالنعجة؟
طالب: (...).
الشيخ: وعلى رأي المؤلف؟
الطالب: على رأي المؤلف أن أصلها المرأة.
الشيخ: المرأة.
قال: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ.
قال الله عز وجل: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ.
تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًيعني مئة إلى واحدة وَلِيَ نَعْجَةٌوأكَّدَها بقوله: وَاحِدَةٌمن أجل تقليلها، وإلا فإن الواحدة مفهومة من قوله: وَلِيَ نَعْجَةٌلكنه ذكر واحدة تأكيدًا للقلة يعني ليس لي إلا واحدة.
فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَاأي: اجعلني كافلها وذلك بأن تضمها إلى نعاجي؛ لأنه إذا ضَمَّها إلى نعاجه صارت في ملكه وهو الكافل لها.
وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِغلبني في الخطاب. قال: (أي الجدال) يعني أنه صار يجادلني حتى غلبني فأقررت له وأقره الآخر على ذلك، أقره الآخر يعني المدعى عليه.
وليس في الآية ما يدل على أن المدعى عليه أَقَرَّ أو أنه أنكر، المدعى عليه مسكوت عنه فدعوى أنه أقره يحتاج إلى دليل، ولو كان هذا هو الواقع لذَكَرَه الله عز وجل لِمَا في حذفه من الإيهام الذي يجعل حُكْمَ داود حُكْمًا فيه شيء من الجور.
أقول مرة ثانية: لو أن الآخر أقره لذكر الله ذلك؛ لأن حذفه يؤدي إلى سوء الظن بداود عليه الصلاة والسلام؛ حيث لم يستكمل مُجْرَيات القضية.
فالظاهر -والله أعلم- أن داود عليه الصلاة والسلام لما سمع هذا العدوان من هذا الشخص الذي قد أنعم الله عليه بنعم كثيرة ثم ذهب يحاول أن يستلب حق هذا الفقير الذي ليس عنده إلا واحدة كأنه عليه الصلاة والسلام غضب وحكم للمدعي.
فقال: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَالجملة هنا مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم المقدر، واللام، وقد؛ لأن تقدير الكلام: والله لقد ظلمك.
وقوله: ظَلَمَكَأصل الظلم في اللغة النقص، ومنه قوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣].
ويُطْلَق في الشرع على النقص والعدوان؛ يعني: على نقص الحق والعدوان في طلب ما ليس للإنسان، فهو في الحقيقة العدوان، سواء كان بنقص ما يجب أو بادعاء ما لا يستحق، فمن ضرب شخصًا أو أخذ ماله قيل: إنه ظلمه، ومن جحد ما هو له وأنكر قيل: إنه ظلمه.
الظلم هنا: لَقَدْ ظَلَمَكَمن النقص أو من العدوان؟ من العدوان؛ ولهذا قال: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ(ليضمها إلى نعاجه)، قدر المؤلف: (ليضمها) من أجل أن يصح التعبير بـ(إلى)؛ لأن سؤال لا يتعدى بـ(إلى)، لكنه مضمن معنى الضم، أي: بسؤاله أن يضم نعجتك إلى نعاجه.
ووجه الظلم في هذا ظاهر لأن صاحب التسع والتسعين قد أنعم الله عليه نعمة كبيرة، وصاحب الواحدة معدم فقير، وأيضًا فإن هذه الواحدة ملك له فكيف يعتدي هذا ويقول: أعطنيها ويلح عليه حتى يغلبه في الحجاج والمخاصمة؟
ثم قال داود: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِالشركاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) [ص: ٢٤] عندنا كثير وقليل؛ كثير يبغي بعضهم على بعض، وقليل لا يبغي بعضهم على بعض.
فالقليل الذي لا يبغي بعضهم على بعض هم الذين وصفهم الله بقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فالمؤمن العامل للصالحات لا يحدث منه البغي لما معه من الإيمان والعمل الصالح، ومن فاته شيء من هذا الوصف حصل منه من البغي بمقدار ما فاته من الوصف، فمن نقص إيمانه حصل منه البغي، ومَنْ قَلَّت أعماله الصالحة حصل منه البغي؛ لأن الأعمال الصالحة يَجُرُّ بعضها بعضًا، فإذا عمل الإنسان عملًا صالحًا أتبعه بعمل آخر؛ لأن للطاعة لذة وسرورًا في القلب إذا قام الإنسان بها ازداد رغبة فيها، وإذا أَعْرَض قَلَّت أهمية الطاعات عنده، وضَعُفَ قصدُه للطاعات فتجرأ على المعاصي.
قوله: كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِيعني الشركاء، لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍاللام في قوله: لَيَبْغِيأيش؟ اللام في قوله: لَيَبْغِي؟
طالب: للتوكيد.
الشيخ: اللام للتوكيد، ويَبْغِيمن البغي وهو العدوان.
وهذا هو الواقع أن كثيرًا من الشركاء يبغي بعضهم على بعض، إما بأخذ شيء من مال الشركة أو بكتمان الربح لو ربحت أو التغرير بالمال بحيث يتصرف فيه على وجه ليس فيه حظ للشركة أو بادعاء أن المشترك ملك خاص له.
المهم أن أنواع العدوان بين الشركاء كثيرة، لكن كثير من الشركاء يبغي بعضهم على بعض؛ ولهذا إذا أصلح الشركاء النية ونصح بعضهم لبعض فإن الله تعالى يقول: «أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» .
قال: لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.
إِلَّاأداة استثناء وما بعدها في محل نصب؛ لأن الجملة السابقة كلام تام موجَب، وإذا سبق الاستثناء كلام تام موجب وَجَبَ النصب، قال ابن مالك:
| مَا اسْتَثْنَتِ (الَّا) مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ | وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ |
| إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِــــبْ مَا انْقَطَعْ | وَعَنْ تَمِيمٍ فِـــيهِ إِبْدَالٌ وَقَـــــــــــعْ |
المهم لتمام الفائدة إذا جاءت (إلا) بعد كلام تام موجب وجب نصب ما بعدها على الاستثناء، وإذا جاءت بعد كلام تام منفي، تام يعني مستكمل الفائدة لكنه منفي جاز فيما بعدها وجهان: النصب على الاستثناء وإتباع ما بعدها لما قبلها في الإعراب، إلا إذا كان الاستثناء منقطعًا أي أن ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبلها فيجب النصب. وإذا وقعت (إلا) بعد كلام منفي ناقص كانت بحسب العوامل التي قبلها إن كان العامل يقتضي رفعًا رفع، إن كان يقتضي نصبًا نصب، إن كان يقتضي جرًّا جر.
ونضرب لذلك أمثلة: قام القوم إلا زيدًا أو إلا زيدٌ؟
إلا زيدًا بالنصب لماذا؟ لأن الكلام تام موجب، قام القوم تم الكلام ما فيه نفي موجب فتكون إلا زيدًا.
وإذا قلت: ما قام القوم إلا زيدًا جاز في ذلك وجهان: الرفع على البدل، والنصب على الاستثناء، فيجوز أن تقول: ما قام القوم إلا زيدٌ، ما قام القوم إلا زيدًا.
ما قام القوم إلا بعيرًا هنا يتعين النصب؛ لأن البعير ليست من القوم، فالاستثناء منقطع فيجب النصب هنا لتعذر البدلية.
وعلى هذا يعني فإذا قال قائل: ما قام القوم إلا بعير قلنا: هذا خطأ؛ لأن الاستثناء منقطع فيجب النصب.
وإذا قلت: ما قام إلا زيدٌ أو إلا زيدًا؟ زيدٌ بالرفع، لماذا؟ لأن ما قبلها ناقص منفي، ناقص؛ لأن الفعل لم يستكمل فاعله، منفي؛ ما قام، فيجب أن تقول: ما قام إلا زيدٌ.
ما رأيت أحدًا إلا زيدًا أو إلا زيدٌ، أو يجوز الوجهان؟ هذا تام منفي، ما رأيت أحدًا إلا زيدًا يجوز الوجهان الرفع والنصب خطأ، هذا منصوب على كل حال، ويجوز الوجهان لكنه منصوب؛ لأنك إن جعلته مستثنى فهو منصوب، وإن جعلته بدلًا فهو منصوب.
إذن يجوز الوجهان إعرابًا، أما شكلًا فلا يجوز إلا شكل واحد وهو النصب؛ لأنك حتى إن جعلتها بدلًا ستكون منصوبة.
هنا: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواينطبق على أي القواعد؟
طالب: (...).
الشيخ: ما هي؟ تام موجب فـالَّذِينَإذن في محل نصب، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِآمنوا بقلوبهم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِبجوارحهم، والعمل يطلق على القول والفعل، بخلاف الفعل فإنه يُطْلَق على فعل الجوارح، والقول على قول اللسان.
وقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِالصَّالِحَاتِهذه صفة لموصوف محذوف أي: عملوا الأعمال الصالحات، وجمعها باعتبار أنواع الصالحات؛ صلاة، صدقة، صيام، حج، بر، صلة، أنواع كثيرة؛ فلهذا جُمِعَت. أحيانًا يقول: عمل صالحًا، فيفرد باعتبار جنس العمل على سبيل العموم.
الأعمال الصالحات قال أهل العلم: الأعمال الصالحة ما جَمَعَت شرطين وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا صلاح مع شرك ولا صلاح مع بدعة؛ فالعمل الصالح ما جَمَع شرطين هما أيش؟ الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠].
وعلى هذا لو سألك سائل عن رجل صلى رياءً هل عمله صالح؟ لا، ما الذي انتفي منه؟ الإخلاص.
ولو سألك سائل: عن رجل تعبَّد لله بما لم يشرعه الله ولكنه مخلص لله يريد التقرب إليه لا يريد شيئًا من الدنيا، فهل عمله صالح؟ لا، لماذا؟ لعدم المتابعة.
وقد دلَّ على بطلان ما فيه الشرك: آيات من القرآن متعددة وأحاديث من السنة متعددة مثل قوله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى في الحديث القدسي أنه قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مِعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
ودل أيضًا على اشتراط المتابعة آيات أيضًا وأحاديث منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أي مردود عليه.
قال الله تعالى عن داود: وَقَلِيلٌ مَا هُمْإعرابها أن نقول: قَلِيلٌخبر مقدم، وهُمْمبتدأ مؤخر يعني وهم قليل، ومَافي قوله: وَقَلِيلٌ مَازائدة لفظًا، زائدة معنى؛ لأن المقصود بها تأكيد القلة أي: قلة قليلة من المؤمنين العاملين الصالحات، وإذا تدبرنا الواقع وجدنا الآية منطبقة تمامًا عليهم فإن الله تعالى يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ: يَارَبُّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعُونَ» . هؤلاء كلهم في النار وواحد في الجنة.
إذن: القلة قليلة ولَّا لا؟ قلة قليلة. واحد من الألف قليل جدًّا، قال ابن القيم في النونية:
| يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ يَنَالُهَا | بِالْأَلْفِ إِلَّا وَاحِدٌ لَا اثْنَانِ |
إذن نقول: إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِمن بني آدم قليلون جدًّا يؤكد القلة قوله: مَافي وَقَلِيلٌ مَا هُمْ.
قال المؤلف رحمه الله: (مَالتأكيد القلة فقال الملكان صَاعِدَيْنِ في صورتيهما إلى السماء: قضى الرجل على نفسه، فتنبه داود) (الرجل) يعني داود (على نفسه)؛ لأنه حسب القصة الإسرائيلية المزعومة كان له تسع وتسعون امرأة فطلب من رجل ليس عنده إلا امرأة واحدة أن يطلق امرأته ليتزوجها داود، وفي وجه آخر للقصة أنه أمره أن يخرج في الجيش من أجل أن يقتل حتى يتزوج امرأته، وقد بينا أن هذا لا دليل عليه، وأنه لا يليق بمقام العقلاء فضلًا عن الأنبياء، وأن هذه قصة مزعومة من اليهود هم الذين رَكَّبوها على داود عليه الصلاة والسلام؛ لأن اليهود لا يعتقدون داود نبيًّا، وإنما هو على زعمهم ملك.
قال تعالى: (وَظَنَّأي: أيقن دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُأوقعناه في فتنة أي بلية بمحبته تلك المرأة).
(ظَنَّأي: أيقن) وإنما نفسره باليقين؛ لأن الأمر واضح أمر واقع من داود حسب القصة، والشيء الواقع لا يقال: إنه ظن، بل يقال: إنه علم، فإن قال إنسان: هل لديك شاهد على أن الظن يأتي بمعنى العلم؟
قلت: بلى، نعم، قال الله تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة: ٤٥، ٤٦] فإن (يظنون) هنا: بمعنى يتيقنون؛ لأن الظن الذي هو الراجح لا يكون إيمانًا في ملاقاة الله عز وجل، بل يجب على الإنسان أن يؤمن إيمانًا يقينيًّا بأنه ملاقٍ ربه والظن لا يكفي فيه، وإن كان الظن لا يكفي فلا يمكن أن يكون مدحًا.
وَظَنَّ دَاوُودُأيقن أَنَّمَا فَتَنَّاهُقال: (أوقعناه في فتنة أي: بلية)، هذا ما ذهب إليه المؤلف بناءً على صحة القصة.
ولكن الصحيح أن المراد بالفتنة الاختبار فَتَنَّاهُأي: اختبرناه؛ لأن الفتنة من معانيها الاختبار قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:٣٥] أي: اختبارًا وابتلاءً، كما قال تعالى عن سليمان: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠].
إذن أَنَّمَا فَتَنَّاهُيعني: اختبرناه، وعلى رأي المؤلف أي: ابتليناه بمحبة تلك المرأة، ولكن هذا ليس بصحيح.
ظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُالصحيح أن المراد اختبرناه، ولكن بأي شيء اختبرناه؟
لننظر؛ أولًا: داود عليه الصلاة والسلام مأمور بأن يحكم بين الناس، ومَنْ وظيفته بالحكم بين الناس فإن وظيفته عامة، واختصاصه في الوقت بدخوله المحراب وإغلاق الباب عليه هذا يخالف مقتضى وظيفته؛ إذ مقتضى وظيفته أيش؟ أن يتفرغ للناس حتى يقابل الخصوم ويحكم بينهم، هذه واحدة، ولهذا سيأتينا إن شاء الله في الفوائد أنه لا يجوز للحاكم بين الناس ولمن كان في وظيفة عامة أن يشتغل بشيء خاص لنفسه.
ثانيًا: أن داود عليه الصلاة والسلام سمع كلام الخصم ولم يستمع إلى كلام الخصم الآخر؛ لأن القرآن ليس فيه أنه سمع إلى كلام الخصم الآخر.
وثالثًا: أنه حَكَم، وقال: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْوالحُكْمُ قَبْلَ سماع جواب الخصم فيه شيء من التسرع ما دام الخصم حاضرًا. لهذا عَلِمَ داود عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى ابتلاه بهذه الخصومة التي جاءت وهو يتعبد في محرابه وتَسَوَّرُوا عليه المحراب فاستغفر ربه وخَرَّ راكعًا وأناب.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، لكن قد يكون غير عالم، أحيانًا يكون غير عالم يعني ما يقول: إن هذه بدعة.
الطالب: ما يثاب عليها؟
الشيخ: لا، ما يثاب عليها، على العمل ما يثاب، قد يثاب على نيته، أما العمل ما يثاب «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (...).
***
طالب: قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: ٢٤ - ٢٦].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، ولكن قبل أن نبدأ الدرس نسأل عما سبق.
قال: قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِهذه الجملة مؤكدة؟
طالب: باللام، وقد.
الشيخ: فقط، بس، باللام، وقد، يعني بمؤكدين فقط.
طالب: مؤكدة بالقسم، والتقدير: والله لقد ظلمك.
الشيخ: أحسنت.
طالب: اللام، وقد، والقسم.
الشيخ: إي، مؤكدة للقسم، إذن معناه وقع في جواب القسم، لا بد من القسم، ثلاثة مؤكدات.
قوله: بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِإِلَىبمعنى أيش؟
طالب: مُضَمَّن معنى الضم.
الشيخ: السؤال مضمن معنى الضم.
قوله: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِهل هذه من كلام الله أو من كلام دواد؟
طالب: من كلام داود.
الشيخ: والمراد بـالْخُلَطَاءِ؟
طالب: الشركاء.
الشيخ: نعم. في هذه الجملة احترازان مِنْ أَنْ يحكم على جميع الخلطاء بأنهم يبغون بعضهم على بعض؟
طالب: (...).
طالب آخر: الإيمان والعلم الصالح.
الشيخ: نعم، استثناء المؤمنين الذين عملوا الصالحات، هذا واحد، هذا احتراز.
طالب: الاحتراز الثاني أنه قال: كَثِيرًا، ولم يقل: كل الخلطاء.
الشيخ: أحسنت، الاحتراز الثاني أنه قال: وَإِنَّ كَثِيرًاولم يقل: إن جميع الخلطاء.
قوله: وَقَلِيلٌ مَا هُمْإعرابها؟
طالب: هُمْمبتدأ، وَقَلِيلٌخبر مقدم، وهُمْمبتدأ مؤخر، ومَازائدة (...).
الشيخ: أحسنت.
الطالب: (...).
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
قوله: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ؟
طالب: يعني: أيقن.
الشيخ: ظَنَّبمعنى: أيقن، وهل يأتي الظن بمعنى اليقين؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: مثاله؟
الطالب: قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة: ٤٦].
الشيخ: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة: ٤٥، ٤٦].
لماذا قلت: إن الظن في الآية الثانية من باب اليقين؟
الطالب: (...).
الشيخ: لكن لو قال لك قائل: إن الظن هنا بمعنى التوهم الراجح، أو الاحتمال الراجح.
الطالب: يعني تبين له وجه (...).
الشيخ: لا، في الآية الثانية: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة: ٤٦].
الطالب: لا يمكن هذا؛ لأن المؤمن لا بد أن يكون موقنًا بلقاء ربه.
الشيخ: ومن لم يكن عنده يقين فليس أهلًا للمدح؛ لأنه كافر. أحسنت.
قوله: أَنَّمَا فَتَنَّاهُبماذا الفتنة؟
طالب: الفتنة هنا بمعنى الاختبار.
الشيخ: لكن على كلام المؤلف فَتَنَّاهُبماذا حصلت الفتنة؟
الطالب: فتنه؛ لأنه حكم بالـ..، بأن حكم قبل أن يأخذ..
الشيخ: لا، يا أخي على كلام المؤلف؟
طالب: كلام المؤلف: معنى الفتنة البلية، والبلية على كلامه هي القصة التي يعني..
الشيخ: لكن، ما هي البلية اللي حصلت له؟
الطالب: القصة التي يعني مكذوبة على هي من بني إسرائيل.
الشيخ: لا، ما حاجة أن نطول، كلمة واحدة.
الطالب: عندما أراد أن يتزوج المرأة الجميلة فأرسل زوجها إلى..
طالب آخر: على رأي المؤلف أنه امتحنه الله سبحانه وتعالى بمحبته لتلك المرأة الواردة في القصة الإسرائيلية.
الشيخ: أحسنت، تمام، إذن الفتنة محبته لهذه المرأة على ما مشى عليه المؤلف.
نكمل القصة عشان نأخذ الفوائد.
قال الله تعالى: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُاستغفر يعني طلب المغفرة، والمغفرة مأخوذة من المغفر، وهو ما يُسْتَر به الرأس ليتقى به السهام هذا أصلها في اللغة.
أما شرعًا: فالمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه؛ يعني أن الله تعالى يستر على العبد ذنبه فيما بينه وبين الخلق ويتجاوز عنه فيما بينه وبين العبد، ومن هنا تتحقق الوقاية مع الإخفاء؛ لأنه إذا ستر عن الخلق ثم عفي عنه من جانب الخالق عز وجل حصلت الوقاية بالعفو من الخالق، والثاني الستر بعدم إظهار الخلق عليه.
المهم أنه طلب من ربه أن يغفر له على ما جرى منه.
وَخَرَّ رَاكِعًاأي: ساجدًا خَرَّ رَاكِعًا، خَرَّبمعنى نزل من أعلى إلى أسفل، ومنه خرير الماء من الميزاب أو من الشلال.
وقوله: رَاكِعًاحال من فاعل خَرَّ.
ولكن المؤلف -رحمه الله- فسَّر الركوع بالسجود فقال: (أي ساجدًا)؛ وذلك لأن الركوع الذي هو الانحناء لا يمكن أن يكون فيه خرور؛ لأن الراكع يبقى ثابتًا ولا يتصور الخرور إلا بالسجود.
ولكن التعبير بالركوع عن السجود من باب التعبير بالمعنى العام على المعنى الخاص؛ لأن أصل الركوع في اللغة العربية هو الذل كما قال الشاعر:
| لَا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ | تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ |
يعني: أن تركع، أي: أن تذل، والدهر قد رفعه، أي: رفع هذا الفقير.
إذن الذي عَيَّن أن يكون الركوع هنا بمعنى السجود هو قوله: خَرَّ رَاكِعًاولكنه عبر بالركوع عن السجود لإظهار أن هذا الركوع ركوع ذل لله عز وجل.
قال: وَأَنَابَأي: رجع إلى الله، والإنابة الرجوع مع الخشية فهو رجع إلى الله مع خشية الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَغَفَرْنَاأي: سترنا وتجاوزنا، لَهُأي: لداود، واللام هنا يحتمل أن تكون للتعدية أو أن تكون للتعليل، لكنها للتعدية أولى، وفي كونها للتعليل تأمل أي أننا غفرنا لداود ذلك الذي وقع منه وهي الفتنة التي افتُتِنَ بها ولم يتخذ الإجراء اللازم في الحكم.
قال: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍمع المغفرة أضاف الله هذه المنقبة.
وَإِنَّ لَهُأي: لداود عِنْدَنَا، لَزُلْفَىأي: زيادة خير في الدنيا. ويحتمل أن المراد بالزلفى زيادة القرب كما قال الله تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [الشعراء: ٩٠] أي: قَرُبَت، فالزلفى تفسيرها بزيادة الخير فيه شيء من النظر. والصواب: أن المراد بالزلفى القربى.
أما حُسْنَ مَآبٍفهذا هو زيادة الخير، حسن المآب أي: حسن المرجع في الآخرة هذا هو زيادة الخير، فصارت النتيجة بعد أن وقع من داود ما وقع ثم رجع إلى الله واستغفره أن الله سبحانه وتعالى رفع عنه آثار هذا الذنب فغفر له وزاده على ذلك زيادتين عظيتمين هامتين:
إحداهما: القرب من الله.
والثانية: حسن المآب.
في هذه الآيات التي ذكرها الله عز وجل عن داود وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُذَكِّر داود بها ولكنه أتى بها على سبيل التشويق في قوله: وَهَلْ أَتَاكَفيها عدة فوائد.
نرجع إذن من قوله تعالى: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَففي هذه الآيات من الفوائد في قوله: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٧].
قال الله تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص: ١٦].
في هذه الآية من الفوائد:
أولًا: اعتراف المشركين بالربوبية؛ لقولهم: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَاوهم مقرون بالربوبية، ومقرون بانفراد الله تعالى بها وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥].
من فوائدها: أن الإقرار بالروبية لا يخرج الإنسان من الكفر إذا كان لم يقر بتوحيد الألوهية؛ لأن هؤلاء مقرون بالربوبية وبأن الله هو الخالق والرازق والمنفرد بالخلق والرزق لكنهم يشركون به في العبادة يعبدون معه غيره فلم يدخلهم ذلك في الإسلام.
ومن فوائدها: بطلان ما ذهب إليه كثير من المتكلمين في تفسير التوحيد؛ حيث قالوا في تفسير التوحيد: أن تؤمن بأن الله واحد في ذاته لا قسيم له، واحد في أفعاله لا شريك له، واحد في صفاته لا شبيه له، فإن هذا فيه إنكار الألوهية يعني: لم يتعرضوا لذكر الألوهية إطلاقًا.
قالوا: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا شبيه له، هذا هو التوحيد عند عامة المتكلمين، ولا شك أن هذا التوحيد لم يدخل فيه توحيد الألوهية الذي جاءت الرسل بتحقيقه وإثباته والقتال عليه.
لم يقل: واحد في ألوهيته لا يعبد غيره، أسقطوا هذا نهائيًّا، ولا شك أن هذا قول باطل في أن هذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، بل هذا من التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وليس هو التوحيد كله بل فيه أيضًا إجمال في قولهم: واحد في صفاته لا شبيه له فيه إجمال، ولكنه ليس هذا موضع بحثي لأنه نتكلم عن التفسير.
المهم أن المشركين الذين قاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم واستباح دماءهم وأموالهم ونساءهم وذريتهم كانوا يُقِرُّون بما يدعي المتكلمون أنه هو التوحيد.
من فوائد الآية أيضًا: استكبار هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث تحدوا رسول صلى الله عليه وسلم هذا التحدي، وقالوا: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَاأي: نصيبنا من العذاب وهذا غاية ما يكون من الاستكبار والعناد.
ومن فوائد الآية الكريمة: إيمانهم بيوم الحساب، من أين تؤخذ؟
طلبة: قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ.
الشيخ: نعم، ممكن أن نقول هذا، ويمكن أن نقول: إنهم قالوا ذلك على سبيل التهكم فيكون هذا أشد في العناد والاستكبار يعني قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِالذي يزعمه محمد، فيكون المراد بهذا التهكم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما أخبر به من يوم الحساب، وهذا هو الظاهر يعني كأنهم يقولون: عجل لنا نصيبنا من العذاب قبل يوم الحساب الذي يقوله هذا الرجل.
ثم قال الله تعالى: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ص: ١٧].
من فوائد هذه الآية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتأثر في تكذيبهم؛ ولهذا أمره الله بالصبر لأجل أن يعينه على صبره عليهم، وهذا أمر لا شك فيه أي أن الرسول عليه الصلاة والسلام يتأثر في تكذيبهم ويتألم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام جاء رسولًا من عند الله، فإذا كذَّبه هؤلاء فإنهم يكونون قد كذبوا الله عز وجل فيتألم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك.
كما أنه بَشَرٌ يتألم بمقتضى الطبيعة البشرية أيضًا فإن البشر لا بد أن يتألم إذا رُدَّ قولُه وعُورِض وكُذِّبَ وقُدِحَ فيه من أجله لا بد أن يتأثر مهما كانت حالهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الصبر على أذى الكفار؛ لقوله تعالى: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم عبدٌ مأمور يؤمر وينهى وليس ربًّا آمرًا ناهيًا، ولولا أن الله أمرنا بطاعته لكان كغيره من البشر لا تجب طاعته، لكنه رسول الله أمرنا الله بطاعته أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القول الصادر صادر منهم جميعًا أو من أكثرهم أو من أشرافهم ووجهائهم؛ لقوله: عَلَى مَا يَقُولُونَفأضاف القول إلى الجميع، فإما أن يكون الجميع كلهم يقولون هذا، وإما أن يكون الأكثر يقول بذلك فنُسِبَ إلى الجميع اعتبارًا بالأكثر، وإما أن يكون القائل هم الأشراف والوجهاء والمتبوعين فيكون قول هؤلاء قولًا للجميع؛ لأن الآخرين سوف يقلدونهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: ذكر ما يتسلى به العبد وتذكيره بذلك؛ لقوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ.
ومن فوائدها: فضيلة داود عليه الصلاة والسلام وأنه عبد.
ومن فوائدها: أن داود قوي في عبادته؛ لقوله: عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِذَا الْأَيْدِفي أي شيء؟ في هذا الوصف الذي وصفناه به وهو العبودية.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على القوي في العبادة؛ لقوله: عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِأي: ذا القوة في العبادة، وعليه يتنزل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» فإن المراد بالقوة هنا القوة في الإيمان يعني قوي في إيمانه؛ لأن القوي وصف يعود على المؤمن فيكون المراد أي القوي في هذا الوصف، وليس قوي البدن؛ لأن قوة البدن قد تنفع وقد تضر بخلاف قوة الإيمان فإنها نافعة لا مضرة فيها.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة داود أيضًا من جهة أخرى وهو أنه مع قوته في العبادة رجاع إلى الله من ذنبه في قوله: إِنَّهُ أَوَّابٌأي رجاع إلى ربه، لو أذنب فإنه يرجع إليه كما تدل عليه القصة التي ستأتي.
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات العلل والأسباب؛ لأن الجملة في قوله: إِنَّهُ أَوَّابٌتعليلية لكون داود عليه الصلاة والسلام موصوفًا بالقوة والعبودية؛ لأنه رجاع إلى الله عز وجل، وكل من كان رجَّاعًا إلى الله فسوف يكون قويًّا في عبوديته.
ثم قال: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [ص: ١٨، ١٩].
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الأمور كلها بيد الله؛ لقوله: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَأي: ذللناها، والجبال -كما نعلم- خلق عظيم لا يستطيع أحد أن يؤثر فيه، ولكن الله تعالى بقدرته يسخرها ويذللها.
ومن فوائدها: أن للجماد إرادة من قوله: يُسَبِّحْنَ؛ لأن التسبيح لا بد أن يكون بإرادة، ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
ويترتب على هذه الفائدة رَدُّ قول من يقول: إن قوله تعالى: جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] فيه مجاز حيث قالوا: إنه لا إرادة للجدار، ونحن نقول: بل له إرادة؛ لأن الله تعالى أثبت له الإرادة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء خاضع لأمر الله؛ الطير التي تسبح في الهواء خاضعة لأمر الله، وهذا هو ما أكده الله بقوله في سورة تبارك: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ [الملك: ١٩].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجبال والطير تسبح مع داود وتُرَجِّع معه؛ لقوله: كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌأي: كل لداود رَجَّاع؛ أي: مرجع معه، إذا سبح سبحت الجبال، إذا سبح سبحت الطيور المجموعة إليه.
وقيل: إن أَوَّابٌبمعنى الرجاع، ما هو المرجِّع؟ الرجَّاع الذي يرجع إلى داود، والمعنيان متلازمان؛ لأنه إذا كان رجَّاعًا يرجع إلى داود ليسبح معه فهو المرجع معه.
على أن في الآية قولًا آخر في مرجع الضمير في قوله: لَهُ أَوَّابٌ، فإن من أهل العلم من قال: في قوله: لَهُيعود إلى الله، وأنه من باب الالتفات بدل أن يقول: كل لنا أَوَّاب، قال: كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ، ولكن هذا المعنى لا يتعين، بل المعنى الأول أظهر كما مشى عليه المؤلف رحمه الله.
طالب: النبي صلى الله عليه وسلم أوذي بالقول والفعل (...).
الشيخ: هو قال: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَقال الله تعالى.. أمره أن يصبر على ما يقولون في هذه السورة تعجبهم من الألوهية وقولهم: إنه ساحر كذاب، هذا قول يعني كأنه ما تعرض للأذية في الفعل (...).
قال الله تعالى: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص: ٢٠].
من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن الله سبحانه وتعالى قوى ملك داود لما ذكرنا من التقوية المعنوية والحسية.
ومن فوائدها: أن تقوية الملك من أكبر أوصاف للملك التي يتمتع بها؛ لأن الله تعالى منَّ بها على داود في قوله: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ.
ومن فوائدها: الثناء على داود بأن الله تعالى مع تقوية ملكه آتاه الحكمة في تصرفه؛ لقوله تعالى: وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الله تعالى منّ على داود بفصل الخطاب، أي: الخطاب الفَصْل البَيِّن الذي يَفْصِل به بين الناس ويفصل به بين الحق والباطل وبين الضار والنافع، المهم أنه فصل.
ومن فوائد قوله تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ.. إلى آخره [ص: ٢١] أن هذه القصة عجيبة، وأنها (...) للعجب ولهذا شوق الله إليها بقوله: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ.
ومن فوائدها: بلاغة القرآن حيث يأتي بمثل هذه الصيغة في الأشياء التي ينبغي للإنسان أن يتشوق إليها ويهتم بها.
ومن فوائدها: أن الخصم يطلق على الواحد والمتعدد اعتبارًا بالمعنى، فإن الجماعة إذا كانت دعواهم واحدة صاروا كأنهم رجل واحد.
ومن فوائدها: أن مَنْ أتى البيوت من غير أبوابها فإن فعله هذا سبب للخوف والفزع.





