.. أو النهي، المهمُّ أنه فصْل.
ومن فوائد قوله
تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ [ص: ٢١]
إلى آخره: أنَّ هذه القصة عجيبةٌ وأنها مثارٌ للعجب، ولهذا شوَّق الله إليها بقوله:
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ.
ومن فوائدها: بلاغة القرآن؛ حيث يأتي بمثل هذه الصيغة في
الأشياء التي ينبغي للإنسان أن يتشوَّق إليها ويهتمَّ بها.
ومن فوائدها: أن الخصْم يُطلَق على الواحد والمتعدِّي
اعتبارًا بالمعنى؛ فإن الجماعة إذا كانت دعواهم واحدة صاروا كأنهم رجلٌ
واحد.
ومن فوائدها: أن مَن أتى البيوت مِن غير
أبوابها فإنَّ فِعْله هذا سببٌ للخوف والفزع؛ لقوله: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [ص: ٢١].
ومن
فوائدها: أن داود عليه الصلاة والسلام في هذه الحال كان قد أغلق بابَه أو
جعل عليه حاجبًا يمنع الناسَ من الدخول فيه.
ومن
فوائدها: أن الحُكم بين الناس أفضل من العبادات الخاصَّة؛ لأنَّ نَفْعه
متعدٍّ، والعبادات الخاصة نَفْعها قاصر.
ومن فوائدها:
أن الأنبياء يَلْحقهم من الطبائع البشرية ما يَلْحق غيرهم؛ لقوله: فَفَزِعَ مِنْهُمْ [ص: ٢٢] حيث لَحِقَه الفزعُ كما يَلْحق
سائرَ الناس.
ومن فوائدها: أنه ينبغي -إنْ لم نقُل
يجب- أنْ يُطَمْئن المفْزِع مَن فَزِع منه بنفي سبب الفزع قبل كل شيء؛ حيث قالوا:
لَا تَخَفْ [ص: ٢٢] ثم ذكروا القصة، ولم يبدؤوا بالقصة
رأسًا.
ومن فوائد هذه القصة: بيان أن هذين الخصمين
قد اعتدى بعضهما على بعض، يعني وليست المسألة مسألة كلامية أو ليس فيها عُدوان، بل
فيها عُدوان؛ اعتدى بعضهم على بعض لِمَا ذكروا من السبب.
ومن فوائدها: أن هذين الخصمين أساءا الأدب من بعض الوجوه؛
حيث قالا: فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ [ص: ٢٢]، ووجه الإساءة أنهما ما جاءا إلى الحَكَم إلا وهُما
يعتقدان أنه سيحكم بالحق، فإذا قالا: فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّفإنَّ هذا قد يولد تهمةً من أنه لن يحكم بالحق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم يحتاج إلى إلزام؛ لقولهم:
وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، فإنَّ هذا أمرٌ
زائدٌ على الحُكم؛ يعني الحُكم أن يفصل بينهم، والهداية أن يدلَّهم على ذلك من أجْل
إلزامهم به.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل البشر
يطلب الصراطَ السويَّ الذي ليس فيه ميلٌ ولا إجحافٌ؛ لقولهم: وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ.
ومن فوائد هذه القصة: لَباقة هذين الخصمين؛ حيث لم تُثر
الخصومة ضغينتيهما، ولهذا قال: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [ص: ٢٣]، مع أنه قال في الأول: بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ [ص: ٢٢]، لكن هذا البغي لم
تُفقَد به الأخُوَّة؛ لقوله: إِنَّ هَذَا أَخِي.
ومن فوائد هذه القصة: أن هذه خصومة
غريبة؛ فإنَّ أحدهما كان له تسعٌ وتسعون نعجةً والآخَر نعجة واحدة، ومع هذا طَمِع
الأول بالثاني، وكان الذي يتبادر إلى الذهن أن يُضيف الأولُ صاحبُ النعاج الكثيرة
إلى الثاني ما تيسَّر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن
بعض الخصوم قد يكون أقوى في المخاصمة من الآخَر حتى يغلبه؛ لقوله: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص: ٢٣]، وثبت عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ،
وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ
لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنِ اقْتَطَعْتُ لَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ
أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»
أو
قال: جمرة من النار.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه
ينبغي أن يكون الإنسان قويَّ الحُجَّة قويَّ البيان حتى يحصل له الغَلَبة على
صاحبه، هذا إذا كان بحقٍّ، أمَّا إذا كان بغير حقٍّ فإنَّ الواجب على الإنسان أن
يخرس لينطق غيره بالحق.
ومن فوائد هذه القصة: أن
داود عليه الصلاة والسلام حَكَم بينهما دون أن يسمع دفاع الخصم الآخَر؛ لقوله:
لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ [ص: ٢٤]، ولعل عُذر داود عليه الصلاة والسلام أنه أراد السرعة في إنهاء القضية
ليتفرَّغ لِمَا احتجب به عن الناس من عبادة الله عز وجل، وخاف أن يُدلي هذا بشيءٍ
وهذا بشيءٍ ويطول النِّزاع والخصام، فبادر بالحُكم.
ومن
فوائد القصة: أن أكثر الشركاء يحصل من أحدهم بغيٌ على الآخَر؛ لقوله: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ص: ٢٤]، وهذا من الغريب أنْ يكون الإنسان كلَّما قَرُب إلى الشخص
تُوُقِّع منه البغي أكثر مما لو كان بعيدًا؛ لأن البعيد ليس بينه وبينه صِلَة، لكن
الذي بينه وبينه صِلَة -وهو الشريك- هو الذي ربما يجحده، أو يُنكره، أو يفعل شيئًا
لم يأذن به، أو ما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذه القصة:
أنه ليس جميع الخُلَطاء يحصل منهم البغي؛ لقوله: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ.
ومن فوائدها:
أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يحصل منهم البغي، والذي يمنعهم من ذلك هو
إيمانهم بالله وبالحساب، وعملُهم الصالح الذي يكون درعًا بينهم وبين العُدوان
والبغي.
ومن فوائد القصة: أنه كلَّما كان الإنسان
أقوى إيمانًا وأكثر عملًا من الصالحات كان أبعدَ عن الظلم والبغي؛ وجْهه أن استثناء
الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنما كان من أجْل إيمانهم وعملهم للصالحات، والحُكم
إذا عُلِّق بوَصْفٍ ازداد قوةً بقوة ذلك الوصف، وهذه قاعدة ذكرناها كثيرًا: أن
الحُكم المعلَّق بوصف يزداد قوةً بما يحصل فيه من ذلك الوصف.
ومن فوائد هذه القصة: أن العمل لا ينفع إلا إذا بُنِيَ على
الإيمان وكان صالحًا؛ فعملٌ بلا إيمان لا يُقبل؛ كما قال تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤]، وكذلك لو كان
هناك إيمان لكنْ لم يكن العمل صالحًا لِفقْد الإخلاص أو الاتباع فيه فإنه لا
ينفع.
ومن فوائد هذه القصة: أن الجمع بين هذين
الوصفين: الإيمان والعمل الصالح، قليلٌ؛ لقوله تعالى: وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ص: ٢٤].
ومن فوائدها: أن الحاكم
لا يحكم حتى يستوعب حُجَجَ الخصمين؛ لقوله: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ [ص: ٢٤].
ومن فوائدها
أيضًا: أن الحاكم الذي نصَّب نفسَه ليكون حَكَمًا بين العباد لا يحلُّ له أن
يختفي عنهم في الوقت الذي يكون وقتًا للتحاكم.
ومن فوائدها
أيضًا: أن الاشتغالَ بما مصلحتُه عامَّة أفضلُ من الاشتغال بما مصلحتُه
خاصة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام قد يُفتَنون ويُختبَرون؛ لقوله: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ، ولكن الفتنة التي يُفتَن بها الأنبياء لا
يمكن أن تعود إلى إبطال مقوِّمات الرسالة والنبوة كالفتنة التي تعود إلى الكذب أو
الشرك أو الأخلاق الرديئة وما أشبه، هذا لا يمكن أن يقع من الأنبياء.
ومن فوائد القصة: أن كلَّ شخصٍ محتاجٌ إلى الله عز وجل
مفتقرٌ إليه؛ لقوله: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ [ص: ٢٤].
ومن فوائد هذه القصة: أن الاستغفار سببٌ لمحو
ما حصل من الذنوب؛ لأن الفاء في قوله: فَاسْتَغْفَرَمبنيَّةٌ على قوله: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ.
ومن فوائد هذه القصة: أن
السجود خضوعًا لله من سُنن الأنبياء؛ لقوله: وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [ص: ٢٤]، وهل يُشرع لمن أَذنب أن يفعل كما فعل داود أو أن يصلي
ركعتين تامَّتين؟ الثاني هو المشهور؛ فإنه إذا أذنب الإنسانُ فينبغي له أن يتوضأ
ويُسبغ الوضوء ويصلي ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسَه، فمَن فعل ذلك فإنَّه يُغفر له
ما تقدَّم من ذنبه.
ومن فوائد هذه القصة: إجابة
الله سبحانه وتعالى دعاءَ من دعاه؛ لقوله: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ [ص: ٢٥]، وهذا يستلزم عِدَّة صفات منها السمع والبصر، من أين يؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: لا،
من قوله: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ؛ لأن الذي حصل من
داود قولٌ يُسمع وفِعلٌ يُرى، القول الذي يُسمع قوله: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، والفعل الذي يُرى قوله: وَخَرَّ رَاكِعًا، فلمَّا قال: فَغَفَرْنَا لَهُعُلِم أن الله قد سمع ما قال ورأى ما
فعل.
وتستلزم هذه الصفة: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَمن
الصفات إضافةً إلى العلم والسمع والبصر تستلزم القدرة؛ لأن المغفرة لا تقع إلا من
قادرٍ على الغُفران، وتستلزم كذلك كرم الله عز وجل ولُطفه بعباده حيث يغفر لكلِّ
مَن استغفر ومهما عظُم ذنبُه؛ كما قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣].
ومن فوائد هذه القصة:
أن الله تعالى غفر لداود وبيَّن ما لديه من الثواب لداود في قوله: وإِنَّ لَهُ عنْدنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٢٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العندية لله
عز وجل، وهي عندية قربٍ وعندية علمٍ؛ ففي قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام: ٥٩] هذه عندية علم،
وفي قوله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأنبياء: ١٩] هذه عندية قرب.
ومن
فوائد هذه القصة أيضًا: الثناء على داود عليه الصلاة والسلام بحُسن مآبه؛
أي: مرجعه إلى الله؛ لقوله: وَحُسْنَ مَآبٍ.
***
ثم قال الله تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى [ص: ٢٦].
يخاطب الله تعالى داود بالنداء، والمخاطبة بالنداء يُراد بها التنبيه؛ لأن هناك فرقًا بين أن تقول: محمدٌ قام، وبين أن تقول: يا عليُّ محمدٌ قام؛ ففي الثاني تنبيه، وإذا كان الكلام يحتاج إلى تنبيهٍ فإنه دليلٌ على أهميته؛ إذْ إنَّ الكلام الذي يُهتَمُّ به يقدَّم بين يديه ما يكون به التنبيه، فالله عز وجل ينادي داود تنبيهًا لما سيُلقي عليه فيقول: إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ.
جَعَلْنَاكَأي صيَّرناك؛ لأن الجَعل تارةً يكون للتصيير وتارةً يكون للإيجاد؛ ففي قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١] هذه جَعْل أيش؟ إيجاد، جَعْل إيجادٍ؛ يعني: أوجدَهما، وفي قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] أي: صيَّرناه؛ جَعْل تصيير. والفرق بينهما أنه إنْ تعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ صار بمعنى الإيجاد، وإنْ تعدَّى إلى مفعولين صار بمعنى التصيير، هنا يقول: جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةًتعدَّى إلى مفعولين: الكاف و(خليفة)، فتكون بمعنى التصيير.
وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِأي: خالفًا لنا في تبليغ شَرْعنا، وليس المراد أنه خالِفٌ له أنه يأتي بعده؛ لأن الله تعالى هو الأول والآخِر والظاهر والباطن، لكن خليفة لله في تبليغ أيش؟ في تبليغ شَرْعه وحُكمه بين الناس.
وقوله: فَاحْكُمْالفاء هذه للتفريع؛ أي: فبناءً على كونك خليفةً في الأرض احكُم.
قال المؤلف رحمه الله: (خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِتُدبِّر أَمْر الناس) كما يدبِّر الخلفاءُ أَمْر مَن جعلهم الله راعين له.
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّالفاء هذه -كما قلت- للتفريع، على أيش؟ على جَعْله خليفةً.
احْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، بِالْحَقِّأي: بالعدل؛ لأن الحقَّ إن كان في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصِّدق، وإن كان في مقابلة الحُكم فهو بمعنى العدل؛ فإذا قيل: أخبرني محمدٌ بكذا وهو حق؛ يعني صدقًا. وإذا قلت: حكم فلانٌ بكذا وهو حق؛ يعني عدلًا. هنا يقول: احْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّأي: بالعدل؛ لأن الحق هنا وُصِف به الحُكم فصار بمعنى العدل.
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّأي: بالعدل، وهذا يتضمَّن الحُكمَ، وطريقَ الحُكم، ولوازمَه؛ فالحُكم بأن تحكم بالشرع، وطريقه -طريق الحكم- أن تعدل بين الخصمين في كل شيء، حتى إن العلماء يقولون: يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لفظه، ولحظه، وكلامه، وجلوسهما، ودخولهما عليه، في كلِّ شيء:
ففي لفظه: لا يُغَلِّظ القولَ لأحد الخصمين ويُلين القولَ للآخر.
وفي لحظه: لا ينظر إلى أحد الخصمين نظرة غضب وإلى الثاني نظرة رضا.
مجلسه: لا يُجلس أحد الخصمين إلى جانبه والثاني بعيدًا عنه.
دخولهما عليه: لا يقُل لأحدهما: ادخُل، قبل الآخَر، حتى ولو كان كافرًا فإنه لا يقدِّم المسلمَ عليه في الدخول، وإن كان بعض العلماء قال: إذا كان أحدهما كافرًا فإنه يقدِّم المسلمَ عليه في الدخول، لكن المقام مقام حُكم، الواجب فيه العدل، وهذا كُفره عليه وهذا إسلامُه له، هذا إذا كان الدخول يحتاج إلى تقديم وتأخير، أمَّا إذا كان الباب مفتوحًا فإنه لا يلزمه أن يجعل عند الباب رجلًا يقول: ادخلا جميعًا، يجعل الأمر موكولًا إلى مَن؟ إلى الخُصوم؛ مَن جاء فليدخل، دخل قبل الثاني أو بعده، لكن إذا كان هناك ترتيب في الدخول فلا يقدِّم أحدهما على الآخَر، هذا طريق الحكم.
أمَّا الحُكم فإذا علم أن الحقَّ مع أحدهما وجب عليه أن يحكم به له مهما كان، سواءٌ كان عدوًّا أو صديقًا.
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّالناس أصلُها (الأُناس)، لكن حُذفت الهمزة تخفيفًا كما حُذفت من (شر) و(خير)؛ قال الله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ [المائدة: ٦٠] أي: بما هو أشرُّ من ذلك.
ثم قال: وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى، الْهَوَىهوى النفس، وإنما نهاه عن اتباع الهوى تعظيمًا لهذا الأمر، ولا يَلزم من نهيه عنه أن يكون ممكنًا في حقه؛ كما قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] ولا يَلزم من هذا أن يكون الإشراك في حقِّه ممكنًا، وقد يقال: إن الله نهاه عن اتباع الهوى لقُوَّة الهوى في البَشَر؛ فإن الهوى في البَشَر أمرٌ مفطورٌ عليه البَشَر؛ لأنه يندر أنَّ شخصًا يتقدَّم إليه أبوه مع شخصٍ آخَر عدوٍّ له، يندر ألَّا يكون له هوًى، أو يتقدَّم إليه شخصٌ من أصدقائه الحميمين وآخَر من أعدائه الألِدَّاء ثم لا يميل مع الأول، يندر هذا، فلِقُوَّة الداعي -وهو الهوى- نهى الله عنه وإنْ كان لا يمكن في حقِّه.
وقوله: وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىأي: هوى النفس فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: ٢٦]، فَيُضِلَّكَ، فالفعل هنا مضارعٌ، ولكنَّه منصوبٌ، فلماذا كان منصوبًا؟ لأنه وقع بعد النهي، والمضارع إذا اقترنت به الفاء بعد النهي صار منصوبًا بـ(أنْ) مضمرة وجوبًا.
وقوله: فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِأي: يجعلك تضلُّ وتحيد يمينًا وشمالًا.
وقوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِقال المؤلف: (أي: عن الدلائل الدالَّة على توحيده). هذا ضعيف جدًّا هذا التفسير، بل المراد بـسَبِيلِ اللَّهِطريقه الموصل إليه؛ لأن السبيل في الأصل هو الطريق، وأُضيف إلى الله لأنَّ الله هو الذي وضعه، وهو الذي شرعه، ولأن هذا السبيل يؤدِّي إلى مَن؟ يؤدِّي إلى الله، فأُضيفَ إلى الله باعتبار وضْعه وباعتبار نهايته. وإذا قُلنا بما ذكرت: أن المراد عَنْ سَبِيلِ اللَّهِأي: عن طريقه وشريعته، صار أعمَّ مما قال المؤلف، أعمَّ مما قال وألصقَ باللفظ؛ لأن السبيل في اللغة معروفٌ أنه الطريق، وليست الدلائل الدالَّة على التوحيد، لكن الدلائل الدالَّة على التوحيد لا شك أن النظر فيها من شريعة الله.
فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: ٢٦] إلى آخره، لم يقُل الله عز وجل: إنك إنْ تتَّبع الهوى أو إنْ تضلَّ عن سبيل الله فلَكَ عذابٌ شديدٌ، بل أتى بالجملة الاستئنافية الاستقلالية؛ أولًا: تفاديًا لمخاطبة داود بذلك، وثانيًا: ليكون أعمَّ. ففيه فائدتان: الأولى: تفادى مخاطبة داود بذلك ، والثانية: إرادة العموم، ولهذا قال الله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ [عبس: ١ - ٣]، فعبَّر بالفعل الماضي الدالِّ على الغائب عَبَسَ وَتَوَلَّىولم يقُل: عبستَ وتولَّيتَ أنْ جاءك الأعمى وما يُدريك لعله يزَّكى، بل قال: عَبَسَتفاديًا لمخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الوصف.
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌقال المؤلف: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِأي: عن الإيمان بالله)، وهذا أيضًا فيه نظر، والصحيح أن سبيل الله هنا هو سبيل الله الأول، والمراد به أيش؟ شريعته؛ لأنها هي الطريق الموصل إليه.
لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌالجملة خبر إِنَّ، وأين اسمها؟
طالب: الَّذِينَ.
الشيخ: الَّذِينَهذا الاسم، ولَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌخبرها، فالجملة هنا خبر لـإِنَّ، وكلُّ جملة تقع خبرًا فلا بدَّ فيها من رابط يربط بين هذه الجملة وبين المبتدأ، والرابط هنا الضمير في قوله: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.
وقوله: شَدِيدٌأي: قوي وعظيم، ويدلُّك لقوَّته وعظمته ما وصفه الله به في القرآن الكريم من صفاتٍ تنزعج لها القلوب وتتفطَّر لها الأكباد.
وقوله: شَدِيدٌأي: قوي بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: ٢٦] أي: بسبب نسيانهم يوم الحساب، فالباء هنا للسببية، و(ما) مصدرية، ولهذا قال المؤلف: (بنسيانهم يوم الحساب المرتَّب عليه تركُهم للإيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا).
وقوله: بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِالمراد بيوم الحساب يومُ القيامة، وأُضيفَ إلى الحساب لأن الناس يحاسَبون فيه على أعمالهم، وأولُ ما يحاسَب به الإنسان فيما يتعلَّق بحقِّ الله الصلاةُ، وأولُ ما يحاسَب عليه فيما يتعلَّق بحقِّ الآدميين هو الدماء؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» .
طالب: (...) السجدة استغفر ربه (...) السجدة هل هي سجدة (...)؟
الشيخ: أما بالنسبة لداود فهي سجدة التوبة، ولهذا قلنا: إن المشروع في شرعنا أن يصلي ركعتين لا أن يسجد مرة واحدة.
أمَّا بالنسبة لنا نحن تالي القرآن فإنَّ السجدة سجدةُ تلاوة، ولهذا يُسَنُّ للإنسان أن يسجد ولو كان في الصلاة، خلافًا لمن قال: إنَّ سجدة (ص) لا يُسجد فيها في الصلاة فإن هذا القول ضعيف.
طالب: هل يمكن (...) إذا ما راقب الله (...)؟
الشيخ: أبدًا ما يَسلم (...) إذا لم يراقب الله، لكن بعض الناس قد يَسلم من الهوى لا تديُّنًا ومراقبةً لله ولكن خوفًا من العار؛ مثل أن تكون القضية واضحة فيحكم بخلاف ما اتَّضح، فهذا ربما لا يهمُّه أن يكون ذلك خشيةً لله، ولكن خوفًا من العار الذي يصيبه بين الناس.
طالب: الأنبياء (...) وذنوبهم تُغفر قبل أن (...) إلى الله؟
الشيخ: معلوم، مَن عَلِمنا أنَّ الله غفر له فإنه مغفور له، فهنا داود غفر الله له، فإذا غفر الله له فلا يُحاسَب على ذلك.
طالب: هل يُشرع للإنسان أن (...) القضاء (...)؟
الشيخ: لا، القضاء فرض كفاية، وإذا لم يوجد صالحٌ إلا هو تعيَّن عليه، ولهذا ينبغي للإنسان أن يتَّخذ القضاء ولايةً ودينًا؛ أمَّا كونُه ولايةً فظاهر؛ أن يتولَّى أمور الناس ويحكم بينهم، وأمَّا كونه دينًا فلأنَّ هذا فرض كفاية، لا بدَّ للناس من القضاء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي بين الناس، فيقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا ويحصل له الخير الكثير.
***
(...) فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ [ص: ٢٦] إلى آخره.في هذه الآية من الفوائد: إثبات الكلام لله عز وجل وأنَّه بحرف وصوت، وذلك من قوله: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ [ص: ٢٦]، فإن هذه الجملة مركبة من حروف، ولا بدَّ أن تكون بصوت لأنه يخاطب بها داود، ولا بدَّ أن يكون المخاطَب سامعًا، ولا سماع إلا بصوت، فيؤخذ منه الردُّ على الأشاعرة وغيرهم ممن قالوا: إن الله سبحانه وتعالى يتكلَّم وإنَّ كلامه هو المعنى النفسي القائم بذاته الملازم له دائمًا وأبدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الأمرَ أمرُ الله، هو الذي يُنَصِّب مَن شاء ويعزل مَن شاء.
ومنها: أنه لا مانع من أنْ يقول القائل للسلطان له السلطة العليا في الأرض أنْ يقول له: إنه خليفة الله. ولا يعني ذلك أن الله سبحانه وتعالى محتاجٌ إلى أن يستخلف أحدًا ليقوم عنه بتدبير الخلق، ولكنَّه خلَّفه؛ أي: جعله حاكمًا بين الناس بما شرع الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الحُكم بين الناس بالحق؛ لقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ.
ويتفرَّع على هذه الفائدة أنَّ منصب القضاء فرضُ كفايةٍ كما قال ذلك أهل العلم، وإذا لم يوجد إلا الشخص المعيَّن المؤهَّل فإنه يكون في حقِّه فرضَ عينٍ.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا ينبغي للشخص إذا وُكِل إليه تولِّي القضاء أن يفِرَّ منه ما دام يعرف من نفسه الكفاءة؛ وذلك لأنه إذا فرَّ منه وفرَّ الثاني منه والثالثُ والرابعُ تعطَّل هذا المنصب العظيم الذي هو منصب الرسل، ولكن إذا أتى الإنسانَ هذا الشيء بدون سؤال فليستعِنْ بالله، فإن الله يُعينه على هذا.
ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب أن يُحكَم بين الناس بالحق، سواءٌ كان ذلك في طريق الحُكم أو في نفس الحُكم:
ففي طريق الحُكم يجب أن يعدل بين الناس في كلِّ شيء، حتى قال أهل العلم: يجب أن يعدل بين الخصمين في لفظه، ولَحْظه، ومَجلسه، ودخولهما عليه؛ فلا يقدِّم أحدًا في ذلك على أحد.
أمَّا في الحُكم فأنْ يحكم بينهم بمقتضى الشريعة، وما تقتضيه الشريعة فهو العدل بلا شك.
إذَن بِالْحَقِّيشمل الحُكم وطريق الحُكم؛ أمَّا طريق الحُكم فهو معاملة الخصمين بحيث تكون المعاملة بينهما على وجه العدل، وأمَّا في الحُكم فأنْ يحكم بما تقتضيه الشريعة، وما تقتضيه الشريعة فلا شك أنه الحق.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجوز للقاضي الحاكم بين الناس أن يُحابي أحدًا لقرابةٍ أو صداقةٍ أو غنًى أو فقرٍ أو جاهٍ أو غير ذلك؛ لقوله بأيش؟ بِالْحَقِّ، ويؤيد هذا قوله: وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى.
ويستفاد من هذه الآية: أنه في المقام الهامِّ ينبغي أن يُذكَر الإثبات المطلوب ويُذكَر النفي المطلوب؛ وذلك من أجْل إتمام الإثبات المطلوب، كأنَّه قال: احكمْ بالحقِّ حُكمًا لا يدخله الهوى. وهذه فائدةٌ واضحةٌ؛ يعني الشيء المهم إذا ذُكرت الصفات المطلوبة فينبغي أيضًا أن تُذكر الصفات التي لا تُطلب من أجْل أن تكون الصفات المطلوبة مجرَّدة عن الصفات غير المطلوبة؛ لأن من الكمال إثبات الكمال ونفي ضدِّه؛ فمثلًا: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّهذا أيش؟ إثبات كمال، وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىنفي ضدِّه؛ وإنما يؤتى بنفي الضدِّ من أجْل أن يتبيَّن أن المطلوب ينبغي أن يكون مجرَّدًا عن كلِّ ما ينافيه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ اتِّباع الهوى سببٌ للإضلال عن سبيل الله؛ لقوله: فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
ولكن هل الإضلال في نفس المخالفة أو أنَّ المخالفة نفسها ضلالٌ وتكون سببًا لإضلالٍ آخَر؟
الجواب: الثاني، فإنَّ الهوى يجلب للإنسان الضلال كما أنه هو نفسه ضلال، فإذا اتَّبعتَ الهوى في قضيَّةٍ ما فانتظِر اتِّباع الهوى في القضيَّة التي تليها؛ لأن المعصية قبل أن يقع فيها الإنسان يجد نفسه تستوحش منها، تستوحش وتنفر، فإذا فعلها مرَّةً هانت عليه، انكسر الحجاب، فإذا هانت عليه أول مرَّةٍ هانت عليه المرَّة الثانية ثم الثالثة حتى تصبح وكأنها لا شيء، ولهذا يضرب العامَّة مثلًا له فائدة؛ يقولون: بكثرة الإمساس يقلُّ الإحساس. يعني: إذا أكثر الإنسانُ من مماسَّة الشيء قلَّ إحساسُه به.
الحاصل أن اتِّباع الهوى ضلالٌ بنفسه وسببٌ للضلال، ووجه ذلك أن المعصية تنفر منها النفس، فإذا فعلتْها مرَّةً هانت عليها، ثم الثانية تكون أهْون، والثالثة أهْون، والرابعة أهْون، حتى تصبح المعصية وكأنها ليست بمعصية، ولهذا قال: فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فتجد قاضيًا مثلًا لا يمكن أن يحكم بالحَيف والجَور، وتجده نافرًا من ذلك، فإذا حَكَم مرَّةً هان عليه، (...) الثانية وهان عليه، والثالثة، والرابعة، وهكذا، ولهذا قال: وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
ويمكن أن يقال: إن هذا لا يختصُّ بالحُكم بين الناس؛ أي إن اتِّباع الهوى سببٌ للإضلال عن سبيل الله في كلِّ شيء، حتى في غير الحُكم، حتى في المعاصي الخاصة التي في نفسك إذا اتبعتَ هواك فيها فاعلمْ أنَّ هذا سببٌ للإضلال عن سبيل الله، فعليك أن تتوقَّى المعاصي فإنها كلها شَرٌّ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن دين الله تعالى واحدٌ لا يتشعَّب؛ لقوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِفأَفْردها، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]، فسبيل الله واحدة، ولكن ما خالفها فهو المتشتِّت؛ هذا سببه الهوى، وهذا سببه خشية الناس، وهذا سببه كذا، وهذا سبيه كذا، فتتفرق السُّبُل.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء العظيم على شريعة الله، وذلك بإضافتها إلى الله؛ لأن كلَّ ما أُضيفَ إلى الله فإنه إذا كانت الإضافة خاصة فإنَّ الإضافة تدلُّ على شرفه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضالِّين عن سبيل الله متوعَّدون بهذا الوعيد؛ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌأي: قوي، ويتفرَّع على هذه الفائدة: الحذر من الضلال عن سبيل الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أسباب الضلال عن سبيل الله نسيان يوم الحساب والغفلة عنه، والانغماس في الدنيا حتى تُنسي الإنسانَ ما خُلِقَ له وما هو مقبلٌ عليه، ولهذا قال: بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِأي: غفلوا عنه، ليس المراد بالنسيان الذهول الذي يُعفى عنه، بل المراد بالنسيان التَّرْك الذي هو الغفلة وعدم المبالاة به.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الانغماس في الدنيا الذي يوجب نسيانَ يوم الحساب، ومن ثَمَّ حرَّم الشرع كلَّ لهوٍ يلهو به الإنسان وقال: كلُّ لهوٍ يلهو به الإنسانُ فهو باطلٌ إلا ما استُثني، يعني: باطلٌ ليس فيه خير، ثم قد يكون محرَّمًا وقد يكون ضياعًا للوقت بدون تحريم، لكن كل اللهو يصدُّ عن سبيل الله ويُنسي يومَ الحساب، ولذلك تجد أقلَّ الناسِ إيمانًا بيوم الحساب أكثرَهم ممارسةً للملاهي، لا يمكن أن يقع في قلبه تذكُّر ليوم الحساب إلا نادرًا إن وُفِّق لسماع موعظة أو ما أشبه ذلك، وإلا فإنه غافلٌ لاهٍ.
ويتفرَّع على هذا أن يعرف الإنسانُ عداوةَ أعداء الله الذين أغرقونا بالملاهي وأنواعها حتى صرفوا الشباب الإسلاميَّ عمَّا ينبغي أن يؤهِّل نفسَه له، فأغرقوه بالملاهي بأنواعها حتى صار الإنسانُ كأنَّما خُلِق لهذا اللهو، وصار رأس ماله وعَقِب ماله كله هو هذا اللهو، لا يتكلَّم إلا به ومَن فاز به ومَن لم يَفُز، فضاع الشباب بسبب هذا اللهو الذي انغمسوا فيه ونسوا يومَ الحساب إلا مَن شاء الله.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ من قوله: بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ؛ لأن الباء هنا للسببية.
ويتفرَّع على هذه الفائدة إثباتُ حكمة الله عز وجل وأنَّه تعالى لا يفعل شيئًا إلا لسببٍ يقتضيه، حتى إنَّ بعض أهل العلم قال: إنَّ كون الله عز وجل خَلَق السماواتِ والأرضَ في ستة أيام دون أن يخلقها بلحظة من أجْل ترتُّب هذا الخلْق بعضه على بعض، حتى تكون الأسباب فاعلةً فِعْلها فتُنتج الشيءَ شيئًا فشيئًا حتى يتمَّ. وهذا ليس ببعيد ما دُمنا نؤمن بأن الله تعالى حكيمٌ وأنَّ كل شيءٍ فإنه يكون بسببٍ، فلا يُستبعد أن يكون بقاءُ خلْقِ السماوات والأرض ممتدًّا إلى ستة أيام هو من أجْل هذا؛ من أجْل أن يترتَّب الخلْق بعضه على بعضٍ وينبني بعضه على بعض حتى يكون مطابقًا للحكمة، وإلا فنحن نعلم عِلم اليقين أنه لو شاء الله لَقال: (كُن) فيكون في لحظة، لكن الله عز وجل حكيم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب في الآخرة؛ لقوله تعالى: بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ.
وكيف هذا الحساب؟
الحساب يختلف؛ حساب المؤمن أن يخلو الله به من غير أن يطَّلع عليه أحدٌ فيُقَرِّره بذنوبه يقول: فعلتَ كذا وفعلتَ كذا، حتى إذا رأى أنه هلك قال الله له: إنِّي قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم . هذا حساب المؤمن، وهذا حسابٌ يسيرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٧، ٨]، وما أيسر أن يخلو بك الله عز وجل وحدك ليس عندكم أحد، ويكلِّمك ليس بينكما ترجمان ويقول: إنِّي سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. الحمد لله، نعمة.
أمَّا الكافر فليس كذلك؛ الكافر يُنادى عليه على رؤوس الخلائق: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨] يُخزَون ويُفضحون كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَفهم يُخزَون بأعمالهم ويُفضحون بها.
***
ثم قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًاأي: عَبَثًا ذَلِكَأي: خَلْق ما ذُكر لا لشيء ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوامن أهل مكَّة فَوَيْلٌوادٍ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧]).يقول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا، خَلَقْنَاأي: أوجدنا، فالخلْق بمعنى الإيجاد، لكنه إيجادٌ عن تقدير؛ لأن الإيجاد قد لا يكون عن تقدير ولا عن ترتيب، ولكن الخلْق لا بدَّ أن يكون عن تقدير وترتيب.
يقول: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، السَّمَاءَالمراد بها الجنس فيشمل جميع السماوات، وكذلك الأرض.
وقوله: وَمَا بَيْنَهُمَامعطوفٌ على السماء؛ أي: ما خلقْنا ما بينهما، والذي بين السماء والأرض من المخلوقات مخلوقاتٌ عظيمةٌ بعضُها معلومٌ لنا وبعضُها مجهولٌ لنا لم نَعلمه حتى الآن، لكنَّنا يغلب على الظن أنها مخلوقاتٌ عظيمةٌ؛ لأن الله تعالى جعلها قسيمةً لخلْق السماء والأرض، وقسيم الشيء لا بدَّ أن يكون مقاربًا له أو مساويًا له.
وقوله: بَاطِلًاهذا محطُّ النفي، ولهذا نقول: لا يجوز الوقوف على قولك: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا؛ لأنك لو وقفتَ لأدَّى ذلك إلى أن يكون المعنى معنىً باطلًا، لا بدَّ أن تَصِل فتقول: بَاطِلًا؛ لأن ذلك هو محطُّ النفي؛ يعني: ما خلقناهما باطلًا؛ أي: لأجل الباطل، وهذا كقوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [الأنبياء: ١٦]، فالباطل هنا بمعنى اللهو الذي لا فائدة فيه، فالله ما خلق السماءَ والأرضَ باطلًا، لو خلقها باطلًا لَكان ذلك في غاية السَّفَه أن تُخلَق هذه المخلوقات العظيمة بما فيها وهي لا لشيءٍ بل لعبٌ ولهوٌ.
بَاطِلًاقال المؤلف: (أي: عبثًا)، ذَلِكَأي: اعتقاد أنَّ خلْق السماء والأرض باطلًا ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوايعني هذا ظنُّ الكافرين الذين يظنُّون أن خلْق السماوات والأرض لمجرَّد اللهو واللعب ولا يترتَّب على ذلك شيء، ومن هذا قولهم: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤].
ومن ذلك أيضًا ما يظنُّه بعض الناس أن المقصود من خلْق السماوات والأرض وجود هذه الخليقة ثم فناؤها إلى غير رجعة، فنقول: مَن ظنَّ ذلك -أي أنَّ الله خلقها عبثًا ولعبًا- فهو كافر، ولهذا قال: ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، هم الذين يظنُّون أن خلْق السماء والأرض كان باطلًا.
وقول المؤلف: (مِن أهل مكَّة) فيه نظر؛ لأنه قصرٌ للدليل على بعض أفراده، والصواب أنه عامٌّ لأهل مكة وغيرهم، فالذين كفروا لا يظنُّون بالله إلا ظنَّ السوء، فيظنُّون أن أفعاله عبثٌ وباطلةٌ وليست لحكمة، ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
قال الله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ.
قال المؤلف: (وادٍ)، (وَيْل) وادٍ، وادٍ في أيِّ مكان؟
طلبة: في جهنم.
الشيخ: في جهنم، ولكن هذا ليس بصحيح بالنسبة للآية هذه، بل كلمة (وَيْل) كلمة وعيد، وعيدٌ بأمرٍ شديدٍ لأنه قال: ويلٌ لهم من النار، فهو يتوعَّد بها؛ كما تقول: (ويلٌ لك من فلان)، هل معناه (ويلٌ لك من فلان) يعني وادٍ في فلان؟ لا، بل هي كلمة وعيدٍ على أمرٍ شديدٍ، فقوله: فَوَيْلٌأي: وعيدٌ شديدٌ للذين كفروا من النار؛ يعني ما أعظم وَيْلهم من نار جهنم والعياذ بالله.
وقوله: لِلَّذِينَ كَفَرُواخبر (ويل)، وقوله: مِنَ النَّارِبيانٌ لـ(ويل)؛ يعني هذا الشيء العظيم يكون للذين كفروا من النار.
ثم قال تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨].
أَمْهنا متَّصلة أم منقطعة؟
طالب: منقطعة.
الشيخ: منقطعة؛ لأنه لم يُذكَر فيها معادل، فهي إذَن بمعنى (بل) والهمزة؛ يعني: بل أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات. هذا الاستفهام المقصود به النفيُ والإنكارُ؛ يعني: لا يمكن أبدًا أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، إذَنْ أَمْهنا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والمراد بالاستفهام النفيُ والإنكارُ.
طيب، والإضراب هنا انتقالي أو إبطالي؟
طالب: انتقالي.
الشيخ: انتقالي، نعم، أَمْ نَجْعَلُأي: نُصَيِّر، فهي تنصب مفعولين؛ الأول: الَّذِينَ آمَنُوا، والثاني: كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ؛ يعني: لا يمكن أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض.
وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا، آمَنُوايعني صدَّقوا بما يجب التصديق به على وجه القبول والإذعان؛ يعني تصديقًا مستلزمًا للقبول والإذعان.
وقوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِأي: عملوا الأعمالَ الصالحاتِ، والأعمالُ الصالحاتُ هي التي اجتمع فيها شيئان:
أولهما: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لشريعة الله.
فمَن عَمِل عملًا موافقًا للشريعة في ظاهره لكنَّه يُرائي فيه فعملُه ليس بصالح، ما الذي اختلَّ فيه؟
طالب: الإخلاص.
الشيخ: الإخلاص لله، والذي عمل عملًا مخلصًا فيه لله يريد به وجهَ الله لكنَّه على غير الشريعة، هل هو صحيح أو لا؟
طالب: ليس بصحيح.
الشيخ: ليش؟
الطالب: عدم الموافقة لشريعة الله.
الشيخ: عدم الموافقة لشريعة الله، إذَنْ لا بدَّ من أن يكون مخلصًا لله موافقًا لشريعة الله.
وقوله: كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، كَالْمُفْسِدِينَإذا قال الله: الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين، فالمفسد هو مقابل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فيكون المراد بالمفسدين في الأرض الكفار الذين يعملون السيئات.
فكلُّ كافرٍ فهو مفسدٌ في الأرض في مقابل أيش؟ الَّذِينَ آمَنُوا، وكلُّ عاصٍ فهو مفسدٌ في الأرض في مقابل وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فالشيء يُعرف بمقابله.
فإذا كان الله قال: الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين، عَلِمنا أنَّ المفسد هو مَن قابلَ الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ يعني مَن كان ضِدَّهم، فالكفار مفسدون في الأرض، وأهل المعاصي مفسدون في الأرض، ولهذا فسَّر أهل العلم قولَه تعالى: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف: ٥٦] فسَّروا ذلك بالمعاصي؛ قالوا: لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِبالمعاصي. وهذا التفسير صحيحٌ يشهد له قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١].
طيب، هدْم البيوت، هل هو فسادٌ في الأرض؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ليس بفساد، لا تَنْفِ ولا تُثبتْ، إنْ هَدَمها الإنسانُ ظلمًا وعُدوانًا فهو فسادٌ في الأرض لأنه معصيةٌ، لا يجوز لإنسان أن يعتدي على بيت أخيه فيهدمه، وإنْ هَدَمها لإصلاحها فهذا ليس فسادًا في الأرض.
يقول: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨] هذه أيضًا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام الذي يُراد به الإنكار والنفي، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَأي: نُصَيِّر المتقين كالفجار؛ يعني: لا يمكن أن نجعل المتقي كالفاجر، نعم، المتقي مَن؟ المتقي مَن اتخذ وقايةً من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. هذا المتقي، وهذا أجمع ما قيل في تعريف المتقي.
كَالْفُجَّارِمَن الفُجَّار؟ خلاف المتقين؛ يعني الذين فَجَروا وخرجوا عن طاعة الله إلى معصية الله، هنا قابلَ المتقيَ بالفاجر، وفي سورة المطفِّفين قابلَ الفاجرَ بالبَرِّ فقال: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] ثم قال: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨]، ومنه نأخذ أن التقوى والبِرَّ إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا؛ يعني أنَّ البِرَّ كلمة إن ذُكِرت وحدها فهي شاملةٌ للتقوى، والتقوى إن ذُكِرت وحدها فهي شاملةٌ للبِرِّ، وإن جُمِعَتا جميعًا فقيل: البِرُّ والتقوى، صار البِرُّ فعلَ الطاعة والتقوى اجتنابَ المعصية، فقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢] يعني: على فعل الطاعات وتَرْك المعاصي.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال قائل: السلف فهموا (...) القضاء (...) الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ» ، كيف يعني نقول ..؟
الشيخ: نقول: هذا ورعٌ في غير محلِّه، أو لعلَّهم يجدون في القوم مَن هو خيرٌ منهم، والرسول قال: «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ»، لماذا لا تأخذ القرار وتكون من القِسم الثالث؟ فالورع الذي وَرَد عن بعض السلف هذا في غير محلِّه إلا إذا كانوا يجدون أن في القوم مَن هو خير منهم فيكون هذا في محلِّه.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص: ٢٩ - ٣٢].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى .. في آخر ما شرحناه وأخذنا فوائده على قوله: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: ٢٦] أخذنا فوائدها.
قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧].
من فوائد هذه الآية: إثبات خَلْق السماء والأرض وأنها حادثةٌ بعد العدم، وليس في الكون شيءٌ يكون أزليًّا أبديًّا أبدًا؛ فالسماوات ليست أزليَّة، بل هي مبتدأة وسوف تفنى، وكذلك كلُّ شيءٍ سوف يفنى، إلا ما استثنى الله عز وجل وخَلَقه للبقاء؛ مثل الأرواح فإنها خُلِقت للبقاء، وكذلك ما في الجنة من النعيم والولدان والحور وما أشبهها، فما دلَّ الكتابُ والسُّنة على بقائه وأبديَّته فهو باقٍ أبديٌّ، ولكن كلُّ شيءٍ لا يمكن أن يكون أزليًّا -أي: ليس له أول- إلا الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذي خلقها هو الله؛ لقوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، وهذا كقوله تعالى: أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الطور: ٣٦] يتحدَّاهم هل هم الذين خلقوا السماوات والأرض.
ومن فوائدها: أن الله تعالى خَلَقها لحكمةٍ عظيمةٍ ليس فيها سَفَهٌ؛ لقوله: بَاطِلًا، فإنَّ نفي خَلْقها باطلًا يستلزم أنها خُلِقت لحكمةٍ عظيمةٍ بالغةٍ، وهو كذلك، وهذا فردٌ من أفراد مخلوقات الله عز وجل، فإنَّ الله تعالى لم يخلق شيئًا عبثًا، ولم يشرع شيئًا عبثًا، بل كلُّ ما خلقه وشرعه ودبَّره فهو لحكمةٍ عظيمةٍ أحيانًا نعرفها وأحيانًا لا نعرفها.
ومن فوائد هذه الآية: إثباتُ الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا، إذْ لو انتفت الحكمة لأمكن أن تُخلق السماءُ والأرضُ باطلًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يظن أحدٌ أن الله خلق ذلك باطلًا إلا الكافر؛ لقوله: ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
ومن فوائدها: أن مَن ظنَّ ذلك فهو كافر.
والفرق بين الفائدتين أنَّ الفائدة الأولى يكون الكفر سابقًا على هذا الظن، فيكون الكفر سببًا لهذا الظن، وأمَّا الفائدة الثانية فهي أن هذا الظن سابقٌ على الكفر، فيكون هذا الظن سببًا للكفر. واضح؟ طيب، إذَنْ لا يظن أحدٌ أن الله خلق السماء والأرض باطلًا إلا الكفار، إذا ظنَّ أحدٌ أن الله خلق ذلك باطلًا صار كافرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الوعيد للكفار في قوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، وأنهم سيدخلون النار، وهم أيضًا مخلَّدون فيها أبدًا كما ذكر الله ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله:
في سورة النساء في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩].
وفي سورة الأحزاب إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥].
وفي سورة الجن وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣].
وبعد هذه الآيات الثلاث لا ينبغي أن يلحقنا الشك في أبديَّة النار، وإن قاله مَن قاله من الناس؛ لأن هذا كلام الله، وهو خبر، والخبر في كتاب الله لا يمكن أن يكذب ولا يمكن أن يَلْحقه النسخ، فلا عبرة بقول مَن قال: إن النار لا تؤبَّد، بل قوله مرفوضٌ باطلٌ مردودٌ بدلالة القرآن الصريحة.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة كلها: أنَّ مِن جملة الحِكَم التي هي من صفات الله عز وجل أنَّه لا يمكن أن يجعل المؤمن العامل للصالحات كالمفسد في الأرض؛ لأن ذلك ينافي الحكمة منافاةً بالغةً، لا يستوي المؤمنون والكافرون كما لا يستوي الأعمى والبصير؛ قال الله تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [هود: ٢٤].
ومن فوائد الآية الكريمة أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ص: ٢٨]: أن الإيمان والعمل الصالح سببٌ لصلاح الأرض، وهذا يؤيِّده آياتٌ كثيرةٌ مثل قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦].
ومن فوائدها أيضًا: أنَّ المعاصي سببٌ للفساد في الأرض؛ لأنه قابلَ هذا بالإيمان والعمل الصالح، ويشهد لهذا قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]، فكلُّ فسادٍ يحدث في الأرض من جَدْبٍ وفقرٍ ومرضٍ وفسادِ ثمارٍ وغير ذلك فإنَّه بسبب المعاصي؛ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الله لا يمكن أن يجعل المتقين كالفُجَّار في مآلِهم؛ فالمتقي في جنات النعيم، والفجَّار في عذاب الجحيم، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨]، يعني لا يمكن أن نجعل المتقيَ كالفاجر في مآلِه؛ لأن المتقيَ مآلُه الجنة والفاجر مآلُه النار.
***
ثم نبدأ بشرح المؤلف، قال: (نزل -يعني قوله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِإلى آخره- لَمَّا قال كفَّار مكة للمؤمنين: إنَّا نُعطَى في الآخرة مِثْل ما تُعطَون). وهذا قد يكون صحيحًا وقد لا يكون صحيحًا، لكن إن كان صحيحًا فهو كقول اليهود: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠]، فكلُّ أحدٍ يدَّعي أنه على الحق، كلُّ أحدٍ يدَّعي أن الثواب له وأنَّ الآخرة له، ولكن الشأن كل الشأن لمن شهد الله له في ذلك.يقول: (وأَمْبمعنى همزة الإنكار). أَمْ، يعني قوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ، بمعنى همزة الإنكار، لكن يُقدَّر قبلها (بل)؛ لأن أَمْهذه تفيد الإضراب.
***
ثم قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ [ص: ٢٩] قال المؤلف: (خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هذا) كتابٌ. والمشار إليه القرآن الكريم، وكِتَابٌبمعنى مكتوب، ووَصَف القرآنَ بأنه كتابٌ لعدَّة أوجه:أولًا: أنَّه مكتوبٌ في اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١، ٢٢].
ثانيًا: أنَّه مكتوبٌ في الصُّحُف التي بأيدي الملائكة؛ كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١١ - ١٦].
ثالثًا: أنَّه يُكتب في المصاحف كما هو معروف.
وربما يدَّعي مدَّعٍ أنَّه بمعنى مفروض؛ (فِعَال) بمعنى (مفعول) أي: مفروضٌ على الأُمَّةِ الإيمانُ به والعملُ به، فيكون هذا معنى رابعًا لكلمة (مكتوب).
وقوله: أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَأَنزله الله إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإنزاله إلى محمدٍ من الله يدلُّ على أنه كلام الله؛ وجْه ذلك أنَّ هذا الكتاب كلامٌ، والكلام لا بدَّ له من متكلِّم، فإذا كان الله هو الذي أنزله لَزِم أن يكون هو المتكلِّم به، فيكون في هذا إثبات أن القرآن كلام الله.
وفي قوله: أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَوأحيانًا يأتي التعبير بـ(أنزلناه عليك)، والجمع بينهما أنَّ (إلى) تفيد الغاية؛ أي إنَّ غاية هذا الإنزال إلى محمد صلى الله عليه وسلم، و(على) تفيد الاستعلاء؛ وذلك لأن هذا القرآن جاء من عَلٍ؛ أي: من فوق، من الله عز وجل، ثم إنَّ في (على) إفادة التحمُّل للشيء، (أنزله عليك) يعني: لتتحمَّله وتقوم به، فالفرق إذَن من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ (إلى) تفيد الغاية؛ أي إنَّ غاية الإنزال إلى محمد صلى الله عليه وسلم لا يتعدَّاه إلى غيره، ولا نبِيَّ بعده.
وأمَّا (على) فتفيد الاستعلاء؛ أي إنَّه نزَّل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مِن فوق، وتفيد أيضًا التحمُّل؛ لأن (نزل عليه) كأنَّه فوقه، والشيء الذي فوقك لا بدَّ أن تتحمَّله، ويؤيِّد هذا قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥]، وقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الإنسان: ٢٣، ٢٤]، مما يدلُّ على ثِقَله، وهو كذلك.
قال: أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ، مُبَارَكٌصفة لـكِتَابٌ، وأَنْزَلْنَاهُأيضًا الجملة صفة لـكِتَابٌ، هذا بناء على إعراب المؤلف أن كِتَابٌخبرٌ لمبتدأ محذوف.
ويجوز أن يكون كِتَابٌمبتدأً، ومُبَارَكٌخبره، وجملة أَنْزَلْنَاهُصفة لـكِتَابٌ، وسوَّغ الابتداء به وهو نكرةٌ وَصْفُه بجملة أَنْزَلْنَاهُ.
مُبَارَكٌبماذا؟
بركة القرآن من عِدَّة أوجه:
الوجه الأول: في الثواب الحاصل بتلاوته؛ فإنَّ مَن قرأ حرفًا منه فله بكلِّ حرفٍ عشر حسنات، وهذه بركة عظيمة.
وثانيًا: مباركٌ من حيث الأثر المترتِّب على تلاوته سواءٌ كان عامًّا أم خاصًّا؛ فالخاصُّ ما يحصل للإنسان بتلاوة القرآن من انشراح الصدر ونور القلب وطُمأنينته كما هو مجرَّب لِمَن قرأ القرآن بتدبُّر، وأمَّا العامُّ فإنَّ الله تعالى فَتَح بهذا القرآنِ مشارقَ الأرض ومغاربها؛ فإنَّ المسلمين لَمَّا كانوا متمسِّكين بهذا الكتاب سادوا العالَم كُلَّه، ولا شكَّ أن هذا من البركة بهذا القرآن.
ثالثًا: ما يحصل بهذا القرآن من اجتماع الكلمة وحفظ اللغة الأصيلة للقوم الذين نزل بلُغتهم، فإنَّ من المعلوم أن الناس إذا كانوا على لغةٍ واحدةٍ صاروا إلى الاجتماع أقرب، وإذا تفرَّقت لُغاتهم صاروا إلى التفرُّق أقرب؛ لأنه إذا اتَّفقت لُغاتهم استطاعوا أن يتفاهموا فيما بينهم وأن يعرف بعضُهم ما عند بعض، وإذا اختلفت اللغات لم تحصل هذه الفائدة، فهذا من بركة القرآن الكريم.
وله أوجهٌ أُخرى ربما لا نستطيع أن نستوعبها في هذا المكان، لكنَّها ظاهرة لِمَن تأمَّلها.
وقوله: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِهذه متعلِّقة بـأَنْزَلْنَاهُ؛ يعني: أنزلناه لِيدَّبَّروا آياتِه، والتدبُّر معناه تكرار اللفظ على القلب دبرًا بعد دبرٍ حتى يتَّضح المعنى؛ يعني هو عبارةٌ عن التأمُّل في معاني القرآن وترديد هذا التأمُّل حتى يتَّضح ما فيه من المعنى.
وأصل هذه الكلمة لِيَدَّبَّرُواأصلُها (ليتدبَّروا) فأُدغمت التاءُ في الدال. (ليتدبَّروا) إذا أدغمنا التاءَ في الدال جعلْنا التاء دالًا فصارت لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ.
وقوله: آيَاتِهِجمع آية، والآية هي ما تنتهي بفاصلة، ومِن حِفْظ الله لهذا القرآن أنَّ آياته محفوظة مرقَّمة، أو محجوزٌ بعضُها عن بعض إلى يومنا هذا.
والآيات هي العلامات، علاماتٌ على أيِّ شيء؟ علامات على أنَّ هذا القرآن من عند الله عز وجل بما تحويه من اللفظ والمعنى، ولهذا كانت الآية الواحدة معجزةً للبشر، بل معجزةً للخلق كلِّهم؛ لأنها آيةٌ من آيات الله.
فقال: (ينظروا في معانيها فيؤمنوا). هذه حكمة من حِكَم إنزال القرآن أن يتدبَّر الإنسان في الآيات.
الثانية قال: (وَلِيَتَذَكَّرَيتَّعظ أُولُو الْأَلْبَابِأصحاب العقول). هذه الفائدة الثانية، لكن جعل التذكُّر بعد التدبُّر لأنه لا يمكن أنْ يتَّعظ الإنسانُ بالشيء إلا إذا عرف المعنى الذي يتضمَّنه، فتدبَّر أولًا ثم تذكَّر ثانيًا.
فأولًا: أن يقرأ الإنسانُ القرآن.
المرحلة الثانية: أن يتدبَّره لفَهْم معانية.
المرحلة الثالثة: أن يتَّعظ به.
والاتِّعاظ بالقرآن هو التأثُّر به، التأثُّر في القلب والتأثُّر في الجوارح؛ فالتأثُّر بالقلب: إخلاصُ العبدِ لله، وإنابتُه إليه، وتوكُّله عليه، وما أشبهَ ذلك من أعمال القلوب. وبالجوارح: القيام بطاعة الله بالجوارح الظاهرة؛ مثل الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، وغير ذلك.
إذَن الفائدة من إنزال هذا القرآن المبارك تتركَّز على شيئين هما: التدبُّر والاتِّعاظ.
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، أُولُوبمعنى أصحاب، وهي مُلحَقة بجمع المذكر السالم؛ لأنه ليس لها مفردٌ من لَفْظها، بل لها مفردٌ من معناها؛ إذا قلنا: معناها (أصحاب) صار مفردها من المعنى (صاحب) فـأُولُوجمع (صاحب) باعتبار المعنى، ولهذا نقول: إنها مُلحَقة بجمع المذكر السالم لأنه لا مفرد لها، وجمع المذكَّر السالم هو ما سَلِم فيه بناءُ المفرد، فإذا لم يكن له مفردٌ لم يكن جمعًا فيُلحق به.
وقوله: أُولُو الْأَلْبَابِيعني أصحاب العقول، لأن صاحب العقل هو الذي يتَّعظ، أمَّا مَن لا عقل له فإنَّه لا ينتفع بذلك.
طيب، والعقول هنا هي عقول الرُّشد وليست عقول الإدراك؛ لأن العقل عقلان: عَقْل إدراكٍ، وعَقْل رُشدٍ؛ فعَقْل الإدراك هو ما يتعلَّق به التكليف، وعَقْل الرُّشد ما يكون بحسن التصرف. فالكفَّار مثلًا لهم عقول، لكن عقول أيش؟
الطلبة: إدراك.
الشيخ: عقول إدراك؛ لأن هذا هو الذي يتعلَّق به التكليف، وليس لهم عقول؛ يعني: ليس لهم عقول رُشدٍ؛ لأنهم لم يُحسِنوا التصرف، وكلُّ مَن لا يُحسِن التصرف فإنه يصح أن يُنفى عنه العقل؛ قال الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤]، ونحن فيما بيننا إذا وجدْنا شخصًا يُسيء التصرف قلنا: هذا غير عاقل. وإنْ كان عاقلًا من حيث الإدراك لكنَّه ليس عاقلًا من حيث التصرف، والعقل الذي يُمدَح هو عقل الرُّشد، أمَّا عقل الإدراك فهذا يحصل لكلِّ أحدٍ حتى للكفَّار والفجَّار.
وقوله: الْأَلْبَابِ(ألباب) جمع لُبٍّ، ولُبُّ كلِّ شيءٍ: المقصودُ منه. هذا لبُّ الشيء، هو المقصود منه؛ فالحبة مثلًا لُبُّها ما كان بداخلها، المخُّ الذي بداخلها هو اللُّبُّ، وما فوقه فهو قشور، البيضة الذي في داخلها هو اللُّبُّ، وما فوقه قشور.
قال: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ [ص: ٣٠] وَهَبْنَاأعطينا. ووَصَف الله ذلك بأنَّه هِبةٌ لأنَّه محضُ فضلٍ منه لا يحتاج مِنَّا إلى شيءٍ؛ قال الله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا [الشورى: ٤٩، ٥٠].
إذَن وَهَبْنَا لِدَاوُودَيعني: أعطيناه هِبةً، فضلًا منَّا وتبرُّعًا بلا قيمة.
وقوله: سُلَيْمَانَلم ينوَّن لماذا؟ ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون.
طالب: العُجمة.
الشيخ: لا، (سُليمان) ما هو أعجمي؛ السلامة موجودة في اللغة العربية. (داود) ممنوع من الصرف للعلمية والعُجمة. كذا؟
قال المؤلف: (سُلَيْمَانَابنَه). مِن أين عرف المؤلف أنَّه ابنه؟ ألَا يجوز أن يكون المراد وَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَيعني خادمه؟
فالجواب: لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى سَمَّى الأولادَ هِبةً في قوله: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْيعني يصنِّفهم ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى: ٥٠].
قال: (نِعْمَ الْعَبْدُ [ص: ٣٠] أي: سليمان)، والجملة إنشاءٌ للمدح والثناء؛ يعني أنَّه يؤتى بها للمدح والثناء. وعلى نقيضها (بِئْس) فإنها كلمةٌ لإنشاء الذمِّ.
وقوله: نِعْمَ الْعَبْدُالمعروف أنَّ (نِعْم) و(بِئْس) تحتاج إلى فاعلٍ، ومخصوصٍ بالمدح في (نِعْم) والذمِّ في (بِئْس).





