وقوله عز وجل: تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً [ص: 36]
قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: رُخَاءًوقوله في آية
أخرى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [الأنبياء: 81]؟
والجواب أن الجمع بينهما سهل؛ فهي رخاء يعني
ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله: عَاصِفَةًأي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها
شهر؛ يعني تمشي في الصباح ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قطعت مسافة شهر، وبعد الزوال
تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني: هل تطير به
نفسه؟
لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط يضعه على الأرض ويجلس هو
وحاشيته على هذا البساط ثم يأمر الريح فتحمله فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو
رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله
تعالى جعلها رخاء رَخِيَّة كأنها لا تسير، كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج وهذا من
آيات الله.
قال: حَيْثُ أَصَابَ [ص: 36] أي: حيث
أراد؛ يعني إلى الصوب الذي يريده أي جهة، هذا واحد وهذا لم يحصل لغيره فيما نعلم ما
حصل لرسول لا ملك من الملوك أنه يأمر الريح فتسير حيث أراد.
ثانيًا: قال: وَالشَّيَاطِينَ [ص: 37] يعني: وسخرنا له الشياطين، والشياطين
جمع شيطان وهم عفاريت الجن.
سخر له (كُلَّ بَنَّاءٍيبني الأبنية العجيبة وَغَوَّاصٍ [ص: 37] في البحر يستخرج اللؤلؤ
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ [ص: 38] منهم
مشدودين في الْأَصْفَادِ [ص: 38] القيود
بجمع أيديهم إلى أعناقهم) إلى آخره.
سخر الله له الشياطين ذَلَّلَها له
تمتثل بأمره وقد صنفهم ورتَّبَهم حسب قدراتهم واختصاصاتهم؛ منهم من يبنون له
البنايات الشامخة العجيبة يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ: 13] هذا قسم، قسم آخر غوَّاصٌ يغوصون في البحار يأتون له بأنواع اللؤلؤ
والمرجان والدرر وغيرها، كل ما يريد يغوصون ويأتون له ما يريد. فيه قوم مردة من
الشياطين يؤذون الناس وربما يتمردون عليه فيعصونه هؤلاء يُقَرِّنُهم في الأصفاد
يَشُدُّ أيديهم إلى أعناقهم ويحبسهم في الأصفاد.
قد يقول قائل: هل هذا من
التسخير؟ نقول: نعم، هذا من التسخير؛ أن الله جعل له سلطة عليهم فالله تعالى جعلهم
يعصونه ويتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته من أجل أن يعمل بهم هذا العذاب حتى
يتبين بذلك كمال سلطانه على هؤلاء الشياطين؛ لأنه لا يُعْرَف تمام السلطان إلا بمثل
هذه الأشياء؛ يعني إلا بإنزال العقوبات على المتمردين، أما إذا كان السلطان رخيًّا
يداهن في المتمردين، فإن هذا يدل على أيش؟ على ضعف السلطان وأنه ليس عنده قدرة على
تدبير مملكته، فسليمان جعل الله تعالى هؤلاء يتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته
لأجل أن يُنْزِلَ بهم بطشه ويُعْرَف أنه قوي وذو سلطة وسيطرة على هؤلاء الجن، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ.
قال الله
تعالى: هَذَا عَطَاؤُنَا [ص: 39] هَذَاالمشار إليه ما سخر الله له من الريح والسلطة على
الشياطين.
عَطَاؤُنَايعني الذي أعطيناك إياه؛ لأنه
قال: وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: 35] فأعطاه الله هذا العطاء، والذي فهمنا مما أعطاه الآن تسخير
الريح وتسخير الشياطين.
(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْأعط منه مَنْ شئت أَوْ أَمْسِكْعن الإعطاء بِغَيْرِ حِسَابٍأي: لا حساب عليك في ذلك).
أعطاه الله تعالى هذا الملك،
وقال له: أنت بالخيار؛ امنُنْ على مَنْ شئتَ وأمسك المنة عمن شئت، ولا حساب عليك في
ذلك، وهذا من التخيير المطلق في التصرف، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في بيان
الفوائد أن التخيير قد يكون مطلقًا وقد يكون مقيدًا في بعض الأشياء ففي خصال
الكفارة مثلًا تخيير لكن مطلق أو مقيد؟ مقيد بين أشياء معينة وهناك تخيير مطلق
يقول: افعل ما شئت واترك ما شئت، هذا التخيير المطلق هو الذي حصل لسليمان عليه
الصلاة والسلام.
ثم قال: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍلَمَّا ذكر الله ما مَنَّ عليه في الدنيا ذكر ما مَنَّ عليه
في الآخرة، وهو أن له عند الله مرتبة عالية زلفى قريبة من الله.
وَحُسْنَ مَآبٍأي: حُسْنَ مرجع؛ لأن مرجعه إلى الجنة التي
فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
هنا وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىذكرنا فيما سبق أن العندية
المضافة إلى الله تنقسم إلى؟
طلبة: قسمين.
الشيخ: ما هي؟ عندية الصفة وعندية القرب، عندية القرب مثل هذه
الآية، عندية الصفة مثل قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام: 59] فإن هذه عندية الصفة،
أما عندية القرب فتكون منفصلة عن الله يكون الشيء عند الله أي: قريب منه.
وقول:
لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍالزلفى يعني القربى؛ لأن أعلى
مراتب الخلق هم الأنبياء وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: 69].
طالب: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: 37]، والكل (...) كلهم وآخرين بعضه هذا يدل على
(...).
الشيخ: لا، كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍهذه بالنسبة للبنائين والغواصين وآخرين غير هؤلاء.
الطالب: يعني كل (...).
الشيخ:
بإجبار البعض، الشياطين قسَّمهم الله قسمين: قسم بناء وغواص، وقسم آخر غيرهم وَآخَرِينَ؛ لأن آخر معناه مغاير آخر بالفتح يعني
مغاير.
الطالب: يعني كل من القسم الأول.
الشيخ: من القسم الأول.
الطالب: يعني
(...) كل من القسم الأول.
الشيخ: نعم، القسم الأول كل
بناء.
الطالب: القسم الثاني.
الشيخ: نعم (...).
***
الطالب: (...) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: 41 - 44].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص: 34]، ما المراد بهذه الفتنة؟
طالب: هذه الفتنة فيها أربعة أقوال، بعض أهل العلم قال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن (...).
الشيخ: لا.
طالب: الفتنة اختبار.
طالب آخر: مراده بالفتنة هذا ما بين الله تبارك وتعالى وعلينا السكوت فيه.
الشيخ: تمام، أحسنت (...) فَتَنَّا سُلَيْمَانَإذا قيل: ما هذه الفتنة -والله أعلم- ما نعلم.
قوله: وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِما المراد بهذه الجملة؟
طالب: هذا الجملة المراد فيها أربعة أقوال: القول الأول على قول المؤلف أنه كان سليمان له امرأة (...) وكانت تعبد صنمًا في بيته، وكان عنده خاتم فعندما دخل الخلاء وضع الخاتم عندها فأتى الشيطان (...).
والقول الثاني: أنه حلف عليه السلام أنه ليطوفن على تسعين أو مئة امرأة ويأتي منها بغلام طفل أو برجل يجاهد في سبيل الله.
الشيخ: كيف؟ حلف أن يطوف على تسعين امرأة تلد كل واحدة غلامًا يجاهد في سبيل الله.
الطالب: فلم يُولد له إلا شق رجل. قالوا: هو المقصود (...).
القول الثالث: أنه ألقي شيطان على كرسي سليمان بغض النظر عن القصة اللي ذكرها المؤلف.
القول الرابع: أن سليمان ألقي على كرسيه، ولكنه أخذ منه تدبير الملك..
الشيخ: والسلطان.
الطالب: نعم.
الشيخ: أحسنت، قوله: ثُمَّ أَنَابَما معنى أناب؟
طالب: أَنَابَأي: يرجع.
الشيخ: إلى أي شيء؟
الطالب: قال المؤلف: راجع إلى ملكه (...) الصحيح أنه راجع إلى الله سبحانه وتعالى (...).
الشيخ: قال: وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، ما معنى لَا يَنْبَغِي؟
طالب: لَا يَنْبَغِيأي: لا يكون.
الشيخ: أي: لا يكون، وما المراد بقوله: مِنْ بَعْدِيهل هي الـ(بعدَ) الزمنية أو الـ(بعدَ) الشخصية؟
الطالب: لا، سواى؛ الشخصية.
الشيخ: سواى. هل لديك شاهد على أن (بعد) تأتي بمعنى سوى؟
الطالب: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية: 23].
الشيخ: قول الله تعالى: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية: 23] هذه ليست (بعدَ) الزمنية؛ لأن الله هو الذي ليس بعده شيء، أي: سوى الله.
ما موقع قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُبما قبلها؟
طالب: جملة تعليلية.
الشيخ: تعليلية؛ يعني: إنما سألتك يا رب أن تهبني لأنك أنت الوهاب.
الْوَهَّابُهنا صيغة مبالغة أو نسبة؟
طالب: صيغة مبالغة؟
الشيخ: لماذا؟
الطالب: (...).
الشيخ: والموهوب له أيضًا.
الطالب: كثيرون.
الشيخ: كثيرون. قوله: تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً؟
طالب: رُخَاءًيعني لينة.
الشيخ: لينة.
الطالب: ليس فيها زعزعة.
الشيخ: بارك الله فيك، كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً [الأنبياء: 81]؟
الطالب: هناك بمعناه سريع.
الشيخ: بمعنى سريع.
الطالب: وهنا بمعنى لينة ليس (...) يعني ليست هي سريعًا وليست هي زعزعة ولا..
الشيخ: إذن تكون رخاء وهي سريعة.
الطالب: نعم.
الشيخ: بارك الله فيك. قوله: وَالشَّيَاطِينَما الذي نصبها؟
طالب: سخَّر له الشياطين.
الشيخ: يعني: ما الذي نصبه؟
الطالب: معطوفة.
الشيخ: على أيش؟
الطالب: على الريح.
الشيخ: على الريح. كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ [ص: 37، 38] كم قَسَّم الله الشياطين بالنسبة له؟
الطالب: ثلاثة أقسام: بناء، وغواص، وآخرين مُقَرَّنين في الأصفاد.
الشيخ: هؤلاء المقرنون لماذا كانوا مُقَرَّنِين؟
طالب: لأنهم متمردون.
الشيخ: يتمردون عليه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما الفائدة من ذكر هذا؟ لأن تَمَرُّدَهم عليه قد يقال فيه: إن هذا دليل على ضعف سلطانه؟
الطالب: نقول: هذا مما (...) سلطانه قوة.
الشيخ: هذا مما يدل على قوة سلطانه، وأن المتمرد منهم ليس له إلا هذا الجزاء.
الطالب: (...).
الشيخ: قوله: فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْمعناها؟
طالب: فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْالمن معناه (...)، وأَمْسِكْمعناه: احبس أو امنع.
الشيخ: إي نعم، يعني أن الله خَيَّره بين؟
الطالب: بين الإعطاء وكثرة الإعطاء أو أنه يحجز أو يمنع (...).
الشيخ: وهذا كناية على أن الله أعطاه ملكًا مطلقًا يفعل فيه ما يشاء.
ما الفائدة من قوله: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ؟
طالب: الله عز وجل لما ذكر منزلته في الدنيا (...) وما تَفَضَّل عليه ذكر منزلته في الآخرة.
الشيخ: صح لئلَّا يظن أن هذا الملك في الدنيا ينافي ثواب الآخرة.
***
قال الله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص: 34].من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يختبر عباده المصطفين عنده بما شاء من اختبار وينبغي كما قلنا في التفسير أن نُبْهِمَ ما أبهمه الله وألا نبحث عنه بالتكلف الذي يفعله بعض الناس.
ومن فوائدها: أن لسليمان كرسيًّا يجلس عليه كما يجلس الملوك؛ لأن الله جمع له بين النبوة والملك.
ومن فوائدها: أن الإنسان قد يُسْلَب بعض النعم؛ إما جزاء على عمل عمله واستحق عليه أن يُسْلَب بعض النعم، وإما من أجل أن يترقى إلى درجة الصابرين؛ لأن الصبر درجة عالية لا ينال إلا بأسباب الصبر فمثلًا الصبر ثلاثة أقسام على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره؛ أما الصبر على الطاعة وعن المعصية فهي باختيار الإنسان، وأما على أقدار الله فالأقدار بغير اختياره فقد يبتلي الله العبد بأقدار تحتاج إلى صبر ومصابرة من أجل أن يستكمل مراتب الصبر ومنه إلقاء الجسد على كرسي سليمان.
ومن فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد أن يرجعوا إلى الله وينتبهوا؛ لقوله: ثُمَّ أَنَابَبخلاف غيرهم فإنهم قد يُبْتَلون بالذنوب ولا يرجعوا منها، وهذا هو الفرق بين الأنبياء وغيرهم أن الأنبياء معصومون من الاستمرار في المعاصي، وأما غيرهم فلا، هذا الفرق. ما هو الفرق اللي ذكرته الآن؟
طالب: الأنبياء معصومون من المعاصي.
الشيخ: لا.
طالب: من الاستمرار في المعاصي.
الشيخ: من الاستمرار في المعاصي بخلاف غيرهم فإن الإنسان يُبتَلى بالمعصية ولا يُوَفَّق للتوبة منها.
ومن فوائد هذه الآية: أن مسلوب التصرف والسلطة كأنه جسد بلا روح؛ لقوله: وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًاوهذا على أحد الأقوال الأربعة التي ذكرناها.
ثم قال عز وجل: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي [ص: 35] إلى آخره.
من فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مَعْنِيُّون أكثر بأمور الآخرة؛ ولهذا طلب من الله المغفرة قبل أن يطلب الملك.
ومن فوائدها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محتاجون إلى مغفرة الله؛ لقوله: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي.
ومن فوائدها: أنهم مربوبون وليسوا أربابًا؛ لقوله: رَبِّ اغْفِرْ.
ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء، تؤخذ منين؟
طالب: من قوله: ثُمَّ أَنَابَ.
الشيخ: لا.
طالب: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي.
الشيخ: من قوله: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِيوجه ذلك؟
طالب: أنه كان استغفر من ذنب فعله.
الشيخ: لأنه لولا أن يكون هناك ذنب لما استغفر.
ومن فوائد الآية: جواز طلب الإنسان الملك؛ أن تسأل الله أن يملكك شيئًا؛ لقوله: وَهَبْ لِي مُلْكًا، ولكن يُشْتَرط في هذا أن يكون لدى الإنسان استعداد للقيام بما سأل، أما أن يقول: رب هب لي ملكًا وهو بنيته أن يضيعه فإن هذا لا يجوز.
وقد اختلف أهل العلم في جواز سؤال الإمارة؛ هل يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة أو القضاء أو ما أشبهها من الولايات؟
فمنهم من قال: إن ذلك جائز ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من فَصَّل. أما من قال: إنه جائز فاستدلوا بقصة يوسف حيث قال لملك مصر: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: 55] فسأل الولاية، وشرع مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم اجعلني إمام قومي قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ» ، وأما من منع ذلك فاستدلوا بحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الإمارة وبيَّن له السبب بأن من أعطيها عن مسألة وُكِلَ إليها ولم يعنه الله ومن أتته بدون مسألة أعانه الله عليها واستدلوا أيضًا بأن رجل طلب من رسول الله أن يكون عاملًا فقال: «إِنَا لَا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ أَحَدًا سَأَلَهُ» وهذا يدل على أنه لا يسأل، وأن مَنْ سأل فليس أهلًا لأن يُوَلَّى.
وفصَّل آخرون فقالوا: إن سألها لإصلاح ما فسد منها، فإن ذلك جائز إذا علم من نفسه القدرة، وإلا فلا يجوز؛ لأن السلامة للإنسان أسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصحيح؛ لأن به تجتمع الأدلة، فإن الإنسان مثلًا إذا رأى ولاية قام عليها شخصٌ ليس أهلًا لها إما في دينه أو أمانته وتصرفه، إما في دينه أو تصرفه وهو يعلم من نفسه القدرة على القيام بها على أحسن وجه أو على الأقل على وجه أحسن مما كانت عليه فلا بأس أن يسألها؛ لأن غرضه بذلك غرض شخصي أو غرض عملي وإصلاحي؟ عملي وإصلاحي، ما قصد الشخص، أما إذا كان ليس هناك سبب أو كان الإنسان يعرف من نفسه أنه ضعيف لا يستطيع القيام بها فإنه لا يسأل ولا يجوز أن يسأل.
ومن فوائد هذه الآية: أن سليمان عليه الصلاة والسلام سأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده أي ملكًا لا يغلبه عليه أحد، وليس المعنى لا يناله أحد من بعد موته، هذا على أحد القولين، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وبناء عليه يحصل الجواب عما قيل: إن قوله: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِييدل على أن سليمان حَسود بخيل وإلا فلماذا يتحجر واسعًا ويريد أن يَقْصُر الملك على نفسه.
والقول الثاني أن المراد لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيأي: من بعدي في الزمن متأخرًا كما ذكرنا في التفسير، وقلنا: إن هذا يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام حين تفلت عليه عفريت وهو يصلي وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد يلعب به صبيان أهل المدينة قال: «لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيلَفَعَلْتُ» فهذا يدل على أن المراد من بعدي أيش؟ زمنًا فيرجح أن يكون سليمان عليه الصلاة والسلام سأل ملكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده؛ وبناء على هذا القول يحصل الإشكال، لماذا تحجر هذا الملك؟ فكيف يجاب عنه؟
قد نقول: إن القول الأول أصح وأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك تورعًا؛ لأنه خاف أن يكون مراد سليمان أيش؟ لا ينبغي لأحد من بعدي زمنا، فترك هذا من باب التورع لكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فسَّر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما فإنه لا شك أولى من الاحتمال الآخر أن يكون المراد مِنْ بَعْدِيأي: من سواي، والله أعلم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله تعالى بأنه وهاب يعطي العطاء الكثير.
ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالاسم المناسب لما يدعو به؛ لأن قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُيناسب قوله: وَهَبْ لِيوهذا هو أحد معاني قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180]؛ لأن أحد معانيها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به فإذا أردت أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور. أو الرحمة: يا رحيم وهكذا.
ثم قال الله تعالى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَإلى آخره [ص: 36].
من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل وتمام سلطانه حيث سخَّر الريح وذللها.
ومن فوائدها: عموم سلطان الله على الجماد والحي وغير ذلك؛ لأنه أمر الريح، والريح جماد فامتثلت.
ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسخر شيئًا من الكون لعبد من عباده كما سخر الريح لسليمان فإنه من الجائز أن يسخرها لغيره إذا دعي.
ومن فوائد هذه الآية: أن الرياح لها شعور واختيار؛ لقوله: تَجْرِي بِأَمْرِهِ؛ لأنه إذا كان يأمرها وتشعر بالأمر، ثم تمتثل فهو دليل على أن لها شعورًا ولها إرادة، وهكذا كل شيء في الكون له شعور وله إرادة بحسب ما يليق به لقول الله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [الإسراء: 44]، ولا تسبيح إلا بإرادة ولا تسبيح إلا بشعور بعظمة المسبح.
ومن هنا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله تعالى: جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: 77] أنه مجاز لأننا نقول لهم: ما الذي يمنع من إرادة الجدار، الجدار له إرادة لكنها ليست كإرادة البشر أو إرادة الحيوان المتحرك الذي يتحرك بالإرادة، لكن له إرادة وهو ساكن لا يتحرك.
ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح المسخرة تجري بسهولة ولين ليس بعصف مقلق كما هي عادة الرياح، عادة الرياح العاصفة كما تعرفون مقلقة لكن هذه غير مقلقة رخاء لينة سهلة كأنما هم على سطح.
ومن فوائد هذه الآية: أن من ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه؛ لأن كثيرًا من المفسرين جعلوا تسخير الريح لسليمان تنقله حيث شاء عوضًا عن الخيل التي أتلفها غضبًا لله عز وجل حينما ألهته عن ذكر الله، وهذا قد يكون حقيقة أن هذا الذي أعطاه الله من (...) كان جزاء له على فعله بالخيل، ولا شك أن مَنْ ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا يقع كثيرًا في مسائل عديدة، وإذا أردت أن تطبق هذا على نفسك فجرب.
ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح تتجه حيث أراد سليمان ولو كانت في الأصل على وجه آخر يعني بمعنى إذا كانت الريح جنوبية وأراد هو أن يذهب إلى الجنوب فإنه يأمرها أن تكون؟
طلبة: شمالية..
الشيخ: الريح جنوبية، وهو يريد الجنوب فيأمرها أن تكون شمالية لتحمله إلى الجنوب، لو أمرها أن تكون جنوبية ردته إلى الشمال.
ثم قال تعالى: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍإلى آخره [ص: 37].
في هذا أيضًا: بيان ما بسط الله لسليمان من السلطان حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخرة له على هذا الوجه العظيم وهذا التقسيم.
ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية: حسن تدبير سليمان حيث وزع هذا الجند من الشياطين حسب ما يليق بهم فمنهم البناء ومنهم الغواص.
ومن فوائدها: جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها..
طلبة: لأن بَنَّاءٍصيغة مبالغة.
الشيخ: لأن بَنَّاءٍصيغة مبالغة، وبناء تبنيه الشياطين لا بد أن يكون فخمًا محكمًا، ولكن هل يقال: إن هذا كان في شريعة سليمان؛ لأنه مَلِك يحتاج إلى أُبَّهَةٍ وعظمة وإظهار قوة وإظهار غنى وإظهار سلطة، وأما عامة الناس فلا؛ ولهذا جاءت شريعتنا بذم مَنْ يجعل ماله في البناء؟ وربما يقال: إنه يُفَرَّق بين الملك ذو السلطان وبين غيره؛ لأن إظهار الملك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه لا شك أن هذا أمر مطلوب.
ويُذْكَر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان أميرًا على الشام في إمارة عمر بن الخطاب، وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حجابًا وحُرَّاسًا وشيئًا من الأبهة، وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه يجد أمرًا بخلاف ذلك يجد رداءًا مُرَقَّعًا وإزارًا مُرَقَّعًا وشخصًا ينام في المسجد يُكَوِّم كتلة من الحصباء ويتوسَّدها وليس بين يديه حاجب ولا حوله جنود، فيتعجب؛ كيف أمير.. هذا الرجل بهذه الأبهة وهذا الخليفة الذي فوقه بهذا الضعف والتواضع؟!
لكن أجاب العلماء عن ذلك بأن معاوية رضي الله عنه كان في بلاد الشام وكانوا لا يخضعون لأمرائهم وسلاطينهم إلا إذا كانوا أمامهم على وجه فيه أبهة وعظمة فرأى معاوية رضي الله عنه أن من المناسب للحال أن يكرم نفسه غاية التكريم وليس قصده أن يتعاظم، والدليل على هذا أنه لما أتاه كتاب عمر أظنه في كسرة عظم في قصة اليهودي الذي أُدْخِل بيته في بيت المال بعد أن أُعْطِيَ عنه عوضًا كثيرًا فرأى أن ذلك ظلم فركب إلى عمر في المدينة يشكو معاوية يقول: إن معاوية غصبني وأخذ بيتي وأدخله في بيت المال، يعني معناه يجعلون بيتًا لبيت المال. فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد إليه بيته، فلما جاءه الكتاب أخذه -كما يقال- معاوية ووضعه على رأسه تعظيمًا للكتاب، وقال لليهودي: الآن افعل ما تشاء؛ تريد أن نعيد إليك بيتك ونبنيه بأحسن، تريد أن تأخذ القيمة، فلما رأى هذا الأمر انبهر كيف معاوية يفعل في كتاب عمر هذا الفعل فتشهَّد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين. لما رأى العدل انبهر.
فالمهم أن نقول: قد يكون سليمان عليه الصلاة والسلام أراد بهذا العمل أن يظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصل بين ما يكون فيه غرض مقصود وما ليس فيه غرض؛ فالإنسان العامي لا يُشْرَع له أن يذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. وذو السلطة الذي يريد أن يظهر سلطته ليكون مهيبًا أمام الناس حتى يتم له الأمر لا حرج عليه في هذا.
طالب: (...) يجب أو ينبغي لمن يُسْلَب منه الملك (...) أن يجب عليه الصبر أو ينبغي له الصبر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى (...).
الشيخ: نعم (...) ملكه.
طالب: قال الله تبارك وتعالى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَوَالشَّيَاطِينَفالشياطين إذا سخرها الله تبارك وتعالى له في البناء والغواص وكذلك البواقي مربوطون هل يوسوس للناس في زمانه ولَّا لا..؟
الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: مثلًا إذا كان الشياطين عند سليمان بعضهم يبني وبعضهم يغوص وبعضهم مُقَرَّن في الأصفاد: معناها الناس لا يعصون الله؛ لأن ما عندهم شياطين، كذا؟
نقول: ما هو لازم، الشياطين كثيرون جدًّا، والمراد الجنس، (أل) هنا في قوله: وَالشَّيَاطِينَليست للاستغراق المراد الجنس؛ يعني: الشياطين اللي عنده قسمهم هذا التقسيم.
طالب: بارك الله فيك، قول عيسى عليه السلام (...).
***
الطالب: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ [ص: 39 - 47].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقية قصة سليمان: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: 39].
قال الله تعالى: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [ص: 37، 38] سبق لنا أن قلنا: إن في الآية دليلًا على كمال ملك سليمان وسلطانه وتنظيمه لعمله وعماله حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل فمنهم البناء ومنهم الغواص، ومن تمام سلطانه أن العاصي منهم المتمرد قد صَفَّدَهُ وقرَّنَهُ مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين.
ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل أي بالشدِّ والغَلِّ وذلك أي بالشد والغل؛ وذلك أن التعزير لا يختص بعقوبة معينة؛ لأن المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح فهي الواجبة، قد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق وبالتغريم المالي وبالتوبيخ أمام الناس، المهم أن التعزير يقصد به الإصلاح، فأي طريق كان به الإصلاح كان به التعزير.
ومن فوائد هذه الآيات في قصة سليمان: إن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء بدون أن يحاسبه عليه، ولكننا نعلم أن سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا عن الإمساك عما أوجب الله لأنه نبي من الأنبياء لا يُقَرُّ على خطأ، فتكون الإباحة هنا في الأشياء التي يباح له فعلها أو التقوى، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له بأن يمسك أو يعطي.
ومن فوائد هذه الآيات: أن الله لما ذكر أن أنعم عليهم في هذه الدنيا وكان الواهم قد يتوهم أن ذلك يُنْقِص من ثوابه في الآخرة بَيَّن أن ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطيه في الدنيا فقال: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: 40].
ومن فوائد الآية هذه؛ الأخيرة: أن الناس يختلفون في القرب من الله؛ لقوله: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىوأقربهم من الله جوارًا يوم القيامة، أقربهم منه عبادة في الدنيا فكلما كان الإنسان في الدنيا أقوم بطاعة الله وأقرب إلى الله كان في الآخرة كذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أليس كذلك؟ ما الذي قلت؟
طالب: الجزاء من جنس العمل.
الشيخ: وقبلها؟
الطالب: الذي هو قريب إلى الله في الدنيا بالعبادة من باب أولى أن يكون قريب منه..
الشيخ: فإنه يكون قريبًا منه في الثواب يوم القيامة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله هل هو حسن أو سيء حتى إن كان سيئًا سعى في إصلاحه، وإن كان حسنًا حَمِدَ الله وازداد من فضل الله.
***
ثم قال الله تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ [ص: 41] اذْكُرْالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون مُوَجَّهًا لكل من يتأتَّى خطابه من البشر.
وقوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنَاأعاد الفعل، اذْكُرْمع أنه في قصة سليمان لم يُعِدْه، بل قال: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ [ص: 30]، ولم يذكر اذْكُرْ، قال بعض العلماء: لأن سليمان بن داود فقصتهما متقاربة كأنما هي قصة نبي واحد، أما أيوب فهو منفصل عنهما وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ، والمراد بالعبد هنا المتذلل لطاعة الله وهذه العبودية من العبودية التي هي أخص الخاصة؛ لأنها عبودية الرسالة.
وقوله: أَيُّوبَهذه عطف بيان أو بدل؟
طالب: عطف بيان.
الشيخ: منين؟
الطالب: من عَبْدَنَا.
الشيخ: من عَبْدَنَا.
إِذْ نَادَى رَبَّهُإِذْمتعلقة بـاذْكُرْ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف حالًا من (عبد) يعني في حال نداء ربه.
إِذْ نَادَى رَبَّهُأي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء يكون بالصوت المرتفع، والنجاء يكون بالصوت المنخفض قال الله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: 52].
(إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّيأي: بأني مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ) قدَّر المؤلف الباء هنا؛ لأن همزة (أن) مفتوحة، والقاعدة أن همزة (أن) تكون مكسورة إذا جاءت بعد القول كقوله تعالى: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: 30]، لكنها هنا مفتوحة فقدَّر المؤلف الباء؛ لأننا إذا قَدَّرْنَا الباء صارت تسبق هي وما بعدها المصدر، وإذا سبقت (أن) وما بعدها المصدرَ كانت مفتوحة الهمزة كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
| وَهَمْزَ (إِنَّ) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ | مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ |
(إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّيأي بأني) مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍمَسَّنِيَيعني: أصابني، والشَّيْطَانُهو شيطان الجن.
(بِنُصْبٍضر وَعَذَابٍألم) وكان الشيطان قد أذاه، ولكن هل هو إيذاء نفسي بأن ألقى في قلبه الوساوس التي أنهكت بدنه أو أنه إيذاء حسي كما قال بعضهم: إن الشيطان نفث في جسده حتى أصبح جسده كله جدريًّا يعني حبوبًا ضارة، فالله أعلم يحتمل هذا وهذا.
النُّصْب يعني الضرر والعذاب يعني الألم، لما نادى اللهَ عز وجل وتضرع إليه وعَلِمَ أنه لا ملجأ من الله إلا إليه حينئذ جاءه الفرج فقيل له: (ارْكُضْاضرب بِرِجْلِكَ) وهذا الأمر من الله عز وجل.
قبلها المؤلف يقول: (ونسب ذلك إلى الشيطان وإن كانت الأشياء كلها من الله تأدبًا معه تعالى) نسب ذلك إلى الشيطان لأنه السبب، وإلا فالأمر كله بقدر الله، فالله تعالى هو الذي بحكمته سَلَّط عليه الشيطان، فالشيطان مباشر للعلة لكنَّ تسلطه كان بقضاء الله وقدره، والمؤلف رحمه الله سلك مسلكًا غير الذي قلتُه الآن فأنا أقول: نَسَبَه إلى الشيطان لأنه هو؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، هو المباشر للعلة وهو سبب بلا شك، لكن سبب مباشر، وفي الحقيقة أن الشيطان إنما سُلِّط بقضاء الله وقَدَرِه المؤلف يرى أنه نُسِبَ إلى الشيطان تأدبًا، وإلَّا فالأصل نسبته إلى الله فهو كقوله تعالى عن الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: 10]، فالجن قالوا: أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الجن: 10] ومعلوم أن مريد الشر هو الله عز وجل لحكمة أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: 10] فهم حذفوا الفاعل تأدبًا مع الله عز وجل؛ لأن الشر ليس إليه.
على كل حال الشيطان هو الذي مَسَّ أيوب، وقد علمتم أن مَسَّه إما أن يكون مَسًّا نفسيًّا أو حسيًّا.
قال الله تعالى بعد أن تفرغ قلبُه من كل من سوى الله ولجأ إلى ربه قال: (ارْكُضْاضرب بِرِجْلِكَ) اضرب بها الأرض، فضرب بها الأرض فنبع منها الماء بإذن الله، ما يحتاج إلى حَفَّار ولا إلى أحد يساعد، ضربة واحدة، فنبع الماء والله على كل شيء قدير. وهذا أحد الضربات التي نبع بها الماء على أنه آية من آيات الله، الثاني موسى يضرب الحجر فيتفجر اثنتي عشرة عينًا، الثالثة جبريل ضرب بعقبه أو جناحه مكان زمزم فنبع الماء، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
فضرب برجله الأرض (فنبعت عين ماء فقيل له: هَذَا مُغْتَسَلٌماء تغتسل به بَارِدٌ وَشَرَابٌتشرب منه) الله أكبر؛ يعني: أبيح له أن يغتسل ويشرب، وهذا الماء أيضًا مع أنه نبع من الأرض، والغالب أن النابع من الأرض يكون ساخنًا لكن هذا صار باردًا (فاغتسل به وشرب منه فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره) بقدرة الله عز وجل وإرادته.
ثم قال: وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [ص: 43] قال المؤلف: (أي: أحيا الله له مَنْ مات من أولاده ورزقه مثلهم) فجعل المؤلف الهبة بمعنى الإحياء، ولكنَّ في هذا نظرًا؛ لأن الإحياء يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، وليس في الآية ما يدل على هذا، بل إن الله وهب له أهله حيث أَوَوْا إليه بعد أن شردوا منه؛ لأن الرجل بسبب المرض النفسي، وربما نقول: النفسي والحسي البدني شرد منه أهله، عجزوا عن أن يعيشوا معه فشردوا، فلما عافاه الله أوى إليه أهله فتكون هذه الهبة إعادة ما سبق كما سَمَّى عمر بن الخطاب إعادةَ قيام رمضان جماعةً سماها بدعة مع أنها ليست بدعة في الواقع، مع أنها ليست هبة ولكن إعادة موهوب شرد.
وأما القول بأنه أحياهم بعد إماتتهم فهذا يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، ولكن الصحيح أنه لم تثبت الإماتة ولا الإحياء، وإنما هذه الهبة أيش؟ إعادة موهوب سبق؛ لأنهم نفروا منه وشردوا عنه.
وقوله: وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْهذا هو الذي نقول: إن الله رزقه أولادًا جُدُدًا؛ لأن زوجته رجعت وحاله صلحت وصار ينجب فبارك الله له في ولده.
(وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةًنعمة مِنَّا وَذِكْرَىعظة لِأُولِي الْأَلْبَابِ).
قوله: رَحْمَةًإن كان عائدًا على الأهل ومَنْ وُهِبَ له من جديد فهي رحمة مخلوقة، والرحمة قد تُطْلَق على المخلوق كما قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» ؛ وعلى هذا فتفسير المؤلف للرحمة بالنعمة تفسير أيش؟ صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، إذا جعلنا الرحمة هنا عائدة على الأولاد على الأهل ومثلهم معهم فإن تفسيره صحيح لأن الرحمة هنا مخلوقة، وإن أريد بالرحمة صفة الله عز وجل يعني أن هذا من رحمتنا؛ أي: ناشئ عن رحمة الله فالرحمة هنا أيش؟ غير مخلوقة، الرحمة هنا غير مخلوقة؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى غير مخلوقة.
إذن كلام المؤلف لا يمكن أن يُخَطَّأ على الإطلاق حيث فَسَّر الرحمة بالنعمة، ومعروف أن الأشاعرة يفسرون رحمة الله بأيش؟ بالنعمة أو بالإحسان، ولا يرون أن لله رحمة هي صفته، فكلام المؤلف لا يُنْتَقَد من كل وجه؛ لاحتمال أن يكون المراد بالرحمة ما وهب الله له من الأهل ومثلهم معهم، يعني أنها يراد بها الموهوب والموهوب لا شك أنه مخلوق.
أما إذا أردنا رَحْمَةً مِنَّاالرحمة التي هي صفة الله أي أن هذا ناشئ عن رحمتنا التي نحن متصفون بها وهو الرب عز وجل فإن تفسير المؤلف ليس بصحيح؛ لأن الرحمة حينئذ تكون أيش؟ صفة من صفات الله ليست نعمة خلقًا بائنًا عن الله عز وجل.
وقوله: رَحْمَةًكيف نعربها؟
طلبة: مفعول لأجله.
الشيخ: إي، مفعول لأجله، وهذه علة السابقة، العلل قسمان: علة غائية منتظرة وعلة السابقة مُوجِبة؛ فمثلًا إذا غضب الإنسان وضرب ولده، الضرب هنا من الغضب العلة سابقة ولَّا لا؟
طلبة: سابقة.
الشيخ: سابقة، إذن عِلَّة موجبة، إذا سافر الإنسان ليَتَّجر فهنا العلة غائية لاحقة ما هي سابقة، الأولى عِلَّة باعثة موجبة، لا، الإيجاب في كل العلتين، لكنها باعثة حاملة للإنسان، والثانية علة غائية لاحقة.
رَحْمَةً مِنَّايعني نفسه تبارك وتعالى، وأتى بصيغة الجمع تعظيمًا لله، الغريب أن هذا الجمع من الألفاظ المتشابهة التي استدل بها النصارنيُّ على تعدد الآلهة؛ لأن النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة ليس إلهًا واحدًا فيقول عندي دليل؛ خَلَقْنَا [الأعراف: 181]، أَنْزَلْنَا [البقرة: 99]، مِنَّا، مِنْ لَدُنَّا [مريم: 13] عِنْدَنَا، كل هذه تدل على الجمع فنقول له: إن في قلبك لزيغًا؛ لأنك اتبعت المتشابه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7]. ما الذي أعمى بصيرتك عن قول الله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: 163]؟! هذا محكم، والإتيان بصيغة الجمع للتعظيم أمر وارد في اللغة العربية، حتى الناس بأنفسهم وهم بشر لا يستحقون من العظمة ما يستحقه الخالق يعبِّرون عن أنفسهم بصيغة الجمع تعظيمًا لأنفسهم.
(رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَىعظة لِأُولِي الْأَلْبَابِلأصحاب العقول) رَحْمَةً مِنَّاهذه خاصة بأيوب وبأهله، وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِهذه عامة يتذكر بها أصحاب العقول بأي شيء يتذكرون في هذه القصة؟ يتذكرون في هذه القصة بأن المصائب تكون على الرسل وعلى غيرهم، وبأن الشيطان قد يُسَلَّط على الرسول.
يتذكرون بها؛ لأن الإنسان إذا لجأ إلى ربه ودعا ربه فإن الله يجيبه.
يتذكرون بها؛ لأنه كلما اشتد الكرب فانتظر الفرج، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاعْلَمْ أَنْ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرَ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» ، وقال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة: 214] فقال الله تعالى: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214] يعني: قريب من هذه الحال التي وصلت بالرسل إلى أن يقولوا: متى نصر الله يعني: يطلبونه شوقًا لا استبعادًا، ولكن شوقًا إليه كأنهم يقولون: يا رب، عجل لنا بالنصر، فقال الله تعالى: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214].
إذن وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِمن أي ناحية؟ من أن البلاء يشمل الأنبياء.
ثانيًا: أن الشيطان قد يُسَلَّط على الأنبياء.
ثالثًا: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطرين إليه إذا صَدَق الإنسان في دعوته، فالله سبحانه وتعالى يجيب الدعوة، نسأل الله أن يرزقنا الصدق معه.
رابعًا: أنه كلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج، فهذا أيوب لما اشتد به الأمر ولجأ إلى الله أجاب الله تعالى دعاءه.
خامسًا: أن زوال كرب النبي أيوب عليه الصلاة والسلام كان على يده؛ لأن الله تعالى لم ينزل شفاء بدون سبب ظاهر، بل بسبب هو الذي يباشره، كيف؟
قيل له: (اضرب برجلك) فخرج الدواء، وقيل: (اغتسل) فعالج نفسه إذن هو الذي استخرج الدواء، وباشر العلاج فكان علاجه على يده باستخراج الدواء وبالعلاج وكيفية استعمال الدواء.
(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًاهو حزمة من حشيش أو قضبان فَاضْرِبْ بِهِزوجتك وكان قد حلف ليضربنها مئة ضربة لإبطائها عليه يومًا وَلَا تَحْنَثْ [ص: 44] بترك ضربها فأخذ مئة عود من الإذخِر أو غيره فضرب بها ضربة واحدة) هذه فتوى من الله عز وجل لأيوب أفتاه بها تسهيلًا عليه وعلى أهله، أشرنا قبل قليل إلى أنه ما أصيب بهذه المصيبة من قِبَل الشيطان مصيبة نفسية ومصيبة بدنية ظاهرة، أين ذهب أهله؟ شردوا ومن جملتهم زوجته التي كان ينبغي أن تبقى معه على السراء والضراء فحلف أن يضربها مئة مرة يجلدها مائة جلدة؛ لأنها أغضبته وتركته فلما شفاه الله عز وجل من المرض بقي عليه الآن أن يفي بيمينه، أن يَبَرَّ بيمينه؛ فيضرب زوجته مئة ضربة، مئة ضربة قد يكون فيها شيء من الاشمئزاز بالنسبة للزوجة ومن الإحراج بالنسبة له، فأفتاه الله تعالى هذه الفتوى قال: خذ بيدك ضغثًا فيه مئة شمراخ واضربها به مرة واحدة، ويكفي عن مئة ضربة، ففعل، أخذ بيده ضغثًا فضربها به ضربة واحدة، فصار ذلك برًّا بيمينه؛ ولهذا قال فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ.
أين مفعول فَاضْرِبْ؟ محذوف، وحُذِفَ -والعلم عند الله- للستر؛ لأنه ما في القرآن أنه أُمِرَ بضرب الزوجة، ولكن جاء ذلك في القصص المعروفة عند بني إسرائيل، ليس المقصود أن نعرف عين المضروب، المقصود أن نعرف أن الضرب الذي كان قد حلف عليه يحصل بر فيه بأخذ هذا الضغث والضرب به.
وقوله تعالى: وَلَا تَحْنَثْأصل الحنث الإثم، كما قال تعالى: وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ [الواقعة: 46] يعني: على الإثم العظيم، والمراد به هنا بالحنث ألا يَبَرَّ بيمينه وعدم البِرِّ بيمين أن يترك ما حلف على فعله أو يفعل ما حلف على تركه، هذا الحنث، حلف ليشترين كتابًا قال: والله لأشترين كتابًا ولم يشترِ، ما تقولون؟
طلبة: حنث.
الشيخ: حنث بأيش؟ بترك ما حلف على فعله.
حلف على ألا يبيع هذا الكتاب، قال: والله لا أبيع هذا الكتاب، فباعه، حنث بماذ؟ بفعل ما حلف على تركه.
حلف ليشترين هذا الكتاب فاشتراه، ماذا نقول؟ بَرَّ بيمينه.
حلف ألا يبيع هذا الكتاب فلم يبعْه أيضًا بَرَّ بيمينه. إذن موافقة اليمين بِرٌّ ومخالفته حنث.
قال أهل العلم: يؤخذ من هذا أن عدم إبرار اليمين مكروه إلى الله؛ لأنه يُسَمَّى حِنْثًا، لكن من نعمة الله أنه رَخَّص لعباده بفعله، لكنهم إذا فعلوا كَفَّرُوا كفارة عن أيش؟ عن اليمين ولَّا عن الحنث؟
طلبة: عن الحنث.
الشيخ: عن الحنث؛ لأنها لو كانت عن اليمين لكان مَنْ يحلف يُكَفِّر، لكنها عن الحنث؛ لأن الأصل الإثم في مخالفة اليمين، لكن من رحمة الله عز وجل أن الله أباح لنا الحنث وأن نُكَفِّر عنه؛ ولهذا قال: فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ.
ثم قال الله عز وجل: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا [ص: 44] أي: وجدنا أيوب يعني: ألفينا صَابِرًا، ما الذي نصب صَابِرًا؟ (وجد) تنصب كم؟
طلبة: مفعولين.
الشيخ: مفعولين: الأول الهاء في قوله: وَجَدْنَاهُ، والثانية صَابِرًا.
صبر أيوب عليه الصلاة والسلام كان صبرًا على قَدَرِ الله، وكان صبرًا عن معصية الله، ما تَجَزَّع ولا سخط وكان صبرًا على طاعة الله، بماذا؟ كان صبرًا على أقدار الله، ظاهر؛ لأنه صبر على ما مَسَّه من الشيطان، وعن معصية الله؛ لأنه لم يتسخط، وعلى طاعة الله؛ لأنه لجأ إلى الله ودعا الله عز وجل فأجابه.
أحيانًا يكون الدواء بالدعاء أنجع بكثير من الدواء الحسي، فيما سبق إذا تَعَسَّرت الولادة يؤتى إلى الشخص ويُطْلَب منه أن يقرأ للحامل عند تَعَسُّر الولادة فيقرأ بماء ثم يذهبون به ويمسحون به ما حول المنطقة وتشرب منه الحامل فتضع بدون ألم، هذا شيء مُجَرَّب مشاهد، وهذا أهون بكثير من المعالجة بالأدوية الحسية المادية، فهو عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله، وطلب الشفاء منه، وهذا صبر على أيش؟ على طاعة الله، فحصل له أنواع الصبر كلها.
قال: (نِعْمَ الْعَبْدُأيوب) (...) نِعْمَ الْعَبْدُصبر هذا الصبر العظيم؛ على المرض وفقد الأولاد وفقد الأهل، ومع ذلك ما نسي الله عز وجل لجأ إليه عند الشدائد.
نِعْمَ الْعَبْدُإعراب نِعْمَ الْعَبْدُأن نقول: نِعْمَفعل ماضٍ جامد، صح؟ الْعَبْدُفاعل، وهذا الفعل وشبهه يحتاج إلى شيئين إلى فاعل ومخصوص، فإن تقدَّم ما يدل على المخصوص استُغْنِي بما تقدم وإلا فإنه يُقَدَّر، وإن كان ظاهرًا فظاهر.
فمثلًا هنا نِعْمَ الْعَبْدُنقول: إن السياق يدل على المخصوص وحينئذ لا حاجة لتقديره، المعروف نِعْمَ الْعَبْدُمن هو؟ أيوب، فلا حاجة للتقدير، لكن بعض النحويين يُقَدِّر ولو عُلِمَ؛ لأنه يرى أنه لا بد من ذكر الفاعل والمخصوص.
فيقول المؤلف: (نِعْمَ الْعَبْدُأيوب)، أيوب هو المخصوص، والْعَبْدُفاعل.
إِنَّهُ أَوَّابٌهذه الجملة استئنافية تعليلية، تعليل للثناء على أيوب بأنه نعم العبد لأنه كان أوابًا أي رجاعًا إلى الله سبحانه وتعالى.
طالب: شيخ، قوله: فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْحلف يضربها مئة ضربة، ضربها ضربة واحدة (...) الضربة الواحدة مئة عصا أم لا؟
الشيخ: هي قضبان، مئة قضيب وقعت عليها دفعة واحدة.
الطالب: (...) مئة ضربة.
الشيخ: مئة ضربة.
الطالب: (...) تكرار..
الشيخ: هذا حصل؛ لأن هذا بس كان متتابعًا والآن صار مجتمعًا.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- من ناحية صفة الصبر في أيوب هل نقول: إن كل نبي من الأنبياء يوجد فيه صفة بارزة أو نقول: (...) اجتمع له الكمال المطلق من الصفات البشرية (...) النبي عليه الصلاة والسلام أصبر الناس أصبر من أيوب، أو نقول: إن أيوب من جهة الصبر أصبر من النبي عليه الصلاة والسلام؟
الشيخ: الفضل نوعان: فضل خاص وفضل مطلق ،فالفضل المطلق قد يوجد في المفضول صفة خاصة يتميز بها.
الطالب: على النبي.
الشيخ: حتى في الأنبياء، يكون أحد الأنبياء له صفة خاصة يتميز بها.
طالب: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌهذا مقولة القول (...) تبارك وتعالى قَبَل دعوة أيوب قال له تبارك وتعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، وهَذَا مُغْتَسَلٌهذا كذلك مقولة القول..
الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه تابع للأول.
الطالب: المغتَسَل هو الماء (...) المغتَسَل ماء مغتسِل.
الشيخ: لا.
الطالب: الماء مغتسِل يعني (...).
الشيخ: لا، المغتسِل الإنسان تقول: اغتسلت بالماء فالماء مغتَسَل به، شوف عندنا الماء ومكان الماء، الماء مغتسَل به، ومكان الماء مغتسل وأما الفاعل مغتسِل فهو الإنسان.
الطالب: والمراد هنا مكان الماء.
الشيخ: مكان.
طالب: (...) قلنا: إنه أخذ مئة عصا (...) عصا واحدة وكررها مئة مرة؛ لأنه لو حتى ضرب المئة ليس كل العصي ستصيبها (...) سوى الطرف المقابل (...).
الشيخ: أيش الفائدة من الضغث يكفي عود واحد.
الطالب: (...) الضغث هو الواحد..
الشيخ: لا ما (...) يأخذ عصا واحد يضرب مئة مرة.
الطالب: (...).
الشيخ: أي بهذا الضغث (...).
الطالب: (...).
الشيخ: ما جاءت الفوائد.
طالب: (...) صبر أيوب (...) محمد صلى الله عليه وسلم صبر صبرَ رسالة (...).
الشيخ: هذا صبر آخر، هذا من نوع ثان، ولكن ما أُصِيب الرسول بمرض كمرض أيوب، هذا نوع ثان من الصبر.
طالب: قول الله عز وجل: وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [ص: 43] (...) قد يكون زوجة ثانية، يمكن ذلك؟
الشيخ: يمكن، لكن ما نعرف هذا، المعروف أن له زوجة واحدة، ولا يمنع أن يكون أعطاه الله زوجتين، الله أعلم.
***
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ [ص: 45 - 52].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى:
وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: 41] ما هو (النصب والعذاب) الذي مسه؟
طالب: (النصب) هو عذاب حسي أو معنوي من الشيطان، وعذاب..
الشيخ: النصب الضرر.
الطالب: الضرر حسي أو معنوي.
الشيخ: يعني: بدني أو نفسي.
الطالب: (والعذاب) الألم.
الشيخ: لماذا أضافه إلى الشيطان؟
طالب: لأنه كان بسبب الشيطان.
الشيخ: ومن الذي سلَّطَه؟
الطالب: سلطه الله عز وجل لحكمة أرادها.
الشيخ: لحكمة أرادها.
قوله: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ص: 42] معنى ارْكُضْ؟
طالب: أي: اضرب.
الشيخ: ويش يضرب؟
الطالب: يضرب برجله الأرض فخرج الماء.
الشيخ: قوله: وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ [ص: 43]، ويش المعنى؟
طالب: قيل: إنهم أحياهم بعد إماتتهم وهذا القول فيه نظر، ولكن الصحيح عندما أُصيبَ بهذا الضر تركوه (...) فرجعهم الله سبحانه وتعالى إليه.
الشيخ: وَهَبْنَاأعدنا.
الطالب: أعدنا له أهله.
الشيخ: أعدنا له أهله.
قوله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا [ص: 44]، ما هو الضغث؟
طالب: هو مجموعة من الحشيش أو حزمة من الحشيش، أعواد يضرب بها زوجته مئة مرة؛ يعني: ضربة واحدة تكفيه عن المئة مرة.
الشيخ: السبب، ليش المئة؟
الطالب: لأنه حلف أن يضرب زوجته (...) مع أهله مئة جلدة.
الشيخ: مئة جلدة فأفتاه الله بذلك.
قوله: إِنَّهُ أَوَّابٌما موقع الجملة مما قبلها؟
طالب: تعليلية.
الشيخ: تعليل لأي شيء؟ لأن العلة لا بد أن يكون لها معلول؟
الطالب: إي نعم؛ لأنه إرجاع إلى الله عز وجل.
طالب آخر: (...).
طالب آخر: (...).
الشيخ: نِعْمَ الْعَبْدُ، تعليل لقوله: نِعْمَ الْعَبْدُ.
في هذه الآيات: الثناء على أيوب عليه الصلاة والسلام بما ذُكِرَ من أوصافه.
وفيه أيضًا: الإشادة بمناقبه حيث أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يذكر عبده أيوب.
ومن فوائدها: بيان أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا؛ لقوله: إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ [ص: 41]، وبيان صدق لجوئهم إلى الله في كونهم يفزعون إليه عند الشدائد؛ لقوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: 41].
ومن فوائدها: جواز إضافة الأشياء إلى أسبابها؛ لأن أيوب أضاف هذا الضر للشيطان لأنه سببه.
ومن فوائد هذه الآيات: جواز التوسل إلى الله تعالى بحال العبد؛ لأن أيوب تَوَسَّل إلى الله بحاله وهو أنه مسَّه الشيطان بنصب وعذاب ونظير هذا قول موسى: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: 24]، فتوَسَّل إلى الله بذكر حاله وأنه فقير إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أحد أنواع التوسل الجائز، ويحسن هنا أن نذكر أو أن نستعيد ذكر هذه الأنواع، فهي:
أولًا: التوسل إلى الله بأسمائه.
ثانيًا: التوسل إلى الله تعالى بصفاته.
ثالثًا: التوسل إلى الله تعالى بأفعاله.
رابعًا: التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي.
خامسًا: التوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ تُرْجى إجابته.
سادسًا: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان.
سابعًا: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح.
كل هذه أنواع من التوسل جائزة، فالتوسل إلى الله بأسمائه مثل أن تقول: اللهم يا غفور اغفر لي.
وبصفاته: مثل قولك: اللهم برحمتك أستغيث، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا علمت الحياة خيرًا لي.
التوسل إلى الله بأفعاله: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.
التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي كما في الآية.
التوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ ترجى إجابته كتوسل الصحابة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
التوسل إلى الله تعالى بالإيمان؛ مثل قوله تعالى: رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 16] رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّ [آل عمران: 193].
السابع: التوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ كقصة الثلاثة الذين لجؤوا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة فتوسل كل منهم بعمله الصالح . هذه أنواع التوسل الجائز.
أما الممنوع فهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا، فإن التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا محرم، وهو نوع من الاستهزاء بالله عز وجل.





