رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [ص: ٦٦] رَبُّهذه بدل من الله، ويجوز أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره (هو رب). والسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِسبق الكلام عليهما كثيرًا.
وقوله: وَمَا بَيْنَهُمَاأي: من المخلوقات العظيمة التي نعلمها والتي لا نعلمها، وقد سبق لنا أن كون الله عز وجل يجعل ما بين السماء والأرض قسيمًا للسماوات والأرض؛ يدل على عِظَم ما بينهما من المخلوقات التي لم نصل إلى الآن إلى غايتها.
وقوله: الْعَزِيزُقال المؤلف: (الغالب على أمره)، وهذا أحد معاني العزيز؛ لأن العزيز له ثلاثة معانٍ: العزيز بمعنى ذو القَدْر والشرف، العزيز بمعنى القهر والغلبة، العزيز بمعنى الذي يمتنع أن يناله السوء؛ مأخوذ من (أرض عَزَاز) أي: صلبة، لا تؤثر فيها الفؤوس. إذن العِزَّة لها ثلاثة معانٍ: عِزَّة القَدْر، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الامتناع؛ يعني يمتنع أن يناله سوء سبحانه وتعالى.
وقوله: الْغَفَّارُيعني الكثير المغفرة، ولنا أن نجعلها أيضًا نسبة؛ أي أنه موصوف بالمغفرة دائمًا، فما أكثر من يغفر الله لهم، وما أكثر الذنوب التي يغفرها الله عز وجل! وهنا قَرَنَ العزة بالمغفرة فأكسب معنى ثالثًا غير العزة والمغفرة؛ وهي أنه مع عزته وغلبته وقهره هو مع ذلك غفَّار بخلاف من يتصف بالعزة من المخلوقين فإنه قد يكون العزة تغلب مغفرته، أو من يتصف بالمغفرة فيكون عنده ضعف، وليس عنده عزة، فإذا اجتمعت العزة والمغفرة حصل من ذلك معنى مُركَّب من اجتماعهما وهو أكمل ممن لو انفرد أحدهما.
طالب: (...) اجتمع القهر والعزة (...).
الشيخ: القهر والعزة خطأ.
طالب: بعض الناس يكون عنده عزة لكن مغفرته لا تغلب على عزته، لكن الله عز وجل مغفرته..
الشيخ: أيش؟ ما فهمنا!
الطالب: يعني بعض الناس يكون له عزة.
الشيخ: وليس عنده مغفرة.
الطالب: وليس عنده مغفرة.
الشيخ: وبعضهم؟
الطالب: وبعضهم عنده عزة، وعنده مغفرة، لكن أقل من عزته.
الشيخ: لا.
طالب: بعضهم عنده المغفرة والرحمة لكنه ضعيف وليس عنده عزة.
الشيخ: عنده مغفرة لا عزة، والرب عز وجل جامع بين هذا وهذا، ولا شك أن غلبة المغفرة على العزة فيها نقص، وغلبة العزة على المغفرة فيها نقص، فإذا اجتمعا جميعًا صار هذا أكمل؛ أي: أن عزته وغلبته وقهره لا تخلو من مغفرة.
يقول: قُلْ(لهم) هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧، ٦٨]. هُوَأي: النبأ الذي أنبأتكم به، والذي جئت به منذرًا نبأ عظيم، النبأ بمعنى الخبر لكنه لا يكون إلا في الأمر الهام، قال الله تعالى: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [النبأ: ١، ٢]، فالنبأ خبر لكنه في الأمور الهامة، ووصف الله هذا النبأ بأنه عَظِيمٌ، وهو القرآن، وقد وصف الله القرآن بأنه عظيم وكريم ومجيد؛ لأنه يتصف بهذه الصفات، ومن أخذ به نَالَه من هذه الأوصاف بقدر ما أخذ به.
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ(أي: القرآن الذي أنبأتكم به وجئتكم فيه بما لا يُعلم إلا بوحي).
قوله: أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَجملة استئنافية يُراد بها شدة الشناعة على هؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم مع هذا النبأ العظيم لم يُقبلوا عليه بل أعرضوا عنه، ولم يلتفتوا إليه، ولم يقيموا له وزنًا، يقول: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى [ص: ٦٩] يعني هذا النبأ العظيم لا يمكن لي أن آتي به من عند نفسي؛ لأنه ليس لي علم بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىيعني الملائكة، فهم ملأ لكنهم فوق؛ إذ إن الأصل في مساكنهم السماوات، ولكن ينزلون إلى الأرض لأداء الوظائف التي كُلِّفوا بها.
(مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىأي الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَفي شأن آدم حين قال الله تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠] إلى آخره).
الصحيح أن معنى الآية أعم مما قال المؤلف، يعني ما كان لي من عِلْم بالملأ الأعلى؛ إذ يختصمون في شأن آدم، وفي الدرجات العلا، وغيرها مما يختصم فيه الملائكة، ويرجعون فيه إلى الله.
يقول: (إِنْ؛ ما)، أفادنا المؤلف أن إِنْهنا نافية، وهو أحد معانيها.
وقوله: يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَاإِلَّا أَنَّمَاهذه هي التي دلت على أن إِنْنافية إِلَّا أَنَّمَا أَنَا [ص: ٧٠] (أي أني) نَذِيرٌ مُبِينٌ [ص: ٧٠]. قوله: (أي أني) تفسير لـأَنَّمَا أَنَا؛ لأن أصله (أني) لكن دخلت (ما) الكافة على (أن)، ولما دخلت (ما) الكافة على (أن) أبطلت عملها، أليس كذلك؟ ثم لما دخلت عليها لزم أن ينفصل الضمير المتصل، أين الضمير المتصل؟ أني، هذا الأصل، دخلنا (ما) على (أن)، فصلت الآن بين (أن) والضمير، والضمير المتصل إذا وُجِدَ ما يفصله عما اتصل به صار منفصلًا؛ لأنه متصل على اسمه، فإذا وُجِد ما يفصله عن ما اتصل به وجب انفصاله، فهنا تكون (أنا) هي الياء في قول المؤلف: (أني).
إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ [ص: ٧٠] لكن إذا جاءت إِلَّا أَنَّمَا أَنَاتكون أشد تأكيدًا للحصر؛ لأن الحصر الآن استفدناه من قوله: إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَاواستفدناه أيضًا من قوله: أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌفحُصر حال النبي عليه الصلاة والسلام بأنه نذير مبين، وهذا الحصر -كما تعلمون- حصر إضافي. أي: إنما أنا في هذه المسألة خاصة -وهو الوحي- نذير مبين وإلا فإنه بشر ينسى ويأكل ويشرب ويُبَشِّر، فالحصر إذن إضافي بحسب السياق.
وقوله: مُبِينٌقال المؤلف: (بَيِّن الإنذار). والصواب: مُظْهِر، أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌأي مُظْهِر، وليست من (أبان) اللازمة، بل هي من (أبان) المتعدي؛ لأن كلمة (أبان) تكون لازمة، كما تقول: أبان الصبح أي ظهر، وتكون متعدية كما لو قلت: هذا مُبِين لهذا؛ أي: مُظهِر له، فالصواب أن مُبِينٌهنا بمعنى مُظهِر.
ثم قال المؤلف: (اذكر) إِذْ قَالَفأفادنا رحمه الله أن إِذْ قَالَمتعلق بمحذوف تقديره (اذكر).
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ [ص: ٧١] (هو آدم). وقوله: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا، بَشَرًامفعول به لخالق لاستكمال شروط العمل فَإِذَا سَوَّيْتُهُ(أتممته وَنَفَخْتُأجريت فِيهِ مِنْ رُوحِيفصار حيًّا) إلى آخره. قال المؤلف: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِيقال: (أجريت). وكأنه رحمه الله أَوَّلَ معنى الآية، أَوَّلَ النفخَ بالإجراء، ولكن هذا خلاف ظاهر الآية، فظاهر الآية أن الله تعالى نفخ فيه من روحه، وهذا النفخ نثبته على ظاهره لكن بدون أن يكون مماثلًا لنفخ المخلوقين، وتفسيره بالإجراء تفسير باللازم؛ لأنه إذا نفخ فيه الروح لزم أن تجري في البدن وتسري فيه.
قال: وقوله: مِنْ رُوحِيقال المؤلف: (إضافة الروح إليه تشريف لآدم) يعني مِنْ رُوحِيليس المراد من جزء مني، ولكن المراد من روحي؛ أي: من الأرواح التي خلقتها، وأضافها الله إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا كما أضاف البيت إليه في قوله: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج: ٢٦]، وكما أضاف المساجد إليه في قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ [البقرة: ١١٤]، وكما أضاف الناقة إليه في قوله تعالى: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [الأعراف: ٧٣]، فالمضاف إلى الله إذا كان مخلوقًا فإن إضافته إليه تكون من باب التشريف والتعظيم إذا كان هذا خاصًّا، أما إذا كان عامًّا فهو من باب الشمول والعموم كقوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، ثم قال: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِيقال: (والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه)، الروح جسم لطيف يحيا به الإنسان، ولو قال المؤلف: يحيا به الكائن الحي لكان أعم؛ لأن الإنسان له روح والبهائم لها روح.
وقول المؤلف: (جسم لطيف)، أما كونه جسمًا؛ فلأنه ثبت في القرآن الكريم أنها تُقبض وتُوفَّى، وثبت في السنة أنها تُكفَّن وتُلف في الثوب في الكفن إما من الجنة أو من النار، وهذا يدل على أنها جسم لكنه جسم لطيف لا يُرى بالعين، إذا حل في الجسد حيي، وإذا فُقِد من الجسد صار الجسد جمادًا، ونحن نشاهد الآن مما يصنعه الآدمي ما يكون مثل هذا، إذا كان عندك سالب وموجب في الكهرباء، واتصل بعضهما ببعض؛ اشتعل، يُشعل هذا اللمبة الكبيرة، وهو شيء ما يُرى بالعين، وإذا فقد إذا انفصلا فُقِد، هذا وهو من صُنع البشر، فكيف بالأمور الخارقة التي لا يعلمها إلا الله وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥]، وهذا الذي فَسَّر المؤلف الروح به هو أحسن ما قيل في تفسير الروح.
يقول: فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(قعوا) فعل أمر، ماضيها (وَقَعَ)، ومضارعها (يَقَع)، والوقوع يعني معناه (خروا على الأرض) سَاجِدِينَقال المؤلف: (سجود تحية بالانحناء).
أما قوله: (سجود تحية) فلا شك أن هذا هو المراد يعني لا سجود عبادة، وأما قوله: (بالانحناء) ففيه نظر؛ لأن السجود هو الوقوع على الأرض، وهو ظاهر الآية، ولكن يقال: إن هذا السجود كان جائزًا، السجود للغير تحية كان جائزًا ولكنه نُسِخَ بعد ذلك.
سَاجِدِينَمحلها من الإعراب؟
طلبة: حال.
الشيخ: من أين؟ من الفاعل في فَقَعُوا.
قال: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(فيه تأكيدان). وهما (كل) و(أجمعون).
إِلَّا إِبْلِيسَ(هو أبو الجن كان بين الملائكة). قوله: (هو أبو الجن) دليله قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي [الكهف: ٥٠]، والدليل على أنه من الجن قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠]. إذن فالجن ذرية الشيطان، والإنس ذرية آدم، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال: إِلَّا إِبْلِيسَ(كان بين الملائكة)، ولم يقل المؤلف كان من الملائكة؛ لأن الله تعالى قال: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠]، إذن هو بينهم، ومن كان بين الناس فهو من الناس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» . فهذا الشيطان الذي كان مع الملائكة يتعبد بعبادتهم يصح أن يشمله الخطاب الموجَّه إلى الملائكة؛ ولهذا لَامَهُ الله على عدم السجود؛ فدل على أن الخطاب كان شاملًا له.
إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [ص: ٧٤] (في علم الله) قوله: (في علم الله) بناءً على أن (كان) تدل على المضي، ولكنه قد مر علينا أن (كان) قد تكون مسلوبة الدلالة على الزمان، ويكون المراد بها الاتصاف بخبرها كما في قوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٩٦] كان فيما مضى أو المعنى اتصف بالرحمة؟ إذن نقول في هذه الآية: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَأي: واتصف بالكفر، ولا حاجة أن نقول: كان بعلم الله؛ لأننا نقول: إن كان هنا مسلوبة الدلالة على الزمن، فالمراد بها مجرد الاتصال.
قَالَ يَا إِبْلِيسُمن الفاعل في قال؟ الله؛ لأنه قال: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُفَقَعُوا.
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] يعني أي شيء منعك؟ وهذا الاستفهام للتوبيخ والتعجب؛ يعني كيف تمتنع لمن خلقته بيدي؟! فالله تعالى خلق آدم بيده، وهذا شرف له، وأمر بالسجود له تشريفًا له، فما الذي منعك أن تسجد؟ قال المؤلف في تفسير قوله: بِيَدَيَّ(أي: توليت خلقه، وهذا تشريف لآدم فإن كل مخلوق تولى الله خلقه)، عفا الله عنك يا مؤلف، يقول: (توليت خلقه فرارًا من إثبات اليد لله). ولا شك أن هذا تحريف، وأجاب عن قوله عن الإضافة لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ؛ لأن هذا تشريف لآدم، وإلا فكل مخلوق فإن الله قد تولى خلقه، وبناء على كلام المؤلف لا يبقى لآدم فضل عن سائر المخلوقات أليس كذلك؟ ما دمنا نفسر خَلَقْتُ بِيَدَيَّأي: توليت خلقه فإن الله تولى خلق بني آدم، وخلق الإبل والبقر والغنم وغير ذلك، فلا يبقى لآدم فضْل على أي أحد بل لا يبقى لآدم فضل على الشيطان الذي أبى أن يسجد؛ لأن الشيطان من تولى خلقه؟ الله عز وجل؛ ولهذا نقول للمؤلف: إنه أخطأ في هذا، وأن معنى الآية أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق غير آدم من الشياطين والملائكة بكلمته؛ أي بقوله: كن، أما آدم فبيده، وهذا هو وجه الميزة، والخصيصة لآدم أن الله خلقه بيده.
(أَسْتَكْبَرْتَالآن عن السجود) استفهام توبيخ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (المتكبرين فتكبرت عن السجود) يعني أحصل منك الاستكبار الذي تفتعله ولست من أهله؟ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَالذين منزلتهم فوق؛ لأن الذي يأبى إما أن يكون في مكان أرفع فيكون مستحقًّا للإباء أو يكون مستكبرًا؛ يعني موضعه نازل لكن جعل نفسه في محل عال، فالله يقول له: هل أنت مستكبر؟ أو أنك عالٍ في مرتبة أعلى من آدم بل أعلى ممن أمرك؟ ما الجواب؟ ادَّعى الآن، قال: (المتكبرين فتكبرت عن السجود لكونك منهم) ممن؟ من العالين.
وأما قول المؤلف: (إن العالين هم المتكبرون) فإنه يؤدي إلى أنه لا يكون فرق بين المتقابِلَيْن؛ لأنه إذا قال: أستكبرت أم كنت من المتكبرين، هل هناك فرق؟ لا فرق؛ ولذلك يُعتبر تفسيره العالين بالمتكبرين خطأ، بل أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَأي: الذين علت منزلتهم بحيث لا يُوجَّه إليهم الأمر بالسجود لمن هو دونهم، فإباء الشيطان عن السجود لآدم إما أن يكون لوصف يستحقه، وهذا يدل عليه أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ، أو لوصف لا يستحقه، ولكنه استكبر ورأى نفسه كبيرًا، وهذا في قوله: أَسْتَكْبَرْتَقَالَالشيطان جوابًا على سؤال الله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُمن آدم، وهذه دعوى، وكل إنسان يضيف الشيء إلى نفسه فإنه -أخذناها قاعدة في الفقه- مُدَّعٍ، والمدعي عليه البينة، أتى ببينة وهي قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ؛ ولهذا نقول: الجملة هنا استئنافية لبيان وجه الخيرية خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص: ٧٦] سبحان الله! الذي يخلق من النار خير من الذي يخلق من الطين؟! مع أن النار التي خلق منها الشيطان ما هي نار مضيئة؟ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن: ١٥] ليست النار المضيئة، النار التي تكون في أعلى اللهب بين الدخان وبين النار المضيئة حمراء معتمة.
هذا المخلوق من هذه النار يكون خيرًا من المخلوق من الطين البارد النافع؟ سبحان الله! هذا قلب للحقائق؛ ولهذا نقول: هذه دعوى مستندة إلى بينة زائفة باطلة، وين الدعوة؟ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [ص: ٧٦] البينة خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص: ٧٦]، وهذه ليست بينة، هذه حجة عليه، وليست حجة له، وقد ذكر أهل العلم في هذا المقام بيان أن ما خُلق منه آدم خير مما خلق منه إبليس.
قال الله تعالى: فَاخْرُجْ مِنْهَا [ص: ٧٧] (أي من الجنة وقيل من السماوات)، وأيهما أقرب؟ الملائكة هم كلهم في الجنة؟ في السماوات فَاخْرُجْ مِنْهَاأي: من السماوات هو أقرب للفظ.
فَإِنَّكَ رَجِيمٌأي: (مرجوم)، فهي (فعيل) بمعنى (مفعول)، ومعنى (مرجوم) أي مطرود مُبعد كما يُبعد الإنسان إذا رُجِم، وأنتم تعلمون أن الرجل إذا أردنا أن نبعده كثيرًا صحنا به أولًا، فإذا هرب أتبعناه الحجارة، فكان هذا أشد إبعادًا.
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص: ٧٨] عليك حق حاقة عليك لعنة الله أي طرده وإبعاده إِلَى يَوْمِ الدِّينِ(يوم الجزاء). وبعد يوم الدين تزول اللعنة؟ لا تزول، لكنها إذا امتدت إلى يوم الدين فمعناها أنه قانِط من رحمة الله والعياذ بالله، ما يمكن أن يُرحم، الذي تبقى معه اللعنة إلى يوم الدين لا يمكن أن تناله الرحمة.
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ص: ٧٩] (أي الناس) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [ص: ٨٠، ٨١] طلب من الله أن يُنظِرهُ إلى بعث الناس فهل أجابه الله إلى طلبه؟ أجابه الله إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، قال المؤلف: (وقت النفخة الأولى) أي: قبل البعث؛ لأن الناس لا يُبعثون إلا في النفخة الثانية، لكنهم يصعقون في النفخة الأولى، وهو أي الشيطان إنما يريد أن يبقى حتى لا يبقى من بني آدم أحد؛ لأنه صار في نفسه غل وحقد عظيم على آدم وذريته، كيف أُمِر أن يسجد له؟ وكيف حُكِم بالكفر لما أبى صار في قلبه، أو صار في نفسه أحسن؛ لأن ما ندري هل له قلب ولَّا ما له قلب؟ صار في نفسه غِلٌّ وحِقد، فسأل الله أن يبقيه إلى يوم البعث فأجابه الله أن يبقى إلى يوم الوقت المعلوم، وإجابة الله إياه لحكم عظيمة نذكرها إن شاء الله عند الكلام على الفوائد.
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢، ٨٣] قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْيحتمل أن تكون (الباء) للقسم، ويحتمل أن تكون للاستعانة. فإن قلنا: إنها للقسم فقد أقسم بعزة الله، واختياره الإقسام بالعزة؛ لأن العزة فيها الغلبة، فأقسم بوصف لله يكون به الغلبة. وإن قلنا: إنها للاستعانة، فظاهر أن الاستعانة بعزة الله التي إذا أعان الله بها العبد غلب.
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَاللام في قوله: لَأُغْوِيَنَّهُمْتؤيد أن الباء هنا للقسم؛ لأن هذا هو جواب القسم. وأُغْوِيَنَّهُمْأي: أسلك بهم طريق الغي؛ وهو خلاف الرشد.
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُأي من بني آدم الْمُخْلَصِينَالذين أخلصتهم، وهذا كقوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٤٢].
قال الله تعالى: فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٤، ٨٥] قال: فَالْحَقُّهذا مبتدأ لكنه متضمن معنى القسم؛ بدليل أنه أُخبِر عنه بجواب القسم وهو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ، وقد أعربه المؤلف قال المؤلف: (بنصبهما) كيف؟ {قَالَ فَالْحَقَّ وَالْحَقَّ أَقُولُ}.
(ورفع الأول ونصب الثاني) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ(فنصبه بالفعل بعده، ونصب الأول قيل: بالفعل المذكور، وقيل: على المصدر؛ أي: أحق الحق، وقيل: على نزع حرف القسم، ورفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: فالحقُّ مني. وقيل: فالحق قسمي، وجواب القسم لَأَمْلَأَنَّ) إعرابات متعددة.
(بنصبهما) نقول: الثاني نصبه بالفعل بعده، وهو واضح الْحَقَّ أَقُولُ؛ لأن الفعل بعده لم يستكمل مفعوله، ولم نجد مفعولًا له إلا (الحق) الذي سبق. يعني (الحق) الثانية منصوبة بـ(أقول) على كل حال، الخلاف في أيش؟ في الأولى، الأولى إما منصوبة وإما مرفوعة نصبها فيه أوجه: (قيل بالفعل المذكور) أي: فالحقَّ أقولُ والحقَّ أقولُ، فيكون (الحق) الأولى والثانية منصوبة بـ(أقول) كما لو قلت: زيدًا وعمرًا ضربتُ، فزيدًا وعمرًا، منصوبان بـ(ضربت)، إذن الحق والحق منصوبان كلاهما بـ(أقول).
(وقيل: على المصدر) قال: فالحقَّ؛ أي: فأُحِق الحقَّ. وعلى هذا فيكون مصدرًا عامله محذوف، تقديره: فأحق الحق. وقيل: على نزع حرف القسم؛ يعني فبالحق أقسم؛ لأنه إذا نُزِع الخافض نُصِب المخفوض؛ ولهذا تسمعون كثيرًا، يقولون: منصوب بنزع الخافض، هذه ثلاثة أوجه، (ورفعه) رفع أيش؟ الحق الأولى على أنه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي فالحق مني، وهذا ضعيف.
(وقيل: فالحق قسمي) وهذا أقل ضعفًا من الأول، والذي يظهر لي أنه لا حاجة إلى هذا، هو أن نقول: الحق مبتدأ ضُمِّن معنى القسم، وأُجيب بقوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ. وصار في جواب القسم كفاية عن خبر المبتدأ؛ يعني فنقول في إعرابه: الْحَقُّمبتدأ، وضُمِّن معنى القسم، وأجيب بقوله: لَأَمْلَأَنَّ، واستُغني بجواب القسم عن خبر المبتدأ، كما يُستغنى بجواب القسم عن جواب الشرط فيما إذا اجتمع شرط وقسم.
قال: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [ص: ٨٥] (أي الناس) أَجْمَعِينَ، لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَوحده، أو المراد الجنس؟ الجنس؛ ولهذا قال المؤلف: (بذريتك وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْأي الناس) الذين أقسمت أن تغويهم أَجْمَعِينَ؛ ولهذا كانت النار دارًا لصنفين من المخلوقات فقط وهما: الجن والإنس؛ فالملائكة ليسوا من أهلها، والوحوش والحشرات وغيرها ليسوا من أهلها، لا يدخل النار إلا صنفان من المخلوقات وهم: الناس والجن.
يقول: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [ص: ٨٦] قُلْالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِأي: على ما جئت به وعلى تبليغه مِنْ أَجْرٍمِنْهذه زائدة، وأَجْرٍمحلها النصب على أنها مفعول ثانٍ؛ لقوله: أَسْأَلُكُمْ. واعلم أن (سأل) إن تعدت بـ(عن) فهي بمعنى الاستفهام، وإن تعدت بنفسها إلى مفعولين فهي بمعنى طلب العطاء، فإذا قلت: سألته عن كذا؛ يعني الاستفهام، وإذا قلت: سألته كذا؛ فهو طلب العطاء. هنا نقول: هي طلب العطاء ولَّا استفهام؟ طلب العطاء وعلى هذا فـأَجْرٍمحلها النصب.
وقوله (جُعْل) تفسير لـأَجْرٍيعني لستُ أطلب منكم أن تعطوني دراهم، أو تعطوني أرزاقًا، أو تزوجوني بناتكم، أو تسكنوني قصوركم على تبليغ الرسالة، ولكنه صلى الله عليه وسلم إنما يسأل الأجر ممن؟ من الله.
قال: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦] (المتقوِّلين القرآن من تلقاء نفسي) يعني وما أنا من المتقوِّلين، ولكن عدل عن (المتقولين) إلى الْمُتَكَلِّفِينَ؛ لأن القرآن لا يمكن أن يأتي بمثله البشر، حتى لو تكلَّف الإنسان، وبذل الجهد فإنه لا يمكن أن يأتي بمثله، ولما كان هذا القرآن لا يأتي بمثله البشر صار من أتى به مُتكلِّفًا لو كان جاء به من عنده فهو يقول: أنا لا أتقول القرآن، لا عن يُسْر، ولا عن كُلْفَة.
إِنْ هُوَ [ص: ٨٧] أي: (ما القرآن) إِنْفسرها بـ(ما)، وقد ذكرنا علامة لـ(إن) التي بمعنى (ما) أن تأتي بعدها (إلا).
إِنْ هُوَ(أي القرآن إِلَّا ذِكْرٌ [ص: ٨٧] عِظة لِلْعَالَمِينَللإنس والجن العقلاء دون الملائكة)، هو ذكر للعالمين؛ الإنس والجن.
وقوله: (دون الملائكة) إن أراد بإخراج الملائكة أنهم لا يُكلَّفون بالعمل به فقد يكون مُسلَّمًا، وإن أراد أنهم لا يتذكرون به، ويتقربون به فهذا غير مُسلَّم؛ لأن الله تعالى قال: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١١ - ١٦]، والمراد بهم الملائكة.
وقوله: ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [ص: ٨٧] تقدم معنى الذكر في أول السورة، وتقدم قريبًا هَذَا ذِكْرٌ [ص: ٤٩]. وهذا الثالث، والمعنى أنه ذِكْر بنفسه، ويش بعد؟ شرفه وذكر بالوعظ به، يقول: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ [ص: ٨٧، ٨٨] (يا كفار مكة نَبَأَهُ [ص: ٨٨] خبر صدقه بَعْدَ حِينٍأي يوم القيامة).
قوله: وَلَتَعْلَمُنَّجعل الضمير في (تعلمن) عائدًا إلى كفار مكة بِناءً على أن الخطاب المذكور في هذه السورة لأهل مكة؛ لأنها مكية، ولكن قد ذكرنا أن العبرة بالعموم لا بخصوص المكان أو السبب، والخطاب لجميع الناس وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين [ص: ٨٨]. فإن هذا النبأ الذي أنبأ الله به بواسطة هذا القرآن الكريم سيعلمه الناس كلهم، وذلك ما أخبر به عما يكون يوم القيامة، فإن هذا القرآن أخبر عما يكون يوم القيامة، وهذا سيعلمه الناس كلهم بعد حين.
فيه أشياء أخبر عنها القرآن مضت وانقضت، فهذا علمها بعد حين من سبق هذه الحوادث وأدركها، وفيه حوادث ستأتي يعلمها بعد حين من يُدركها، وأما الذي يدركه جميع الناس فهو ما يكون يوم القيامة.
قال: بَعْدَ حِينٍ [ص: ٨٨] (أي يوم القيامة، وعلم بمعنى عرف)، لماذا قال: (علم بمعنى عرف)؟ لأنه تعدى إلى واحد وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ [ص: ٨٨]. وعلم إذا تعدت إلى واحد فهي بمعنى (عرف)، كما تقول: علمت المسألة يعني عرفتها. قال: (واللام قبلها لام قسم مُقدَّر؛ أي: والله لتعلمن نبأه) والله أعلم.
طالب: قوله تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ص: ٧٢] قلنا الروح هي..
الشيخ: جسم لطيف.
الطالب: جسم لطيف، والروح هذه أليست من روح الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: لا، من مخلوقات الله.
الطالب: (...).
الشيخ: للتشريف؛ لأن هذه أمرها عجيب جدًّا، فأضافها الله تعالى للتشريف.
طالب: (...).
الشيخ: كما قلنا: إذا أضيف الشيء إلى الله لخصوصه فهو لتشريفه، وإن كان للعموم فهو لبيان شمول قدرة الله. وأتينا لكم بمثال وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣].
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، حديث مثل حديث: «الذُّبَابُ كُلُّهُ فِي النَّارِ» .
الشيخ: منين جئت به؟
الطالب: سمعته.
الشيخ: خلوه يثبت عن الرسول ونشوف وجهه.
طالب: قلنا: إن الروح جسم لطيف؛ بمعنى أنه لا يُرى (...)، إذا قُبِض الروح تبعه البصر ولولا أنه يرى..
الشيخ: نعم، ما يراه إلا الميت فقط.
الطالب: فقط؟
الشيخ: إي نعم، اللي عنده ما يرونه لا يبصرونه.
طالب: الفرق بين المستكبر والمتكبر.
الشيخ: المتكبر والمستكبر؟
الطالب: مستكبر ومتكبر؟
الشيخ: مستكبر ومتكبر؟
طالب: (...).
الشيخ: ما جاءت، في الفوائد هذه؟
طالب: بعض الناس يستبعد (...) يستبعد الإجابة (...) المعاصي (...) إبليس (...).
الشيخ: إي، هذه لحكمة ليس رأفة بإبليس، هذا في الحقيقة من شقاء إبليس؛ لأنه كلما بقي ازداد الشر عليه؛ لأن عليه إثم من أضله. مع أن هذه تأتي في الفوائد لكن هذا جواب حصل الحمد لله، إنما يجب ألا نستسلم.
يقول الله عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُإلى هذا الحد حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُوفي قراءة: حَتَّى يَقُولُيعني إلى حد أن الرسول -وهو أشد الناس يقينًا- يقول: مَتَى نَصْرُ اللَّهِيعني يستعجلون النصر ما يصبر، أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤]؛ ولهذا ينبغي لنا أن نؤمن بأنه كلما اشتدت الأزمة والكرب فهو أقرب إلى الفرج. لكن الله عز وجل يقول: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد: ٤]، الله قادر على أنه في لحظة ينتصر منهم، ويهلكهم جميعًا لكن ليبلو بعضكم ببعض، والناس مذنبون وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: ١٢٩].
فللذنوب التي تجرأ الناس عنها من أزمنة متطاولة حصلت هذه العقوبات؛ يعني مثلًا لو نظرنا إلى بعض البلاد الآن التي لها سنوات عديدة والدماء تجري في أسواقها؛ لأنها كانت من أزمنة طويلة متمادية في معصية الله حتى إنه بلغنا أن الإنسان منهم إذا انتهى من الخبزة ضرب بها على الأرض وداسها بقدمه والعياذ بالله، وأنهم يدوسون البرتقال والتفاح وغيره بأرجلهم، ويلعبون بها كما يُلعب بالكرة، وانظر ويش اللي حصل الآن؟! وسيفعل الله عز وجل بكل أحد يستكبر عن عبادته ويكفر نعمته؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يبالي بأحد. ليس بينه وبين أحد محاباة أو قرابة أو نسب حتى يقول: هذا أحابيه، وهذا أرحمه، وإذا جاءت العقوبة عمت الصالح والطالح مثلما مر علينا أمس في درس العصر في الجيش الذي يغزو الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسِف بهم جميعًا، وسألت عائشة النبي عليه الصلاة والسلام، قالت: يا رسول الله، فيه أسواقهم، وفيه كذا، وفيه كذا من أناس ما قصدوا هذا الشيء، فقال: «يُخْسَفُ بِهِمْ جَمِيعًا وَيُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» . فالحاصل أن هذا اللي يحصل من استبعاد الإجابة غلط من الإنسان، بل يلح ويُكرِّر، والله عز وجل قريب مجيب.
طالب: قوله: أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ [ص: ٧٥] يعني فيه بعض الملائكة ما وصله خبر السجود لآدم.
الشيخ: لا، مِنَ الْعَالِينَمرتبة ما هو مكانًا.
الطالب: يعني سمعت بعض المفسرين يقول: إنه.
الشيخ: لا، ما هو بصحيح.
طالب: حديث: «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّارِ» .
الشيخ: «عَقِيرَانِ»، صحيح، هذا ما هو عقوبة لها، إهانة لعابديها، كل ما يُعبد من دون الله فإنه يُلقى في جهنم إهانة لعابديه، يقال: هذا ربك اللي تعبد انظره في النار، حتى هُبل واللات ومناة كلها تكون في النار مع أنها غير مُكلَّفة لكن إهانة للعابدين، مثلما لو غلبنا على الكفار، وأتينا برئيسهم، وقلنا: هذا رئيسكم وضربناه ووبَّخناه وأهنَّاه، هذا إهانة لهم.
الطالب:في قوله: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] هنا في ذكر داود عليه السلام..
الشيخ: الأيدي.
الطالب: (...).
الشيخ: هل الله ما له إلا قوتان؟ أقول: ما له إلا اثنتان (...)، القوة تُستفاد من قوله: خلقت؛ لأنه لا يخلق إلا القادر، وأما بيدي فخارجة عن حد الخلق. (...)
قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [ص: ٦٥].
في هذه الآية من الفوائد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان رسالته؛ لقوله: قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ.
ومن فوائدها أنه ينبغي في الكلام مراعاة الحال، حيث إن المقام هنا مقام تهديد؛ فلهذا اقتصر على الإنذار فقط مع أن الله تعالى قال: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [البقرة: ١١٩].
ومن فوائدها: توحيد الله تعالى بالألوهية ونفيها عما سواه؛ لقوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ.
ومن فوائدها: أن الأسماء لا تُغَيِّر المسميات؛ فإن هناك من يُسمَّى إلَهًا ولكنه حقًّا ليس بإله.
ويتفرع على هذه الفائدة: أننا لو سمينا الشيء المحرم باسم حلال فإنه لا يتغير الحكم فيه؛ ولهذا جاء في الحديث: «أَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أُنَاسٌ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» . وهذا يدل على أن الأسماء لا تُغَيِّر المسميات والحقائق.
ومن فوائد الآية: إثبات الوحدانية لله في قوله: الْوَاحِدُ.
ومن فوائدها: الرد على النصارى القائلين: بأن الله تعالى ثالث ثلاثة.
ويتفرع على هذه الفائدة أيضًا: أن دينهم كذب، وأعني دينهم الذي يدينون به الآن؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يأتي بآلهة متعددة؛ ولهذا يقول الله له يوم القيامة: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة: ١١٦، ١١٧] الآية.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القهر التام لله عز وجل؛ لقوله: الْقَهَّارُ، وهذا يستلزم للمؤمن به أن يخاف من الله عز وجل من قهره، ويستلزم أيضًا تقوية المؤمن الواثق بالله في قهر أعدائه؛ لأنك إذا وثقت بأن الله هو القهار، وأن الله معك لكونك أتيت بالأوصاف التي تستوجب معية الله لك فإن هذا يقويك على عدوك، وتعلم أن هذا العدو لا بد أن يكون مقهورًا بقهر الله عز وجل.
ثم قال عز وجل: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [ص: ٦٦] فيها إثبات عموم ربوبية الله عز وجل؛ لقوله: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا؛ لأن السماوات والأرض وما بينهما هي كل الكون الذي نعلم به، ولعل العرش والكرسي داخل في السماوات من حيث العلو.
ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ، وإثبات ما تضمناه من الصفة مجتمعين ومنفردين، وهما العزة والمغفرة، وكون العزة والمغفرة مجتمعين أقوى وأشد وأعظم في كمال العزة والمغفرة.
ثم قال: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧، ٦٨].
من فوائد هذه الآية: عِظَم ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من الوحي، وأنه نبأ عظيم، وهذا كقوله: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ: ١ - ٣].
ومن فوائدها: أنه متى عظم هذا النبأ عظم من يأخذ بهذا النبأ؛ لأنه أساس ومنهاج وطريق. فإذا عظم عظم الآخذ به؛ ولهذا كانت الأمة الإسلامية عظيمة مرموقة مهيبة حين كانت آخذة به.
ومن فوائد هذه الآية: القدح فيمن أعرض عن هذا النبأ العظيم؛ لقوله: أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَيعني فكيف يليق بكم أن تُعرضوا عنه مع أنه نبأ عظيم؟!
ثم قال الله عز وجل: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] في هذه الآية نفي عِلْم الرسول صلى الله عليه وسلم بالغيب سواء كان مستقبلًا أم حاضرًا لكنه غائب عنه؛ لأن قوله: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى [ص: ٦٩] هو نفي علم بملأ موجود لكنه غائب عنه، فإذا كان لا يعلم الغائب عنه مع وجوده فالغائب عنه المنتظر من باب أولى.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملأ الأعلى وهم الملائكة.
ومن فوائدها: بيان علو مرتبة الملائكة كما أن مكانهم كذلك عالٍ؛ لأنهم في السماوات كما قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦]، وعُلُوّ المرتبة فيهم اختلف العلماء هل هي أعلى من البشر الصالحين أم صالحو البشر أعلى من الملائكة وأفضل؟ فمنهم من قال: إن الملائكة أفضل، ومنهم من قال: إن صالحي البشر أفضل، والنزاع هنا قليل الفائدة؛ لأننا نعلم أن الملائكة لهم خصائص لا يلحقهم فيها البشر، وللبشر خصائص لا يلحقهم فيها الملائكة، فالتفضيل على الإطلاق لا يصح؛ لأن هؤلاء لهم ميزة وهؤلاء لهم ميزة.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الملائكة أفضل باعتبار كمال البداية؛ لأنهم خُلقوا من نور، والنور أكمل وأفضل من الطين والتراب، وأن البشر أفضل باعتبار كمال النهاية؛ لأن البشر يكونون في رحمة الله، والملائكة أنفسهم يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤].
ولكن الذي أرى أنه ينبغي أن يُقال: إن التفضيل ليس باعتبار البداية والنهاية بل باعتبار بعض الخصائص التي تكون لهؤلاء دون هؤلاء.
ومن فوائد الآية: إثبات أن الملائكة ذوو عقول؛ لقوله: إِذْ يَخْتَصِمُونَ.
ومن فوائدها: إثبات المناظرة والمخاصمة بين الملائكة كما هي أيضًا تكون بين الرسل وأقوامهم وبين أتباع الرسل بعضهم مع بعض.
ثم قال: إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِين [ص: ٧٠] في هذه الآية إثبات الرسالة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: إِنْ يُوحَى إِلَيَّوالوحي يكون للرسول إذا كان أُوحِي إليه أن يُنذر الناس ويُبشر الناس، ولكن الوحي أحيانًا يكون بالإلهام كما في قوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [النحل: ٦٨]، فهذا وحي إلهام، وكما في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧] هذا أيضًا وحي إلهام وليس وحي نبوة وإرسال.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نذير.
ومن فوائدها: إثبات أنه صلى الله عليه وسلم مبين لكل ما أنذر به؛ لأن معنى مبين؟
طالب: معنى مبين هو ظاهر.
الشيخ: لا، هذا كلام المؤلف لكن نحن ذكرنا معنى آخر.
طالب: مُظْهِر.
الشيخ: مُظْهِر للحق والوحي الذي جاء به.
ومن فوائدها: أنه لا يمكن أن يكون في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم شيء مجهول أبدًا بل كل ما جاء به فهو بَيِّن، لكن الجهل أمر نسبي قد يكون المجهول شيئًا معينًا لبعض الناس وهو بَيِّن معلوم لأناسٍ آخرين.
ثم قال تعالى: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ [ص: ٧١] إلى آخر الآيات. في هذه الآيات إثبات الكلام لله عز وجل؛ لقوله: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ [ص: ٧١]، وإثبات أن كلامه بصوت مسموع تسمعه الملائكة في هذه القصة، وإثبات أنه بحرف..





