تفسير سورة ص - 10
عدد الزيارات 3162

التفسير
>
تفسير سورة ص

ومن فوائدها: إثبات أنه صلى الله عليه وسلم مبين لكل ما أنذر به؛ لأن معنى مبين؟
طالب: معنى مبين واضح.
الشيخ: لا، هذا كلام المؤلف، لكن نحن ذكرنا معنى آخر، نعم.
طالب: مظهر.
الشيخ: مظهر للحق والوحي الذي جاء به.
ومن فوائدها: أنه لا يمكن أن يكون في شريعة النبي عليه الصلاة والسلام شيء مجهول أبدًا، بل كل ما جاء به فهو بين، لكن الجهل أمر نسبي، قد يكون المجهول شيئًا معينًا لبعض الناس، وهو بين معلوم لأناس آخرين.
ثم قال تعالى: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ [ص: ٧١] إلى آخر الآيات، في هذه الآيات إثبات الكلام لله عز وجل؛ لقوله: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ، وإثبات أن كلامه بصوت مسموع تسمعه الملائكة في هذه القصة، وإثبات أنه بحرف، أي بحروف متتابعة يتبع بعضها بعضًا؛ لقوله: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍوكل هذا تأييد لمذهب أهل السنة والجماعة.
وفيه أيضًا إثبات أن الكلام يتعلق بمشيئته، حيث ذكر هذا القول في وقت معين، وفي هذا رد على مذهب من سوى أهل السنة والجماعة؛ كالأشاعرة والمعتزلة وغيرهم.
ومن فوائد هذه الآيات: إثبات الخلق لله وأنه متعلق بمشيئته؛ لقوله: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًاأي: سأخلقه.
ومن فوائدها: إثبات أن أصل بني آدم هو الطين، ولهذا جاءت طبائع بني آدم وألوان بني آدم جاءت مختلفة كاختلاف تربة الأرض؛ فيها السهل واللين، والأحمر والأبيض والأسود، والحزن والصعب؛ لأنهم خُلقوا من هذه التربة، فصار اختلافهم كاختلاف الأصل الذي خلقوا منه.
وفيه إثبات أن بني آدم خلقوا من الطين، وفي آية أخرى أنهم خلقوا من تراب، وفي آية ثالثة مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن: ١٤] ولا منافاة بين هذه الأشياء، أو بين هذه الآيات؛ لأن التراب أصل الطين، والطين أصل الصلصال الذي كالفخار؛ فإنه تراب يُضاف إليه الماء يكون طينًا، يمكث مدة ثم يتحجر فيكون صلصالًا.
ومن فوائد هذه الآيات: إثبات الأفعال لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ [ص: ٧٢] وأن أفعاله تتعلق بمشيئته؛ لأن (إذا) شرطية تفيد المستقبل.
ومن فوائد هذه الآيات: أن الله تعالى أتم خلق آدم وسواه؛ كما قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤].
ومن فوائدها: تشريف الروح التي نفخت في آدم؛ لقوله: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، وهذا تشريف من وجهين:
الوجه الأول: أن الله هو الذي نفخ، ولم يأمر أحدًا من الملائكة بنفخها.
والثاني: أن الله أَضاف هذه الروح إلى نفسه المقدسة.
ومن فوائد الآية: أن العبادة طاعة الله على أي وجه كانت، حتى وإن كانت محرمة في وقت من الأوقات؛ لقوله: فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، والسجود لغير الله شرك، لكن لما أمر الله به صار طاعة وصار الاستكبار عنه كفرًا.
ومن فوائد هذه الآيات: جواز تعليق الأمر بالشرط؛ لقوله: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، ويتفرع على هذا أنه إذا جاز تعليق الأمر بالشرط فإن المأمور به أيضًا يمكن أن ينفذ فيه الشرط، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير وقد اشتكت إليه عند إرادة الحج؛ قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي؛ فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» .
ومن فوائد هذه الآيات: أن الملائكة ذوو عقول يصح توجيه الخطاب إليهم وائتمارهم؛ لقوله: فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَثم قال: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ [ص: ٧٣].
ومن فوائد هذه الآيات: أن الملائكة كلهم سجدوا، وظاهرها أن الملائكة سجدوا لا الذين في السماء الدنيا، ولا اللي في الثانية، ولا في الثالثة، ولا في الرابعة؛ لأن الآية عامة مؤكد عمومها بمؤكدين.
ومن فوائد الآيات الكريمة: جواز توجه الخطاب إلى العموم، وإن كان فيه من غير الجنس؛ لقوله: إِلَّا إِبْلِيسَ [ص: ٧٤] فإن إبليس بلا شك من غير الملائكة أصلًا ونهاية، لكنه كان فيهم، فصح أن يتوجه الخطاب إليه، وهذا ظاهر، لو أنك أمرت جماعة بالسجود وفيهم من ليس منهم، لكنه على صفتهم، ويعمل بعملهم فتخلف، فلا بد أن تلومه؛ لأن الخطاب موجه للجميع.
ومن فوائد هذه الآيات: أن الاسم قد يحمل معنى المسمى؛ لأن إبليس يبدو أنه اسم عربي من الإبلاس؛ لأنه آيس من رحمة الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآيات: ذم الاستكبار عن أمر الله؛ لقوله: اسْتَكْبَرَ [ص: ٧٤].
ومن فوائد هذه الآيات: أن الاستكبار عن أمر الله كفر؛ لقوله: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَيعني كان باستكباره من الكافرين.
وفرع بعض العلماء على هذا أن تارك الصلاة يكون كافرًا؛ لأنه إذا كان إبليس كفر بترك سجدة فما بالك بالذي يترك سجدات وركوعات وقيامًا وقعودًا، نعم، وهذا ليس ببعيد، يعني أن الاستدلال بهذه الآية على كفر تارك الصلاة ليس ببعيد.
ومن فوائد هذه الآيات: توبيخ إبليس بترك السجود لمن شرفه الله عز وجل وأمر بالسجود له؛ لقوله: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥].
ومن فوائدها: أن كلام الله تعالى يتعلق بمشيئته، حيث صدر هذا القول بعد استكبار إبليس وتركه السجود.
ومن فوائدها: إثبات الخلق لله؛ لقوله: لِمَا خَلَقْتُ.
ومن فوائدها: إثبات اليدين لله؛ لقوله: بِيَدَيَّ، وهذه صيغة تثنية تفيد أن لله تعالى يدين اثنتين، وهو كذلك.
ومن فوائدها: شرف آدم من حيث إن الله خلقه بيديه وفضله على غيره بهذا، إلا أن أهل العلم يقولون: إن الله غرس جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده.
ومن فوائد هذه الآيات: الرد على أهل التعطيل الذين قالوا: إن المراد باليد النعمة والقوة، وذلك أن النعمة أو القوة لا تأتي بصيغة التثنية؛ لأن صيغة التثنية تدل على الحصر، وقوة الله غير محصورة، ونعمه أيضًا غير محصورة وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨].
ومن فوائد هذه الآيات وأخص هذه الآية: أن يدي الله لا تماثل أيدي المخلوقين؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، والمضاف يكون بحسب المضاف إليه، فكما أن ذات الله مقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته.
ومن فوائد هذه الآيات: استعمال الحصر أو السبر والتقسيم في المناظرة والمجادلة؛ لقوله: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ، وقد سبق تفسيرها بأن المعنى: هل أنت استكبرت في نفسك وأنت لست أهلًا للعلو، أو كنت عاليًا في أصلك حتى تمتنع عن السجود.
ومن فوائد هذه الآيات: ذم الاستكبار؛ لأن الاستفهام في قوله: أَسْتَكْبَرْتَللتوبيخ.
ومن فوائدها: تنزيل الأشياء منازلها؛ لقوله: أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ؛ لأن العالي إذا كان عاليًا على غيره فإنه لا يمكن أن ينزل حتى يكون أنزل من غيره، بل كل أحد ينزل في منزلته.
ومن فوائد هذه الآيات: بيان الدعوة الكاذبة التي ادعاها إبليس في قوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [ص: ٧٦].
ومن فوائدها: أن الإنسان قد يعمى عن الحق فيستدل بما هو عليه، يظن أنه له؛ لقوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
ومن فوائد هذه الآية: أن من قدم العقل على السمع فإنما هو متبع لخطوات الشيطان؛ لأن الشيطان قدم ما يدعي أنه عقل على السمع فأخطأ في ذلك. فهكذا كل من قدم العقل على السمع سواء في العلميات، وهي علم العقائد أو في العمليات، فإنه مشابه لإبليس متبع لخطواته. واعلم أن كل بلية تقع من تحريف الكلم عن مواضعه والاستكبار عن عبادة الله وغير ذلك، فأصلها من إبليس.
ومن فوائد هذه الآية: إقرار إبليس بأن الله هو الخالق؛ لقوله: خَلَقْتَنِي، وَخَلَقْتَهُ.
ومن فوائدها: أيضًا أن إبليس كان قد أقر بانحطاط منزلته عن الربوبية؛ لقوله: خَلَقْتَنِيوالمخلوق لا يمكن أن يكون ربًّا.
ومن فوائدها: أن إبليس أعلم بحقائق صفات الله من كثير من أهل التعطيل، فالذين فسروا اليد بالقوة هنا لو كان تفسيرهم صحيحًا لقال إبليس: يا رب وأنا خلقتني بيديك؛ لأن الله خلق إبليس بقوته كما خلق آدم، لكن إبليس فهم أن المراد باليد غير القوة، ولهذا لم ينقض فضيلة آدم لكونه خلق بيد الله.
ومن فوائدها: أن إبليس باستكباره وإبائه صار مستحقًّا للطرد والإبعاد، ولهذا قيل له: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [ص: ٧٧].
ومن فوائدها: أن إبليس لما أخرج أبلغ بأنه مرجوم، والرجم زيادة على الطرد.
ومن فوائد هذه الآيات: أن إبليس ملعون؛ لقوله: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص: ٧٨]، وفي آية أخرى: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر: ٣٥]. فهل نقول: إن اللعنة المطلقة في قوله: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَهي المقيدة في قوله هنا: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيأو نقول: إن اللعنة هناك أعم، فعلى إبليس لعنة الله والملائكة والناس أجمعين يحتمل هذا، وهذا يحتمل أن نأخذه بالمطلق لأنه أعم، ويحتمل أن نحمل المطلق هناك على المقيد هنا.
ومن فوائد هذه الآية: أننا لا ندعو على إبليس باللعنة؛ لأنه قد استحق هذه اللعنة بأمر الله، أو بخبر الله وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيفلا حاجة أن تقول: إبليس لعنه الله؛ لأنه ملعون، وقد قال ابن القيم رحمه الله على قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَعَاظَمُ فِي نَفْسِهِ إِذَا قِيلَ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ» قال: إن مثل ذلك إذا دعي عليه باللعنة والتقبيح وما أشبه ذلك فإنه يتعاظم في نفسه، يعني كأنه لم يقدر عليه ذلك. فإذا كان قد قدر عليه فلا حاجة إلى أن أدعو الله له به، ولكن أستعمل ما أمر الله به في قوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف: ٢٠٠]، أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال للشيطان الذي تفلت عليه في صلاته؛ قال: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ» ، فالجواب: بلى، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قيدها فقال: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ» فقيدها.
ومن فوائد هذه الآيات: إثبات الجزاء؛ لقوله: إِلَى يَوْمِ الدِّينِوالدين هنا بمعنى الجزاء.
ومن فوائد هذه الآيات: أن الله أجاب طلب إبليس ودعائه، لكن لا إلى يوم يبعثون، بل إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [ص: ٨١]. ويوم الوقت المعلوم هو يوم موت الناس حين ينفخ في الصور فيصعقون جميعًا.
ومن فوائد هذه الآيات: أن الله قد يُقدِّر أسباب الشر لحكمة، وذلك بإجابة دعاء إبليس أن ينذره الله إلى يوم الوقت المعلوم، وإبليس لا شك أنه مبدأ كل شر، ولكن الله تعالى أبقاه لحكمة عظيمة، لولا بقاء إبليس ما وُجد عاص في الأرض، وإذا انتفى العصيان صار الناس أمة واحدة، ولم يكن للإيمان مزية، ولم يكن جهاد ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، ولو كان الناس أمة واحدة لتعطلت كثير من شعائر الإسلام، فكان الحكمة في بقاء إبليس وفي بقاء ما يدعو إليه إبليس.
ومن فوائد هذه الآيات: معرفة إبليس بالله، حيث أقسم بعزة الله أن يغوي بني آدم؛ لقوله: فَبِعِزَّتِكَ.
ومن فوائدها: أن من أسباب الإعانة أن يستعين الإنسان بما يناسب المقام من أسماء الله وصفاته؛ لأنه لم يقل: فبمغفرتك لأغوينهم، لو قال: فبمغفرتك ما ناسب المقام؛ لأنه يريد أن يتسلط، والسلطة يناسبها من الصفات العزة، يناسبها من الصفات العزة دون المغفرة.
ومن فوائد هذه الآيات: أن إبليس يعرف من صفات الله تعالى؛ لقوله: فَبِعِزَّتِكَ.
ومن فوائد هذه الآيات: أن إبليس وعد متوسلًا بعزة الله أن يغوي جميع بني آدم.
ويتفرع على هذه الفائدة أنه يجب الحذر من إبليس ووساوسه. فإذا قال قائل: ما الذي يعلمني بوساوس إبليس؟ فالجواب سهل: كل شيء يأمرك بمنكر فهو من إبليس، وكل ما يثبطك عن الخير فهو من إبليس. فاحذر! فإذا وجدت من نفسك تأخرًا في الخير فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا وجدت من نفسك إقدامًا على الشر فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨].
ومن فوائد هذه الآيات: مزية عباد الله المخلصين، حيث سلموا من إغواء من؟ إبليس.
ومن فوائدها: أنه كل من كان لله أعبد كان أشد عصمة من الشيطان ووساوسه؛ لأنه استثنى من إغواء بني آدم، استثنى العباد المخلصين، والمعلق بوصف يقوى بقوة ذلك الوصف.
ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى يمن على من يشاء من عباده فيخلصهم له؛ لقوله: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.
ومن فوائد هذه الآيات: أن قول الله تعالى كله حق؛ لقوله: وَالْحَقَّ أَقُولُ [ص: ٨٤] وقدم المعمول لإفادة الحصر.
ومن فوائدها: أن كل ما قدره الله فهو حق، سواء كان ملائمًا للبشر أم غير ملائم: وجه ذلك أن كل شيء قدره الله فهو كائن بقوله: كُنْ [البقرة: ١١٧] و(كن) قول، فإذا كان كل ما قاله الله حقًّا لزم أن يكون كل ما قضاه حقًّا، وهو كذلك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشُّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» .
ومن فوائد هذه الآيات: أن الشيطان في جهنم؛ لقوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ [ص: ٨٥].
ومن فوائدها: أن الله وعد جهنم بملئها، ويتفرع على هذه الفائدة الحذر الشديد من أن يكون الإنسان من أهل جهنم، نعوذ بالله منها. وقد ثبت في الصحيحين أن جهنم لا تزال يُلقَى فيها وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها رجله أو عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط .
ومن فوائد هذه الآيات: أن للشيطان أتباعًا؛ لقوله: وَمِمَّنْ تَبِعَكَ، فإذا قيل: من أتباعه؟ قيل: المستكبرون عن عبادة الله؛ لأن أعظم ميزة يتميز بها الشيطان أنه مستكبر عن طاعة الله. فكل من استكبر عن طاعة الله فإنه متبع للشيطان.
ثم قال الله تعالى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦].
في هذه الآية من الفوائد: أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن بأنه لا يسأل على الرسالة أجرًا، يعني أجرًا دنيويًّا، وأما أجر الآخرة فلا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم يرجوه؛ لأنه هو الدال على الخير الآمر به، ولهذا منع ورثة الرسل من أن يرثوا شيئًا من أموالهم خوفًا من أن يقال: إنما اكتسبه الرسل من أجل الرسالة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» ولَّا صدقةً؟ صدقةٌ يتعين، وأما قول الرافضة أنه بالنصب «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» فهذا تحريف لفظي ومعنوي؛ وذلك لأن ما ترك صدقة لا يورث لا من الأنبياء ولا من غيرهم، لو أوصى الإنسان بشيء يجعل صدقة بعد موته نفذ ولم يورث؛ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: ١١] إلا أن ما زاد على الثلث يكون راجعًا إلى اختيار الورثة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسأل الناس أجرًا على دعوة الخلق إلى الحق، وهل هذا خاص به أو عام له وللأمة، أي أنه يحرم على الإنسان أن يأخذ شيئًا عن تبليغ الشريعة؟
الجواب أنه متى وجب الإبلاغ حرم أخذ الأجر عليه؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجرًا في مقابل قيامه بالواجب، أما إذا كان ليس بواجب فلا بأس أن يأخذ أجرًا؛ لأنه يكون تطوعًا؛ إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
فإذا قال: أنا لا أحبس نفسي إلا بأجر، قلنا: لا حرج ما دام الإبلاغ ليس واجبًا.
ويدل لهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ» ، لكن متى وجب تعليم القرآن على شخص فإن أخذه أجرة على هذا التعليم يكون حرامًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق فيما أخبر به من الوحي؛ لقوله: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦].
ومن فوائدها: الإشارة إلى أن من الناس من يتقول على الله فيدعي أنه رسول وليس كذلك، وحينئذ نقول: من ادعى الرسالة فإن جاء بآية تدل على صدقه فهو رسول، وإلا فليس برسول، هذا فيما قبل النبي صلى الله عليه وسلم، أما ما بعد النبي فمن ادعى الرسالة فهو كاذب؛ لأن الله يقول :مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠]. فمن ادعى الرسالة أن الله أرسله بعد محمد صلى الله عليه وسلم فهو كاذب مرتد عن الإسلام يجب قتله. ولا يرد على هذا أن عيسى ينزل في آخر الزمان.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب اللباس
باب قول الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [الأعراف: ٣٢].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» .
وقال ابن عباس: كُلْ مَا شِئْتَ، وَالْبَسْ مَا شِئْتَ؛ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ؛ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ .
الشيخ: اللباس نوعان: لباس معنوي ولباس حسي، وقد أشار الله إليهما في قوله: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا [الأعراف: ٢٦] هذا الحسي، فالذي يواري السوآت هو اللباس الضروري الذي لا بد منه، والريش هو لباس الجمال والزينة الزائد على اللباس الضروري. ثم قال: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] وهذا هو اللباس المعنوي. والأصل في اللباس الحسي الأصل فيه الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩]، ولأن الله أنكر على من حرم زينة الله التي أخرج لعباده فقال عز وجل: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢]، فأي إنسان يقول لنا: هذا اللباس حرام، سواء كان في عينه أو في وصفه، فإننا نطالبه بالدليل في عينه، بأن يقول: هذا النوع من اللباس حرام في وصفه، يعني شكل تفصيله أو تطريزه أو وشيه، فإننا نطالبه بالدليل.
فإذا قال إنسان: الحرير حرام، نقول له: هات الدليل، سيأتي بالدليل على تحريم الحرير على الرجال، وإذا قال إنسان: لباس الذهب حرام، نقول: هات الدليل، وسيأتي بالدليل على أنه حرام على الرجال، وإذا قال إنسان: الفضة حرام، نقول: هات الدليل، ولكن ليس فيه دليل على تحريم الفضة على وجه العموم، وإذا قال إنسان: المعادن الثمينة التي هي أثمن من الذهب والفضة لبسها حرام قلنا: هات الدليل، والأصل الحل في كل ما يلبس، سواء على بعض البدن أو على جميع البدن، إلا أنه لا بد من مراعاة أمرين: أولهما الإسراف، والثاني المخيلة، فالإسراف: مجاوزة الحد، وهو أمر نسبي، فقد يكون هذا الشيء إسرافًا عند قوم أو مع رجل، ويكون عند آخرين ليس بإسراف، أو عند رجل آخر ليس بإسراف، فإذا لبس الفقير لباس الغني كان إسرافًا؛ لأنه تجاوز الحد، فإن الله يقول: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق: ٧].
المخيلة أن يقصد الإنسان بذلك الخيلاء، يعني الترفع على الناس وأن له ثيابًا رفيعة، ومن ذلك أن يجر ثوبه خيلاء. فإذا قال إنسان: هل استعمال الحسن والجميل من اللباس داخل في المخيلة؟ الجواب: لا، إذا كان لم يصل إلى حد الإسراف فليس داخلًا في المخيلة، بل إن الله جميل يحب الجمال.
طالب: (...).
الشيخ: إي طيب، انتظر إلا المعلق، نعم.
طالب: كيف يكون التصدق فيه إسراف ومخيلة.
الشيخ: إي ماذا تقولون؟ يمكن يسرف فيه، الصدقة يقول: هل يكون فيها إسراف ومخيلة؟ يمكن فيها مخيلة بأن يتصدق كثيرًا ليُرى، وكذلك الإسراف ربما يتصدق كثيرًا وينقص ما يجب عليه من نفقات أهله، فإن صح هذا التوجيه فهو واضح، وإن لم يصح فيقال قوله: «فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» هذا عائدًا على ما سوى الصدقة.
طالب: فعل أبي بكر.
الشيخ: نعم.
طالب: ما يساعد على أنه ما يدعي التصدق والإسراف أنه تصدق بماله.
الشيخ: فعل أبي بكر رضي الله عنه قد يقال: إنه يعلم أن أهله يرضون بذلك ولا يطالبونه بالواجب، والحق لهم، فإذا رضوا بذلك فلا حرج.
طالب: ما نقول: الإسراف في الصدقة إذا كان الشخص يحتاج إلى دراهم أن يعطيه فوق حاجته زيادة فيفسد هذا الشخص الثاني؟
الشيخ: يعني باعتبار المعطى لا باعتبار المعطي، والله له وجه لكنه ليس إلى ذاك.
طالب: الذي لا يصدق بحديث الذباب يقول: إن هذا ما يدخل في (...) بماذا نصفه؟
الشيخ: نصفه بأنه جاهل، والواجب على المسلم إذا صح الحديث أن يسلم له.
طالب: إذا كان من المحسوبين على العلم؟
الشيخ: إي نقول: هو جاهل، الجهل جهلان: جهل مركب وجهل بسيط، فإذا كان هذا الإنسان ممن يعد من العلماء، وأنكر ما صح به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهو جاهل بلا شك.
طالب: ما يبدَّع يا شيخ.
الشيخ: لا، هذا ما فيه بدعة، الشيء المنصوص عليه ما يسمى بدعة، يعني مثلًا الزاني ما نقول: إنك مبتدع، كل شيء نص الشارع عليه فهو ما يسمى بدعة.

***

الطالب: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن نافع، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم، يخبرونه عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» .
الشيخ: قوله: «لَا يَنْظُرُ اللهُ» النظر نوعان: نظر رضا ورحمة، وهذا هو المنفي في هذا الحديث، ونظر إدراك واطلاع، وهذا لا يُنفى؛ لأن الله تعالى لا يُحجب عن نظره شيء، فلا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء، وكل شيء فالله محيط به، لكن نظر الرضا والرحمة هذا منتفٍ عمن جر ثوبه خيلاء، وثوب هذا مفرد مضاف، فيعم كل ما يلبس من قميص وسراويل وإزار.
نقول: ومشلح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم نقول: ومشلح، إي نعم، وهذا الحديث كما ترون له منطوق وله مفهوم، فمن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه، ومن جره غير خيلاء لم يثبت في حقه هذا الوعيد، لكنه يأتي وعيد آخر وهو «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ» .
طالب: من اشترى محرمًا كالدخان وهو له مبلغ يسير هل يدعى أن هذا إسراف.
الشيخ: لا هذا ما يُعد من الإسراف، وإنما يعد من العمل المحرم، يعني من سوء التصرف والسفه؛ لأن الإسراف مجاوزة الحد والزيادة في الشيء.
طالب: غمس الذباب من السنة.
الشيخ: لمن أراد أن يشربه، وأما من أراد أن يريقه..
طالب: (...).
الشيخ: نعم، ما فيه شيء، هذا هو الأفضل، وغمسه لا شك أنه الأفضل، والأمر هنا للإرشاد لأجل أن يقابل الداء بالدواء.
طالب: إن كان اللبس حلالًا، لكن ينافي العرف، هل هذا يعتبر دليلًا للتحريم؟
الشيخ: اللبس حلال؟
طالب: لكن ينافي عرف البلد.
الشيخ: هذا يدخل في ثياب الشهرة، والرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن لبستين؛ لبس الشهرة ولبس الإسراف . فإذا أتى الإنسان بشيء يخالف عرف البلد ولكنه ليس محرمًا فإنه يدخل في لباس الشهرة.