تفسير سورة الزمر - 2
عدد الزيارات 4583

عناصر المادة :
تفسير الآية (5)
تفسير الآية (6)

هداية دلالة، إذن إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي [الزمر: ٣] هداية توفيق، لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، نعم لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ، مَنْ هُوَأي الذي هو كاذبٌ.
قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسبوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة، أما اليهود فقالت: عزير ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون مَنْ هُوَ كَاذِبٌعامة، لكن كأن المؤلف خصصها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [الزمر: ٤].
طالب: (...).
الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًاواضح؟
وإلا فلو نظرنا إلى الآية كَاذِبٌلكانت مطلقة لم تقيد بنسبة الولد إلى الله عز وجل، لكن المؤلف قيدها باعتبار أو بقرينة السياق.
كَفَّارٌكفار هذه يحتمل أن تكون صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون للنسبة، فإن كانت النسبة صارت صفة لازمة، كما نقول: نجار وحداد وخشاب وبنَّاء، وما أشبه ذلك، وإن كانت صيغة مبالغة لم تكن صفة لازمة، لكنها تدل على الكثرة، وعلى كل حال فسواء للمبالغة أو للنسبة فالمراد بها الكفور بالله عز وجل.
وقال المؤلف: (بعبادته غير الله) ولا شك أن هذا كفر: عبادة غير الله. وتخصيص الكفر هنا بعبادة غير الله يؤيده السياق، وهو قوله فيما سبق: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ [الزمر: ٣].
قال الله تعالى: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًاكما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) لَوْهذه شرطية، الشرط الذي فيها أَرَادَوجوابه: لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، واعلم أن لَوْالشرطية إذا كان جواب الشرط فيها مثبَتًا فالأكثر اقترانه باللام: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَاصْطَفَى. وقد يأتي غير مقترن باللام؛ كقوله تعالى: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا [الواقعة: ٧٠]، أما إذا كان منفيًّا فإنه لا يقترن باللام، نعم وهو كثير الأمثلة في هذا، لكن قد يقترن باللام؛ كقول الشاعر:

وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي

لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًاأراد إرادة كونية، فتكون بمعنى المشيئة، يعني: لو شاء الله أن يتخذ ولدًا، يعني أن يجعل لنفسه ولدًا كما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا لَاصْطَفَى(اصطفى) من الصفوة، وهو خيار الشيء، فيكون معنى (اصطفى) اختار، لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُأي من الذي يخلق مَا يَشَاءُ، و(ما) هنا مفعول (اصطفى)، أي: لاصطفى ما يشاء مما يخلقه، وقوله: مِمَّا يَخْلُقُهذه اسم موصول أعني (ما)، والعائد؟
الطالب: محذوف.
الشيخ: محذوف، والتقدير: مما يخلقه، وعبر بـ(ما) دون (من) مع أنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وعزير ابن الله، المسيح ابن الله، فعبر بـ(ما) لأنها أعم من (من)، هذا من وجه، من وجه آخر: أنه إذا أريد ملاحظة الصفة فإنه يعبر بـ(ما) عن (من)، وهنا يراد ملاحظة الصفة وهي العبادة، وانظروا إلى مثال يتضح به ما قلنا: قال الله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣] ولم يقل: (من)؛ لأنه ليس المقصود عين المرأة إنما المقصود الوصف، فلهذا عبر بـ(ما) عن (من).
لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُأي: من مخلوقاته ذات الإرادة والشعور؛ كعزير والمسيح والملائكة وغيرهم كالجمادات من الأصنام المنحوتة وغيرها، (مَا يَشَاءُواتخذه ولدًا)، قوله: مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُنقول في مَا يَشَاءُكما قلنا في مِمَّا يَخْلُقُ.
(واتخذه ولدا غير من قالوا من الملائكة بنات الله). (إن) ولَّا (من)؟ (غير من قالوا)؟ كلكم عندكم (إن)؟
طالب: (...).
الشيخ: (غير من قالوا من الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله) نعم، يعني أنه عز وجل لو أراد الله أن يتخذ ولدًا ما منعه أحد، لاصطفى مما يخلق ما يشاء مما قالوه أو غيره، فهو عز وجل له الملك الكامل ولكنه لا يتخذ ولدًا؛ كما قال تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢] يعني: مستحيل غاية الاستحالة أن يتخذ ولدًا، ولهذا قال هنا: (سُبْحَانَهُتنزيهًا له عن اتخاذ الولد هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُلخلقه).
سُبْحَانَهُأي تنزيها له، و(سبحان) هذه اسم مصدر من (سبَّح)، والمصدر تسبيح. واعلم أن (سبحان) ملازمة للإضافة دائمًا، ولكن ربما تأتي نادرًا أو شذوذًا بغير إضافة، وربما تقترن بـ(أل) فيقال: ذا السبحان، ولكن الأصل أنها ملازمة للإضافة وأنها منصوبة على المفعولية المطلقة، وعاملها يكون محذوفًا دائمًا، والمراد: تنزيهًا له.
وقول المؤلف: (عن اتخاذ الولد) إنما خصه باتخاذ الولد لأن السياق في ذلك، وإلا فإنه منزه عن اتخاذ الولد وعن كل عيب ونقص.
فإذا قال قائل: هل في اتخاذ الولد من عيب؟
فالجواب: نعم، فيه عيب؛ لأنه يدل على احتياج الوالد للولد، ولهذا تجد الإنسان إذا لم يأته الولد يرى أنه ناقص، ويتمنى كل الأمنية أن يأتيه ولد يساعده على شئون الحياة، ويبقي ذكره بعد موته، فاتخاذ الولد نقص ولهذا نزه الله نفسه عنه.
ثانيًا: الولد إنما يأتي من أجل بقاء النوع الذي تولد منه، والله سبحانه وتعالى غير محتاج لذلك؛ لأنه هو الواحد الباقي عز وجل.
ثالثًا: أن الولد يكون مماثلًا لأبيه، ولا نسمع وما سمعنا أن بشرًا جاءه تيس. أليس كذلك؟
وإنما يأتيه ولد مثله، فلو فرض أن الله اتخذ ولدًا لكان الولد مثل الله عز وجل، والله تعالى منزه عن أن يماثله أحد.
إذن ففي هذه الوجوه الثلاثة يتبين أن الولد ممتنع عن الله غاية الامتناع. ثم إن الله أيضًا ذكر مانعًا رابعًا، وهو أنه ليس له زوجة، فقال تعالى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٠١]، فبين أنه ليس له زوجة، كيف يأتي الولد؟ وإنما جاء الولد من آدم مثلًا؛ لأنه آية معجزة.
ثم هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُهو الله، ولو كان له ولد لشاركه في الألوهية، والألوهية ليست إلا له، الْوَاحِدُولو كان له ولد لكان اثنين؛ لأنه لا بد أن يكون الولد مماثلًا لوالده، والله واحد لا ثاني له عز وجل، الْقَهَّارُصيغة مبالغة وصيغة نسبة، أي أنه ذو القهر الدائم المتكرر، فكم من ذي جبروت قهره الله عز وجل، ما أكثر الرجال والأمم ذوات الجبروت التي قهرها الله عز وجل.
من فوائد هذه الآية: أن من كان كاذبًا كفارًا فإن الله لا يوفقه؛ لقولِه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر: ٣].
ومِن فوائدها: التحذير من الكذب وخصال الكفر، وأن الكذب سبب لمنع الهداية؛ وذلك لأن الحكم إذا عُلق بوصف -هذه القاعدة التي يمكن أن نطبق عليها هذه الفائدة- أن الحكم إذا علق بوصف وجد بوجوده وانتفى بانتفائه، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصدق سبب للهداية، وجهه: أنه إذا كان الكذب سببًا للغواية فضده سبب لضده يكون الصدق سببًا للهداية.
ويتفرع على هذه الفائدة: الترغيب في الصدق، ولكن الصدق مع من؟ الصدق مع الله ومع رسول الله ومع عباد الله، الصدق مع الله بالإخلاص له، ومع الرسول باتباعه، ومع عباد الله بحسن المعاملة، فعليك بالصدق «فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا» جعلنا الله وإياكم منهم.
يقول بعض السفهاء: الكذب منجاة، ويقول بعض الباعة: الكذب مسامير السلع، نعم، صح هذا؟ ماذا نقول؟ نقول: الكذب مهلكة، والصدق منجاة، وبالنسبة للسلع الذي يبيعون ويشرون يقول: اكذب لأجل تحكم السلع، مثل المسامير للأبواب، ماذا نقول له؟ نقول: بل اصدق؛ فإن هذا هو المسامير حقيقة، هو الذي يثبت البركة، لكن الكذب منفقة للسلعة ممحقة للكسب.
من فوائد هذه الآية أيضًا: أن الكفر سبب للغواية؛ لقوله: مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر: ٣]، ويؤيد هذا قوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥].
ومن فوائدها: التحذير من خصال الكفر؛ لأن الحكم إذا عُلق بوصف ثبت بوجوده وانتفى بانتفائه، خصال الكفر التي لا تؤدي إلى الكفر المطلق، قد تكون سببًا -والعياذ بالله- للغواية، مثل الطعن في النسب، النياحة على الميت، قتل المعصوم المسلم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» .
طالب: (...).
الشيخ: ما غيرناها، سبحان الله، عندي واحد وأربعون (...).

***

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [الزمر:٥، ٦].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى -في المناقشة-: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر: ٣] ما المراد بالهداية المنفية هنا؟
طالب: هداية التوفيق.
الشيخ: هداية التوفيق، ما هو الدليل؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: هداية الدلالة ثابتة لهم (...) هداية التوفيق.
الشيخ: إي نعم، المنفي هنا هداية التوفيق، لماذا لا نجعلها هداية التوفيق والدلالة؟
الطالب: (...) الرسول صلى الله عليه وسلم (...).
الشيخ: (...) هل عندك دليل، هذا تعليل؟
الطالب: إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢].
الشيخ: قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢]، وقال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٥] عموم.
طيب، قوله: مَنْ هُوَ كَاذِبٌفي أي شيء؟ في أي نسبة الكذب هنا؟
الطالب: نسبة الولد إلى الله عز وجل.
الشيخ: لماذا خصصتها؟
الطالب: نظرًا للآية بعدها.
الشيخ: يعني بقرينة السياق، طيب قوله: كَفَّارٌمعناها؟
الطالب: الكافر.
الشيخ: الكافر، لكن لماذا جاءت على صيغة فعَّال؟
الطالب: للمبالغة.
الشيخ: مبالغة في الكفر أو نسبة، من باب النسبة، نسبة الكفر إليهم، طيب أظن اللي بعدها أخذناها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [الزمر: ٤] إلى آخره (لو) هنا؟
الطالب: شرطية.
الشيخ: شرطية، أين فعل الشرط وجوابه؟
الطالب: فعل الشرط أَرَادَ اللَّهُوجوابه لَاصْطَفَى.
الشيخ: لَاصْطَفَىهل اللام واجبة في جواب (لو)؟
الطالب: (...) في قوله تعالى (...).
الشيخ: لا، ما هي هكذا الآية، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا [الواقعة: ٧٠] طيب أحسنت.
الطالب: (...).
الشيخ: إذا كان منفيًّا لا يأتي إلا مقترنًا باللام؟
الطالب: لا يأتي مقترنًا باللام.
الشيخ: إلا؟
الطالب: (...).
الشيخ: هل هناك شاهد لاقترانه منفيًّا باللام؟
الطالب: (لو نُعطَى الخيارَ لما افْتَرَقْنا).
الشيخ: ولكن لا خيار مع الليالي، طيب نأخذ الفوائد أو أخذناها قبل؟
الطالب: (...).
الشيخ: من قوله؟
الطالب: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ.
الشيخ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ، أخذنا اللي قبلها؟
قال الله عز وجل: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [الزمر: ٤]:
في هذه الآية الكريمة: بيان كمال سلطان الله سبحانه وتعالى، وأنه لو أراد شيئًا لم يمتنع عليه؛ لقوله: لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، ومن وجه آخر أن فيه ردًّا لاقتراحهم أو دعواهم بأن الملائكة بنات الله، أو المسيح أو العزير، فيقول: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاصطفى ما يشاء دون أن يتخذ ما ادعوه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إرادة الله عز وجل؛ لقوله: لَوْ أَرَادَ اللَّهُوإرادة الله تعالى في فعله متفق عليها، لا نظن أن أحدًا يخالف في أن الله تعالى يريد فعله، ولكن هل تتعدى إلى فعل المخلوق أو لا؟
في هذا خلاف بين أهل السنة وأهل البدعة؛ فمنهم من قال: إنها تتعدى إلى فعل المخلوق وغلا في ذلك، وقال: إن المخلوق ليس له إرادة، وهذا قول الجهمية الجبرية.
ومنهم من قال: إنها تتعدى إلى فعل المخلوق لكن لا على سبيل الجبر، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. ومنهم من قال: إنها لا تتعدى إلى فعل المخلوق، وأن المخلوق مستقل بفعله، ولا إرادة لله تعالى فيه، وهذا مذهب القدرية مجوس هذه الأمة، نعم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، والأفعال الاختيارية لله ثابتة بالسمع والعقل؛ أما السمع فما أكثر الأفعال التي يضيفها الله إلى نفسه، وأما العقل فلأن الفاعل بالاختيار أكمل ممن لا يفعل، وذهبت الأشاعرة وغيرهم من المعطلة إلى أن الأفعال الاختيارية لا تقوم بالله عز وجل، بحجة أن الفعل الحادث يستلزم حدوث الفاعل، ولا شك أن هذا قول باطل يستلزم لوازم باطلة، منها أن الله سبحانه وتعالى غير قادر على الفعل، وهذا تنقص لله عز وجل وتكذيب لأخباره الكثيرة التي لا تحصر في إثبات الفعل له.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، والمشيئة نقول فيها كما قلنا في الإرادة من حيث تعلقها، هي تتعلق بأفعال الله، وهل تتعلق بأفعال المخلوق؟
على الخلاف السابق الذي شرحناه في الإرادة، لكن هنا أمر يجب التنبه له، وهي أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية وإرادة كونية، أما المشيئة فهي قسم واحد فقط، الإرادة الكونية ترادف المشيئة فهي بمعناها، فإذا قلت: ما أراد الله كان، فهو بمعنى: ما شاء الله كان.
أما الإرادة الشرعية فإنها ترادف المحبة، أي أنها تتعلق بما يحبه الله عز وجل، فتقول: إن الله يريد منا أن نشكره، هذه الإرادة شرعية، طيب والفرق بين الإرادة الشرعية والكونية من وجهين:
الوجه الأول: أن الإرادة الكونية شاملة لما يحبه الله وما لا يحبه، الإرادة الكونية، فهو يريد الإيمان ويريد الكفر ويريد الطاعة ويريد الفسق بالإرادة الكونية.
أما الشرعية فإنها لا تتعلق إلا فيما يحبه فقط، فلا يمكن أن تقول: إن الله يريد الفسق، أي: يحبه، هذا مستحيل.
وثانيًا -الفرق الثاني- الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، يعني إذا أراد شيئًا كونًا لا بد أن يقع، والإرادة الشرعية قد يقع وقد لا يقع، يريد منا سبحانه وتعالى الإيمان والطاعة قد توجد وقد لا توجد، هذا هو الفرق بينهما.
وبهذا تنحل إشكالات أوردها القدرية على أهل السنة فقالوا لهم: إذا أثبتم تعلق إرادة الله بكل شيء حتى في المعاصي لزمكم أن الله يريد الشر، فيكون الله -على تقدير قولهم- شريرًا، نسأل الله العافية، ماذا نقول؟ نقول: أما الإرادة الشرعية فإن الله لا يمكن أن يريد الشر أبدًا، وأما الإرادة الكونية فإنه يريد ما شاء، لكن إرادته كونًا للشر له حكمة بالغة كثيرة معروفة.
يقول: مِن فوائد هذه الآية: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل ما وصفه به الكافرون الجاحدون؛ لقوله: سُبْحَانَهُ.
ومِن فوائدها: إثبات اسم الله: الله والواحد والقهار، ثلاثة أسماء، وكل اسم يثبته الله لنفسه فإنه يتضمن الصفة التي اشتق منها، فـ(الله) مشتق من الألوهية، ففيه إثبات الألوهية صفة من صفاته، الواحد: الوحدانية، ففيه إثبات الوحدانية لله عز وجل، القهار: القهر، ففيه إثبات القهر لله عز وجل، وأنه القهار الغلاب الغالب لكل شيء.

***

تفسير الآية (5)
00:29:32

ثم قال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ [الزمر: ٥] متعلق بـخَلَقَ هذه الآية جاءت عقب رد قول من يقول: إن لله ولدًا؛ ليبين أن الخالق للسماوات والأرض غني عن الولد، ولا يحتاج إليه؛ لأن الكل ملكه، ولا يحتاج للولد إلا من كان غير مالك تمام الـملك.
قوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ: السماوات: جمع سماء، والسماء تُطلَق على معنيين:
المعنى الأول: العلو، وإن كان دون السماوات.
والمعنى الثاني: السماوات المعروفة السقف التي بناها الله عز وجل، فمن الأول قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الزمر: ٢١]، مِنَ السَّمَاءِيعني من السحاب، والسماء ليست لاصقة في السماء السقف، ولكنه في العلو، ومنه قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج: ١٥] أي: إلى العلو، وأما الثاني الذي هو البناء فهو كثير؛ قال الله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:١١، ١٢].
ومنه هذه الآية: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ، وجمعها لأنها جمع سبع سماوات؛ كما في القرآن الكريم وكما في السنة النبوية.
وَالْأَرْضَهي الأرض التي وضعها الله عز وجل للخلق، يعيشون عليها كما قال تعالى: وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ [الرحمن: ١٠]، ولم يأتِ في القرآن ذكر عددها صريحًا، يعني ليس في القرآن أن الأرضين سبع، لكن جاء ذكرها بهذا العدد لا على سبيل التصريح؛ كقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] مثلهن في العدد وليس مثلهن في الصفة؛ لتباين ما بين السماوات والأرض في الصفة، أما السنة فصريحة في أن الأرضين سبع؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أرَضِينَ» .
والظاهر من النصوص أن هذه الأرَضين متطابقة، يعني بعضها تحت بعض كالسماوات؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» لولا أنها متطابقة لم يعذب بما تحت الأرض العليا، فهي متطابقة، ولكن ذكر العلماء الذين يتكلمون على خلق الأرضين هل هذه الأرَضون متباينة منفصل بعضها عن بعض؟ أو هي كتلة واحدة؟ هذا نقول في الجواب عنه أو في الجواب عليه: الله أعلم لا ندري، لكنه يجب أن نؤمن بأن هناك سبع أرضين كما جاء ذلك في النصوص.
وقوله: (بِالْحَقِّمتعلق بـخَلَقَ) يعني أن خلقه إياها بالحق، الحق أي أنه خلقها حقًّا لا خالق لها غيره، هذه واحدة، والثاني بالحق أي من أجل الحق لا باطلًا، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا [ص: ٢٧] السماوات أو السماء؟ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وقال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الدخان: ٣٨، ٣٩].
وصدق الله عز وجل؛ فإن في خلق السماوات والأرض من الحق ما هو ظاهر، فبهما يعرف الله عز وجل وتظهر آياته الكونية وآياته الشرعية، وبهما يعيش الخلق، ولا يمكننا في هذا المجلس أن نحصر ما في خلق السماوات والأرض من الحق، يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: ٥].
قال المؤلف: (يُكَوِّرُيدخل).
ولا شك أن الله يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل كما في الآيات الأخرى، ولكن هل معنى التكوير هنا الإيلاج أنه يدخل النهار على الليل فيطول، ويدخل النهار على الليل فيطول؟
ظاهر اللفظ يأبى ذلك؛ لأن الله قال: يُكَوِّرُ، والتكوير: التدوير، التكوير هو التدوير، ومنه كور العمامة أي ليها، لياتها تسمى أكوارًا، فـيُكَوِّرُيعني يدير الليل على النهار، وهذا يشبه قوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [الأعراف: ٥٤]، وإذا كان هذا ظاهر اللفظ فإن الواجب أن نجري اللفظ على ظاهره؛ لأنه -أي الظاهر- هو الذي يتبادر إلى ذهن السامع.
فإذا قال قائل: لماذا لا تجعلون الأمر كما قال المؤلف من أجل أن نفسر القران بالقرآن فنجعل يُكَوِّرُيعني (يولج)؟
قلنا: هذا لا يصح؛ لوجهين:
الوجه الأول: أنه خلاف ظاهر اللفظ، ويش ظاهر اللفظ يُكَوِّرُ؟ يدور ويطوي.
وثانيا: أنه يفوت به المعنى المستفاد من كلمة يُكَوِّرُ، أما المعنى المستفاد من الإدخال فهذا يعرف من الآيات الثانية، فحينئذ نستفيد فائدة جديدة غير فائدة الإدخال، يرحمك الله.
أما كونه تعالى يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل فهذا شيء معروف ودلت عليه آيات أخرى، وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ.
قال: (فيزيد وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) ذللهما، التسخير -يرحمك الله- بمعنى التذليل، يعني ذللهما، لأي شيء؟ لمصالح العباد؛ بدليل قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [النحل: ١٢].
إذن التذليل هنا لمصلحة العباد، والشمس والقمر معروفان لا يحتاجان إلى تعريف، ولو أننا أردنا أن نعرفهما بما يعرفه أهل الفلك لزدناهما غموضًا، لو قلنا: إن الشمس كتلة نارية ملتهبة إلى آخر ما قالوا لكان الناس يدورون الشمس، ويش هي؟ وينها؟ كتلة؟
القمر أيضًا كتلة صخرية جامدة باردة مظلمة، إلى آخر ما قالوا أيضًا، يذهب الذهن كل مذهب، لكن إذا قلنا: الشمس ما نراها آية النهار والقمر آية الليل كل يعرفها أوضح من كل شيء، سَخَّرَذللهما في جريانهما وفي اختلاف هذه الجري، فكونهما يدوران على الأرض ويختلفان طولًا وقصرًا هذا لا شك أنه لمصالح العباد، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى، كُلٌّمنين؟
من الشمس والقمر، يَجْرِيأي يسير في فلكه، الفلك: الشيء المستدير، وهما يدوران باستدارة واضحة لكنها تختلف باختلاف الليل والنهار.
وقوله: لِأَجَلٍبمعنى إلى أجل، أي: غاية لِأَجَلٍأي لغاية، مسمى معين من قبل من؟ من قبل الله عز وجل، وهذا أجل مسمى، قال المؤلف: (يوم القيامة).
ودليل ذلك قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير: ١ - ٣] إلى أن قال: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير: ١٤] ومتى يكون هذا؟ يوم القيامة؛ كما قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران: ٣٠] فهذان يجريان إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة ذهبت حاجة الناس إليهما وذهب (...).
أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [الزمر: ٥] أَلَاأداة استفتاح وتأتي للتنبيه وقوله: هُوَيعود على الله عز وجل، والْعَزِيزُقال المؤلف: (الغالب على أمره المنتقم من أعدائه)، وهذا أحد معاني العزة التي أثبتها الله لنفسه، وسبق أن لها معنى ثانيًا وثالثًا عزة القدر، وعزة الامتناع بالإضافة إلى عزة القهر.
فالله سبحانه وتعالى متصف بالعزة كاملًا، قال تعالى: لِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: ١٠]، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [يونس: ٦٥]، فجميع أنواع العزة ثابتة لله سبحانه وتعالى.
وقوله: الْغَفَّارُصيغة مبالغة من الغفر أو نسبة، والغفر أو الغفران ستر الذنب والتجاوز عنه، ولا يكفي أن نقول: إن المغفرة أو الغفران هو التجاوز عن الذنب؛ لأن المعنى المشتق منه يأبى ذلك، فالمغفرة مشتقة من المغفر، والمغفر شيء يوضع على الرأس يقيه من سهام الأعداء، ففي هذا المغفر ستر ووقاية، ولهذا نقول في معنى الْغَفَّار: هو غافر الذنب، أي الذي يستر الذنب ويتجاوز عنه.
في هذه الآية الكريمة: إثبات خلق السماوات والأرض، وهذه الفائدة يترتب عليها الرد على الطبائعيين والفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم، وأن العالم أزلي، وأن هذه السماوات ليس لها أول، هي موجودة في الأزل، فإن هذه الآية ترد عليهم؛ لأنه يقول: خَلَقَ السَّمَاوَاتِأي أوجدها بعد العدم.
ومن فوائد الآية: أن السماوات عدد، وجهه الجمع؛ لأن الجمع يدل على العدد، وقد بينت النصوص الأخرى أنها سبع.
ومِن فوائد الآية الكريمة: أن خلق السماوات والأرض بالحق، وضده الباطل، فلم تخلقا باطلًا (...) ولعبًا.
ومن فوائدها أيضًا: أن الخالق للسماوات والأرض هو الله؛ لقوله: بِالْحَقِّعلى أحد المعنيين اللذين أشرنا إليهما.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كروية الأرض؛ من قوله: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ، ومعلوم أن الليل والنهار يتعاقبان على الأرض، فإذا كان سيرهما تكويرًا دل على أن الأرض كروية.
ومن فوائدها: إثبات قدرة الله عز وجل بتكوير الليل والنهار، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص: ٧١، ٧٢].
لو اجتمع الخلق كلهم على أن يأتوا بالليل في موضع النهار أو بالنهار في موضع الليل ما استطاعوا، ففي هذا بيان كمال قدرة الله عز وجل، حيث يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل.
ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بتسخير الشمس والقمر؛ لقوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.
ومن فوائدها: أن الشمس والقمر يجريان في فلكهما، ففيه الرد على من زعم أن تعاقب الليل والنهار يكون بدوران الأرض، فإن الآية صريحة في أن الشمس تجري والقمر يجري، وعلى الأقل نقول: هي ظاهرة في ذلك، وإذا كان لدينا ظاهر من الكتاب والسنة فإنه لا يجوز لنا أن نعدو هذا الظاهر إلا بدليل بيِّن يسوغ لنا أن نخالف هذا الظاهر؛ لأن الله خاطبنا بكلامه باللسان العربي، فوجب علينا أن نأخذ بمقتضى هذا اللسان العربي ما لم يوجد دليل على خلافه، هم يقولون الآن: إن الشمس والقمر لا يجريان وإن القمر يدور على الشمس وإن الأرض أيضًا تدور حول الشمس، وإن تعاقب الليل والنهار يكون بدوران الأرض، وكل هذا خلاف ظاهر القرآن، فلا عبرة به، إلا إذا علمنا شيئًا نقابل به الله عز وجل بإخراج كلامه عن ظاهره، وإلا فالواجب إبقاؤه على الظاهر.
حتى لو فرضنا أننا أقررنا بأن الأرض تدور، فإنه لا يلزم من ذلك ألا تكون الشمس تدور عليها؛ لأن بعض الناس يقول: إذا أقررتم أن الأرض تدور فإنه يلزمكم أن يكون اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض.
نقول: لا يلزم؛ لأنه إذا اختلفت دورة الأرض مع دورة الشمس حصل التعاقب تعاقب الليل والنهار، ولا مانع.
على كل حال المهم أنه يجب علينا أن نأخذ بظاهر كلام الله؛ لأن الله هو الخالق، وخبره هو الصادق، وقد خاطبنا بما نفهمه من لغتنا؛ لغة العرب، فلا يجوز لنا العدول عن الظاهر إلا بدليل حسي، نخاطب به الله عز وجل يوم القيامة، إذا سألنا: لم اعتقدتم أن الأرض هي اللي تدور وأن الليل والنهار يكون بسبب دورانها؟
يكون لنا حجة، نقول: لأننا لمسنا هذا، طيب فإذا قدر وهو بعيد فيما يظهر إذا قدر أنه ثبت أن الليل والنهار يكون بدوران الأرض لا بدوران الشمس، فكيف نجيب عن الظواهر؟
نقول: تجري بحسب مرأى الإنسان؛ لأن الشيء إذا كان قارًّا وهو يدور فالذي فوقه ساكنًا يظن أنه هو الذي يتحرك ويدور، فإذا ثبت هذا قلنا: إنها تجري بحسب نظر الإنسان، وإن كانت هي ثابتة والأرض هي التي تدور، نعم.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، عمومًا، الظاهر عمومًا؛ لأن الله إذا شرع الشيء لكن لا يمكن أن يشرع الله شيئًا يكرهه.
الطالب: يكون محبوبًا لغيره، مصلحة لغيره.
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: لا أستحضر.
الشيخ: ما (...) الأمور الشرعية متعلقة بما يحبه.
الطالب: مثل الجهاد فيه قتل، لكن فيه مصلحة.
الشيخ: أي هو مكروه لنا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة: ٢١٦] لكن لله ما هو مكروه؛ لأن الله يحب أن عبده يقاتل في سبيله ويقتل.
طالب: (...) لسان العرب (...) كذلك للتأكيد (...).
الشيخ: لا كُلٌّمبتدأ.
الطالب: كُلٌّمبتدأ (...) للتأكيد.
الشيخ: أي للتأكيد المعنوي.
الطالب: (...).
الشيخ: الجملة هنا للعموم أما كُلٌّ يَجْرِيفهي استئنافية، ما أظنها في محل نصب، استئنافية، نعم.

***

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر: ٦، ٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ [الزمر: ٥] ما معنى قوله: بِالْحَقِّ؟
طالب: (...) خلقها حقًّا.
الشيخ: هذا واحد، المعنى الثاني: خلقها حقًّا، يعني لم يخلقها غيره.
الطالب: أي لأجل الحق.
الشيخ: من أجل الحق، طيب ما هو الدليل للمعنى الثاني؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، الدليل للمعنى الثاني أن الله خلقها للحق؟
الطالب: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا.
الشيخ: السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًاآية أخرى وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الدخان: ٣٨، ٣٩] نعم هل في القرآن ما يدل على عدد الأرضين؟
الطالب: نعم في القرآن قوله تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ.
الشيخ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] نعم، لو قال قائل: مِثْلَهُنَّفي الصفة؟
الطالب: يعني هذا سؤال؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نقول: الله عز وجل ما حددها (...) بالعدد (...).
الشيخ: ما قال ذلك، ما قال: مثلهن في العدد.
الطالب: لأنه ورد في الحديث.
الشيخ: لا، نبغي من نفس الآية.
طالب: لأن الله قال في السماوات العدد قال: سبع سماوات، فيكون المماثلة في الأرض في العدد.
الشيخ: (...) لو قال قائل: مثلهن في الصفة؛ لأنك إذا قلت: فلان مثل فلان يعني في الصفة.
الطالب: لأن الله ذكر خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍفتكون (...).
طالب آخر: (...) في الأصل (...) في العدد والكيفية، ولكن لا يوجد مماثلة بين الأرض والسماء من حيث الصفة، فهي تختلف تمامًا عنها.
الشيخ: إي نعم، المماثلة في الصفة مستحيلة، السماوات كبيرة ورفيعة ومحيطة بالأرض، ولا يمكن أن تكون الأرض مثلها في الصفة، إذن تعين أن يكون مثلها في العدد؛ لأنه قال: سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّأي عددًا لا صفة، طيب، ما حضرت؟
طيب، يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِماذا قال المؤلف في يُكَوِّرُ؟
طالب: (...) يدور.
الشيخ: لا، كلام المؤلف.
الطالب: كلام المؤلف (...).
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: قال: معناه يدخل، يكور الليل على النهار يعني يدخل الليل في النهار فيزيد الليل، ويكور النهار على الليل فيزيد النهار، طيب ما هو المعنى الظاهر؟
الطالب: أنه يدير.
الشيخ: أنه يدير، ما الدليل على أن هذا هو المعنى الظاهر؟
الطالب: (...).
الشيخ: معنى التكوير والإدارة، ومنه؟
الطالب: كوَّر العمامة.
الشيخ: كور العمامة.
قوله عز وجل: سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَما معنى سَخَّرَ؟
طالب: يعني ذلل.
الشيخ: ذلل، لأي شيء؟
طالب: للعباد.
الشيخ: للعباد، ما هو الدليل على أن المراد تذليلها للعباد؟
الطالب: قوله تعالى في آية أخرى: سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [النحل: ١٢].
الشيخ: أحسنت سَخَّرَ لَكُمُ، نعم قوله: كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى، كُلٌّ يَجْرِي، كُلٌّماذا يعني بـكُلٌّ؟
طالب: الشمس والقمر.
الشيخ: كُلٌّمن الشمس والقمر، ومعنى يَجْرِي؟
الطالب: (...).
الشيخ: يدور أو يسعى يسير، طيب قوله: لِأَجَلٍ مُسَمًّىما المراد بالأجل هنا؟
طالب: (...).
الشيخ: أجل صحيح معناها غاية، لكن ما المراد بهذه الغاية؟
الطالب: يوم القيامة.
الشيخ: يوم القيامة، أحسنت، ما الدليل؟
الطالب: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير: ١ - ٣].
الشيخ: أحسنت تمام. طيب قوله: أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ، أَلَا؟
طالب: أداة استفتاح يراد بها التنبيه.
الشيخ: التنبيه أحسنت، وما معنى الْغَفَّارُ؟
الطالب: الْغَفَّارُصيغة مبالغة (...).
الشيخ: من الغفر وهو؟ ما هو الغفر؟
الطالب: (...) صيغة للمبالغة.
الشيخ: إي، لكن ما هو الغفر؟ غفر بمعنى؟
الطالب: يغفر.
الشيخ: بمعنى (يغفر) لا، ما يصح، المضارع ما يكون بمعنى (...).
الطالب: ستر الذنب والتجاوز عنه.
الشيخ: الغفر يا أخ ستر الذنب والتجاوز عنه، لماذا فسرناه بذلك؟
الطالب: (...).
الشيخ: لماذا فسرناه بالستر والتجاوز؟ ولم نفسره بالتجاوز فقط؟ هذا يتردد كثيرًا عندنا، نعم.
طالب: لأن معناه اللغوي يقتضي ذلك؛ لأن الغفر هو من المغفر، وهو ما يستر الرأس، فلا بد..
الشيخ: ما يستر الرأس؟
الطالب: ما يغطي الرأس.
الشيخ: بس فقط؟
الطالب: ويقيه.
الشيخ: ويقيه من السهام؛ لأنه مشتق من المغفر، وهو ما يستر به الرأس في الحرب ليقيه من السهام، أظن لم نأخذ فوائد؟
طالب: (...).
الشيخ: أخذنا؟ بس الأخيرة فقط؟
بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل: أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُفي هذه الآية: بيان أهمية معرفة أسماء الله وصفاته؛ لقوله: أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ؛ لأن أَلَاهنا للتنبيه، ولا يحتاج إلى التنبيه إلا في أمر هام ينبغي التنبه له.
ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين وما دل عليهما من صفة وحكم، وهما العزيز والغفار، والقاعدة في باب الأصول -أصول العقيدة- أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، وقد يتضمن مع الصفة حكمًا، وهو ما يسمى بالأثر إذا كان متعديًا، وإن لم يكن متعديًا ففيه الاسم والصفة.
فمثلًا الحي من أسماء الله متضمن لصفة، وهي الحياة، لكنه لا يتعدى للغير؛ لأن الحي وصف لازم، يعني لا يتعدى الموصوف.
الغفار: اسم من أسماء الله متضمن لصفة، وهي المغفرة، متعد للغير، وهو أنه يغفر الذنوب، فهذه القاعدة في أسماء الله سبحانه وتعالى أن كل اسم منها متضمن لصفة، وقد يكون متضمنًا للحكم الناتج أو النابع من هذه الصفة، متى؟
طالب: إذا كان متعديًا.
الشيخ: إذا كان متعديًا، أما إذا كان لازمًا لا يتعدى الموصوف فإنه ليس له حكم، يعني ليس له حكم متعد للغير.
إذن في الآية إثبات العزيز والغفار من أسماء الله، وإثبات ما دل عليه من صفة، وإثبات المغفرة، وهي الحكم من قوله: الْغَفَّارُ.

***

تفسير الآية (6)
01:01:58

ثم قال الله عز وجل: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [الزمر: ٦] الخطاب هنا لبني آدم: خَلَقَكُمْيعني يا بني آدم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍوهي آدم ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَاوصفة خلق آدم أن الله سبحانه وتعالى خلقه من تراب، التراب هذا صار طينًا بإذن الله، وبقي حتى صار كالفخار له صلصلة، وصوت عند دقه، ثم بعد ذلك خلق الله منه آدم، وبعد أن خلق جثة آدم نفخ فيه الروح فصار حيًّا سويًّا بشرًا، هذا هو أول خلقة الإنسان كما دل على ذلك كتاب الله عز وجل، وأما القرود الذين زعموا أن أصل الآدمي قرد فنحن نسلم لهم ذلك بالنسبة لهم، أما بالنسبة لنا فنحن -ولله الحمد- من بني آدم بشر، خلق الله تعالى أبانا بيده، وعلمه أسماء كل شيء، وأسجد له ملائكته، وأما هم فلهم ما أحبوا أن يردوا أنفسهم إليه.
ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا، (ثم) للترتيب بمهلة؛ لأن خلق هذه الزوج متأخر عن خلق آدم؛ فإن الله سبحانه وتعالى أبقاه مدة حتى عرف أنه محتاج إلى زوجة ليسكن إليها، فخلق الله له زوجة وجعل هذه الزوجة من نفس آدم، وقول النبي عليه الصلاة والسلام في النساء: «إِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ» يقتضي أن حواء خلقت من ضلع آدم، والله على كل شيء قدير أن يخلق بشرًا من غير زوجة، بل ومن غير زوج؛ فإن حواء خلقت بلا أم ولا أب.
وقوله: ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَالا ينافي ما ذكر الله تعالى في آية أخرى: وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الأعراف: ١٨٩]؛ لأن الواو لمطلق الجمع لا تقتضي ترتيبًا، أو لا تستلزم ترتيبًا، لا تستلزم الترتيب فإذا جاءت آية أخرى فيها التصريح بالترتيب حملت الآية التي فيها الواو الدالة على مطلق الجمع حملت على أيش؟ على الترتيب، على أن تقديم الشيء على الشيء في الذكر وإن كان بالواو يقتضي أن يقدم، هذا هو الأصل، ولهذا لما دنا النبي صلى الله عليه وسلم من الصفا حين أتى إلى السعي قرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ«أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» ، فبدأ بالصفا.
وهذا يدل على أن ما قُدم في الذكر فهو متقدم على ما بعده رتبة أو زمنًا أو مكانًا حسب ما يقتضي الحال، لكن ليس هذا بلازم، قد يتقدم ما بعد الواو على ما قبلها، ولا يعد هذا تناقضًا، لكن في قوله: ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَالا يمكن أن نقول: إن الجعل هنا قبل خلق آدم، وقوله: ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا، مِنْهَا(من) هذه للابتداء، ومِنْهَاعينًا أو منها وصفًا؟
طالب: وصفًا.
الشيخ: الظاهر الأمران؛ لأنها من آدم خُلقت، وهي مثل آدم أيضًا، فهي من نوعه، وهي أيضًا منه عينًا، فهي جزء منه وبضعة منه، ولهذا خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس وأخبر أن فاطمة بَضْعَةٌ منه نعم.
يقول: ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا، والزوج يطلق على معانٍ، منها الصنف؛ كقوله تبارك وتعالى: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أي أصناف.
وكقوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي أصنافهم، ويطلق الزوج على ما سوى الفرد، أي الشفع، فيقال: فرد وزوج، وكلمة زَوْجَهَاهنا تشمل المعنيين، فهي صنف من البشر، وهي أيضا زوج تشفع آدم بعد أن كان فريدًا، ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَاهذا ابتداء خلق الإنسان.
قال: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِالإبل والبقر والغنم والضأن والمعز ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِالإنزال هنا بمعنى الخلق؛ لأنها أُضيفت إلى أعيان وهي الأنعام، والأنعام جمع نعم كأسباب جمع سبب، وقوله: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍأي ثمانية أصناف، وقد بيَّن الله هذه الأزواج في سورة الأنعام فقال: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ [الأنعام: ١٤٣]، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ [الأنعام: ١٤٤]، الجميع ثمانية، ذكر وأنثى من كل صنف من الأصناف الأربعة، وإذا ضربت اثنين في أربعة صارت ثمانية، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍقال المؤلف رحمه الله: (من كل زوجان ذكر وأنثى كما بين في سورة الأنعام).
ثم قال: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍلما ذكر الله تعالى ابتداء الخلق الأول، وهو آدم؛ ذكر ابتداء الخلق الثاني، وهو النوع الإنساني، كيف خلق، فقال: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ، (في) للظرفية، والبطون جمع بطن، والأصل أن هذه المادة الباء والطاء والنون خلاف الظهور، فالبطون خفية والظهور ظاهرة. ومن أسماء الله الظاهر الباطن: الظاهر العالي، والباطن الذي لا يحول دونه شيء، فهنا البطون إذن جمع بطن، وهو مشتق من البطون أيضًا، بطن الشيء بطونًا أي: خفي.
وقوله: أُمَّهَاتِكُمْجمع أم أو أمهة، ويقال: أمات لغير العاقل، ويقال في العاقل: أمهات، يقول: أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًامصدر يخلق مِنْ بَعْدِ خَلْقٍأي خلقًا متطورًا ينتقل من خلق إلى آخر، قال المؤلف في تفسيره: (أي نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا)، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الأصول في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [الحج: ٥]، مِنْ تُرَابٍباعتبار آدم مِنْ نُطْفَةٍباعتبار النوع الإنسان ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، المضغة هي قطعة اللحم بقدر ما يمضغ، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم مدة هذا التطور في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحُ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ؛ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ» .
أربعين يومًا نطفة يعني ماء، وهو المني، لكنه في هذه المدة يتطور تطورًا خفيًّا إلى أن يصل إلى الغاية في تمام أربعين يومًا حتى يكون علقة، أي دمًا أحمر، والظاهر أنه ليس المراد أنه يبقى نطفة إلى تمام الأربعين، ثم ينقلب في لحظة إلى دم، بل هو يتطور وينقلب شيئًا فشيئًا إلى أن يتم كونه دمًا في أربعين يومًا، ثم يبقى هكذا علقة، لكنه أيضًا يتجمد شيئًا فشيئًا، وينمو حتى ثمانين يومًا، ثم بعد ذلك يكون مضغة قطعة لحم مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍيحتمل -والله أعلم- أن مُخَلَّقَةٍعند انتهاء الطور الثالث، غَيْرِ مُخَلَّقَةٍفي ابتداء الطور، يعني فيكون في هذا الطور في الابتداء غير مخلقة، وفي النهاية مخلقة، ويحتمل أن تختلف الأجنة في ذلك، فيكون بعضها مخلقًا من حين أن تنتقل إلى مضغة، وبعضها يتأخر، فالله أعلم، ويرجع في هذا إلى العلماء في هذه المسألة.
ثم قال عز وجل: خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، ظُلُمَاتٍلا يصل إليها الضوء ثَلَاثٍ.
فسرها المؤلف بقوله: (هي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة الـمشيمة) هذه ثلاث ظلمات جعلها الله عز وجل وقاية لهذا الجنين؛ لأن أشعة الضوء لو وصلت إليه لأفسدته، ولكن الله عز وجل جعله في هذه الظلمات الثلاث، ثم إنه سبحانه وتعالى جعل ظهره إلى بطن أمه، ووجهه إلى ظهر الأم، وهذا من أجل ألا يتضرر وجهه بالصدمات التي تكون على بطن الأم؛ ليكون الظهر وقاية للوجه، وخلف الجنين الذي يلي البطن قوي؛ لأن فيه الظهر والأضلاع، فهو قوي يعني متحملًا للصدمات، فإذا أراد الله عز وجل إخراجه انقلب هذا الجنين، تحرك واضطرب بإذن الله عز وجل، ثم انقلب حتى يكون رأسه هو الأسفل ويخرج الرأس أولًا؛ من أجل أن يكون خروجه سهلًا؛ إذ لو خرج من عند قدميه لكان في ذلك ضرر وخطر أيضًا، قد تعلق مثلًا إحدى اليدين في أحد الجوانب، فيحصل في هذا ضرر، وربما يحصل تلف على الجنين، ولله سبحانه وتعالى في خلقه شئون.
المهم أن الله سبحانه وتعالى اعتنى بنا عناية تامة ونحن في بطون أمهاتنا وعند الخروج منها، ولهذا قال: فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْونعم الرب عز وجل ذَلِكُمُالمشار إليه (رب)، والمخاطب ذَلِكُمُالبشر، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْوإنما أتى باسم الإشارة المفيد للبعد ذَلِكُمُولم يقل: هذا؛ إشارة إلى علو مرتبة الله، إلى علو منزلته عز وجل، وأن له العلو؛ علو الذات وعلو القدر وعلو القهر.
وقوله: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ(رب) إما أن تكون صفة، أو بدلًا، وفيه إشارة، يعني ذكر الربوبية بعد الألوهية إلى التربية الخاصة في حال الحمل والعناية التامة؛ لأن الحمل في بطن أمه لا يمكن لأحد أن يصل إليه؛ لا بجلب منفعة ولا بدفع مضرة، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتولى العناية به.
يقول: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُالجملة هذه جملة خبرية قدم فيها الخبر على المبتدأ؛ لإفادة الحصر لَهُأي: وحده، لا يشاركه أحد، الْمُلْكُيعني الـملك المطلق، ملك الأعيان وملك الأوصاف، فهو مالك الأعيان كلها ومالك أوصافها وتصريفها وتدبيرها.
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَهذا توحيد الألوهية، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَوالجملة هذه -كما تشاهدون- مكونة من نفي وإثبات، نفي من أبلغ أنواع النفي؛ لأنه مصدر بـ(لا) النافية للجنس، و(لا) النافية للجنس يقول علماء النحو والبلاغة: إنها نص في العموم، يعني ليست ظاهرة في العموم، بل هي أبلغ من الظاهرة: نص في العموم، ولهذا يقال فيها: نافية للجنس لا للوحدة: للجنس كله، إذن لا يوجد إله إلا الله، ولكن يجب أن نعلم أن المنفي هنا الإله الحق، يعني: لا إله حق إلا الله، أما الآلهة الباطلة فإنها موجودة كما قال الله تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١]، آلِهَتُهُمُفسماها آلهة، وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص: ٨٨] إِلَهًا آخَرَفسماه إلهًا لكنه إله باطل كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].
فإذا سألنا سائل: هل مع الله إله؟ فالجواب يكون بالتفصيل، وهو: إن أردت إلهًا حقًّا فلا، وإن أردت إلهًا باطلًا يسمى إلهًا وليس بإله، فهذا موجود.
وقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَإذا قال قائل: أين خبر (لا) هل هو (هو) أم ماذا؟ نقول: لا يمكن أن يكون خبر (لا) (هو)؛ لأن (لا) النافية للجنس لا تعمل إلا في النكرات، قال ابن مالك:
عَمَلَ (إِنَّ) اجْعَلْ لِـ(لَا) فِي نَكِرَةْ ............................

لا تعمل إلا في النكرات، و(هو) معرفة، إذن أين الخبر؟ نقول: الخبر محذوف، تقديره: لا إله حق إلا الله، هكذا يجب، وأخطأ من قال: لا إله موجود إلا الله؛ لأن هذا يتضمن أمرًا إمرًا؛ إذ إنك إذا قلت: لا إله موجود إلا الله جعلت الآلهة الموجودة جعلتها الله، وهذا خطأ عظيم، بل الواجب أن نقول: لا إله حق إلا الله، أما في الآية: إلا هو، إذن ما محل (هو) من الإعراب؟ بدل بدل من الخبر المحذوف.
يقول: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(أنى) اسم استفهام، والمراد به التوبيخ والتعجب، يعني: كيف تصرفون عن عبادة الله عز وجل وأنتم تعلمون أنه لا إله الا هو؟ هذا خطأ؛ سفه في العقل وضلال في الدين.
وقوله: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ.
قال المفسر: (عن عبادته إلى عبادة غيره) طيب إذا كان هذا الاستفهام أيش قلنا؟
طالب: (...).
الشيخ: ويش؟ والتعجب فإنه يقتضي أن يكون هذا الصرف حرامًا، أو هذا الانصراف حرامًا؛ لأنه لا يوبخ إلا على شيء محرم، والله أعلم.
طالب: (...).
الشيخ: لأن أهواءهم هي التي غلبتهم، وكلمة تُصْرَفُونَتدل على الانصراف؛ لأنهم صرفوا لكنهم التي صرفتهم أهواؤهم والشياطين.

***

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: ٧، ٨].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَاما المراد بالنفس هنا؟
طالب: آدم.
الشيخ: آدم، وما معنى قوله: جَعَلَ مِنْهَا(من) هنا؟
الطالب: يعني لابتداء.
الشيخ: ابتداء لأن حواء؟
الطالب: خلق من ضلعه.
الشيخ: من ضلع آدم.
قوله تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍما هذه الأزواج؟
طالب: (...) البقر والإبل.
الشيخ: والإبل من كل واحد ذكر وأنثى.
قوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍصف لنا هذا الخلق من بعد الخلق؟
طالب: (...) سورة الحج يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ [الحج: ٥].
الشيخ: نعم صح.
الطالب: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [الحج: ٥].
الشيخ: أحسنت، كم مقدارها كما جاء في السنة؟
الطالب: كما في حديث ابن مسعود: «يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ» .
الشيخ: فهذه مئة؟
الطالب: وعشرون يومًا.
الشيخ: وعشرون يومًا، أحسنت، بارك الله فيك، طيب قوله عز وجل: لَهُ الْمُلْكُفيها ما يفيد الحصر، فما طريقه؟
طالب: بتقديم الخبر على المبتدأ.
الشيخ: تقديم الخبر على المبتدأ، طيب ما هي القاعدة في هذا؟
الطالب: القاعدة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا قدم الخبر على المبتدأ فإنه للحصر.
الشيخ: بس الخبر عل المبتدأ فقط؟ ما هناك قاعدة عامة؟
الطالب: تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
الشيخ: أحسنت، إذا قدم ما حقه التأخير سواء كان خبرًا أو مفعولًا به أو غير ذلك فإنه يفيد الحصر. طيب الـملك لله كيف تجمع بين هذا وبين قوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣] فأثبت ملكًا لغير الله؟
طالب: نعم يا شيخ أن هذا بالنسبة للآدمي صار ملكًا خاصًّا يعود على الآدمي، أما الملك الذي ذكر في الآية فهو ملك عام (...).
الشيخ: يعني أن ملك الله سبحانه وتعالى ملك عام مطلق، عام يعني شاملًا لكل شيء، مطلق يتصرف كما شاء، أما ملك الآدمي فهو خاص ومقيد، صح؟
الطالب: مقيد بما في يده أو بما يملك.
الشيخ: خاص هذا معناه بما يديه، مقيد يعني بمقتضى الشرع، ولهذا لا يملك الإنسان أن يتلف ماله سدى، طيب إذن هذا الجمع أن ملك الله عام مطلق: عام لكل شيء، مطلق غير مقيد يفعل ما شاء، ملك الآدمي خاص مقيد: خاص بما يملكه فقط، فملكي ليس ملكًا لك مثلًا، مقيد بماذا؟
الطالب: بالشرع.
الشيخ: بالشرع، لا يملك الإنسان أن يتصرف كما شاء في ملكه، نعم قوله تعالى: فَأَنَّى تُصْرَفُونَالاستفهام هنا؟
طالب: (...) للتوبيخ والتعجب.
الشيخ: للتوبيخ والتعجب، اشرح كيف كان للتوبيخ وكيف كان للتعجب؟
الطالب: للتعجب: كيف تعبدون غير الله الذي خلقكم ..
الشيخ: وله الملك.
الطالب: (...).
الشيخ: طيب، يعني هذا أمر عجب، طيب التوبيخ؟
الطالب: (...) يوبخهم على عبادة غيره.
الشيخ: نعم صحيح يعني يلومهم ويجعل هذا قدحًا فيهم.

***

ثم قال الله عز وجل: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر: ٧].
طالب: (...).
الشيخ: ما أخذناها؟
الطالب: (...).
الشيخ: منين؟
الطالب: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
الشيخ: من أول؟
طيب قال الله عز وجل: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍمن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أصل البشرية من آدم وليس كما يقول القرود: إن أصلها قرد ثم تطور؛ لقوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وقد بين الله سبحانه وتعالى كيف خلق هذه النفس في مواضع من القرآن.
ومن فوائدها: أن البشرية حادثة وليست أزلية؛ لقوله: خَلَقَكُمْوالخلق يقتضي الحدوث.
ومن فوائد هذه الآية: أن الله جعل أزواج بني آدم من جنسهم؛ لقوله: ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَاولو كانت الزوجة من غير الجنس لم تحصل الألفة والمودة، ولكن الله جعلها من الجنس لهذا.
ومن فوائدها: ما منَّ الله به علينا..