قال الله عز وجل: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [الزمر: ٦].
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أصل
البشرية من آدم وليس كما يقول القرود: إن أصلها قرد، ثم تطور؛ لقوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍوقد بَيَّن الله سبحانه
وتعالى كيف خلق هذه النفس في مواضع من القرآن.
ومن
فوائدها: أن البشرية حادثة وليست أزلية؛ لقوله: خَلَقَكُمْ، والخلق يقتضي الحدوث.
ومن فوائد هذه الآية: أن الله جعل أزواج بني آدم من جنسه؛
لقوله: ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الزمر: ٦]، ولو
كانت الزوجة من غير الجنس لم تحصل الألفة والمودة لكن الله جعلها من الجنس لهذا.
ومن فوائدها: ما مَنَّ الله به علينا من إنزال
الأنعام الأصناف الثمانية.
ومنها: أن إنعام الله
بهذه الأصناف الثمانية أكثر من إنعامه بغيرها كالظباء والأرانب وما أشبهها؛ لأن
الله امتنَّ بهذه الأصناف الثمانية دون غيرها؛ لأنها أشد، نعمة الله أظهر وأبين؛
ولأنها أنعام مألوفة وأليفة بخلاف الأنعام الأخرى.
ومن
فوائدها: الإشارة إلى أن تكوين هذه الخليقة من زوجين كما قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات: ٤٩]،
فكل شيء من الخليقة فلا بد لتركيبه من زوجين حتى المياه، وحتى الهواء، وحتى كل شيء
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ، وهنا يقول:
ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حِكمة الله عز وجل في تطوير
الخلق؛ لقوله: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ [الزمر: ٦]، ولو شاء لخلقنا طورًا واحدًا ولكن حكمته
تأبى ذلك بل يتطور الإنسان من طور إلى آخر للتدرج في الخلْق، كما أن التدرج أيضًا
في التشريع هو الحكمة، فالشرع لم ينزل جملة واحدة يُكلَّف الناس به من أوله إلى
آخره ولكن نزل بالتدريج، وما نحن فيه من الحمل لو أن هذا الحمل نشأ في بطن الأم
دفعة واحدة لكان في ذلك ضرر عليها لكن يتطور وينمو شيئًا فشيئًا حتى يتسع البطن
شيئًا فشيئًا بدون مشقة على الأم.
ومن فوائد الآية
الكريمة: مِنَّة الله سبحانه وتعالى على البشر في أنه يُطوِّرهم في هذا
الخلق في مكان لا يمكن أن يصل إليه أحد؛ لقوله: فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ [الزمر: ٦] كما قال تعالى: فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ [المرسلات: ٢١، ٢٢].
ومن فوائدها: حماية الله الجنين لكونه بهذه الظلمات الثلاث؛
لأن أشعة الضوء ربما تضره، فجعل الله سبحانه وتعالى جعله في هذه الظلمات
الثلاث.
ومن فوائدها: أن القادر على هذا هو المستحق
للألوهية والعبادة؛ لقوله: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [الزمر: ٦].
ومن فوائدها أيضًا: انفراد الله سبحانه وتعالى
بالملك؛ لقوله: لَهُ الْمُلْكُفلا مالك إلا الله، وهل
الملك ملك التصرف الكوني أو الكوني والشرعي؟
طالب:
الكوني والشرعي.
الشيخ: الكوني والشرعي فلا مالك إلا
الله كونًا، ولا مالك إلا الله شرعًا؛ ولهذا له الحكم الكوني والشرعي عز
وجل.
ومن فوائدها: النداء الصارخ في تسفيه هؤلاء
القوم الذين اتخذوا من دونه أولياء بعد ظهور هذه الآيات العظيمة؛ لقوله: فَأَنَّى تُصْرَفُونَيعني كيف تُصرفون عن الحق مع وضوحه
وبيانه.
***
ثم قال: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر: ٧] إِنْ تَكْفُرُواتكفروا بمن؟
طالب: بالله.
الشيخ: إن تكفروا بالله وبما يجب الايمان به فإنكم لن تضروا الله؛ لأن الله غني عنكم، ولم يأمر الله سبحانه وتعالى العباد بعبادته والإخلاص له لحاجته إليهم، ولكن لمنفعتهم هم؛ لأنهم يُثابون على هذا أعظم الثواب، وينجون به من العقاب، أما الله عز وجل فإنه لا يضره إذا كفر كل الخلق إِنْ تَكْفُرُواولو كل الخلق فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ، وقد جاء في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ؛ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» . لو كان الناس كلهم، بل البشر وغير البشر، لو كانوا على أفجر قلب رجل لم ينقص ذلك من ملك الله شيئًا، ولن يضروا الله شيئًا؛ ولهذا قال: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧] ولا يرضى لهم الكفر أن يكفروا بالله.
وتأمل قوله: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِيعني أن الكفر أمر لا يليق بالعباد فلا يرضى لهم أن يقوموا به؛ وذلك لأن الله خلقهم فكيف يرى الإنسان العاقل أن يصرف العبادة لغير الخالق؛ ولهذا قال: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِولم يقل: من عباده، أو: عن عباده؛ لأن اللام أبلغ في كون هذا الشيء لا يليق بهم.
وقوله: لِعِبَادِهِ الْكُفْرَالعبودية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة:
فمن الأول -أي من العام-: قوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣] إِنْ كُلُّ(إن) هنا بمعنى؟ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(إن)؟
طالب: بمعنى (ما).
الشيخ: بمعنى (ما)، وعلامة (إن) التي بمعنى (ما) أن يأتي بعدها (إلا) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣] يعني ما أنت إلا نذير.
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًاهذه من العبودية العامة، حتى الشياطين والكفار كلهم عباد الله بالمعنى العام.
المعنى الخاص، العبادة الخاصة، القسم الخاص في العبادة: عبادة المؤمنين، وهي العبادة الشرعية؛ أي: التعبد لله تعالى شرعًا، وهذه خاصة بمن أطاعه فقط؛ ومن ذلك قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣]، وقوله في الرسل: إنهم عباد الله: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: ٤٥] هذه عبودية خاصة.
قوله: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِهنا هل هي من العامة أو من الخاصة؟
طلبة: من العامة.
الشيخ: من العامة؛ يعني لا يرضى الكفر لأي واحد من عباد الله.
وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَقال: (وإن أراده من بعضهم) هذا كلام جيد؛ يعني هو لا يرضاه لكن يريده، يريده من بعضهم، يريده بالإرادة الكونية لا الإرادة الشرعية، وهذا رد على قول مبتدَع يقولون: إن الله لا يريد إلا ما يرضى، وأما ما لا يرضاه فلا يريده، وعلى هذا القول الباطل تكون المعاصي واقعة بغير إرادة الله، ولا شك أن هذا قول يبطله نصوص كثيرة مثل قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام: ١٢٥] فالله عز وجل مريد لهذا وهذا، لكن بالإرادة الكونية؛ لأن الكل ملكه سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال: (وإن أراده من بعضهم) يعني فإرادته من بعضهم لا يقتضي أن يكون راضيًا به؛ إذ قد يريد ما لا يرضى.
فإن قال قائل: كيف يريد ما لا يرضى؟ وهل أحد يُكرِهه؟
قلنا: لا، لا يُكرِهه أحد لكن يريد ما لا يرضى لحكمة بالغة، لو كان الله تعالى لا يريد إلا ما يرضى لأصبح الناس كلهم مؤمنين، ولم يكن هناك ميزة للمؤمن من الكافر، ولم يقم عَلَم الجهاد، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا مُلِئت النار كما وعدها الله عز وجل إلى غير ذلك من المصالح العظيمة التي تنتج عن وجود الكفر في عباد الله.
قال: وَإِنْ تَشْكُرُوا (الله فتؤمنوا) يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧].
إِنْ تَشْكُرُوامقابل إِنْ تَكْفُرُوا [الزمر: ٧]؛ لأن الإنسان في نعم الله بين كافر وشاكر.
إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْوهو لا يرضى لعباده الكفر، وتأمل كيف قال في الكفر: إن الله غَنِيٌّوَلَا يَرْضَى، وهنا قال: إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْفبدأ في جواب الشرط في إِنْ تَكْفُرُواببيان غناه عن الخلق عز وجل.
أما الشكر فإنه هو الذي يُثِيب عليه؛ ولهذا قال: إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ، فإذا رضيه فسوف يثيبك قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة: ٧-٨]؛ ولهذا أثابهم الجنات، أسال الله أن يجعلني وإياكم منهم.
قال: يَرْضَهُ لَكُمْفي هذا الفعل إشكال من الناحية النحوية، فإنه جواب الشرط، ومع ذلك فهو مفتوح، أجب عن هذا الإشكال: كيف كان مفتوحًا وهو جواب الشرط؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، إِنْ تَشْكُرُواهذا فعل الشرط يَرْضَهُجواب الشرط، فلماذا كان مفتوحًا وهو جواب الشرط؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هو الفعل المضارع ما يكون مرفوعًا ولَّا مجزومًا؟
طالب: إذا جاء فعل مضارع والفعل الأول فعل ماضٍ يجوز..
الشيخ: الأول ليس فعلًا ماضيًا يا شيخ.
طالب: تَشْكُرُوا.
الشيخ: تَشْكُرُوافعل ماضٍ؟ فعل الماضي (شكرتم)، مع العلم بأن التفريع اللي أنت فرعت عليه هذا خطأ أيضًا هو ليس فعلًا ماضيًا، والتفريع خطأ.
الطالب: (...).
الشيخ: أبطلت عمله من أول الدنيا إلى اليوم لا تجزم إلا فعلًا واحدًا؟ أو على رأي من يقول: الدِّين صالح لكل زمان ومكان، ثم يلوي أعناق النصوص علشان توافق هواه وزمانه؟
طالب: مجزوم بحذف حرف الياء.
الشيخ: الياء، وين الياء؟
الطالب: (...).
الشيخ: آخرها ياء، يرضي يعني؟ يرضيه لكم؟
الطالب: (...).
الشيخ: هل حذف الياء ولا غير الياء؟ أنت الآن أجبت بالنصف.
الطالب: هو ألف مكسورة.
الشيخ: إي، الذي حُذف الألف، إذن هو مجزوم بحذف الألف، صحيح يا جماعة؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: إي نعم، إذن (يرضى) هذه جواب الشرط، وهو مجزوم بحذف الألف، وأصلها (يرضى) ولكن حذفت الألف للجزم.
قال: يَرْضَهُ(بسكون الهاء) أقرأ {يَرْضَهْ لَكُمْ} {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهْ لَكُمْ} وهذا خفيف جدًّا تسكينها يعني تقرؤه بخفة.
الثاني يقول: (وضمها) يَرْضَهُفي حال الضم (مع إشباع ودونه).
(إشباع): يَرْضَهُ لَكُمْتشبعها حتى يخرج منها واو، و(دونه) تحذف الواو.
إذن نقرأ: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهْ لَكُمْ} وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ{وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} كل هذا جائز، قراءة سبعية متواترة.
وكما مر علينا -ونعيده من أجل الإخوان الجدد- أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ القرآن بجميع القراءات؛ لأن الكل حق، فلا ينبغي أن يهجر حقًّا من الحقوق ولكن بشرط أن يكون متيقنًا القراءة فلا يكفي غلبة الظن، لا بد يتيقن وإلا قرأ في المتيقَّن عنده.
شرط آخر: ألا يكون عند العامة؛ لأن العامة إذا قرأت عندهم قراءة تخالف مصحفهم صار في ذلك تشويشًا عليهم بالنسبة للقرآن وسوء ظن بالنسبة إليك، ورحم الله امرأ كف الريبة عن نفسه.
أما في مقام التعليم، أو في القراءة بينك وبين نفسك فإنه ينبغي إذا كنت عالِمًا بالقراءة أن تقرأ بها أحيانًا، بهذا أحيانًا، وبهذا أحيانًا.
فمثلًا: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: ٣، ٤] فيها قراءة: {مَلِكِ}، وقراءة مَالِكِاقرأ بها، مرة بهذا ومرة بهذا.
يقول: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْيَرْضَهُقال المؤلف: أي الشكر، فما هو الشكر؟
الشكر حدَّهُ بعضهم بحد جامع مانع فقال: الشكر هو القيام بطاعة المنعِم اعترافًا له بالجميل، ويكون بالقلب واللسان والجوارح وعلى هذا قول الشاعر:
| أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
نعم، إذن الشكر يا أخ؟
طالب: القيام بطاعة الله.
الشيخ: بطاعة المنعِم.
الطالب: بطاعة الْمُنعِم على وجه..
الشيخ: اعترافًا له بالجميل، طيب أين محله؟
الطالب: محله القلب واللسان والجوارح.
الشيخ: القلب أن يؤمن الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة، أو هذه النِّعم من الله عز وجل تفضُّلًا منه، ولا يقول: هذا لي أوتيته على عِلم عندي بل يقول: هذا من فضل ربي.
الثاني: باللسان أن يتعبد لله تعالى بكل قول شرعه، ومن ذلك: أن يتحدث بنعمة الله، فإن هذا من الشُّكر؛ لأنه قول مشروع، قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١].
وأما الجوارح فظاهر أن تُظهِر نعمة الله عليك بالجوارح، فمثلًا إذا أعطاك الله قوة وشجاعة تُظهِر ذلك بالقوة في ذات الله من جهاد الكفار والمنافقين وغيرهم.
المهم أن تظهر عليك أثر النعمة في أفعالك فتقوم بعبادة المنعِم عز وجل.
قال: إِنْ تَشْكُرُوا (الله فتؤمنوا) يعني فتؤمنوا الإيمان المستلزم للعمل الصالح لا مجرد الإيمان بالله عز وجل؛ الإيمان بالله لا يكون إيمانًا حقيقيًّا حتى يستلزم القبول والإذعان.
كثير من العامة يظنون أن الإيمان بالله أن تؤمن بوجود الله فقط، هذا خطأ، بل الإيمان بالله هو الإيمان المستلزِم للقبول والإذعان؛ القبول: لما أمر به وانشراح الصدر به، والإذعان: الانقياد التام، قال الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥].
على رأي من يقول: إن الإيمان هو الإيمان بوجود الله، يظنون أن اليهود والنصارى مؤمنون، وقد يصرحون بهذا، يقول: النصراني مؤمن، يؤمن بالله، وإذا مات له شخص قال: رحمه الله، واليهود كذلك.
نقول: هذا ليس هو الإيمان بالله؛ الإيمان بالله لا يصح، ما هو لا يتم فقط، لا يصح إلا بالقبول والإذعان، القبول لما جاء به الوحي، والإذعان الانقياد التام.
يقول: يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر: ٧].
قال المؤلف التفسير: (وَلَا تَزِرُنفس وَازِرَةٌ وِزْرَنفس أُخْرَىأي: لا تحمله)
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ(لا) نافية (وازرة) فاعل، وهو نكرة في سياق النفي، فيعم كل وازرة، ولكن ما معنى الوازرة؟
الوازرة التي تتحمل الإثم وتقوم به، هذه الوازرة، وعلى هذا فمن دون البلوغ ليس نفسًا وازرة لماذا؟ لأنها لا تتحمل الإثم، ومن كان بالغًا ولم يفعل الإثم فليس بوازر، إذن فالوازرة يعني القابلة للوِزْر وهي النفس المكلفة.
وإذا أردنا أن نقول: وازرة بالفعل نقول: هي الفاعلة للإثم.
فـوَازِرَةٌهنا تشمل الوازرة حكمًا، وقد تشمل الوازرة فعلًا أيضًا، الوازرة حكمًا وحقيقة.
الوازرة حكمًا هي القابلة للإثم؛ يعني التي يمكن أن تتحمل الإثم وإن لم تعمل الوزر.
الوازرة حقيقة: هي التي فَعَلت الإثم، مثال ذلك: رجل بالِغ عاقل لكنه صالح، نقول: هذا وازِر حُكمًا، ورجل آخر زَنَى أو سَرَق، نقول: هذا وازِر فِعْلًا إذا كان بالغًا عاقلًا.
إذن وهذا هو السر في أن الله قال: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌولم يقل: ولا تزر نفس وِزْر أخرى، بل قال: لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ؛ لأن من ليست وازرة لا تزر شيئًا لا عن نفسها ولا عن غيرها.
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌطيب وِزْرَ أُخْرَىأي إثم نفس أخرى.
ومعنى (لا تزر) أي: لا يلحقها وزرُه، أي: الإثم، ولهذا فسره المؤلف بقوله: (أي: لا تحمله) لا تحمل وازرةٌ وِزرَ أخرى.
ثم قال: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ [الزمر: ٧] ثُمَّيعني: بعد الشكر من الشاكر والكفر من الكافر يكون إلى الله وحده المرجع.
ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ، وفي هذه الجملة حصر طريقه تقديم ما حقه التأخير؛ لأن قوله: إِلَى رَبِّكُمْخبر مقدم، ومَرْجِعُكُمْمبتدأ مؤخر.
وقوله: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْولم يقل إلى الله؛ لأن المقام هنا مقام ربوبية؛ لأن الرب هو المالك المتصرِّف الخالق فكان المناسب أن يقول: إلى ربكم، ولو قال: إلى الله مرجعكم لصح؛ لأن الله تعالى أيضًا هو المستحق للعبادة، ولا يستحق العبادة إلا من كان ربًّا.
وقوله: إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْمتى؟ يوم القيامة.
ولكن اعلموا أن كل من مات فقد قامت قيامته؛ لأنه انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في العقيدة الواسطية: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، مع أن الذي يكون بعد الموت قبل قيام الساعة، لكن من مات فقد قامت قيامته.
ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزمر: ٧]
يُنَبِّئُكُمْيخبركم.
لكن قد قيل: إن النبأ لا يكون إلا في الأمر الهام، بخلاف الخبر فيكون حتى في الأمور التوافه.
وقال بعض العلماء: هما بمعنى واحد.
وقوله: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَبِمَا(ما) اسم موصول بمعنى الذي، وعائدها محذوف وهو المفعول به في قوله: تَعْمَلُونَأي بما كنتم تعملونه.
و(ما) الموصولية بل وجميع الأسماء الموصولة تفيد العموم.
والدليل على أن الأسماء الموصولة تفيد العموم قوله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣] فأعاد الإشارة إليه جمعًا مع أنه مفرد، وهذا يدل على أنه يفيد العموم.
إذن كل ما نعمل من خير وشر وصغير وكبير وسابق ولاحق فإن الله تعالى ينبئنا به؛ أي يخبرنا به، وتأمل اللطف والإحسان حيث قال: يُنَبِّئُكُمْولم يقل: يؤاخذكم؛ لأنه ثبت في الصحيح أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه ويقول: «عَمِلْتُ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا، وَعَمِلْتُ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا». حتى يعترف، ثم يقول الله له: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» . شوفوا يا إخوان إنباء بدون مؤاخذة؛ ولهذا قال هنا: يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ثم المؤاخذة إليه، الإنباء وعد عليه والمؤاخذة إليه إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]؛ ولهذا كان الكفار لا ينبئون بعملهم كما ينبأ المؤمن؛ يعني أن الله يخلو به، ويستر عليه، ويقرره بذنوبه معه وحده بل إنهم -والعياذ بالله- ينادى على رؤوس الأشهاد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨] والله أعلم.
طالب: أحسن الله إليك، شكر النعم باللسان أن يتحدث بها المرء يعني مثلًا..
الشيخ: لا، من جملتها أن يتحدث.
الطالب: كيف يتحدث بها أمام الناس؟ هل يفتخر بها ولَّا؟
الشيخ: لا، يخبرهم، مثل أن يقول: كنت فقيرًا فأغناني الله، الحمد لله أنا عندي ولد، عندي زوجة، عندي بيت، عندي سيارة، الحمد لله أنا أطلب العلم، أنا حصَّلت كثيرًا من العلم وهكذا.
الطالب: هل يكون هذا من شكر نعمة الله؟
الشيخ: هذا من الشكر بشرط ألا يكون الحامل على ذلك الفخر أو الرياء؛ لأن بعض الناس يتحدث بالنِّعم من باب الثناء على الله أن الله أعطاه، ومنَّ عليه، وتفضل عليه.
طالب: (...).
الشيخ: يصلح، لكن الموصول أحسن، يصلح.
طالب: ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الزمر: ٦] من العلماء يقول: إنه لا يجوز نكاح الإنس والجن وبالعكس؟
الشيخ: لا، هذه الآية ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَاتعود على حواء، ما هي على الجنس، هذه لو كانت على الجنس.
طالب: الغلام إذا بلغ عشر سنين يؤمر بالصلاة..
الشيخ: ومسألة زواج الإنس بالجن هذه مسألة تعود عاد إلى المأذون الشرعي في الجن إن زوجك توكل على الله.
طالب: الغلام إذا بلغ عشر سنين فيكلف بالصلاة، هل يكون وازرًا؟
الشيخ: لا ما يكلف.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، يضرب عليها لعشر لكن من باب التأديب على التمرن على الطاعة وإلا لو تركها فإنه لا يأثم.
طالب: إذا قرأ الإنسان مثلًا في الركعة الأولى قرأ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، وفي الركعة الثانية قرأ {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} هل يعتبر صحيحًا؟
الشيخ: لا، لا بأس ما فيه مانع، لا حرج (...).
تبارك وتعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧]
يقول عز وجل: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر: ٧].
قوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِأي الله عز وجل عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِوهي القلوب ودليل هذا: قوله تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] فالمراد بذات الصدور أي صاحبة الصدور القلوب.
وإنما ذكر الله هذه الجملة بعد قوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَللإشارة إلى أن الحساب يكون على ما في القلب كما في قوله تعالى: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٨، ٩]، وقال تعالى: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات: ٩-١٠] فالمدار يوم القيامة على ما في القلب، أما في الدنيا فالمدار على الأعمال الظاهرة؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل المنافقين معاملة المسلمين؛ لأنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام، ونحن نحاسِب الناس في الدنيا على ما يظهر من أعمالهم ونكل سرائرهم إلى الله، أما في الآخرة فإن الحساب على ما في القلب، ولهذا يجب على الإنسان أن يعتني بصلاح قلبه قبل صلاح جسمه؛ لأن صلاح الجسم واجهة أمام الخلق، لكن صلاح القلب هو الذي يكون بين الإنسان وبين ربه عز وجل.
في هذه الآية من الفوائد: بيان أن الله عز وجل إنما أمر العباد بعبادته لحاجتهم لذلك ومنفعتهم به وليس لحاجته إلى ذلك؛ لقوله: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر: ٧].
ومن فوائدها: إثبات اسم الغني لله عز وجل، وإثبات ما دل عليه من صفة؛ لأن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة، وليست كل صفة متضمنة لاسم، ولهذا نقول: إن صفات الله أوسع من أسماء الله بمعنى أنها أكثر، ووجه ذلك ظاهر: إذا قلنا: كل اسم متضمن لصفة تساوت الأسماء والصفات على أن الاسم الواحد يمكن أن يتضمن عدة صفات لكن لنقل على أدنى تقدير: إنه لم يتضمن إلا صفة واحدة، فإذا قلنا: كل اسم متضمن لصفة تساوت الأسماء والصفات، هناك صفات لا يمكن أن يُشتق منها أسماء، كثيرة جدًّا، وبهذا تبين أن الصفات أوسع وأكثر من الأسماء.
ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل لا يرضى الكفر لعباده؛ لأنه غير لائق بهم؛ إذ هم عباد الله؛ فاللائق بهم أن يقوموا بطاعته وعبادته، ولا يليق بهم أن يكفروا به.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرضى لله؛ لقوله: وَلَا يَرْضَى. وقوله فيما بعدها: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْوالرضا صفة من صفات الله الفعلية؛ لأنه متعلق بمشيئته، وكل وصف يتعلق بمشيئة الله فإنه يسمى عند أهل السنة صفة فعلية، وكل وصف مُعلَّق بسبب فإنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يوجد عند وجود السبب.
والحق أن الرضا صفة حقيقية لله عز وجل كالفرح والعجب والضحك وما أشبه ذلك، وزعم أهل التعطيل أن المراد بالرضا الثواب، ففسروه بشيء بائن عن الله منفصل عنه؛ مخافة أن تتعلق به الأفعال الاختيارية، وهذا من جهلهم؛ وذلك لأننا إذا فسرناه بالثواب فالثواب لا يقع إلا بإرادة، والإرادة لا تقوم إلا حين يوجد سبب الرضا، وحينئذٍ تكون الإرادة حادثة، فهم فروا من شيء ووقعوا في مثله مع تحريفهم للنصوص بصرفها عن ظاهرها، وتعطيلهم للصفة التي دلَّ عليها النص، فهذه ثلاثة محاذير، شوف كيف الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، يقعون في ثلاثة أمور، ثلاثة محاذير:
المحذور الأول: أنهم وقعوا في مثل ما فروا منه، فإن كان ما فروا منه محذورًا فما وقعوا فيه محذور.
الثاني: أنهم حرفوا النص عن ظاهره، صرفوه إلى معنى آخر.
الثالث: أنهم عطَّلوا الله عن الصفة التي دل عليها النص الذي حرفوه؛ فهم مثلًا عطلوا الله عن صفة الرضا، وحرَّفوا النص عن ظاهره، ووقعوا فيما فروا منه، وهكذا في جميع الصفات التي حرفوها عن ظاهرها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا تلازم بين الرضا والإرادة، وجهه أنه قال: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَمع أنه أخبر في آيات كثيرة أن الكفر واقع بإرادته، قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا [الأنعام: ١٢٥].
فإذا جمعنا بين هذا وهذا عرفنا بأنه لا تلازم بين الرضا والإرادة، فقد يريد ما لا يرضاه، وقد يرضى ما لا يريده، قد لا يرضى ما لا يريده، فهو مثلًا يرضى من كل واحد من الناس أن يشكر لله، وهل أراد ذلك؟ لا.
يقول: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الكفر غير مرضي لله؛ لقوله: لِعِبَادِهِوالعبد يجب أن يكون مؤمنًا بسيده مطيعًا له، فكيف يكون عبدًا، ثم يكفر به؟!
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الشكر، وأن الشاكر ينال رضا ربه؛ لقوله: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧] وقد جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» «يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» الأكلة هل المراد الوجبة من الطعام أو المراد كل لقمة؟
طالب: الوجبة.
الشيخ: فيه من يرى أن المراد الوجبة، وفيه من يرى أن المراد اللقمة، وكان الإمام أحمد-رحمه الله يأكل كلما أكل لقمة حمد الله، فقيل له في ذلك فقال: أكل وحمد خير من أكل وصمت؛ لأن لفظ الحديث: «يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ». محتمل لأن يكون المراد به اللقمة، أو الوجبة من الطعام، وكذلك يقال في الشرب، والإنسان ينبغي له في الشرب أن يشرب بثلاثة أنفاس كل نفس يحمد الله عليه إذا قلنا المراد بالشربة النفس.
قال: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧].
فمن فوائدها: فضيلة الشكر.
ومن فوائدها: أن الله يرضى الشكر لعباده، وإذا رضي الله عن العبد كان ذلك سببًا في إرضاء العبد، ودليل ذلك قوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩] فيرضى الله عنهم بعبادتهم إياه، ويرضون عنه بما أثابهم، نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، أن الإنسان يرضى عن ربه ويرضى الله عنه.
وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تحمل نفس إثم نفس أخرى حتى وإن ضمنت النفس الأخرى ذلك الذنب، وإن ضمن ذلك الذنب يعني مثلًا لو قال شخص لآخر: افعل كذا من الذنوب والإثم عليَّ، هل يصح؟ يقول: أنا ضامن، أرأيتم لو ضمن دَيْنًا على شخص يصح؟ يصح، وهو يُحَمِّل نفسه بهذا الضمان يُحمِّل نفسه دَينًا، فإذا كان كذلك لماذا لا يصح أن يضمن إثم مَنْ فعل الإثم؟ نقول: لقول الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ [العنكبوت: ١٢] نحن نشيل العذاب عنكم، قال الله تعالى: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [العنكبوت: ١٢]، بل إنه يوم القيامة يكون الأمر أشد إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: ١٦٦] يتبرؤون منهم، ويتحاجون في النار، كل طائفة تتبرأ من الأخرى، فلا يمكن لأحد أن يحمل إثم أحد أبدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة..
بقي علينا نسأل قبل أن نأخذ الفائدة هذه.
إذا قال قائل: كيف يُجمع بين هذه الآية الكريمة وبين قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وإخباره أنه: «مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ -الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ- كِفْلٌ مِنْ ذَلِكَ» ؟
فالجواب: أن من سَنَّ السنة السيئة فإن آثام من استن به عليه؛ لأن هذا من فِعْلِه هو السبب، فهو بالحقيقة لم يحمل إثم غيره إلا لأنه هو السبب الذي جر الناس إلى هذا الاثم.
قد يكون الناس مستوحشين من هذا الإثم، يخشون منه ويهابونه، فإذا فعله شخص هان عليهم الأمر، واقتدوا به لا سيما إذا كان الشخص ذا كلمة مطاعَة كالأمير والعالم، وما أشبه ذلك.
إذن لا تعارُض بين الآية والحديث، وجهه أن من سَنَّ السُّنة السيئة فإنه عمل العمل الذي به الإثم، والسبب اقتداء الناس به.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإثم إنما يتحمله من كان قابلًا له؛ لقوله: وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر: ٧] والوازِرة هي التي تكون أهلًا لتحمل الوِزْر، والذي يكون أهلًا لتحمُّل الوِزر هو من جمع وصفين: البلوغ والعقل؛ لقوله في الحديث الصحيح: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ» . صححه كثير من أهل العلم.
فإن قال قائل: أليس الأب الراعي على أولاده إذا أهملوا شيئًا كان عليه إثم من إهمالهم؟
فالجواب: بلى، ولكن إهماله إياهم وِزْر وإثم؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: ٦]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» .
ثم قال عز وجل: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْإلى آخره [الزمر: ٧].
من فوائد هذه الجملة: أن المرجع إلى الله يوم القيامة.
ويتفرع على هذه الفائدة: وجوب الاستعداد لهذا اللقاء وهذا المرجع، والاستعداد له يكون بترْك المعاصي وفِعل الطاعات، هذا الاستعداد، ما دام المرجع إلى الله لا يمكن أن ترجع إلى غيره مهما كان، مرجعك إلى الله عز وجل فهو منه المبتدأ وإليه الْمُنتهى.
ومن فوائدها: بيان شمول علم الله؛ لقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزمر: ٧] بالذي كنتم تعملون كله صغيره وكبيره، والخطاب لجميع الناس، وهذا يدل على شمول عِلْم الله عز وجل، وهو كذلك، فعِلْم الله تعالى واسع محيط بكل شيء.
وقد نبَّه الله سبحانه وتعالى على بيان كيف كان واسعًا فقال: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤] أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَيعني إذا كان الله هو الخالق -وهذا شيء مُقرٌّ به- لزم أن يكون عالِمًا بما خلق؛ إذ كيف يمكن أن يخلق ما لا يعلم؟ هذا مستحيل.
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَنأخذ عليها جملة اعتراضية (مَنْ) هذه فاعِل أو مفعول؟
طالب: فاعِل.
الشيخ: يجوز فيها الوجهان أن تكون فاعلًا يعني: ألا يعلم الذي خلق مَنْ خلقه؟
ويجوز أن تكون مفعولًا به؛ أي: ألا يعلم الله من خلقه؟ ومعلوم أن الخالق والمخلوق بينهما تلازم فلا خالق إلا بخلْق ومخلوق، ولا مخلوق إلا بخالِق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى عالِم بأسرار العبد؛ لقوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر: ٧]، وقد قال الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦] بل يعلم ما يستقبل للمرء، الإنسان يعلم ما توسوس به نفسه لكن لا يعلم ماذا يكسب غدًا، والله عز وجل يعلم ماذا يكسبه العبد غدًا.
ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن الحساب يوم القيامة يكون على ما في الصدور؛ لأنه لما ذكر الإنباء قال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِيعني فالمرجع في الحساب إلى ما في القلب، فصحِّح ما في قلبك؛ لأن المدار عليه، ولهذا شواهد من الآيات ذكرناها أثناء التفسير.
ومن فوائدها: الإشارة إلى أن القلب هو الذي عليه مدار الصلاح؛ لأنه إذا كان الحساب على ما في القلب فهو عليه مدار الصلاح، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .
ثم قال الله تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ [الزمر: ٨].
إِذَا مَسَّأي: أصاب.
والْإِنْسَانَيقول المؤلف: المراد به (الكافر).
وإنما جُعِل هذا العام خاصًّا؛ لظاهر سياق الآية كما يتبين، وإلا فالأصل أن الإنسان من ألفاظ العموم، الإنسان من ألفاظ العموم، فـ(أل) فيه لاستغراق الجنس، وعلامة (أل) التي لاستغراق الجنس أن يحل محلها (كل) أي: كل إنسان.
لكن المؤلف -رحمه الله- جعله عامًّا أُريد به الخاص بقرينة السياق، فإن السياق يدل على أن المراد به الكافر؛ لأنه لا يمكن أن يتأتَّى ما يدل عليه السياق من مؤمن.
إِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّضُرٌّنكرة في سياق الشرط فتكون عامة؛ أي ضر يكون؛ في بدنه، في أهله، في ماله، عام، خاص، أي ضر يكون يدخل في قوله: ضُرٌّ.
دَعَا رَبَّهُانظر إلى قوله: دَعَا رَبَّهُولم يقل: دعا الله ففي هذه الحال، أي في إصابة الضر عرف ربه، وأنه لا ملجأ منه إلا إليه، فيدعو ربه معتقدًا أنه ربه يملك ما شاء ويتصرف فيما شاء.
قال المؤلف: (تضرع) يعني فسر دَعَابمعنى (تضرع)؛ لقوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا [الأعراف: ٥٥] والتضرع هو الاستكانة والذل أمام الله عز وجل.
(مُنِيبًاراجعًا إِلَيْهِ) فإذا دعا ربه منيبًا إليه كشف الله ضره؛ لأنه سبحانه وتعالى قال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ [النمل: ٦٢].
وإجابة الله للمضطر تشمل الكافر والمسلم حتى الكافر الذي يعلم الله أنه سيكفر بعد زوال اضطراره يجيب دعوته فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٦٥] فهو يعلم عز وجل أنهم سيشركون بعد النجاة، ومع ذلك يجيبهم؛ لأن رحمته سبقت غضبه، ففي حال الضرورة يصدق لجوء الإنسان إلى ربه؛ لأنه يعلم أنه لا يكشف الضر إلا الله، فإذا رجع إلى ربه سبحانه وتعالى فإن رحمته سبقت غضبه يجيبه رحمةً به.
فهنا يقول عز وجل: ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُإلى آخره [الزمر: ٨].
قال: ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُيعني كأن هذا -والله أعلم- إشارة إلى أنه بعد أن تغمره النعمة ويستمر فيها وقتًا ينعم به بعد ذلك يكفر.
وقوله: إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةًقال: (أعطاه) تفسير لـخَوَّلَهُ.
(إنعامًا) تفسير لـنِعْمَةً.
أما تفسير خَوَّلَهُبـ(أعطاه) فواضح، وأما تفسير نِعْمَةًبـ(إنعام) فلا وجْه له؛ لأن الْمُعطَى ليس الإنعام وإنما المعطى النعمة وعلى هذا فإبقاء الآية على ظاهرها أولى مما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
إذا اعطيناه إنعامًا لا يستقيم الكلام لماذا؟ لأن الإنعام فعل الله، والمعطَى هو النعمة وليس فعل الله، فإبقاء الآية على ظاهرها لا شك أنه هو الموافق للواقع.
يقول: ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُمِنْهُ(مِنْ) هنا للابتداء؛ أي: نعمة صادرة من الله عز وجل، يتبين بها أنها فضْل محض من الله.
(نَسِيَترك مَا كَانَ يَدْعُويتضرع إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُوهو الله) انظر يا أخي، كان يتضرع إلى الله عز وجل في أن يكشف عنه الضر، كشف الله عنه الضر، وأعطاه نعمة زائدة على كشف الضر، ماذا تكون حاله؟
قال: نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُوالنسيان هنا بمعنى الغفلة، وليس المراد به ذهول القلب، وإنما المراد الغفْلة المتضمنة للترك، ومن ذلك قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: ٤، ٥] أي: غافلون عن صلاتهم.
نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُيقول: (مَا كَانَ يَدْعُويتضرع إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ)
إِلَيْهِالضمير يعود على الله عز وجل.
ومَاتعود على الله، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (فـ(ما) في موضع (من)). (ما) في قوله: مَا كَانَ يَدْعُوفي موضع (من) يعني مراد المؤلف أن (ما) بمعنى (من) أي: نسي من كان يدعو إليه من قبل، يعني من يدعو إليه من يوجه الدعاء إليه، أو كما قال المؤلف: (يتضرع إليه وهو الله عز وجل) فغفل، و(ما)، كأن الله أنعم عليه بكشف الضر وتخويله النعمة.
نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا [الزمر: ٨].
الأنداد ما غفل عنهم، والواحد القهار غفل عنه -والعياذ بالله- مع أن الأنداد لم تنفعه ولم يتضرع إليها حين أصابه الضر ومع ذلك يُقبِل عليها ويدع من أنعم عليه.
وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا(شركاء).
والأنداد جمع: (نِد)، والند هو المسامي لنِدِّه المماثل له، فيجعل لله أندادًا بماذا؟ في العبادة، يعبد هذه الأصنام كما يعبد الله عز وجل، ينذر لها كما ينذر لله، يذبح لها كما يذبح لله، وهكذا.
قال تعالى: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ(بفتح الياء وضمها) عَنْ سَبِيلِهِ(دين الإسلام).
أَنْدَادًا لِيُضِلَّاللام هذه إما أن تكون للتعليل، وإما أن تكون للعاقبة، فعلى قراءة الفتْح {لِيَضِلَّ} هو فاللام للعاقبة، يعني جعل لله أندادًا أدت به إلى الضلال، وإن كانت بضم الياء لِيُضِلَّفاللام للتعليل يعني جعل لله أندادًا ليقتدي به الناس فيضلوا، والآية فيها قراءتان: {يَضِلَّ} ويُضِلَّ، فـ{يَضِلَّ} تعود إلى نفسه ويُضِلَّتعود إلى غيره، وهاتان القراءتان كلاهما صحيح أو كلتاهما صحيح، وكل واحدة تفيد معنى يكمل معنى الأخرى فهو يضل بنفسه ويضل غيره أيضًا. اللام قلنا: إنها للعاقبة متى؟ على أي قراءة؟
طلبة: {لِيَضِلَّ}.
الشيخ: على قراءة الفتح؛ يعني أنه إذا اتخذ أندادًا صار عاقبته الضلال، وتكون للتعليل على أي القراءتين؟
طلبة: الضم.
الشيخ: على الضم؛ يعني جعل لله أندادًا ليُقتدَى به فيضل غيره.
لام العاقبة هل تأتي في اللغة العربية؟ نعم، تأتي، قال الله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨] هل آل فرعون التقطوا موسى من أجل أن يكون لهم عدوًّا وحزنًا؟ أبدًا. يقولون: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص: ٩]، لكن العاقبة: صار عدوًّا وحزنًا.
وتأتي زائدة -تأتي اللام زائدة- كما في قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ [الأحزاب: ٣٣] إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُأي: أن يذهب، وكما في قوله: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَأي: أن يبين، وإنما قالوا إنها زائدة؛ لأن (أراد) تتعدى بنفسها لا باللام، ولا تصلح أن تكون للتعليل؛ لأن التعليل مستفاد من الإرادة، وعلى هذا فيعربونها على أنها زائدة، فتبين أن اللام التي تدخل على المضارع تكون زائدة، وتكون تعليلية وهي الأكثر، وتكون للعاقبة.
طالب: (...).
الشيخ: ليس خلافًا؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: (...) في بعض الأشياء إرادة (...) بدون إرادة (...).
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: (...).
الشيخ: أحسنت، هو يرضى من الكافر أن يُسلِم، ولكنه لم يُرِد أن يُسلم؛ فهنا..
الطالب: (...).
الشيخ: هذا هو، هذا وجه ألا تلازم أنه قد يُوجد الرضا بلا إرادة، وتوجد الإرادة بلا رضا، ويوجد رضا وإرادة.
الطالب: (...).
الشيخ: الكافر ما الذي يرضى الله منه؟ أن يُسلم، لا يرضى الكفر، الله ما يرضى الكفر، يرضى الشكر فيرضى من هذا الكافر أن يشكر ويُؤمن، لكن هل أراد الله أن يشكر ويؤمن؟ لو أراد الله لوقع.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، كيف نجمع بين وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر: ٧] وبين ما ورد أنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ؟
الشيخ: نعم، هذا أيضًا صحيح ينبغي أن يُورَد على الآية، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أن الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، عائشة رضي الله عنها قالت: إن المراد بذلك الكافر . ولا شك أنها رضي الله عنها بشر تخطئ وتصيب، وذلك لأن الكافر يعذب سواء بكى عليه أهله أم لا، لكن هي أرادت أن تقول: إن معنى الحديث أن الكافر ليعذب وأهله يبكون عليه، جعلت هذا معنى الحديث، واستدلت بالآية.
ولكنا نقول: لا يستقيم هذا التأويل بل معنى الآية: أن المراد بالعذاب التألم النفسي، وليس التألم البدني، ونظير هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» . مع أن المسافر لا يتعذب تعذبًا بدنيًّا، قد يكون من آنس ما يكون إذا كانت الأرض مُخصِبة والإبل طيبة، والرفاق أصحاب، ويش يكون السفر؟ نُزهة، ومع ذلك فهو قطعة من العذاب القلبي، صح؟
نحن بالطائرة مستريحون، مُكندَشة، دفء في الشتاء، وبرودة في الصيف، ونشرب القهوة والعصير، ونأكل التمر، وكل ما طلبنا يأتي، ومع ذلك القلب متألم، ما هو مثل الإنسان المستقر في بيته، فالعذاب الذي في القبر هو هذا النوع من العذاب.
وقال بعض العلماء: يُعذَّب عذابًا بدنيًّا، يعاقَب عقوبة بدنية ولكن هذا في من أوصى أهله أن ينوحوا عليه، وإن كان هذا لم يُذكر بالحديث لكن يُحمل الحديث على ما تقتضيه النصوص الأخرى.
وقال بعضهم: هذا في الرجل الذي يعلم من أهله أن ينوحوا عليه ولم ينههم، والفرق بين القول هذا واللي قبله واضح: الذي قبله أوصاهم، وهذا لم ينههم، ما أوصاهم لكن يعلم أنهم يفعلون فلم ينههم، فهذه أربعة أقوال في الحديث، وأصحها أن المراد بالعذاب العذاب النفسي، وليس العذاب البدني؛ لقوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر: ٧].
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ٩، ١٠].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ [الزمر: ٨] ما المراد بالإنسان هنا؟
طالب: الكافر.
الشيخ: الكافر، لماذا لا نحمله على العموم كما حملنا قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨] على العموم؟
طالب: (...) بقرينة السياق.
الشيخ: ما هو السياق؟
الطالب: قرينة السياق في الكافر وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا [الزمر: ٨].
الشيخ: وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًاأحسنت.
هل يسوغ في اللغة العربية أن يُستعمل العام بمعنى الخاص؟
طالب: نعم، كثير.
الشيخ: كثير، ومنه غير الآية هذه؟
طالب: قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران: ١٧٣].
الشيخ: قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْفـ(الناس) الأولى رجل واحد، والثانية طائفة من الناس، وليس كل الناس.
قوله تعالى: ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ [الزمر: ٨] ما معنى (خوله)؟
طالب: أعطاه.
الشيخ: أعطاه، ومنه قوله تعالى: وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ [الأنعام: ٩٤]. نعمة؟
طالب: المؤلف فسرها بالإنعام، وهذا خاطئ؛ لأن الإنعام هو فِعل الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: والصحيح أحسن من قولك هذا خاطئ، والصحيح أن المعنى أعطاه نعمة؛ لأنه خوله الْمُنعم به وليس الإنعام؛ الإنعام من فِعْل الله.
قوله تعالى: وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ [الزمر: ٨] فيها قراءتان؟
طالب: بفتح الياء، وبضم الياء، بضمها وفتحها.
الشيخ: اقرأهما.
الطالب: لِيُضِلَّ، و{لِيَضِلَّ}.
الشيخ: نعم، أحسنت.
ماذا يكون معنى اللام على كلتا القراءتين؟
الطالب: في حال فتح الياء تكون للعاقبة، إذا كانت ضم الياء تكون..
الشيخ: للتعليل.
الأخ يبين لنا اللام الداخلة على المضارع تكون للعاقبة وللتعليل كما في هذه الآية، وهل لها معنى ثالث؟ يلَّا يا أخ، نحن نظنك صاحب نحو.
طالب: زائدة.
الشيخ: زائدة، مثل؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، التي تدخل على المضارع ما هي باللام التي تدخل على الاسم.
طالب: على المضارع؟
الشيخ: إي، تأتي زائدة لكن نريد المثال الآن.
الطالب: تأتي بمعنى (أل).
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!
طالب: مثل يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦].
الشيخ: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْاللام هنا؟
الطالب: زائدة.
الشيخ: زائدة، ليش؟ لأن الإرادة تدل على معناها، لو قال الله عز وجل: يريد الله أن يبين لكم.
طالب: صح.
الشيخ: صح، استقام الكلام.
قال الله تبارك وتعالى: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ [الزمر: ٨] وقفنا على (يضل)؟
قال الله تعالى: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِأو {لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} [الزمر: ٨] سَبِيلِهِأي دينه، أي طريقه الموصِل إليه، طريق الله الموصل إليه، هذه سبيل الله.
والسبيل يُضاف إلى الله تارةً كما في هذه الآية، وكما في آيات أُخرى كثيرة، ويضاف إلى المخلوق كما في قوله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف: ١٠٨] فما هو الجمع بينهما؟
الجمع بينهما أنه يُضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه باعتبار أن الله هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه، ويُضاف إلى غير الله للمخلوق باعتبار أنه هو السالك له.
إذن فسبيل الله يعني هو الذي شرع هذا السبيل ووضعه للعباد وهو يُوصِل إلى الله، سبيل الرسول هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف: ١٠٨] أي: طريقي الذي أسلكه، ومثل ذلك يُقال في الصراط صِرَاطِ اللَّهِ [الشورى: ٥٣] وصِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] فصراط الله باعتبار أنه هو الذي وضعه، وأنه مُوصِل إليه، وصِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْباعتبار أنهم هم الذين يسلكونه.
وقوله: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِقال المؤلف: (دِين الإسلام) وهذا تفسير للكلمة بمرادها؛ لأن التفسير للقرآن أحيانًا يكون تفسيرًا لفظيًّا وأحيانًا يكون تفسيرًا معنويًّا.
التفسير اللفظي: أن تُفسِّر اللفظ بمعناها، والتفسير المعنوي: أن تفسر اللفظ بالمراد بها.
فمثلًا: دين الإسلام لا يُطابِق في المعنى اللفظي لـ(سبيل)؛ لأن السبيل في اللغة الطريق، هذا في اللغة لو قيل لك: فسِّر سبيل تقول: يعني طريق.
لكن السبيل المراد به دِين الإسلام؛ لأن دين الإسلام وهو شرائع الإسلام يُوصِل إلى الله عز وجل، والذي وضعه هو الله سبحانه وتعالى.
إذن المؤلف فسَّر السبيل هنا بالمعنى اللفظي أو بالمعنى المرادي؟ يعني أن المراد بذلك كذا وكذا.
وقوله: (دين الإسلام) واضح أنه هو سبيل الله؛ لأن الله هو الذي شرعه سبحانه وتعالى؛ ولأن من سلكه أوصله إلى الله.
قال الله تعالى: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا(بقية أجلك) إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: ٨] أعوذ بالله.
قُلْالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من يصح خطابه، أي: قل أيها الإنسان لهذا الكافر أو لهذا الإنسان الموصوف بهذه الصفات: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا.
تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًاهذي أمر لكنه ليس على ظاهره بل المراد بالأمر هنا التهديد كقوله تعالى: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩] معلوم أن الإنسان ليس بالخيار بين الإيمان والكفر لكن هذا من باب التهديد.
فهنا تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًاليس معناه أننا نبيح له أن يتمتع بالكفر، أو نأمره أن يتمتع بكفره بل نهدده، فالأمر هنا للتهديد.
فإن قال قائل: ما الذي أخرجه عن المعنى الأصلي؟
فالجواب: أنه أخرجه عن المعنى الأصلي قرينة السياق قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَأي: اكفر وتمتَّع بالكفر؛ لأن الكافر يتمتع بكُفْره تمتع البهائم كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد: ١٢]، فالكافر -والعياذ بالله- لا يُقيِّد نفسه بعبادة، لا بصلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، ولا غير ذلك من العبادات، بل هو قد اتبع هواه وتمتع كما يتمتع الحمار، وفي النهاية قال: إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِكقوله تعالى: يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد: ١٢]، وما أسرع وصوله إلى النار؛ لأن الدنيا قليل؛ أي: زمن قليل، مهما طال بك العمر فإنه إذا وافاك الأجل كأن لم تلبث إلا ساعة من نهار، وإذا شئت تصديق هذا فاعتبر ما مضى من عمرك بما بقي، اعتبر ما مضى، الآن كلنا يختلف سِنُّه عن الآخر لكن كلنا كأننا ولادة هذه الساعة؛ يعني كل اللي مضى كأنه لم يكن، هكذا يكون بقية العمر مهما طال بالإنسان العمر فإنه إذا جاء أجله كأنه لم يكن؛ ولهذا قال: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًاوإن طال بك العمر، يقول: (بقية أجلك).
إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: ٨] الجملة هذه مؤكدة بـ(إن)، يعني ومهما تمتعت فمآلك إلى النار إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، وأصحاب النار إنما تُطلق على الذين يُخلَّدون فيها، فالمؤمن العاصي وإن كان يستحق العذاب بالنار فإنه لا يسمى من أصحاب النار؛ لأن الأصل في الصُّحبة طول الملازمة هذا أصل الصحبة طول الملازمة إلا في مسألة واحدة ما هي؟
طلبة: الصحابة.
الشيخ: مَنْ؟ الصحابة، الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، لو اجتمع بالرسول الله صلى الله وسلم مؤمنًا به ولو لحظة صار من أصحابه.
يقول: إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِالنار هي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين، وقد بَيَّن الله تعالى في الكتاب، وبَيَّن رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة ما فيها من أنواع العذاب: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦]، وقال الله تعالى: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٣ - ٤٨] أعوذ بالله، يصب فوق رأسه من عذاب الحميم الماء الحار الشديد الحرارة، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] وهذا من باب التهكم به إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُيعني وأين عزتك وأين كرمك؟ في الدنيا يرى نفسه سيدًا شريفًا ولكنه في الآخرة يهان إلى هذه الإهانة.
المهم: أن أنواع العذاب -والعياذ بالله- -نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار- أنواع العذاب في النار شيء -والعياذ بالله- إذا تصوره الإنسان فإنه يتبين له شدة ما يلاقيه هؤلاء من العقوبة الشديدة.
يقول عز وجل: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِإلى آخره [الزمر: ٩]
أَمَّنْ هُوَقال: ({أَمَنْ} بتخفيف الميم) أمن وعلى هذا فتكون الكلمة مركبة من همزة الاستفهام و(مَن)، من الاستفهامية، يقول: بل (مَن) الموصولة، همزة الاستفهام و(مَن) الموصولة أي: آلذي هو قانت إلى الآخر.
(هُوَ قَانِتٌقائم بوظائف الطاعات) القنوت يطلق على معانٍ متعددة:
منها: الخشوع كقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨].
ومنها: الدعاء في الوتر أو في الفرائض عند النوازل.
ومنها: دوام الطاعة كقوله تعالى: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم: ١٢].
ومثال الأول: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] أي: خاشعين؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية أُمِر الصحابة بالسكوت، ونُهُوا عن الكلام.
فهنا قَانِتٌمن أي المعاني الثلاثة؟
طالب: دوام الطاعة.
الشيخ: من دوام الطاعة، أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ [الزمر: ٩] قال المؤلف: (قائم بوظائف الطاعات) يعني مديم لها.
(آنَاءَ اللَّيْلِيعني: ساعاته سَاجِدًا وَقَائِمًافي الصلاة).
سَاجِدًا وَقَائِمًانص على السجود، وعلى القيام دون الركوع والقعود؛ لأن السجود شريف بهيئته والقيام شريف بذِكْره، كيف؟
السجود شريف بهيئته: أفضل هيئة للمصلي أن يكون ساجدًا؛ ولهذا كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
والقيام شريف بذِكْره: ما هو ذِكْره؟ القرآن كلام الله، وكلام الله تعالى أشرف الكلام؛ فلهذا نص على هذين الأمرين، أو على هذين الركنين من أركان الصلاة؛ القيام والسجود، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سجد يُسْمع لصدره أَزِيزٌ كأزيز الْمِرْجَل . القِدر الذي يغلي، وكان عليه الصلاة والسلام إذا قام لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تَعَوَّذَ، ولا بآية تسبيح إلا سَبَّحَ . وهذا يدل على أن القائم في الليل ينبغي له أن يلاحظ هذا، يلاحظ قوة الخشوع في حال السجود والبكاء، ويلاحظ أيضًا حضور القلب أثناء القراءة ليتابع إذا مر بآية رحمة سأل، وبآية وعيد تعوذ، وبآية تسبيح سبَّح، قائمًا وقاعدًا ساجدًا وقائمًا.
(يَحْذَرُ الْآخِرَةَأي يخاف عذابها وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِجنة رَبِّهِ).
هنا قوله: يَحْذَرُ الْآخِرَةَهذه حال، حال كونه يحذر الآخرة، وحال مقارِنة لقوله: سَاجِدًا وَقَائِمًايعني حال كونه في سجوده وقيامه يحذر الآخرة؛ أي: يخافها وليس يخاف وقوعها؛ لأن وقوعها لا بد لكن يخاف عذابها، يخاف أن يُعذَّب.
وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِيقول المؤلف: جَنَّتَه، ولا شك أن الرحمة يُراد بها الجنة كما قال الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» .
ولكن يراد بالرحمة معنى آخر وهي فِعْل الله بالعبد؛ أي رحمته للعبد، فأيهما أولى في هذه الآية؟
طالب: الرحمة بمعنى الجنة، يَحْذَرُ الْآخِرَةَأي يحذر عذاب الآخرة، ويرجو رحمة الله يعني يحذر النار ويرجو الجنة.
الشيخ: إي نعم، هذا ما ذهب إليه المؤلف، لكن لماذا لا نقول: يرجو أن يرحمه الله، ويكون المراد بالرحمة هنا رحمة الله التي هي فِعْله؛ يعني يرجو أن يرحمه الله بالأمرين بالنجاة من النار، وبدخول الجنة، هذا المعنى أحسن؛ لأن المتبادِر في الغالب لمعنى الرحمة أن تكون فِعْل الله؛ يعني أن الله يرحمك.
وأيضًا إذا قلنا رحمة الله: صار يرجو أن ينجوَ من النار، أو من عذاب الآخرة، وأن يفوز بالجنة.
وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِقال: (كمن هو عاصٍ بالكفر أو غيره)..





